← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

٦٥ - ﴿الْيَوْمَ﴾ يوم القيامة ﴿نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ كناية عن عجزهم عن الإتيان بأعذار عن أعمالهم الخاطئة ومعتقداتهم الفاسدة. ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأَنّى يُبْصِرُونَ﴾ (٦٦) ٦٦ - الآيات (٦٦ - ٦٨) تنبه إلى عدم استفادة المجرمين من كثير من الملكات التي كرّم الله تعالى بها جنس البشر: ﴿وَلَوْ نَشاءُ﴾ أن نجعلهم، أي جنس البشر، مجرّدين من أي مقدرة على التمييز بين الخطأ والصواب، بخلاف ما كرّمناهم في الواقع ﴿لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ﴾ كناية، أن لو شاء الله تعالى لخلقهم عمين عن أي مسؤولية أخلاقية ﴿فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ﴾ وفي تلك الحالة لانحرفوا عن الصراط المستقيم ﴿فَأَنّى يُبْصِرُونَ﴾ فأنّى لهم، وقتئذ، إبصار الحقيقة؟ ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ فَمَا اِسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ (٦٧) ٦٧ - ﴿وَلَوْ نَشاءُ﴾ لو كانت مشيئته تعالى أن يكون الإنسان مجرّدا عن مقدرة الخيار بين الصواب والخطأ ﴿لَمَسَخْناهُمْ عَلى مَكانَتِهِمْ﴾ لأصبحوا في حالة من الركود الفكري ﴿فَمَا اِسْتَطاعُوا مُضِيًّا وَلا يَرْجِعُونَ﴾ فلا يكون لديهم حافز للتقدم أخلاقيا، ولا التراجع عن موقع الخطأ. ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ (٦٨) ٦٨ - ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ﴾ الإنسان خلق ضعيفا، والزمن المتاح أمامه قصير إذ لا يلبث أن يتقدم في السنّ ويهرم ويشيخ، وتتدهور قواه الجسمية والعقلية، فعليه إلاّ يسوّف ويؤجّل خياره الأخلاقي، بل عليه في أقرب وقت الاستفادة من إمكاناته العقلية وملكة الخيار الحر التي حباه الله بها ﴿أَفَلا يَعْقِلُونَ﴾ أفلا يستفيدون من عقولهم قبل أن يصل بها الأمر إلى حالة من التقهقر والخرف؟

стр. 1577

﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (٦٩) ٦٩ - في الآيات (٦٩ - ٨٣) عودة إلى موضوع إلى الآيات (١ - ٥) بأول السورة عن القرآن الكريم وأصالته من حيث كونه وحي إلهي: ﴿وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ﴾ للنبي ﷺ ، لأنهم زعموا أنّ القرآن شعر، والخطاب موجّه إلى المجرمين المشار إليهم بالآيات المتقدّمة، الذين فشلوا في الاستفادة من عقولهم السليمة ﴿وَما يَنْبَغِي لَهُ﴾ لا يستقيم أن يكون القرآن شعرا ﴿إِنْ هُوَ﴾ القرآن ﴿إِلاّ ذِكْرٌ﴾ يذكّر الإنسان بفطرته السليمة كما يذكره بالميثاق ﴿وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ مبين للحق بأسلوب ظاهر الإعجاز اللغوي ما لم يستطع أحد معارضته، بخلاف أساليب الشعر المألوفة، انظر [الشعراء ٢٢٤/ ٢٦ - ٢٢٧] و [الإسراء ٨٨/ ١٧]. ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٧٠) ٧٠ - ﴿لِيُنْذِرَ﴾ النبي ﷺ ﴿مَنْ كانَ حَيًّا﴾ من لا يزال قلبه وعقله حيّا، فيستجيب لهدي القرآن ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ الذين ماتت ملكاتهم العقلية، وانحرفت فطرتهم السليمة، فغطّت الحقيقة عن أعينهم. ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ (٧١) ٧١ - بعد نزول الوحي بالهدي الإلهي لبني آدم، مزيد من البراهين على تمكين الإنسان في الأرض: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا خَلَقْنا لَهُمْ﴾ لأجل انتفاعهم بها ﴿مِمّا عَمِلَتْ أَيْدِينا﴾ مجازا ﴿أَنْعاماً﴾ من مختلف أنواع الماشية ﴿فَهُمْ لَها مالِكُونَ﴾ يستفيدون منها لشتى الأغراض. ﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾

стр. 1578

٧٢ - ﴿وَذَلَّلْناها لَهُمْ﴾ فصارت غير مستعصية عليهم، وأصبح الإنسان مسؤولا أخلاقيا عن كيفية التعامل معها والرفق بها ﴿فَمِنْها رَكُوبُهُمْ﴾ للمواصلات والتنقل ﴿وَمِنْها يَأْكُلُونَ﴾ من لحومها. ﴿وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ (٧٣) ٧٣ - ﴿وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ﴾ في الحراثة، ومن جلودها وصوفها وأوبارها ﴿وَمَشارِبُ﴾ من لبنها ﴿أَفَلا يَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم؟ ﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٧٤) ٧٤ - ومع ذلك، ومع هذا الإنعام الكبير فقد أشرك الكثير منهم: ﴿وَاِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً﴾ وهمية أسبغوا عليها من صفات الألوهية، كالأصنام والزعماء ورجال الدين ﴿لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ ظانّين أن هذه الآلهة الوهمية تفيدهم بشيء. ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ لا يفيدون عبدتهم في شيء ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾ العابدون معدّون وجاهزون للدفاع عن آلهتهم المزعومة في الدنيا. ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ (٧٦) ٧٦ - ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ﴾ أيها النبي، وأيها المؤمن، دع هؤلاء المشركين وشأنهم إن هم أصرّوا على ضلالهم، ولا تحزن عليهم إن ثابروا على شركهم ﴿إِنّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ﴾ فنحاسبهم على سرّهم وعلانيتهم، ومقاصدهم. ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾

стр. 1579

٧٧ - ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ كيف يغفل الأكثرون عن هذ الإعجاز الهائل في تحول الإنسان من نطفة صغيرة حقيرة، إلى شخص بالغ عاقل ذي مقدرة عقلية على المحاكمة والنقاش والجدال في الحق والباطل؟ ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٧٨) ٧٨ - ﴿وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ ذلك الإنسان الغافل عن الإعجاز في خلقه ﴿قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ يسأل ذلك لانغماسه في الحياة المادية، ولغفلته عن كل ما هو روحاني، فلا يستطيع تصوّر عالم الغيب، فينكر البعث، ومن ثم ينكر وجود الله سبحانه. ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (٧٩) ٧٩ - ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فليس ذلك من الغرابة في شيء ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ لا يعجزه شيء. ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ (٨٠) ٨٠ - ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ سواء كان هذا الشجر حطبا، أو تحوّل إلى شكل آخر من أشكال الطاقة كالنفط أو الفحم. ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ (٨١) ٨١ - ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ بإعجازهما الهائل ﴿بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ أن يخلق مثل هؤلاء الأفراد الجاحدين فيبعثهم بعد الموت ﴿بَلى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ﴾ قدرته تعالى على الخلق لامتناهية، كما في الآية التالية. ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾

стр. 1580

٨٢ - ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً﴾ في الخلق والإيجاد والتكوين ﴿أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كناية عن مجرّد المشيئة العليا. ﴿فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٨٣) ٨٣ - ﴿فَسُبْحانَ﴾ تنزيها له تعالى عمّا زعموه من العجز، وعمّا أضافوا إليه من الشرك ﴿الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ كل شيء خاضع لمشيئته ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ للحساب.

