Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
﴿فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ وتحققت الغلبة للمؤمنين ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ آذوكم بالكلام، وخاصموكم بألسنة سليطة ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ بخلاء حريصين أن يأخذوا من مال الغنائم ﴿أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ بالإخلاص، فهم منافقون أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر ﴿فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ﴾ لأنها باطلة إذ صحتها مشروطة بالإيمان بالإخلاص وهم يبطنون الكفر ﴿وَكانَ ذلِكَ﴾ الإحباط ﴿عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ لا يبالي به.
﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٢٠)
٢٠ - ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ بسبب خوفهم وجبنهم لم يصدّقوا أن الأحزاب انهزمت ورحلت ﴿وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ﴾ كرة ثانية، ويحتمل أنّهم اعتقدوا أنّ الأحزاب ستعود لحصار المدينة بقوة كبيرة ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ﴾ في البدو مع الأعراب خارج المدينة ليكونوا سالمين من القتال ﴿يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ﴾ يتعرفون أحوالكم بالاستخبار عن بعد لا بالمشاهدة، لشدة جبنهم ﴿وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلاً﴾ يتظاهرون بالقتال إلى جانبكم.
﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ (٢١)
٢١ - ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ القدوة الحسنة في كل أعماله وأقواله وثباته في الحرب ﴿لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ﴾ يأمل رحمة الله ﴿وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ لقاء اليوم الآخر ﴿وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ ذكرا كثيرا باستحضار معناه وليس بمجرّد القول، والمغزى أن الأسوة الحسنة لا تتحقق ولا تكون إلاّ لمن توافرت فيه هذه الخصال الثلاث.
﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيماناً وَتَسْلِيماً (٢٢)﴾
стр. 1507
٢٢ - ﴿وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ قد يكون في ذلك إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة ٢١٤/ ٢]، ﴿وَما زادَهُمْ﴾ هول الموقف ﴿إِلاّ إِيماناً﴾ بالله تعالى وبوعده بالنصر ﴿وَتَسْلِيماً﴾ استسلاما لأمر الله ولأوامر النبي ﷺ .
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (٢٣)
٢٣ - ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾ من الثبات في الحرب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ﴾ وفّى بنذره، فقاتل حتى قتل، لأن النحب النذر ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ يوما فيه جهاد، فيقضي نحبه ﴿وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ ما بدّلوا عهدهم، وما غيّروه تبديلا.
﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٢٤)
٢٤ - ﴿لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ﴾ الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾ بسبب صدقهم ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إن تابوا ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ لمن تاب.
﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً﴾ بل كانت حملتهم وبالا عليهم ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ بأن سلّط على الأحزاب عوامل الشتاء القاسي من العواصف والأمطار والبرد القارص، وأوقع الفرقة بينهم فانهزموا ﴿وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً﴾ غالبا على كلّ أمر.
стр. 1508
﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ (٢٦)
٢٦ - ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ وهم يهود بني قريظة ظاهروا قريشا في وقعة الخندق ﴿مِنْ صَياصِيهِمْ﴾ من حصونهم ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً﴾ كان بنو قريظة أشد اليهود عداوة للنبي ﷺ وقد نقضوا العهد وغدروا بالمسلمين، إذ حالفوا قريشا والأحزاب في أثناء وقعة الخندق، وفي رواية ابن إسحاق أن النبي ﷺ حاصرهم بعد ذهاب الأحزاب حتى استسلموا وقبلوا أن يحكم فيهم حليفهم السابق سعد بن معاذ سيد الأوس، فحكم أن تقتل الرجال منهم، وتسبى الذرية، وتقسم الأموال، فقتل منهم ٦٠٠ - ٧٠٠ رجل، غير أن رواية ابن إسحاق هذه لا يمكن الوثوق بإسنادها، رغم أن الواقدي وابن سعد نقلاها عنه فيما بعد، إذ لاحظ العالم بركات أحمد في كتابه (محمد واليهود) أن أبا بكر بن شهاب الزهري، الذي سبق ابن إسحاق في كتابة السيرة، لم يذكر هذه الحادثة، كما لاحظ أيضا أن اليهود أنفسهم لم يذكروها في تاريخهم، ومن غير الطبيعي وغير المعتاد عند اليهود، ألاّ يكتبوا عن أحزانهم، ناهيك عن تضخيمها في حال حدوثها، ومن الجدير بالذكر أن مجموع قتلى المسلمين وغير المسلمين في جميع حروب النبي ﷺ لم يكد يبلغ خمس مئة.
﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ (٢٧)
٢٧ - ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ﴾ أصبحت ملكا للمسلمين ﴿وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها﴾ ومنها خيبر، وغيرها من البلاد التي فتحها المسلمون بعد ذلك، وصاروا بعد ذلك في حالة من اليسر، وذلك وجه اتصال هذه الآية بما بعدها ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ ومنها نصرة دينه والمؤمنين.
стр. 1509
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ (٢٨)
٢٨ - عندمانزلت هذه الآية كان المسلمون قد فتحوا خيبر بأراضيها الزراعية الغنية، وتغيّرت حالهم من العسر والضيق المادي إلى اليسر، غير أن حالة اليسر هذه لم تنعكس على بيت الرسول ﷺ ممّا كانت تتوق إليه زوجاته، فالرسول كان يرى أن وضعه المادي يجب أن يضاهي وضع فقراء المسلمين وليس أغنياءهم، ممّا أدّى به أن يعرض على زوجاته الخيار بين سراحهنّ أو البقاء معه، وقرأ عليهنّ الآيتين (٢٨ - ٢٩) فاخترن جميعا البقاء معه:
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ أي السعة والتنعّم فيها ﴿وَزِينَتَها﴾ زخرفها ﴿فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ أعطيكنّ متعة الطلاق، انظر [البقرة ٢٤١/ ٢]، ﴿وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً﴾ طلاقا ﴿جَمِيلاً﴾ لا ضرار فيه، ولا خصومة ولا مشاجرة.
﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ (٢٩)
٢٩ - ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ﴾ بغضّ النظر عن الدنيا ﴿فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ﴾ في أقوالهنّ وأعمالهنّ ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ في الآخرة.
﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ (٣٠)
٣٠ - ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾ من الكبائر، كمعصية النبي، أو طلبهنّ منه ما يشق عليه، أو ما يضيق به ذرعا ويغتم لأجله، وعقوقه وفساد عشرته ﴿مُبَيِّنَةٍ﴾ ظاهرة القبح ﴿يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ يوم القيامة يعذّبن ضعفي عذاب غيرهنّ ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ لا يمنعه جلّ شأنه كونهنّ نساء نبيّه.
стр. 1510
﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً﴾ (٣١)
٣١ - ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ﴾ تخشع ﴿مِنْكُنَّ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحاً نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ في مقابلة: يضاعف لها العذاب ضعفين ﴿وَأَعْتَدْنا لَها رِزْقاً كَرِيماً﴾ في الآخرة.
﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ (٣٢)
٣٢ - ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ فقد امتازت كل واحدة منكنّ بشرف الزوجية للنبي ﷺ وصارت كل واحدة منكنّ أمّا للمؤمنين ﴿إِنِ اِتَّقَيْتُنَّ﴾ مخالفة حكم الله تعالى، واتّقيتنّ سخط رسوله ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ لا تقلن كلاما ليّنا رقيقا تجاه الأجانب ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ من ضعاف النفوس لأنه يحمل الكلام على غير محمله ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ بعيدا عن الريبة.
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ (٣٣)
٣٣ - ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ من القرار، وقيل من الوقار، والخطاب لنساء النبي ﷺ ، ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى﴾ كما كانت عليه النساء في الجاهلية من الغنج والزينة ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ القيام بجميع الطاعات ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ الرجس: القبيح المستقذر حسّيا أو معنويا، والرجس والنجس بمعنى واحد، انظر شرح [الأعراف ٧١/ ٧]، ﴿أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ نساء ورجالا، وهم أزواجه ﷺ وبناته وعلي والحسن والحسين ﵃ ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ من الذنوب.
