Полный текст (2 031 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
والعمل به مدّعيا أن البيع مثل الربا صار كافرا: ﴿فَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.
﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٢٧٦)
٢٧٦ - بعد أن شرح تعالى في الآيات المتقدّمة مواضيع الربا والصدقات بيّن في هذه الآية عاقبة كلّ منها وهي محق الربا وإرباء الصدقات، أما المحق فهو النقصان، والإرباء هو النموّ، ويتّضح معنى الآية بقوله ﷺ «الربا وإن كثر فإنّ عاقبته إلى قلّ» رواه أحمد في مسنده عن ابن مسعود، فالبركة تزول عن مال المرابي لأنه يستغرق في حب الدنيا، ويتهالك عليها، ويصبح جمع المال شغله الشاغل، وهدفا نهائيا بذاته، فيختلّ تفكيره ويفقد توازنه ولا يهنأ بكسبه، وتعمى بصيرته عن الحقيقة وعن الآخرة، وتؤول عاقبته إلى العداوة والكراهية بينه وبين الناس.
وتلاحظ العواقب الوخيمة للربا في الحياة الاقتصادية للأمّة على نطاق واسع: فالقروض الربوية منها الاستهلاكية التي يضطرّ لها الفقراء للوفاء باحتياجاتهم المعيشية اليومية، ومنها قروض الاستثمار التي قد يحتاجها بعض التجار والصناعيين والمزارعين لتأسيس أو تشغيل مشاريعهم.
أمّا القروض الاستهلاكية فمن الواضح أنّها تؤدي إلى خراب المجتمع، لأنّ الفقير يقترض ما يحتاجه لسداد قوته اليومي، فيكون عبء الربا من الثقل بحيث لا يستطيع سداد الدين الأصلي، بل قد يحتاج للاقتراض من جديد لسداد الفوائد، وهكذا قد يدفع أضعاف الدين الأصلي ويبقى أصل المبلغ دون سداد، والنتيجة أن فئة قليلة من الناس تستغل الأكثرية بامتصاص مجهودها فينخفض الإنتاج على المدى الطويل وتتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية معا وتنمو بذور الاضطرابات ويتفكك المجتمع.
стр. 177
أمّا قروض الاستثمار في المشاريع الإنتاجية فهي أيضا تسبب الضرر بالتثبيت المسبق لنسبة ربح فاحشة، كما يلاحظ في الأمثلة التالية:
(١) المشاريع الضرورية للمجتمع التي قد يكون مردودها المادي أقل من معدلات الفائدة على الإقراض تبقى من دون تحقيق لأنها لا تجد من يمولها.
(٢) لا يمكن لأحد أن يضمن سلفا أنّ مشروعه سوف يحقق ربحا أعلى من نسبة الفائدة على الإقراض أو يضمن أن يكون مشروعه رابحا أصلا ففي هذه الحال تبقي الجهة المقرضة ضامنة للربا الذي تستوفيه في حين يكون احتمال المخاطرة والخسارة على صاحب المشروع قائما.
(٣) تعتبر فوائد الإقراض عبئا ماليا يضاف إلى كلف المشروع فينتج عنها انخفاض معدل الربح وقد تجعل المشروع غير مجد اقتصاديا، بل قد تجعله خاسرا إذا كان هامش الربح متواضعا، وفي جميع الأحوال تبقى عاملا سلبيا تهدد المشروع بالخسارة والحجز.
(٤) بما أن اهتمام المؤسسات الربوية منصب فقط على تحصيل الربا بغضّ النظر عن نجاح المشاريع أو فشلها، فعند ظهور أقل مؤشر لركود الاقتصاد تبادر هذه المؤسسات لسحب أموالها من الأسواق ممّا يسبب تفاقم الركود وزيادة البطالة.
(٥) كثيرا ما تتصرف المؤسسات الربوية بأموال المودعين بأن تقرضها بربا فاحش إلى جهات يشكّ في نجاحها الاقتصادي، فهي بذلك تغامر بأموال الآخرين مقابل الربا الفاحش الذي تتقاضاه.
وعلى النقيض من كلّ ذلك فعندما تكون رؤوس الأموال شريكة في المشاريع، وليست مجرّد جهة خارجية مقرضة، فيتحمل أصحابها إمكانية الربح والخسارة، ويكون لهم مصلحة مشتركة في النجاح مع أصحاب المشاريع، وليس
стр. 178
مجرّد استغلال حاجة الآخرين للتمويل، فعندئذ تنخفض كلف المشاريع، ويزداد احتمال الربح وتكون النتائج لصالح الطرفين وازدهار الاقتصاد وانخفاض البطالة.
روي أنّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: «كان آخر ما نزل من القرآن آية الربا وإنّ نبيّ الله ﷺ قبض قبل أن يفسرها فدعوا الربا والريبة»، وفي حين أنّ الربا محرّم بلا جدال، فإنّ مشكلة الاقتصاد الحديث تكمن في المؤسسات الربوية التي تأخذ أموال المودعين مقابل فوائد أقل من نسبة التضخم، ثمّ تقرض هذه الأموال للآخرين مقابل الربا الفاحش.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٢٧٧)
٢٧٧ - بعد أن وصف تعالى في الآية (٢٧٥) أكلة الربا الذين جعلوا الدنيا وجمع المال شغلهم الشاغل وهدفهم النهائي، فاستولى ذلك على عقولهم، واختلّ تفكيرهم وفقدوا توازنهم، فاستهلكتهم رغبتهم العارمة في مشاهدة أموالهم تتضاعف، وعميت بصيرتهم عن الحقيقة، ونسوا الآخرة، ثمّ في هذه الآية يذكر تعالى الصنف الآخر من الناس، الذين استوعبوا حقيقة الدنيا وزوالها، فقدّموا العمل الصالح لآخرتهم، فبشّرهم تعالى بأن لا خوف عليهم من أهوال القيامة، ولا هم يحزنون على فراق الدنيا، روى أحمد في مسنده عن عائشة أن النبي ﷺ قال: «الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له».
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢٧٨)
٢٧٨ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن كنتم مؤمنين بقلوبكم حقّا، أو إن كان إيمانكم شاملا لجميع ما جاءت به رسالة الاسلام.
﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾.
стр. 179
٢٧٩ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ إن لم تتركوا الربا ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ فلا يهنأ لكم عيش، ولا يطفئ ظمأكم للمادة شيء، وتجرون وراءها جري الوحوش، وفي زمن البعثة كانت مقاومة الرسول للمرابين بالحرب فعلا، أمّا في حاضرنا فنحن نرى أثر هذه الحرب في تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في المجتمعات الربوية، كازياد حجم العجز في ميزانيات الدول الكبيرة والصغيرة، وبشكل تصاعدي حاد لا يرجى منه شفاء، لأنّ الميزانيات لا تكاد تكفي لسداد الفوائد على القروض الحكومية، وقد ترتّب على ذلك تقلص الخدمات الاجتماعية والصحية لمستحقيها، ونقص الدخل وارتفاع الأسعار وزيادة البطالة وارتفاع نسبة الجريمة، واتساع الهوة بين دخل الأغنياء وعامة الناس بسبب تركز الثروة لدى شريحة قليلة من الناس ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أي إن تبتم من استحلال الربا ﴿فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ فلا تظلمون الآخرين بطلب الزيادة على رأس المال، ولا تظلمون بنقصان رأس مالكم.
﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢٨٠)
٢٨٠ - ﴿وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ﴾ العسرة من الإعسار، وهو تعذّر وجود المال، والنظرة من الإنظار وهو الإمهال، أما الميسرة واليسر فهي الغنى، والمعنى إذا كان المدين معسرا فعليكم إمهاله وتأجيل الدين حتّى يصير في يسر ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إن تصدّقتم بالدين على المعسر فهو خير لكم من الإمهال، والصدقة تكون على الفقير، وأمّا على الموسر فلا، وهكذا فإنّ إمهال المعسر واجب، والأخذ منه بعد الإمهال حلال، ويستحبّ التصدّق عليه بالدين إن كان فقيرا، انظر الطبري.