стр. 1581

سورة الصافات - ٣٧ - مكية مقدمة نزلت في أواسط الفترة المكية. ارتباط السورة بما قبلها إذا فهمنا أن كلمة (الصافات) تعني الآيات والسور القرآنية المصفوفة بنظم وتماسك محكمين، فيكون هنالك ارتباط بين افتتاح سورة ياسين المتقدمة بقوله تعالى: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ (١/ ٣٦ - ٢) وبين افتتاح سورة الصافات بقوله تعالى: ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا * فَالزّاجِراتِ زَجْراً * فَالتّالِياتِ ذِكْراً﴾ (١/ ٣٧ - ٣)، لأن (حكيم) و (محكم) بمعنى واحد، فتكون الإشارة للنظم المحكم في الآيات والسور القرآنية المصفوفة صفّا. أما إذا فهمنا من كلمة (الصافات) أنها الرسالات السماوية المتتالية التي نزلت على الرسل، فيكون هنالك ارتباط بين قوله تعالى في سورة ياسين المتقدمة: ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ (١٣/ ٣٦ - ١٤)، وقوله تعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٣٠/ ٣٦)، وبين افتتاح هذه السورة بقوله تعالى: ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا * فَالزّاجِراتِ زَجْراً * فَالتّالِياتِ ذِكْراً﴾ (١/ ٣٧ - ٣) إشارة لتتالي بعث الرسل وتنزّل الرسالات على بني آدم التي تزجرهم عن الضلال وتتلو عليهم الذكر.

стр. 1582

وفي سورة ياسين أن الكفار كانوا يتطيرون من بعث الرسل: ﴿قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٨/ ٣٦) ثم في سورة الصافات أنهم يتخبطون ويرجمون بالغيب: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ * وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ﴾ (٦/ ٣٧ - ٨) - وفي سورة ياسين أن لا فائدة من إنذار المصرّين على الكفر: ﴿وَسَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠/ ٣٦)، والسبب تبيّنه سورة الصافات أنهم مستكبرون ومتمسّكون بالتقليد: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٣٥/ ٣٧ - ٣٦). محور السورة أن الآيات القرآنية التي تتلو الذكر، وتزجر عن الضلال، مصفوفة بإحكام ونظم متقنين مما يوجب التفكر في إعجازها والتعمّق في معانيها: ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا * فَالزّاجِراتِ زَجْراً * فَالتّالِياتِ ذِكْراً﴾ (١ - ٣)، بدلا من التخبط والرجم بالغيب ومحاولة التوصل إلى الحقيقة بطرق غيبية كما يفعل الكفار: ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ * وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ﴾ (٦ - ٨)، وأن خلق الإنسان ومن ثم بعثه للحساب ليس بشيء أمام الإعجاز الهائل في خلق الأكوان المحيطة به: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ (١١)، وأن بعثة خاتم الأنبياء والرسل لم تكن سوى استمرار لما سبقها من الرسالات السماوية التي انحرف أكثر أتباعها عن مسارها حتى بعث النبي الأحمد برسالة الإسلام التي صدّقت الوحي الصحيح الذي جاء به المرسلون فصارت المعيار النهائي للحق من الباطل: ﴿بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣٧)، ولكن

стр. 1583

المقلدين متمسكون بعقيدة الآباء: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ * فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ (٦٩ - ٧٠)، فمن اليهود من تمسك بعقيدة الشعب المختار، ومن النصارى من تمسّك بعقيدة الخطيئة الأصلية والفداء بالنيابة، فظلموا أنفسهم: ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (١١٣)، وقد زعموا كما زعم الكفار والمشركون في الماضي أن لو كان في كتب آبائهم ما يؤيد التوحيد لاتبعوه: ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ * لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١٦٧ - ١٦٩)، فلما جاءهم القرآن به أنكروه: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (١٧٠)، فوجب على المؤمنين التولّي عنهم حتى يتحقق النصر للإسلام أو يحين الحساب يوم القيامة: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ * وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ (١٧٤ - ١٧٥). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا﴾ (١) ١ - ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا﴾ إشارة إلى المنظومة القرآنية المشتملة على السور والآيات من سورة الفاتحة حتى سورة الناس، فهي مرتبطة بعضها مع بعض بصف وبإحكام متقنين، وقد تكون الإشارة أيضا إلى الرسالات السماوية المتتالية التي جاء بها الرسل على مرّ العصور، إذ جاءت الرسالات متدرّجة بحسب مستوى الأمم التي وجّهت إليها حتى ختمت برسالة الإسلام للناس كافّة. ﴿فَالزّاجِراتِ زَجْراً﴾ (٢) ٢ - ﴿فَالزّاجِراتِ زَجْراً﴾ الزجر بمعنى الحث، وبمعنى المنع والنهي، لأن آيات القرآن تتضمّن النواهي الشرعية، وهي تزجر العباد عن الأعمال المنكرة وتلهم الخير، كما الرسالات السماوية جميعا. ﴿فَالتّالِياتِ ذِكْراً (٣)﴾