стр. 1511
﴿وَاُذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ (٣٤)
٣٤ - ﴿وَاُذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ للعظة والتذكير ﴿مِنْ آياتِ اللهِ﴾ من القرآن ﴿وَالْحِكْمَةِ﴾ ما يترتّب عليها من الحكمة، أو من السنّة الشريفة ﴿إِنَّ اللهَ كانَ لَطِيفاً خَبِيراً﴾ لا يغيب عن علمه شيء، خبير بالبواطن، والآية التالية تؤكد أن ثواب نساء النبي ونساء المؤمنين كثواب الرجال:
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٣٥)
٣٥ - ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ﴾ الداخلين في السلم المنقادين لحكمه تعالى ﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ يقينا ﴿وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ﴾ الذين قرنوا إيمانهم بالعمل الصالح ﴿وَالصّادِقِينَ وَالصّادِقاتِ﴾ في أقوالهم ﴿وَالصّابِرِينَ وَالصّابِراتِ﴾ على المكاره وعلى المعاصي ﴿وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ﴾ متواضعين لله تعالى ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ﴾ من زكاة وصدقات ﴿وَالصّائِمِينَ وَالصّائِماتِ﴾ فرضا أو نفلا ﴿وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ﴾ عمّا لا يرضى به الشرع ﴿وَالذّاكِرِينَ اللهَ كَثِيراً وَالذّاكِراتِ﴾ بالألسنة والقلوب ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً﴾ لأنّ الحسنات يذهبن السيئات، انظر [هود ١١٤/ ١١]، ﴿وَأَجْراً عَظِيماً﴾ على ما قدّموا من عمل.
﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ (٣٦)
٣٦ - سلوك المؤمنين المذكور في هذه الآية من طاعة الله ورسوله مترتّب على ما هو مذكور بالآية المتقدّمة:
стр. 1512
﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ لا يصحّ لهم أن يختاروا وفقا لأهوائهم، ولا أن يقدّموا رغباتهم الشخصية على قضاء الله ورسوله، بل يجب أن يكون رأيهم واختيارهم تبعا لرأيه ﷺ ، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ في أي أمر من الأمور ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ منحرفا عن الصواب بشكل واضح.
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاِتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ (٣٧)
٣٧ - بعد مقدمة الآية (٣٦)﴾ ينتقل الخطاب إلى قصة زينب بنت جحش والعبرة منها:
﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾ أيها الرسول ﴿لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ﴾ وهو زيد بن حارثة، أنعم الله عليه بتوفيقه للإسلام، وبقربه من النبي ﷺ ، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ أحسن النبي إليه، فقد كان زيد عبدا أهدته خديجة لمحمد قبل نبوّته، فأعتقه وتبنّاه، ثمّ كان زيد من أوائل الذين دخلوا الإسلام بعد البعثة النبوية، وبعد سنوات أراد النبي كسر عادة من عادات الجاهلية في استهجان زواج عبد، أو عبد محرر، من امرأة حرة، فأقنع زيدا بالزواج من زينب بنت جحش ابنة عمة النبي، فوافق زيد على مضض إذ كان سعيدا بزواج سابق من أم أيمن، والدة ابنه أسامة، وكانت أمة محررة، ومن جهتها كانت زينب بنت جحش تحب النبي منذ صغرها على عدم علمه بذلك، ولكنها انصاعت لرغبة النبي في تزويجها من زيد على مضض منها، وما كان للزواج أن ينجح على هذه الحال، وفي مناسبات عديدة رغب زيد بتطليقها، ومن جانبها لم تبد زينب أية رغبة في زيد، وقد حاول النبي مرارا إقناعهما بالحفاظ على زواجهما، وهو المقصود بقوله مخاطبا زيد: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاِتَّقِ اللهَ﴾ حتى تبيّن أن الحفاظ على الزواج لم يعد ممكنا
стр. 1513
﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ بأن الزواج الذي أصرّ عليه النبي بين زيد وزينب كان مقدّرا له الفشل من البداية لضعف مقوّماته ﴿وَتَخْشَى النّاسَ﴾ أن تتكلم بفشل الزواج ﴿وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ﴾ في كل أمر ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً﴾ فطلّقها زيد في العام الخامس من الهجرة، وبعد ذلك بقليل تزوجها النبي تعويضا لها عن تعاستها السابقة: ﴿زَوَّجْناكَها﴾ أيها النبي ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ﴾ وهذه الحكمة المستفادة من القصة أنه يجوز للمرء الزواج من مطلّقة ابنه بالتبني، بخلاف حرمة زواجه من مطلّقة ابنه الحقيقي، انظرالآية (٤)، ﴿إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً﴾ إذا طلّقهنّ الأدعياء، أي الأولاد بالتبنّي ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ لا محالة.
﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ (٣٨)
٣٨ - ﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ﴾ في زواجه من زينب بنت جحش، وبيان الحكمة من ذلك، والتشريع المنبثق عنها ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ مثل هذا الأمر كان سنّة لدى الأنبياء المشار إليهم بالآية التالية، من حيث مسايرة رغباتهم الشخصية وتطابقها مع التشريع الإلهي ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ نافذا لا محالة.
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً﴾ (٣٩)
٣٩ - ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللهِ﴾ الأنبياء الذين بعثوا قبل محمد ﴿وَيَخْشَوْنَهُ﴾ يخافونه تعالى ﴿وَلا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلاَّ اللهَ﴾ وحده، فمن طبيعتهم أن كانت رغباتهم وتوجّهاتهم منطبقة مع الشرع الإلهي ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً﴾ وحده محاسبا على أفعال العباد.
﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٤٠)﴾
стр. 1514
٤٠ - ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ أبوّة حقيقية يترتّب عليها أحكام الإرث وحرمة المصاهرة، لأنهم زعموا أن النبي تزوّج زوجة ابنه ﴿وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ﴾ استدراك من نفي الأبوّة الحقيقية الشرعية، إلى إثبات الأبوّة المجازية، فالرسول أب لكل واحد من الأمة ما يوجب التوقير والتعظيم له ﴿وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ لانقطاع النبوّة بعده، وإن رسالة القرآن هي الرسالة الإلهية النهائية للبشرية ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ فيشرّع من الأحكام ما هو مطابق للفطرة ومصلحة المجتمع، وهذه الآية بالمناسبة تنفي ما يظنّه البعض أن انحدار أحدهم بالنسب الحقيقي من النبي ﷺ يضفي عليه ميزة من الميّزات.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ (٤١)
٤١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا اللهَ﴾ بما هو أهل له، فاحمدوه واشكروه ﴿ذِكْراً كَثِيراً﴾ يعمّ أغلب الأوقات.
﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (٤٢)
٤٢ - ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾ نزّهوه عن كل ما لا يليق به ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ في أول النهار وآخره، إشارة إلى المداومة، لأنّ ذكر الله والتسبيح، قولا وقالبا، يعود بالفائدة الروحانية على صاحبها.
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ (٤٣)
٤٣ - ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يرحمكم، وأنتم لا تذكرونه ﴿وَمَلائِكَتُهُ﴾ تستغفر لكم، لأنّ الصلاة من الله تعالى على عباده رحمة، ومن الملائكة استغفار للعباد، ومن مؤمني الإنس والجن دعاء ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ﴾ من ظلمات الجهالة إلى نور معرفته جلّ وعلا ﴿وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً﴾ رحمة بكم.
﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً (٤٤)﴾
стр. 1515
٤٤ - ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ يوم القيامة ﴿سَلامٌ﴾ مناسب لحالهم بما ذكر بالآيات (٤١ - ٤٣)، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ ثوابا حسنا لما كانوا عليه في دنياهم من نور معرفته.
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ (٤٥)
٤٥ - ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً﴾ على أمّتك، لقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ [النساء ٤١/ ٤]، ﴿وَمُبَشِّراً﴾ للمؤمنين بحسن مآلهم ﴿وَنَذِيراً﴾ للكافرين بسوء عاقبتهم.
