Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
٧ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ من المذكورين أعلاه ﴿لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ يتغاضى عنها سبحانه ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فيكون الجزاء والثواب موافقا لأحسن أعمالهم.
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨)
٨ - بعد أن بيّنت الآيات (١ - ٧) أنّ الدنيا دار اختبار، ينتقل الخطاب إلى أنّ الاختبار يقتضي استخدام العقل السليم، وليس مجرّد التقليد الأعمى للآباء والأجداد، كما يقتضي العمل والتضحية، وليس مجرّد القول، الآيات (٨ - ١٣):
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حُسْناً﴾ أن يحسن إليهما إحسانا ﴿وَإِنْ جاهَداكَ لِتُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ تقليدا واتّباعا لهما لا غير، وظلما للعقل والمنطق السليم ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ فيما لا يستسيغه العقل ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من استخدام إمكاناتكم الفكرية التي متّعتكم بها، فأحاسبكم عليها.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ﴾ (٩)
٩ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ نتيجة اعتمادهم على الفكر المستقلّ، والعقل السليم ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصّالِحِينَ﴾ في عداد الصالحين في الآخرة.
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذابِ اللهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنّا كُنّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ﴾ (١٠)
١٠ - ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ﴾ إيمانا ظاهرا، وهم المذبذبون أنصاف المؤمنين ﴿فَإِذا أُوذِيَ فِي اللهِ﴾ اضطهد بسبب عقيدته ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ﴾ اضطهاد الناس له ﴿كَعَذابِ اللهِ﴾ للكفار، إلاّ من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان،
стр. 1437
انظر [النحل ١٠٦/ ١٦]، ﴿وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ للمؤمنين ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ المذبذبون للمؤمنين ﴿إِنّا كُنّا مَعَكُمْ﴾ أي كنّا معكم بالقول، وإن لم يظهر منّا أي تضحية فعلية ﴿أَوَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ﴾ بما في صدور عباده من الصدق أو النفاق، وما يترتب عليهما بصورة طبيعية من ثواب وعقاب.
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ﴾ (١١)
١١ - ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالقول والعمل ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ﴾ علم ظهور إلى حيّز الواقع، وليس بعلمه بالغيب منهم.
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (١٢)
١٢ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبِعُوا سَبِيلَنا﴾ في الكفر والضلال ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ﴾ فلا عليكم منها، قالوه على سبيل التهكّم والسخرية، لأنهم ينكرون وجود الله أصلا، كما ينكرون الآخرة والحساب ﴿وَما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ انظر القاعدة القرآنية بقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام ١٧٤/ ٦]، ﴿إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في دعواهم حمل أخطاء الآخرين.
﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (١٣)
١٣ - ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ﴾ أثقال ذنوبهم ﴿وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ﴾ وهي أثقال جهودهم في إضلال الآخرين ﴿وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمّا كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من الكذب.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ وَهُمْ ظالِمُونَ (١٤)﴾
стр. 1438
١٤ - بعد أن فصّلت الآيات (١ - ١٣) لزوم قرن الإيمان بالعمل، ووجوب استخدام العقل والنهي عن التقليد في التوصل إلى الحقيقة التي جاءت بها الرسل، تضرب السورة مثلا بقصص بعض الرسل، الآيات (١٤ - ٤١):
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً﴾ فبقيت عقولهم متشنجة على التقليد، لا يتمكنون من تقويم رسالة نوح لهم من حيث جدارتها وأصالتها، مع طول المدة ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفانُ﴾ بنتيجة عنادهم واستكبارهم ﴿وَهُمْ ظالِمُونَ﴾ أنفسهم بعدم استخدام إمكاناتهم الفكرية التي كرّمهم بها الله تعالى.
﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ (١٥)
١٥ - ﴿فَأَنْجَيْناهُ﴾ من قومه المصرّين على الكفر ﴿وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ﴾ ومن معه من المؤمنين ﴿وَجَعَلْناها﴾ سفينة نوح ﴿آيَةً لِلْعالَمِينَ﴾ عبرة لمن يعتبر، في نجاة المؤمنين وغرق الكفار.
﴿وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١٦)
١٦ - عطف على الآية (١٤) والتقدير: وأرسلنا إبراهيم: ﴿وَإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ في أور كلدان، بالعراق اليوم ﴿اُعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده بلا شرك، ولا شركاء تزعمونهم ﴿وَاِتَّقُوهُ﴾ بنبذ عبادة الكواكب من شمس وقمر وغيرها ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ في دنياكم وآخرتكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الحقيقة، وليس الأوهام.
﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ وَاُعْبُدُوهُ وَاُشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١٧)
١٧ - ﴿إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً﴾ هي المشارإليها بقوله تعالى: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء ٥٧/ ٢١ - ٦٣]،
стр. 1439
﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً﴾ كذبا سافرا ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الأوثان، ومن الكواكب والنجوم، انظرآيات [الأنعام ٧٦/ ٦]، ﴿لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً﴾ ماديا، ولا روحانيّا، ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللهِ الرِّزْقَ﴾ المادي، والهداية الروحانية ﴿وَاُعْبُدُوهُ﴾ وحده ﴿وَاُشْكُرُوا لَهُ﴾ بالقول والعمل ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وتحاسبون من ثواب وعقاب.
﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (١٨)
١٨ - ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فلاقوا نتيجة تكذيبهم، جزاء وفاقا ﴿وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ وليس عليه القسر والإكراه، لأن الإيمان لا يكون إلاّ بالخيار والقناعة.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (١٩)
١٩ - الآيات (١٩ - ٢٣) المضمّنة في قصة إبراهيم تحشد البراهين على صدق الرسالة وعلى وجود خالق مهيمن:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ في كل مظاهر الخلق من حولهم، كالنباتات تموت في الخريف وتحيا في الربيع، وكالحيوانات خلقهاتعالى من نطفة، ولم تكن شيئا مذكورا، وهذا القدر من العلم كاف في حصول العلم بإمكان الإعادة ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ كما في قوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق ١٥/ ٥٠].
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٠)
٢٠ - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ واستكشفوا أسرارها بالدراسة وبالبحث العلمي ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ من سلالة من طين، انظر [المؤمنون ١٢/ ٢٣]، وانظروا الإعجاز، ليس في خلق الأجسام فقط، التي يحار الأطباء في
стр. 1440
تركيبها، بل أيضا ما فيها من العقول والفكر والشعور والغرائز ﴿ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ كما بدأتعالى أوّل خلق يعيده، انظر [الأنبياء ١٠٤/ ٢١]، ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو خالق الأكوان لا يعجزه شيء.
﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ (٢١)
٢١ - ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ بعد النشأة الآخرة يعذّب من يشاء تعذيبه من المنكرين لها ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ﴾ رحمته وهم المقرّون بها ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ تردّون للحساب.
﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (٢٢)
٢٢ - ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أن يجري الله تعالى حكمه وقضاءه عليكم ﴿وَلا فِي السَّماءِ﴾ لا تستطيعون النفاذ من أقطار السماوات والأرض، ومن قضاء الله فيكم ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ فالله وحده متولّي أموركم ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ الله وحده يستطيع نصركم.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٣)
٢٣ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ الآفاقية والتكوينية الدالّة على وجوده ووحدانيته، كماآيات الوحي التي نزلت على الرسل ﴿وَلِقائِهِ﴾ وأنكروا البعث والنشور ﴿أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ يئسوا من ألطافه تعالى ﴿وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ نتيجة إصرارهم على الكفر.
والخلاصة أنّ استعداد الإنسان للإيمان بالخالق هو بذاته نتيجة للألطاف والرحمة الإلهية، وعلى النقيض من ذلك يكون عذاب الآخرة نتيجة طبيعية للمصرّين على الكفر.