стр. 1584

٣ - ﴿فَالتّالِياتِ ذِكْراً﴾ هي كل ما يتلى من آيات كتاب الله، وسمّي القرآن ذكرا لأنه يذّكر بالميثاق الفطري، انظر [الأعراف ١٧٢/ ٧]. ﴿إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ﴾ (٤) ٤ - ﴿إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ﴾ رسالة التوحيد فحوى الرسالات السماوية، وفحوى الرسالة القرآنية، بأن الخالق واحد لا شريك له، ولو كان في الكون غير الله لفسد النظام الكوني كما تشيرالآية التالية. ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَرَبُّ الْمَشارِقِ﴾ (٥) ٥ - ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ من الأكوان التي لا حصر لها ﴿وَرَبُّ الْمَشارِقِ﴾ كل خط من خطوط الطول للكرة الأرضية يعدّ مشرقا ومغربا في الوقت ذاته بسبب دوران الأرض حول نفسها، انظر [المعارج ٤٠/ ٧٠]، وهذا الإحكام في خلق السماوات والأرض من دلائل التوحيد. ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ﴾ (٦) ٦ - ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا﴾ الدنيا: التي يمكن مشاهدتها من الأرض ﴿بِزِينَةٍ﴾ عجيبة مهيبة ﴿الْكَواكِبِ﴾ وهي زينة الكواكب، أما باقي السماوات وما فيها من الأكوان الهائلة فلا تشاهد من الأرض، وحديثا ترصد جانبا قليلا منها المراصد الفضائية العاملة في الفضاء الخارجي. ﴿وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾ (٧) ٧ - ﴿وَحِفْظاً﴾ أي وحفظنا السماء الدنيا حفظا ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ﴾ من شياطين الإنس والجن ﴿مارِدٍ﴾ المتمرّد على الله سبحانه. ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ﴾ (٨) ٨ - ﴿لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى﴾ قالوا: إن الملأ الأعلى هم الملائكة، والمقصود بالأعلى العلوّ المعنوي ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ﴾ المعنى أنّ كل

стр. 1585

محاولة من جانب شياطين الإنس والجن لمعرفة الغيب وما وراء الطبيعة بالتنجيم وبأساليب ملتوية مصيرها إلى الفشل والعذاب. ﴿دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾ (٩) ٩ - ﴿دُحُوراً﴾ أمثال هؤلاء المنجّمين يدحرون دحورا أي يطردون ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ﴾ عذاب دائم. ﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ (١٠) ١٠ - ﴿إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ اختلس المعلومة ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ فيحبط ما ظنّ أنّه توصّل إليه من معلومات جزئية، والنتيجة؛ إن جنس البشر لا يمكنه إدراك شيء من علوم الغيب. ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ (١١) ١١ - ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾ اسأل هؤلاء الذين يفضّلون التنجيم والتخبّط والتنظير على الهدي الإلهي الذي جاءت به الصافّات ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً﴾ البشر أقوى خلقا وأمتن بنية؟ أو أصعب خلقا وأشقّ إيجادا؟ ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنا﴾ من الملائكة والأكوان الهائلة بما فيها من المجرّات والنجوم والكواكب ﴿إِنّا خَلَقْناهُمْ﴾ جنس البشر ﴿مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾ التراب المختلط بالماء، فما أهون خلقهم أمام خلق الكون. ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ (١٢) ١٢ - ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾ أيها النبي، وأيها المؤمن، من قدرته تعالى ومن الإعجاز في هذا الخلق الهائل ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾ الكفار في استكبارهم وماديتهم يسخرون وينكرون البعث. ﴿وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣)﴾

стр. 1586

١٣ - ﴿وَإِذا ذُكِّرُوا﴾ بالميثاق، وبالصافّات، وبما ولدوا عليه من الفطرة السليمة، وتوحيد الخالق والإقرار بألوهيته وربوبيته ﴿لا يَذْكُرُونَ﴾ بل يفضّلون ما نشؤوا عليه من تقليد ديانة الآباء والأجداد، وعبادة الأوهام، أو يلوذون بماديتهم واستكبارهم وتكالبهم على الدنيا تهربا من أي مسؤولية أخلاقية. ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ (١٤) ﴿وَقالُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١٥) ١٤ - ﴿وَإِذا رَأَوْا آيَةً﴾ معجزة من الرسل ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ يبالغون في السخرية. ١٥ - ﴿وَقالُوا﴾ لرسلهم، أو لغيرهم ﴿إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ينسبون معجزات الرسل إلى السحر. ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (١٦) ﴿أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ (١٧) ١٦ - ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ١٧ - ﴿أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ إمعان منهم في إنكار البعث كي يعبثوا في الدنيا بحسب أهوائهم بلا رادع من دين أو أخلاق. ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ﴾ (١٨) ١٨ - ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ﴾ وأنتم صاغرون لا خيار لكم في البعث. ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (١٩) ١٩ - الآيات (١٩ - ٣٩) تصور حال الطواغيت وأتباعهم في الآخرة، والحوار الرمزي الذي يدور بينهم: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ صيحة واحدة، وهي مجاز عن بعثهم ﴿فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ﴾ أحياء يبصرون. ﴿وَقالُوا يا وَيْلَنا هذا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠)﴾

стр. 1587

٢٠ - ﴿وَقالُوا يا وَيْلَنا﴾ يا هلاكنا احضر، يودّون يوم القيامة لو أنّهم هالكون، وأن تكون ميتتهم نهائية ﴿هذا يَوْمُ الدِّينِ﴾ أي يوم الجزاء، كما في الحديث: ((كما تدين تدان))، أي هذا اليوم الذي يجازى فيه الناس بأعمالهم، أقرّ المنكرون به ولذا تمنّوا الهلاك سلفا. ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (٢١) ٢١ - فيقال لهم: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ تفصل فيه المظالم ﴿الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ وهو قول الكفار بعضهم لبعض، أو قول الملائكة لهم. ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ وَما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ (٢٢) ﴿مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ (٢٣) ٢٢ - ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ خطاب الله تعالى للملائكة، أو الملائكة بعضهم لبعض ﴿وَأَزْواجَهُمْ﴾ أي أمثالهم وأشباههم من قرناء السوء ﴿وَما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ من الزعماء والطواغيت الذين زعموا فيهم الألوهية. ٢٣ - ﴿مِنْ دُونِ اللهِ فَاهْدُوهُمْ إِلى صِراطِ الْجَحِيمِ﴾ إلى طريق الجحيم الذي استحقوه بعملهم. ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ سوف يسألون عن عقائدهم وأعمالهم التي كانت في دنياهم. ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ﴾ يقال لهم: عجزتم أن ينصر بعضكم بعضا في آخرتكم. ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾

стр. 1588

٢٦ - ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ منقادون مذعنون خاضعون لا حيلة لهم. ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ يتقاذفون المسؤولية. ﴿قالُوا إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ الْيَمِينِ﴾ (٢٨) ٢٨ - ﴿قالُوا﴾ الأتباع للرؤساء ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ تَأْتُونَنا﴾ في الدنيا ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ كناية عن جهة الخير، لأن العرب تتفاءل باليمين، والمعنى: كنتم تخدعوننا أيها الزعماء وتزعمون أنّ ما نقوم به لأجلكم هو من قبيل الخير، واليمين أيضا كناية عن القوة والنفوذ، فيكون المعنى في هذه الحالة إنكم بنفوذكم وقهركم وسلطانكم قسرتمونا على الضلال. ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٢٩) ٢٩ - ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ تنصّل الرؤساء من الأتباع، وقرناء السوء من أشباههم، بحجة أنّ الأتباع كانوا ضعاف الإيمان. ﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ﴾ (٣٠) ٣٠ - ﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ﴾ لم يكن باستطاعتنا قسركم وقهركم ولا سلب حرية اختياركم ﴿بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ﴾ تجاوزتم الحدود في الكفر والمعاصي من تلقاء أنفسكم لأن نفوسكم مالت إلى الشر. ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنّا لَذائِقُونَ﴾ (٣١) ٣١ - ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا﴾ بما كنّا عليه جميعا من الضلال لسوء استعدادنا وسوء خيارنا في دنيانا ﴿إِنّا لَذائِقُونَ﴾ العذاب لا محالة، والإشارة لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣/ ٣٢]، أي الكافرين منهم.