стр. 180
﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٢٨١)
٢٨١ - ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ وهو يوم الحساب ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ وتفصيل ذلك قوله تعالى ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٩٩/ ٧ - ٨]، وقيل أنّ هذه الآية مع آيات الربا وآية الدين آخر ما نزل من القرآن.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَاِمْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٢٨٢)
٢٨٢ - في الآيات المتقدمة ذكر تعالى أحكام الإنفاق، ثمّ الربا، وفي هذه الآية يوصي تعالى بحفظ الأموال الحلال عن التلف والفساد، وذلك بالتنظيم والاحتياط في أمور التعامل بها:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ أوجب تعالى كتابة الدين والمعاملات المؤجّلة إلى أجل مسمّى، روى الشيخان وغيرهما عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم»، ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ الكتابة بالحق والإنصاف بحيث يضمن كل من الطرفين حقّه ﴿وَلا يَأْبَ كاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ﴾ لا يجوز للكاتب أن يمتنع عن الكتابة كما علّمه الله من الكتابة والأحكام
стр. 181
والفقه وأصول المعاملات ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ الإملال والإملاء في اللغة واحد، فالذي عليه الحقّ وهو المدين يملي على الكاتب ليكون إملاله حجّة عليه من جهة، ومن جهة ثانية لكي لا يكون هنالك مجال لغش المدين من قبل الدائن ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ لا ينقص شيئا من الحق الذي عليه،
﴿فَإِنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ والمعنى أنّ الذي عليه الدين إذا لم يكن إقراره معتبرا فالمعتبر هو إقرار وليّه، والسفيه هو ضعيف العقل والرأي أو جاهل بالإملاء والمعاملات، أمّا الضعيف فقد يكون صغيرا أو عجوزا، وأمّا الذي لا يستطيع أن يملّ فقد يكون عاجزا عن الكلام أو غائبا لا يستطيع الحضور ﴿وَاِسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَاِمْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ من الذين يعتدّ بشهادتهم، إذ لا يصلح للشهادة أي كان ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى﴾ أي إذا أخطأت الواحدة فتذكّرها الثانية، لأن المرأة قد تحار أو يشتبه عليها الحق أحيانا بسبب اضطراب بعض أجهزتها الحيوية أو انحراف في مزاجها،
وقيل إن هذا مختص بالشهادة في المداينات والمعاملات التجارية والصفقات، خاصة أن موضوع الشهادة ورد في القرآن الكريم في خمسة مواضع وهي:
[البقرة: ٢/ ٢٨٢]، [النساء: ٤/ ٦، ١٥]، [المائدة: ٥/ ١٠٦ - ١٠٨]، [النور: ٢٤/ ٤ - ٩]، [الطلاق:
٦٥/ ٢]، ولم تحدد فيها شهادة الامرأتين إلا في آية البقرة التي نحن بصددها،
﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَداءُ إِذا ما دُعُوا﴾ لا يمتنع الشهود عن تحمّل الشهادة وقت المداينة، وأيضا لا يمتنعوا عن أداء الشهادة بعد ذلك إذا احتاجهم صاحب الحقّ ﴿وَلا تَسْئَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلى أَجَلِهِ﴾ لا تملّوا من كتابته سواء كان الدين صغيرا أو كبيرا ﴿ذلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ الكتابة والإشهاد أعدل
стр. 182
عند الله ﴿وَأَقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ أي أثبت للشاهد إذا كتب بخطه ثم رآه تذكر به الشهادة، لاحتمال أن ينساه لو لم يكتبه ﴿وَأَدْنى أَلاّ تَرْتابُوا﴾ منعا للريبة والشك في القيمة والأجل، فترجعون عند التنازع إلى الكتاب ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلاّ تَكْتُبُوها﴾ عندما يكون الأجل قريبا والتجارة يومية فالكتابة ليست فرضا، ولكن لا مانع من الكتابة كما في المعاملات التجارية اليوم حيث يكتب إيصالا ﴿وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ﴾ أوجب تعالى الشهود على كلّ مبايعة غير المشار إليها في التجارة الحاضرة ﴿وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ أصل الكلمة (يضارر) وأدغمت، فإذا قرأت بفتح الراء الأولى يكون المعنى أنّه لا يجب مضايقة الكاتب أو الشهود أو إكراههما أو الضغط عليهما أو تحميلهما مسؤولية ما تمّ كتابته، وإن قرأت بكسر الراء الأولى يكون المعنى نهي الكاتب والشهود عن الانحياز إلى طرف والإضرار بالآخر ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أي فإنّه فسوق كائن بكم، والمعنى يكون بكم إثم ومعصية ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ فيما حذّر منه ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ كيفية التعامل وحفظ الأموال ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ بمصالح عباده وغيرها.
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٢٨٣)
٢٨٣ - في هذه الآية والتي قبلها جعل تعالى المعاملات على ثلاثة أقسام:
الأولى بكتاب وشهود، والثانية برهان مقبوضة، والثالثة بالأمانة:
﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كاتِباً فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أي في يد صاحب الحق، واتّفقوا على أنّ الرهن يجوز في السفر والحضر، وفي حال وجود الكاتب أو عدمه، وإنّما ذكرته الآية في السفر على سبيل غالب الأحوال، وذلك شبيه بقصر الصلاة وقت الخوف، وليس الخوف شرطا لجواز القصر، ﴿فَإِنْ أَمِنَ﴾
стр. 183
﴿بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ في هذه الحالة تكون المعاملة المؤجلة بلا كتابة ولا شهود ولا رهن لأن صاحب الحق لا يخاف خيانة غريمه، وفي حين أن الآية المتقدمة محمولة على الفرض والوجوب في الحالة العامة، فإن هذه الآية محمولة على الرخصة في حالة خاصة وهي الائتمان ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اُؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ﴾ وهو المدين الذي اؤتمن، عليه أن يؤدي الأمانة ﴿وَلْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ﴾ على المدين أن يتّقي الله ولا يجحد ما عليه ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ كتمان الشهادة هنا أن ينكر المدين علمه بما عليه، وأيضا إن كان أحد من الناس عالما بما حدث فعليه أن يتقدّم للشهادة ولا يكتم علمه لقوله ﷺ : «خير الشهود من أدّى شهادته قبل أن يسألها» رواه أحمد وابن ماجه ﴿وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ من يكتم الشهادة فهو فاجر يتحمّل إثما، وعن ابن عباس أن أكبر الكبائر: الشرك بالله، وشهادة الزور، وكتمان الشهادة ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ لأنّه تعالى عليم بالخفايا فيحاسب عليها فذلك تحذير من الكتمان.
﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٨٤)
٢٨٤ - بعد أن جمع تعالى في هذه السورة من دلائل التوحيد والنبوة، ونسخ الشرائع السابقة بشرائع الإسلام خاتم الرسالات، وبيّن الشرائع والتكاليف في الحج والقصاص والوصية والصوم والجهاد والطلاق والخلع والحيض والعدّة والصداق والمتاع والرضاع والأرامل والصلاة وحرية العقيدة والزكاة والربا والمداينة والمبايعة، ختم تعالى السورة بهذه الآية الشاملة:
﴿لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ تعبير عن كمال الملك وكمال القدرة الإلهية، ثمّ أتبع تعالى بالتعبير عن كمال العلم الإلهي المحيط بالكليّات والجزئيات: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ الإشارة إلى الخصال السيّئة التي ثبتت في بعض النفوس كالنفاق والحسد والبغضاء والحقد
стр. 184
وفساد النية وسوء القصد، وإبداء هذه الخصال يكون بإظهارها والعمل بها ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ يغفر الذنوب لمن يشاء من عباده الذين قاموا بالأعمال الصالحة حتى غلب أثرها في نفوسهم، أو لمن لم تخرج أفكارهم السيئة إلى حيّز التنفيذ، وفي الحديث: «إنّ الله تعالى تجاوز عن أمّتي ما حدّثوا به أنفسهم ما لم يعملوا به أو يتكلّموا به»، ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ من الكفار والمنافقين والعصاة والمجرمين عذابا مترتبا على العدل ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ باطلاعه على الخفايا والظاهر.
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٢٨٥)
٢٨٥ - لمّا بيّن تعالى في الآية المتقدّمة كمال الملك وكمال العلم وكمال القدرة الإلهية، وفي ذلك كمال صفات الربوبية أتبع ذلك في هذه الآية بكون المؤمنين في منتهى الانقياد والطاعة والخضوع لله تعالى وذلك هو كمال العبودية:
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ أي لا يفرّقون بين أحد من الرسل فلا ينكرون نبوّة أيّ منهم، وقد أكمل بعضهم شرائع بعض، ونسخ بعضها الآخر ثمّ اكتملت الرسالات بشريعة محمد ﷺ خاتم الأنبياء والرسل ونسخت ما قبلها ﴿وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ لأنّ العبرة ليست بمعرفة الحقيقة فقط بل بالعمل بموجبها ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ يلتمس المؤمنون الغفران من الله فيما يخافون من تقصيرهم في عملهم ﴿وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ إقرار المؤمنين بالمعاد إليه تعالى:
﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَاُعْفُ عَنّا وَاِغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٨٦)﴾.
стр. 185
٢٨٦ - ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ وهذه استجابة منه تعالى لدعاء المؤمنين في قولهم ﴿سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ بأنّه تعالى لا يكلّف نفسا إلاّ وسعها ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾ من الثواب على أعمال الخير ﴿وَعَلَيْها مَا اِكْتَسَبَتْ﴾ من العقاب على ارتكاب الشرور، وهو مبدأ المسؤولية الفردية بأن المرء لا تنفعه حسنات الآخرين، كما لا تضره أخطاؤهم، فلا ينتفع المرء أو يلحقه الضرر إلاّ بأعماله ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا﴾ لا تؤاخذنا: أي لا تأخذنا بالعقوبة إن نسينا أو أخطأنا، وتقدير ذلك أن يكون الإنسان قد أخذ جانب العناية والحيطة والتفكّر سلفا، لا أن يكون الخطأ والنسيان ناتجين عن الإهمال والتساهل وعدم اتّخاذ الأسباب ﴿رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا﴾ الإصر في اللغة هو العبء الثقيل، ثمّ سمّي العهد إصرا لثقله، والمقصود من الدعاء أن لا يتعرض المؤمنون للمحن والابتلاء والمصائب التي تعرّض لها من قبلهم ﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ لا تحمّلنا ما يشق علينا عمله، ووفّقنا لحمل ما فرضته علينا، كي لا نستحق بمقتضى سنّتك أن تحمّلنا ما لا نطيق من العقوبة ﴿وَاُعْفُ عَنّا وَاِغْفِرْ لَنا﴾ لأنّ العفو يسقط العقاب، والمغفرة تستر الخطيئة صونا للمؤمن من عذاب الخجل والفضيحة ﴿وَاِرْحَمْنا﴾ بالتوفيق إلى العمل وفق هديك ﴿أَنْتَ مَوْلانا﴾ دلالة على منتهى الخضوع والاستسلام ﴿فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ انصرنا عليهم في حربهم معنا، وفي مناظرتنا معهم بالحجج والحوار لكي يكون نصرنا على النفوس وليس على الأجساد فقط.
