Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
لم يعدّوا لها عدّتها ﴿أَنَّ النّاسَ كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ﴾ لم يكن لديهم يقين بالآخرة ولا بالقرآن، فهنالك طائفة من بني إسرائيل تدعى (السدوقيين) تنكر الآخرة.
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ (٨٣)
٨٣ - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا﴾ في كلّ أمة جماعات كثيرة مكذّبة بالآيات ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾ يتفرقون ويتوزّعون، كلّ بحسب جسامة آثامهم وكفرهم وجرائمهم.
﴿حَتّى إِذا جاؤُ قالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨٤)
٨٤ - ﴿حَتّى إِذا جاؤُ﴾ المكذّبون بالآيات المشار إليهم آنفا ﴿قالَ﴾ لهم تعالى موبّخا ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي﴾ الناطقة بلقاء يومكم هذا؟ ﴿وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً﴾ غير ناظرين فيها؟ نظرا يؤدي بالعلم بكنهها وأنها خليقة بالتصديق حتما؟ ﴿أَمّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ في دنياكم؟ ما دمتم لم تشتغلوا بهذا العمل المهم من دراسة القرآن؟ فبأي عبث أفنيتم أعماركم؟.
﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ (٨٥)
٨٥ - ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ﴾ فات أوان توبتهم، ووقع قضاء الله فيهم ﴿بِما ظَلَمُوا﴾ أنفسهم ﴿فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ﴾ بأعذار واهية.
﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٨٦)
٨٦ - هنا تعود الآيات (٨٦ - ٨٨) للتذكير ببعض معجزات الكون: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ﴾ بعد انشغالهم نهارا في السعي وراء أرزاقهم ﴿وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ لجلب المنافع الدنيوية إليهم ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ باهرات
стр. 1402
﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لديهم قابلية للإيمان، أما من انغلقت بصيرته من المشار إليهم بالآيات (٨٠ - ٨١) فلا سبيل للوصول إليهم.
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ (٨٧)
٨٧ - ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ يوم القيامة ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ وهو ما يعتري الجميع عند البعث والنشور ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ ألا يفزع ﴿وَكُلٌّ﴾ كل واحد منهم ﴿أَتَوْهُ داخِرِينَ﴾ أذلاّء.
﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ (٨٨)
٨٨ - ﴿وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً﴾ كتلة جامدة لا تتحرك ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ﴾ لأن الدنيا حالة عابرة، في حين أنّ الدوام للآخرة، انظر [إبراهيم ٤٨/ ١٤]، وهنالك معنى علمي أيضا لمرور الجبال مرّ السحاب، وهو أنّ المادة مكونة في أكثرها من الفراغ، ولذا فهي تمر مرّ السحاب، بدليل تتمة الآية:
﴿صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ من صنع كلّ شيء من الذرات المكوّنة من نواة وإلكترونات تدور حول النواة في الفراغ، فجعلها تمرّ مرّ السحاب، ويحتمل أيضا أنها تمر مرّ السحاب مع دوران الكرة الأرضية ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ﴾ من كان صنعه بهذا الإتقان، فهو جدير أن يكون خبيرا بأفعال العباد، أما حقيقة الجبال في الآخرة فتدلّ عليه الآيات: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً * لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه ١٠٥/ ٢٠ - ١٠٧].
﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ (٨٩)
٨٩ - ﴿مَنْ جاءَ﴾ يوم الحساب ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ بالأعمال الحسنة وهو مؤمن ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها﴾ لأن للذين أحسنوا الحسنى وزيادة فوق حسناتهم، انظر شرح [يونس ٢٦/ ١٠]، ﴿وَهُمْ﴾ المحسنون ﴿مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ يوم القيامة.
стр. 1403
﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٩٠)
٩٠ - ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ﴾ جزاء وفاقا ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لا غير، لأن جزاء السيئة بمثلها، انظر يونس [٢٧/ ١٠]، في حين يكون جزاء الحسنة المشار إليها في الآية المتقدمة أضعافا مضاعفة.
﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٩١)
٩١ - ﴿إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ﴾ وهي مكة المكرمة ﴿الَّذِي حَرَّمَها﴾ جعلهاتعالى حرما آمنا، انظر [قريش ٤/ ١٠٦]، ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ في الخلق، خلقا وملكا وتصرفا ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ من الذين أسلموا وجوههم لله تعالى.
﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٩٢)
٩٢ - ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ﴾ أن أواظب على تلاوته، ﴿فَمَنِ اِهْتَدى﴾ بالقرآن ﴿فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ منفعة الهداية تعود عليه ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن القرآن وهديه ﴿فَقُلْ﴾ له ﴿إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ فليس عليّ الإكراه والقسر.
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٩٣)
٩٣ - ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ على نعمائه، إذ أنعم على عباده بنعمة الوحي بعد نعمة العقل ﴿سَيُرِيكُمْ آياتِهِ﴾ المعجزة في الآفاق وفي أنفسكم، انظر [فصّلت ٥٣/ ٤١]، ﴿فَتَعْرِفُونَها﴾ على وجه اليقين ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كلّ إنسان بعمله.
стр. 1404
سورة القصص - ٢٨ - مكية
مقدمة
نزلت في أواخر الفترة المكية، واشتق اسمها من ورود كلمة (القصص) بالآية (٢٥) منها، وهي السورة الثالثة في مجموعة سور الطواسين الثلاثة (الشعراء - النمل - القصص)، والملاحظ أنّ نصف السورة تقريبا مكرّس لقصة موسى وبيان بعض النواحي الشخصية في حياته.
ارتباط السورة بما قبلها
سورة القصص استمرار لسورة النمل المتقدمة من حيث أنّ نصفها تقريبا مكرّس لقصة موسى التي سبق أن وردت بإيجاز في أوّل سورة النمل، وقد ختمت سورة النمل القصة بقوله تعالى واصفا جحود فرعون وقومه برسالة موسى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢٧ - ١٤)، ثم في سورة القصص تفصيل ذلك وهو المكابرة والإصرار على التقليد: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ (٣٦/ ٢٨).
وفي أواخرسورة النمل المتقدمة قوله تعالى: ﴿إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٧٦/ ٢٧)، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٩٢/ ٢٧)، ثم تفتتح سورة القصص بقوله تعالى: ﴿طسم * تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ (١/ ٢٨ - ٢).
стр. 1405
وفي سورة النمل أن الرسل في مأمن من الخوف في حضرة الله :
﴿يا مُوسى لا تَخَفْ إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ (١٠/ ٢٨)، وفي سورة القصص أنهم من الآمنين، أي في الدنيا والآخرة: ﴿يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ (٣١/ ٢٨).
محور السورة
أن الله تعالى يجزي المتصفين بالإحسان في كل شيء بأن يؤتيهم العلم بمعناه الواسع؛ أي الإدراك الروحاني، كما يؤتيهم الحكمة، أي المقدرة المنطقية على إدراك الصواب من الخطأ، لقوله تعالى عن موسى: ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاِسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٤)، وقد توصل موسى ﵇ إلى هذه المنزلة بعد الأحداث المذكورة بالآيات (١٥ - ٢٨)، وفي آية [يوسف ٢٢/ ١٢] إشارة ليوسف ﵇ بما يشبه ذلك.
وعلى النقيض من المتصفين بالإحسان تكمن عاقبة فرعون وأمثاله في الاستكبار الزائف وإنكار البعث والحساب: ﴿وَاِسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ (٣٩).
مع أنّ الوحي الإلهي وبعث الرسل تتالى على البشرية منذ القدم فلا عذر للناس بالاستكبار والجهل: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٥١)، ومن ذلك نزول الوحي بالتوراة وبالقرآن: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٩).