стр. 1589

﴿فَأَغْوَيْناكُمْ إِنّا كُنّا غاوِينَ﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿فَأَغْوَيْناكُمْ إِنّا كُنّا غاوِينَ﴾ تتمة كلام الرؤساء لأتباعهم، والغيّ الخيبة، والمعنى: إنّا وقعنا في الخيبة جميعا بما كنّا وإياكم في الضلال. ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (٣٣) ٣٣ - ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ رؤساء الضلال وأتباعهم، أو قرناء السوء وأشباههم، مشتركون في العذاب، كما كانوا مشتركين في الغواية. ﴿إِنّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿إِنّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ قوله سبحانه، أي الحكمة والعدالة اقتضت أن تكون عاقبة المجرمين في آخرتهم متناسبة مع ما كانوا عليه في دنياهم من الغيّ. ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٣٥) ٣٥ - ﴿إِنَّهُمْ كانُوا إِذا قِيلَ لَهُمْ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ بغرض دعوتهم للتوحيد ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ عن القبول، بل يشركون آلهتهم المزعومة وطواغيتهم. ﴿وَيَقُولُونَ أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ (٣٦) ٣٦ - ﴿وَيَقُولُونَ أَإِنّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا﴾ سواء كانت هذه الآلهة مادية كالطواغيت، أو وهمية كالجري وراء الشهوات والزعامات ﴿لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ يزعمون أن القرآن من ابتكار محمد وليس وحيا إلهيا، في مسعى منهم لإنكار مسؤوليتهم الأخلاقية والعبث على هواهم. ﴿بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾

стр. 1590

٣٧ - ﴿بَلْ جاءَ﴾ محمد ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالدين الحق لأنه ثابت بالعقل ﴿وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين سبقوه، لأن الديانات السماوية جاءت جميعا بأسس واحدة متضمنة التوحيد ومكارم الأخلاق. ﴿إِنَّكُمْ لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ﴾ (٣٨) ٣٨ - ﴿إِنَّكُمْ﴾ أيها المجرمون ﴿لَذائِقُوا الْعَذابِ الْأَلِيمِ﴾ بسبب سوء اختياركم وإصراركم. ﴿وَما تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿وَما تُجْزَوْنَ إِلاّ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فالجزاء ليس اعتباطا وإنّما مترتب بصورة طبيعية على ما كنتم تعملون في دنياكم، فهو مرتبط بأعمالكم ارتباط السبب بالمسبب. ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٤٠) ٤٠ - الآيات (٤٠ - ٦١) تبين مآل عباد الله المخلصين، في مقابل الطواغيت وأتباعهم المشار إليهم آنفا: ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ عباد الله المخلصين ليسوا كذلك، ففي حين يعاقب المجرمون بجرمهم، فإن عباد الله المخلصين يجزون أضعافا مضاعفة بالنسبة إلى ما عملوا، انظر [الأنعام ١٦٠/ ٦]. ﴿أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ (٤٣)﴾ ٤١ - ﴿أُولئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ من الرزق المادي، ٤٢. ﴿فَواكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ مكرمون بالرزق الروحاني من السكينة والطمأنينة بالإضافة للرزق المادي. ٤٣ - ﴿فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ النعيم المادي والروحاني.

стр. 1591

﴿عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ (٤٤) ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ (٤٥) ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ (٤٦) ٤٤ - ﴿عَلى سُرُرٍ﴾ من السعادة ﴿مُتَقابِلِينَ﴾. ٤٥ - ﴿يُطافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ من نهر معين، ظاهر للعيان، أو نابع من العيون. ٤٦ - ﴿بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ صفة الكأس. ﴿لا فِيها غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ (٤٧) ٤٧ - ﴿لا فِيها غَوْلٌ﴾ يغتال عقولهم ﴿وَلا هُمْ عَنْها يُنْزَفُونَ﴾ لا يصابون بالثمالة، ولا يصابون منها بالصداع. ﴿وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ عِينٌ﴾ (٤٨) ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ (٤٩) ٤٨ - ﴿وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ﴾ قاصرات النظر على أزواجهنّ ﴿عِينٌ﴾ مفردها عيناء، وهي واسعة العين في الجمال. ٤٩ - ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ كالجوهر المصون، انظر أيضا [الواقعة ٣٥/ ٥٦ - ٣٧]. ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ (٥٠) ٥٠ - ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ القصد من الحوار الرمزي من الآية (٥٠) حتى الآية (٥٩) بيان الاستمرارية بين الحياة الدنيا والآخرة. ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ (٥١) ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ (٥٢) ٥١ - ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كانَ لِي قَرِينٌ﴾ من قرناء السوء كان لي في الدنيا. ٥٢ - ﴿يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ﴾ بالبعث والحساب؟

стр. 1592

﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَدِينُونَ﴾ (٥٣) ٥٣ - ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَدِينُونَ﴾ لمبعوثون ومجازون؟ لأن الدين بمعنى الجزاء، والخلاصة أن قرين السوء كان ينكر الآخرة والحساب، ويحضّ الآخرين على معتقده. ﴿قالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ (٥٤) ٥٤ - ﴿قالَ﴾ القائل المشار إليه بالآية (٥١) موجها كلامه لعباد الله المخلصين المشار إليهم بالآية (٤٠): ﴿هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ﴾ لما آل إليه مصير قرين السوء الذي كان ينكر الآخرة؟ ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ (٥٥) ٥٥ - ﴿فَاطَّلَعَ﴾ على أهل النار ﴿فَرَآهُ فِي سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ في وسطها. ﴿قالَ تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ (٥٦) ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ (٥٧) ٥٦ - ﴿قالَ﴾ مخاطبا قرين السوء ﴿تَاللهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ﴾ كدت تهلكني لو اتبعتك. ٥٧ - ﴿وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي﴾ أن منّ عليّ بالتوفيق وبالعصمة ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ في العذاب مثلك. ﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾ (٥٨) ﴿إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (٥٩) ٥٨ - استمرار خطاب القائل لقرين السوء: ﴿أَفَما نَحْنُ بِمَيِّتِينَ﴾؟ ٥٩ - ﴿إِلاّ مَوْتَتَنَا الْأُولى﴾ في الدنيا، فتكون ميتة نهائية وفناء للروح والجسد كما كنت تزعم؟ ﴿وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ فليس هنالك من بعث بعد الموت ولا حساب، كما كنت تحاول إقناع نفسك وإقناع الآخرين؟

