Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
٤٠ - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ المشركين والكفار ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ لأنهم كانوا يضللون أنفسهم بعبادة قوى وهمية، كعبادة الثالوث عند المسيحية، وقد يزعمون أنها ملائكة.
﴿قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ (٤١)
٤١ - ﴿قالُوا﴾ أي الملائكة ﴿سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أنت مولانا، ولا موالاة بيننا وبينهم ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ كانوا يعبدون الزيف والأوهام، لأن تعبير الجن مشتق من الخفاء ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ لشدة ما كانوا عليه من الضلال.
﴿فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ (٤٢)
٤٢ - ﴿فَالْيَوْمَ﴾ يوم القيامة ﴿لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعاً وَلا ضَرًّا﴾ القيم الزائفة والأوهام والزعامات لا تفيد أصحابها، وإن أفادتهم مؤقتا في الدنيا فهي تخذلهم في الآخرة ﴿وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ كنتم تكذّبون أن أعمالكم السيئة وعبادتكم المادة ذات عواقب وخيمة، فلم تكترثوا.
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ وَقالُوا ما هذا إِلاّ إِفْكٌ مُفْتَرىً وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٤٣)
٤٣ - ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ آيات ناطقة بالتوحيد ومبطلة للشرك ﴿قالُوا﴾ وهو قول يقوله الكفار في كل زمن ﴿ما هذا إِلاّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ﴾ فتمسّكوا بتقليد الآباء والأجداد ﴿وَقالُوا ما هذا﴾ القرآن ﴿إِلاّ إِفْكٌ﴾ كلام لا مصداق له ﴿مُفْتَرىً﴾ بإسناده إلى الله عزّ
стр. 1542
وجلّ ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ نسبوا بعثته ﷺ إلى السحر لمّا عجزوا عن معارضتها.
﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ (٤٤)
٤٤ - ﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ﴾ سماوية ﴿يَدْرُسُونَها﴾ فتثبت لهم عقائدهم الفاسدة من شرك وعبادة الأوهام ﴿وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ﴾ يدعوهم إلى الشرك.
﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ (٤٥)
٤٥ - ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الأمم التي جاءتها الرسل في الماضي ﴿وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ﴾ ما أوحينا إلى الأمم البائدة عن طريق رسلهم لم يبلغ معشار، أي عشر، ما نزل على قريش في القرآن الكريم ﴿فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ كيف كان إنكاري لتكذيبهم بما نزل عليهم من الدمار، والمغزى أن لا عذر للعرب بإنكار رسالة الإسلام فهي أقوى بعشر مرات على الأقل ممّا نزل على الأمم قبلهم.
﴿قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ (٤٦)
٤٦ - ﴿قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ﴾ أعظكم وأنصحكم بخصلة واحدة ﴿أَنْ تَقُومُوا لِلّهِ مَثْنى وَفُرادى﴾ بصحبة مجموعة منكم، أو منفردين ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ الأمر من البساطة بحيث لا يحتاج إلاّ للتفكير الموضوعي للتوصل إلى الإيمان والتوحيد ﴿ما بِصاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ﴾ فليس من جنون في النبي كما تدّعون ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ ينذركم بعواقب الأمور في الحياة الآخرة.
стр. 1543
﴿قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٤٧)
٤٧ - ﴿قُلْ ما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ المعنى لم أطلب منكم تعويضا ماديا دنيويا على تبليغ الرسالة ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾ من الثواب فقط ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ فقد أبلغتم الرسالة، ولا تضرّونني شيئا.
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (٤٨)
٤٨ - ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ﴾ على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق، فيزيله، انظر [الأنبياء ١٨/ ٢١]، وأيضا إن الله تعالى يقذف بالحق في قلوب عباده المؤمنين، أو الذين لديهم قابلية للإيمان، فيؤمنون ويزداد إيمانهم ﴿عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ يعلم ما في قلوب خلقه من ميول، وما جبلت عليه.
﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيدُ﴾ (٤٩)
٤٩ - ﴿قُلْ جاءَ الْحَقُّ﴾ وزهق الباطل، ببعثة النبي ﷺ ﴿وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ﴾ الكفر والشرك ﴿وَما يُعِيدُ﴾ لأن الباطل في حد ذاته ليس سوى وهم، فكيف للوهم أن يفعل شيئا؟
﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي وَإِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ (٥٠)
٥٠ - ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّما أَضِلُّ عَلى نَفْسِي﴾ وحدي أتحمّل عاقبة الضلال ﴿وَإِنِ اِهْتَدَيْتُ فَبِما يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ والاهتداء بهدايته تعالى ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ﴾ للدعاء ﴿قَرِيبٌ﴾ من عباده.
﴿وَلَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ (٥١)
٥١ - ﴿وَلَوْ تَرى﴾ أيها الرسول، أو أيها المؤمن ﴿إِذْ فَزِعُوا﴾ فزع الكفار يوم القيامة ﴿فَلا فَوْتَ﴾ لا يفوتون الله ، وليس لهم من مفرّ يفرّون إليه ﴿وَأُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ﴾ وليس أقرب من داخلهم ونفوسهم.
стр. 1544
﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٢)
٥٢ - ﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ﴾ بالقرآن ﴿وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ المعنى لا يفيدهم الإيمان بعد أن فارقوا الدنيا، والبعد المعنوي بين الدنيا والآخرة لا متناه.
﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٣)
٥٣ - ﴿وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ﴾ بالقرآن ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في دنياهم ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ﴾ كانوا في دنياهم ينظّرون بما ليس لهم به علم من عالم الغيب ﴿مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ بعد المسافة المعنوية بين عالم المشاهدة وعالم الغيب.
﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ (٥٤)
٥٤ - ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ﴾ من دخول الجنة، أو من العودة إلى الدنيا لتكون لهم فرصة ثانية، أو ما يشتهون من التوبة بعد فوات الأوان ﴿كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ﴾ لأن سنّة الله في أمثالهم لا تتغيّر ﴿إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ﴾ من الوحي، فكانوا يقارنون ما يمكن أن يفوتهم من ملذّات الدنيا وزخرفها على فرض أن ليس من آخرة ولا بعث ولا حساب.
стр. 1545
سورة فاطر - ٣٥ - مكية
مقدمة
نزلت في النصف الأول من الفترة المكية.
ارتباط السورة بما قبلها
في سورة سبأ الشكر لا يكون بالقول فقط بل بالعمل: ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً﴾ (١٣/ ٣٣)، ثم في سورة فاطر العمل الصالح يرفع الكلم الطيب: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (١٠/ ٣٥).
وفي سورة سبأ الكفار مصرّون على إنكار الوحي مطلقا: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (٣١/ ٣٤)، مع العلم أنّ ما سبق نزوله من الوحي على الأمم السالفة لم يبلغ معشار ما نزل في القرآن الكريم: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَما بَلَغُوا مِعْشارَ ما آتَيْناهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ (٤٥/ ٣٤)، ثمّ في سورة فاطر أن كفار قريش في زمانهم، والكفار في كل زمان، مستكبرون ينفرون من القرآن بالرغم من مزاعمهم أنهم على استعداد للهداية، إذ يصدّهم الاستكبار والمكر السيّئ عن القرآن:
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً * اِسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ (٤٢/ ٣٥ - ٤٣).
وفي سورة سبأ أن ليس لدى الكفار من كتب سماوية تؤيد ما يذهبون إليه من ضلال: ﴿وَما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وَما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ﴾
стр. 1546
﴿نَذِيرٍ﴾ (٤٤/ ٣٤)، ثم في سورة فاطر أن الله تعالى أورث القرآن لأمة الإسلام فكان منهم الظالم، ومنهم الوسط ممّن خلطوا عملا صالحا وعملا سيئا، ومنهم السابق بأعمال الخير: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (٣٢/ ٣٥).