﴿وَداعِياً إِلَى اللهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً﴾ (٤٦)
٤٦ - ﴿وَداعِياً إِلَى اللهِ﴾ إلى الإقرار بوجوده وبوحدانيته ﴿بِإِذْنِهِ﴾ إشعارا بأنّ نجاح الدعوة لا يكون إلاّ بإمداد وتوفيق من الله تعالى، لما فيها من صرف الناس عن الملل الأخرى التي اعتادوا عليها ﴿وَسِراجاً مُنِيراً﴾ يستضيء ببعثته الضالّون الباحثون عن الحقيقة.
﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ (٤٧)
٤٧ - ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين استجابوا لدعوتك ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللهِ فَضْلاً كَبِيراً﴾ يمتازون به من الجاحدين.
﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (٤٨)
٤٨ - ﴿وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ لا تجاملهم في أمور الدعوة ﴿وَدَعْ أَذاهُمْ﴾ لا تبال بمحاولاتهم إيذاءك فلن يضرّوك شيئا، ومن جهة ثانية لا تؤذهم ودعهم وشأنهم، لأن الدعوة فكرية مبنية على الخيار وليست قسرا ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ فوّض أمورك إليه، فمن يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ على شؤون عباده.
стр. 1516
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً﴾ (٤٩)
٤٩ - هذه القاعدة في عدم وجوب العدّة للمطلقة قبل المسيس عبارة عن مقدمة لما سوف يرد بالآية التالية من قواعد الزواج المنطبقة على النبي ﷺ دون غيره:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾ بإبرام عقد النكاح ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ إذا تمّ الطلاق قبل المسيس، أي قبل الجماع ﴿فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ لا عدّة عليهنّ في هذه الحالة خلافا لما ذكر في آية [البقرة ٢٢٨/ ٢]، ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أعطوهنّ المتعة، انظر شرح الآيات [البقرة ٢٣٦/ ٢، ٢٤١]، ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ طلّقوهنّ ﴿سَراحاً جَمِيلاً﴾ بلا عداوة ولا خصومة، بل طلاقا مشتملا على طيب الكلام عاريا عن الأذى، وقيل أيضا:
إن السراح الجميل ألاّ يطالبوهنّ بما آتوهنّ.
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَاِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٥٠)
٥٠ - عودة إلى موضوع الآيات (٣٢ - ٣٥)، لبيان أصناف النساء التي تحل للنبي ﷺ :
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ مهورهنّ ﴿وَما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ﴾ بعقد نكاح، وبلا مهر، لأن الحرية التي تتمتع بها الأمة بعد زواجها من حرّ تعدّ بمثابة مهر لها، وملك اليمين إشارة إلى سبايا الحروب الدينية الدفاعية ﴿وَبَناتِ عَمِّكَ وَبَناتِ عَمّاتِكَ﴾ تنطبق على كل النساء من قريش، لأن والد النبي كان من قريش ﴿وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ﴾
стр. 1517
﴿خالاتِكَ﴾ تنطبق على كل النساء من بني زهرة، لأن والدته ﷺ كانت من بني زهرة ﴿اللاّتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ بشكل خاص، لأنّ هجرتهنّ معه أثبتت منتهى إخلاصهنّ له ﴿وَاِمْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ بلا مهر، رغبة منها بالفوز بشرف خدمته ﷺ ، والدخول مع أمهات المؤمنين ﴿إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ الاستنكاح بمعنى النكاح، وإرادة النبي جارية مجرى قبول الهبة منها ﴿خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فلم تأخذ مهرا، أي هذه الخصلة في النكاح بلا مهر لا تنطبق على غيرك من المؤمنين ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ﴾ من مهور، والزواج بما لا يزيد عن أربع ﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ﴾ بالزواج منهنّ بلا مهور ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ في الخصوصية التي تتمتّع بها من دون المؤمنين ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً﴾ كثير المغفرة ﴿رَحِيماً﴾ وافر الرحمة.
﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ اِبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَلِيماً﴾ (٥١)
٥١ - استمرار الخطاب من الآية المتقدمة:
﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ﴾ تترك نكاح من تشاء من نساء أمّتك ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ﴾ وتنكح منهنّ من تشاء ﴿وَمَنِ اِبْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ أي ممّن طلّقت، ليس عليه إثم ﷺ في إرجاع المطلّقة ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ فلا إثم عليك في الإرجاء والإيواء والابتغاء، فكل ذلك عائد لمشيئتك ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ بتفويض الأمر إلى مشيئتك ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ﴾ في قلوب النبي وأزواجه من عواطف ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً﴾ مبالغا في العلم، عالما بالظاهر وبالخفايا ﴿حَلِيماً﴾ مبالغا في الحلم، لا يعاجل بالعقوبة.
﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً (٥٢)﴾
стр. 1518
٥٢ - ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ﴾ من بعد التسع اللاتي في عصمتك اليوم ﴿وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ ولا يحلّ لك أن تستبدل بأن تطلّق واحدة وتنكح أخرى ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ بعقد النكاح من التسع اللاتي بعصمتك ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾ مراقبا لأحوال عباده.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً﴾ (٥٣)
٥٣ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ﴾ لا تدخلوها في وقت من الأوقات إلا وقت أن يؤذن لكم، ولا تدخلوها إلاّ غير منتظرين نضوج الطعام ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ غير منتظرين نضجه ﴿وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ لأن المراد من الإذن إلى الطعام الدعوة إليه ﴿فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ إذا أكلتم الطعام تفرّقوا ولا تلبثوا، والخلاصة؛ إن النهي مختص بمن دخل بغير دعوة وجلس منتظرا الطعام ﴿وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ فيضيع الوقت بالحديث ﴿إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ من إخراجكم ﴿وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ أي نساء النبي ﴿مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ السؤال من وراء حجاب أكثر تطهّرا من الخواطر الشيطانية التي تخطر للرجال في أمر النساء، وللنساء في أمر الرجال، لأن الرؤية سبب للتعلق والفتنة، ومع ذلك قالوا: إن الصحابة كانوا يسمعون منهنّ وهنّ مستترات الأبدان لا الأشخاص ﴿وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ﴾ بفعل يكرهه ويتأذّى منه كالدخول عليه من غير دعوة، وكاللبث والاستئناس بحديث ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾
стр. 1519
﴿أَبَداً﴾ من بعد وفاته، فذلك من خصوصياته ﷺ ، ﴿إِنَّ ذلِكُمْ﴾ من إيذاء الرسول، أو نكاح أزواجه من بعده ﴿كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً﴾ أمرا عظيما وخطبا هائلا.
﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (٥٤)
٥٤ - ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً﴾ على ألسنتكم ممّا لا خير فيه ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ في صدوركم ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ فيجازيكم بما صدر عنكم من المعاصي.
﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاِتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ (٥٥)
٥٥ - استئناف لبيان من لا يجب عليهنّ الاحتجاب عنه: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ وَلا إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ إِخْوانِهِنَّ وَلا أَبْناءِ أَخَواتِهِنَّ وَلا نِسائِهِنَّ وَلا ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ وَاِتَّقِينَ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ لا يخفى عليه شيء.
﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٥٦)
٥٦ - استمرار الخطاب في تعظيم شأن النبي: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ اختلفوا في معنى الصلاة من الله وملائكته على النبي، فمنهم من قال: هي الثناء عليه، وقيل: هي من الله رحمة، ومن الملائكة الدعاء له ﷺ ، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ قولوا: اللهم صلّ على النبي، دعاء له ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ تحتمل عدّة معان، أحدها: السلامة أي سلمت من النقائص والآفات، وثانيها: السلام من أسماء الله، فيكون المعنى: حفظك السلام من كلّ مكروه، وثالثها: يفيد الاستسلام والانقياد والإذعان، أي استسلمنا لأوامرك وسنّتك أيها النبي.
стр. 1520
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً﴾ (٥٧)
٥٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ بالكفر والمعاصي الكبيرة، والمعنى مجازي بالنسبة إليه تعالى، وحقيقي بالنسبة إلى الرسول ﴿لَعَنَهُمُ اللهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ أبعدهم الله تعالى من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً﴾ في الآخرة خاصة.
﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اِكْتَسَبُوا فَقَدِ اِحْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ (٥٨)
٥٨ - ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ بالقول أو بالفعل ﴿بِغَيْرِ مَا اِكْتَسَبُوا﴾ بغير جناية يستحقون بها الأذيّة شرعا ﴿فَقَدِ اِحْتَمَلُوا بُهْتاناً﴾ فعلا شنيعا، أو كذبا يبهت له الإنسان لفظاعته، إذا كان الإيذاء بالقول ﴿وَإِثْماً مُبِيناً﴾ ظاهرا.
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٥٩)
٥٩ - ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ للتستّر، والجلابيب جمع جلباب، وهو كل ثوب تلبسه المرأة فوق ثيابها، واختلفوا في كيفية هذا التستّر لأنّ الآية أبهمته، ولعلّ الحكمة من ذلك مسايرة الأوضاع الاجتماعية في مختلف المجتمعات والعصور ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ بأنهنّ نساء عفيفات ﴿فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ بالتعرّض لهنّ من أهل الريبة ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً﴾ كثير المغفرة ﴿رَحِيماً﴾ كثير الرحمة.
﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٦٠)
٦٠ - ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ﴾ عن نفاقهم وإيذائهم ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ من المذبذبين أنصاف المؤمنين ﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ المشاغبون
стр. 1521
الذين يسببون الاضطرابات في المدينة ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ فندعوك إلى قتالهم وإجلائهم عن المدينة ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاّ قَلِيلاً﴾ ريثما يجلو عنها.
﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ (٦١)
٦١ - ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا﴾ مبعدون من رحمة الله، أينما وجدوا وحصروا، في حال قتالهم ﴿أُخِذُوا﴾ أسرى ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ بأعداد كثيرة، لأن هذا معنى التقتيل، بسبب إصرارهم على الفساد والإفساد.
﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ (٦٢)
٦٢ - ﴿سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ في وجوب قتال المفسدين من القوم وإجلائهم وقهرهم ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ في وجوب مثل هذه الأمور.
﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ (٦٣)
٦٣ - ﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ﴾ متى موعدها؟ وهو سؤال تحدّ من قبل المشككين العابثين المستهزئين المتعنّتين ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ لا يطّلع عليها أحد من خلقه ﴿وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾ قد تتحقق في أقرب وقت، فالزمن الدنيوي نسبي، ولا تقاس به الأمور، بخلاف الزمن المطلق.
﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً﴾ (٦٤)
٦٤ - ﴿إِنَّ اللهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ﴾ على الإطلاق، أي أبعدهم من رحمته ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً﴾ بما يتناسب مع كفرهم.
﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (٦٥)
٦٥ - ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا﴾ يتولّى شؤونهم ﴿وَلا نَصِيراً﴾ ينصرهم.
стр. 1522
﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ (٦٦)
٦٦ - ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا﴾ فلا نبتلى بهذا العذاب.
﴿وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ (٦٧)
٦٧ - ﴿وَقالُوا رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا﴾ أطعنا الزعماء لمّا أغرونا بالدنيا، ولما فيهم من قوة البطش ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ جعلونا ضالّين بما دعونا وأجبرونا عليه، وزيّنوا لنا الباطل.
﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَاِلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ (٦٨)
٦٨ - ﴿رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ﴾ لضلالهم في أنفسهم، وإضلالهم لنا ﴿وَاِلْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ شديدا عظيما بإبعادهم من رحمتك.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ (٦٩)
٦٩ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى﴾ بمعصيته وتكذيبهم إياه، كقولهم له: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة ٥/ ٢٤] وقولهم له: ﴿أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ [النساء ١٥٣/ ٤]، ﴿فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا﴾ من تعنّتهم ﴿وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ ذا جاه، رفيع القدر، مستجاب الدعوة.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ (٧٠)
٧٠ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ﴾ في أقوالكم وأعمالكم ﴿وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ لتكن أقوالكم متوجّهة دوما للحق بلا ريبة، ممّا يوافق ظاهرها باطنها.
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١)﴾
стр. 1523
٧١ - ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ بقبولها، وبالتوفيق في المجيء بها صالحة ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ باستقامتكم في القول والعمل يجعل أعمالكم مكفّرة لذنوبكم ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ في الأوامر والنواهي ﴿فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ لا يقدّر قدره.
﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (٧٢)
٧٢ - ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ﴾ قالوا في الأمانة أقوالا كثيرة: منها العقل ومقدرة الإنسان على الخيار بين الصواب والخطأ، وما يترتب على ذلك من مسؤولية، ومنها الطاعة التي هي من أفعال المكلّفين، كالتكاليف الشرعية والفرائض وصعوبتها، فهي كل ما يؤتمن عليه ويطلب حفظه ورعايته، وعبّر عنها بالأمانة تنبيها على أنها حقوق مرعيّة أودعهاتعالى المكلّفين وائتمنهم عليها، وأوجب عليهم تلقيها بحسن الطاعة والانقياد، وقبل الإنسان حملها رغم ثقل مسؤوليتها، مع الإيذان بأن ما صدر عن بني آدم من الطاعة كان بعد قبول الأمانة والتزامها اختيارا من غير جبر، وقد حملها الإنسان بما خلق وجبل عليه من استعداد فطري، وبتكليفه إياها يوم الميثاق، وقبوله القولي لها، يوم أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم، [الأعراف ١٧٢/ ٧]، وعبّرتعالى عن ثقلها بأن لو كلّفت الأجرام السماوية بها وكانت ذات شعور وإدراك، لأبت حملها اختيارا ولخافت منها ﴿إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ بعدم وفائه ما تحمّل من مسؤولية، فكان مفرطا في الظلم، مبالغا في الجهل، والإشارة إلى غالب أفراده الذين لم يعملوا بموجب فطرتهم السليمة، فلم يقهر سلطان العقل عندهم شهوتي الظلم والجهل، كما أنّ التكليف لم يعدّل قوى الظلم والجهل عندهم ولم يكسر حدّتها.
стр. 1524
﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٧٣)
٧٣ - ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ﴾ اللام في قوله ﴿لِيُعَذِّبَ﴾ لام العاقبة، والمعنى حمل الإنسان الأمانة ليعذّب الله تعالى بعض الناس الذين لم يراعوها ولم يقابلوها بالطاعة، فالتعذيب مترتّب على خيانتها والفشل بحملها، والخروج عن الطاعة والتكليف ﴿وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ الفريق الثاني الذين نجحوا بحمل الأمانة، ولم يخلعوا الطاعة، وقاموا بالتكاليف رغم ما فرط منهم من أخطاء قلّما يخلو منها الإنسان بحكم طبيعته وجبلّته، فتداركوا أخطاءهم بالتوبة ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ كثير المغفرة، كثير الرحمة لأمثالهم.
стр. 1525
سورة سبأ - ٣٤ - مكية
مقدمة
نزلت في النصف الثاني من الفترة المكية.
ارتباط السورة بما قبلها
اختتمت سور الأحزاب المتقدمة بأن الإنسان، من بين جميع المخلوقات، حمل العبء الثقيل للأمانة التي أمكنته من حرية الخيار الأخلاقي بين الحق والباطل، والصواب من الخطأ، وهذا العبء تكريم منه تعالى لبني آدم، وهو تكريم لم تنله حتى الملائكة الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، ثم إن الأكثرية من الناس لم تكن بمستوى هذه المسؤولية: ﴿إِنّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (٧٢/ ٣٣)، وإن حال الإنسان في الآخرة مترتبة على نتيجة خياره الأخلاقي في الدنيا: ﴿لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٧٣/ ٣٣)، ثم تفتتح سورة سبأ بأنّ الله تعالى مستحق الحمد في الآخرة لتحقق العدالة بها على أتم وجه: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ (١/ ٣٤)، وأن الذين أوتوا العلم من بني آدم على يقين من تحققها: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ (٦/ ٣٤).
وفي سورة الأحزاب أن المشكّكين يسألون عن الساعة: ﴿يَسْئَلُكَ النّاسُ عَنِ السّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً﴾
стр. 1526
(٦٣/ ٣٣)، ثم في سورة سبأ تأكيد وقوعها: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ (٣/ ٣٤).