стр. 1593

﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٦٠) ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ (٦١) ٦٠ - ﴿إِنَّ هذا﴾ المآل في الجنة ﴿لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ لمن آمن بالآخرة وعمل لها. ٦١ - ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ في دنياهم. ﴿أَذلِكَ خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ (٦٢) ٦٢ - ﴿أَذلِكَ﴾ المآل في الجنة ﴿خَيْرٌ نُزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ في جهنم؟ ﴿إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ (٦٣) ٦٣ - ﴿إِنّا جَعَلْناها فِتْنَةً لِلظّالِمِينَ﴾ من حيث إن شجرة الزقّوم ترمز إلى عذاب جهنم، ويبدو أنها المشار إليها في قوله تعالى: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ طُغْياناً كَبِيراً﴾ [الإسراء ٦٠/ ١٧]. ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ (٦٤) ٦٤ - ﴿إِنَّها شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ الشجرة في وسط الجحيم، وهي فتنة للظالمين، لأنّ عذاب جهنم من أمور الغيب ولا يقاس بأمور الدنيا. ﴿طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ﴾ (٦٥) ٦٥ - ﴿طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ﴾ غبار الطلع معروف في النخيل وفي الأشجار المثمرة، وفي الخطاب استعارة لفظية ومعنوية، وتشبيه طلعها برؤوس الشياطين دليل على منتهى قبحها وكراهيتها. ﴿فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْها فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ (٦٦) ٦٦ - ﴿فَإِنَّهُمْ﴾ المجرمون ﴿لَآكِلُونَ مِنْها﴾ من ثمارها ﴿فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ تتمة الاستعارة، والمغزى؛ إنّ ما يأكل المجرمون في الآخرة ليس سوى ثمرة من ثمار أعمالهم وجرائمهم الدنيوية.

стр. 1594

﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ﴾ (٦٧) ٦٧ - ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْها لَشَوْباً مِنْ حَمِيمٍ﴾ يشوب تلك الشجرة ويخالط طلعها وثمارها ماء شديد الحرارة لا يغني عن الظمأ. ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ (٦٨) ٦٨ - ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ﴾ المجرمون ﴿لَإِلَى الْجَحِيمِ﴾ وتلك خلاصة الآيات الرمزية (٦٢ - ٦٨) التي صوّرت الجحيم عبر شجرة الزقّوم التي يعاني منها المجرمون في آخرتهم، لأنهم جمّدوا عقولهم وأصرّوا على التقليد في دنياهم كما تبيّن الآية التالية: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ﴾ (٦٩) ٦٩ - ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا﴾ وجدوا ﴿آباءَهُمْ ضالِّينَ﴾ الآباء على غير هدى، يشركون، ويعبدون المادة والأوهام والطواغيت، المشار إليها بالآية (٣٦). ﴿فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ (٧٠) ٧٠ - ﴿فَهُمْ﴾ الكفار ﴿عَلى آثارِهِمْ﴾ يقلّدون آباءهم وأجدادهم ﴿يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون في التقليد بلا تفكير ولا رويّة، وهكذا يوضح القرآن أن اتّباع عقائد الآباء والأجداد بصورة عمياء، وعدم تحكيم العقل، وتجاهل الهدي الإلهي الذي نزل به الوحي، هي الأسباب الرئيسية المؤدية لعذاب الآخرة المشار إليه بالآيات (٦٢ - ٦٨). ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٧١) ٧١ - ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ﴾ من أمثالهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف ١٠٣/ ١٢]. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ (٧٢)﴾

стр. 1595

٧٢ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا فِيهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ ينذرونهم بالبعث والحساب والعواقب. ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (٧٣) ٧٣ - ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ إذ لم ينفع فيهم الإنذار. ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٧٤) ٧٤ - ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ الذين استفادوا من نعمة العقل، ومن هدي الرسل. ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ (٧٥) ٧٥ - الآيات (٧٥ - ١٤٨) تحكي جانبا من قصص الرسل: نوح، وإبراهيم، وموسى وهارون، وإلياس، ولوط، ويونس، لإبراز بعض العبر منها بما يناسب ما تقدّم من الآيات (٦ - ٧٤)، وفي هذه القصص أيضا عودة لموضوع الآيات (١ - ٥) لجهة الصافّات أي الرسالات السماوية التي تتالت على الأمم: ﴿وَلَقَدْ نادانا نُوحٌ﴾ بعد أن أيس من إيمان قومه، وبعد أن لبث فيهم يدعوهم ألف سنة إلاّ خمسين عاما [العنكبوت ١٥/ ٢٩]، ونداؤه قوله: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً﴾ [نوح ٥/ ٧١]، وقوله: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاِتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَساراً﴾ [نوح ٢١/ ٧١]، ﴿فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ﴾ ليس أحسن من استجابته تعالى للدعاء. ﴿وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ (٧٦) ٧٦ - ﴿وَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ الكرب العظيم أي الغم الشديد، وهو الطوفان. ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ (٧٧)﴾

стр. 1596

٧٧ - ﴿وَجَعَلْنا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْباقِينَ﴾ قد يقصد من الذرية الذين كانوا معه على السفينة، وقد تكون ذريته المعنوية أي من اتّبع دعوته بعد ذلك، وخلافا لزعم العهد القديم ليس في القرآن الكريم ما يدل أن الطوفان كان عامّا في البشرية كلها، وإنّما اقتصر فقط على المنطقة التي كان فيها قوم نوح شمال العراق. ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ (٧٨) ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ (٧٩) ٧٨ - ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي بالذكر الجميل في الأمم من بعده. ٧٩ - ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ فِي الْعالَمِينَ﴾ في الدنيا والآخرة. ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٨٠) ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨١) ٨٠ - ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ بالذكر الجميل من بعده، وبنعمة السلام الروحاني. ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ (٨٢) ٨٢ - ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ من قومه الذين أصرّوا على إنكار الرسالة فداهمهم الفيضان. ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ﴾ (٨٣) ٨٣ - ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ﴾ من عقيدته ﴿لَإِبْراهِيمَ﴾ دعوة كليهما بالتوحيد واحدة، والرسالات السماوية نزلت برسالة واحدة وهي تكمل بعضها بعضا. ﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (٨٤) ٨٤ - ﴿إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ سليم من فساد العقائد، ومن التقليد، مطابق للفطرة السليمة، ولمنطق العقل السليم، كما هو سليم من الشرور. ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ (٨٥)﴾