***
стр. 186
سورة آل عمران - ٣ - مدنية
مقدمة
نزلت (آل عمران) في المدينة على مراحل ابتدأت بعد معركة بدر (رمضان عام ٢ للهجرة) واستمرت حتى معركة أحد (شوال عام ٣ للهجرة) وما بعدها، وقد ورد اسم (آل عمران) الذي يرمز إلى سلالة النبوة لموسى وعيسى ﵉ في (الآية ٣٣) ولذا رمز لها بهذا الاسم.
الخلفية التاريخية
كان المسلمون وقت نزول السورة يتعرضون لمحن شديدة وابتلاء، وكانوا في حالة من القلق بعد أن أدّى انتصارهم في معركة بدر إلى تحفّز قريش وقبائل الجزيرة العربية ضدّهم، وقد تحمّلت المدينة المنوّرة بنتيجة معركة بدر عداوة الكثير من القبائل المجاورة والبعيدة حتى بدا للمسلمين في بعض الأوقات أنّ اجتياح المدينة من قبل أعدائهم أصبح وشيكا، يضاف إلى ذلك المصاعب الاقتصادية التي تحمّلتها المدينة، ليس أقلّها التكيف مع استيعاب المهاجرين الجدد من مكة، ثم إنّ قبائل اليهود حول المدينة كانت تعمل جاهدة للكيد بالمسلمين فبعد معركة بدر كان اليهود يحثّون قريشا علنا على الانتقام لهزيمتهم، ممّا اضطرّ النبيّ ﷺ لطرد أشدّهم عداوة وهم بنو قينقاع من ضواحي المدينة، ولكن الباقين منهم استمروا في الكيد للمسلمين بالتآمر مع منافقي المدينة ومشركي الحجاز، ولشدّة ألم قريش من هزيمتها في بدر كان تحريض اليهود لها بمثابة صب الزيت على النار، وما لبثت قريش أن حشدت قواها لمعركة أحد التي لعب المنافقون
стр. 187
دورا كبيرا بها في محاولة شق صفوف المسلمين بعد أن خرجوا للقتال معهم ثم نكصوا على أعقابهم، وهكذا انكشف للمسلمين للمرة الأولى دور عدوهم الداخلي وبدت لهم نقاط ضعفهم، ومن المهم التمحيص في تحليل السورة لتلك المواقف، (الآيات ١٢١ - ١٧٥).
ارتباط السورة بما قبلها
هنالك نوع من الترابط والتكامل بين سورة آل عمران وسورة البقرة، ففي سورة البقرة المتقدمة دعوة اليهود للإيمان بخاتم الرسالات: ﴿وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة ٢/ ٤١]، وفي سورة آل عمران أن القرآن الكريم يصدّق فقط ما تبقى في كتبهم من الوحي الصحيح: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [آل عمران ٣/ ٣]، وأن أهل الكتاب أوتوا فقط نصيبا من الكتاب أي ما تبقى بين أيديهم من الوحي، ثم تولّوا عن القرآن: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران ٣/ ٢٣].
وفي سورة البقرة أن المصرّين على الكفر والمشركين كرهوا نزول الوحي على العرب من بني إسماعيل: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة ٢/ ١٠٥]، لأن رسالة الإسلام نسخت ما قبلها:
﴿ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة ٢/ ١٠٦]، وفي سورة آل عمران بيان إيتاء الرسالة بني إسماعيل ونزعها من بني إسرائيل: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ٣/ ٢٦]، وبيان ختم الرسالات بنزول الوحي على خاتم
стр. 188
الأنبياء والرسل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ [آل عمران ٣/ ٧].
ومن جهة محاجّة أهل الكتاب من اليهود والنصارى: كان التركيز في سورة البقرة على بني إسرائيل [البقرة ٢/ ٤٠ - ١٠٥]، وفي آل عمران على اليهود والنصارى معا، وفي كل من السورتين أحكام متمّم بعضها بعضا، كفريضة الدعوة إلى الإسلام: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٦٤]، وفريضة الحج [آل عمران: ٣/ ٩٤ - ٩٧]، والنهي عن الربا [آل عمران: ٣/ ١٣٠]، والحض على الإنفاق [آل عمران:
٣/ ١٣٤].
محور سورة آل عمران
أن العقل البشري قاصر بالضرورة عن استيعاب الحقيقة المطلقة، أو حتى جوانب ضئيلة من الغيب، فلزم أن تكون بعض آيات القرآن الكريم ذات طابع رمزي تتضمن الكناية والمجاز، وهي الآيات المتشابهات: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ (٧)، لكنّ الناس ميّالون إلى متاع الدنيا ومادتها غافلون عن خيرات الآخرة: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (١٤).
وإن الحكمة الإلهية اقتضت نزع الرسالة من بني إسحاق بعد فساد اليهود المزمن وإيتاء الرسالة بني إسماعيل وختمها ببعثة النبي الأحمد: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٦)، وأن الإسلام دين الأنبياء
стр. 189
من الأزل: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٦٧).
وأنّ غاية ما يمكن أن يتوصّل إليه المؤمن، بعد أن يقوم بجميع أركان الإسلام، هو الإنفاق ممّا يحب، فلا يكون بارّا صادق الإيمان حتّى يتوصّل إلى هذه الخصلة: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٩٢)، وتفرض السورة على العلماء من المسلمين واجب الدعوة بالقدوة الحسنة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٠٤).
وتبين العبر من وقعة أحد، (الآيات ١٢١ - ١٧٥)، وتنهى عن أكل الربا:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٣٠)، وتحض على الإنفاق: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٣٤)، كل ذلك ما يوجب التضحية فالله تعالى يختبر الناس بظهور أفعالهم إلى العلن، وليس بعلمه بالغيب منهم: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ (١٤١).
وأن الكفار جاهدون في رد المسلمين عن دينهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ (١٤٩)، وتبيّن وجوب الرفق واللين في الدعوة إلى الإسلام أسوة بالنبي ﷺ وتقرر مبدأ الشورى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١٥٩)، وأن الله تعالى لم يكن ليترك من لديه استعداد للإيمان ضائعا بين الكفار، ولكن يبعث الرسل كي يتّبعهم من يختار الإيمان من الناس: ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ﴾
стр. 190
﴿رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١٧٩).
وتتنبأ السورة بمعاناة المؤمنين من أذى أهل الكتاب والكفار، وتحضهم على الصبر والتقوى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١٨٦)، وأن العبرة من العبادة تكمن في العمل والتضحية وليس فقط أداء الفرائض: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ (١٩٥).
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الم﴾ (١)
١ - الله أعلم بمراده، انظر شرح الآية (١) في سورة البقرة.
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (٢)
٢ - ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ تقرير لحقيقة التوحيد أي ليس في الوجود صاحب سلطة حقيقية إلاّ الله، ومن ثمّ لا مستحقّ للعبادة إلاّ هو، والعبادة هي الطاعة، فالمعنى لا مستحق للطاعة المطلقة إلاّ الله تعالى: ﴿الْحَيُّ﴾ مصدر الحياة والإحياء وذو الحياة الدائمة ﴿الْقَيُّومُ﴾ القائم بذاته والقيّم على كلّ المخلوقات.
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٣)
٣ - ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ وهو القرآن الكريم نزّل على النبي ﷺ ، ولفظ التنزيل بمعنى التكثير لأنّه نزّل بالتدريج نجوما متفرقة في ثلاث وعشرين سنة، ولا ينافي ذلك قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ﴾ [الكهف
стр. 191
١٨/ ١]، لأنّ التنزيل والإنزال فيهما إشعار بعلو مرتبة الوحي على الموحى إليه ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي متضمّنا الحقيقة ومبيّنا لها، وأيضا فيه ما يحقّق أنّه من عند الله تعالى:
﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ليس المعنى تصديق الكتب الموجودة لدى اليهود والنصارى بعينها، فقد تعرّضت على مرّ العصور لكثير من التحريف والتغيير، وإنّما هو تصديق لما بقي في تلك الكتب من الحقيقة وهو معنى قوله ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ،﴾ ومثال ذلك أنّ تصديقنا للنبي ﷺ في كل ما قاله لا يستلزم تصديق كل ما نسب إليه في كتب الحديث، بل ما ثبت منها فقط ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ التوراة في عرف القرآن هي الوحي الذي نزل على موسى ﵇، انظر شرح آية [المائدة: ٥/ ١٣]، والإنجيل هو الوحي الذي نزل على عيسى المسيح ﵇، انظر شرح آيات [المائدة: ٥/ ١٤، ٤٧]، أما كتبهم المقدّسة اليوم فليس بها من التوراة والإنجيل إلاّ القليل، لأنّ أصلها ضاع منذ القدم وأعيدت كتابتها من قبل المؤلّفين حتى صارت كتب اليهود، المسماة بالعهد القديم، تشتمل على تأريخ قومي للأحداث التي حصلت بعد موسى بزمن طويل، وهي إلى ذلك غاصة بمعتقدات وتشريعات باطلة ابتدعها أحبارهم.