стр. 1441
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٤)
٢٤ - عودة الخطاب إلى الآية (١٨):
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ﴾ على دعوته لهم لعبادة الله وحده ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ﴾ بأن جعلهاتعالى بردا وسلاما عليه، انظر [الأنبياء ٦٩/ ٢١]، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ عبرا باهرة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بما يمليه عليهم المنطق والعقل السليم.
﴿وَقالَ إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿وَقالَ﴾ إبراهيم لقومه ﴿إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً﴾ تعبدونها ﴿مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ مودّة بين العبدة لأنهم يقلّد بعضهم بعضا في عبادة الأوثان، فتكون سببا لائتلافهم وتوادّهم، وهذا محض التقليد وإنكار دور العقل ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ﴾ تنكرون بعضكم بعضا، وما كنتم عليه من الألفة والمودّة والجهالة ﴿وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ على النقيض ممّا كنتم عليه من المودّة ﴿وَمَأْواكُمُ النّارُ﴾ تأوون إليها ﴿وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ لأنها المصير الطبيعي لأمثالكم من المقلّدين.
﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢٦)
٢٦ - ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ ابن أخيه ﴿وَقالَ﴾ إبراهيم ﴿إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي﴾ إلى حيث أمرني ربّي، وإلى حيث لا أحد يمنعني حيث نزل إبراهيم في قرية من حرّان شمال بلاد الشام، ومنها إلى فلسطين حيث نزل إبراهيم في قرية من قراها، ونزل لوط في قرية سدوم وهي المؤتفكة على البحر الميت، انظر قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ [النجم ٥٣/ ٥٣]، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره ﴿الْحَكِيمُ﴾ جميع أفعاله متصفة بالحكمة، وإن بقيت حكمته أحيانا خافية على معظم الخلق.
стр. 1442
﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٢٧)
٢٧ - ﴿وَوَهَبْنا لَهُ﴾ لإبراهيم ﴿إِسْحاقَ﴾ ابنه الثاني، بعد إسماعيل الذبيح، ﵉ ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ الملقّب بإسرائيل، ابن إسحاق ﴿وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ﴾ في ذرية إبراهيم ﴿النُّبُوَّةَ﴾ تفرعّت النبوّة في ذرية إبراهيم إلى فرعين الأولى:
الأنبياء من ذرية إسحاق، وكان آخرهم عيسى المسيح ﵇، آخر أنبياء بني إسرائيل، والثانية: الأنبياء من ذرية إسماعيل وانحدر منهم خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ ، انظر شرح آية [البقرة ١٢٢/ ٢]، ﴿وَالْكِتابَ﴾ الكتاب اسم جنس للكتب السماوية، والمقصود به الوحي ﴿وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا﴾ فكان إبراهيم للناس إماما، أي قدوة، لقوله تعالى: ﴿قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً﴾ [البقرة ١٢٤/ ٢]، ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ في عداد من أنعم الله عليهم من الصدّيقين والشهداء.
﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (٢٨)
٢٨ - عطف على الآية (١٦) والتقدير: وأرسلنا لوطا: ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ وهم أهل سدوم، وهم قومه مجازا لكونه استوطن مجتمعهم، ونبّئ عندهم مبعوثا إليهم خاصة، ودعاهم إلى الصلاح ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ الفعلة الشاذّة البالغة في القبح، تشمئزّ منها الطباع السليمة، والنفوس الكريمة ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ من ذوي الطباع السليمة.
﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٢٩)
٢٩ - ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ﴾ شذوذا ﴿وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ المعتاد مع النساء ﴿وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ﴾ مجالسكم ﴿الْمُنْكَرَ﴾ القبيح تفعلونه جهارا،
стр. 1443
﴿فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ ساخرين متهكّمين ﴿اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دعواك أنك نبيّ مرسل.
﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٣٠)
٣٠ - ﴿قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ﴾ بعد أن أيس منهم، ورأى منهم الإصرار على الفساد.
﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ (٣١)
٣١ - ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى﴾ بشرى ولادة إسحاق، انظر [هود ٦٩/ ١١ - ٧٣]، ﴿قالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ أتبعوا بشراهم، بخبر ما سوف يحلّ بقرية لوط من الهلاك ﴿إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ﴾ ظلموا أنفسهم بالخروج عن سلامة الفطرة.
﴿قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٣٢)
٣٢ - ﴿قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ﴾ منك ﴿بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ ممّا سوف يحلّ بالآخرين ﴿إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ سوف تبقى مع الهالكين لا محالة، لأنها تميل إلى الشواذ.
﴿وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٣٣)
٣٣ - ﴿وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ﴾ اعتراه السوء والغمّ خيفة أن يتعرّض لهم قومه بالسوء كما هي عادتهم مع الغرباء ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ ضاق بشأنهم وتدبير أمرهم، وذرعه أي طاقته، أي ليس طويل الذراع بما يمكنه من حمايتهم ﴿وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ﴾ إنّا رسل ربّك ﴿إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ من العذاب الذي سوف يصيبهم ﴿إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ الهالكين معهم.
стр. 1444
﴿إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٣٤)
٣٤ - ﴿إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ سدوم قرية قوم لوط ﴿رِجْزاً مِنَ السَّماءِ﴾ وهو العذاب الذي يقلق المعذّب، انظر أيضا معنى الرجز في آية [الأعراف ٧١/ ٧]، وفي هذه الحالة أصابتهم الزلازل التي قلبت قراهم عاليها سافلها، فسمّيت المؤتفكة أي المنقلبة، وغشيهم الغبار البركاني والحمم ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بنتيجة خروجهم عن الطريق السوي.
﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٣٥)
٣٥ - ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها﴾ من القرية ﴿آيَةً بَيِّنَةً﴾ هي آثار ديارها الخربة بقيت ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يستعملون عقولهم في الاستبصار والاعتبار.
﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاُرْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٣٦)
٣٦ - ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ لمزيد من التفصيل عنهم انظر شرح آية [الأعراف ٨٥/ ٧]، ﴿فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاُرْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ ولا تجعلوا الدنيا منتهى أملكم ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ لأنهم كانوا يأكلون أموال الناس بالباطل ويبخسون الكيل والميزان، وبعبارة أخرى كان نظامهم الاقتصادي قائما على الفساد.
﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (٣٧)
٣٧ - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة الأرضية، ولا تزال بقايا الحمم البركانية في أراضي الحرّة ماثلة إلى اليوم شاهدة على ذلك، وفي آية [الشعراء ١٨٩/ ٢٦] أنه أخذهم عذاب يوم الظله ويبدو أن الرماد البركاني انتشر في الجو كالضباب حاجيا عنهم الشمس ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ هامدين موتى بلا حراك.
стр. 1445
﴿وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ (٣٨)
٣٨ - ﴿وَعاداً وَثَمُودَ﴾ من الأمم العديدة التي كذّبت رسلها، انظر [الأعراف ٦٥/ ٧ - ٧٩]، ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ﴾ ما جرى عليهم من الهلاك ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ فجعلها تبدو حسنة في نظرهم، واعتدّوا بأخطائهم ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ القويم ﴿وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾ لم يستفد المكذّبون من مقدرة الاستبصار التي أودعهاتعالى في بني آدم، وهي المقدرة على التوصل إلى الحقيقة والتمييز بين الحق والباطل بالدلائل العقلية.
﴿وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ﴾ (٣٩)
٣٩ - ﴿وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ﴾ الآيات الواضحة من معجزات حسية، ومن وحي إلهي ما هو أكثر من كاف لغير المكابر ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بقوا مصرّين على العناد والمكابرة، معتدّين بأنفسهم ﴿وَما كانُوا سابِقِينَ﴾ ما كانوا فائتين أمره تعالى، وقد أدركهم أمره فعلا بالنهاية البائسة التي وصلوا إليها.
﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٤٠)
٤٠ - ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ﴾ نتيجة طبيعية مترتبة على ذنب كل منهم ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً﴾ كقوم عاد ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ كثمود ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ﴾ كما هي حال قارون ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا﴾ كفرعون وملئه ﴿وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ اعتباطا ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بما اختاروا لأنفسهم من سوء العقيدة والعمل.
стр. 1446
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اِتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤١)
٤١ - الآيات (٤١ - ٤٤) تلخص، بشكل رمزي، موقف الأمم البائدة التي سبق ذكرها بالآيات المتقدمة (١٤ - ٤١)، وتضرب لها مثلا بيت العنكبوت:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ﴾ من الأوثان، والأوهام، والرؤساء المؤلّهين ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اِتَّخَذَتْ بَيْتاً﴾ من نسيجها الضعيف، تكمن فيه، وتصطاد به فرائسها ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ لأنّ الحشرات التي تلوذ ببيت العنكبوت يكون مصيرها الهلاك، فالعنكبوت تفترسها رغم مظهرها الضعيف، وكذا عبدة الأوهام، فإن معبوداتهم الضعيفة توردهم موارد الهلاك ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أنّ ما يلوذون به من أوهامهم سوف يقضي عليهم.
﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤٢)
٤٢ - ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ما يدعون من دون الله ليس سوى الخيال والوهم ﴿وَهُوَ﴾ الله وحده ذو الوجود الحقيقي ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره ﴿الْحَكِيمُ﴾ في تدبير شؤون عباده وإرشادهم.
﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ (٤٣)
٤٣ - ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ﴾ كمثل بيت العنكبوت المذكور آنفا ﴿وَما يَعْقِلُها﴾ يفقه المغزى منها ﴿إِلاَّ الْعالِمُونَ﴾ الراسخون في العلم، الناظرون المتدبّرون في الآيات.
﴿خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٤)
٤٤ - ﴿خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ وليس عبثا، بل هنالك مغزى، وهذا المغزى يستتبع الإيمان بالله الواحد، وكل شيء في الخلق ذو معنى، وليس من صدفة في شيء، انظر [الأنبياء ١٨/ ٢١]، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ بالحكمة الإلهية الخافية على معظم الخلق.
стр. 1447
﴿اُتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ (٤٥)
٤٥ - ما دام الأمر على النحو المذكور في الآية (٤٤) من وجود مغزى للخلق، فلم يبق على المؤمن سوى تلاوة آيات الذكر الحكيم تلاوة فهم وتدبّر، والمواظبة على الصلوات المكتوبة، للتوصل إلى السلوك القويم أولا، وإلى هذا المغزى ثانيا:
﴿اُتْلُ﴾ أيّها المؤمن ﴿ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ﴾ ما فهمته، أيها المؤمن، من الوحي القرآني ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ﴾ في مواعيدها ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ يستحيل أن يجتمعا مع الصلاة، وإلاّ كانت الصلاة نفاقا ورياء، انظر [الماعون ٥/ ١٠٧]، ﴿وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ﴾ من أي شيء من الخيرات، فلا شيء أفضل من ذكر الله ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ﴾ من خير أو شر، فتحاسبون عليه.
﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٤٦)
٤٦ - انتقال الخطاب من واجبات المؤمن تجاه نفسه إلى تحديد واجباته في الدعوة تجاه الآخرين من أهل الكتاب، الآيات (٤٦ - ٥٥):
﴿وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ بأحسن الأساليب، والجدل والنقاش مطلوب من ذوي المؤهلات فقط، وليس أن يتصدّى له كل أحد من الناس ﴿إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ المصرّون على الظلم من أهل الكتاب لا ينبغي مجادلتهم أصلا ﴿وَقُولُوا آمَنّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ من الوحي ﴿وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ﴾ لا نعبد غيره ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مستسلمون منقادون مذعنون.
﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧)﴾
стр. 1448
٤٧ - ﴿وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ﴾ أيها الرسول، وأيها المؤمن، أنزلنا إليك القرآن، وما قبله من الكتب السماوية المقدسة ﴿فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ﴾ في الخطاب محذوف وتقديره: الذين آتينهم فهم القرآن والكتب المقدسة من قبله ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أؤلئك يؤمنون بالقرآن يقينا ﴿وَمِنْ هؤُلاءِ﴾ من أهل الكتاب ﴿مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ وقت البعثة النبوية، وبعدها على مر العصور، وقد دخلوا الإسلام بعد الفتوحات بأعداد كبيرة جدا ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ جحودا، فينكرها وهو يعلم صحتها ﴿إِلاَّ الْكافِرُونَ﴾ المتوغّلون في الكفر المصمّمون عليه، وذلك لشدة وضوحها وبيانها بما لا يترك مجالا للجدال بصحتها.
﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٤٨)
٤٨ - ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا﴾ أيها الرسول ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن ﴿مِنْ كِتابٍ﴾ مقدس أو غير مقدس، فالنبي كان أمّيا لا يقرأ ﴿وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ ولا تعرف الكتابة ﴿إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ لكان هنالك شك لدى الذين يحاولون إبطال القرآن بشتى الوسائل، وعلى أية حال لم يعرف في جزيرة العرب، وقت البعثة ولا قبلها، أيّ مركز ثقافي أو ديني يروّج لكتب اليهود والمسيحية، كالعهد القديم والعهد الجديد، ولم تكن هذه الكتب مترجمة للعربية أصلا.
﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظّالِمُونَ﴾ (٤٩)
٤٩ - ﴿بَلْ هُوَ﴾ القرآن الكريم ﴿آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ واضحات من تلقاء نفسها لا تحتاج إلى برهان ﴿فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الذين فهموه وعلموا معانيه ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ فينكرها وهو يعلم صحتها ﴿إِلاَّ الظّالِمُونَ﴾ أنفسهم بخداعها.
﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠)﴾
стр. 1449
٥٠ - ﴿وَقالُوا﴾ الكفار والسذّج ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ يريدون آيات مادية ومعجزات تلمسها أيديهم، كنزول القرآن مكتوبا، وذلك لشدة طفولتهم العقلية، وعجزهم عن استخدام مداركهم الفكرية في تقويم القرآن من حيث جدارته ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ﴾ المادية ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ هو وحده يقرر نزولها إن شاء، إن اقتضت الحكمة والمصلحة ﴿وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ لا غير، فليس من وظيفتي اجتراح المعجزات.
﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥١)
٥١ - ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ﴾ هؤلاء الكفار والمكابرون والسذّج ﴿أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ القرآن ﴿يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ بما فيه من إعجاز، فأين عقولهم التي كرمهم الله تعالى بها؟ ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ في نزول القرآن ﴿لَرَحْمَةً﴾ لأنه معجزة كائنة وباقية في كل زمن وكل مكان ﴿وَذِكْرى﴾ للناس، يذكّرهم بدين الفطرة، انظر [الأعراف ١٧٢/ ٧]، ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بما يميل إليه العقل السليم، والفطرة السليمة، بخلاف المكابرين المعاندين.
﴿قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٥٢)
٥٢ - ﴿قُلْ كَفى بِاللهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً﴾ على مصداقية القرآن والوحي، فآياته تشهد على ذاتها بذاتها ﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أحاط علمه القديم بكل شيء ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ﴾ رغم الآيات البينات ﴿وَكَفَرُوا بِاللهِ﴾ يكونون كمن أوصل نفسه بنفسه إلى الحضيض، إذ استخدم عقله استخداما سلبيا ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ خسروا أنفسهم، وليس أعظم من خسارة الأنفس.
﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾
стр. 1450
٥٣ - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ تهكّما وتعجيزا ﴿وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ بإمهالهم، وإعطائهم الفرص للتفكّر والتدبّر في القرآن، وإعطائهم فرص التوبة، رحمة منه تعالى ﴿لَجاءَهُمُ الْعَذابُ﴾ عاجلا غير آجل، لكنّ الله تعالى أرحم بهم من أنفسهم ﴿وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً﴾ إذا أصرّوا على الكفر ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بمجيئه، فالموت أقرب بعيد، وليس بعده سوى الحساب.
﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ (٥٤)
٥٤ - ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ﴾ تهكّما وتعجيزا ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ بالمصرّين على الكفر، لا مناص لهم منها.
﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥٥)
٥٥ - ﴿يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ يأتيهم عذاب الآخرة من كل الجهات ﴿وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي هذا نتيجة عملكم أوصلكم إلى هذه الحال.
﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ (٥٦)
٥٦ - بعد أن حضّت الآيات (٤٦ - ٥٥) على وجوب الدعوة، تبين الآيات (٥٦ - ٦٩) أن الدعوة تتطلب الهجرة والأسفار وجهاد النفس وتحمل المشاق:
﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ﴾ فلا مبرر أن تتحمّلوا الاضطهاد الديني من قبل أعدائكم، ولا أن يفتنوكم عن دينكم ﴿فَإِيّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ولا مبرر لحلول وسط في أمور العقيدة مع الكفار.
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ (٥٧)
٥٧ - ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ سواء في دار الهجرة أو غيرها، فلا تخشوا السفر والهجرة ﴿ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ للحساب.
стр. 1451
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ (٥٨)
٥٨ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ فلا تضيع أعمالهم سدى.
﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٥٩)
٥٩ - ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الاضطهاد الديني، وعلى مشاق التكليف، وعلى مشاق الهجرة ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ بعد أن يتخذوا للأمور عدّتها.
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦٠)
٦٠ - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ في هجرتها ﴿اللهُ يَرْزُقُها وَإِيّاكُمْ﴾ فالله تعالى وحده متولّي شؤون عباده ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعائكم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوالكم.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٦١)
٦١ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ يقرّون بذلك ﴿فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ فكيف لهم أن يصرفوا إلى الشرك وعبادة الأوهام مما فيه تحقير لعقولهم.
﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٦٢)
٦٢ - ﴿اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يعلم مصالح عباده، فيبسط الرزق لأناس، ويقدره على آخرين، بغض النظر عن مؤمنهم وكافرهم، وفق حكمته الخافية على الناس.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾
стр. 1452
٦٣ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ يقرّون بأنه الخالق ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ على وصولهم إلى هذه الدرجة من المعرفة، والحمد لله على إحيائه الأرض بعد موتها ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ مع ذلك، لا يتوصّلون إلى وجوب التوحيد، والإعراض عن الشرك، ويتهالكون على الدنيا، كما سوف تبيّن الآية التالية.
﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٦٤)
٦٤ - ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ في جنب الآخرة، وهي لهو ولعب للمنهمكين فيها، الذين جعلوها منتهى همّهم وأملهم ﴿وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ﴾ هي الحياة الحقيقية ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ حقيقة الأمور.
﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٦٥)
٦٥ - ﴿فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ في السفن، أو في الطائرات، وأشرفت بهم على الخطر ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ تضرّعوا إلى الله تعالى، وحده، من شدة خوفهم طالبين النجاة، لعلمهم أن الله وحده يرفع الشدائد ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ إلى شاطئ الأمان ﴿إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ ينسون ما كانوا عليه من الخطر، ويعودون إلى عبادة أوهامهم ونزواتهم وشهواتهم، ويتهالكون على دنياهم، وينسون آخرتهم.
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٦٦)
٦٦ - ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ بعد نجاتهم يكفرون بما آتاهم الله من نعمه، وينسون استجابته لدعائهم وقت الشدة ﴿وَلِيَتَمَتَّعُوا﴾ ويعودون إلى ما كانوا عليه من اللهو واللعب والتمتع بدنياهم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ العواقب في وقتها.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ (٦٧)﴾
стр. 1453
٦٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ كفار قريش ﴿أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً﴾ يلوذون به آمنين، فلا يجرؤ أحد من العرب على الإغارة عليه، أو الاعتداء على من فيه، مما يحقق لهم الطمأنينة والسلام الداخلي، ومما هو جدير أن يحفزهم للإيمان ببعثة النبي ﷺ ﴿وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ تسود الفوضى والاقتتال خارج الحرم بين قبائل العرب ﴿أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ﴾ يعبدون الأوثان ويتقرّبون إليها ﴿وَبِنِعْمَةِ اللهِ يَكْفُرُونَ﴾ يكفرون بما آتاهم الله تعالى من الأمن والأمان في ديارهم، وبما ساق إليهم من الأرزاق في مواسم الحج والعمرة، ومن ثمّ يكفرون ببعثة النبي ﷺ ، كما سوف يرد بالآية التالية:
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ (٦٨)
٦٨ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ بأن جعل له شركاء من الأوثان والأوهام ﴿أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُ﴾ كذّب ببعثة النبي أحمد خاتم الأنبياء والرسل ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ نتيجة طبيعية لإصرارهم على الكفر، وعمايتهم عن الهدي الإلهي.
﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦٩)
٦٩ - ﴿وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا﴾ في شأننا، وفي سبيلنا، ومن أجلنا، ولوجهنا خالصا، وليس أكبر من جهاد النفس، أما الجهاد القتالي في القرآن فهو مختص بالدفاع فقط، وليس بالعدوان، والجهاد أيضا مختصّ بالدعوة إلى الله بالحكمة وبالموعظة الحسنة وبالمجادلة بالتي هي أحسن، لمن هم أهل لذلك، انظر [النحل ١٢٥/ ١٦]، والآية (٤٦)﴾، ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا﴾ هؤلاء نزيدهم هداية إلى سبل الخير وتوفيقا لسلوكها، ما يدل أن هنالك أكثر من سبيل للهداية، وأكثر من سبيل لمعرفة الله ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين يتوخّون الإحسان في كلّ شيء، وفي كل عمل يقومون به، أن يكون على أحسنه.
стр. 1454
سورة الروم - ٣٠ - مكية
مقدمة
نزلت في السنة السادسة بعد البعثة كما هو واضح من الإشارة لهزيمة روم بيزنطة على يد الفرس في سنة ٦١٦ م أي ست سنوات بعد البعثة، وقد نتج عنها احتلال الفرس للشام ومصر وآسية الصغرى، فلمانزلت النبوءة المذكورة بالآيات (٢ - ٥) بأن النصر سوف يتحقق للروم بعد ذلك في بضع سنين (أي خلال ٣ - ٩ سنوات) قابلها مشركو قريش بالتهكم وبالازدراء، وكانوا قبلها يعيّرون المسلمين بأن مجوس الفرس انتصروا على أهل الكتاب، ثمّ في العام ٦٢٢ م تمكن الروم من هزيمة الفرس في معركة إيسّس Issus فأخرجوهم من آسية الصغرى، وفي العام ٦٢٤ م نقلوا المعركة إلى قلب فارس، وتزامن ذلك في الجزيرة العربية مع وقعة بدر وهو ما تشير له الآية (٥) عندما يفرح المؤمنون.
(ارتباط السورة بما قبلها) في أواخرسورة العنكبوت المتقدمة أن الحياة الدنيا لهو ولعب وأن حياة الآخرة هي الحياة الحقيقية: ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٦٤/ ٢٩)، وفي سورة الروم أنّ الكفار مغترّون بظاهر الحياة الدنيا وغافلون عن حقيقة الدنيا والآخرة: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ (٧/ ٣٠).