стр. 1597

٨٥ - ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ﴾ قالها استخفافا بأوثانهم وبمعبوداتهم من النجوم والكواكب، وخطابه موجّه لأبيه وكبار قومه، ولمزيد من التفصيل عن بعثة إبراهيم وبدايتها في أور كلدان بالعراق انظر شرح [الأنعام ٧٤/ ٦]. ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾ (٨٦) ٨٦ - ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً﴾ أكذبا وبهتانا ﴿دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ﴾ تعبدون من دون الله ما هو إفك؟ أي كذب فاضح؟ فتلك المعبودات من نسج خيالكم. ﴿فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٨٧) ٨٧ - ﴿فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ المغزى هل يجوز أن تكون الأوثان والنجوم والكواكب التي تعبدون مشاركة لله تعالى في الألوهية؟ وهي ليست سوى مخلوقات؟ فالأوثان من صنع أيديكم، والنجوم والكواكب من مخلوقاته تعالى. ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ (٨٨) ٨٨ - ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ﴾ لأنهم كانوا يعبدون الشمس والقمر، ونظرته في الشمس والقمر تعريضا بعبادتهم لها، كما في آيات [الأنعام ٧٦/ ٦ - ٧٨]. ﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ (٨٩) ٨٩ - ﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ إنّ هذا ممّا يدعو إلى السقم، أو المرض النفسي، أو الغثيان، أن تعبدوا من المخلوقات كالشمس والقمر. ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ (٩٠) ٩٠ - ﴿فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ تركه كبار القوم وراء ظهورهم ولم يستجيبوا لدعوته، بعد المحاجّة التي دارت بينهم، انظر شرح آيات [الأنعام ٨٠/ ٦ - ٨٣].

стр. 1598

﴿فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ﴾ (٩١) ٩١ - ﴿فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ﴾ ذهب خفية إلى أصنامهم التي يعبدونها ﴿فَقالَ﴾ للأصنام ﴿أَلا تَأْكُلُونَ﴾ من الأطعمة التي يقدمها لكم عبدتكم؟ وفي ذلك مزيد من التعريض بسخافاتهم، وقد يكون أنه قال ذلك علانية استخفافا بمعبوداتهم، ولكي يسمعه العوام من الناس، آملا أن يفيقوا من غفلتهم ويعتبروا. ﴿ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ﴾ (٩٢) ٩٢ - ﴿ما لَكُمْ﴾ أيها الأصنام ﴿لا تَنْطِقُونَ﴾ لستم جديرين بالنطق، إذ أنتم جمادات نحتها عبدتكم بأيديهم. ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ (٩٣) ٩٣ - ﴿فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ عاجل الأصنام بالضرب بكلّ قواه، محطّما إياهم. ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ (٩٤) ٩٤ - ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ أسرع كبار القوم بالعودة إلى إبراهيم وقد أضمروا له الشر، بعد أن سمعوا بما فعل بأصنامهم. ﴿قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ (٩٥) ٩٥ - ﴿قالَ﴾ إبراهيم لكبار القوم ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ بأيديكم؟ ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ (٩٦) ٩٦ - ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ الله تعالى خالقكم وخالق الأصنام، فكيف تعبدون المخلوقات وتتركون الخالق؟ ﴿قالُوا اِبْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)﴾

стр. 1599

٩٧ - ﴿قالُوا﴾ استكبارا وعنادا ﴿اِبْنُوا لَهُ بُنْياناً﴾ صرحا من المواد القابلة للاشتعال ﴿فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ﴾ أي في البنيان وهو يشتعل، والواضح أنّ مزاج كبار القوم، بما فيه من التشنج والاستعلاء، لم يسمح لهم بمزيد من المحاجّة مع إبراهيم، فلم يكن لهم بدّ من الرد عليه بالحرق بعد أن حطّم أصنامهم. ﴿فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ (٩٨) ٩٨ - ﴿فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً﴾ بالشر ﴿فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ إذ أخفقوا في مسعاهم وخرج إبراهيم سالما، لقوله تعالى: ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩/ ٢١]. ﴿وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (٩٩) ٩٩ - ﴿وَقالَ﴾ إبراهيم ﴿إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ إنّي مهاجر، من هذه الأرض التي رفض أهلها رسالتي، إلى حيث يهديني ربّي. ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١٠٠) ١٠٠ - ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ﴾ من الذرية الصالحة، وكان متقدما وزوجته في السنّ. ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ (١٠١) ١٠١ - ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ وهو إسماعيل ﵇. ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ (١٠٢) ١٠٢ - ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ بلغ إسماعيل من السن مرحلة يستطيع أن يسعى مع أبيه لتحقيق أهدافه، بعد أن فهم إيمان أبيه وشاركه فيه ﴿قالَ﴾ إبراهيم لابنه ﴿يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ قال الرازي: اختلف الناس في أنّ إبراهيم ﵇ كان مأمورا بما رأى في المنام، أم لا؟ وقد يكون

стр. 1600

أنّ إبراهيم اعتقد أنّ إرادة الله اقتضت ذبح إسماعيل، ثمّ بيّنت الأحداث الفعلية عكس ذلك ﴿فَانْظُرْ ماذا تَرى﴾ قالها لإسماعيل على سبيل المشورة ﴿قالَ﴾ إسماعيل ﴿يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ﴾ مبالغة في طاعة أبيه فيما اعتقد أنها إرادة الله ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ على هذا الامتحان، والملاحظ أنّه علّق صبره على مشيئة الله. ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ (١٠٣) ١٠٣ - ﴿فَلَمّا أَسْلَما﴾ استسلما وانقادا وأذعنا، لأنه يقال سلم لأمر الله وأسلم واستسلم بمعنى واحد ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ صرعه أبوه على شقّه فصار جانب من جبينه على الأرض، وقالوا: إن التليل والمتلول هو المصروع. ﴿وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ﴾ (١٠٤) ١٠٤ - ﴿وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ﴾ ناداه الله تعالى: أن يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا. ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٠٥) ١٠٥ - ﴿قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ إذ أنت على وشك تنفيذها، وبذلك بلغت المغزى منها، وهو استعدادك للتضحية بأعزّ ما لديك ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ بإعفائهم من مشاقّ الفتنة. ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ (١٠٦) ١٠٦ - ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ الاختبار الذي يبيّن بلا أي التباس المخلصين من غيرهم، والبلاء أيضا المحنة البيّنة الصعوبة، وهي المحنة التي اجتازها إبراهيم بنجاح، واجتياز مثل هذه المحنة يعدّ امتيازا ما بعده امتياز، انظر أيضا شرح قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اِبْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة ١٢٤/ ٢].