محور السورة
إنّ التشكيك بالآخرة ناتج عن عمى البصيرة لدى المكذّبين، إذ إن كل شيء في عالم المشاهدة، وفي عالم الغيب، يشير إلى حتميتها: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (٩)، ممّا يدل على أنّ ما يرونه من عالم المشاهدة هو أقل القليل مما هو في عالم الغيب، ثم في قصة سليمان نلاحظ أن المعارف الدنيوية لا تغني شيئا إن لم يصاحبها الهدي الإلهي: ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ (١٤)، وفي قصة سبأ أن المنجزات البشرية مهما عظمت فهي عابرة وإلى زوال: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ (١٦)، وبالرغم من ذلك فالإنسان معتد بحوله وقوته، دائم الجحود يكفر النعمة: ﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ (١٧).
لكن الغرور لا يصل بالمؤمنين إلى التبجح باحتكار الحقيقة، بل يتركون الحكم بينهم وبين المكذّبين إلى الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ * قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ﴾ (٢٤ - ٢٦)، رغم أن المكذّبين ينكرون إمكانية الوحي الإلهي مطلقا: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (٣١) وإنكارهم ليس مقتصرا على القرآن بل على ما تبقى بين يديه من الوحي الصحيح من الرسالات السابقة، وبعبارة أخرى إنهم يريدون التهرب
стр. 1527
ذهنيا من فكرة البعث والحساب كي يتصرّفوا في الدنيا على هواهم بلا أي وازع أخلاقي.
ثم إنّ الترف يؤدي بأصحابه إلى الظن أن نجاحهم المادي هو بحد ذاته دليل قاطع أنهم على صواب: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ * وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (٣٤ - ٣٥)، وقد يظنّون أن النعم التي يتمتعون بها دليل على رضا الله عنهم، في حين أن الله تعالى يبسط الرزق للمؤمن والكافر على السواء: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٦)، وقد ينتهي بهم الضلال أن يصبحوا عبيدا للمادة والقيم الزائفة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ * قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ (٤٠ - ٤١)، بل يعتذرون بتقليد الآباء والأجداد: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٤٣)، مع أنه ليس لديهم من الكتب السماوية ما يؤيد دعواهم ومزاعمهم: ﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (٤٤).
وأن ما نزل من الوحي على الأمم السابقة لم يبلغ معشار ما نزل في القرآن الكريم على البشرية ما لا يترك لأحد عذرا بالجهل: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ (٤٥).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (١)
١ - ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ على نعمائه ﴿الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ ملكا وتصرّفا، بالإيجاد والإحياء والإماتة، لجميع ما وجد في
стр. 1528
السماوات والأرض داخلا في حقيقتهما، ما ليس له في حدّ ذاته استحقاق الوجود، ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ أن كانت مرحلة ثانية من الحياة، تكمل الأولى، وتظهر المغزى منها، وتكتمل بها العدالة ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ﴾ أحكم أمر الدار الأولى، والدار الآخرة، بما تقتضيه الحكمة ﴿الْخَبِيرُ﴾ العالم ببواطن الأمور.
﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ (٢)
٢ - ﴿يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ﴾ ما يدخل فيها ﴿وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها﴾ تشمل الأشياء المادية، والمعنوية الروحانية معا، فمن الأشياء المادية المياه التي تختفي في باطن الأرض ثم تظهر في الينابيع، وهنالك البذور المختفية في الأرض ثم تظهر بإنبات النبات، وهنالك النباتات التي تتفسخ في الأرض وتتحول إلى نفط وفحم، وهنالك جثث الأموات من بشر وحيوانات تتحوّل إلى مواد عضوية تغذّي النبات فينشأ منها حياة جديدة، وهنالك أبخرة المياه تصعد نحو السماء ثم تهبط بهطول الأمطار والثلج والبرد، ومن الأشياء الروحانية هنالك الأرواح والدعاء والكلم الطيّب وأعمال العباد الصالحة تعرج إلى السماء، والمراد بالسماء جهة العلوّ، ثمّ ما ينزل من السماء من الأرزاق ومن الوحي الإلهي كالقرآن، ثم الإلهام الذي يتنزّل على البعض فيتجدّد الإيمان ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ﴾ بإنزال الأرزاق من السماء ﴿الْغَفُورُ﴾ عندما تعرج إليه الأرواح والأعمال.
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٣)
٣ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السّاعَةُ﴾ مع كل الإعجاز الذي تقدّم ذكره، زعم المصممّون على الكفر أن ليس هنالك من آخرة، وهذا الزعم يترتّب عليه نقطتان، الأولى: أن الكون خالد، فليس له بداية ولا نهاية في الزمان والمكان، وإنما يطرأ عليه التغيير فقط، ومن ثمّ إنكار أن الخلود غير متحقق إلاّ
стр. 1529
لله تعالى وحده، والثانية: أن ليس هنالك من آخرة ولا بعث ولا حساب، فلا مغزى للحياة الدنيا ﴿قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ لا محالة، بخلاف ما تنظّرون، وتظنّون ظنّا ﴿عالِمِ الْغَيْبِ﴾ الله تعالى وحده يعلم ما هو خارج عالم المشاهدة، وخارج نطاق التصوّر البشري ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ لا يبعد عنه ﴿مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ علمه القديم أحاط بكل شيء مهما صغر أو كبر.
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٤)
٤ - استمرار الخطاب من الآية المتقدمة، والمعنى بلى وربّي لتأتينّكم الساعة ليتحقق الثواب والعقاب:
﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مجيء الساعة ضروري لتحقيق العدالة ولتحقّق المغزى من الحياة، فيجزى الذين قرنوا إيمانهم بالعمل الصالح ﴿أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ على ما صدر منهم من هفوات وأخطاء ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ الرزق الروحاني في الجنة من السكينة والطمأنينة.
﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (٥)
٥ - ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ﴾ الذين أرادوا التعجيز، يحسبون أنهم كاملو الاعتماد على أنفسهم، ويظنّون أنهم يفوتون نظام الخلق بما فيه من أسباب ومسببات ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ الرجز والرجس بمعنى واحد، وهو القبيح المستقذر حسيّا أو معنويا، وفي هذه الحالة فإن إصرارهم على الكفر وإنكارهم الآخرة قد لوّث نفوسهم بالخبث والقذارة الروحية، انظرآية [الأعراف ٧١/ ٧]، ويكون تقدير الخطاب: أولئك لهم عذاب أليم من رجز، أي العذاب مترتّب على الرجز أو النجس الذي كانوا عليه في دنياهم، فالعذاب ليس اعتباطيّا.
﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)﴾
стр. 1530
٦ - ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ الذين أوتوا فهم القرآن ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ يسلّمون أنّ القرآن هو الحق، بعد أن فهموه، وفهموا إعجازه ﴿وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ﴾ القرآن يهدي إلى سبيل الله الغالب على أمره ﴿الْحَمِيدِ﴾ المستحق الحمد على نعمائه، سواء حمده حامد أم لم يحمد، في إشارة إلى الآية (١).
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (٧)
٧ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المصرّون على الكفر يقولون ذلك في كل العصور ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ﴾ هو النبي ﷺ ، يقولون ذلك استهزاء ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ يخبركم بأمر عجيب ﴿إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ إذا صرتم في القبور وفنيت أجسادكم ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ يقول لكم: إنكم سوف تبعثون من جديد.
﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ (٨)
٨ - ﴿أَفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ المعنى أنهم مقرّون بوجود الله، لكنهم منكرون للآخرة، فنسبوا قول النبي عن الآخرة إلى الكذب والافتراء بظنّهم ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ زعموا: إن لم يكن كاذبا فهو مجنون ﴿بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ منكرو الآخرة ﴿فِي الْعَذابِ﴾ المترتّب على إنكارهم، لتحقّق الرجس فيهم، وهذا العذاب دنيوي، لأن الضلال البعيد التالي ذكره لا معنى له أن يكون في الآخرة، والعذاب الدنيوي ينتج عن التخبط الأخلاقي وانعدام القيم الأخلاقية، والفساد، لرغبة المنكرين اللاشعورية في التهرب من المسؤولية والحساب ﴿وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ﴾ هم في كمال اختلال العقل وغاية الضلال الذي هو الجنون حقيقة، فقد أنكروا حكمة الله تعالى في خلق الكون ولزوم الآخرة.
