Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ (٥٤)
٥٤ - ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ في طفولتكم ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ في شبابكم ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً﴾ في كهولتكم ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ بحسب الحكمة ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ﴾ العليم بالمصالح ﴿الْقَدِيرُ﴾ يخلق ما يشاء، بقدر ما يشاء.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (٥٥)
٥٥ - ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ﴾ يوم القيامة ﴿يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ﴾ يغيب عنهم مفهوم الزمن الحقيقي، والآية تبرز نسبية الزمن، وإن فترة لبث الإنسان في الدنيا في منتهى القصر بالمقارنة مع طول اللبث في الآخرة ﴿كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ يصرفون عن الحقيقة، لأنهم يريدون إقناع أنفسهم أن فترة اللبث في الدنيا كانت قصيرة جدا لدرجة لم تسمح لهم بالتوبة.
﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٥٦)
٥٦ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الذين فهموا علم الكتاب - القرآن - وأيقنوا به ﴿وَالْإِيمانَ﴾ وأوتوا الإيمان اليقيني ﴿لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللهِ﴾ في علم الله القديم الشامل ﴿إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ القيامة ﴿وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ لم تكونوا تريدون العلم، بل رفضتموه في عقلكم الباطن، تهربا من الشعور بالمسؤولية وتهربا من الحساب.
﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾
стр. 1472
٥٧ - ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم في دنياهم، ولم يتوبوا فيها، بل أنكروا آخرتهم ﴿مَعْذِرَتُهُمْ﴾ لا تنفعهم الأعذار بعد الفوات ﴿وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ ولا يطلب منهم الاعتذار.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ (٥٨)
٥٨ - ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ تمثيلا لما غاب عنهم من علم الغيب بما يعرفون من المحسوس ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ برسالة من ربهم ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المتشنّجون المصرّون على الكفر ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ تدّعون أمورا باطلة.
﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥٩)
٥٩ - ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ الذين لا يريدون العلم يمنعهم تعالى من توفيقه وألطافه، ويخلّيهم لأنفسهم، انظر [البقرة ٧/ ٢].
﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ (٦٠)
٦٠ - ﴿فَاصْبِرْ﴾ عليهم أيها المؤمن ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ فلا بد من تحقق العدالة في الآخرة على أكمل وجه ﴿وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ﴾ لا يستفزّونك ولا يجعلونك خفيف التفكير ﴿الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾ لا يوقنون بالآخرة.
стр. 1473
سورة لقمان - ٣١ - مكية
مقدمة
نزلت في أواسط الفترة المكية، واشتق اسمها من ذكر لقمان بالآيات (١٢ - ١٣) وهو حكيم عربي قديم.
ارتباط السورة بما قبلها
اختتمت سورة الروم بأن الكفار يحاولون إبطال القرآن بشتى الوسائل:
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُبْطِلُونَ﴾ (٥٨/ ٣٠)، وفي سورة لقمان أن المستكبرين من الناس من يتلاعب بأفكار فلسفية زائفة يحاول إقناع الآخرين بها بهدف الصدّ عن القرآن: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٦/ ٣١).
محور السورة
القرآن الكريم هدى ورحمة للذين يحسنون استخدام مداركهم العقلية:
﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (٣)، ومن ثم فإنّ شكر الله لا يقتصر على القول، ولكن يتجاوزه إلى العمل، ما يعود مردوده على المرء نفسه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اُشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (١٢).
стр. 1474
لكن الاستكبار والاعتداد بالنفس يقف حائلا بين المرء وبين رؤيته الحقيقة:
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٧)، ما يوجب الانعتاق من الفكر المتحجّر المتوارث إن كان يخالف العقل، كما في وصايا لقمان لابنه: ﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٥)، وسبيل ذلك تجنب الاستكبار والإعجاب بالنفس: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ * وَاِقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (١٨ - ١٩)، وتجنب التقليد الأعمى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (٢١).
وأن علم الله القديم وحكمته وآياته في عالم المشاهدة وعالم الغيب لا متناه ويستحيل أن تحيط به الكتب: ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٧).
ولذا وجب حسم الأمور، واغتنام الفرصة قبل فوات الأوان: ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (٣٤).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم﴾ (١)
١ - ﴿الم﴾ الله أعلم بمراده، انظر [البقرة ١/ ٢].
﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ (٢)
٢ - ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ الكتاب الحكيم هو القرآن، وهو حكيم من عدة وجوه: لأنه الكتاب المشتمل على الحكمة، والحكيم أيضا بمعنى الحاكم - فعيل بمعنى فاعل - فهو يحكم بالحق، ويميز بين الاعتقادات الصحيحة والباطلة،
стр. 1475
والأعمال صوابها من خطئها، ويحكم بصدق النبوّة، والحكيم أيضا بمعنى المحكم الذي لا يتطرق إليه الخلل ولا التناقض، لأنّ القرآن في منتهى الإحكام والإتقان، كما أنّه محكم لا ينسخ منه شيء بخلاف الرسالات السابقة التي نسخت، راجع آية [البقرة ١٠٦/ ٢].
﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (٣)
٣ - القرآن أيضا ﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ الذين يحسنون استخدام إمكاناتهم ومداركهم العقلية، ويستفيدون منها، فيكون فهم القرآن الكريم هدى لهم من جهة، كما هو رحمة لهم من الله تعالى في الدنيا والآخرة.
﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (٤)
٤ - ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ تصديقا لإيمانهم، وما يترتّب عليه من تكليف ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ إنّ الدنيا ليست نهاية المطاف، بل هي مرحلة أولى وجيزة، تتبعها الآخرة.
﴿أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٥)
٥ - ﴿أُولئِكَ﴾ المذكورون ﴿عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ﴾ باتّباعهم آيات الكتاب الحكيم ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ في التوصّل إلى عاقبة سعيدة في الدنيا وفي الآخرة.
﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٦)
٦ - ومع ذلك: ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ شريحة من الناس المصمّمين على الكفر، وهم على النقيض من المذكورين بالآيات (٣ - ٥)، ﴿مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ يبتدعون وينشرون كلاما لا طائل منه سوى الضلال والإضلال، كالنظريات الفلسفية في خلق الكون والإنسان، والسفسطة، بعيدا عن هدي القرآن الذي هو أحسن الحديث، انظر [الزمر ٢٣/ ٣٩]، ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ بهدف
стр. 1476
إضلال الناس عن الطريق السوي ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يقيني، وإنما باتباع الظن والتقليد ﴿وَيَتَّخِذَها هُزُواً﴾ يتخذ سبيل الله والآيات القرآنية مجالا للهزء تنفيرا للناس منها، وإمعانا في الضلال ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ وأمثال هؤلاء الناس موجودون في كل العصور، وليسوا مقتصرين على كفار مكة.
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٧)
٧ - ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ من الناس المذكورين أعلاه ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ الوقر المانع من السماع، فقد أصمّ الاستكبار أذنيه عن سماع الحقيقة ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ يتناسب مع ما اختار لنفسه من الاستكبار، والضلال والإضلال.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ﴾ (٨)
﴿خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٩)
٨ - ٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتُ النَّعِيمِ * خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ بخلاف المذكورين آنفا بالآية (٧)،
﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ (١٠)
١٠ - بعد أن ذكرت الآيات (١ - ٩) أن القرآن مشتمل على الحكمة بما يكفي لإيمان المحسنين، بخلاف المستكبرين الذين يشترون لهو الحديث، تبين الآيتان (١٠ - ١١) من الإعجاز في خلق الأكوان ما لا يترك مجالا غير الإيمان بخالق واحد، وإبطال كلام المبطلين:
﴿خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ المعنى هنالك عمد لا ترونها، وهي قوانين الفيزياء التي أوجدهاتعالى، وبموجبها يسير النظام الكوني ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ﴾ جبالا ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي لئلاّ تميد الأرض وتهتز بكم،
стр. 1477
فالجبال تساعد على توازن القشرة الأرضية ﴿وَبَثَّ فِيها﴾ في الأرض ﴿مِنْ كُلِّ دابَّةٍ﴾ أنواعا كثيرة ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ المطر ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها﴾ في الأرض ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ من كل جنس، لأنّ كلاّ منها مشتمل على عناصر التذكير والتأنيث ﴿كَرِيمٍ﴾ كثيرة النفع من النباتات، والتغير في الضمائر من الغائب إلى الحاضر في اسم الجلالة، كما هي العادة في تغيير الضمائر في الكثير من الآيات، يفيد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، لا تحيط به الضمائر التي تستخدم للبشر.