стр. 1601

﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (١٠٧) ١٠٧ - ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ زعموا في العهد القديم (سفر التكوين ١٣/ ٢٢)، أن إبراهيم وجد أمامه كبشا فقدّمه قربانا تأكله النار، انظر [آل عمران ١٨٣/ ٣]، غير أنه ليس أعظم من مئات ألوف الأضاحي يذبحها المسلمون كل عام في موسم الحج اقتداء بما فعله جدهم الأكبر إبراهيم. ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ (١٠٨) ١٠٨ - ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ لإبراهيم أو لإسماعيل أو كليهما من الذكر الجميل ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ في الأجيال القادمة التي اتّبعت ملّته. ﴿سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ﴾ (١٠٩) ١٠٩ - ﴿سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ﴾ نعمة السلام الروحاني على إبراهيم بعد المحنة العظيمة التي اجتازها. ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١١٠) ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١١١) ١١٠ - ﴿كَذلِكَ﴾ مثل هذا الجزاء العظيم ﴿نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين يجتازون المصائب والمحن، انظر قوله تعالى في [البقرة ١٢٤/ ٢ و ١٥٥]. ١١١ - ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١١٢) ١١٢ - ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ﴾ بعد إسماعيل ﴿نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وإسحاق الجد الأكبر لأنبياء بني إسرائيل. ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ (١١٣) ١١٣ - ﴿وَبارَكْنا عَلَيْهِ﴾ على إبراهيم ﴿وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ وهكذا يرفض القرآن الكريم زعم اليهود أنهم

стр. 1602

الشعب المختار لمجرّد نسبهم إلى جدّهم الأكبر إسحاق وإبراهيم، ولأن كل إنسان مرهون بعمله، والنسب لا أثر له في الهدى والضلال، كما أنّ الظلم في الأعقاب لا يعود بالنقيصة على الأصول. ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وَهارُونَ﴾ (١١٤) ١١٤ - ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلى مُوسى وَهارُونَ﴾ بالنبوّة، بناء على صلاحهما، وليس لكونهما من ذرية إسحاق، فالصلاح ليس مرتبطا بالضرورة بالنسب كما سبق بيانه. ﴿وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ (١١٥) ١١٥ - ﴿وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما﴾ من بني إسرائيل ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ من أسر فرعون، ومن الغرق في أثناء عبورهما البحر إلى سيناء. ﴿وَنَصَرْناهُمْ فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ﴾ (١١٦) ١١٦ - ﴿وَنَصَرْناهُمْ﴾ بإغراق فرعون وجيشه في البحر ﴿فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ﴾ على فرعون. ﴿وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ (١١٧) ١١٧ - ﴿وَآتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ﴾ وهو التوراة التي أوحيت إلى موسى لقوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ [المائدة ٤٤/ ٥]. ﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١١٨) ١١٨ - ﴿وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ في دعوة فرعون وملئه، وفي دعوتهما بني إسرائيل.

стр. 1603

﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ﴾ (١١٩) ١١٩ - ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِما﴾ الذكر الجميل ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾ في الأجيال القادمة من يهود ونصارى ومسلمين. ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (١٢٠) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٢١) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (١٢٢)﴾ ١٢٠ - ﴿سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ﴾ السلام الروحاني يتنزّل عليهما. ١٢١ - ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ مثل هذا الجزاء العظيم. ١٢٢ - ﴿إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٢٣) ١٢٣ - ﴿وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ بعث إلياس إلى بني إسرائيل بعد انشقاق مملكة سليمان إلى مملكتين: الشمالية إسرائيل، والجنوبية يهوذا، وقد ارتكس ملوك إسرائيل إلى الوثنية مرارا وعبدوا آلهة الفينيقيين (بعل) وذلك مذكور بتفصيل في العهد القديم. ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ﴾ (١٢٤) ١٢٤ - ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ﴾ ألا تتقون الوثنية، وارتكاسكم فيها؟ بعد ما جاءكم من التوحيد برسالة موسى؟ ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾ (١٢٥) ﴿اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٢٦) ١٢٥ - ﴿أَتَدْعُونَ بَعْلاً﴾ تعبدونه، بعل: اسم جنس لآلهة الوثنية الفينيقية ﴿وَتَذَرُونَ﴾ عبادة ﴿أَحْسَنَ الْخالِقِينَ﴾ الله تعالى.

стр. 1604

١٢٦ - ﴿اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ متولّي شؤونكم ورزقكم، في حين أن الوثن بعل لا يقدر على شيء من ذلك. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ (١٢٧) ١٢٧ - ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ بنو إسرائيل الذين انحرفوا نحو الوثنية، والفينيقيون، كلاهما كذّبوا إلياس ﴿فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ للحشر والحساب. ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١٢٨) ١٢٨ - ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ يحشرون إلى الجنة. ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ (١٢٩) ١٢٩ - ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ﴾ على إلياس الذكر الجميل ﴿فِي الْآخِرِينَ﴾. ﴿سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ (١٣٠) إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٣١) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٣٢) ١٣٠ - ﴿سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ﴾ السلام الروحاني يتنزّل عليه، وقد ذكر الزمخشري أنّ لزيادة الياء والنون معنى في اللغة السريانية، وشبيه بذلك سيناء وسينين، وكثيرا ما يتصرّفون في الأسماء غير العربية، وقيل هو جمع إلياس بمعنى إلياس وأتباعه. ١٣١ - ﴿إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ بتنزّل السلام الروحاني عليهم. ١٣٢ - ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٣٣) ١٣٣ - ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وهو ابن أخي إبراهيم بعث إلى القرى التي نسبت إليه، وهي قرى لوط على الساحل الشرقي للبحر الميت، انظر [الأعراف ٨٠/ ٧ - ٨٤] و [هود ٧٤/ ١١ - ٨٣].

стр. 1605

﴿إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ (١٣٤) ١٣٤ - ﴿إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾ من القرية التي كانت تعمل الخبائث [الأنبياء ٧٤/ ٢١]. ﴿إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ﴾ (١٣٥) ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ (١٣٦) ١٣٥ - ﴿إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ﴾ امرأته كانت تميل لشذوذ قومها فهلكت معهم، ولذا استثنتهاالآية من قوله ﴿وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾. ١٣٦ - ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ من قومه. ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ (١٣٧) ﴿وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٣٨) ١٣٧ - ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ ١٣٨ - ﴿وَبِاللَّيْلِ﴾ نهارا وليلا في طريق ذهابكم وإيابكم إلى بلاد الشام، فتشاهدون مناطق الحمم البركانية التي قضت عليهم، وطريق الشام المجاور لقرى لوط ظاهر في الصور الجوية لتلك المنطقة ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ فتلك عبرة على مرّ العصور لمن يستخدم عقله على النحو السليم. ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٣٩) ١٣٩ - ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ بعث إلى الآشوريين في بابل في عاصمتهم نينوى التي لا تزال بقاياها ماثلة على شاطئ دجلة المقابل لمدينة الموصل. ﴿إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ (١٤٠) ١٤٠ - ﴿إِذْ أَبَقَ﴾ أصله الهرب من السيد، وهو مجاز، والواضح إنّ معظم قومه أصرّوا على رفضه حتى ذهب مغاضبا كما في قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً﴾ [الأنبياء ٨٧/ ٢١]، إذ هرب من قومه من دون إذن ربه ﴿إِلَى﴾