وفي سورة سبأ الكفار يؤمنون بعد الفوات فلا يفيدهم إيمانهم المتأخر:
﴿وَقالُوا آمَنّا بِهِ وَأَنّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٢/ ٣٤)، والسبب في ذلك تبينه سورة فاطر: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (٣٧/ ٣٥).
محور السورة
إنّ أعمال الكفار رغم بشاعتها تبدو لهم حسنة: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ (٨)، وعلى النقيض من ذلك فإن العمل الصالح يرفع الكلم الطيب المنبثق عن عقيدة صحيحة ونية حسنة، أي إنّ الفعل أعلى من القول، ينال به صاحبه العزّة، ويبور مكر السيئات: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (١٠)، والنتيجة أن موتى القلوب ليسوا كمن يستفيد من العقل السليم: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢٢) وهي القبور المعنوية وليست الحسية فقط، ومن ثم فإن العلماء وحدهم - لا سواهم - يخشون الله خشية حقيقية، وإن بلغت عبادة غيرهم لله ما عسى أن تبلغ، لأنه لا يخشى أحد أحدا إلا مع معرفته، ولا يعرفه جاهل: ﴿كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ (٢٨).
стр. 1547
وأن الله تعالى بعد أن وهب العقول لعباده أطال مكثهم في الدنيا، ولم يعاجلهم بالأخذ، لعلهم يتذكّرون ويتوبون: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ (٣٧)، بل إنه أنعم على عباده - بعد العقل - بالأدلة النقلية من الكتب السماوية ما يؤيّد العقل: ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (٣٧)، لكن الاستكبار والمكر السيّئ وقف حائلا بين الحقيقة وبين منكريها: ﴿اِسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ (٤٣)، غير أنّ الله تعالى يمهلهم للحساب ولا يهملهم: ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً﴾ (٤٥).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)
١ - ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي موجدهما ومبدعهما على غير مثال سابق، وأصل الفطر الشق، كأنه تعالى شقّ العدم فأوجدهما ﴿جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً﴾ وسائط بينه وبين أنبيائه، والصالحين من عباده، يبلّغون إليهم رسالاته سبحانه، بالوحي وبالإلهام وبالرؤيا الصادقة ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ قد تكون إشارة إلى الوسائل المتعددة التي بواسطتها تنفذ مشيئته تعالى في الكون ﴿يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ﴾ لأن الخلق في تغيّر وتجدّد دائمين ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يخرج عن إرادته شيء.
﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)
٢ - ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ يطلقها ويرسلها ﴿فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ لا أحد يقدر على منعها ﴿وَما يُمْسِكْ﴾ من رحمة أو غيرها ﴿فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فلا أحد يقدر على إرسالها ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب على كل ما يشاء من
стр. 1548
الأمور التي من جملتها الفتح والإمساك ﴿الْحَكِيمُ﴾ يفعل كل مل يفعل بحسب الحكمة والمصلحة.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٣)
٣ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ راعوها واحفظوها، بمعرفة حقّها والاعتراف بها ﴿هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ فمن نعمه نعمة الإيجاد، ونعمة الإبقاء، ونعمة المطر، ونعمة إنبات النبات ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ بعد أن بيّنت الآية أنّه تعالى متفرّد بالألوهية وبالخلق وبرزق العباد، فكيف يصرفون عن التوحيد إلى الشرك؟
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٤)
٤ - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أيها النبي، مع كل ما سبق من البيان والإعجاز ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ من طبيعة المجتمعات الإنسانية أن درجت على تكذيب الرسل منذ القدم ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ من سنّة الله في خلقه أن ترك للناس حرية الخيار، وإليه ترجع الأمور في بعث الرسل وهدي الأمم.
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ (٥)
٥ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ في البعث والحساب ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ بمادّتها وبمباهجها وزخرفها ﴿وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ أي المبالغ في الغرور، وهو كل ما يغرّ الإنسان من مال وجاه وشهوة وسلطان وشيطان، وهو من قبيل الضلالات التي تزيّن للمرء عمله السيّئ، فيبدو في نظره حسنا، وتمنّيه بالجنة والمغفرة رغم المعاصي، فهو من قبيل التمنّي الخادع، انظر [لقمان ٣٣/ ٣١].
стр. 1549
﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ (٦)
٦ - ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ بوساوسه السيئة ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ بطرد وساوسه ﴿إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ لأنه يزيّن لمن يتّبعونه سوء عملهم، ويدعوهم إلى اتّباع الهوى والركون إلى ملذات الدنيا.
﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٧)
٧ - ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ باستجابتهم لوساوس الشيطان ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ بصبرهم على الطاعة والتكليف.
﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ (٨)
٨ - ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ اعتقد السيّئ حسنا، كما في الآية (٦)، هل هو كمن رأى عمله على حقيقته ﴿فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ﴾ فيخلّيه لنفسه ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ يوفّقه للهداية بحسب استعداده ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ﴾ فلا تغتمّ، أيها النبي، وأيها المؤمن، إن لم يؤمنوا جميعا، وإن لم يهتدوا إلى الصراط المستقيم ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ﴾ يعلم ما يختارون ويقدّمون لأنفسهم من خير أو شر، فتلك سنّته تعالى في خلقه.
﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها كَذلِكَ النُّشُورُ﴾ (٩)
٩ - مزيد من البراهين على النشور حتى الآية (٢٨)﴾: ﴿وَاللهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَسُقْناهُ إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ بلد مات نباته من القحط ﴿فَأَحْيَيْنا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها﴾ المطر أحيا الأرض بعد أن ماتت زروعها ﴿كَذلِكَ النُّشُورُ﴾ إحياء الأموات يوم الحساب، والبرهان على البعث.
стр. 1550
﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ (١٠)
١٠ - ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ﴾ الشرف والمنعة اعتزازا بشخصه ﴿فَلِلّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً﴾ في الدنيا والآخرة ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ الكلام الحسن، والدعاء الذي لا ظلم فيه، الذي يستطيبه العقل السليم ولا يردّه، يصعد إلى الله تعالى ﴿وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ العمل الصالح يرفع الكلم الطيب إلى الله تعالى، وأيضا: العمل الصالح يرفع صاحبه ويشرّفه ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يمكرون مكر السيئ، فيبتكرون الحجج الفاسدة ضد ما هو حقّ، وينكرون الحياة الآخرة ﴿لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ مكرهم يفسد، لأنّ حججهم باطلة، فلا يحيق المكر السيئ إلاّ بأهله.
﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (١١)
١١ - ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ﴾ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢/ ٢٣]، ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون ١٣/ ٢٣]، ﴿ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً﴾ من ذكر وأنثى ﴿وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ﴾ يعلم تعالى جميع خلقه ﴿وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ﴾ يزيد في عمره ﴿وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ في علم الله القديم يوم خلق السماوات والأرض ﴿إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ لاستغنائه تعالى عن الأسباب.
﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾
стр. 1551
١٢ - استمرار الخطاب لقوله: إن ذلك على الله يسير، ومنه الكثير من آيات الخلق التي تدهش العلماء بإعجازها: ﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ﴾ يكسر العطش ﴿سائِغٌ شَرابُهُ﴾ مياه الأنهار العذبة تستسيغ النفس شربها ﴿وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ مياه البحار شديدة الملوحة ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا﴾ السمك ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها﴾ اللؤلؤ والمرجان ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ﴾ السفن تمخر البحار ﴿لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ ما فيه مصالحكم ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ تعرفون حقوقه تعالى، فتشكرون نعمه بالقول والعمل.
﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ (١٣)
١٣ - ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ﴾ بكرويّة الأرض ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ للحياة على الأرض ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الأجل يوم القيامة، يوم تتغير الأرض غير الأرض والسماوات ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ والتصرّف فيه ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ من أوهامكم ﴿ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ﴾ مثل للشيء الدنيء الطفيف، كالقشرة على رأس نواة التمر، وكقشر الثوم، والمعنى؛ إن شركاء الوهم الذين تدعونهم لا يملكون شيئا على الإطلاق، فالملك لله وحده.
﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اِسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (١٤)
١٤ - ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ﴾ هؤلاء الشركاء الذين تشركون ﴿لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اِسْتَجابُوا لَكُمْ﴾ لأنهم إمّا مخلوقات جامدة كالأوثان، أو وهمية من اختراع العقل، أو عاجزة كالزعماء والقدّيسين والأولياء ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ يكفرون بعابديهم، كناية عن اكتشاف المرء للحقيقة يوم القيامة، وما كان عليه في دنياه من الوهم ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ الله تعالى.
стр. 1552
﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (١٥)
١٥ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللهِ﴾ أنتم بحاجة إلى نعمه تعالى: نعمة الإمداد بالحياة، ونعمة الصحّة، ونعمة الرزق، فالإنسان خلق ضعيفا، [النساء ٢٨/ ٤]، ﴿وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ غنيّ عن عباده ومخلوقاته، مستحقّ الحمد على نعمائه، المحمود بذاته.
﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٦)
١٦ - ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ أيها الناس ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ لا تعرفونهم، ليسوا على صفتكم من الجحود والشرك، هذا في المعنى العام، وفي المعنى الخاص: إن يشأ يذهبكم أيها العرب، أو أيها المسلمون، ويأت بخلق جديد أقدر منكم على حمل رسالة الإسلام.
﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ (١٧)
١٧ - ﴿وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ﴾ ليس صعبا، إنّما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، [يس ٨٢/ ٣٦].
﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكّى فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ (١٨)
١٨ - استمرار الخطاب من الآية (٨)﴾: ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ كل إنسان يتحمّل مسؤولية أعماله، فلا تحمل نفس إثم نفس أخرى، بل تحمل كل نفس وزرها ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها﴾ نفس مثقلة بالأوزار، أي بالذنوب، تدعو الآخرين للمشاركة في حمل ذنوبها ﴿لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ فيستحيل، وليس من العدالة في شيء، نقل عبء الذنوب من نفس إلى أخرى ﴿وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ ولو كان المدعو إلى المشاركة في حمل الذنوب من الأقرباء، وهذه الآية بالمناسبة تنفي العقيدة المسيحية القائلة بافتداء الناس من خطاياهم بالنيابة،
стр. 1553
أي زعمهم بأنّ المسيح بموته المزعوم على الصليب، افتدى خطايا البشرية سلفا، ﴿إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ لأنهم توصّلوا إلى معرفته غائبا عن إدراكهم الحسّي ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ كما ينبغي ﴿وَمَنْ تَزَكّى فَإِنَّما يَتَزَكّى لِنَفْسِهِ﴾ من تطهّر من الأوزار يقتصر النفع عليه ﴿وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ فيجازي كلّ مسؤول عن ذنبه، لا أحد غيره.
﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ (١٩)
١٩ - ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ أي بعد كل هذه الحجج التي بدأت بالآية (٩)، لم يبق للمكابر المعاند إلاّ أن يكون أعمى القلب، إذ لا يستطيع إبصار الحقيقة كما يراها الذي على بصيرة.
﴿وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ﴾ (٢٠)
٢٠ - ﴿وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ﴾ ظلمات الجهالة ليست مثل نور العلم والمعرفة.
﴿وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ (٢١)
٢١ - ﴿وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ﴾ ثواب العالم المؤمن ليس كعاقبة الكافر والجاهل.
﴿وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢٢)
٢٢ - ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ﴾ تشبيه الأحياء والأموات، بالعلماء والجهلاء، وأيضا تشبيه المؤمنين بالأحياء، والكفار بالأموات بسبب موت مداركهم ﴿إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ﴾ من يشاء سماع الآيات سماع فهم وتدبّر، وليس من يسمعها سماع الببغاء، أو سماع الجحود والإنكار ﴿وَما أَنْتَ﴾ أيها النبي، أو أيها المسلم، أو أيّها الداعية ﴿بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ليس
стр. 1554
باستطاعتك إسماع المصرّين على الكفر، شبّهتهم الآية بالأموات في قبورهم، فلا سبيل لسماعهم، انظر [البقرة ٦/ ٢].
﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾ (٢٣)
٢٣ - ﴿إِنْ أَنْتَ إِلاّ نَذِيرٌ﴾ بلا إكراه ولا إجبار، هذا كلّ ما في الأمر.
﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ (٢٤)
٢٤ - ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ﴾ داعيا إلى الحقّ ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ بشيرا لمن آمن، ونذيرا لمن كفر ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ كل أمّة جاءها رسول من الرسل، فلم يبق لأحد من عذر بالجهل.
﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أيها النبي ﴿فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم العاتية ﴿جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ الآيات البيّنات تكشف لهم الحقيقة ﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ بالكتب المقدّسة ﴿وَبِالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ كالتوراة والإنجيل، فليس من المستغرب أن كذّبوا ويكذّبون النبي ﷺ .
﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ (٢٦)
٢٦ - ﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر بلا توبة ﴿فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ كيف كان إنكاري عليهم، وما كان من عاقبة أمرهم.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ﴾ (٢٧)
٢٧ - ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها الإنسان ﴿أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾ المطر ﴿فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها﴾ أخرج بالمطر نباتا ذا ثمرات منوّعة ﴿وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ﴾ خلق تعالى الجبال من طبقات جيولوجية تتجدد وتتراكم على مر العصور ﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها﴾ هذه الطبقات الجيولجية،
стр. 1555
المكوّنة منها الجبال، ذات ألوان مختلفة كما يراها الناظر في مقاطع الجبال والكهوف والهضاب ﴿وَغَرابِيبُ سُودٌ﴾ ومن هذه الطبقات الجيولوجية الأسود شديد السواد، كما هي الحال في صخور البازالت، لأنّ الغربيب هو الذي أبعد في السواد، فيقولون أسود غربيب، ومنه الغراب.
﴿وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (٢٨)
٢٨ - ﴿وَمِنَ النّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ﴾ خلقها الله تعالى ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ العلماء يعرفون الله حقّ المعرفة فيخافونه ويرجونه، وهم العلماء الذين بالإضافة لعلومهم الدنيوية يتمتعون بجانب من المعرفة الروحانية، لأنهم يدركون من دراساتهم أنّ ما يلاحظونه بحواسّهم من عالم المشاهدة لا يمكن أن يعبّر عن كامل الحقيقة التي لا يمكن الإلمام بها إلاّ بالإقرار بوجود عالم الغيب، الذي يغيب تصوّره عن إدراك البشر ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ كامل القدرة ﴿غَفُورٌ﴾ للتائبين.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ (٢٩)
٢٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ﴾ ويتّبعون ما ورد فيه ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقْناهُمْ﴾ لأنّ الإنفاق يصدّق إيمانهم ﴿سِرًّا وَعَلانِيَةً﴾ الإنفاق سرّا للنفل، وإنفاق العلانية للفرض ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ لن تفسد، ولن تكسد.
﴿لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (٣٠)
٣٠ - ﴿لِيُوَفِّيَهُمْ﴾ الله تعالى ﴿أُجُورَهُمْ﴾ بما يستحقّون ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ من خزائن رحمته ما يشاء ﴿إِنَّهُ غَفُورٌ﴾ لهفوات المؤمنين العاملين ﴿شَكُورٌ﴾ لطاعاتهم، مجازيهم عليها أكمل الجزاء.
стр. 1556
﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (٣١)
٣١ - ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ هُوَ الْحَقُّ﴾ هو القرآن، وقوله: من الكتاب أي هو من جنس الكتاب أو جنس الكتب السماوية التي أوحي بها ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ القرآن يصدّق فقط ما تبقّى بين يديه من الوحي الصحيح في الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل، لأنّ الجزء الأكبر منها دخله التشويه وهو من كتابات البشر ﴿إِنَّ اللهَ بِعِبادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ محيط ببواطن أمورهم وظواهرها، ومن ذلك نواياهم.
﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (٣٢)
٣٢ - ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ﴾ أي القرآن، فلا كتاب بعده، وهو الموروث ﴿الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ وهم المسلمون قاطبة ﴿فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ ليس فقط بالتقصير في العمل بالكتاب، وإنّما أيضا بالإسراف في الخطايا والإجرام ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ بأن خلط عملا صالحا وآخر سيئا، فهو متردّد بين العمل بالقرآن وبين مخالفته ﴿وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللهِ﴾ فأخلص العمل لله ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ أي التوفيق إلى الخيرات والسبق بها.
﴿جَنّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ (٣٣)
٣٣ - ﴿جَنّاتُ عَدْنٍ﴾ ذات النعيم الدائم ﴿يَدْخُلُونَها﴾ السابقون بالخيرات، وغيرهم من يدخلها بفضل الله تعالى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ﴾ كناية عن نعيم الجنة.
﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾
стр. 1557
٣٤ - ﴿وَقالُوا﴾ الذين دخلوا الجنة ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ ذهبت جميع أحزان الدنيا والآخرة، ومنها حزن معيشة الدنيا، وحزن المرض والضر، وحزن تقلّب القلب وخوف العاقبة، وحزن أن لا تقبل الأعمال، وحزن أهوال الآخرة ﴿إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ﴾ لكثير من خطايانا، ولولا ذلك ما دخلنا الجنة ﴿شَكُورٌ﴾ يقبل الشكر من عباده.
﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ (٣٥)
٣٥ - ﴿الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ﴾ دار الإقامة الدائمة في النعيم الذي لا انتقال منه ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ من تفضّله وكرمه سبحانه، وليس باستحقاقنا ﴿لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ﴾ تعب جسماني ﴿وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ﴾ تعب نفساني.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ (٣٦)
٣٦ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ لا يموتوا ميتة ثانية، بل يبقوا في العذاب ﴿وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها كَذلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ كلّ مبالغ في الكفر، مصرّ عليه.
﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَما لِلظّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ (٣٧)
٣٧ - ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها﴾ يصيحون بأعلى صوتهم: ﴿رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ يطلبون ويتمنّون لو تتاح لهم فرصة اختبار ثانية في الدنيا يعودون إليها، فيعملون عملا صالحا غير العمل السيّئ الذي كانوا يعملونه أول مرّة، فيأتيهم الجواب: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ ألم نمهلكم في سني حياتكم العمر الكافي ﴿ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ أي في عمركم، فكان لديكم العمر والفرصة الكافية والفطنة للتذكّر، وقالوا في العمر الكافي للتذكّر أقوالا كثيرة تراوحت من العشرين إلى الستّين عاما ﴿وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ بمختلف
стр. 1558
أشكاله: فهنالك القرآن الكريم، وهنالك كمال العقل، وهنالك موت الأهل والأقارب، كلها تنذر بقرب الأجل ﴿فَذُوقُوا﴾ العذاب بما كفرتم وبالغتم في الكفر ﴿فَما لِلظّالِمِينَ﴾ أنفسهم ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ في الآخرة.
﴿إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٣٨)
٣٨ - ﴿إِنَّ اللهَ عالِمُ غَيْبِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ يعلم كلّ غيب فيهما، لا يخفى عليه خافية ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ ومن ذلك علمه تعالى بما في صدور عباده من النوايا والاستعداد، والمغزى؛ علمه بأنّ الكفر قد تمكّن في قلب صاحبه، إذ صمّم على ما هو فيه من الكفر والضلال، بحيث لو عمّر إلى الأبد لما أطاع الله ولا عبده.
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاّ مَقْتاً وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاّ خَساراً﴾ (٣٩)
٣٩ - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ تتصرّفون فيها وتنتفعون منها كأنكم استخلفتم عليها، كما تخلفون بعضكم بعضا، أفرادا، ومجتمعات، وأمما، ودولا ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ من استمرّ على كفره بعد أن لطف به الله تعالى وجعل له ما ينبّهه على ما يترتّب على الكفر، فيكون وبال كفره وجزاؤه عليه وحده ﴿وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلاّ مَقْتاً﴾ أشدّ البغض ﴿وَلا يَزِيدُ الْكافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلاّ خَساراً﴾ في آخرتهم.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلاّ غُرُوراً﴾ (٤٠)
٤٠ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ آلهتكم الوهمية، وشركاء الزيف من أوهامكم ﴿أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ حتى يستحقّوا الألوهية ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ﴾ شراكة ﴿فِي السَّماواتِ أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً﴾ للشركاء ﴿فَهُمْ﴾ المشركون ﴿عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ﴾ المعنى؛ إنّ كلّ ذلك لم يحصل، ويبدو أنّ
стр. 1559
في الخطاب إشارة إلى المسيحية ﴿بَلْ إِنْ يَعِدُ الظّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً﴾ من شفاعة الشركاء المزعومين ﴿إِلاّ غُرُوراً﴾ ضلالات من قبيل التمنّي.
﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ (٤١)
٤١ - ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ السماوات والأرض كناية عن النظام الكوني، فالله تعالى وحده يحفظ النظام الكوني من الاضطراب والخلل بما أودع فيه من قوانين الحركة والفيزياء ﴿وَلَئِنْ زالَتا﴾ يوم القيامة، عندما يختل هذا النظام، انظرسورة [التكوير ١/ ٨١ - ٦]، ﴿إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ فلا أحد يمكنه تأخير القيامة وقتئذ ﴿إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ لا يعاجل الناس بتقديم القيامة مع كفر الكثيرين منهم، بل يعطيهم الفرص للتفكير وللتوبة.
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً﴾ (٤٢)
٤٢ - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ وهم كفار قريش، وينطبق على غيرهم ﴿لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ رسول من الله ﴿لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ زعموا أن سوف يكونوا، في تلك الحال، أهدى من أمم اليهود والمسيحية ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ وهو الرسول ﷺ ، ﴿ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً﴾ زادهم تباعدا عن الحقّ وهربا منه.
﴿اِسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ (٤٣)
٤٣ - ﴿اِسْتِكْباراً فِي الْأَرْضِ﴾ استمرار الخطاب من الآية المتقدّمة، أي ما زادهم إلاّ نفورا بسبب استكبارهم استكبارا في الأرض ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ بحجج باطلة زاعمين أن القرآن مفترى من عند محمد، فمكروا السيّئ من المكر في محاولة إبطال القرآن، والمكر منه السيّئ ومنه الحسن، لقوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾
стр. 1560
﴿وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ [الأنفال ٣٠/ ٨]، ﴿وَلا يَحِيقُ﴾ يحيط ﴿الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ من سننه تعالى أن المكر السيئ يرتدّ على أصحابه بالسوء ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ﴾ في حبوط مكرهم ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ سننه تعالى في خلقه لا تتغير، وليس من شيء يحدث اعتباطا.
﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ (٤٤)
٤٤ - ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ويدرسوا تاريخ الأمم قبلهم ﴿فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ عاقبة المكذّبين من الأمم، فلا شيء يشذّ عن سننه تعالى ﴿وَكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ في حضارتهم المادية، لكنها لم تصمد بسبب غياب البعد الروحاني منها، وهؤلاء المكذّبون لا يشذّون عن القاعدة ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ ليس من شأنه أن يفوته أو يسبقه شيء ﴿إِنَّهُ كانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ مبالغا في العلم والمقدرة.
﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً﴾ (٤٥)
٤٥ - ﴿وَلَوْ يُؤاخِذُ اللهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا﴾ من الظلم والسيئات ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ﴾ لعاجل البشر بالعقوبة، ولما ترك من حيوان ولا إنسان يدبّ على ظهر الأرض ﴿وَلكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى يوم القيامة، وهو الأجل المضروب للبشر ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِعِبادِهِ بَصِيراً﴾ فيجازي كلاّ منهم بما كسبوا.
стр. 1561
سورة ياسين - ٣٦ - مكية
مقدمة
نزلت في أواسط الفترة المكية.
ارتباط السورة بما قبلها
في أواخرسورة فاطر أن المشركين من يهود ونصارى وغيرهم زعموا ويزعمون أنهم باحثون عن الحقيقة، ومع ذلك أحجموا عنها لما جاءهم بها الوحي القرآني: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ ما زادَهُمْ إِلاّ نُفُوراً﴾ (٤٢/ ٣٥)، وتفتتح سورة ياسين بأن النذير الذي جاءهم هو النبي ﵇: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١/ ٣٦ - ٣)، لإنذار الغافلين: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ﴾ (٦/ ٣٦)، وتأكيد ذلك أن الله تعالى بعد أن بعث موسى وعيسى إلى بني إسرائيل، عزّز ببعث النبي ﷺ إلى الناس عامة: ﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ (١٤/ ٣٦).
وفي سورة فاطر أن الله تعالى أطال مكث الأفراد في الدنيا وأنزل عليهم الوحي لعلهم يتذكّروا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ (٣٧/ ٣٥)، وفي سورة ياسين أن النذير يفيد فقط من لديه الفطرة السليمة والاستعداد للانتفاع بالذكرى: ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ (١١/ ٣٦)، فالأجدر بالعاقل
стр. 1562
الاستفادة من ملكاته العقلية قبل أن يقضي عليها الهرم: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ (٦٨/ ٣٦).
محور السورة:
أن لا سبيل لسماع من أصرّ على إنكار الحقيقة: ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠)، وأن الله تعالى لم يترك عذرا بالجهالة لأحد فبعث موسى وعيسى في مهبط الرسالات - القرية - ثم عزز بعثتهما ببعثة النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل للناس كافة: ﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ (١٤)، لكنّ الأكثرية درجوا على تكذيب الرسل رغم كل الدلائل التي تؤيدهم: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٣٠)، وفضّلوا عبادة الأوهام والمادة والسلطة والقيم الزائفة، خلافا للفطرة السليمة، وخلافا للعهد المأخوذ عليهم في الأصلاب: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٦٠)، ولم ينتهزوا فرصة العمر قبل فواتها بالهرم وتدهور المدارك العقلية: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ (٦٨)، بل إنهم يجادلون الحق بالباطل وقد نسوا مهانة خلقهم: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ (٧٧).
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿يس﴾ (١)
١ - ﴿يس﴾ قد تكون من الحروف المقطعات، انظر [البقرة ١/ ٢]، و ﴿يس﴾ أيضا بلغة قبيلة طيء تعني أيها الإنسان، أو يا أنيسن بالتصغير كما يقال يا بنيّ تحببا، والخطاب موجّه بالدرجة الأولى للنبي ﷺ وفي النداء إشارة لكون النبي ﷺ بشرا، وليس فوق جنس البشر، والخطاب أيضا موجّه إلى البشر عموما، كما هي الحال في سورة (طه) بمعنى يا رجل، أو أيها الإنسان.
стр. 1563
﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾
٢ - ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ المعنى: انظروا أيها الناس في هذا القرآن ذي الحكمة، أو المشتمل على أقصى درجات الحكمة، فهو برهان على كون النبي مرسلا من الله تعالى: ٣. ﴿إِنَّكَ﴾ أيها النبي ﴿لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ٤. ﴿عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ على الطريق الوحيد المؤدي إلى الحق، وما عداه باطل، ٥. ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ هذا القرآن وحي إلهي بدليل اشتماله على الحكمة.
﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ﴾ (٦)
٦ - ﴿لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ﴾ إن كان المقصود بالقوم، العرب، فقد أنذر إسماعيل آباءهم الأبعدين، وبلّغهم شريعة أبيه إبراهيم، ﵉، حوالي العام ٢٠٠٠ قبل الميلاد، ثم كانت بعثة النبي ﷺ في العام ٦١٠ للميلاد، فانقضى بينهما نحو ستة وعشرين قرنا من الزمن، أما رسالات الأنبياء هود، وصالح، وشعيب، وإدريس، وذا الكفل، وغيرهم إلى مختلف أرجاء الجزيرة العربية، فلا نعرف تاريخ بعثاتهم على وجه التحديد، وعلى أية حال فقد يكون مغزى الآية انقطاع الأنبياء عن قريش لفترة طويلة من الزمن، ومن ثمّ تدهور التراث الفكري والأخلاقي الذي توارثه العرب عبر القرون عمّا جاء به الأنبياء، أما إن كان المقصود بالقوم الناس كافة لأنّ رسالة الإسلام عالمية، ولأن السورة بدأت بتوجيه الخطاب إلى (يس) أي جنس الإنسان كافة، فقد انقضت حوالي ستة قرون من الزمن بين بعثة عيسى ﵇ آخر أنبياء بني إسرائيل، ثم انتقال سلالة النبوّات من بني إسحاق إلى بني إسماعيل ببعثة النبي ﷺ .
﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٧)
٧ - ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ﴾ أي أكثر الناس، لقوله تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣/ ١٢]، وقد حقّ القول عليهم
стр. 1564
لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣/ ٣٢]، أي الكافرين منهم ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لشدة عنادهم ومكابرتهم وتشنج عقولهم على التقليد.
﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ (٨)
٨ - ﴿إِنّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ﴾ كناية عن إنكارهم الحقيقة وكفرهم المتعمّد ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ رؤوسهم مرفوعة للأعلى بسبب الأغلال في أعناقهم، كناية عن عنجيّتهم وتكبّرهم وسوء استعدادهم، مستكبرين عن اتّباع الرسل، شامخين برؤوسهم، وقد سدّوا أبواب النظر فيما ينفعهم، كما في آية [البقرة ٧/ ٢].
﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (٩)
٩ - ﴿وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ فلا يتقدّمون فكريا ولا يرجعون، كناية عن ماديتهم المحضة، ومنتهى الركود الروحاني لديهم ﴿فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ على سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة، لا يسمعون ولا يبصرون الحقيقة، وليس معنى ذلك أن الله تعالى فرض ذلك عليهم ابتداء، وإنما نتيجة خيارهم الحر وسوء استعدادهم.
﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠)
١٠ - ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ كما في آية [البقرة ٦/ ٢]، لأنهم صمّموا سلفا على إنكار الحقيقة ولم يعطوا أنفسهم فرصة التفكير، ولا فرصة تقويم الرسالة السماوية من حيث جدارتها.
﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾
стр. 1565
١١ - ﴿إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اِتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ الذكر هو القرآن، واتّباعه بهذا المعنى دراسته وفهمه ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ﴾ بالغيب لأنه يفوق التصوّر البشري ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ إذ استفاد من ملكاته الفكرية التي حباه الله بها.
﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا وَآثارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ (١٢)
١٢ - استمرار الخطاب، والمعنى أن كلا من المؤمنين والكفار اختاروا لأنفسهم، والجزاء يلقونه في الآخرة: ﴿إِنّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتى﴾ يوم القيامة ﴿وَنَكْتُبُ ما قَدَّمُوا﴾ من عمل صالح أو طالح ﴿وَآثارَهُمْ﴾ التي أبقوها بعدهم من الحسنات: كالعلم الذي علّموه، أو الكتاب المفيد الذي ألّفوه، وما بذلوا في إصلاح المجتمع، ومن السيئات: كمبادئ الشر والفساد التي أحدثوها وسنّوها للمفسدين ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ من أعمالهم ﴿أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ﴾ لا يفوت منها شيء.
﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ (١٣)
١٣ - بعد ما تقدم بالآيات (١ - ١٢) من نزول القرآن الحكيم على البشرية، وأن أكثر الناس مع ذلك معرضون عن الحقيقة، تضرب الآيات (١٣ - ٣٠) مثلا ببعث الرسل موسى وعيسى ومحمد ﵈:
﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ﴾ القرية في عرف القرآن هي المجتمع، وقد رأى محمد أسد أن المقصود بها مجتمع شرق البحر الأبيض المتوسط ﴿إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ بعث فيه موسى وعيسى ومحمد، ﵈.
﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ (١٤)
١٤ - ﴿إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ﴾ موسى لاقى أشد العنت من بني إسرائيل، ثم انحرفوا بعده إلى الوثنية السافرة، انظر شرح [البقرة ٥١/ ٢]، وعيسى آخر أنبياء
стр. 1566
بني إسرائيل رفضه قومه ﴿فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ هو محمد ﷺ بعث إلى الناس كافة ﴿فَقالُوا﴾ الرسل إلى أقوامهم ﴿إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ من الله تعالى.
﴿قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ﴾ (١٥)
١٥ - ﴿قالُوا﴾ الأقوام لرسلهم ﴿ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا﴾ ولستم من جنس الملائكة، فلا تفضلون علينا بشيء ﴿وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ﴾ من الوحي الذي تدّعون، وقولهم ﴿الرَّحْمنُ﴾ دليل على إقرارهم بالألوهية، مع إنكارهم الرسالة، وتوسلهم بالشفعاء والوثنية ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ﴾ فأنتم طلاّب زعامة بما تدّعون، وأمثال هؤلاء الناس منكري الوحي يزعمون أنهم مؤمنون، ولكن دون السماح لإيمانهم التدخّل في سلوكهم الحياتي اليومي لما في ذلك من قيود أخلاقية يفرضها الوحي عليهم، ولأنهم يريدون التصرف في الدنيا على هواهم.
﴿قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ (١٦)
١٦ - ﴿قالُوا﴾ الرسل لأقوامهم ﴿رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ استشهدوا عليهم بعلم الله تعالى.
﴿وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (١٧)
١٧ - ﴿وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ تبليغا ظاهرا بيّنا، بلا إكراه.
﴿قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٨)
١٨ - ﴿قالُوا﴾ لرسلهم بعد أن فشلوا في النقاش ﴿إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ كما كانت عادة العرب في التفاؤل والتشاؤم بحسب طيران الطائر الذي يلاحظونه يمنة أو يسرة، فيتفاءلون ويتيامنون بما يوافق شهواتهم إن طار يمنة، ويتشاءمون بما لا يوافقها إن طار يسرة ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا﴾ عن دعوتكم لنا وإصراركم ﴿لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ بالحجارة ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ إضافة إلى الرجم، يريدون التخلص من الرسل ودعوتهم.
стр. 1567
﴿قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (١٩)
١٩ - ﴿قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ حظّكم ونصيبكم من الخير والشر معكم، ومرتبط بإيمانكم وأعمالكم، إن تعملوا خيرا فخير، أو شرّا فشر ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ بما يلزم تذكيركم به من الوحي والميثاق، تنكرونه اتّباعا لهواكم ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ في ضلالكم، تجاوزتم الحد في المعصية، وليس من اعتدال في سلوككم، فخسرتم أنفسكم إذ هدرتم إمكاناتكم الروحانية ولم تخضعوا لقيم الأخلاق المنصوص عليها في الوحي.
﴿وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اِتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ (٢٠)
٢٠ - ﴿وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى﴾ ليس رجلا بعينه، وقد يكون كناية عن الأقليات الضعيفة الفقيرة المؤمنة التي تتبع الرسل في بادئ دعوتها كما هي العادة ﴿قالَ يا قَوْمِ اِتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ دعوة الأقليّات للأكثرية الجاحدة.
﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢١)
٢١ - ﴿اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً﴾ الرسل لا تدعوكم لمطامع شخصية ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحق، وأنتم على النقيض من ذلك.
﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٢)
٢٢ - ﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فأيّ عقل سليم وأيّ فطرة سليمة تمنعني من عبادة الله الذي خلقني اختراعا وابتداعا ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للحساب يوم البعث.
﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ﴾ (٢٣)
٢٣ - ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ اخترعتموها من أوهامكم ﴿إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ إذ لا وجود حقيقي لهم ﴿وَلا يُنْقِذُونِ﴾ من الحساب والجزاء.
стр. 1568
﴿إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢٤)
٢٤ - ﴿إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لو فعلت ذلك.
﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ اسمعوا دعوتي لكم سماع فهم وتدبّر، ولا ترفضوها قبل دراستها وتقويمها.
﴿قِيلَ اُدْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ (٢٦)
٢٦ - ﴿قِيلَ اُدْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ أصرّوا على إغلاق عقولهم فقتلوه، فدخل الجنة، وتمنّى لو أن قومه يدركون ما آل إليه مصيره من النعيم.
﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ (٢٧)
٢٧ - ﴿بِما غَفَرَ لِي رَبِّي﴾ من ذنوبي ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ في الآخرة.
﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ (٢٨)
٢٨ - ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ لا يحتاج الأمر لإنزال جنود من السماء لعقاب الكفار.
﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ (٢٩)
٢٩ - ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ الخمود بمعنى السكون، وقد يكون في التعبير رمز خفيّ للبعث بعد الموت، لأن الخمود ليس فناء، والقصة قد تكون رمزية، وهي مثل كما ذكرت الآية (١٣)، وإهلاك الأقوام الكافرة بالصيحة، أو بالزلازل حدث للأمم البائدة.
﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٣٠)﴾
стр. 1569
٣٠ - ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ﴾ الحسرة الغمّ على ما فات والندم عليه، فكأنّ المتحسّر انحسرت عنه قواه من فرط ذلك، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم ٣٩/ ١٩]، أي يوم القيامة، عندما يغتمّ الكفار على ما فاتهم في الدنيا ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أكثر الناس يختارون صمّ آذانهم عن دعوة الرسل فيخسرون أنفسهم.
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ (٣١)
٣١ - ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ من الأمم، إما بالصيحة كما حدث للأمم البائدة الآية (٢٩)، أو بالتدهور والانحطاط التدريجي ثم السقوط كما حدث للأمبراطوريات والحضارات القديمة والحديثة نتيجة الانكباب على المادة وتجاهل القيم والأخلاق ﴿أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ هذه الأمم ليس لديها من فرصة ثانية تعود إليها بعد أن حان أجلها.
﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ (٣٢)
٣٢ - ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمّا﴾ يوم القيامة ﴿جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ للحساب.
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ (٣٣)
٣٣ - بعد أن أجملت الآيات (١٣ - ٣٢) قصة المجتمع الذي جاءه المرسلون الثلاثة، والعبر منها، تنتقل الآيات (٣٣ - ٤٦) إلى بيان الإعجاز في بعض الآيات الآفاقية:
٣٣ - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ﴾ دلالة عظيمة ﴿الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾ معجزة إحيائها بعد أن كانت ميتة قاحلة ﴿أَحْيَيْناها﴾ بالمطر ﴿وَأَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾ من جنس الحبوب كالقمح والشعير والأرز.
﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ﴾ (٣٤)
٣٤ - ﴿وَجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ﴾ الينابيع تجري بها الأنهار.
стр. 1570
﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ (٣٥)
٣٥ - ﴿لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ من ثمر النخيل وغيره ﴿وَما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ﴾ من العصير والدبس وغيرهما ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم.
﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٦)
٣٦ - ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها﴾ الحيّة وغير الحيّة، كالضوء والظلام، والموجب والسالب في الكهرباء والمغناطيس، والحر والبرد، وغيره ﴿مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ كالزوجية في النباتات ﴿وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الذكر والأنثى ﴿وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ لا يدركون كنهه حتى الآن.
﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ (٣٧)
٣٧ - ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ﴾ كما يسلخ جلد الشاة، استعير لسلخ الضوء عن جانب من الكرة الأرضية في أثناء دورانها حول نفسها، فيبقى الظلام ﴿فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ بعد انتقال المنطقة المعنيّة من منطقة الضوء إلى منطقة الظلام.
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٣٨)
٣٨ - ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ في جري المجموعة الشمسية ضمن مدارها ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ في خلق الكون.
﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (٣٩)
٣٩ - ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ﴾ في دورانه حول الأرض ﴿حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ حتى عاد من كونه قمرا بدرا فصار هلالا كالعرجون، من الانعراج، ويقال لعود النخلة عرجون في انحنائه، كما هو هلال القمر في أوائل الشهور القمرية وأواخرها، والقديم لأنّ عرجون النخلة يصبح مصفرّا بعد تقادم الزمن عليه، كما هو لون هلال القمر.
стр. 1571
﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (٤٠)
٤٠ - ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ في مداره حول الأرض ﴿وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ﴾ بل يتتابعان الواحد تلو الآخر ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ الشمس في مدارها ضمن المجموعة الشمسية، والقمر في مداره حول الأرض.
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (٤١)
٤١ - ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ﴾ رسالة ودلالة ﴿أَنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ ذرية بني آدم من البشر عموما ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ في جنس السفن في البحار والأنهار ﴿الْمَشْحُونِ﴾ المملوء بالناس وغيرهم، والمغزى أن عبقرية البشر في اختراع أنواع السفن بتقنياتها المتجددة ليست سوى مظهر من مظاهر الإعجاز في خلق الإنسان وما أودعه الله تعالى فيه من المقدرة والذكاء.
﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ﴾ (٤٢)
٤٢ - ﴿وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾ من مثل السفن ﴿ما يَرْكَبُونَ﴾ من أنواع المواصلات الأخرى في البحر والبر والجو.
﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ (٤٣)
٤٣ - ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ لا مغيث يحفظهم من الغرق عندما تحل بهم الكارثة، إلاّ الله تعالى كما في الآية التالية ﴿وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ فلا تنفعهم وقتئذ كل أنواع التقانة التي توصّلوا إليها، كما حدث للباخرة التيتانك.
﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ﴾ (٤٤)
٤٤ - ﴿إِلاّ رَحْمَةً مِنّا﴾ فقط رحمة الله تنقذ من تنقذ وقت وقوع الكوارث ﴿وَمَتاعاً إِلى حِينٍ﴾ فيعودون إلى الاستمتاع بحياتهم الدنيا لحين حلول آجالهم.
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٥)﴾
стр. 1572
٤٥ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من المعاصي في عالم المشاهدة، فالله تعالى شهيد عليكم ﴿وَما خَلْفَكُمْ﴾ واتّقوا ما ينتظركم في عالم الغيب من العواقب المترتّبة على أعمالكم في الدنيا ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ في الدنيا والآخرة، والنتيجة أنهم لا يتّقون كما هو مذكور بالآية التالية:
﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ (٤٦)
٤٦ - ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ﴾ الآيات التكوينية المتضمّنة المعجزات، كالتي تحدثت عنها الآيات المتقدّمة (٣٣ - ٤٥)، أوآيات الوحي في الرسالات السماوية كما في القرآن الكريم ﴿إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ إعراض على وجه التكذيب والاستكبار، والآيات (٤٦ - ٥٤) تبين عواقبه:
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٤٧)
٤٧ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا﴾ في عمل الخير ﴿مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ لأنّ المال مال الله، رزقكم إياه بطريق التفضّل والإنعام ﴿قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ أَطْعَمَهُ﴾ يقولون ذلك على سبيل الاستهزاء، كأنهم لا يعلمون سنّة الأسباب والمسببات والتسخير ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يمعنون في اتهام غيرهم بالضلال، ولا يراجعون أنفسهم في احتمال أن يكونوا هم الضالّين.
﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٨)
٤٨ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾ منكرو الآخرة يقولون للمؤمنين على سبيل الاستهزاء والتحدّي: ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ﴾ بوقوع يوم القيامة والحساب ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم؟
﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩)﴾
стр. 1573
٤٩ - ﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ يوم الحساب ﴿تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾ وهم يختصمون بعضهم مع بعض في أعمالهم الدنيوية، أو يختصمون مع المؤمنين في جدلهم العقيم حول حقيقة المسؤولية والبعث.
﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٥٠)
٥٠ - ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ في شيء من شؤونهم ﴿وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ إذا كانوا خارج بيوتهم، لقوله تعالى: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ﴾ [الأنبياء ٤٠/ ٢١].
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ (٥١)
٥١ - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذا هُمْ مِنَ الْأَجْداثِ﴾ من القبور ﴿إِلى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ يسرع الأموات إلى ربهم بلا خيار لهم.
﴿قالُوا يا وَيْلَنا مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ (٥٢)
٥٢ - ﴿قالُوا يا وَيْلَنا﴾ يا هلاكنا احضر فهذا أوانك ﴿مَنْ بَعَثَنا مِنْ مَرْقَدِنا﴾ من قبورنا ورقودنا؟ فيأتيهم الجواب، أو هم يجيبون أنفسهم بعد استيعابهم:
﴿هذا ما وَعَدَ الرَّحْمنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ فيما وعدوا من قيام الساعة وضرورة الحساب.
﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ (٥٣)
٥٣ - ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ لفصل الحساب في طرفة عين.
﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥٤)
٥٤ - ﴿فَالْيَوْمَ لا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَلا تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الجزاء من جنس العمل إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، فيوفّى المؤمنون أجورهم
стр. 1574
ويزيدهم الله تعالى من فضله أضعافا مضاعفة، ويجازى المجرمون بعملهم الطالح.
﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ﴾ (٥٥)
٥٥ - ﴿إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ﴾ شغلهم النعيم عن كل ما يخطر بالبال ﴿فاكِهُونَ﴾ مشتق من الفكاهة، وقالوا: الفاكه طيب النفس الضحوك الفرح.
﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾ (٥٦)
٥٦ - ﴿هُمْ وَأَزْواجُهُمْ﴾ أي من أمثالهم وأشكالهم في الإيمان والإحسان، وأيضا قد يكونوا أزواجهم المؤمنين والمؤمنات الذين كانوا معهم في الدنيا ﴿فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ﴾ كناية عن منتهى السعادة والسلام الروحاني الذي يتمتعون به.
﴿لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ﴾ (٥٧)
٥٧ - ﴿لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ﴾ كناية عن سعادتهم ﴿وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ﴾ كل ما يتمنّونه في متناولهم، وأيضا دعاؤهم مستجاب.
﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ (٥٨)
٥٨ - ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ استمرار الخطاب من الآية المتقدّمة، أي لهم ما يدّعون، من الدعاء المستجاب، واستجابته السلام الروحاني المطلق من الربّ الرحيم.
﴿وَاِمْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (٥٩)
٥٩ - الآيات (٥٩ - ٦٥) تصوّر حال المجرمين في الآخرة: ﴿وَاِمْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ انفردوا عن المؤمنين إلى مصيركم من الجزاء.
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾
стр. 1575
٦٠ - ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ﴾ لا تطيعوا وساوسه، ولا تعبدوا من الآلهة المزعومة الباطلة، انظر [طه ١١٥/ ٢٠] و [البقرة ٣٨/ ٢]، فالسخافة المتضمّنة في إسباغ صفات الألوهية على بعض المخلوقات يعدّها القرآن مكافئة لعبادة الشيطان، لأن اسم الشيطان مشتقّ من فعل شطن أي ابتعد كثيرا عن الحقيقة ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ وساوسه السيئة ظاهرة العداوة لكم، وعواقبها وخيمة في القريب العاجل وعلى المدى البعيد.