﴿هذا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١١)
١١ - ﴿هذا خَلْقُ اللهِ﴾ بما فيه من إعجاز وآيات باهرات ﴿فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ ممّن تشركون ﴿بَلِ الظّالِمُونَ﴾ المشركون الذين يعتقدون الألوهية في غير الله تعالى ﴿فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أمام هذا الإعجاز.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اُشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (١٢)
١٢ - بعد مقدّمة الآيات (١ - ١١) ينتقل الخطاب إلى ذكر نصائح لقمان لابنه، الآيات (١٢ - ١٩)، ولقمان: حكيم قديم عند العرب، ورد ذكره قبل الإسلام في قصيدة للنابغة الذبياني.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اُشْكُرْ لِلّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ يعود نفع الشكر على صاحبه، كما الجحود ينعكس عليه سلبا ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ﴾ عن العالمين، غير محتاج للشكر، ولا يتضرر بجحود جاحد ﴿حَمِيدٌ﴾ جدير بالحمد وإن لم يحمده حامد.
﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾
стр. 1478
١٣ - ﴿وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ لأن الإنسان يظلم نفسه بالشرك، بالنظر لما في الشرك من تحقير لصاحبه إذ يخضع نفسه للأوهام والزيف والزعامات، وما في ذلك من إهانة للعقل السليم، والشخصية السليمة.
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (١٤)
١٤ - قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ﴾ حسنا ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ﴾ ضعفا على ضعف، فهو ضعيف وهي ضعيفة، ويزداد ضعفها ضعفا بازدياد الحمل ﴿وَفِصالُهُ﴾ فطامه وترك إرضاعه ﴿فِي عامَيْنِ﴾ في انقضاء عامين على رضاعه، وقيل أيضا: هي الفترة الإجمالية التي تبدأ بالحمل وتنتهي بالفطام، أي هي فترة اعتماد الطفل على والدته اعتمادا كلّيا ﴿أَنِ اُشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ﴾ جعل الله تعالى شكر الوالدين بعد شكره، إذ بعد أن خلقه جعل الوالدين السبب المباشر لوجوده ﴿إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ فأحاسبكم على برّ الوالدين أو عقوقهم.
﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٥)
١٥ - ﴿وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ من الزيف والأوهام ﴿فَلا تُطِعْهُما﴾ ولا تحقّر نفسك بالشرك، ولا تهمل عقلك وتفكيرك المستقل ﴿وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً﴾ بما يرتضيه الشرع ﴿وَاِتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ﴾ رجع إلى الله بالتوبة والإخلاص والتوحيد ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ يوم القيامة ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيجازى كلّ بحسب عمله.
﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾
стр. 1479
١٦ - عودة الخطاب إلى لقمان لابنه: ﴿يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ﴾ الخصلة الحسنة أو السيئة ﴿مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ إشارة إلى أنها في غاية الصغر ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ﴾ محجوبة بها ﴿أَوْ فِي السَّماواتِ﴾ في غاية البعد ﴿أَوْ فِي الْأَرْضِ﴾ في ظلمات الأرض ﴿يَأْتِ بِهَا اللهُ﴾ يحضرها فيحاسب عليها ﴿إِنَّ اللهَ لَطِيفٌ﴾ يصل علمه إلى كلّ خفيّ ﴿خَبِيرٌ﴾ عالم بكنهه.
﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَاِنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١٧)
١٧ - ﴿يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ لأنّ الإيمان يستوجب التكليف ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ المعروف في موافقته للفطرة السليمة، وفي المجتمع أنه حسن ﴿وَاِنْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ما تنكره الفطرة السليمة، وينكره المجتمع ﴿وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ﴾ من الشدائد ﴿إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ من الأمور الواجبة.
﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ (١٨)
١٨ - ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنّاسِ﴾ لا تمل خدّك عن الناس تكبّرا ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً﴾ متبخترا من الخيلاء ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ المتكبّر المختال.
﴿وَاِقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (١٩)
١٩ - ﴿وَاِقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ لا يكن مشي المتماوت، ولا مشي المتجبّر، بل وسطا بينهما ﴿وَاُغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ انقص منه ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ لشدة حدّتها وارتفاعها، والخلاصة أن لقمان أمر ابنه بالاعتدال.
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾
стр. 1480
٢٠ - بعد انتهاء وصايا لقمان لابنه، عودة إلى الآية (١٠):
﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ مكّنكم من الاستفادة منهما بما أودع فيكم من العقول، وما استنبطتم بها من العلوم ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً﴾ من النعم المادية ﴿وَباطِنَةً﴾ من النعم الروحانية، كهدي القرآن ﴿وَمِنَ النّاسِ﴾ مع ذلك، ومع كلّ هذا الإعجاز البيّن، هنالك ﴿مَنْ يُجادِلُ فِي اللهِ﴾ في توحيده، بل في وجوده ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يقيني، ولا مستفاد من دليل عقلي، بل مجرّد جدل ظنّي ﴿وَلا هُدىً﴾ مستفاد من الوحي ﴿وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ﴾ ولا هو مبني على القرآن.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (٢١)
٢١ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ﴾ للمجادلين بغير علم ﴿اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ من الوحي والهدى ﴿قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ يعبدون ويعتقدون ما عبد واعتقد الآباء بلا تغيير، في ظلم واضح لعقولهم، من حيث عدوا عقول الآباء خيرا من عقولهم ﴿أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ﴾ ويدعو آباءهم ﴿إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ لأنّه يأمرهم بالتقليد، وبتعطيل عقولهم عن التفكير وعن تدبّر القرآن.
﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٢٢)
٢٢ - ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ﴾ كناية عن تفويض الأمر إلى الله، والإقبال عليه بالكليّة قلبا وقالبا، لأن الوجه هو الذات ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ في أعماله ﴿فَقَدِ اِسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى﴾ أي تعلّق أتمّ التعلّق بأوثق ما يمكن التعلّق به من الأسباب، فلا يقع في هاوية الكفر والضلال، وهذا تشبيه تمثيلي لمن أسلم وجهه لله وهو محسن في أعماله ﴿وَإِلَى اللهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ تصير إليه، لا إلى غيره.
стр. 1481
﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢٣)
٢٣ - ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ فقد اختار لنفسه الباطل، ولا عليك قسره ﴿إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ للحساب ﴿فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا﴾ حتى يتبيّن لهم الصواب من الخطأ ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ بمن تميل به جبلّته إلى الإيمان، ومن تميل به جبلّته إلى الإنكار بمحض اختياره.
﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ (٢٤)
٢٤ - ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً﴾ في دنياهم لعلهم يتوبون ويتّعظون ﴿ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ إن لم يتوبوا، والاضطرار إلى العذاب لأنّه مرتبط بالكفر والجحود ارتباط السبب بالمسبّب.
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ يقولون ذلك بلا تفكير ولا تمعّن، بل هي استجابة عفوية منهم دون الإقرار بالتوحيد، ودون الإقرار بأنّ الله تعالى وحده الخالق ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ على إقرارهم ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ لا يعلمون ما يترتّب على إقرارهم من نفي الشرك والشركاء المزعومين.
﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٢٦)
٢٦ - ﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وحده لا شريك له ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن حمد الحامدين ﴿الْحَمِيدُ﴾ المستحق الحمد لذاته، سواء حمده حامد أم لم يحمد.
﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾
стр. 1482
٢٧ - ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ لو كانت كل أشجار الأرض أقلاما ﴿وَالْبَحْرُ﴾ المحيط، باعتباره اسم جنس للبحار جميعا، يمدّ الأقلام - الأشجار - بالمداد ﴿يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ البحار السبعة تمدّ البحر المحيط، والمراد بالسبع التكثير، أي كثرة الماء والسعة، وليس العدد (سبعة) بالتحديد ﴿ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللهِ﴾ فالخلق في تجدّد دائم، وكلمات الله وعلومه وحكمته لا نهاية لها ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ لا يعجزه شيء جلّ شأنه ﴿حَكِيمٌ﴾ لا يخرج عن علمه وعن حكمته شيء، إذ أحاطت علومه وحكمته بكلّ شيء، في الماضي والحاضر والمستقبل.
﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (٢٨)
٢٨ - ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ لا فرق عنده تعالى بين خلق البشرية بكاملها وبعثها، وخلق نفس واحدة منها وبعثها، فالأمر عنده سيان في السهولة لقوله تعالى: كن فيكون ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لأقوال عباده، مؤمنهم وكافرهم ﴿بَصِيرٌ﴾ بأحوالهم.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٢٩)
٢٩ - ومن الدلائل مقدرته تعالى على تسخير الشمس والقمر، بحيث يتتابع الليل والنهار:
﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها المؤمن، وأيها السامع، وأيها القارئ ﴿أَنَّ اللهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ حيث يتتابعان الواحد تلو الآخر، وفي تعبير ولوج كل منهما في الآخر، في آن واحد، دلالة غير مباشرة على كروية الأرض ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لحياة الإنسان على الأرض، فالشمس تمدّ الأرض بالطاقة، والقمر يعكس نور الشمس على الأرض، وبه يتم حساب الشهور القمرية ﴿كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ ضمن مدار كل منهما، الشمس ضمن المجموعة الشمسية، والقمر في منازله حول الأرض، ثمّ جريانهما معا ينتهي
стр. 1483
بالقيامة يوم تبدّل الأرض غير الأرض، والسماوات، انظر [إبراهيم ٤٨/ ١٤]، ﴿وَأَنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ لأنّ من كانت هذه مقدرته في الخلق، وهو أهون عليه، لا يغفل عن أعمال عباده صغيرها وكبيرها.
﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ وَأَنَّ اللهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ (٣٠)
٣٠ - ﴿ذلِكَ﴾ أي ما أشارت إليه الآيات (٢٦ - ٣٠) من مقدرته تعالى بلا حدود ﴿بِأَنَّ اللهَ﴾ وحده ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ هو الحقيقة الوحيدة في الكون على الدوام ﴿وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ﴾ ما عداه عبارة عن وهم لا وجود حقيقي له، ولا وجود له بذاته، فلا يوجد إلاّ بغيره ﴿وَأَنَّ اللهَ﴾ وحده ﴿هُوَ الْعَلِيُّ﴾ على غيره ﴿الْكَبِيرُ﴾ عن أن يكون له شريك.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (٣١)
٣١ - هذه الآية عطف على الآية (٢٩) لبيان المزيد من الإعجاز:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ﴾ السفن ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ﴾ بما سخّر في الخلق من قوانين الفيزياء التي تحكم جريان السفن فوق الماء، وما أودع في عقول البشر من إمكانات للاستكشاف والتقدم العلمي في مجال السفن وغيره ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ﴾ من معجزاته التي ترونها من المسلّمات ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ رسالات ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ كثير الصبر على استنباط الأدلّة من الأنفس والآفاق ﴿شَكُورٍ﴾ لله تعالى على ما أنعم به من الخلق والهدى.
﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ (٣٢)
٣٢ - استمرار الخطاب من الآية المتقدمة: ﴿وَإِذا غَشِيَهُمْ﴾ أي المشار إليهم بالآيات (٢١) و (٢٥)﴾، ﴿مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ فارتفع بهم الموج، وهم في عرض
стр. 1484
البحر، فصار أعلى منهم، كأنّه الجبال، أو كأنه ظلال الموت وهم مشرفون على الغرق ﴿دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ اضطرّوا لدعائه تعالى وحده، لما دهاهم من الخوف الشديد، بعد أن زال عنهم ما ينازع الفطرة السليمة من الهوى والتقليد ﴿فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ انقسموا فريقين: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ منهم من سلك طريق القصد، أي الطريق المستقيم، وهو طريق التوحيد بلا منازع وطريق العمل الصالح، ويحتمل المعنى أيضا أنّه عاد مقتصدا في سلوكه فهو مذبذب بين الإيمان والكفر، أو بين الإيمان والشرك، ومنهم الجاحد: ﴿وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا﴾ ينكرها استكبارا ومكابرة مع علمه بصحتها ﴿إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ﴾ غدّار شديد الغدر، لأنه لا يصبر على العهد الذي قطعه على نفسه في محنته، فينقضه، ﴿كَفُورٍ﴾ مبالغ في كفران نعمه تعالى، وهذا المعنى ينطبق على كل من يقع في الشدائد، وليس مقتصرا على ركّاب السفن في البحر، ولا غيرها من وسائل المواصلات.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاِخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ (٣٣)
٣٣ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ اثبتوا على الإيمان، ولا تكونوا كالمذبذبين بين الإيمان والشرك، ولا كالجاحدين الذين ينكصون إلى الكفر بعد أن نجّاهم الله تعالى من الشدائد، وكلا الفريقين مشار إليهما بالآية المتقدّمة ﴿وَاِخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جازٍ عَنْ والِدِهِ شَيْئاً﴾ عملا بالقاعدة القرآنية: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام ١٦٤/ ٦]، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ لا بدّ من تحقّقه لا محالة ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ من متاع لا يلبث أن يزول بحلول الأجل، ومن لذّات فانية مؤقتة ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ الغرور كل ما يغرّ الإنسان من مال وجاه وشهوة وشيطان، وهو من قبيل الضلالات التي تزيّن للمرء عمله السيّئ، وتمنّيه بالجنة والمغفرة رغم
стр. 1485
المعاصي، فذلك من قبيل التمنّي الخادع، فاتقوا الله أيها الناس قبل فوات الأوان، كما سيرد بالآية التالية:
﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (٣٤)
٣٤ - ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ وحده يعلم موعدها، لا تأتيكم إلا بغتة ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ المطر ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ﴾ ليس فقط أنه يعلم نوع الجنين من ذكر أو أنثى، بل أيضا إن كان سوف يخرج الجنين إلى قيد الحياة، وفي تلك الحال ما سوف تكون عليه جبلّته وشخصيته في الدنيا؟ وما الدور الذي سوف يقوم به في حياته؟ الحياة التي رمزت الآية إلى أوّلها بالغيث، وإلى آخرها بقيام الساعة ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً﴾ في مستقبلها من خير أو شرّ ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ فمن باب أولى أنها لا تدري توقيت موتها ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده فلا يكشف لهم حجب الغيب من موعد قيام الساعة ولا موعد آجالهم ﴿خَبِيرٌ﴾ في ظواهر الأمور وبواطنها.
стр. 1486
سورة السجدة - ٣٢ - مكية
مقدمة
نزلت في أواخر الفترة المكية، وهي آخرسورة في مجموعة سور (العنكبوت - الروم - لقمان - السجدة) التي تفتتح بالحروف (ألم)، واشتق اسمها من الإشارة لسجود المؤمنين بالآية (١٥) بالنظر إلى أن الإيمان نقيض الاستكبار.
ارتباط السورة بما قبلها
في سورة لقمان المتقدمة أن القرآن الكريم هدى ورحمة لمن يحسنون استخدام مداركهم العقلية: ﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (٣١ - ٣)، ومن ثم فمن لا يستخدم العقل يزعم أن القرآن الكريم مفترى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٣٢ - ٣).
وفي سورة لقمان أن يدع المؤمن المصرّين على الكفر وشأنهم: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٣١ - ٢٣)، ثم في سورة السجدة أن المصرّين على الكفر لا يوقنون إلا بعد الفوات: ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنّا مُوقِنُونَ﴾ (١٢/ ٣٢).