أما الكتب المسيحية، المسماة بالعهد الجديد، فليست سوى كتابات نسبوها لبعض الحواريين، يفترض أنها تؤرخ سيرة حياة المسيح ﵇، وقد كتبت باللغة اليونانية بعد الأحداث بزمن، ولم تكن تعتبر كتابات مقدسة في وقتها، وقد تكررت تراجم العهدين القديم والجديد وتنقيحهما مرارا، وعلى سبيل المثال فإنّ الطبعة الإنكليزية المعتمدة جرى تنقيحها وإعادة كتابتها ثماني مرات على الأقل منذ أول ترجمة لها في العام ١٥٣٦ حتى ١٩٩٣، وقد ورد في مقدّمة الطبعة المنقحة المعتمدة التي صدرت عام ١٩٥٢ أن سابقتها وهي طبعة الملك جيمس المعتمدة «اشتملت على أخطاء جسيمة وأن الأخطاء كانت من الكثرة بحيث لزم تعديلها»، كما ورد في طبعة العلماء Scholar's Version التي صدرت في أمريكا عام ١٩٩٣ م وشارك في إعدادها أكثر من مئتين من علماء
стр. 192
المسيحية، وهم من دكاترة اللاهوت أساتذة الجامعات المتخصصين في أمريكا، ذكروا أنّ ما يزيد عن ٨٢% من الأقوال المنسوبة في الأسفار إلى عيسى المسيح غير صحيحة ولم يتكلّم بها، وأنّ مؤلّفي أسفار العهد الجديد وهم كثر كانوا ينسبون إلى عيسى المسيح من الأقوال ما يعتبرونه «مناسبا» كي يطابق أهواءهم ومعتقداتهم، وأنّ عيسى المسيح لم يكن مسيحيا بالمقارنة مع المسيحية الحالية، وأنّ المسيحية الحالية تنسب إلى مبتدعها وهو القديس بولس (كتاب «الأناجيل الخمسة»، The Five Gospels شركة مكميلان للنشر ١٩٩٣).
﴿مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ﴾ (٤)
٤ - استمرار الخطاب من الآية المتقدمة: ﴿مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ﴾ الفرقان هو الفارق بين الحق والباطل بما نزل من الوحي على جميع الأنبياء، وهو أيضا مقدرة المؤمن على التفريق بين الحق والباطل، قال تعالى:
﴿إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً﴾ [الأنفال ٨/ ٢٩]، فتميّزون بواسطته الصواب من الخطأ، لأنّ الملاحدة تزعم أنه لا يوجد خطأ أو صواب ولا صحيح أو قبيح وإنما تفكيرنا يجعل الأمور كذلك، والحقيقة أن الشيطان يزيّن لهم سوء أعمالهم قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام ٦/ ٤٣].
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ لأنّهم كفروا بالكتب المنزلة والآيات البينات رغم إنزال الفرقان، ورغم أن الله تعالى وهبهم العقل للتفريق بين الحق والباطل ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ﴾ الانتقام من النقمة وهي عقوبة المجرم وليست هنا بمعنى التشفّي بالعقوبة ممّا هو محال على الله تعالى.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ (٥)
٥ - ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ من الجزئيات والكليّات في هذا العالم، أو في غيره من العوالم السماوية، أو من علوم الغيب.
стр. 193
﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٦)
٦ - ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ دعوة للتفكّر في دلائل معجزات الخلق إذ يستحيل أن يكون تكوين الأجنّة في الأرحام وخلق الكون المحكم مجرّد مصادفة فمن تدبّر ذلك آمن وأذعن واعتمد في حياته على هداية خالقه الذي أنشأه من العدم وهو أعلم بخلقه، انظر شرح آية [الأعراف ٧/ ١١].
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٧)
٧ - ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ الكتاب هنا هو القرآن، والمحكم هو ما لا يتطرق إليه الخلل وبهذا المعنى وصف القرآن بأنه محكم إطلاقا بقوله تعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود ١١/ ١]، لأنّه في منتهى الإحكام والإتقان، ووصف أيضا كلّه بالمتشابه بقوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ﴾ [الزمر ٣٩/ ٢٣]، أي متجانسا في المحتوى وسالما من التناقض والتفاوت والاختلاف، قال تعالى: ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء ٤/ ٨٢].
﴿مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ هي الآيات الواضحات ذات الدلالة المحددة، ولا تحتاج في فهم معناها إلى التأويل ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ﴾ فهذه الآيات هي لبّ الكتاب وجوهره لأنّها الأصول والقواعد وهي آيات الأحكام والمواعظ وأسس الإيمان والعبادة والأخلاق والواجبات والمحرمات ودحض المعتقدات الباطلة ﴿وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ المتشابه ما يشتبه من الأمور أي يلتبس فيقال اشتبهت الأمور وتشابهت إذا التبست، وإذا احتملت من المعاني وجوها عديدة، ولا
стр. 194
يفهم معناها إلا بالتأويل، وهي تشمل المجاز والكناية كقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ٤/ ١٧١] والاستواء على العرش ﴿الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٢٠/ ٥] وقوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ﴾ [الحاقة: ٦٩/ ٤٥] وتشمل ما لا سبيل إلى العلم به كالغيبيات مثل كيفية صفات الله تعالى، وقصّة خلق آدم والحوار مع الملائكة وعصيان إبليس، وحقيقة الجنة والنار، والجزاء على الأعمال، فمثلا ليست نار الآخرة مثل نار الدنيا وإنّما هي شيء آخر، وليس نعيم الجنة من الثمرات والأنهار واللبن والعسل المصفّى والحور ممّا نعهده في الدنيا، فكلّها تشبيهات وتصويرات للمعاني العقلية المجرّدة، عن طريق إبرازها في صور حسّية، ويتضح ذلك من قوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ٣٢/ ١٧].
أما الحكمة من وجود الآيات المتشابهات فهي ما تقتضيه الضرورة في مخاطبة البشر، لأنّ كثيرا منهم لا يستطيعون استيعاب المفاهيم والمعاني المجردة ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ الزيغ هو الميل عن الصواب والانحراف ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ اِبْتِغاءَ الْفِتْنَةِ﴾ يكون تركيزهم على المتشابهات بغية الدسّ والتنفير والشقاق والإنكار ﴿وَاِبْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ يريدون إرجاع المعاني إلى أهوائهم وأغراضهم فيصرفونها عن الصحيح ليخرجوا الناس من دينهم ﴿وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾ التأويل بمعنى ما سيكون عليه المآل أي العاقبة والنتيجة، والتأويل أيضا بمعنى التفسير، ولذا اختلفوا في الوقف بعد لفظ الجلالة، ففي حال الوقف يكون المعنى أن علم تأويله عنده تعالى فقط، وتكون الواو في ﴿وَالرّاسِخُونَ﴾ للاستئناف، وكلمة ﴿الرّاسِخُونَ﴾ مبتدأ خبره ﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ وهذا يصح إذا كان المراد بالتأويل العاقبة أو علم الغيب فذلك مختصّ بعلمه تعالى فقط، وفي هذه الحالة يكون سبب إيمان العلماء بالمتشابه هو رسوخهم في العلم وتواضعهم عن التطلع لمعرفة الغيب.
стр. 195
أمّا في حال عدم الوقف بعد لفظ الجلالة فتكون الواو للعطف، فالراسخون في هذه الحالة يعلمون تأويله وهذا يصح عندما يكون المراد من التأويل التفسير ومعرفة المعاني، لأنّه تعالى أمر بتدبّر القرآن كلّه المحكم منه والمتشابه ولم يستثن منه شيئا، فوجب أن يكون القرآن كلّه مفهوما، ولو اشتبه منه شيء على بعض الناس علمه غيرهم، ولا يمنع ذلك من التفسير على عدة وجوه، وقد نقل عن أبي الدرداء قوله: «إنك لا تفقه القرآن كلّ الفقه حتى ترى للقرآن وجوها»، فالمتشابه قد يحتمل عدّة معان وينطبق على عدة حالات ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلاّ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ لا يعقل ذلك ويفقه حكمته إلاّ أصحاب العقول النيّرة، ويلاحظ أيضا أن تعبير أولي الألباب ورد أيضا في آخر هذه السورة بالآية (١٩٠) بمعنى أن أولي الألباب المتفكّرين في خلق السماوات والأرض يتوصلون إلى الإيمان عن طريق العقل.
﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ (٨)
٨ - ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ أولوا الألباب يخشون أن تميل قلوبهم عن الحق، فيدعون ربهم قائلين:
ربّنا لا تزغ قلوبنا عن نهج الحق بأن نتأوّل الآيات المتشابهات على غير ما ترضى كما يفعل المذكورون في الآية السابقة من الذين في قلوبهم زيغ، ولا تبلينا بالمصائب فتزيغ قلوبنا.