وبعد البعثة النبوية دخل كثير من اليهود والنصارى في الإسلام كما يدخلونه اليوم: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (٥٢ - ٥٣)، وأن المجتمعات قد تدوم مع الكفر ولا تدوم مع الظلم: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ﴾
стр. 1406
﴿وَأَهْلُها ظالِمُونَ﴾ (٥٩)، وأن الله تعالى خلق الخلق واختار له ما هو خير:
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦٨)، ولكن الإنسان يطغى فينسب ما بيده من نعم إلى حذاقته ومهارته ومكره السيئ، وينسى المنعم عليه، كما في قوله تعالى على لسان قارون: ﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٧٨).
وأن الله تعالى يرزق المؤمن والكافر على السواء سوى أن الذين يكفرون بالنعم لا يفلحون: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٢)، وأنه بعد ختم الرسالات بنزول القرآن الكريم بشيرا ونذيرا للناس كافة لم يبق بعده سوى المعاد والحساب: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٨٥).
خلاصة السورة
بعثة موسى لفرعون وأسبابها (١ - ٦).
قصة موسى من مولده إلى بعثه لفرعون، الآيات (٧ - ٤٣).
تتابع الوحي بالتوراة والإنجيل، الآيات (٤٤ - ٥٠).
تتابع الرسالات وختمها بالقرآن ودخول اليهود والنصارى بالإسلام (٥١ - ٥٦).
الأمم قد تدوم مع الكفر ولا تدوم مع الظلم الآيات (٥٧ - ٥٩).
عجز الشركاء المزعومين، وأنّ الله تعالى يختار الخير لعباده (٦٠ - ٧٥).
стр. 1407
قصة قارون، كان من قوم موسى، كمثال على سلوك المفترين (٧٦ - ٨٤).
حتمية المعاد والحساب ووجوب التوحيد (٨٥ - ٨٨).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿طسم﴾ (١)
١ - ﴿طسم﴾ الله أعلم بمراده، انظر [البقرة ١/ ٢].
﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ (٢)
٢ - ﴿تِلْكَ﴾ أي في هذه السورة ﴿آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ القرآن الكريم، الذي يبين حقيقة الأحداث في قصة موسى وفرعون وبني إسرائيل، خلافا للنشاز المذكور في كتب العهد القديم.
﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣)
٣ - ﴿نَتْلُوا عَلَيْكَ﴾ أيها الرسول، وأيها المسلم، وأيها القارئ ﴿مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ﴾ بعثة موسى إلى فرعون ﴿بِالْحَقِّ﴾ مبيّنا الحق بوضوح ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ الذين لديهم الاستعداد للإيمان، بخلاف المتشنّجة عقولهم على الباطل.
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٤)
٤ - ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ﴾ تجبّر وطغى في مصر ﴿وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً﴾ أي طوائف بحسب منازلهم الاجتماعية، وهذا التصنيف للبشر يدينه القرآن بشدة لأن الناس خلقوا متساوين ﴿يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ﴾ وهم بنو إسرائيل وضعهم فرعون في الطبقة الدنيا ﴿يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ﴾ لأن بني إسرائيل سبق لهم التحالف مع الهكسوس أعداء فرعون عندما احتلّوا شمال مصر، فخشي أن يعودوا للتحالف معهم إن هاجموا مصر مرة أخرى، [انظر مقدمة سورة يوسف] ﴿وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ يستبقيهم للخدمة إماء ﴿إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ الراسخين في الإفساد.
стр. 1408
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ (٥)
٥ - ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ من بني إسرائيل ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً﴾ لأنهم الأمة الوحيدة في زمانهم الذين أقرّوا بالتوحيد، وكانوا بذلك الأمة التي سبقت المسيحية والإسلام ﴿وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ لأمجاد فرعون.
﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (٦)
٦ - ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ في فلسطين لمدة من الزمن ﴿وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ من رغبتهم في الانفلات من العبودية، والخروج من مصر، وهامان اختصار (ها - أمون) وهو كبير رجال الدين المصريين في معبد أمون في ذلك الوقت، وهو الذي خاطبه فرعون بالآية (٣٨) طالبا منه أن يبني له صرحا من الطين ليطّلع منه على إله موسى، ولعل في ذلك إشارة إلى الأهرامات المصرية التي كان رجال الدين المصريين يشاركون في تصاميمها المعمارية.
﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٧)
٧ - بعد أن افتتحت السورة بالآيات (١ - ٦) ببيان الأسباب التي استوجبت بعثة موسى إلى فرعون مصر، ينتقل الخطاب في الآيات (٧ - ٤٣) لتفصيل قصة حياة موسى من مولده إلى مبعثه لفرعون:
﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى﴾ بعد ولادته ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ كالمعتاد ﴿فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾ من جواسيس فرعون أن يأخذوه ويقتلوه ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ في النيل، فجعلته أمّه في صندوق وألقته فيه ﴿وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي﴾ نتيجة فراقك إياه
стр. 1409
﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ قريبا ﴿وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى فرعون، وإلى بني إسرائيل.
﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ (٨)
٨ - ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا﴾ لأنهم رفضوا بعثته فيما بعد عندما جاءهم نبيّا رسولا ﴿وَحَزَناً﴾ سبّب لهم الحزن بأن أخرج بني إسرائيل من مصر، وغرق فرعون وجنوده في البحر ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ﴾ في كلّ توجّهاتهم؛ إذ لم يدركوا أهمية بعثة موسى إلى فرعون أولا، ثم إلى بني إسرائيل ثانيا.
﴿وَقالَتِ اِمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٩)
٩ - ﴿وَقالَتِ اِمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ لزوجها، عندما التقطوه من النيل ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ مصدر السعادة لنا ﴿لا تَقْتُلُوهُ﴾ كما تقتلون الباقين من حديثي الولادة ﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا﴾ في شبابه ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ نتبناه ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ما في الخطة الإلهية من إحكام، وما ينتظرهم في مستقبله.
﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠)
١٠ - ﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً﴾ من كلّ طمأنينة، صفرا من العقل ﴿إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ كادت تبدي شخصية ابنها الحقيقية على أمل أن يعود إليها ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ بما أنزلنا عليه من السكينة ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بوعد الله لها وبالبشارة بعودته، الآية (٧).
﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (١١)﴾
стр. 1410
١١ - ﴿وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ أي تتبّعي أثره ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أبصرته عن بعد ﴿وَهُمْ﴾ فرعون وآله ﴿لا يَشْعُرُونَ﴾ أنها تتبّعه، أو أنها أخته.
﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ﴾ (١٢)
١٢ - ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ﴾ لم يقبل الرضاعة من أحد من المرضعات ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل مجيء أخته (فَقالَتْ) أخته لآل فرعون ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ يضمنون رضاعه والقيام بمصالحه ﴿وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ﴾ لا يقصّرون في خدمته وتربيته.
﴿فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٣)
١٣ - ﴿فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ﴾ بهذا اللطف والتقدير ﴿كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ﴾ بل تسعد به ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ علم ظهور إلى حيّز الواقع، وليس فقط علم إيمان ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أكثر الناس غافلون عن ذلك.
﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاِسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٤)
١٤ - ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاِسْتَوى﴾ قوي جسمه، واعتدل عقله، انظر [الأحقاف ١٥/ ٤٦]، ﴿آتَيْناهُ حُكْماً﴾ حكمة، للحكم بين الحق والباطل، وتمييز الخطأ من الصواب ﴿وَعِلْماً﴾ روحانيا من وحي النبوة ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ الواضح من آية [الشعراء ٢٠/ ٢٦] أن موسى توصّل إلى هذا المنزلة بعد الأحداث المذكورة بالآيات (١٥ - ٢٢) -
﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥)﴾
стр. 1411
١٥ - ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها﴾ في وقت لا يعتاد دخولها ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ من بني إسرائيل ﴿وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من المصريين ﴿فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ﴾ أي قتل المصري ﴿قالَ﴾ موسى مسترجعا أمره ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ المعنى؛ إنّ قتله المصري كان بنتيجة تزيين الشيطان له ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ الشيطان ظاهر العداوة والإضلال، والواضح من كلام موسى أنه هبّ لنجدة العبري ليس لكونه على صواب، ولكن فقط عصبية وتحيّزا له، ولعلّ هذه هي العبرة من القصة في هذا الموضع.