وفي سورة العنكبوت أن القرآن الكريم أكثر من كاف لهداية ذوي العقول النّيرة: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً﴾
стр. 1455
﴿وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥١/ ٢٩)، ثمّ في سورة الروم أنّ الكفار يحاولون إبطال القرآن بشتّى الوسائل: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ (٥٨/ ٣٠).
محور السورة
أغلب الناس مغترّون بظاهر الحياة الدنيا غافلون عن حقيقتها ومغزاها وعن حقيقة الحياة الآخرة: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ (٧)، وأنّ علاج الغفلة ذكر الله على الدوام: ﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (١٧ - ١٨)، والالتزام بدين الفطرة دون تبديل ولا إفساد: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٠).
وقرن القول بالعمل بما فيه من إيتاء الصدقات والزكاة لمستحقّيها وتجنب الربا الفاحش: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (٣٨ - ٣٩).
وبخلاف ذلك فإن الفساد يظهر في البر والبحر بنتيجة منع الخير والتهالك على المادة عند الذين يعدّون النجاح الاقتصادي المادي معيارا وحيدا للنجاح، فتفسد البيئة الطبيعية من بر وبحر بنتيجة النفايات والمخلفات والتلوث، كما تفسد الأخلاق: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤١)، فلا يفيق الغافلون من غفلتهم إلا عند وقوع الساعة فيكذبون على أنفسهم بأن لبثهم في الدنيا كان قصيرا لدرجة
стр. 1456
أن لم تتح لهم فرصة الإصلاح والتوبة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (٥٥).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم﴾ (١)
١ - ﴿الم﴾ الله أعلم بمراده، انظر [البقرة ٢/ ١].
﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (٢)
٢ - ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ انهزم روم بيزنطة على يد الفرس سنة ٦١٦ م، انظر المقدمة.
﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (٣)
٣ - ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ من جهة بلاد العرب ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ بعد انهزامهم ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ سوف يغلبون الفرس.
﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٤)
٤ - ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ سوف تكون غلبة الروم على الفرس في بضع سنين، أي خلال (٣ - ٩) سنين ﴿لِلّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ بيده تعالى مقاليد الأمور في كل الأوقات والعصور ﴿وَيَوْمَئِذٍ﴾ في ذلك اليوم، أي يوم وقعة بدر، التي تزامنت مع انتصار الروم على الفرس ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ يفرح المسلمون بنصرهم على كفار قريش، وفي حين أن وقعة بدر انتهت في يوم واحد، فإن نصر روم بيزنطة على الفرس استغرق بضع سنوات، انظر المقدمة.
﴿بِنَصْرِ اللهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٥)
٥ - ﴿بِنَصْرِ اللهِ﴾ يفرح المؤمنون بنصر الله، إذ نصرهم الله تعالى على كفار قريش في بدر ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ﴾ نصره، على قاعدة ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ﴾
стр. 1457
﴿يَنْصُرْكُمْ﴾، انظر [محمد ٧/ ٤٧]، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ بعباده، مؤمنهم وكافرهم.
﴿وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٦)
٦ - ﴿وَعْدَ اللهِ﴾ بنصر المسلمين في بدر، ونصر الروم على الفرس ﴿لا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ لا محالة ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ حقيقة الأمور، وإنما يعلمون ظاهرها فقط.
﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ (٧)
٧ - ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ ولا يعلمون أقل القليل من الغيب ﴿وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ﴾ عن حقيقتها ﴿هُمْ غافِلُونَ﴾ النتيجة أنهم غافلون عن حقيقة الدنيا، وحقيقة الآخرة.
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ (٨)
٨ - بعد أن أوجزت الآيات (١ - ٧) تحقق النبوءات في نصر روم بيزنطة من جهة، ونصر المسلمين في بدر من جهة أخرى، وأن أكثر الناس مغترّون بالظاهر من الأمور، ينتقل الخطاب بالآيات (٨ - ١٩) إلى وجوب أخذ العبر من تاريخ الأمم السابقة وأسباب انحطاطها وسقوطها، والتفكر في مغزى الخلق وعاقبة الإيمان والكفر:
﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يتفكّروا لمصلحتهم، لأنّ التفكّر مفيد لهم ﴿ما خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ ليدركوا بنتيجة التفكّر أنّ الخلق ذو مغزى وليس عبثا ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ المخلوقات تنتهي في الزمان والمكان لكنّ الخالق لا أوّل له ولا آخر ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ﴾ منكرون للآخرة بسبب عمايتهم، فهم إمّا من غير المفكّرين، أو من ذوي التفكير المنحرف.
стр. 1458
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٩)
٩ - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ فيدرسوا تاريخ من سبقهم من الأمم ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ويدرسوا العواقب التي انتهت إليها، وأسباب نشوء الحضارات ثم انحطاطها وسقوطها ﴿كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ فلم تفدهم شيئا ﴿وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمّا عَمَرُوها﴾ في حضارات أعظم من حضاراتهم ﴿وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ فأنكروا الرسل وكذّبوا الرسالات ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بعد أن حباهم كل هذه النعم الدنيوية، وأتبعها بالهدي الإلهي ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بالجحود والاستكبار.
﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (١٠)
١٠ - ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى﴾ بمقتضى سننه تعالى في الخلق أنّ السيئات تحيق بأصحابها، والسوءى تعني العقوبة السوءى، وهي تأنيث الأسوأ ﴿أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ بنتيجة التكذيب والاستهزاء بالآيات، وذلك ناتج من العناد والمكابرة والاستكبار.
﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (١١)
١١ - ﴿اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ للبعث والنشور ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للحساب.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (١٢)
١٢ - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ﴾ يصبحون في منتهى اليأس.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣)﴾
стр. 1459
١٣ - ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ﴾ من الزعماء والقادة الذين أضلّوهم ﴿شُفَعاءُ﴾ ظنّوا فيهم الشفاعة ﴿وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ﴾ بعد أن كانوا تابعين لهم تبعية عمياء في دنياهم.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ (١٤)
١٤ - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ﴾ إلى مؤمنين وكفار.
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ (١٥)
١٥ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الذين صدّقوا إيمانهم بالعمل الصالح ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ الحبر السرور، أي هم في الجنة في منتهى السرور.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ (١٦)
١٦ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ﴾ الذين اعتقدوا الدنيا نهاية المطاف ﴿فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ تفكيرهم المنحرف في دنياهم، وإصرارهم على الكفر، أدّيا بهم إلى هذا المصير.
﴿فَسُبْحانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (١٧)
١٧ - ﴿فَسُبْحانَ اللهِ﴾ تنزيها له تعالى عن كل نقص وسوء، وعلى تحقق العدالة في الآخرة، ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ على الدوام.
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ (١٨)
١٨ - المغزى؛ اذكروا الله في كل الأوقات:
﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ هو مستحقّ الحمد على إيجاده الخلق وعلى نعمائه ﴿وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ قالوا: إنّ في الآيتين (١٧ - ١٨) دلالة على الصلوات الخمس المفروضة، حين تمسون: صلاة المغرب، وعشيّا: صلاة
стр. 1460
العشاء، وحين تصبحون: صلاة الصبح، وحين تظهرون: صلاة الظهر، ثم العصر.
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (١٩)
١٩ - ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ كخلق الإنسان بعد أن لم يكن شيئا مذكورا، انظر [الإنسان ١/ ٧٦]، ﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ بوفاته ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾ بالنبات ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾ بعد أن كانت قاحلة ﴿وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ من موتكم للبعث والنشور والحساب.