стр. 1531
﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (٩)
٩ - ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من عالم المشاهدة، يعاينونه أينما توجّهوا، ما يدلّ على كمال قدرته وحكمته ، فكيف يزعمون قصور قدرته عن البعث والإحياء؟ ﴿وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ من عالم الغيب الذي لا يحيطون به؟ ما هو فوق تصوّرهم، وأكثر بكثير من عالم المشاهدة ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ بالزلزلة فجأة، فتفوتهم فرصة التوبة ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ﴾ قطعا من السماء، كالنيازك والمذنّبات والأشعّة الكونية تسقط عليهم، ما يدل على تفاهة الإنسان وضعفه غير المتناهي تجاه العظمة والمعرفة الإلهية ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً﴾ دلالة ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ لديه استعداد أن يرجع إلى ربّه بالتوبة، ويترك التعصّب.
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ (١٠)
١٠ - ارتباط الخطاب بما قبله لكون الآية المتقدّمة ختمت بأن كل عبد منيب يرى دلالة في الإعجاز الكوني، فهذه الآية تضرب مثلا داود لكونه أناب إلى ربّه، انظر قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ﴾ [ص ٢٤/ ٣٨]:
﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً﴾ لحسن إنابته وتوبته ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ رجّعي معه التسبيح وردّديه، إشعارا أن ما من حيوان وجماد وناطق وصامت إلاّ وهو منقاد لمشيئته تعالى غير ممتنع على إرادته ﴿وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ من المعروف تاريخيا أن العصر البرونزي كان قد انتهى في فلسطين قبل عهد داود بزمن، ثم إن داود كان يستورد فلز الحديد إلى فلسطين خصيصا لصناعة الدروع، ولأغراض أخرى منها صناعة الأدوات المعدنية اللازمة للزراعة والحراثة، وهو معنى الآية، انظر [الأنبياء ٧٩/ ٢١ - ٨٠].
стр. 1532
﴿أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاِعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١١)
١١ - ﴿أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ أعمالا سابغات، أي صالحة وافرة وكاملة، لأنّ سابغات مشتقة من ﴿أَسْبَغَ﴾ انظر [لقمان ٢٠/ ٣١]، ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ ليكن عملك مستمرّا، وهو معنى السرد ﴿وَاِعْمَلُوا صالِحاً﴾ أيها الناس ﴿إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فتكون العواقب بحسب أعمالكم.
﴿وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ﴾ (١٢)
١٢ - ﴿وَلِسُلَيْمانَ﴾ سخّرنا ﴿الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ﴾ من أجل أساطيله التجارية العاملة في البحر الأحمر تسير ذهابا وإيابا شهرا بشهر إلى الحجاز، بما فيها مكة المكرمة والكعبة المشرّفة، وكان سليمان يخدم الأراضي المباركة في فلسطين والحجاز، واستخدام سليمان لأساطيل تجارية في البحر الأحمر، وفي البحر الأبيض المتوسط، ثابت تاريخيا، انظر قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ أي بأساطيله التجارية ﴿رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ [ص ٣٦/ ٣٨]، انظر أيضا [الأنبياء ٨١/ ٢١]، ﴿وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ فلزّ البرونز من الحديد والنحاس، وقد ورد ذلك أيضا في العهد القديم، انظر (سفر الأيام الثاني ٤ /)، ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ شياطين الإنس والجنّ تعمل بأمره ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ انظر [الأنبياء ٨٢/ ٢١]، ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا﴾ من طاعة سليمان ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ﴾.
﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ (١٣)
١٣ - ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ﴾ جمع محراب، في المعابد ﴿وَتَماثِيلَ﴾ كانوا يضعونها في معابدهم ﴿وَجِفانٍ كَالْجَوابِ﴾ وأحواض كبيرة كالسواقي التي تجري فيها المياه ﴿وَقُدُورٍ راسِياتٍ﴾ جمع قدر، وهو ما يطبخ
стр. 1533
فيه، وراسيات أي القدور ثابتات على الأثافي أي الركائز التي تحتها ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً﴾ لأن شكر النعم لا يكون بمجرّد القول بل بالعمل النافع ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ حتى المتّقون منهم، لا يستطيعون أن يشكروا الله حقّ الشكر على نعمائه.
﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ (١٤)
١٤ - ﴿فَلَمّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ المنسأة العصا، والقصة تفيد أن سليمان كان متكئا على العصا عندما حان أجله، فلم يخرّ على الأرض إلاّ بعد أن أكلت قوارض الأرض عصاه، وعندئذ فقط علمت الجنّ بوفاته، بعد أن كانت تعمل بأمره وتحت ناظره، وقد تكون هذه القصة رمزية كغيرها من بعض القصص القرآنية، والعبرة منها توضح ضعف الإنسان وتدبيره بغض النظر عمّا كان يظن في نفسه من قوة وجبروت وهو في أفضل حالاته من القوة والسلطة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية توضح أن علم الغيب ممتنع حتى على الجنّ، ومن ثمّ فإن جميع المخلوقات معتمدة بالكلية على الهدي الإلهي ولا تكفيها العلوم الدنيوية مهما تقدّمت ﴿فَلَمّا خَرَّ﴾ سقط سليمان على الأرض ميتا ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ لو علموا ما هو خارج عالم المشاهدة، لعلموا أن سليمان قد توفّي في حينه ﴿ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ﴾ فقد استمرّوا بالعمل وسليمان قد مات.
﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاُشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ (١٥)
١٥ - اتصال هذه الآية مع قوله تعالى بالآية (١٣)﴾: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ أي حتى المتّقين منهم، لأنّ أهالي سبأ، على النقيض من الشكر، جحدوا النعم: إذ كانت مملكة سبأ الواقعة في جنوب غرب الجزيرة العربية في أوج ازدهارها في الألف الأول قبل الميلاد مكوّنة من اليمن وجزء كبير من
стр. 1534
حضرموت والحبشة، وعاصمتها مأرب، واشتهرت في عصرها بنظام ريّ رائع مكون من السدود والقنوات لا يزال بعضها باق إلى اليوم، وأكبرها سدّ مأرب الذي اشتهرت به، ويبدو أن الفترة التاريخية التي تشير إليها هذه الآية كانت بعد زمن بلقيس ملكة سبأ بكثير، انظرسورة [النمل ٢٣/ ٢٧ - ٤٤]، أي بعد الأعوام ٩٧٠ - ٩٣٥ ق. م وهي فترة حكم سليمان:
﴿لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ موطنهم ﴿آيَةٌ﴾ معجزة ﴿جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ﴾ بلاد زراعية غنية وممتدة إلى الشرق والغرب من عاصمتهم مأرب على حوافّ الربع الخالي ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ من نتاجها ﴿وَاُشْكُرُوا لَهُ﴾ بالقول والعمل ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ بلدتكم مأرب، بلدة طيبة ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ يغفر الزلاّت والأخطاء.
﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ (١٦)
١٦ - ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ جحدوا وكفروا ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ السيل الصعب، نتيجة انهيار سد مأرب لأول مرة، ولا يعرف تاريخه على وجه التحديد، ممّا أدى لخراب أراض شاسعة نتج عنها هجرة الكثير من قبائل قحطان الجنوبية نحو شمال الجزيرة العربية، ومع أنه تم إصلاح السدود وشبكة الري بعد ذلك فإن سبأ لم تعد إلى سابق عهدها من الازدهار، وتلا ذلك الانهيار الثاني والنهائي لسد مأرب بضع عشرات من السنين قبل ظهور الإسلام ﴿وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ﴾ بأراضيهم الزراعية الغنية نحو الشرق والغرب ﴿جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ مرّ ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ الأثل والسدر من الأشجار الصحراوية، والمعنى تحوّلت من أراض ذات إنتاج زراعي خصب ووفير إلى أراض صحراوية لا تكاد تفي بالحاجة.