﴿قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١٦)
١٦ - ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ بالعصبية، وقتلي المصريّ بلا ذنب ﴿فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
﴿قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ (١٧)
١٧ - ﴿قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ من المغفرة ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ مدافعا عنهم، والمغزى أن الذي دافع عنه موسى وقتل المصري بسببه كان كافرا مجرما.
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١٨)
١٨ - ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ ما تكون نتيجة قتله المصري بالأمس؟ ﴿فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ﴾ الإسرائيلي ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ يستنجد به صارخا ﴿قالَ لَهُ مُوسى﴾ للإسرائيلي ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ضال في الغواية.
﴿فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾
стр. 1412
١٩ - ﴿فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما﴾ أي بالمصريّ، بدافع من العصبية مرة ثانية (قالَ) المصريّ ﴿يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ﴾ تحيّزا لقومك، وعصبية ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي الْأَرْضِ﴾ تضرب وتقتل ولا تنظر في العواقب ﴿وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ بين الناس بحيث تدفع التخاصم بينهم بالتي هي أحسن.
﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ (٢٠)
٢٠ - ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى﴾ لإنذار موسى، وهو على الأغلب مؤمن من آل فرعون ﴿قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ﴾ أي الجمع من كبار الناس، أو من كبار حاشية فرعون ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يتشاورون في أمرك ﴿لِيَقْتُلُوكَ﴾ جزاء فعلتك بالأمس ﴿فَاخْرُجْ﴾ من المدينة ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾.
﴿فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٢١)
٢١ - ﴿فَخَرَجَ مِنْها﴾ من المدينة ﴿خائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ يترصّد الأمور ﴿قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ قد يظلمونه بالقتل.
﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (٢٢)
٢٢ - ﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ خارجا من مصر إلى سيناء باتجاه الشرق، نحو أرض مدين، ربما لأن أهل مدين كانوا من العرب العموريين، على قرابة شديدة من العبرانيين، فظنّ موسى أنّ بإمكانه الاعتماد عليهم في محنته ﴿قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ باللجوء إلى مدين.
﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣)﴾
стр. 1413
٢٣ - ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ العين التي يشربون منها ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ﴾ جماعة كثيرة من الناس من كل الأصناف ﴿يَسْقُونَ﴾ بهائمهم ومواشيهم ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ﴾ في مكان أسفل منهم ﴿اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ﴾ عن غنمهما مخافة أن تختلط بغيرها، أو تمنعان غنمهما عن الماء خوفا من السقاة الأقوياء ﴿قالَ ما خَطْبُكُما﴾ لم لا تباشران السقي كغير كما؟ ﴿قالَتا لا نَسْقِي﴾ مواشينا ﴿حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ﴾ ننتظر حتى يصرف الرعاة مواشيهم بعد ريّها من الماء، فنحن عاجزتان عن المنافسة معهم ﴿وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ لا يستطيع مساعدتنا.
﴿فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ (٢٤)
٢٤ - ﴿فَسَقى لَهُما﴾ سقى غنمهما لأجلهما ﴿ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ﴾ ليرتاح من عناء السقي والترحال ﴿فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ محتاج لأي شيء من خزائن كرمك، ما يدل على حاجته الشديدة لأي طعام أو مأوى.
﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا﴾ يريد مكافأتك ﴿فَلَمّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ القصة، أي الخبر المقصوص قصّته ﴿قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ فليس لهم من سلطان ها هنا، ووصفهم بالظالمين لما كان عليه فرعون من ادعاء الألوهية، وعبادة قومه له، أو لما كانوا عليه من اضطهاد العبرانيين.
﴿قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ (٢٦)
٢٦ - ﴿قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ﴾ لرعي الأغنام وسقايتها ولخدمتك ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ فهذا الرجل يجمع بين القوة والأمانة.
стр. 1414
﴿قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٢٧)
٢٧ - ﴿قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ﴾ شريطة أن تعمل معي وتبقى في خدمتي ثماني سنين على الأقل ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ الحد الأقصى عشر سنين، والخيار بين الثماني أو العشر سنين عائد لموسى ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ بإلزامك بالعشر ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في حسن المعاملة والوفاء بالعهد.
﴿قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ (٢٨)
٢٨ - ﴿قالَ﴾ موسى ﴿ذلِكَ﴾ الأجل والعهد ﴿بَيْنِي وَبَيْنَكَ﴾ صار مقبولا ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ﴾ في طلب الزيادة عنهما ﴿وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ نوكل أمورنا إليه.
﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ (٢٩)
٢٩ - ﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ﴾ غربا، عائدا باتجاه شبه جزيرة سيناء ﴿آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ﴾ جبل سيناء ﴿ناراً قالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ﴾ يدلنا على الطريق ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ﴾ من الحطب المشتعل ﴿لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ تستدفئون بها.
﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠)﴾
стр. 1415
٣٠ - ﴿فَلَمّا أَتاها﴾ أي النار ﴿نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ﴾ الأيمن عند العرب يعني المبارك ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ المحترقة في النار ﴿أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾، وفي سورة النمل: ﴿نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ﴾ وهو نور الله تعالى، مصدر الإلهام ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ الملائكة ﵈ ﴿وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ تنزيه الله تعالى عن كل نقص وسوء، [النمل ٨/ ٢٧].
﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ (٣١)
٣١ - ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ﴾ لمغزى معجزة العصا انظر شرح آية [الأعراف ١٠٧/ ٧]، ﴿وَلّى مُدْبِراً﴾ منهزما ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ لم يرجع ﴿يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ من المخاوف.
﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاُضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ (٣٢)
٣٢ - ﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ فتشع نورا روحانيا ﴿وَاُضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ﴾ يدك ﴿مِنَ الرَّهْبِ﴾ دليل الأمان من الرهبة، بعكس مدّ اليد للدفاع ضد المخاوف ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ البرهانان المشار إليهما هما مقدرة موسى على مناقشة فرعون في بلاطه في شؤون دعوته دون خوف معنوي أو حقيقي منه، لشعوره بأن الله معه، والبرهان الثاني لفرعون لبيان أن الحقيقة والظاهر لا يتطابقان دوما.
﴿قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ (٣٣)
٣٣ - ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً﴾ قتلت المصري الذي استنجدني عليه العبراني الذي من قومي ﴿فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ قصاصا.
стр. 1416
﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (٣٤)
٣٤ - ﴿وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً﴾ لم يكن موسى طليق اللسان كأخيه ﴿فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً﴾ مساعدا ﴿يُصَدِّقُنِي﴾ فيشهد لي بطلاقة لسانه على صدق دعوتي ﴿إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ إن لم أعرض قضيتي بطلاقة.
﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اِتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ﴾ (٣٥)
٣٥ - ﴿قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ﴾ أزرك ﴿بِأَخِيكَ﴾ هارون ﴿وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً﴾ حجة وتسلّطا ﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا﴾ بآيات الله التي تحميهم ﴿أَنْتُما وَمَنِ اِتَّبَعَكُمَا﴾ من قوم فرعون ﴿الْغالِبُونَ﴾ على أعدائكم.