وفي سورة لقمان استكبار الكفار وإعراضهم عن الآيات: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٧/ ٣١)، ثم في سورة السجدة أن لو شاء الله تعالى لأجبرهم على الهدى:
стр. 1487
﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٣١ - ١٣).
محور السورة
أنّ الله تعالى يدبّر شؤون خلقه فلا يتركهم بلا هداية، وأن المفهوم البشري للزمن نسبي ولا حقيقة له: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ (٥)، وأن لو شاءتعالى لجعل الناس كلهم أمة واحدة على الإيمان: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١٣)، ولكن اقتضت حكمته تعالى تكريم الإنسان بحرية الخيار، ومن ثم تحمّل المسؤولية، مما يترتب عليها أن يلقى المرء عاقبة عمله إن خيرا بخير: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٧)، أو شرّا بشر، وقد يكون العذاب الدنيوي للمجرمين حافزا لهم على الاستبصار قبل وقوع الأجل: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢١).
وقد نزل الهدي القرآني على محمد هدى للناس كما نزل الكتاب على موسى من قبل هدى لبني إسرائيل: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٢٣)، وأن بني إسرائيل كانوا أئمة للهداية في زمانهم ما داموا صابرين على متطلبات الرسالة، ولكنهم فسدوا وحرّفوا التوراة، ومنهم من أنكر الآخرة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٢٥) أي فيما اختلف فيه بنو إسرائيل بعد انحرافهم عن رسالة موسى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الم﴾ (١)
١ - ﴿الم﴾ الله أعلم بمراده، انظر [البقرة ١/ ٢].
стр. 1488
﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٢)
٢ - هذا ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ القرآن الكريم ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك فيه ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾.
﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ (٣)
٣ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ﴾ زعم كفار مكة أن النبي ﷺ أتى بالقرآن من عنده، وهذا الزعم ليس مقتصرا على كفار مكة، بل يعمّ الكفار في كل العصور ﴿بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ القرآن قول الله تعالى ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ لمضيّ فترة من الزمن لم تبعث فيها الرسل إلى العرب ﴿لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾ لعلّ العرب، والناس من بعدهم، تهتدي بنزول القرآن عليهم.
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ (٤)
٤ - ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ في ستة حقب زمنية، وليس اليوم المشتمل على ٢٤ ساعة كما نعرفه، بل هو مطلق الزمن ﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كناية عن مقدرته تعالى المطلقة في الخليقة، وحرف (ثمّ) ليس للتراخي الزمني، بل للبعد المعنوي، وقد يفيد معنى العطف، فالزمن في هذا المقام لا معنى له، وليست هنالك حالة ولا هيئة لم تكن لله ثم كانت، فهوسبحانه منزّه عن الحدوث، وعن الزمان والمكان، انظر [الأعراف ٥٤/ ٧]، ﴿ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ الله وحده يتولّى أموركم وشؤونكم ﴿وَلا شَفِيعٍ﴾ وليس من يشفع لكم عنده، من شركائكم المزعومين ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ حقيقة التوحيد المغروسة في فطرتكم منذ أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذرّيتهم؟
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ (٥)﴾
стр. 1489
٥ - ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يدبّر شؤون عباده ﴿مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ بكل ما هو موجود فيهما من مخلوقات، انظر [الطلاق ١٢/ ٦٥]، ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ الأمر يوم القيامة ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ لأن الزمن الذي نعرفه على الأرض زمن نسبي لا يقاس بالزمن المطلق، والمغزى أيضا؛ إنّ يوم القيامة سوف يكون طويلا جدا بالنسبة إلى من ينتظر الحكم والقضاء.
﴿ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٦)
٦ - ﴿ذلِكَ﴾ الله تعالى منزّل القرآن ﴿عالِمُ الْغَيْبِ﴾ يعلم كلّ ما غاب عن علم البشر، وما هو خارج نطاق تصورهم ﴿وَالشَّهادَةِ﴾ وما هو مشاهد في ظاهر الخليقة ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره ﴿الرَّحِيمُ﴾ بعباده.
﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ﴾ (٧)
٧ - ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ وفقا لما هو مقدّر له في الخلق من وظيفة، ما قد تكون خارج نطاق الفهم البشري ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ﴾ لقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢/ ٢٣)، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر ٢٦/ ١٥].
﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ (٨)
٨ - ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ من نطف المنيّ.
﴿ثُمَّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ (٩)
٩ - ﴿ثُمَّ سَوّاهُ﴾ لما هو مخلوق لأجله ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ من روحه تعالى، كناية عن إمداده بالحياة ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ هذا الجسد الذي بدأ خلقه من طين، صار لديه ميزة العقل والإدراك والإبصار
стр. 1490
والسمع والغريزة، وتعلم الأسماء كلها، وما في كل ذلك من إعجاز ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم المترتبة على رفع الإنسان إلى هذه المنزلة العالية.
﴿وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ (١٠)
١٠ - ﴿وَقالُوا﴾ الكفار، بعد كل هذا الإعجاز ﴿أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ﴾ إذا فنيت الأجساد في القبور ﴿أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ أنبعث أحياء بعد ذلك؟ ﴿بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ الذي خلقهم أول مرة ﴿كافِرُونَ﴾ منكرون للبعث.
﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (١١)
١١ - ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ وليس ذلك نهاية المطاف ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ تبعثون للحساب والجزاء بعد ذلك.
﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنّا مُوقِنُونَ﴾ (١٢)
١٢ - ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ﴾ مطرقوها من الخزي والحياء ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يوم القيامة ﴿رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا﴾ في الآخرة، بعد أن كنّا عمين في الدنيا نحسبها غاية همّنا ﴿فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً﴾ لتكن لنا فرصة أخرى ﴿إِنّا مُوقِنُونَ﴾ بالبعث والحساب والجزاء، لكنّ هذا اليقين لا يفيد بعد الفوات لأنه كإيمان المعاينة.
﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١٣)
١٣ - ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ قسرا، فلا يكون هنالك خيار لأحد بالزيغ والكفر، وتنتفي المسؤولية الأخلاقية الفردية ﴿وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ الذين اختاروا الكفر على الإيمان، بمحض حريتهم وإرادتهم.
стр. 1491
﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا إِنّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٤)
١٤ - ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ مع أنه كان معلوما لديكم بما جبلتم عليه من الفطرة، ولكنكم نكثتم وأنكرتم ﴿إِنّا نَسِيناكُمْ﴾ تركناكم في العذاب ترك المنسي ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ لأن عذاب الخلد مترتّب على عملكم، وناتج عن الاستكبار كما سوف تبيّن الآية التالية.
﴿إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (١٥)
١٥ - ﴿إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها﴾ كونها معلومة لديهم سلفا ﴿خَرُّوا سُجَّداً﴾ إقرارا بها ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ تنزيها له عن كل ما لا يليق به من العجز والظلم ﴿وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لأن إنكار الآيات ناتج عن الاستكبار.
﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (١٦)
١٦ - ومن صفاتهم أيضا قيام الليل: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ﴾ كناية عن تركهم النوم لصلاة النوافل بالليل ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً﴾ من سخطه وعذابه ﴿وَطَمَعاً﴾ في رحمته ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ في وجوه الخير من زكاة وصدقات.
﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٧)
١٧ - ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ في الجنة، لأن وصفها لا يمكن تمثيله بعالم المشاهدة الذي نعرفه، وهي في علم الغيب الذي هو خارج نطاق تصوّر البشر، وفي الحديث: إنها لا كعين رأت، ولا كأذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في دنياهم من الخير.
стр. 1492
﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ (١٨)
١٨ - ﴿أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ في عاقبتهم، كما سوف تبيّن الآيات التالية:
﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٩)
١٩ - ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهُمْ جَنّاتُ الْمَأْوى﴾ انظر [النجم ١٥/ ٥٣]، ﴿نُزُلاً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بنتيجة الأعمال الصالحة التي كانوا مواظبين عليها في دنياهم.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (٢٠)
٢٠ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ خرجوا عن الطاعة، فكفروا وارتكبوا المعاصي ﴿فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ جزاء الإنكار والاستكبار.
﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢١)
٢١ - ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى﴾ في الدنيا، رحمة بهم وزجرا، قبل أن تفوتهم فرصة الدنيا ﴿دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ﴾ في الآخرة حيث لا تنفع وقتئذ التوبة ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إلى صوابهم ويتوبون.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (٢٢)
٢٢ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ﴾ التي يعرفها في قرارة نفسه يقينا ﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها﴾ رغم أنها مغروسة فيه بالفطرة ﴿إِنّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ منكري الحقيقة عمدا ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ بما يترتّب على إنكارهم وإجرامهم من عواقب.
стр. 1493
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٢٣)
٢٣ - بعد أن بيّنت السورة أن الناس فريقان، فريق يستجيب للفطرة السليمة فيؤمن، وفريق ينكرها فيستكبر ويكفر، تعود السورة لموضوع الآيات (٢ - ٣):
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ جنس الكتاب، وهو الوحي، وتحديدا هو التوراة التي نزلت على موسى ﴿فَلا تَكُنْ﴾ أيها النبي، أو أيها المؤمن، أو أيها السامع ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ﴾ لا تكن في شك من لقاء جنس الوحي الذي نزل على موسى، فقد نزل أيضا على النبي ﷺ ، والوحي القرآني استمرار لما سبقه من نزول التوراة ﴿وَجَعَلْناهُ﴾ أي الكتاب، وهو التوراة ﴿هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ هاديا لهم من الضلال.
﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ (٢٤)
٢٤ - ﴿وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا﴾ الإشارة إلى أنبياء بني إسرائيل وهم كثر ﴿لَمّا صَبَرُوا﴾ في إشارة إلى أن الكثير من رجال الدين عندهم لم يصبروا، بل شوّهوا التوراة، وحذفوا منها، وكتبوا من عندهم الكثير ونسبوه إلى الوحي، انظر [البقرة ٤٢/ ٢]، ﴿وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ﴾ المؤمنون منهم.
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ اختلف اليهود في الآخرة، فمنهم من يقرّ بها ومنهم من ينكرها، انظر قوله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان ٣٤/ ٤٤ - ٣٥].
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ أَفَلا يَسْمَعُونَ (٢٦)﴾
стр. 1494
٢٦ - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ من الأمم والمجتمعات التي كفرت فانحطّت فبادت، والتي يجب أن تكون عبرة لهم وهدى ممّا هم فيه من الضلال ﴿يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ﴾ هي على طرق أسفارهم يمرّون بها في ذهابهم وعودتهم، بعد أن صارت خاوية على عروشها ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ رسالات ﴿أَفَلا يَسْمَعُونَ﴾ سماع فهم وتفكّر.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ (٢٧)
٢٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ الكفار في كل العصور والمجتمعات ﴿أَنّا نَسُوقُ الْماءَ﴾ المطر والسيول ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ الأرض اليابسة المنقطع نباتها ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾ بإحياء الأرض بعد موتها، وهو إعجاز تذهل له العقول المفكّرة ﴿أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ إبصار القلب والتفكّر؟.
﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٨)
٢٨ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾ مكابرة وعنادا، وعلى وجه التكذيب والاستهزاء ﴿مَتى هذَا الْفَتْحُ﴾ متى الفصل في الخصومة بيننا وبينكم، المشار إليها بالآية (٢٥)، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم أنّ هنالك آخرة وبعثا وحسابا؟
﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (٢٩)
٢٩ - ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ يوم القيامة ﴿لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ﴾ لأنّ إيمان المعاينة يصبح اضطرارا وإلجاء، فيخلو من أي قيمة أخلاقية ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ لا يمهلون، ولا تكون لهم فرصة للتوبة، ولا ينفعهم الندم.
﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَاِنْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ (٣٠)
٣٠ - ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيها المؤمن، ولا تناظر أمثالهم لعدم الجدوى من رجوعهم ﴿وَاِنْتَظِرْ﴾ حكم الله فيهم ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أي كما تنتظر النصر عليهم، فإنهم ينتظرون الغلبة عليكم.
стр. 1495
سورة الأحزاب - ٣٣ - مدنية
مقدمة
نزلت سورة الأحزاب على فترات متباعدة تراوحت بين الأعوام ٣ - ٧ هجرية، وقدنزلت الآيات (٩ - ٢٧) بعد وقعة الخندق التي حدثت في شهر شوال بالعام ٥ للهجرة، وهي الوقعة التي أعطت السورة اسمها إذ عرفت أيضا بوقعة الأحزاب.
ارتباط السورة بمجموعة السور المكية الأربع المتقدمة (العنكبوت - الروم - لقمان - السجدة):
بعد أن ضربت سورة العنكبوت مثلا بالمستكبرين الذين يعبدون الأوهام والثروات، ويلهثون وراء السلطة والقيم الزائفة بأنهم كمن يلوذ ببيت العنكبوت: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اِتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٤١/ ٢٩)، وقد فاتهم أن الخلق ليس عبثا وإنما هو ذو مغزى: ﴿خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤٤/ ٢٩)، كما فاتهم علم القرآن والعمل به ما هو أكثر من كاف لدنياهم وآخرتهم: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥١/ ٢٩)، وفاتهم أنّ الحياة الدنيا لهو ولعب وأن حياة الآخرة هي الحياة الحقيقية: ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٦٤/ ٢٩).
стр. 1496
ثم بينت سورة الروم أنّ أغلب الناس مغترّون بظاهر الحياة الدنيا غافلون عن حقيقتها ومغزاها، وعن حقيقة الحياة الآخرة: ﴿يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ﴾ (٧/ ٣٠)، وبنتيجة الغفلة ينتشر الفساد في البر والبحر بنتيجة منع الخير والتهالك على المادة عند الذين يعدّون النجاح الاقتصادي المادي معيارا وحيدا للنجاح: ﴿ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤١/ ٣٠)، فلا يفيق الغافلون من غفلتهم إلا عند وقوع الساعة، فيكذبون على أنفسهم بأن لبثهم في الدنيا كان قليلا لدرجة لم تتح لهم فرصة الإصلاح والتوبة:
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ (٥٥/ ٣٠).
ثم في سورة لقمان أن المستكبرين من الناس من يتلاعب بأفكار فلسفية زائفة يحاول إقناع الآخرين بها بهدف الصدّ عن القرآن: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٦/ ٣١)، وأن القرآن الكريم هدى ورحمة للذين يحسنون استخدام الفكر والعقل: ﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾ (٣/ ٣١)، لكن الاستكبار والاعتداد بالنفس يقف حائلا بين المرء وبين رؤيته الحقيقة: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٧/ ٣١)، وكذا تمسكه بالتقليد الأعمى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (٢١/ ٣١).
ثم بيّنت سورة السجدة أن الله تعالى لا يترك عباده بلا هداية، ولا يقسرهم على الهدى، بل يكرّمهم بحرية الخيار، وقد يذيق الكفار من عذاب الدنيا قبل الآخرة لعلهم يتوبون: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ﴾
стр. 1497
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢١/ ٣٢)، وأنّ القرآن الكريم استمرار لما سبقه من الوحي كتوراة موسى التي اختلف اليهود عليها وتلاعبوا بها حتى أنكر فريق منهم الآخرة: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٢٥/ ٣٢).
ثم تنتقل سورة الأحزاب المدنية إلى بحث مواضيع حياتية وممارسات مهمة في حياة الأمة الإسلامية، وهنالك أيضا اتصال مباشر بين آخرآية من سورة السجدة: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَاِنْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة ٣٠/ ٣٢]، وافتتاح سورة الأحزاب بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الأحزاب ١/ ٣٣].