﴿ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧)﴾
стр. 1535
١٧ - ﴿ذلِكَ﴾ الانهيار الذي حدث، وما تلاه من التدهور في الزراعة ﴿جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا﴾ بما كسبت أيديهم من الفساد والغرور والعمى الروحاني، واعتبارهم أن ما وصلوا إليه من الحضارة والغنى استحقوه بمحض مهارتهم واستحقاقهم ولا علاقة له بالتوفيق الإلهي ﴿وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ﴾ فلا شيء اعتباطي، والجزاء مترتّب على العمل.
﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّاماً آمِنِينَ﴾ (١٨)
١٨ - ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ بينهم وبين مكة المكرمة والقدس ﴿قُرىً ظاهِرَةً﴾ بعضها على مرأى من بعضها الآخر ﴿وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ﴾ جعلنا السفر بينها سهلا ﴿سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّاماً آمِنِينَ﴾ بلا خوف.
﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (١٩)
١٩ - ﴿فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا﴾ زعموا أنّ ما توصّلوا إليه من الترف والنعم، وسهولة تنقّلهم، وسفر قوافلهم التجارية بين اليمن والحجاز وبين بلاد الشام، كل ذلك ظنّوه نتيجة مهارتهم ومقدرتهم وذكائهم المحض، فبطروا وكفروا وتحدّوا أن تكون أسفارهم أبعد وأشقّ من ذلك، وظنّوا أنهم مالكو أمورهم بالمطلق ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ باعتدادهم بأنفسهم واستكبارهم وغرورهم ﴿فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ﴾ جمع أحدوثة، أي صاروا أحاديث على ألسنة الناس تحكي غابر تاريخهم ﴿وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ بانهيار سدودهم وتفرقهم وهجرتهم في البلاد ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ دلالات ورسالات ﴿لِكُلِّ صَبّارٍ﴾ يصبر على دواعي الهوى ﴿شَكُورٍ﴾ لنعمه تعالى، فلا ينسبها لمحض جدارته.
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾
стр. 1536
٢٠ - ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ وجد ظنّه في سبأ صادقا ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ اتّبعوا وساوسه، ما نتج عنه استكبارهم وغرورهم وفسادهم ﴿إِلاّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لم يتّبعوه.
﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (٢١)
٢١ - ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ فلا يستطيع سوى الغواية، دون القهر والإجبار ﴿إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾ من الذين يرفضون وساوس إبليس ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ﴾ في شك من الآخرة، من الذين يتقبّلون وساوس الشيطان، والمغزى من وساوس إبليس أنها تفرز الذين يقبلونها ويخرجونها إلى نطاق التنفيذ، من الذين يرفضونها، ممّا يترتّب عليه الثواب والعقاب، وليس مجرّد علمه تعالى بالغيب ﴿وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ قائم على أحوال كل شيء.
﴿قُلِ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ (٢٢)
٢٢ - بعد انتهاء قصة سبأ وبيان العبر منها، وبعد أن ذكرت الآيات (٧ - ٩) أنّ من الكفار من ينكر الآخرة، تبيّن الآيات (٢٢ - ٢٧) أن منهم المشركين الذين يعتقدون الشفاعة في شركائهم:
﴿قُلِ اُدْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الذين زعمتم فيهم الألوهية ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ عاجزون لا يقدرون على شيء ﴿وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ﴾ لا يملكون شيئا ﴿وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ الله تعالى ليس بحاجة إليهم.
﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣)﴾
стр. 1537
٢٣ - ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلاّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ تشريفا له، وعندما يكون المشفوع له تقيا مستحقا، أما شركاؤهم وآلهتهم فلا تشفع في شيء ﴿حَتّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ زال الفزع عنهم ﴿قالُوا﴾ بعضهم لبعض، أي الذين بعثوا ﴿ماذا قالَ رَبُّكُمْ﴾ ماذا حكم فيكم؟ ﴿قالُوا الْحَقَّ﴾ أي حكمه تعالى فينا هو الحقّ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ عن الشركاء.
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢٤)
٢٤ - ﴿قُلْ﴾ أيها المؤمن لهؤلاء المشركين ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللهُ﴾ وحده يرزقكم، في حين أنّ الشركاء المزعومين لا يقدرون على شيء ﴿وَإِنّا أَوْ إِيّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وهذا القول من قبيل التواضع، ومعناه؛ إننا لا ندّعي احتكار الحقيقة، ولكن من المؤكد أنّ أحدنا على ضلال، وهو الأدب في النقاش والجدال.
﴿قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمّا أَجْرَمْنا﴾ نسبوا الإجرام إلى أنفسهم ولم ينسبوه إلى المشركين، إمعانا في الحرص على مشاعر الآخرين، والأدب في الدعوة، انظر [النحل ١٢٥/ ١٦]، ﴿وَلا نُسْئَلُ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ لأن كل إنسان يتحمل عاقبة عمله.
﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتّاحُ الْعَلِيمُ﴾ (٢٦)
٢٦ - ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا﴾ يوم القيامة ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ﴾ يومئذ يتبيّن لكم الحق من الباطل ﴿وَهُوَ الْفَتّاحُ﴾ القاضي في القضايا المنغلقة، فكيف بالواضحة؟ ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما ينبغي القضاء به.
﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلاّ بَلْ هُوَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾
стр. 1538
٢٧ - ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ﴾ إذ كنتم تعبدون أوهامكم ونزواتكم ﴿كَلاّ بَلْ هُوَ اللهُ﴾ وحده المستحق للعبادة ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب القاهر ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه.
﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٨)
٢٨ - ﴿وَما أَرْسَلْناكَ﴾ أيها النبي ﴿إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ رسالة الإسلام عالمية ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ إن الرسالات السماوية قد ختمت بالإسلام.
﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٩)
٢٩ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾ منكرو الآخرة ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ بيوم القيامة المشار إليه بالآية (٢٦)؟ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم؟
﴿قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٣٠)
٣٠ - ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعادُ يَوْمٍ﴾ إذا فاجأكم ﴿لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ لا يمكنكم تقديمه ولا تأخيره.
﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ (٣١)
٣١ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كفروا بالرسالات السماوية مطلقا، بالقرآن وبما تبقى بين يديه من الوحي الصحيح من الرسالات السابقة اليهودية والمسيحية، وبهذا الإنكار يظنّون أنّ بإمكانهم التصرف في الدنيا على هواهم بلا أي رادع ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يوم الحساب ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ في جدل عقيم ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا﴾ من الأتباع ﴿لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا﴾ من الزعماء الذين كانوا منهمكين في الدنيا ﴿لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ بما جاءت به الرسل.
стр. 1539
﴿قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ (٣٢)
٣٢ - ﴿قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا﴾ من الزعماء ﴿لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا﴾ من الأتباع ﴿أَنَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ﴾ تبرّأ الزعماء من الأتباع ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ باختياركم، إذ اتّبعتم أهواءكم ومصالحكم الشخصية.
﴿وَقالَ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣٣)
٣٣ - ﴿وَقالَ الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ كنتم تمكرون بنا ليلا نهارا استغلالا لنا ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللهِ﴾ تنفون أن يكون هنالك إله وبعث وحساب ﴿وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً﴾ بأن نجري وراء مكاسب دنيوية زائلة ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فصارت أرواحهم حبيسة ما كانوا عليه من القيم الزائفة ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فلا شيء يتم اعتباطا، وكل عمل يحمل نتائجه في طيّاته.
﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ (٣٤)
٣٤ - ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ﴾ في مجتمع من المجتمعات ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾ نبي من الأنبياء ﴿إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها﴾ الغارقون في ملذّاتهم ﴿إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ سلفا قبل أن نطّلع على فحوى الرسالة، استكبارا وخوفا على مكاسبهم الدنيوية.
﴿وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (٣٥)
٣٥ - ﴿وَقالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً﴾ منكم ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ فليس هنالك من بعث ولا ثواب ولا عقاب.