﴿فَلَمّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ (٣٦)
٣٦ - ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا﴾ بالمعجزات ﴿بَيِّناتٍ﴾ واضحات ﴿قالُوا ما هذا إِلاّ سِحْرٌ مُفْتَرىً﴾ لما اعتادوا عليه من تداول السحر في حياتهم اليومية ﴿وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ﴾ لأن ما شاهدوه من الفرق بين الحقيقة والظاهر يفوق السحر الذي اعتادوا خداع الناس به.
﴿وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ (٣٧)
٣٧ - ﴿وَقالَ مُوسى﴾ لفرعون ﴿رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ﴾ من عند الله، والمعنى؛ إن الله تعالى قد جعل موسى أهلا للنبوة والهداية، ولو كان كما يزعمون كاذبا ساحرا مفتريا لما كان أهلا لذلك، فالله تعالى لا يرسل الكاذبين، ولا ينبّئ السحرة، ولا يفلح عنده الظالمون ﴿وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ﴾
стр. 1417
﴿الدّارِ﴾ العاقبة الحميدة في الدنيا ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ عند الله تعالى، فلا يتوصلون إلى نهاية سعيدة.
﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٣٨)
٣٨ - ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ يا كبار القوم ﴿ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾ بزعمه أنه ابن إله الشمس (ر ع) ﴿فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ﴾ كبير الكهنة ﴿عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً﴾ من الأهرامات ﴿لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى﴾ وفي كلامه ما فيه من السخرية بموسى ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ المواظبين على الكذب.
﴿وَاِسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ (٣٩)
٣٩ - ﴿وَاِسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ﴾ أعوانه ﴿فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ مع كونهم على الباطل ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ﴾ للبعث والحساب، ولا شك أن مفهوم الفراعنة للآخرة ليس له علاقة بكون الحياة الآخرة تتمّم الأولى تحقيقا للعدالة، وإنما كانوا يتوقون للخلود في مرحلة أخرى من الحياة بعد الموت لا يدركون كنهها، مما كان الباعث لهم على بناء الأهرمات وتحنيط الجثث.
﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ (٤٠)
٤٠ - ﴿فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ في أثناء لحاقهم موسى إلى سيناء ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾
﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ (٤١)
٤١ - ﴿وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً﴾ للضلال والفساد في دنياهم، وادعاء فرعون الألوهية ﴿يَدْعُونَ إِلَى النّارِ﴾ مصير من يتّبعهم إلى النار ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ بنتيجة التكبر والاستكبار في دنياهم.
﴿وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾
стр. 1418
٤٢ - ﴿وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً﴾ إبعادا من رحمته تعالى، ومنعا للألطاف والتوفيق في دنياهم، بما اختاروه لأنفسهم برفضهم بعثة موسى إليهم ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾ أعمالهم الدنيوية حرمتهم من رحمة الله.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٤٣)
٤٣ - بعد أن أوجزت الآيات (٧ - ٤٣) قصة موسى من مولده إلى مبعثه إلى فرعون تبين الآيات (٤٤ - ٥٠) تتابع الوحي الإلهي بالتوراة وبالقرآن الكريم:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ التوراة ﴿مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى﴾ من الذين أنكروا الرسل ﴿بَصائِرَ لِلنّاسِ﴾ التوراة بصائر للناس، أي بواسطتها تبصر القلوب وتميز بين الحق والباطل ﴿وَهُدىً﴾ ومصدر هداية إلى الحق ﴿وَرَحْمَةً﴾ للناس من التخبط في ظلمات الشك ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ الله.
﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ (٤٤)
٤٤ - ﴿وَما كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ من جبل سيناء ﴿إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ أوحينا إليه التوراة ﴿وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ على الوحي.
﴿وَلكِنّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ (٤٥)
٤٥ - ﴿وَلكِنّا أَنْشَأْنا قُرُوناً﴾ أجيالا بينك وبين بعثة موسى ﴿فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ مضت عليهم سنون طويلة ﴿وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ لم تكن يا محمد أوّل رسول للناس ﴿وَلكِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ رسلا كثيرين إلى مختلف الأمم.
﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٦)﴾
стр. 1419
٤٦ - ﴿وَما كُنْتَ﴾ يا محمد ﴿بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا﴾ موسى بالوحي ﴿وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ بعثناك أنت أيضا بالقرآن رحمة لقومك ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كنت أول الرسل إليهم بعد حقبة طويلة من الزمن ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ يتعظون.
﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٧)
٤٧ - ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من الشرور والكفر والشرك ﴿فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً﴾ يرشدنا ﴿فَنَتَّبِعَ آياتِكَ﴾ بالتوحيد، والظاهرة على يدي نبيك ﴿وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إيمانا يقينا.
﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ (٤٨)
٤٨ - ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا﴾ أي أهل مكة، جاءهم القرآن وقت البعثة ﴿قالُوا﴾ تعنتا وتعجيزا ﴿لَوْلا أُوتِيَ﴾ محمد ﴿مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ من الكتاب المنزل جملة واحدة ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُوا﴾ اليهود ﴿بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ﴾ جاءهم موسى بالكتاب جملة واحدة فكفروا به ونكصوا إلى الوثنية مرارا ﴿قالُوا﴾ كفار مكة ﴿سِحْرانِ تَظاهَرا﴾ أي التوراة والقرآن سحران تعاضدا وتعاونا بالنظر لنبوءة التوراة بقدوم النبي الأحمد، وقد يكون قولهم إن موسى ومحمد ساحران تظاهرا بنزول الوحي عليهما ﴿وَقالُوا﴾ كفار مكة ﴿إِنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ﴾ بموسى ومحمد معا.
﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٩)
٤٩ - ﴿قُلْ﴾ لكفار مكة يا محمد ﴿فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما﴾ من التوراة والقرآن ﴿أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم أنهما نوع
стр. 1420
من أنواع السحر، ولم تأت الآية على ذكر الإنجيل، لأن عيسى كان مبعوثا إلى بني إسرائيل خاصة.
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اِتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٥٠)
٥٠ - ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ﴾ أيها النبي، بعد كل هذه الحجج ﴿فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ﴾ الزائغة ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اِتَّبَعَ هَواهُ﴾ يتخبط فيه ﴿بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللهِ﴾ لأنه لا هدي إلا هدي الله ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ الذين يظلمون أنفسهم باتباع أهوائهم، تعنتا وتكبّرا وعنادا.
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٥١)
٥١ - تأكد الآيات (٥١ - ٥٦) على أن الوحي الإلهي لم ينقطع عن البشرية:
﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ أي إن الوحي نزل متواصلا عليهم وعلى من قبلهم من الأمم، كما أن القرآن نزل منجّما على مدة البعثة النبوية، لعله يكون عظة لهم في ذلك.
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٢)
٥٢ - ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ وهم اليهود والنصارى، أوتوا التوراة ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن ﴿هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ يؤمنون بالقرآن، وقد دخل الكثير منهم في الإسلام زمن البعثة النبوية وبعدها.
﴿وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ (٥٣)
٥٣ - ﴿وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ القرآن الذي ختمت به الرسالات السماوية ﴿قالُوا آمَنّا بِهِ﴾ بأنه وحي منزل ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا﴾ كنا نعرف حقيقته ﴿إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ مذعنين مستسلمين لله تعالى، فجاءنا القرآن الكريم مطابقا للفطرة.
стр. 1421
﴿أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٥٤)
٥٤ - ﴿أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ مرة على إيمانهم بكتابهم، ومرة على إيمانهم بالقرآن ﴿وَيَدْرَؤُنَ﴾ يدفعون ﴿بِالْحَسَنَةِ﴾ بالخصلة الحسنة ﴿السَّيِّئَةَ﴾ المعصية ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في وجوه الخير.
﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ (٥٥)
٥٥ - ﴿وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ﴾ الغث والعبث من الكلام، إذا سمعوه من الكفار ﴿أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ لم يلتفتوا إليه ﴿وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا﴾ نتحمل وزرها ﴿وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ﴾ تتحملون وزرها ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ نتعامل معكم بالحجة والمنطق، وليس بالنزاع، ولا نقابل الباطل بالباطل ﴿لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ﴾ الذين يحلون مشاكلهم بالنزاعات والحروب.
﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٥٦)
٥٦ - ﴿إِنَّكَ﴾ أيها النبي، وأيها المسلم ﴿لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ لا تستطيع قهر أحد على الهداية، ولا للإيمان بالقرآن ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ يهدي الله تعالى من يشاء الهداية فيوفقه بالألطاف الإلهية ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ هو أعلم بمن تميل إليه نفسه وجبلّته إلى الخير والهدى، ومن لديه قابلية للهداية، وأعلم بذوي النفوس المعاندة المكابرة الجاحدة، كما كانت الحال مع أهل مكة الذين عاندوا البعثة سنوات طويلة:
﴿وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧)﴾
стр. 1422
٥٧ - مع أن الوحي الإلهي تتالى على البشرية فإن المجتمعات، ومن ضمنها أهل مكة، تختلق الأعذار للتهرب من هدي الرسل، في محاولة ضمنية للتهرب من المسؤولية الأخلاقية، الآيات (٥٧ - ٥٩)، فيجمعون الفساد إلى الكفر:
﴿وَقالُوا﴾ أهل مكة ﴿إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ﴾ إن استجبنا لدعوتك لنا للإسلام، وهذا مزيد من أعذارهم السطحية ﴿نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا﴾ لأن قبائل العرب سوف تعدّ ذلك خرقا لمواثيقنا معها، وقد تهاجمنا وتخرجنا من أرضنا ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً﴾ جعل الله تعالى لأهل مكة حرما آمنا على مر الأيام والعصور مما ينفي مخاوفهم المزعومة ﴿يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنّا﴾ الأرزاق المادية تتدفق على مكة أيام الحج والعمرة، وهي أيضا الرزق الروحاني والسلام الداخلي يتمتعون به، مما لا يعرفه الكفار ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ الحكمة الإلهية من ذلك، ولا يربطون الأمور بمسبباتها، وهذا المعنى غير مقتصر على أهل مكة وقت البعثة، وإنما ينطبق على الناس من أمثالهم في كل العصور الذين يخشون الدخول في الإسلام خوفا من الانشقاق عن أهلهم وذويهم ومجتمعهم وتقاليدهم المتوارثة.
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلاً وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ﴾ (٥٨)
٥٨ - ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ من مجتمع ﴿بَطِرَتْ مَعِيشَتَها﴾ لم يكن لها همّ إلاّ الدنيا، فرفضت الرسل ﴿فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاّ قَلِيلاً﴾ لحق بها الانحطاط والدمار نتيجة تهالكها على الدنيا، وتمسكها بالقيم المادية فقط من دون إقامة أي وزن للقيم الأخلاقية والروحية ﴿وَكُنّا نَحْنُ الْوارِثِينَ﴾ الله تعالى يرث الأرض ومن عليها، والمغزى من الآية ملاحظة هشاشة مثل هذه المجتمعات في كل عصر، وأن مكاسبها المادية لا تصمد أمام القيم الروحانية المنبثقة من الهدي الإلهي.
стр. 1423
﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ﴾ (٥٩)
٥٩ - ﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها﴾ في كبرى مجتمعاتها، كما في مكة ﴿رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا﴾ فيقيم عليها الحجج، ويأمرها بالإصلاح، ولا يتركها في ظلام الشك والضلال ﴿وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى﴾ المجتمعات ﴿إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ﴾ ليس فقط بالكفر، وإنما أيضا بالفساد؛ إذ يظلم بعضهم بعضا، انظر [هود ١١٧/ ١١].
﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٦٠)
٦٠ - مع تتالي بعث الرسل فالناس لم ترعو عن عبادة المادة والأوهام والزعامات، الآيات (٦٠ - ٧٥):
﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ من المادة ﴿فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ وهو متاع زائل إذ تتمتعون به مؤقتا ﴿وَزِينَتُها﴾ زخرفها ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ من دنياكم التي لا تلبث أن تزول ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ لأن ذلك ممّا يستسيغه العقل فكيف تغفلون عنه؟.
﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (٦١)
٦١ - ﴿أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً﴾ بالسلام الروحاني والسعادة الداخلية ﴿فَهُوَ لاقِيهِ﴾ في نفسه حتما ﴿كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ المادية فقط ﴿ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ للبعث والحساب على ما قدّم وأخّر في دنياه؟ ولأنه لم يستخدم إمكاناته وملكاته العقلية على الوجه الصحيح.
﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢)﴾
стр. 1424
٦٢ - ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ يوم البعث والحساب ينادي الله تعالى ضعاف العقول من الذين تهالكوا على دنياهم ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ أين الشركاء الذين اختلقتهم أوهامكم، والزعماء الذين كنتم تطيعونهم في المعاصي، وفي التحليل والتحريم، وزعماء الكفر، والمادة التي كنتم ترهقون أنفسكم بالجري وراءها وتنسون خالقكم؟ لقد كنتم تعبدون شهواتكم وغرائزكم.
﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ (٦٣)
٦٣ - ﴿قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ الذين حقّت عليهم آيات الوعيد ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا﴾ أضللنا ﴿أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا﴾ أضللناهم كما ضللنا، فضلّوا باختيارهم ﴿تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ﴾ منهم وممّا اختاروا لأنفسهم من الكفر والمعاصي ﴿ما كانُوا إِيّانا يَعْبُدُونَ﴾ بل كانوا يعبدون شهواتهم وغرائزهم.
﴿وَقِيلَ اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ (٦٤)
٦٤ - ﴿وَقِيلَ﴾ يوم القيامة ﴿اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ الذين زعمتم فهل من مجيب منهم؟ ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ لأنهم لا يقدرون على شيء من نصرة أتباعهم، فضلا عن نصرة أنفسهم ﴿وَرَأَوُا الْعَذابَ﴾ العابدون والعبدة في آخرتهم ﴿لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ﴾ في دنياهم.
﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٦٥)
٦٥ - ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ الله تعالى يوم البعث ﴿فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ المغزى؛ بعثنا لكم الرسل بالوحي متضمّنا الهداية لكم، ولم نترككم تتخبّطون في عماية الجهل والشك والتنظير، فأنكرتم الرسل والرسالات.
﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ (٦٦)﴾
стр. 1425
٦٦ - ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يَوْمَئِذٍ﴾ فاتتهم الحجج والأعذار التي أرادوا التكلم بها، لكونها أعذارا وحججا فاسدة ﴿فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ﴾ فيما بينهم لفرط دهشتهم، أو لعلمهم أنهم سواء في الجهل والخيبة.
﴿فَأَمّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ (٦٧)
٦٧ - ﴿فَأَمّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً﴾ في دنياه ﴿فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ الفائزين السعداء في آخرته.
﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦٨)
٦٨ - ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ من الخلق والعباد ﴿وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ الله تعالى يختار الخير لخلقه، وليس المعنى ما زعموا أن ليس للناس الخيار في أمورهم، لأنّ (ما) ليست ما النافية، وإنّما هي اسم موصول بمعنى الذي، ولو كانت (ما) النافية كما يزعمون، لكان في ذلك من الجبرية ما ينافي حرية الخيار التي كرّم الله تعالى بها بني البشر ﴿سُبْحانَ اللهِ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيها له تعالى عن الشرك الذي يزعمون، نتيجة حرية الخيار التي يتمتعون بها.
﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ﴾ (٦٩)
٦٩ - ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ﴾ من الخفايا والنفاق والاعتقادات الباطلة ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ على الملأ، من نفاقهم.
﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٧٠)
٧٠ - ﴿وَهُوَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ وحده ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ﴾ الله تعالى مستحق الحمد لذاته سواء قدر العباد على الإتيان بالحمد أم لم
стр. 1426
يقدروا، وسواء حمده حامد أم لم يحمد ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾ القضاء النافذ في الدنيا والآخرة ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للبعث والحساب.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ (٧١)
٧١ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً﴾ دائما بلا نهار ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ﴾ هل من شركائكم من يقدر على شيء؟ ﴿أَفَلا تَسْمَعُونَ﴾ هذه الحقيقة وتعتبرون بها؟
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٧٢)
٧٢ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً﴾ دائما بلا ليل ﴿إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾ من عناء النهار ﴿أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ الحكمة والمعجزة في تتابع الليل والنهار، ومن ثمّ في الحياة مغزى؟
﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٧٣)
٧٣ - ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ في النهار ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذا الإعجاز في تتابع الليل والنهار بما يناسب الفطرة ومتطلبات العيش.
﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٧٤)
٧٤ - ﴿وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ﴾ ينادي المشركين يوم القيامة، المشار إليهم بالآيات (٦٢ - ٦٦)، ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ﴾ من الأوهام والبشر المؤلهين بزعمكم، والرؤساء الذين أطعتموهم في الأهواء وفي التحليل وفي التحريم ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ بزعمكم؟
стр. 1427
﴿وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٧٥)
٧٥ - ﴿وَنَزَعْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً﴾ وهم الرسل الذين بعثوا إليهم ﴿فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ أيها الأمم، بما ضللتم وما زعمتم من الشرك والشركاء في دنياكم ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلّهِ﴾ إنّ الله وحده الحقيقة المطلقة، وكلّ ما عداه من إيجاده وخلقه ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من الأوهام التي ابتدعتها عقولهم، وما كانوا يتّكلون عليه من الثروات والسلطات الدنيوية، كما هي الحال في قصة قارون بالآيات (٧٦ - ٨٢).
﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ (٧٦)
٧٦ - ﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى﴾ من بني إسرائيل ﴿فَبَغى عَلَيْهِمْ﴾ تكبّر وتجبّر ﴿وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ العصبة: الجماعة الكثيرة، وهي على كثرتها وقوّتها، تنوء بحمل مفاتيح كنوزه، أي لا تستطيع النهوض بها لثقلها، فضلا عن النهوض بالكنوز ذاتها ﴿إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ﴾ لا تفرح بثروتك فرح البطر ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ بزخارف الدنيا وزينتها، المتمسّكين بما يلهيهم عن أمر الآخرة.
لكنّ أبا مسلم الأصفهاني رأى أنّ المقصود من المفاتح: العلم والإحاطة، والمراد بما آتيناه من الكنوز ما إنّ حصرها وحفظها ليصعب على العصبة أولي القوة والهداية، أي هذه الكنوز لكثرتها واختلاف أصنافها تتعب حفظتها والقائمين عليها أن يعلموا بها، ويحيطوا بكمياتها، فضلا عن حفظها.
﴿وَاِبْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٧٧)
٧٧ - وهذه تتمة موعظة قومه له:
стр. 1428
﴿وَاِبْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ﴾ من الأموال والنعم الكثيرة ﴿الدّارَ الْآخِرَةَ﴾ بالإنفاق في وجوه الخير بما يكون وسيلة إليها ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ في الأمور المباحة، لا تنس العمل فيها لآخرتك بلا تزهّد ولا تنسّك، بل عليك التوسّط في الأمور، كما في قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً﴾ [البقرة ١٤٣/ ٢]، ﴿وَأَحْسِنْ﴾ للناس مطلقا بالمال والجاه وحسن اللقاء ﴿كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ بما أنت عليه من الغنى والجاه والرفعة ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ﴾ بما مكّنك الله من نعمه الكثيرة عليك، لا تستخدمها في الفساد والإفساد ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ الذين يستخدمون النعم الإلهية في الإفساد.
﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٧٨)
٧٨ - ﴿قالَ﴾ قارون لهم مفاخرا: ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ﴾ أي جمعت ما عندي من المال ﴿عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ حصلت عليه بمهارتي وحذاقتي وخبرتي ومقدرتي، ولا دخل لله في ذلك ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ﴾ من الأمم المعتدّين بحولهم وقوّتهم ﴿مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً﴾ للمال والكنوز، فلا يغترّ بما عنده ﴿وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ في الآخرة، بل يحاسبون أنفسهم عليها، لقوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء ١٤/ ١٧]، هذا في الآخرة، أمّا في الدنيا فالمجرمون عمي عن أخطائهم وجرائمهم، لا ينفع فيهم النصح والإرشاد.
﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (٧٩)
٧٩ - ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ في مواكب من الزينة والبهرجة ﴿قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ من الذين أغرتهم الدنيا وغرّرت بهم ﴿يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ﴾ من الأموال ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ أي في دنياه.
стр. 1429
﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقّاها إِلاَّ الصّابِرُونَ﴾ (٨٠)
٨٠ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ بأحوال الدنيا والآخرة، من المؤمنين ﴿وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ﴾ لكم من أموال الدنيا ﴿لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً﴾ لمن جمع الإيمان والعمل الصالح معا ﴿وَلا يُلَقّاها﴾ أي هذه الخصلة من قرن الإيمان مع العمل الصالح ﴿إِلاَّ الصّابِرُونَ﴾ على الطاعات، وعلى مصاعب الدنيا، وعلى مشاق التكليف.
﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ (٨١)
٨١ - ﴿فَخَسَفْنا بِهِ﴾ بقارون ﴿وَبِدارِهِ الْأَرْضَ﴾ خسف الأرض به قد يكون كناية عن كارثة حلّت به خسر بها ثروته أو صحته أو زعامته أو كلّ ذلك، بعدما طغى وتجبّر وتكبّر، واشتدّ أذاه على الناس ﴿فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ فتعيده إلى ما كان عليه من القوة والثروة والجبروت ﴿وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ لا يستطيع نصرة نفسه بنفسه.
﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٢)
٨٢ - ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ﴾ المشار إليهم بالآية (٧٩)﴾، كانوا يغبطونه على ثروته ومكانته ﴿يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ بالقدر الكثير ﴿لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ مؤمنهم وكافرهم، فلو بسطتعالى الرزق للمؤمنين فقط لصار الإيمان قسرا، ولانتفى الخيار الأخلاقي ﴿وَيَقْدِرُ﴾ على بعضهم بالقدر القليل ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ بأن أجابنا لما فيه مصلحتنا ممّا لم نكن نعلم ﴿لَخَسَفَ بِنا﴾ كما خسف بقارون وذهب بجبروته وطغيانه ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ الطغاة لا يصلون إلى مبتغاهم، وإن طال بهم الزمن.
стр. 1430
﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٨٣)
٨٣ - ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً﴾ على النقيض ممّا كان عليه قارون وأمثاله ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين بخيارهم الأخلاقي توصّلوا إلى المنزلة التي هم فيها، وليس لعدم اكتراثهم بالخيار، أو لأنّ الفرصة لم تتح لهم للتوصّل إلى دنيا المادة.
﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٨٤)
٨٤ - ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها﴾ يجزيه الله تعالى بأحسن من عمله الحسن، كما في قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور ٣٨/ ٢٤]، انظر أيضا [الأنعام ١٦٠/ ٦]، ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ جزاء وفاقا، بلا زيادة ولا نقصان، فمعاناة المجرمين في الآخرة ليست سوى نتيجة طبيعية واستمرارية لإجرامهم في الدنيا.
﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٨٥)
٨٥ - بعد قصة قارون والعبر منها، تبيّن الآيات التالية مسؤولية الإنسان الأخلاقية بعد نزول القرآن على البشرية:
﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ أيها الإنسان ﴿لَرادُّكَ إِلى مَعادٍ﴾ للبعث وللحساب ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جاءَ بِالْهُدى﴾ من جاء في آخرته وهو على هدى ﴿وَمَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ من جاء في آخرته ضالاّ عن الهدي الإلهي، لم ينظر في القرآن، ولم يهتد به.
стр. 1431
﴿وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ﴾ (٨٦)
٨٦ - ﴿وَما كُنْتَ تَرْجُوا﴾ أيها الإنسان ﴿أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ﴾ القرآن الكريم ينزل على البشرية ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ لأنّ رحمة الله تعالى، وحكمته التي لا يدرك كنهها، اقتضت ذلك، رحمة بالبشرية، وتبيانا للحق من الباطل، ومن ثمّ اختبارا وفتنة لها ﴿فَلا تَكُونَنَّ﴾ أيها الإنسان بعد نزول القرآن الكريم ﴿ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ﴾ لا تكن عونا لهم على الباطل، بعد نزول الفرقان، وبعد أن أصبح الحق واضحا من الباطل.
﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٨٧)
٨٧ - ﴿وَلا يَصُدُّنَّكَ﴾ أيها المؤمن ﴿عَنْ آياتِ اللهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ في القرآن الكريم ﴿وَاُدْعُ إِلى رَبِّكَ﴾ بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، انظر [النحل ١٢٥/ ١٦]، ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ من اليهود والمسيحية والآخرين من غير المسلمين، ولا من المسلمين الذين أشركوا بعلم أو بغير علم.
﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٨٨)
٨٨ - ﴿وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ﴾ أيها المؤمن ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ وحده لا شريك له ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ هو وحده الحقيقة المطلقة، وكلّ ما عداه من المخلوقات تستمدّ وجودها منه ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ القضاء النافذ ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ جميع الخلائق ترجع إليه للحساب يوم البعث.
стр. 1432
سورة العنكبوت - ٢٩ - مكية، وقيل مدنية
مقدمة
معظم المصادر تؤكد أن سورة العنكبوت من أواخر السور المكية، لكن بعضها ينسبها لأوائل الفترة المدنية، وبعضها الآخر يحدد أن الآيات العشر الأولى منها مكية وباقي السورة مدنية، وبعضها يرى العكس، والنتيجة أن سورة العنكبوت نزلت على ما يبدو في الفترة الانتقالية بين الفترتين المكية والمدنية، واشتق اسمها من ضرب المثل بالعنكبوت بالآية (٤١) منها، وهي أولى مجموعة السور الأربع المتتالية: (العنكبوت - الروم - لقمان - السجدة) التي تبدأ بأحرف المقطعات (ألم).
ارتباط السورة بما قبلها
في سورة القصص تبين أن بعث الرسل وتنزّل الوحي على البشرية قد تتالى على مر الزمن حتّى ختم بالقرآن، فلم يبق للناس من عذر بالجهل: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥١/ ٢٨ - ٥٢)، ثم تفتتح سورة العنكبوت أن الناس، بعد نفي الجهالة عنهم، أصبحوا في موقع المسؤولية، فيختبرهم تعالى في الدنيا بظهور أفعالهم إلى العلن، وليس بعلمه بالغيب منهم: ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (٢/ ٢٩) لأن الفتنة هي الاختبار، ثمّ الحياة تصبح جهادا حقيقيا لمن ينجح في الاختبار: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦٩/ ٢٩).
стр. 1433
وسوف نلاحظ أيضا ارتباطا عامّا بين مجموعة سور الطواسين الثلاث المتقدمة: (الشعراء - النمل - القصص) وبين مجموعة سور (ألم) الأربع التي تليها:
(العنكبوت - الروم - لقمان - السجدة).
محور السورة
إن الذين يبذلون الجهد في سبيل التوصل للعلم اليقيني ويجاهدون النفس والهوى ينعكس جهادهم إيجابا على أنفسهم فتسمو مراتبهم الروحانية: ﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ (٦)، ومن جملة هذا الجهاد إعمال العقل، والانفكاك من الفكر المتحجّر المتوارث: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨).
لكنّ تمسّك بعض الناس بالتقليد وبفكر الآباء المتحجّر بلغ مبلغا في قوم نوح أنه لبث فيهم تسع مئة وخمسين عاما وهو يدعوهم إلى التوحيد فلم يستطع أن يثنيهم عن ضلالهم: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ (١٤)، وكذا كان الأمر في دعوة إبراهيم إذ تمسّكوا بعبادة ما اعتادوا عليه وتوارثوه من الأوهام والزيف: ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاُعْبُدُوهُ وَاُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١٧)، وكذا الأمم العديدة التي كذّبت رسلها رغم مقدرة الاستبصار التي أودعهاتعالى في بني آدم، وهي المقدرة على التوصل إلى الحقيقة عقلا - بالدلائل العقلية - فلم يستفد منها المكذّبون: ﴿وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (٣٨)، والسبب يكمن في الاستكبار الذي يعمي البصيرة: ﴿وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ﴾ (٣٩).
стр. 1434
ثم تضرب السورة مثلا بالمستكبرين الذين يعبدون الأوهام والثروات ويلهثون وراء السلطة والقيم الزائفة بأنهم كمن يلوذ ببيت العنكبوت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اِتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤١)، وقد فاتهم أن الخلق ليس عبثا وإنما ذو مغزى: ﴿خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٤)، كما فاتهم على القرآن والعمل به مما هو أكثر من كاف لدنياهم وآخرتهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥١)، غير أن العجز الفكري والتشنج على ما يعتاده أناس من أوهام يؤدي بهم إلى أسوأ العواقب: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٥٣).
لذا تنبّه السورة المنهمكين في الحياة الدنيا الذين لا يدركون أنها لعب ولهو في جنب الحياة الحقيقية في الآخرة: ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٦٤)، وتختم بالفكرة التي بدأت منها أن الذين يجاهدون النفس والهوى ويجاهدون في سبيل نشر الإسلام بالقناعة والقدوة الحسنة، يهديهم الله تعالى إلى سبله القويمة: ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦٩).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم﴾ (١)
١ - ﴿الم﴾ الله أعلم بمراده، انظر [البقرة ١/ ٢].
﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ (٢)
٢ - ﴿أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا﴾ بالقول ﴿وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ بالفعل، أي باختبار إيمانهم بظهوره إلى حيّز العلن، نتيجة قرن الإيمان بالعمل
стр. 1435
الصالح، ونتيجة التضحية في سبيل العقيدة، والمغزى أن العبرة ليست بالقول، بل بالقول والفعل معا.
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ (٣)
٣ - ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم، أي قبل أهل مكة ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ إيمانهم وقرنوه بالعمل ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ المنافقين منهم، وبما أنّ علمه تعالى محيط بالماضي والحاضر والمستقبل، فالمقصود أنّ الله تعالى يحاسب العباد بظهور أعمالهم إلى حيّز التنفيذ، وليس بعلمه بالغيب منهم.
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ (٤)
٤ - ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ ولا يؤمنون بالآخرة ﴿أَنْ يَسْبِقُونا﴾ يعجزونا فيفوت حسابهم وجزاؤهم ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ لا يعلمون أن الجزاء مترتب على العمل لا محالة، وليس اعتباطا.
﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٥)
٥ - ﴿مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللهِ﴾ يؤمن بالبعث والنشور ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ﴾ في الآخرة يوم تتحقق العدالة على أتم وجه ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ السميع لدعاء عباده، العليم بأحوالهم.
﴿وَمَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ (٦)
٦ - ﴿وَمَنْ جاهَدَ﴾ في سبيل الحق ﴿فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ﴾ ينتفع بجهاده من حيث انسجام أفعاله مع إيمانه، ومن حيث ما ينتظره من ثواب ﴿إِنَّ اللهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ ولكنّ الحكمة الإلهية اقتضت أن تكون الدنيا مسرحا لصراع الحق مع الباطل، انظر [البقرة ٣٦/ ٢].
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٧)﴾
стр. 1436
٧ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ من المذكورين أعلاه ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ يتغاضى عنها سبحانه ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فيكون الجزاء والثواب موافقا لأحسن أعمالهم.
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨)
٨ - بعد أن بيّنت الآيات (١ - ٧) أنّ الدنيا دار اختبار، ينتقل الخطاب إلى أنّ الاختبار يقتضي استخدام العقل السليم، وليس مجرّد التقليد الأعمى للآباء والأجداد، كما يقتضي العمل والتضحية، وليس مجرّد القول، الآيات (٨ - ١٣):
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً﴾ أن يحسن إليهما إحسانا ﴿وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ تقليدا واتّباعا لهما لا غير، وظلما للعقل والمنطق السليم ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ فيما لا يستسيغه العقل ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من استخدام إمكاناتكم الفكرية التي متّعتكم بها، فأحاسبكم عليها.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ﴾ (٩)
٩ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ نتيجة اعتمادهم على الفكر المستقلّ، والعقل السليم ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ﴾ في عداد الصالحين في الآخرة.
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنّا كُنّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ﴾ (١٠)
١٠ - ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ﴾ إيمانا ظاهرا، وهم المذبذبون أنصاف المؤمنين ﴿فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ﴾ اضطهد بسبب عقيدته ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ اضطهاد الناس له ﴿كَعَذابِ اللهِ﴾ للكفار، إلاّ من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان،
стр. 1437
انظر [النحل ١٠٦/ ١٦]، ﴿وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ للمؤمنين ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ المذبذبون للمؤمنين ﴿إِنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أي كنّا معكم بالقول، وإن لم يظهر منّا أي تضحية فعلية ﴿أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ﴾ بما في صدور عباده من الصدق أو النفاق، وما يترتب عليهما بصورة طبيعية من ثواب وعقاب.
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ﴾ (١١)
١١ - ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالقول والعمل ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ﴾ علم ظهور إلى حيّز الواقع، وليس بعلمه بالغيب منهم.
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (١٢)
١٢ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ في الكفر والضلال ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ فلا عليكم منها، قالوه على سبيل التهكّم والسخرية، لأنهم ينكرون وجود الله أصلا، كما ينكرون الآخرة والحساب ﴿وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ انظر القاعدة القرآنية بقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام ١٧٤/ ٦]، ﴿إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في دعواهم حمل أخطاء الآخرين.
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (١٣)
١٣ - ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ﴾ أثقال ذنوبهم ﴿وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ وهي أثقال جهودهم في إضلال الآخرين ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من الكذب.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤)﴾
стр. 1438
١٤ - بعد أن فصّلت الآيات (١ - ١٣) لزوم قرن الإيمان بالعمل، ووجوب استخدام العقل والنهي عن التقليد في التوصل إلى الحقيقة التي جاءت بها الرسل، تضرب السورة مثلا بقصص بعض الرسل، الآيات (١٤ - ٤١):
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً﴾ فبقيت عقولهم متشنجة على التقليد، لا يتمكنون من تقويم رسالة نوح لهم من حيث جدارتها وأصالتها، مع طول المدة ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ بنتيجة عنادهم واستكبارهم ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ أنفسهم بعدم استخدام إمكاناتهم الفكرية التي كرّمهم بها الله تعالى.
﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (١٥)
١٥ - ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ من قومه المصرّين على الكفر ﴿وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ ومن معه من المؤمنين ﴿وَجَعَلْناها﴾ سفينة نوح ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ عبرة لمن يعتبر، في نجاة المؤمنين وغرق الكفار.
﴿وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١٦)
١٦ - عطف على الآية (١٤) والتقدير: وأرسلنا إبراهيم: ﴿وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ في أور كلدان، بالعراق اليوم ﴿اُعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده بلا شرك، ولا شركاء تزعمونهم ﴿وَاِتَّقُوهُ﴾ بنبذ عبادة الكواكب من شمس وقمر وغيرها ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في دنياكم وآخرتكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الحقيقة، وليس الأوهام.
﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاُعْبُدُوهُ وَاُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١٧)
١٧ - ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً﴾ هي المشارإليها بقوله تعالى: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء ٥٧/ ٢١ - ٦٣]،
стр. 1439
﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ كذبا سافرا ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الأوثان، ومن الكواكب والنجوم، انظرآيات [الأنعام ٧٦/ ٦]، ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ ماديا، ولا روحانيّا، ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ﴾ المادي، والهداية الروحانية ﴿وَاُعْبُدُوهُ﴾ وحده ﴿وَاُشْكُرُوا لَهُ﴾ بالقول والعمل ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وتحاسبون من ثواب وعقاب.
﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (١٨)
١٨ - ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فلاقوا نتيجة تكذيبهم، جزاء وفاقا ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ وليس عليه القسر والإكراه، لأن الإيمان لا يكون إلاّ بالخيار والقناعة.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (١٩)
١٩ - الآيات (١٩ - ٢٣) المضمّنة في قصة إبراهيم تحشد البراهين على صدق الرسالة وعلى وجود خالق مهيمن:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ في كل مظاهر الخلق من حولهم، كالنباتات تموت في الخريف وتحيا في الربيع، وكالحيوانات خلقهاتعالى من نطفة، ولم تكن شيئا مذكورا، وهذا القدر من العلم كاف في حصول العلم بإمكان الإعادة ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ كما في قوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق ١٥/ ٥٠].
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٠)
٢٠ - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ واستكشفوا أسرارها بالدراسة وبالبحث العلمي ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ من سلالة من طين، انظر [المؤمنون ١٢/ ٢٣]، وانظروا الإعجاز، ليس في خلق الأجسام فقط، التي يحار الأطباء في
стр. 1440
تركيبها، بل أيضا ما فيها من العقول والفكر والشعور والغرائز ﴿ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ كما بدأتعالى أوّل خلق يعيده، انظر [الأنبياء ١٠٤/ ٢١]، ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو خالق الأكوان لا يعجزه شيء.
﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ (٢١)
٢١ - ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ بعد النشأة الآخرة يعذّب من يشاء تعذيبه من المنكرين لها ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ﴾ رحمته وهم المقرّون بها ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ تردّون للحساب.
﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (٢٢)
٢٢ - ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أن يجري الله تعالى حكمه وقضاءه عليكم ﴿وَلا فِي السَّماءِ﴾ لا تستطيعون النفاذ من أقطار السماوات والأرض، ومن قضاء الله فيكم ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ فالله وحده متولّي أموركم ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ الله وحده يستطيع نصركم.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٣)
٢٣ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ الآفاقية والتكوينية الدالّة على وجوده ووحدانيته، كماآيات الوحي التي نزلت على الرسل ﴿وَلِقائِهِ﴾ وأنكروا البعث والنشور ﴿أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ يئسوا من ألطافه تعالى ﴿وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ نتيجة إصرارهم على الكفر.
والخلاصة أنّ استعداد الإنسان للإيمان بالخالق هو بذاته نتيجة للألطاف والرحمة الإلهية، وعلى النقيض من ذلك يكون عذاب الآخرة نتيجة طبيعية للمصرّين على الكفر.
следующие страницы →