﴿رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (٩)
٩ - ﴿رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ هو يوم القيامة ونحن موقنون به لا نشك فيه: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ﴾ (١٠)
١٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بكل ما سبق من الآيات البينات ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النّارِ﴾ الكفار
стр. 196
يعتزّون بأموالهم وأولادهم دون غيرها فبيّن لهم تعالى أنها مهما كثرت لن تفيدهم شيئا وأنّ كفرهم سيكون سببا لوجود نار الآخرة لهم، مثلما الوقود سبب وجود النار في الدنيا، أو أنهم مما توقد به، ولا نبحث عن كيفية ذلك فهو من أمور الغيب التي تؤخذ بالتسليم.
﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (١١)
١١ - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ دأب الكفار في اجتهادهم وعادتهم في كفرهم وتكذيب الأنبياء والكتب المنزلة كدأب آل فرعون مع موسى ﵇ ولذا فإنّ عاقبتهم ستكون كعاقبة آل فرعون ﴿وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ فقد مضت سنّته تعالى بأن يكون العقاب أثرا لازما للكفر والذنوب.
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (١٢)
١٢ - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والكفار هم مشركو قريش، والمعنى أخبرهم أيها النبي أنهم سيغلبون، فالآية إخبار بالغيب وقد غلبهم المؤمنون أوّلا يوم بدر، ثم كانت الغلبة النهائية عليهم يوم الفتح، وتنطبق الإشارة أيضا على اليهود فقد غلبهم المسلمون في المدينة وخيبر وأجلوهم عنها، ثمّ بعد ذلك بسنين قليلة تمّت هزيمة فارس وبيزنطة على يد المسلمين ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ﴾ سوف يتمّ الله وعده بهم في الآخرة فيحشرهم إلى جهنم ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ بئس المهاد جهنم، وهي ما مهدوا لأنفسهم وأعدّوه بأعمالهم، والآية أيضا إخبار عن الغيب بشكل مطلق لأن الباطل لا يدوم، والمصير النهائي للكفار إلى الاضمحلال في الحياة الدنيا وجهنم في الآخرة.
стр. 197
﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ (١٣)
١٣ - بعد أن ذكر تعالى أن الكفار سوف يغلبون في النتيجة، ضرب مثلا بأحداث بدر فقال عزّ من قائل: ﴿قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ﴾ المعنى لا يغرنّكم كثرة المال والعدد ولا تحسبوا أنهما بذاتهما فقط سببا للنصر فقد كان نصر المسلمين في بدر آية، أي معجزة لأولي الأبصار بما اشتملت عليه من العبر، إذ خرج الكفّار متأهّبين للحرب متفوّقين بكثرة سلاحهم وخيلهم وعددهم وهم متمرّسون في الحرب والقتال وكانوا في حالة من الغرور والاستعلاء والاعتداد بالنفس، ومن جهة ثانية اتجه المسلمون إلى بدر وهم قلّة في العدد والسلاح والخيل ولكن في حالة من الانضباط والتواضع والدعاء والتقوى والتضرّع والذكر، ثمّ أحرز المؤمنون نصرا ساحقا على العدوّ المتفوّق، فكانت النتيجة معجزة بيّنة وصدمة مخزية وإذلالا لقريش بعد أن أتت بجبروتها وخيلائها فأصابتها الهزيمة الماحقة على أيدي مجموعة صغيرة من فلاّحي المدينة وقلّة من المستضعفين الهاربين من الاضطهاد في مكة ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ كان المشركون في بدر ثلاثة أضعاف المسلمين ولكنهم رأوا المسلمين بضعف عددهم الحقيقي ﴿وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ تلك هي المعجزة الباهرة فالنصر يحصل بتأييد الله لعباده الموقنين وأنّ كثرة العدد والشوكة والسلاح بذاتها لا تكفي ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ الذين يتأملون في الأمور وأسبابها وعواقبها.
﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (١٤)
١٤ - بعد أن وصف تعالى اغترار الكفار بأموالهم وأولادهم وأنها لن تغني عنهم شيئا وأنهم سيغلبون ويحشرون، ذكر السبب الذي من أجله يكفر بعض
стр. 198
هؤلاء الناس لأنهم فطروا على حب الشهوات: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ أنشأهم تعالى على هذه الفطرة من حب الشهوات فهي طبيعة في البشر لأنّها من أسباب المعيشة وبقاء النوع.
وهي أيضا ابتلاء لقوله تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [الكهف: ١٨/ ٧]، واستنادا على هذه الفطرة يزيّن الشيطان للناس سوء أعمالهم، قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ٤٣]، وقال عزّ من قائل: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال:
٨/ ٤٨]، وقال جلّ ثناؤه: ﴿تَاللهِ لَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١٦/ ٦٣]، فتكون هذه الزينة وحب الشهوات سببا لكفر الكافرين منهم، وهو وجه اتصال الآية مع ما قبلها.
﴿مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ القناطير المقنطرة تعبير عن الكثرة، والقنطار وحدة وزن ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ الخيل الحسان ذات العلامة ﴿وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ﴾ المواشي والزرع ونتاجه ﴿ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ كلّ ذلك يستمتع به الناس في الحياة الدنيا، والمعنى لا يجب أن يكون المتاع كلّ همّهم ومنتهى آمالهم في القريب العاجل من الدنيا، فيصير شاغلا لهم عن الاستعداد للآخرة، لأنّ الله عنده أفضل من ذلك: ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ المرجع الحسن عنده.
﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ (١٥)
١٥ - ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾ ما هو خير من الشهوات المذكورة، والمغزى أن تلك الشهوات ليست شرّا بذاتها، وإنّما هي خير لأنها من نعم الله تعالى على عباده، ولكنّ طغيان البشر وغرورهم هو الذي يقلبها إلى شر ﴿لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾
стр. 199
يلاحظ أنّ الآية ميّزت بين الجنات وما فيها من نعيم وهو الثواب الحسّي، وبين رضوان الله: ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ﴾ وهو الثواب الروحاني ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ بصير بمن اتّقى حقّا.
﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ (١٦)
١٦ - ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ وهم أهل التقوى المشار إليهم في الآية السابقة تفيض ألسنتهم بهذا الدعاء لشدة تأثرهم، وهم الموصوفون في الآية التالية بالصبر والصدق والطاعة والإنفاق والقيام:
﴿الصّابِرِينَ وَالصّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ﴾ (١٧)
١٧ - ﴿الصّابِرِينَ﴾ في أداء الواجبات وترك المحظورات، والصابرين في المحن والشدائد وهم راضون بقضاء الله ﴿وَالصّادِقِينَ﴾ في أقوالهم وفي عملهم بأن تكون أعمالهم مصداقا لأقوالهم ﴿وَالْقانِتِينَ﴾ المواظبين على الخشوع والدعاء أي على روح العبادة ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ في جميع الطرق المشروعة والواجبة والمستحبّة من الزكاة والصدقات والبر ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ﴾ دلالة على أنّهم يصلّون ويستغفرون وقت السحر أي في قلب الليل، وقيل إن السحر معناه الصدر أو القلب فيكون المقصود هو الاستغفار بالقلوب وليس باللسان فقط.
﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١٨)
١٨ - ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ شهادته تعالى من قبيل المجاز لأنّ ما أوجده من الدلائل في الخلق وفي الأنفس وما أنزل من الوحي على الرسل مؤيّدا بالبراهين كل ذلك يدلّ على التوحيد ﴿وَالْمَلائِكَةُ﴾ أقرّوا بالوحدانية وشهدوا بها للأنبياء ﴿وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ أصحاب العلم أقرّوا وآمنوا إيمانا مقرونا بالدلائل والحجج ﴿قائِماً بِالْقِسْطِ﴾ القسط هو العدل، وهو ظاهر في السنن الكونية
стр. 200
ودقّتها ونظامها، وفي البشر، وهذا من قبيل الدلائل الكونية على الوحدانية، لأنّ وحدة النظام تدلّ على وحدة واضعه، والقسط أيضا دليل على ضرورة الآخرة، فالحياة وحدة متكاملة تبدأ بالحياة الدنيا وتصير إلى الآخرة، وبعد تقرير صدق الشهادة يقينا لم يبق للإنسان إلاّ الإقرار بها قائلا: ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ لتفرّده تعالى بالألوهية وكمال المقدرة والحكمة.
واتصال الآية بما قبلها أنه لم يبق للكفار حجة لكفرهم مع وجود كل هذه الدلائل ولم يعد لذي عقل منهم سوى الاستسلام والإذعان للهدي الإلهي الذي هو الإسلام كما سيرد في الآية التالية:
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ وَمَا اِخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (١٩)
١٩ - ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ الإسلام هو إسلام الأمر لله وحده، وهو أيضا الاستسلام لأمره، وهو بهذا المعنى يشمل جميع الأديان التي جاء بها الأنبياء، لأنّ أصلها التوحيد والاستسلام لله تعالى والانقياد لهداية الوحي ولو اختلفت بعض التكاليف وأحكام التشريع التي نسخت بعضها بعضا ﴿وَمَا اِخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾ خرجوا عن الإسلام الذي جاء به أنبياؤهم بسبب البغي وهو تهالكهم على الأغراض الدنيوية والزعامات والعصبية والحسد ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللهِ﴾ التي تدلّ على وحدة الدين وحرمة الاختلاف والتفرق ﴿فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ قد يرى الإنسان عاقبة عمله في الدنيا، فإن لم يكن فالآخرة قريبة، لأنّ الحياة محدودة وقصيرة، والزمن الدنيوي نسبي فسرعان ما ينقضي الأجل ويحين وقت الحساب.
﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اِتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ (٢٠)
٢٠ - ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ وهم الكفار المشار لهم بالآيات (١٠ - ١٢)، ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اِتَّبَعَنِ﴾ أي قد بالغنا في إيضاح الدلائل والبراهين لكم
стр. 201
فإن أبيتم إلاّ العصبية والتقليد والحسد فلا فائدة من المجادلة لأنها صارت لمحض العناد والشغب ولا نضيع الوقت معكم سدى أمّا نحن فمنقادون للحق مستسلمون له وحسابكم على الله ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ كاليهود والنصارى ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الذين لا كتاب لهم كمشركي العرب ﴿أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ وظيفة الرسول، وبالتالي كلّ مسلم، محصورة في التبليغ وأنّه ليس مسيطرا على الناس ولا جبّارا عليهم أو مكرها لهم على الإسلام ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ الله تعالى أعلم بالغيب، وبمن اهتدى، وبمن طمس قلبه وحصل اليأس من اهتدائه، وحساب الجميع على الله.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢١)
٢١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي وهم على غير الحق، وهم اليهود وتشهد عليهم كتبهم بقتل الأنبياء قبل القرآن، إذ اعتادوا على الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء منذ زمن موسى ﵇ إلى زمن النبي ﷺ ، وقد نسب إليهم قتل النبيين باعتبار تكافلهم كأمّة، وليس كأفراد، ولجريان لاحقيهم على خطا سابقيهم، وقد تآمروا على قتل عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، واستخدام الفعل المضارع دليل على استمرار كفرهم وعنادهم وإصرارهم على جرائمهم، وقد سجّل بنو إسرائيل جرائمهم بالتفصيل في كتبهم التي يزعمون أنها مقدسة،
﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ الذين يأمرون بالقسط هم الحكماء الذين يدعون إلى العدالة في الأفكار والأخلاق والتطبيق ولذا قيل إنّ منزلة هؤلاء تلي منزلة الأنبياء، وأمّا الأنبياء فدعوتهم بأساليب ثلاثة ذكرها تعالى بقوله: ﴿اُدْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٦/ ١٢٥] فأسلوب الحكمة في الدعوة وهو طريق العقل
стр. 202
والفكر يكون موجّها إلى الحكماء والعقلاء والمفكّرين، والموعظة هي أسلوب العوام السذّج، والمجادلة بالتي هي أحسن للمتوسّطين بينهم ممّن لم يرتق لطلب الحكمة ولا ينقاد للموعظة بسهولة، فلا بدّ من الحسنى في مخاطبتهم على قدر عقولهم، وهكذا فإنّ جميع أصناف الناس تنتفع بهدي الأنبياء كل صنف بمقدار استعداده، وأمّا الحكماء وهم الخاصّة من الناس المستعدّون لتلقّي الحكمة فالطريقة في دعوتهم واحدة لا ينتفع بها غيرهم، والآية تدلّ على أنّ قتل هؤلاء دليل على كبت الفكر والعقل وإزاحة العدالة جانبا، أمّا قوله تعالى: ﴿مِنَ النّاسِ﴾ فهو إشعار بقلّة عددهم ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ لفظ التبشير مشتق من البشرة لأن الإنسان يتغير لون بشرته إذا وصله خبر سعيد أو أليم، وإن كان غلب استعمال اللفظ عند البعض على البشارة الحسنة.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٢٢)
٢٢ - ﴿أُولئِكَ﴾ اليهود ﴿الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ لأنّهم بذلوا طاقتهم ومساعيهم في أعمال تؤدي بهم إلى الكارثة في دنياهم وآخرتهم ﴿وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ ليس هنالك من سلطة تستطيع إنقاذهم.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢٣)
٢٣ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ﴾ وهم اليهود والنصارى وغيرهم، والنصيب هو الجزء، وهو ما تبقّى عندهم من الوحي الذي نزل على أنبيائهم، انظر شرح الآية (٣)﴾، وقد يكون الكتاب بمعنى مجمل الوحي الذي نزل على كل الأنبياء فيكون ما نزل على أنبيائهم هو النصيب أو الجزء المشار إليه ﴿يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ دعوا إلى القرآن لأنه كتاب الله بلا منازع، كما دعوا إلى الإقرار بدلائل نبوّة خاتم الأنبياء والرسل الموجودة
стр. 203
فيما تبقّى من كتبهم ﴿ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أعرض زعماؤهم عن الإقرار بما عرفوه في كتبهم من الدلائل فأعرض أتباعهم عن الإسلام.
﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢٤)
٢٤ - ﴿ذلِكَ﴾ أي تولّيهم وإعراضهم سببهما الغرور والافتراء ﴿بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النّارُ إِلاّ أَيّاماً مَعْدُوداتٍ﴾ يظنّون أنّهم ناجون في الآخرة بشفاعة أنبيائهم لأنّ الدين عندهم عبارة عن جنسية ينجو صاحبها من العقاب لمجرّد الانتساب إليها بغض النظر عما يرتكبون من جرائم، والعقوبة محدودة بزعمهم ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ افتروا الأباطيل في كتبهم ثم اغترّوا بها إذ يقولون على الله ما لا يعلمون.
﴿فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ يوم الجزاء لا ريب في مجيئه ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ فيكون الجزاء بقدر العمل.
﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٦)
٢٦ - ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ وهذا القول إشارة إلى غرورهم المشار إليه بالآية (٢٤)﴾، وتأكيد أن الرسالة نزعت منهم كونهم لم يعودوا جديرين بها، والملك إشارة إلى ملك النبوة والرسالة كما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ [النساء ٤/ ٥٤]، فسلطان النبوة يمتد إلى الأرواح والأجساد معا، واتصال الآية بما قبلها أنّ بني إسرائيل كانوا يعتقدون أنّ النبوة محصورة بهم دون غيرهم من الناس، فهنا أخبروا أنّ النبوة نزعت منهم، وأوكلت إلى العرب
стр. 204
من بني إسماعيل، وللآية أيضا مغزى عامّ فإنه تعالى يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممّن يشاء وفق السنن المطّردة التي وضعها في خلقه فالعدل والإصلاح وحسن السياسة كلها تؤدي إلى نشوء واستمرار الملك في حين أن الفساد والظلم يؤديان إلى زوال الملك وانهيار الدول ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لأنّ كل أفعاله تعالى من نافع وضار صادر عن الحكمة والمصلحة فهو خير كله.
﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٢٧)
٢٧ - ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ وذلك من دلائل قدرته تعالى في التصرّف بخلقه كيف يشاء، وتعبير إيلاج الليل في النهار وبالعكس من إعجاز القرآن، لأنه يستوجب كروية الأرض، فالليل والنهار يزحفان حول الأرض باستمرار يدخل أحدهما في الآخر، فمن جهة يكون النهار داخلا في الليل ومن جهة أخرى يكون العكس ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ أي المؤمن من الكافر، والصالح من الطالح ﴿وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ الكافر من المؤمن، والشرّير من الصالح، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٢٢] أي كافرا فهديناه، فجعل تعالى الكفر موتا والإيمان حياة، فبمقتضى سننه الكونية أخرج تعالى العرب الأميين من الموت إلى الحياة، كما أخرج أشرارا مفسدين من اليهود من سلالة كبار الأنبياء والصدّيقين، ولا يمتنع أيضا تفسير الآية على ظاهرها كخروج النبات من الأرض الميتة ثم موت النبات، أو كإحياء الانسان من العدم ثم موته ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ ليس من يدري الحكمة والمصلحة في توزيع الرزق على الناس، والمغزى أن لو كان الرزق مقتصرا على المؤمنين لبطل الاختبار والتكليف في الدنيا ولضار الإيمان قسريا وانتفت حرية الخيار لبني آدم، انظر آيات [البقرة ٢/ ٣٦، ١٢٦].
стр. 205
﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ (٢٨)
٢٨ - بعد أن أخبر تعالى في الآيات السابقة أن النبوة نزعت من بني إسرائيل وانتقلت إلى بني إسماعيل، بيّن للمؤمنين كيف يجب أن تكون العلاقة بينهما، فقال عزّ من قائل:
﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي لا يتخذ المؤمنون الكافرين حلفاء لهم حيث تقدّم مصلحة الكافرين على مصلحة المؤمنين ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ﴾ فيتخذ الكفار أولياء وأنصارا حيث يجعل لمصالحهم الأولوية على مصالح المؤمنين ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ﴾ تنقطع صلة الايمان بينه وبين الله تعالى فيكون من الكافرين ﴿إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً﴾ أي في حال الخوف من الكفار في شيء يلحق الضرر بالمؤمنين، ففي هذه الحالة يجوز للمؤمنين موالاة الكفار ظاهريّا بالقدر الكافي لرفع الضرر عنهم، كما تجوز موالاة الكفار أيضا لجلب المنفعة، لأنّه إذا جازت موالاتهم لرفع الضرر فالأولى أن تجوز أيضا لجلب المنفعة على أن لا يسبب ذلك ضررا للمسلمين في بلاد أخرى.
وقد استدلّ البعض من الآية على جواز التقية للمحافظة على النفس والعرض والمال، كما تجوز المداراة والكياسة واللياقة معهم فيما لا يهدم حقّا ولا يبني باطلا، كما يجوز برّهم والإحسان إليهم لقوله تعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة ٦٠/ ٨].
﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ﴾ لكونه تعالى محيطا بعلم كل شيء من الظاهر والباطن ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ فيجازي كل عامل بعمله، انظر أيضا آيات [المجادلة ٥٨/ ١٤ - ١٥].
стр. 206
﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٩)
٢٩ - ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وهو تحذير من كون الباطن موافقا للظاهر وقت التقية، فإن كانت موالاة الكفار بميل إلى الكفر جازاكم عليه، وإن كانت القلوب مطمئنة بالإيمان غفر لكم ولم يؤاخذكم ما دام ذلك لم يسبب ذلك ضررا ولا إيذاء للمسلمين.
﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ (٣٠)
٣٠ - ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً﴾ يوم تعرض أعمال المرء عليه فيغتبط بما عمل من خير ويصاب بالذعر لما عمل من شر ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ فمن رأفته بهم أن حذّرهم يوم الحساب، وأن جعل الفطرة سليمة بطبعها ميالة إلى الخير، ومن رأفته تعالى أن أمهل عباده للتوبة.
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣١)
٣١ - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قالوا إنّ الآية نزلت على النبي ﷺ ليخاطب بها وفد نصارى نجران، لأنّهم ادّعوا كما يدّعي جميع النصارى أنهم أبناء الله وأحبّاؤه، ومع ذلك فالخطاب عام، وهو حجّة على كل من يدّعي ذلك في كل الأزمنة، لأنّ الادّعاء يجب أن يصدّقه العمل باتّباع ما جاء به النبي ﷺ من الوحي والسنّة، ومحبة الله للناس من قبيل الاستعارة وتعني رضا الله وكشف الحجب عن القلوب لمن تحبّب إليه واتبع سنة نبيّه.
стр. 207
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ (٣٢)
٣٢ - ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللهَ﴾ باتباع كتابه ﴿وَالرَّسُولَ﴾ باتباع سنّته ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ بدعوى أنهم أبناء الله وأحبّاؤه ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ﴾ الذين تصرفهم أهواؤهم عن النظر في آيات الله وما أنزل على رسوله.
﴿إِنَّ اللهَ اِصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٣٣)
٣٣ - ﴿إِنَّ اللهَ اِصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ بعد أن ذكر تعالى أنّ محبته منوطة باتباع الرسول، أتبع ذلك بذكر من اصطفاهم من الرسل الذين بيّنوا للناس طريق محبّته، وتعبير اصطفاهم على العالمين بمعنى اختارهم وجعلهم صفوة البشر بأن جعل فيهم النبوة والرسالة ابتداء من بدء الخليقة ونوح وأنبياء كثيرون حتى ظهور إبراهيم ﵇ وتتابع الأنبياء من آله وآل عمران إلى أن ختمت النبوة بمحمد ﷺ من ذرية إسماعيل بن إبراهيم ﵈، وقد ابتدأت الآية بذكر آدم لأنه رمز الجنس البشري، وأما عمران فهو أبو موسى وهارون.
﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٣٤)
٣٤ - ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ﴾ ليس فقط في السلالة وإنما في الدين والتوحيد والتناصر والمؤازرة في الإسلام ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لدعاء امرأة عمران وعليم بنيّتها كما في الآية التالية:
﴿إِذْ قالَتِ اِمْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣٥)
٣٥ - ﴿إِذْ قالَتِ اِمْرَأَتُ عِمْرانَ﴾ أي هي امرأة من آل عمران، وهي والدة مريم ﵍، والمقصود أنها من سلالة عمران أبي موسى وهارون، وقد يكون عمران المذكور في هذه الآية هو أبو مريم لقوله تعالى في سورة التحريم ﴿وَمَرْيَمَ اِبْنَتَ عِمْرانَ﴾ [التحريم: ٦٦/ ١٢]، فبذلك تكون إمرأة عمران زوجته
стр. 208
﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً﴾ أي محرّرا من مشاغل الدنيا ومكرّسا للعبادة وخدمة المعبد ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
﴿فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ (٣٦)
٣٦ - ﴿فَلَمّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى﴾ قالت ذلك على سبيل الحسرة والاعتذار، لأنّ الأنثى لن تقوى على الانقطاع لخدمة بيت الله، قال تعالى: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ﴾ فهو أعلم بمنزلة هذه الأنثى وأنها خير من كثير من الذكور ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ﴾ الذي كانت ترجوه ﴿كَالْأُنْثى﴾ التي أنجبتها لأنها أفضل بكثير من الذكر الذي كانت تتمناه، قالت: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ الرجيم هو المطرود من الخير والاستعاذة بالله من الشيطان من قبيل الدعاء والرجاء لنفي وساوس الشيطان عنها.
﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً وَكَفَّلَها زَكَرِيّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٣٧)
٣٧ - ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ لكي تكون مكرّسة للعبادة وخدمة بيت الله وفاء لنذرها ﴿وَأَنْبَتَها نَباتاً حَسَناً﴾ كناية عن سموّ تربيتها الأخلاقية والروحية ﴿وَكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ جعل زكريّا كافلا لها وكان من كهنة المعبد وهو أبو يحيى ﵇ ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً﴾ من جملة ما ذكره الطبري أنّ نجّارا تطوّع بأن يأتيها بالرزق خلال أزمة مرّت ببني إسرائيل، ومن جملة ما ذكره الرازي أيضا أن الآية لا تنص بالضرورة على خوارق الأمور، ولكن المعنى أن الله تعالى رزقها على أيدي المؤمنين من عباده الذين كانوا يرغبون في الإنفاق على أمثالها من الزاهدات العابدات، وكان
стр. 209
زكريا عندما يرى ذلك الرزق يسألها عن مصدره ﴿قالَ يا مَرْيَمُ أَنّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ المعنى أنّه تعالى يرزق الناس بتسخير بعضهم لبعض، وإسناد الأمر إليه تعالى واضح لأنه مسبّب الأسباب وذلك معروف بسنّة الله في خلقه ﴿إِنَّ اللهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وبغير توقّع من المرزوق وليس من يعلم الحكمة النهائية في ذلك.
﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ (٣٨)
٣٨ - ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ لما رأى زكريا صلاح مريم وحسن حالها وكمال إيمانها واعتقادها بأنّ المسخّر لها هو من يرزق بغير حساب، وتأمّل ذلك، تمنّى لو كان عنده ولد صالح مثلها، فنطق بهذا الدعاء مستغرقا ومستشعرا كمال وفضل الألوهية حتى أذن له باستجابة ندائه:
﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٣٩)
٣٩ - ﴿فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ أي مصدّقا بعيسى المسيح ﵇ الذي ولد بكلمة من الله وهي: (كن فيكون) أي بغير السنّة العامة في توالد البشر، وقد ولد يحيى قبل عيسى بستة شهور وتزامنت بعثتاهما ﵉ إلى أن استشهد يحيى في السجن إذ قتله هيرود ملك اليهود في الجليل ﴿وَسَيِّداً﴾ في الفقه والدين ﴿وَحَصُوراً﴾ معصوما من الذنوب ومبالغا في حبس نفسه عن الشهوات ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وهي البشارة الثانية بنبوة يحيى بعد البشارة الأولى بولادته.
﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَاِمْرَأَتِي عاقِرٌ قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ (٤٠)
٤٠ - ﴿قالَ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَاِمْرَأَتِي عاقِرٌ﴾ سأل زكريا ربه عن كيفية الاستجابة رغم كبر سنّه وعقر زوجته وعلى غير ما هي
стр. 210
سنن الكون ﴿قالَ كَذلِكَ اللهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أي عليك تفويض الأمر إليه في هذه الكيفية ولا يحول دون مشيئته شيء.
﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً وَاُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ (٤١)
٤١ - ﴿قالَ رَبِّ اِجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أراد أن يطمئن قلبه إذ غلبت عليه الطبيعة البشرية فطلب علامة تدل على تحقق تلك المنحة الإلهية ﴿قالَ آيَتُكَ أَلاّ تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أَيّامٍ إِلاّ رَمْزاً﴾ تصير مأمورا بأن لا تتكلم مع الناس ثلاثة أيام بلياليها تنشغل خلالها بالذكر والتسبيح (الرازي عن أبي مسلم الأصفهاني)، وليس كما هو مذكور في العهد الجديد (لوقا ١/ ٢٠ - ٢٢) أنه أصابه البكم، فالإشارة روحية محضة ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ أمره بالمداومة على الذكر والتسبيح.
﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاِصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾ (٤٢)
٤٢ - ﴿وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاكِ﴾ اختارك لخدمة المعبد وكان ذلك مختصا بالرجال ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ من مسيس الرجال ومن قبائح العادات والأفعال ﴿وَاِصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ﴾ بإنجاب عيسى المسيح ﵇ من غير أب.
﴿يا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاُسْجُدِي وَاِرْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ (٤٣)
٤٣ - ﴿يا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ اعبديه واخشعي له ﴿وَاُسْجُدِي وَاِرْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ أي كوني منهم.
﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٤٤)
٤٤ - ﴿ذلِكَ﴾ الذي قصصناه عليك من أخبار مريم وزكريا ويحيى ﴿مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾ لم تشهده ولم يشهده قومك ولم تطلع على شيء منه ﴿نُوحِيهِ﴾
стр. 211
﴿إِلَيْكَ﴾ لا تعلمه إلاّ عن طريق الوحي ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ اختصم الكهنة على كفالة مريم فلم يتفقوا على كفالة زكريا لها إلاّ بعد القرعة، ومن العبر في القصة أنّ أمّيا نشأ بين أميين يخبر اليهود والنصارى عن أخبار الغيب من قصة مريم وزكريا ويحيى مما لم يكن ممكنا له ولا لقومه أن يعلموه، وقد سمع كفار قريش بهذه القصة فلم يقل أحد منهم أنه على علم بها.
إنّ قصص الأنبياء تعتبر من دلائل النبوّة التي اشتمل عليها القرآن الكريم مع كون النبي أميا لم يتعلم، فهذه القصص دليل على صحة نفسها، وأمّا ما جاء فيها مخالفا لما في الكتب السابقة فيعتبر مصحّحا للأخطاء والتحريف والحذف مما دخل عليها، وهنالك عبرة أخرى موجهة للنصارى ممن يعتقدون بألوهية المسيح بسبب ولادته المعجزة، وهي أن الولادة المعجزة لم تقتصر على المسيح وإنما ولادة يحيى كانت أيضا بمعجزة.
﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٤٥)
٤٥ - ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ تقدير الخطاب: «يبشّرك بمولود يولد بكلمة منه» وهو تفسير قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ (٣٩)﴾، والكلمة هي (كن) كما في قوله ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٣٦/ ٨٢]، ﴿اِسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ وهو لقب الملوك عند اليهود لأنّ الكهنة كانوا يمسحونهم بالزيت عند تكريسهم لمناصبهم ﴿عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ﴾ نسبه تعالى إلى مريم إعلاما لها على ولادته من غير أب ﴿وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ وجاهته في الدنيا بسبب بعثته النبوية ومنزلته العظيمة في نفوس المؤمنين في كل العصور، وفي الآخرة ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ يوم القيامة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:
٥٦/ ١٠ - ١١].
стр. 212
﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٤٦)
٤٦ - ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ يكلمهم بوحي الله الذي يوحيه إليه في صغره، كما في كهولته ﴿وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾.
﴿قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٧)
٤٧ - ﴿قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أي كيف يولد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج ولست عازمة على الزواج ولست بغيّا، فأجابها الملك عن الله ﴿قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أي يخلقه من العدم، ولم يقل «يفعل» كما في قصة زكريا بل نصّ على أنه يخلق لإبطال أي شبهة ﴿إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ و «القول» لتقريب الفهم إلى أذهان السامعين إذ هو كناية عن مقدرته تعالى المطلقة بلا حدود.
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٤٨)
٤٨ - ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الكتاب هو مجمل الوحي الذي نزل على جميع الأنبياء، والحكمة هي العلم الصحيح الباعث على العمل النافع، والتوراة كتاب موسى، والإنجيل ما أوحي إلى عيسى خاصة.
﴿وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤٩)
٤٩ - ﴿وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ تتمة الخطاب إلى مريم، أي ويجعله رسولا إلى بني إسرائيل خاصة فيقول لهم ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية المعجزة أو العلامة وهي: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ﴾ لأنّ الخلق والروح من الله، وتأكيد عيسى عليه إزالة
стр. 213
للشبهة، وتنبيها على أنه إذا عمل الطين كهيئة الطير فإنّ بعث الحياة في الطين يكون من الله تعالى ولمجرّد إظهار المعجزات على أيدي الرسل ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ﴾ الأكمه هو الذي يولد أعمى، وكرّر قوله بإذن الله لإزالة أوهام من قد يعتقد فيه الألوهية ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ وهو من قبيل اطلاع الأنبياء على بعض الغيب ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ويلاحظ من لفظ الآية أنّه تعالى جعل هذه المقدرة في عيسى ﵇ ليتحدّى بها بني إسرائيل، لأنهم لطفولتهم العقلية، اعتادوا على طلب المعجزات الحسية من زمن موسى ﵇.
﴿وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (٥٠)
٥٠ - ﴿وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ مؤكّدا ما بقي بين يديّ أو الصحيح الذي بقي منها، انظر شرح الآية (٣) أعلاه ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وهو ما اشتملت عليه الخرافات التي أدخلها أحبارهم على الشريعة وتمسّك بها عوامّهم فنفاها عنهم، لأنّ المسيح ﵇ لم يأت لليهود بشريعة جديدة، ولكن جاءهم بما يخلّصهم من الجمود والتعلق بالظواهر والشكليات والشوائب التي تراكمت على الشريعة، وليعود بهم إلى جوهر الدين وحقيقته، انظر شرح الآية (٩٣)، ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ دلالة على صدقي ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾.
﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٥١)
٥١ - ﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ نفى عيسى الألوهية عن نفسه، وأفهمهم أن الله تعالى ربّ الجميع، إزالة لأي التباس أو سوء فهم، وقد ورد مثل هذا القول حرفيا في كتب المسيحية على لسان عيسى (سفر يوحنا ٢٠/ ١٧)، ومع ذلك كذّبوه وأصروا على تأليهه ﴿فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ هذا هو الطريق الصحيح.
стр. 214
﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاِشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (٥٢)
٥٢ - ﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ﴾ أي من اليهود ﴿الْكُفْرَ﴾ يلاحظ روعة الإيجاز في الخطاب الذي انفرد به القرآن الكريم أن انتقل من البشارة بعيسى والآيات التي جاء بها إلى النتيجة التي وصل إليها مع قومه بعد طول الدعوة والمعاناة، وقد وجد عيسى في بني إسرائيل العناد والمكابرة ورفض تحكيم العقل والمقاومة ونية الإيذاء، فتوجّه باحثا عن أهل النصرة من المؤمنين: ﴿قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي من ينصرني في الدعوة إلى دين الله ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ أي نحن أنصار الدعوة إلى دين الله.
والحواريون هم خاصّة عيسى من الأتباع والتلاميذ، وقيل إنهم كانوا ينتمون إلى طائفة من يهود فلسطين تدعى Essene Brotherhood اتسمت بالاستقامة والتصوف وكانوا يرتدون الملابس البيضاء دلالة على مذهبهم، وقيل إن عيسى ﵇ كان منهم فاشتق اسم الحور وهو البياض من لون ردائهم، فقالوا:
﴿آمَنّا بِاللهِ﴾ مخلصون له منقادون لأمره ﴿وَاِشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ قد أسلمنا أمرنا إلى الله، فنحن مسلمون له، مستسلمين لإرادته، وهو دليل على أن الإسلام - بهذا المعنى - دين الأنبياء جميعا وإن اختلفت بعض أحكامه.
﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ وَاِتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ (٥٣)
٥٣ - ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ﴾ آمن الحواريون بالوحي الذي نزل على عيسى ﴿وَاِتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ وهو عيسى ﵇، ويلاحظ في الآية تتابع الإيمان ثم العمل بإتّباع، لأن الايمان بلا عمل يكون ناقصا، فاتّباعهم الرسول يفيد أن إيمانهم لم يكن بلا أثر، إذ بلغ مرتبة اليقين المسيطر على النفس والموجّه لها ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ على الحق.
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤)﴾.
стр. 215
٥٤ - ﴿وَمَكَرُوا﴾ وهم اليهود الذين أحسّ عيسى منهم الكفر، قاموا بالتخطيط لقتله عن طريق اتهامه لدى الحاكم الروماني «بيلاطس» بالكفر والتحريض على الشغب ﴿وَمَكَرَ اللهُ﴾ بالتدبير الخفي المؤدّي بهم إلى ما لا يحتسبون ﴿وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ بتدبيره الذي يخفى على عباده.
﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٥٥)
٥٥ - ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أي مستوفي أجلك في هذه الدنيا، لأنّ أصل التوفي في اللغة هو أخذ الشيء وافيا، ثم استعمل بمعنى الموت، انظر آية [الزمر: ٣٩/ ٤٢]، ﴿وَرافِعُكَ إِلَيَّ﴾ كانت فرصة بني إسرائيل الأخيرة أن بعث لهم تعالى نبيّن في وقت واحد، وهما عيسى ويحيى ﵉، فقتلوا يحيى كما قتلوا غيره من الأنبياء من قبل، انظر شرح الآية (٢١)﴾، ثم تآمروا على قتل عيسى المسيح ﵇ فرفعه تعالى إليه، والرفع بمعنى الاستدعاء، كما تستدعي الدول سفراءها عندما تنتهي مهمتهم، أو عندما تصبح المهمة التي بعثوا من أجلها غير ذات جدوى، والمعنى أن فرصة بني إسرائيل في التوبة والإصلاح والتصديق بالمسيح فاتتهم بسبب عنادهم، فرفع تعالى المسيح إليه ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي من وجودهم، بعد أن لم يعد هنالك فائدة ترجى من وجود المسيح فيهم ﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ وهم المسلمون لأنهم الأتباع الحقيقيون لعيسى ابن مريم، وهذه نبوءة بالغيب، أي إن عقيدة المسلمين ظاهرة فوق غيرها إلى يوم القيامة، بالحجة والإقناع، وليس بالقهر والسيطرة ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ وهو الاختلاف بين المسلمين وبين المسيحية الذين ابتدعوا ألوهية المسيح، وبين اليهود الذين كفروا ببعثة المسيح كليّة ثم أنكروا بعثة خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ ، فيتبيّن للجميع يوم القيامة الحق من الباطل.
следующие страницы →