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾
стр. 1540
٣٦ - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ أن يبسط له ﴿وَيَقْدِرُ﴾ بالقليل على من يشاء ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ قد يظنّون بسط الرزق تكريما لهم، ودليل رضا الله عنهم، ولا يعلمون أن الله تعالى يبسط الرزق للناس مؤمنهم وكافرهم، بحسب الحكمة، ولو بسط الرزق للمؤمنين فقط لانتفى الخيار الأخلاقي ولصار الإيمان إلجاء.
﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ بِما عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ﴾ (٣٧)
٣٧ - ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى﴾ ليست العبرة عند الله بكثرة المال والولد ﴿إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً﴾ لكن العبرة بالإيمان والعمل الصالح ﴿فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ﴾ أضعافا مضاعفة ﴿بِما عَمِلُوا﴾ من الصالحات ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ﴾ في منازل الجنة العالية ﴿آمِنُونَ﴾ من مكاره الدنيا.
﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ (٣٨)
٣٨ - ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آياتِنا﴾ بالرد والطعن فيها ﴿مُعاجِزِينَ﴾ لغرض التعجيز بزعمهم ﴿أُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ﴾ بنتيجة ما قدّموا.
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ (٣٩)
٣٩ - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ فلا تخشوا الفقر وأنفقوا في سبيل الله ﴿وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ في سبيله ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ يعطي بدله عوضا عنه ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ لأنه وحده الرزّاق حقيقة، بتسخيره الأسباب.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠)﴾
стр. 1541
٤٠ - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ المشركين والكفار ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ لأنهم كانوا يضللون أنفسهم بعبادة قوى وهمية، كعبادة الثالوث عند المسيحية، وقد يزعمون أنها ملائكة.
﴿قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ (٤١)
٤١ - ﴿قالُوا﴾ أي الملائكة ﴿سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أنت مولانا، ولا موالاة بيننا وبينهم ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ كانوا يعبدون الزيف والأوهام، لأن تعبير الجن مشتق من الخفاء ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ لشدة ما كانوا عليه من الضلال.
﴿فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ (٤٢)
٤٢ - ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يوم القيامة ﴿لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا﴾ القيم الزائفة والأوهام والزعامات لا تفيد أصحابها، وإن أفادتهم مؤقتا في الدنيا فهي تخذلهم في الآخرة ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ كنتم تكذّبون أن أعمالكم السيئة وعبادتكم المادة ذات عواقب وخيمة، فلم تكترثوا.
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٤٣)
٤٣ - ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ آيات ناطقة بالتوحيد ومبطلة للشرك ﴿قالُوا﴾ وهو قول يقوله الكفار في كل زمن ﴿ما هذا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ فتمسّكوا بتقليد الآباء والأجداد ﴿وَقالُوا ما هذا﴾ القرآن ﴿إِلاّ إِفْكٌ﴾ كلام لا مصداق له ﴿مُفْتَرىً﴾ بإسناده إلى الله عزّ
стр. 1542
وجلّ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ نسبوا بعثته ﷺ إلى السحر لمّا عجزوا عن معارضتها.
﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (٤٤)
٤٤ - ﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ﴾ سماوية ﴿يَدْرُسُونَها﴾ فتثبت لهم عقائدهم الفاسدة من شرك وعبادة الأوهام ﴿وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يدعوهم إلى الشرك.
﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ (٤٥)
٤٥ - ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الأمم التي جاءتها الرسل في الماضي ﴿وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ ما أوحينا إلى الأمم البائدة عن طريق رسلهم لم يبلغ معشار، أي عشر، ما نزل على قريش في القرآن الكريم ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ كيف كان إنكاري لتكذيبهم بما نزل عليهم من الدمار، والمغزى أن لا عذر للعرب بإنكار رسالة الإسلام فهي أقوى بعشر مرات على الأقل ممّا نزل على الأمم قبلهم.
﴿قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ (٤٦)
٤٦ - ﴿قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ﴾ أعظكم وأنصحكم بخصلة واحدة ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى﴾ بصحبة مجموعة منكم، أو منفردين ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ الأمر من البساطة بحيث لا يحتاج إلاّ للتفكير الموضوعي للتوصل إلى الإيمان والتوحيد ﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ فليس من جنون في النبي كما تدّعون ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ينذركم بعواقب الأمور في الحياة الآخرة.
стр. 1543
﴿قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٤٧)
٤٧ - ﴿قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ المعنى لم أطلب منكم تعويضا ماديا دنيويا على تبليغ الرسالة ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾ من الثواب فقط ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فقد أبلغتم الرسالة، ولا تضرّونني شيئا.
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (٤٨)
٤٨ - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، فيزيله، انظر [الأنبياء ١٨/ ٢١]، وأيضا إن الله تعالى يقذف بالحق في قلوب عباده المؤمنين، أو الذين لديهم قابلية للإيمان، فيؤمنون ويزداد إيمانهم ﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ يعلم ما في قلوب خلقه من ميول، وما جبلت عليه.
﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾ (٤٩)
٤٩ - ﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ﴾ وزهق الباطل، ببعثة النبي ﷺ ﴿وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ﴾ الكفر والشرك ﴿وَما يُعِيدُ﴾ لأن الباطل في حد ذاته ليس سوى وهم، فكيف للوهم أن يفعل شيئا؟
﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ (٥٠)
٥٠ - ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ وحدي أتحمّل عاقبة الضلال ﴿وَإِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ والاهتداء بهدايته تعالى ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ للدعاء ﴿قَرِيبٌ﴾ من عباده.
﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ (٥١)
٥١ - ﴿وَلَوْ تَرى﴾ أيها الرسول، أو أيها المؤمن ﴿إِذْ فَزِعُوا﴾ فزع الكفار يوم القيامة ﴿فَلا فَوْتَ﴾ لا يفوتون الله ، وليس لهم من مفرّ يفرّون إليه ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ وليس أقرب من داخلهم ونفوسهم.
стр. 1544
﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٢)
٥٢ - ﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ﴾ بالقرآن ﴿وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ المعنى لا يفيدهم الإيمان بعد أن فارقوا الدنيا، والبعد المعنوي بين الدنيا والآخرة لا متناه.
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٣)
٥٣ - ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾ بالقرآن ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في دنياهم ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ كانوا في دنياهم ينظّرون بما ليس لهم به علم من عالم الغيب ﴿مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ بعد المسافة المعنوية بين عالم المشاهدة وعالم الغيب.
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ (٥٤)
٥٤ - ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ من دخول الجنة، أو من العودة إلى الدنيا لتكون لهم فرصة ثانية، أو ما يشتهون من التوبة بعد فوات الأوان ﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ لأن سنّة الله في أمثالهم لا تتغيّر ﴿إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ من الوحي، فكانوا يقارنون ما يمكن أن يفوتهم من ملذّات الدنيا وزخرفها على فرض أن ليس من آخرة ولا بعث ولا حساب.
стр. 1545
سورة فاطر - ٣٥ - مكية
مقدمة
نزلت في النصف الأول من الفترة المكية.
ارتباط السورة بما قبلها
في سورة سبأ الشكر لا يكون بالقول فقط بل بالعمل: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً﴾ (١٣/ ٣٣)، ثم في سورة فاطر العمل الصالح يرفع الكلم الطيب: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١٠/ ٣٥).
وفي سورة سبأ الكفار مصرّون على إنكار الوحي مطلقا: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (٣١/ ٣٤)، مع العلم أنّ ما سبق نزوله من الوحي على الأمم السالفة لم يبلغ معشار ما نزل في القرآن الكريم: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ (٤٥/ ٣٤)، ثمّ في سورة فاطر أن كفار قريش في زمانهم، والكفار في كل زمان، مستكبرون ينفرون من القرآن بالرغم من مزاعمهم أنهم على استعداد للهداية، إذ يصدّهم الاستكبار والمكر السيّئ عن القرآن:
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً * اِسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ (٤٢/ ٣٥ - ٤٣).
وفي سورة سبأ أن ليس لدى الكفار من كتب سماوية تؤيد ما يذهبون إليه من ضلال: ﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ﴾
следующие страницы →