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ (٢٠)
٢٠ - بعد أن أشارات الآيات المتقدمة إلى مغزى الخلق ينتقل الخطاب بالآيات (٢٠ - ٢٥) لبيان بعض الآيات الآفاقية:
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ من سلالة من طين، انظر [المؤمنون ١٢/ ٢٣]، كما الجسم مخلوق من المواد العضوية الموجودة في التراب ﴿ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ في دنياكم تتصرّفون بها، وتتمتّعون بالفكر والعقل والغرائز في هذا الجسم المادي المخلوق من التراب، وما في ذلك من إعجاز يذهل عنه معظم الناس.
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢١)
٢١ - ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً﴾ لأنّ المرأة زوج الرجل، كما الرجل زوج المرأة، والجنس البشري كلّه من نفس واحدة ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْها﴾ الرجل والمرأة كلّ منهما يلقى السكينة عند الآخر ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ بين الزوجين ﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ بالزواج الذي شرعه لكم ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ إشارات وعبرا ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ الذين يمعنون الفكر في هذه
стр. 1461
الأحوال ممّا يعده الآخرون، غير المفكّرين، مسلّمات وبدهيات، غافلين عمّا تتضمنّه من إعجاز.
﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ﴾ (٢٢)
٢٢ - ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما فيهما من إعجاز هائل يكتشفه العلماء والفلكيون كل يوم ﴿وَاِخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ اللغات المختلفة التي تتكلمون وتتفاهمون بها، واختلافها باختلاف الشعوب والأمم ﴿وَأَلْوانِكُمْ﴾ باختلاف المناطق التي أنتم تقطنونها ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ معجزات باهرات ﴿لِلْعالِمِينَ﴾ للناس كلّهم.
﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَاِبْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٢٣)
٢٣ - ﴿وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ﴾ نومكم ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ لراحة الجسم والفكر ﴿وَاِبْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالليل والنهار طلبا للرزق، الذي هو من فضله تعالى، والمغزى ألا ينسب المرء ما يكسبه من الرزق إلى حذاقته وجدارته لا غير، وينسى مسبّب الأسباب ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ لديهم قابلية للسماع، سماع تفهّم واستبصار.
﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٢٤)
٢٤ - ﴿وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً﴾ تخافون الصواعق والعواصف ﴿وَطَمَعاً﴾ وتطمعون في نزول المطر ﴿وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ بإنبات النبات بعد أن كانت أراضي قاحلة ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يستعملون عقولهم في استنباط الأسباب، وكيفية تكوّن المطر وهطوله، وما في ذلك من إعجاز مذهل.
стр. 1462
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ جميع الأكوان تستمد وجودها منه، فلا وجود حقيقيا لها بذاتها ﴿ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ يوم القيامة ﴿إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ للنشور والحساب في الآخرة.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ (٢٦)
٢٦ - الآيات (٢٦ - ٢٩) تفيد التفرد بالألوهية وصفتها، واستحالة الشرك والشركاء:
﴿وَلَهُ﴾ وحده ﴿مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من المخلوقات العاقلة وغير العاقلة ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ خاضعون منقادون له طوعا أو كرها، ويستمدّون وجودهم منه.
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢٧)
٢٧ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ﴾ أول مرّة، من أكوان ومن مخلوقات حيّة وجمادات ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يوم القيامة ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ لا يعجزه شيء ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ له الوصف العجيب المذهل الذي خارج التصور البشري لتعريف الإله، فليس لغيره ما يدانيه، وليس كمثله شيء، ومنه قوله تعالى: ﴿لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [محمد ١٩/ ٤٧]، فليس من وجود حقيقي إلاّ هو ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ القادر على كل شيء ﴿الْحَكِيمُ﴾ تجري أفعاله وفق سنن الحكمة والمصلحة التي قد يخفى الكثير منها على الخلق.
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾
стр. 1463
٢٨ - ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ من العبيد والإماء والخدم ﴿مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ﴾ هل تقبلون أن تكونوا معهم شركاء على قدم المساواة في الرزق والممتلكات ﴿تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ فيصيروا متساوين معكم في المستوى الاجتماعي ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ الرسالات ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يستفيدون من عقولهم، والمغزى؛ ما دام الأمر على هذا النحو، فكيف تجرؤون على نسب شركاء إلى الله تعالى، مع أنّ هؤلاء الشركاء المزعومين ليسوا سوى مخلوقاته؟
﴿بَلِ اِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٢٩)
٢٩ - ﴿بَلِ اِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالشرك، متوهّمين الشفاعة أو الوساطة بين الشركاء المزعومين وبين الله ، مما يدلّ أنهم لا يعرفون الله حق المعرفة، خاصة إحاطته بكل شيء وجودا وعلما ﴿أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ اتّبعوا الهوى بغير علم يقيني ﴿فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللهُ﴾ الله تعالى لا يجبر الناس على الهدى، بل يخلّيهم لأنفسهم وما منحهم من العقول والفطرة السليمة ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ غير الله.
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٠)
٣٠ - ما دام الأمر على النحو المذكور آنفا: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ أيها الإنسان، وإقامة الوجه للدين حنيفا كناية عن التوجّه بالكامل والاستسلام لدين الفطرة بلا انحراف ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها﴾ في خلقهم، كما في الحديث: ((كل مولود يولد على الفطرة، وإنما أبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه))، والمقصود أنّ المولود يولد على فطرة الإسلام، ثم المجتمع قد يفسد فطرته ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ﴾ إلاّ بفساد الفطرة ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ دين
стр. 1464
الاستسلام والإذعان لله تعالى، بإقامة الوجه للدين بلا انحراف ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ﴾ من الكفار ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ هذه الحقيقة.
﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاِتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣١)
٣١ - ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعين إليه تعالى، دعوا إذن كلّ ما هو باطل، وتوجّهوا أيها الناس إلى الله تعالى وحده ﴿وَاِتَّقُوهُ﴾ بمعرفته حق المعرفة ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ له وحده ﴿وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فتبطل أعمالكم.
﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٣٢)
٣٢ - ولا تكونوا: ﴿مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ باختلافهم فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم، أو اختلاف عقائدهم مع اتحادهم في عبادة الله، والإشارة إلى اليهود والمسيحية أولا، ثمّ هي تطال المسلمين ثانيا ﴿وَكانُوا شِيَعاً﴾ فرقا ﴿كُلُّ حِزْبٍ﴾ طائفة منهم ﴿بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ يعتقدون أنهم محتكرون للحقيقة.
﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ (٣٣)
٣٣ - وهذه من غرائب سلوك الإنسان وتناقضه، الآيات (٣٣ - ٣٧):
﴿وَإِذا مَسَّ النّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ﴾ وحده ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ راجعين إليه دون غيره ﴿ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً﴾ مستجيبا لدعائهم ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ من الذين تأصّل الشرك فيهم ﴿بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ يعودون إلى ما كانوا عليه من الشرك بعد نجاتهم من الضرّ.
﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣٤)
٣٤ - ﴿لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ﴾ اللام لام العاقبة، فتكون النتيجة أنهم كفروا، بعد ما آتاهم الله تعالى من الرحمة ومن كشف الضرّ عنهم ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ قليلا بدنياكم ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عواقب شرككم في وقته.
﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾
стр. 1465
٣٥ - ﴿أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ﴾ في الوحي ﴿سُلْطاناً﴾ حجّة وبرهانا ﴿فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ﴾ يؤيّد شركهم؟ والجواب بالنفي، والمعنى على أي شيء يستندون في دعواهم؟ سوى الوهم.
﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ (٣٦)
٣٦ - ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً﴾ من نعمة وصحة ﴿فَرِحُوا بِها﴾ فرح البطر ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ وفق سننه تعالى في خلقه ﴿إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾ من رحمة الله، لمزيد من التفصيل انظر شرح [النساء ٧٨/ ٤ - ٧٩].