الخلفية التاريخية للآيات (٩ - ٢٧)
بعد هزيمة مشركي قريش في وقعة بدر في رمضان من العام ٢ هجرية تتابعت الأحداث سراعا، فكانت وقعة أحد في شهر شوال من العام ٣ للهجرة عندما عادت قريش تحاول الانتقام لهزيمتها، ومع أن المسلمين تحملوا خسائر كبيرة في أحد إلا أن المدينة نجت وفشلت قريش في تحقيق هدفها وعادت إلى مكة خائبة، ثم استمر التآمر بين مشركي مكة، ويهود بني النضير الذين طردهم المسلمون من المدينة (راجع سورة الحشر)، ويهود بني قريظة في المدينة، ومنافقي المدينة بقيادة عبد الله بن أبيّ، وعرب الجزيرة من قبيلة غطفان، إذ جمعت بينهم رابطة مشتركة وهي كراهيتهم للإسلام والمسلمين، فكان أن حشدت الجاهلية قواها في حوالي ١٠٠٠٠ - ١٢٠٠٠ مقاتل، وعادت لحصار المدينة في شهر ذي القعدة من العام ٥ للهجرة، وهو الحصار المشار إليه في آيات سورة الأحزاب (٩ - ٢٧) وانتهى بفشل ذريع للمشركين بعد أنّ استمر أسبوعين من الزمن، وقيل بل استمر ٢٧ يوما بعد أن تسبب في محنة ومعاناة كبيرتين للمسلمين المدافعين عن المدينة ليس في محاولة صدهم العدو الخارجي فقط، بل في تآمر المنافقين ويهود بني قريظة بين ظهرانيهم، وقد فاجأ المسلمون المشركين بخطة
стр. 1498
حربية لم تكن معروفة في جزيرة العرب قبل ذلك، وهي حفر خندق أحاط بالمدينة قبل وصول القوات الغازية إليها مما أحبط عدة هجمات للمشركين في محاولة اختراقه رغم أن قوة المدافعين من المسلمين لم تتجاوز ٣٠٠٠ رجل، وقد صادف الحصار في شهر آذار (مارس) من شتاء عام ٦٢٧ م وكان شتاء قاسيا شديد البرودة هبت خلاله عواصف شديدة اقتلعت خيام المهاجمين وأطفأت نيرانهم، وهبّت رمال العواصف في وجوههم، وهطلت الأمطار الغزيرة عليهم ففزعوا وتفرّقوا ودب الخلاف بينهم ما اضطرهم إلى فك الحصار والانسحاب خائبين.
محور السورة
أولا: نبذ عادات الجاهلية كعادة الظهار، وعادة التبني، الآيات (١ - ٨).
ثانيا: وقعة الخندق ونتائجها والعبر منها، الآيات (٩ - ٢٧).
ثالثا: المنزلة السامية لنساء النبي ﷺ بالنسبة إلى الأمة الإسلامية، الآيات (٢٨ - ٣٥).
رابعا: موضوع زواجه ﷺ من زينب بنت جحش، الآيات (٣٦ - ٤٠).
خامسا: الدعوة النبوية إلى الإسلام، الآيات (٤١ - ٤٨).
سادسا: عدة المطلقات قبل المسيس (الآية ٤٩).
سابعا: منزلة أزواج النبي ﷺ بالنسبة إليه، الآيات (٥٠ - ٥٢).
ثامنا: آداب المسلمين تجاه النبي ﷺ وتجاه أزواجه، الآيات (٥٣ - ٦٢).
تاسعا: إن الإنسان يتحمل مسؤولية حمله حرية الخيار بين الحق والباطل، والصواب والخطأ، الآيات (٦٩ - ٧٣)، وسوف نلاحظ في خلاصة السورة كيف أن هذه المواضيع متسلسلة ومرتبط بعضها ببعض.
стр. 1499
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١)
١ - ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اِتَّقِ اللهَ﴾ كن على الدوام مستشعرا وجوده وهيمنته ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ لا تساعدهم على شيء، ولا تقبل لهم رأيا ولا مشورة، وجانبهم واحترس منهم ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً﴾ بأحوالك ﴿حَكِيماً﴾ بالمصالح، إذ طاعة الكافرين والمنافقين ومسايرتهم لن تفيد شيئا في استمالتهم للدعوة، بل على النقيض من ذلك، وسوف تعود السورة لموضوع المنافقين في الآية (١٢) في معرض الحديث عن وقعة الخندق، والآية (٦٠) في معرض الحديث عن منافقي المدينة، والآية (٤٨) في معرض النهي عن طاعة الكافرين والمنافقين، والآية (٧٣) في معرض الحديث عن فشل المنافقين عموما في حمل الأمانة.
﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (٢)
٢ - ﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ بلا اجتهاد ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ لا يفوته شيء من أعمالكم، فيأمركم بتصحيحها عند اللزوم، ما دام الوحي يتنزّل على النبي.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (٣)
٣ - ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ فوّض جميع أمورك إلى الله ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ حافظا موكولا إليه الأمور كلّها، فلا تخف من كيد الكائدين والكفار والمنافقين، وفي ذلك عودة إلى موضوع الآية (١).
﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ ذلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾
стр. 1500
٤ - ﴿ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ استمرار الخطاب من الآيات المتقدّمة، والمعنى لا يمكن للإنسان أن يكون تقيّا وفي الوقت ذاته يتماشى مع رغبات الكفار والمنافقين، وفي العموم ومن الناحية الأخلاقية والمنطقية لا يمكن له، ولا يجب عليه، وليس المتوقع منه، القيام بدورين متناقضين في سلوكه وفي علاقاته مع الآخرين ﴿وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاّئِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ هذه الآية أبطلت الظّهار، وهي عادة جائرة كانت عندهم في الجاهلية، وهي أن يقول الرجل لامرأته: أنت عليّ كظهر أمّي، فتطلق منه طلاقا بائنا لا رجعة فيه، وفوق ذلك يمتنع عليها الزواج من غيره، فتبقى حبيسة منزله مدى الحياة ﴿وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ﴾ الذين تدّعونهم وتزعمون أنهم أبناؤكم بالتبنّي، وهذا أيضا إبطال لما كانوا عليه في الجاهلية وصدر الإسلام في حال تبنّى أحدهم ولد غيره أجريت عليه أحكام الأبناء الحقيقين ﴿ذلِكُمْ﴾ النسب الذي تدّعون ﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ﴾ فهو مجرّد كلام ليس له مصداق واقعي، ولا يتطابق مع حقيقة العلاقات الإنسانية، فهنالك مثلا قيود الزواج التي تنطبق على الأبناء والبنات الحقيقيين، ولا تنطبق على الأبناء والبنات بالتبنّي، انظر مثلاالآية (٣٧)، ﴿وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ بأن يبيّن لكم حقيقة العلاقات البيولوجية بين الآباء والأبناء، بالمقارنة مع العلاقة المصطنعة التي ابتدعتموها بين الآباء والأبناء بالتبنّي ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ سبيل الحق الذي يجب العمل به.
﴿اُدْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٥)
٥ - ﴿اُدْعُوهُمْ﴾ أي الأولاد بالتبنّي ﴿لِآبائِهِمْ﴾ انسبوهم لآبائهم الحقيقيين ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ أعدل، لأنه وضع الشيء في موضعه الحقيقي ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ﴾ الحقيقيين ﴿فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ﴾ ليكون واضحا أنهم أولاد بالتبنّي، ولا تعطوا الانطباع في المجتمع أنهم أولادكم الحقيقيين، بل حافظوا على هويتهم الحقيقية، وفي هذه الحالة ادعوهم إخوانا لكم في العقيدة،
стр. 1501
أو موالي تتولّون أمورهم ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ﴾ إثم ﴿فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ مخطئين جاهلين قبل النهي ﴿وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الإثم واقع عليكم فيما تعمّدتموه بعد النهي ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً﴾ للمخطئ إذا تاب ﴿رَحِيماً﴾ برفع الإثم عن المخطئ.
﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ (٦)
٦ - ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ هو أحقّ وأقرب إليهم، وأشدّ ولاية ونصرة لهم، لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلاّ ما فيه صلاحهم ونجاحهم، بخلاف أنفسهم فإنها أمّارة بالسوء ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ هنّ بمنزلة أمهاتهم في تحريم النكاح واستحقاق التعظيم، فلا يحق لأحد التزوج منهنّ بعد وفاة النبي ﷺ ، ولهنّ حق التعظيم والاحترام كما يعظّم المؤمنون أمهاتهم ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ﴾ ذوو القرابات ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ في الميراث والتوارث ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ في علمه القديم المنزّل في القرآن ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ﴾ من المؤمنين في المدينة المنورة بحق أخوّة الإسلام، والمهاجرين إليهم من مكة بحق الهجرة، انظر [الأنفال ٧٥/ ٨]، ﴿إِلاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ﴾ من المؤمنين والمهاجرين غير ذوي القربى ﴿مَعْرُوفاً﴾ بأن توصوا لمن أحببتم منهم من ميراثكم فإنه لا وصية لوارث ﴿كانَ ذلِكَ﴾ كلّ ما ذكر آنفا ﴿فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً﴾ مثبتا في القرآن.
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ (٧)
٧ - هذه الآية متعلقة بموضوع الآيات (١ - ٣) من حيث الميثاق المأخوذ على كل الأنبياء والرسل بتأدية رسالاتهم:
стр. 1502
﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ وقتما كانوا في عالم الذرّ، عندما أخذ ربّك من بني آدم من ظهورهم ذريّتهم، انظر [الأعراف ١٧٢/ ٧]، وقد أخذ تعالى ميثاقهم بتبليغ الرسالة والشرائع والدعوة إلى الدين الحق، وتصديق بعضهم بعضا، واتّباع بعضهم بعضا ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ﴾ عطف الخاص على العام، إيذانا بالمزيد من فضلهم ومزاياهم وكونهم من كبار الأنبياء ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ عهدا عظيم الشأن، تأكيدا على تأديتهم الرسالة على أتم وجه.
﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً أَلِيماً﴾ (٨)
٨ - ﴿لِيَسْئَلَ الصّادِقِينَ﴾ الأنبياء ﴿عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ ماذا كانت استجابة الناس لرسالاتهم الصادقة؟ انظر [المائدة ١٠٩/ ٥]، و [الأعراف ٦/ ٧]، ﴿وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ﴾ الذين أصرّوا على الكفر والإنكار وماتوا عليه ﴿عَذاباً أَلِيماً﴾ بما اختاروا لأنفسهم.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ (٩)
٩ - بعد أن ذكرت الآيتان (٧ - ٨) أخذ الميثاق من النبيين، وسؤال الصادقين عن صدقهم، ينتقل الخطاب إلى مثال تطبيقي عمّا قد يترتّب عن التبليغ والدعوة من مشاقّ، وهو وقعة الأحزاب أو وقعة الخندق كما عرفت:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ ما أنعم الله تعالى عليكم يوم الأحزاب ﴿إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ﴾ من قريش وحلفائها من قبائل جزيرة العرب، وبنو النضير وحلفاؤهم من يهود المدينة ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها﴾ من عوامل الطبيعة كالبرد القارص والأمطار الغزيرة والعواصف الشديدة ما جعل مستحيلا على الأحزاب متابعة الحصار، انظر الخلفية التاريخية ﴿وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ من حفر الخندق واستعدادكم واتخاذكم الإجراءات
стр. 1503
العملية للحرب إعلاء لكلمته تعالى، والتجائكم إليه ورجائكم نصرته ﴿بَصِيراً﴾ بأحوالكم، فأيّدكم بنصره بعدما أعددتم للأمور عدّتها.
﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ (١٠)
١٠ - ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ جاءت بنو غطفان، ومن تابعهم من قبائل نجد وبنو النضير وبنو قريظة، من أعلى الوادي بالجهة الشمالية الشرقية للمدينة ﴿وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ جاءت قريش ومن تابعها من قبائل الحجاز وأهالي تهامة الساحلية، من أسفل الوادي بالجهة الجنوبية الغربية للمدينة، والخلاصة أن العدو أحاط بالمسلمين من كل جنب ﴿وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ﴾ أبصار المؤمنين مالت وانحرفت عن مستوى نظرها حيرة ودهشة ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ خافت خوفا عظيما كأنها تحرّكت من مواضعها لتخرج من الحناجر ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ ظنونا كثيرة، فظنّ المخلصون الثابتون في أرض المعركة أن ينجز الله وعده لهم بالنصر، وظنّ البعض أن يمتحنهم تعالى فتزلّ أقدامهم ولا يتحمّلون ما نزل بهم، وظنّ المنافقون والذين في قلوبهم مرض أنّ محمدا وأصحابه سوف يستأصلون، كما سوف تبيّن الآيات التالية.
﴿هُنالِكَ اُبْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً﴾ (١١)
١١ - ﴿هُنالِكَ اُبْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ اختبرهم الله تعالى بظهور أعمالهم من النوايا إلى التنفيذ ﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً﴾ لقلّتهم وكثرة الأعداء، اضطربوا اضطرابا شديدا من شدة الفزع.
﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً﴾ (١٢)
١٢ - ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ من المذبذبين أنصاف المؤمنين ﴿ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ من الظفر وإعلاء كلمة الإسلام ﴿إِلاّ غُرُوراً﴾ وعد غرور، أي قولا باطلا يغرّنا ويوقعنا فيما لا طاقة لنا به.
стр. 1504
﴿وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً﴾ (١٣)
١٣ - ﴿وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ من المنافقين وضعاف النفوس ﴿يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ﴾ يا أهل المدينة لا ينبغي ولا يمكن لكم الإقامة هنا ﴿فَارْجِعُوا﴾ إلى منازلكم بالمدينة فيكون ذلك أسلم لكم من القتل، يريدون بذلك الفرار، وارجعوا إلى ما كنتم عليه من الشرك، وعمّا بايعتم محمدا عليه ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ استئذانا ظاهرا ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا﴾ بالمدينة ﴿عَوْرَةٌ﴾ يزعمون أنّ بها خللا، يمكن اختراقها ويخشى عليها من العدو ﴿وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً﴾ لا يريدون بالاستئذان سوى الهرب من القتال.
﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيراً﴾ (١٤)
١٤ - ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ المدينة، أو بيوتهم ﴿مِنْ أَقْطارِها﴾ من جميع جهاتها واشتدّت الحرب ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ طلب منهم الردّة والرجوع إلى الشرك ﴿لَآتَوْها﴾ لاستجابوا لما طلب منهم ﴿وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيراً﴾ المعنى أنهم في تلك الحال لا يبقون على ما ارتدّوا إليه من الفتنة والكفر إلا لبثا قليلا، لأن الله تعالى يهلكهم بردّتهم.
﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً﴾ (١٥)
١٥ - ﴿وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ﴾ كانوا قد جبنوا يوم أحد، ثم تابوا وعاهدوا قبل يوم الخندق ألاّ يفرّوا ﴿وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً﴾ عن الوفاء به.
﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلاً (١٦)﴾
стр. 1505
١٦ - ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ لأن المقدّر المكتوب عليكم واقع لا محالة ﴿وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ وإن نفعكم الفرار مؤقّتا بأن أخّر عنكم القتل فمتّعتم فلا يكون لكم إلاّ متاعا قليلا أو زمانا قليلا، فأيام الحياة وإن طالت قصيرة.
﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (١٧)
١٧ - ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ من يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا، ومن يمنع رحمة الله عنكم إن أراد بكم رحمة؟ ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا﴾ ينفعهم ﴿وَلا نَصِيراً﴾ يدفع الضرر عنهم.
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (١٨)
١٨ - ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ المثبّطين عن نصرة الرسول ﴿وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا﴾ المنافقون واليهود كانوا يقولون لإخوانهم من أهالي المدينة تعالوا وكونوا معنا، ولا تكونوا مع محمد ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ الحرب ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ لا يقاتلون إلاّ قتالا قليلا، أو يتظاهرون بالقتال إلى جانبكم.
﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ (١٩)
١٩ - ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ جمع شحيح، أي هم بخلاء على أهل المدينة بالنفقة وبالنصرة وبكل ما فيه منفعة لهم، كما يخافون على أنفسهم في حال تحققت الغلبة للنبي ﷺ ﴿فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ﴾ من العدوّ، وتوقّع المعوّقون أن يستأصل أهل المدينة ﴿رَأَيْتَهُمْ﴾ أيها النبي، وأيها المؤمن ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ أحداقهم ﴿كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ كالذي يعاني سكرات الموت
стр. 1506
﴿فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ وتحققت الغلبة للمؤمنين ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ آذوكم بالكلام، وخاصموكم بألسنة سليطة ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ بخلاء حريصين أن يأخذوا من مال الغنائم ﴿أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ بالإخلاص، فهم منافقون أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ﴿فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ﴾ لأنها باطلة إذ صحتها مشروطة بالإيمان بالإخلاص وهم يبطنون الكفر ﴿وَكانَ ذلِكَ﴾ الإحباط ﴿عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ لا يبالي به.
﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٢٠)
٢٠ - ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ بسبب خوفهم وجبنهم لم يصدّقوا أن الأحزاب انهزمت ورحلت ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ﴾ كرة ثانية، ويحتمل أنّهم اعتقدوا أنّ الأحزاب ستعود لحصار المدينة بقوة كبيرة ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ﴾ في البدو مع الأعراب خارج المدينة ليكونوا سالمين من القتال ﴿يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ﴾ يتعرفون أحوالكم بالاستخبار عن بعد لا بالمشاهدة، لشدة جبنهم ﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلاً﴾ يتظاهرون بالقتال إلى جانبكم.
﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ (٢١)
٢١ - ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ القدوة الحسنة في كل أعماله وأقواله وثباته في الحرب ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ﴾ يأمل رحمة الله ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ لقاء اليوم الآخر ﴿وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ ذكرا كثيرا باستحضار معناه وليس بمجرّد القول، والمغزى أن الأسوة الحسنة لا تتحقق ولا تكون إلاّ لمن توافرت فيه هذه الخصال الثلاث.
﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيماناً وَتَسْلِيماً (٢٢)﴾
стр. 1507
٢٢ - ﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ قد يكون في ذلك إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة ٢١٤/ ٢]، ﴿وَما زادَهُمْ﴾ هول الموقف ﴿إِلاّ إِيماناً﴾ بالله تعالى وبوعده بالنصر ﴿وَتَسْلِيماً﴾ استسلاما لأمر الله ولأوامر النبي ﷺ .
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (٢٣)
٢٣ - ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ من الثبات في الحرب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ﴾ وفّى بنذره، فقاتل حتى قتل، لأن النحب النذر ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ يوما فيه جهاد، فيقضي نحبه ﴿وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ ما بدّلوا عهدهم، وما غيّروه تبديلا.
﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٢٤)
٢٤ - ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ﴾ الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ بسبب صدقهم ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إن تابوا ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ لمن تاب.
﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً﴾ بل كانت حملتهم وبالا عليهم ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ بأن سلّط على الأحزاب عوامل الشتاء القاسي من العواصف والأمطار والبرد القارص، وأوقع الفرقة بينهم فانهزموا ﴿وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً﴾ غالبا على كلّ أمر.
стр. 1508
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ (٢٦)
٢٦ - ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ وهم يهود بني قريظة ظاهروا قريشا في وقعة الخندق ﴿مِنْ صَياصِيهِمْ﴾ من حصونهم ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ كان بنو قريظة أشد اليهود عداوة للنبي ﷺ وقد نقضوا العهد وغدروا بالمسلمين، إذ حالفوا قريشا والأحزاب في أثناء وقعة الخندق، وفي رواية ابن إسحاق أن النبي ﷺ حاصرهم بعد ذهاب الأحزاب حتى استسلموا وقبلوا أن يحكم فيهم حليفهم السابق سعد بن معاذ سيد الأوس، فحكم أن تقتل الرجال منهم، وتسبى الذرية، وتقسم الأموال، فقتل منهم ٦٠٠ - ٧٠٠ رجل، غير أن رواية ابن إسحاق هذه لا يمكن الوثوق بإسنادها، رغم أن الواقدي وابن سعد نقلاها عنه فيما بعد، إذ لاحظ العالم بركات أحمد في كتابه (محمد واليهود) أن أبا بكر بن شهاب الزهري، الذي سبق ابن إسحاق في كتابة السيرة، لم يذكر هذه الحادثة، كما لاحظ أيضا أن اليهود أنفسهم لم يذكروها في تاريخهم، ومن غير الطبيعي وغير المعتاد عند اليهود، ألاّ يكتبوا عن أحزانهم، ناهيك عن تضخيمها في حال حدوثها، ومن الجدير بالذكر أن مجموع قتلى المسلمين وغير المسلمين في جميع حروب النبي ﷺ لم يكد يبلغ خمس مئة.
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ (٢٧)
٢٧ - ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ﴾ أصبحت ملكا للمسلمين ﴿وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها﴾ ومنها خيبر، وغيرها من البلاد التي فتحها المسلمون بعد ذلك، وصاروا بعد ذلك في حالة من اليسر، وذلك وجه اتصال هذه الآية بما بعدها ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ ومنها نصرة دينه والمؤمنين.
стр. 1509
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ (٢٨)
٢٨ - عندمانزلت هذه الآية كان المسلمون قد فتحوا خيبر بأراضيها الزراعية الغنية، وتغيّرت حالهم من العسر والضيق المادي إلى اليسر، غير أن حالة اليسر هذه لم تنعكس على بيت الرسول ﷺ ممّا كانت تتوق إليه زوجاته، فالرسول كان يرى أن وضعه المادي يجب أن يضاهي وضع فقراء المسلمين وليس أغنياءهم، ممّا أدّى به أن يعرض على زوجاته الخيار بين سراحهنّ أو البقاء معه، وقرأ عليهنّ الآيتين (٢٨ - ٢٩) فاخترن جميعا البقاء معه:
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي السعة والتنعّم فيها ﴿وَزِينَتَها﴾ زخرفها ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أعطيكنّ متعة الطلاق، انظر [البقرة ٢٤١/ ٢]، ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً﴾ طلاقا ﴿جَمِيلاً﴾ لا ضرار فيه، ولا خصومة ولا مشاجرة.
﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ (٢٩)
٢٩ - ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ﴾ بغضّ النظر عن الدنيا ﴿فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ﴾ في أقوالهنّ وأعمالهنّ ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ في الآخرة.
﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ (٣٠)
٣٠ - ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾ من الكبائر، كمعصية النبي، أو طلبهنّ منه ما يشق عليه، أو ما يضيق به ذرعا ويغتم لأجله، وعقوقه وفساد عشرته ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ ظاهرة القبح ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ يوم القيامة يعذّبن ضعفي عذاب غيرهنّ ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ لا يمنعه جلّ شأنه كونهنّ نساء نبيّه.
стр. 1510
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً﴾ (٣١)
٣١ - ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ﴾ تخشع ﴿مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ في مقابلة: يضاعف لها العذاب ضعفين ﴿وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً﴾ في الآخرة.
﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ (٣٢)
٣٢ - ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ فقد امتازت كل واحدة منكنّ بشرف الزوجية للنبي ﷺ وصارت كل واحدة منكنّ أمّا للمؤمنين ﴿إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ﴾ مخالفة حكم الله تعالى، واتّقيتنّ سخط رسوله ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ لا تقلن كلاما ليّنا رقيقا تجاه الأجانب ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ من ضعاف النفوس لأنه يحمل الكلام على غير محمله ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ بعيدا عن الريبة.
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (٣٣)
٣٣ - ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ من القرار، وقيل من الوقار، والخطاب لنساء النبي ﷺ ، ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ كما كانت عليه النساء في الجاهلية من الغنج والزينة ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ القيام بجميع الطاعات ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ الرجس: القبيح المستقذر حسّيا أو معنويا، والرجس والنجس بمعنى واحد، انظر شرح [الأعراف ٧١/ ٧]، ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نساء ورجالا، وهم أزواجه ﷺ وبناته وعلي والحسن والحسين ﵃ ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ من الذنوب.
следующие страницы →