﴿وَأَنِ اُعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٦١)
٦١ - ﴿وَأَنِ اُعْبُدُونِي﴾ وحدي ﴿هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ كل ما عداه من الشرك باطل.
﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ (٦٢)
٦٢ - ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ أجيالا كثيرة، انظر [الإسراء ٦٢/ ١٧]، ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ تعتبرون بعاقبة ضلالهم؟ انظر [الإسراء ٦٣/ ١٧].
﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (٦٣)
٦٣ - ﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ الخطاب للغالبية المجرمة منهم، الآية (٥٩)، وكنتم توعدون مرارا على لسان الرسل، ولكنكم تمسّكتم بالإنكار والمعصية.
﴿اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٦٤)
٦٤ - ﴿اِصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بنتيجة كفركم، وتجاهلكم المعتمد للحقيقة.
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾
стр. 1576
٦٥ - ﴿الْيَوْمَ﴾ يوم القيامة ﴿نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ كناية عن عجزهم عن الإتيان بأعذار عن أعمالهم الخاطئة ومعتقداتهم الفاسدة.
﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنّى يُبْصِرُونَ﴾ (٦٦)
٦٦ - الآيات (٦٦ - ٦٨) تنبه إلى عدم استفادة المجرمين من كثير من الملكات التي كرّم الله تعالى بها جنس البشر:
﴿وَلَوْ نَشاءُ﴾ أن نجعلهم، أي جنس البشر، مجرّدين من أي مقدرة على التمييز بين الخطأ والصواب، بخلاف ما كرّمناهم في الواقع ﴿لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ﴾ كناية، أن لو شاء الله تعالى لخلقهم عمين عن أي مسؤولية أخلاقية ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ﴾ وفي تلك الحالة لانحرفوا عن الصراط المستقيم ﴿فَأَنّى يُبْصِرُونَ﴾ فأنّى لهم، وقتئذ، إبصار الحقيقة؟
﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اِسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ (٦٧)
٦٧ - ﴿وَلَوْ نَشاءُ﴾ لو كانت مشيئته تعالى أن يكون الإنسان مجرّدا عن مقدرة الخيار بين الصواب والخطأ ﴿لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ لأصبحوا في حالة من الركود الفكري ﴿فَمَا اِسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ فلا يكون لديهم حافز للتقدم أخلاقيا، ولا التراجع عن موقع الخطأ.
﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ (٦٨)
٦٨ - ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ الإنسان خلق ضعيفا، والزمن المتاح أمامه قصير إذ لا يلبث أن يتقدم في السنّ ويهرم ويشيخ، وتتدهور قواه الجسمية والعقلية، فعليه إلاّ يسوّف ويؤجّل خياره الأخلاقي، بل عليه في أقرب وقت الاستفادة من إمكاناته العقلية وملكة الخيار الحر التي حباه الله بها ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أفلا يستفيدون من عقولهم قبل أن يصل بها الأمر إلى حالة من التقهقر والخرف؟
стр. 1577
﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (٦٩)
٦٩ - في الآيات (٦٩ - ٨٣) عودة إلى موضوع إلى الآيات (١ - ٥) بأول السورة عن القرآن الكريم وأصالته من حيث كونه وحي إلهي:
﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ للنبي ﷺ ، لأنهم زعموا أنّ القرآن شعر، والخطاب موجّه إلى المجرمين المشار إليهم بالآيات المتقدّمة، الذين فشلوا في الاستفادة من عقولهم السليمة ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ لا يستقيم أن يكون القرآن شعرا ﴿إِنْ هُوَ﴾ القرآن ﴿إِلاّ ذِكْرٌ﴾ يذكّر الإنسان بفطرته السليمة كما يذكره بالميثاق ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ مبين للحق بأسلوب ظاهر الإعجاز اللغوي ما لم يستطع أحد معارضته، بخلاف أساليب الشعر المألوفة، انظر [الشعراء ٢٢٤/ ٢٦ - ٢٢٧] و [الإسراء ٨٨/ ١٧].
﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٧٠)
٧٠ - ﴿لِيُنْذِرَ﴾ النبي ﷺ ﴿مَنْ كانَ حَيًّا﴾ من لا يزال قلبه وعقله حيّا، فيستجيب لهدي القرآن ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ الذين ماتت ملكاتهم العقلية، وانحرفت فطرتهم السليمة، فغطّت الحقيقة عن أعينهم.
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ (٧١)
٧١ - بعد نزول الوحي بالهدي الإلهي لبني آدم، مزيد من البراهين على تمكين الإنسان في الأرض:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ﴾ لأجل انتفاعهم بها ﴿مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا﴾ مجازا ﴿أَنْعاماً﴾ من مختلف أنواع الماشية ﴿فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ يستفيدون منها لشتى الأغراض.
﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾
стр. 1578
٧٢ - ﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ فصارت غير مستعصية عليهم، وأصبح الإنسان مسؤولا أخلاقيا عن كيفية التعامل معها والرفق بها ﴿فَمِنْها رَكُوبُهُمْ﴾ للمواصلات والتنقل ﴿وَمِنْها يَأْكُلُونَ﴾ من لحومها.
﴿وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ (٧٣)
٧٣ - ﴿وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ في الحراثة، ومن جلودها وصوفها وأوبارها ﴿وَمَشارِبُ﴾ من لبنها ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم؟
﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٧٤)
٧٤ - ومع ذلك، ومع هذا الإنعام الكبير فقد أشرك الكثير منهم: ﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً﴾ وهمية أسبغوا عليها من صفات الألوهية، كالأصنام والزعماء ورجال الدين ﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ظانّين أن هذه الآلهة الوهمية تفيدهم بشيء.
﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ (٧٥)
٧٥ - ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ لا يفيدون عبدتهم في شيء ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ العابدون معدّون وجاهزون للدفاع عن آلهتهم المزعومة في الدنيا.
﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ (٧٦)
٧٦ - ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ أيها النبي، وأيها المؤمن، دع هؤلاء المشركين وشأنهم إن هم أصرّوا على ضلالهم، ولا تحزن عليهم إن ثابروا على شركهم ﴿إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ فنحاسبهم على سرّهم وعلانيتهم، ومقاصدهم.
﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾
стр. 1579
٧٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ كيف يغفل الأكثرون عن هذ الإعجاز الهائل في تحول الإنسان من نطفة صغيرة حقيرة، إلى شخص بالغ عاقل ذي مقدرة عقلية على المحاكمة والنقاش والجدال في الحق والباطل؟
﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٧٨)
٧٨ - ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ذلك الإنسان الغافل عن الإعجاز في خلقه ﴿قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ يسأل ذلك لانغماسه في الحياة المادية، ولغفلته عن كل ما هو روحاني، فلا يستطيع تصوّر عالم الغيب، فينكر البعث، ومن ثم ينكر وجود الله سبحانه.
﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (٧٩)
٧٩ - ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فليس ذلك من الغرابة في شيء ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ لا يعجزه شيء.
﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ (٨٠)
٨٠ - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ سواء كان هذا الشجر حطبا، أو تحوّل إلى شكل آخر من أشكال الطاقة كالنفط أو الفحم.
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ (٨١)
٨١ - ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ بإعجازهما الهائل ﴿بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أن يخلق مثل هؤلاء الأفراد الجاحدين فيبعثهم بعد الموت ﴿بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ قدرته تعالى على الخلق لامتناهية، كما في الآية التالية.
﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾
стр. 1580
٨٢ - ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً﴾ في الخلق والإيجاد والتكوين ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كناية عن مجرّد المشيئة العليا.
﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٨٣)
٨٣ - ﴿فَسُبْحانَ﴾ تنزيها له تعالى عمّا زعموه من العجز، وعمّا أضافوا إليه من الشرك ﴿الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ كل شيء خاضع لمشيئته ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للحساب.
следующие страницы →