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٣٧)
٣٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ بوفرة ﴿وَيَقْدِرُ﴾ ويضيّقه على من يشاء ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ رسالات وعبرا ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بالسنن التي جعلهاتعالى في الخلق، وارتباطالآية بما قبلها إنكار فرحهم وبطرهم في حال الرخاء، وإنكار قنوطهم في حال الشدّة.
﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣٨)
٣٨ - ﴿فَآتِ﴾ أيها المؤمن، أو أيها السامع ﴿ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ﴾ من الصدقات والمعونات، فهو حقّ له وليس تفضّلا ﴿وَالْمِسْكِينَ وَاِبْنَ السَّبِيلِ﴾ أعطهم حقّهم أيضا ﴿ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ فمن بسط الله له رزقه لا ينقص بالإنفاق، ومن قدر عليه رزقه لا يزداد بالإمساك ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ لأنهم أنفقوا من المال الفاني، في مقابل الثواب الدائم.
﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾
стр. 1466
٣٩ - وعلى النقيض من إعطاء الصدقات والمعونات، هنالك من يأكل الربا:
﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً﴾ ما جئتم به من ربا ﴿لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النّاسِ﴾ ليزيد في أموال المرابين ﴿فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللهِ﴾ بل على النقيض من ذلك، يمحق الله الربا فلا يبارك به، ويربي الصدقات، انظر [البقرة ٢٧٦/ ٢]، ﴿وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ﴾ ما أعطيتم من الزكاة، ومن الصدقات غير الزكاة المفروضة ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللهِ﴾ وليس منّة، ولا رئاء الناس ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ الذين تتضاعف أموالهم وحسناتهم، انظر [البقرة ٢٦١/ ٢]، وفي حين أن القرآن الكريم يحرّم بتاتا كلّ زيادة غير مشروعة على القروض التي قد يقرضها طرف لآخر لأي غرض من الأغراض، ويطلق على الزيادة اسم الربا، فالقرآن لم يتطرّق إلى الفرق بين المواد العينية المقترضة، وبين قيمتها المتغيّرة من النقود.
وحتى الآن لم يتمكن علماء المسلمين من التوصل إلى إجماع مطلق حول تعريف الربا ضمن المتغيرات الاقتصادية الحديثة، وضمن النظريات والمعطيات الاقتصادية المتغيرة باستمرار، وخاصة تعريف الربا في مقابل تعريف نسب الفوائد المصرفية، ونسب التضخم السنوية في قيمة النقود الورقية، وهل المقصود بالربا اليوم (الربا الفاحش) الذي تفوق نسبته نسب التضخم النقدية قليلا أو كثيرا؟ أو تفوق نسب الفوائد المصرفية المفترض أنها تعوّض التضخّم؟ وهذا جزء من التحدّي الكبير الذي يواجه علماء المسلمين من الاقتصاديين لحل هذا الإشكال في العصر الحاضر.
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٤٠)
٤٠ - ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ بيان الرزق بعد الخلق بالدرجة الأولى يأتي بعد أن أوجبت الآيات (٣٧ - ٣٩) الزكاة والصدقات، ونهت عن الربا ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ بحلول آجالكم الدنيوية ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ يبعثكم يوم القيامة ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ بل لا يقدرون على أي
стр. 1467
شيء من ذلك ﴿ ﴾ تنزيها له ﴿عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ من شركاء الزيف والوهم.
﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤١)
٤١ - وبسبب عماية البشر عن فحوى الآيات (٣٧ - ٤٠) فقد ظهر الفساد:
﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ﴾ من التهافت على جمع الأموال، والربا الفاحش، ومعايرة الأمور بما يسمونه النمو الاقتصادي مقياسا وحيدا ومطلقا لتقدم المجتمعات، وهو مقياس مادي بحت تسبّب عنه خراب البيئة الطبيعية في معظم البلدان، فتلوّث الهواء، وتلوّثت مياه الأنهار والبحار، وتلوّثت الأراضي، وازداد التلوّث النووي، وتكرّرت كوارث البيئة، ونقصت مساحة الغابات في العالم بشكل مريع، وانقرض الكثير من فصائل الكائنات الحية الضرورية لمعيشة البشر، وبعضها الآخر قارب الانقراض، وما تبع ذلك من تدهور الصحة وحدوث التشوهات الخلقية وغير الخلقية في أجسام البشر وأجسام الحيوانات بسبب أنظمة التغذية المصطنعة، يضاف إلى كل ذلك التدهور في القيم الأخلاقية للكثير من المجتمعات، بل تفكك عرى المجتمع، والانفلات الجنسي بلا أي رادع ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ نتيجة طبيعية لما كسبته أيديهم من الفساد والإفساد، لأنّ اللام لام العاقبة ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إلى رشدهم وإلى الصواب.
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ (٤٢)
٤٢ - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وادرسوا تاريخ الأمم من قبلكم، تفاديا للفساد الذي حلّ بكم ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ ما آلت إليه عاقبتهم من الاضمحلال والسقوط ﴿كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ﴾ كانوا يعبدون
стр. 1468
المادة والسلطة والأهواء والنزوات، وغابت عنهم القيم الروحانية والأخلاقية، ما أدّى إلى خرابهم.
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ (٤٣)
٤٣ - ما دام الأمر على ما ذكرته الآيات (٣٩ - ٤٢) فلا بد من الاعتصام بالإسلام، انظر أيضاالآية (٣٠):
﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ أيها الإنسان ﴿لِلدِّينِ الْقَيِّمِ﴾ دين الاستسلام لله، والإذعان لقيمه الصحيحة ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ﴾ إمّا بحلول الأجل الدنيوي للمرء، أو بمجيء القيامة ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ يتصدّعون، والمعنى يتفرّق الناس بحسب ما كانوا عليه من العقائد والأعمال المختلفة، ويكون حسابهم جزاء وفاقا نتيجة طبيعية واستمرارية لما كانوا عليه في الدنيا.
﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ (٤٤)
٤٤ - بعد أن حثّت الآية المتقدمة الإنسان على اتّباع الدين القيّم، تبيّن هذه الآية عاقبة من يكفر وعاقبة من يستجيب:
﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ يعود وبال كفره عليه ﴿وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ وحدهم يستفيدون من عملهم الصالح بانعكاسه عليهم إيجابا في آخرتهم، فكأنهم يمهّدون آخرتهم بعملهم الصالح.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ (٤٥)
٤٥ - ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ تفضّلا منه ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ منكري الحقيقة، ينالهم العقاب نتيجة إصرارهم على الإنكار.
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦)﴾
стр. 1469
٤٦ - مزيد من تفصيل الآيات وإثبات الألوهية والتوحيد:
﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ﴾ بالمطر ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ فتنمو الزروع والمحاصيل ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ في البحار ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ بالتجارة ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٧)
٤٧ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ﴾ أيها النبي ﴿رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ كما جئت أنت بها إلى قومك ﴿فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين استجابوا للرسل.
﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٤٨)
٤٨ - ﴿اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ﴾ قد تكون رياح الأمل للعباد القانطين ﴿فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ قطعا ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ﴾ المطر ﴿يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ من خلال السحاب، وفي المجاز قد تكون لهذه الآية دلالة رمزية على الحياة الروحانية، والباعث فيها على الأمل، بالإضافة لمعناها الظاهر ﴿فَإِذا أَصابَ بِهِ﴾ بالمطر ﴿مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ تنتعش أرواحهم.
﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ (٤٩)
٤٩ - ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ في غاية اليأس والقنوط.
﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾
стр. 1470
٥٠ - ﴿فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللهِ﴾ على العابد ﴿كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ بعد أن كانت قاحلة بلا نبات، أو بعد الشتاء والجمود ﴿إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى﴾ يوم البعث ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لأنه أيضا يحيي موتى القلوب، فيهدي من لديه القابلية للهداية.
﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ (٥١)
٥١ - ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً﴾ حارّة ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا﴾ رأوا بساتينهم ومحصولاتهم الزراعية مصفرّة محترقة بسبب الرياح الحارقة ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ بما سبق لهم من نعم الله، إذ يريدون أن تسير الأمور على هواهم، ناسين سنن الله تعالى في الأسباب والمسبّبات، وتوسط هذه الآية بين سابقتها وما بعدها فيه إشارة لكون الخطاب مجازا عن إحياء النفوس التي ماتت بالكفر، والنفوس المصرّة على الكفر:
﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ (٥٢)
٥٢ - ﴿فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى﴾ لا سبيل إلى إسماع موتى القلوب والعقول الذين أغلقوا عقولهم سلفا عن سماع الدعوة ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ﴾ الذين أغلقوا أسماعهم سلفا عن السماع سماع ذهن مفتوح ﴿إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ عن دعوتك لهم، أيها النبي، أو أيها المؤمن.
﴿وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٥٣)
٥٣ - ﴿وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾ ولا سبيل لهداية عمي القلوب أيضا، لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦/ ٢٢]، ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا﴾ الذين عندهم قابلية للسمع بذهن مفتوح غير متشنّج على التقليد، فهؤلاء يؤمنون، بخلاف منغلقي الذهن فلا طائل منهم ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ يسلمون وجوههم لله تعالى.
стр. 1471
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (٥٤)
٥٤ - ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ في طفولتكم ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ في شبابكم ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ في كهولتكم ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ بحسب الحكمة ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ العليم بالمصالح ﴿الْقَدِيرُ﴾ يخلق ما يشاء، بقدر ما يشاء.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (٥٥)
٥٥ - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ يوم القيامة ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ يغيب عنهم مفهوم الزمن الحقيقي، والآية تبرز نسبية الزمن، وإن فترة لبث الإنسان في الدنيا في منتهى القصر بالمقارنة مع طول اللبث في الآخرة ﴿كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يصرفون عن الحقيقة، لأنهم يريدون إقناع أنفسهم أن فترة اللبث في الدنيا كانت قصيرة جدا لدرجة لم تسمح لهم بالتوبة.
﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٥٦)
٥٦ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الذين فهموا علم الكتاب - القرآن - وأيقنوا به ﴿وَالْإِيمانَ﴾ وأوتوا الإيمان اليقيني ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ﴾ في علم الله القديم الشامل ﴿إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ القيامة ﴿وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ لم تكونوا تريدون العلم، بل رفضتموه في عقلكم الباطن، تهربا من الشعور بالمسؤولية وتهربا من الحساب.
﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾
стр. 1472
٥٧ - ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم في دنياهم، ولم يتوبوا فيها، بل أنكروا آخرتهم ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ لا تنفعهم الأعذار بعد الفوات ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ولا يطلب منهم الاعتذار.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ (٥٨)
٥٨ - ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ تمثيلا لما غاب عنهم من علم الغيب بما يعرفون من المحسوس ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ برسالة من ربهم ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المتشنّجون المصرّون على الكفر ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ تدّعون أمورا باطلة.
﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥٩)
٥٩ - ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ الذين لا يريدون العلم يمنعهم تعالى من توفيقه وألطافه، ويخلّيهم لأنفسهم، انظر [البقرة ٧/ ٢].
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (٦٠)
٦٠ - ﴿فَاصْبِرْ﴾ عليهم أيها المؤمن ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ فلا بد من تحقق العدالة في الآخرة على أكمل وجه ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ لا يستفزّونك ولا يجعلونك خفيف التفكير ﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ لا يوقنون بالآخرة.
стр. 1473
سورة لقمان - ٣١ - مكية
مقدمة
نزلت في أواسط الفترة المكية، واشتق اسمها من ذكر لقمان بالآيات (١٢ - ١٣) وهو حكيم عربي قديم.
ارتباط السورة بما قبلها
اختتمت سورة الروم بأن الكفار يحاولون إبطال القرآن بشتى الوسائل:
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ (٥٨/ ٣٠)، وفي سورة لقمان أن المستكبرين من الناس من يتلاعب بأفكار فلسفية زائفة يحاول إقناع الآخرين بها بهدف الصدّ عن القرآن: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٦/ ٣١).
محور السورة
القرآن الكريم هدى ورحمة للذين يحسنون استخدام مداركهم العقلية:
﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (٣)، ومن ثم فإنّ شكر الله لا يقتصر على القول، ولكن يتجاوزه إلى العمل، ما يعود مردوده على المرء نفسه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اُشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (١٢).
стр. 1474
لكن الاستكبار والاعتداد بالنفس يقف حائلا بين المرء وبين رؤيته الحقيقة:
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٧)، ما يوجب الانعتاق من الفكر المتحجّر المتوارث إن كان يخالف العقل، كما في وصايا لقمان لابنه: ﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٥)، وسبيل ذلك تجنب الاستكبار والإعجاب بالنفس: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ * وَاِقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (١٨ - ١٩)، وتجنب التقليد الأعمى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (٢١).
وأن علم الله القديم وحكمته وآياته في عالم المشاهدة وعالم الغيب لا متناه ويستحيل أن تحيط به الكتب: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٧).
ولذا وجب حسم الأمور، واغتنام الفرصة قبل فوات الأوان: ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (٣٤).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم﴾ (١)
١ - ﴿الم﴾ الله أعلم بمراده، انظر [البقرة ١/ ٢].
﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ (٢)
٢ - ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ الكتاب الحكيم هو القرآن، وهو حكيم من عدة وجوه: لأنه الكتاب المشتمل على الحكمة، والحكيم أيضا بمعنى الحاكم - فعيل بمعنى فاعل - فهو يحكم بالحق، ويميز بين الاعتقادات الصحيحة والباطلة،
стр. 1475
والأعمال صوابها من خطئها، ويحكم بصدق النبوّة، والحكيم أيضا بمعنى المحكم الذي لا يتطرق إليه الخلل ولا التناقض، لأنّ القرآن في منتهى الإحكام والإتقان، كما أنّه محكم لا ينسخ منه شيء بخلاف الرسالات السابقة التي نسخت، راجع آية [البقرة ١٠٦/ ٢].
﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (٣)
٣ - القرآن أيضا ﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ الذين يحسنون استخدام إمكاناتهم ومداركهم العقلية، ويستفيدون منها، فيكون فهم القرآن الكريم هدى لهم من جهة، كما هو رحمة لهم من الله تعالى في الدنيا والآخرة.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٤)
٤ - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ تصديقا لإيمانهم، وما يترتّب عليه من تكليف ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ إنّ الدنيا ليست نهاية المطاف، بل هي مرحلة أولى وجيزة، تتبعها الآخرة.
﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥)
٥ - ﴿أُولئِكَ﴾ المذكورون ﴿عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ باتّباعهم آيات الكتاب الحكيم ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ في التوصّل إلى عاقبة سعيدة في الدنيا وفي الآخرة.
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٦)
٦ - ومع ذلك: ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ شريحة من الناس المصمّمين على الكفر، وهم على النقيض من المذكورين بالآيات (٣ - ٥)، ﴿مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ يبتدعون وينشرون كلاما لا طائل منه سوى الضلال والإضلال، كالنظريات الفلسفية في خلق الكون والإنسان، والسفسطة، بعيدا عن هدي القرآن الذي هو أحسن الحديث، انظر [الزمر ٢٣/ ٣٩]، ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ بهدف
следующие страницы →