стр. 1606

﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ وجد سفينة مملوءة بالركاب على شاطئ البحر المتوسط فلاذ بالركوب فيها. ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ (١٤١) ١٤١ - ﴿فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ القصة مذكورة في العهد القديم بتفصيل (سفر يونس)، وخلاصتها أن السفينة تعرضت للغرق وهي في عرض البحر بسبب العواصف الهوجاء، فقال الركاب هنالك رجل بيننا هارب من ربّه قد عرّضنا للخطر وسوف نعرف من هو بطريق القرعة، فخرجت القرعة على يونس ثم ألقوه في البحر حتى هدأت العاصفة ونجت السفينة. ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ (١٤٢) ١٤٢ - ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ﴾ بعد أن ألقوه في البحر ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ أعمال يونس أوصلته إلى هذه النتيجة. ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ (١٤٣) ١٤٣ - ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ بقوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ أي أنزّهك يا الله تنزيها لائقا بك عن كل نقص وسوء، وأن يعجزك شيء ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ظلمت نفسي، وظلمت قومي بتعريضهم للهلاك، إذ تخلّيت عنهم من غير أمر، وبخلاف ما اعتاد عليه الأنبياء، انظر شرح [الأنبياء ٨٧/ ٢١]. ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١٤٤) ١٤٤ - ﴿لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ﴾ في بطن الحوت ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ من دون أي إمكانية للنجاة. ﴿فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ (١٤٥) ﴿وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦)﴾

стр. 1607

١٤٥ - ﴿فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ﴾ على الساحل في منطقة قاحلة من النبات ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ في حالة من السقم النفسي بعد المحنة التي مرّ بها. ١٤٦ - ﴿وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾ تظلله كالخيمة. ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ (١٤٧) ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ (١٤٨) ١٤٧ - ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ وهم أهل نينوى. ١٤٨ - ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ إلى أن حانت آجالهم، وهي فرصتهم الثانية للتوبة بعد أن عاد يونس إليهم، انظر قوله تعالى: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨/ ١٠]. ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ (١٤٩) ١٤٩ - بعد أن أكملت الآيات (٧٥ - ١٤٨) قصص بعض النبيين مع أقوامهم إشارة لقوله تعالى: ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا﴾ (١)، أي الرسالات السماوية المتتالية، يعود الخطاب لشرح بعض مذاهب المشركين وبيان قبحها وسخافتها، ومن ذلك أنهم نسبوا البنات لله سبحانه، انظر أيضا شرح آيات [النحل ٥٦/ ١٦ - ٥٩]، وفي ذلك أيضا عطف على قوله تعالى بالآية (١١): ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنا إِنّا خَلَقْناهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ﴾: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾ لأنّ العرب زعمت أنّ الملائكة من جنس الإناث وأنها بنات الله سبحانه، مع أنهم يكرهون الإناث لأنفسهم. ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ﴾ (١٥٠) ١٥٠ - ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَهُمْ شاهِدُونَ﴾ فذلك ليس في عالم المشاهدة، وإنما الكفار يتخبطون فيما لا يعلمون.

стр. 1608

﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ﴾ (١٥١) ﴿وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (١٥٢) ١٥١ - ﴿أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ﴾ لشدة كذبهم ﴿لَيَقُولُونَ﴾ بلا برهان عقلي ولا نقلي. ١٥٢ - ﴿وَلَدَ اللهُ﴾ ينسبون الأولاد لله تعالى ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في زعمهم. ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ (١٥٣) ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (١٥٤) ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (١٥٥) ١٥٣ - ﴿أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ في زعمكم؟ ١٥٤ - ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ فهذه الأحكام باطلة بداهة؟ ١٥٥ - ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إن العقول السليمة تنكر ذلك، في إشارة إلى الآية (١٣). ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ﴾ (١٥٦) ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٥٧) ١٥٦ - ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ﴾ برهان أو حجّة ﴿مُبِينٌ﴾ فلا بد من برهان عقلي أو نقلي يؤيده. ١٥٧ - ﴿فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ﴾ من الوحي ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم. ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ (١٥٨) ١٥٨ - ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ﴾ بين الله ﴿وَبَيْنَ الْجِنَّةِ﴾ مع أنها من مخلوقاته ﴿نَسَباً﴾ بزعمهم ﴿وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ للحساب والجزاء. ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ (١٥٩)﴾

стр. 1609

١٥٩ - ﴿سُبْحانَ اللهِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ تنزيها لله تعالى عن كل نقيصة، وعمّا زعموا من وجود النسب بينه وبين الجنّة، وعن كل وصف لا يليق بكماله وعظمته. ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١٦٠) ١٦٠ - ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ قد تكون (إلاّ) بمعنى (لكن)، والمعنى ليس التخبّط والكفر من شأن عباد الله المخلصين. ﴿فَإِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ﴾ (١٦١) ١٦١ - ﴿فَإِنَّكُمْ﴾ أيها الكفار ﴿وَما تَعْبُدُونَ﴾ من الأوهام والطواغيت والمادة والشهوات. ﴿ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفاتِنِينَ﴾ (١٦٢) ﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾ (١٦٣) ١٦٢ - ﴿ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ على ذلك ﴿بِفاتِنِينَ﴾ ليس بإمكانكم، أيها الكفار، أن تفتنوا وتضلّوا معكم من الناس إلاّ من يختار الضلال بمحض اختياره. ١٦٣ - ﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صالِ الْجَحِيمِ﴾ فيكون من أصحاب الجحيم. ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ (١٦٤) ١٦٤ - انتقال الخطاب لبيان منزلة جميع المخلوقات عنده تعالى بحسب درجاتهم: ﴿وَما مِنّا﴾ من المخلوقات ﴿إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ عند الله تعالى، من مؤمنين أو كفار، ومن أحياء أو جمادات: ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ (١٦٥) ١٦٥ - ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ المخلوقات من أحياء وجمادات منصاعون لمشيئته تعالى، طوعا أو كرها. ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾

стр. 1610

١٦٦ - ﴿وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ كل مظاهر الطبيعة من أحياء وجماد تسبّح بحمده تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧]، وأيضا: ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء ٧٩/ ٢١]. ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ (١٦٧) ١٦٧ - ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ﴾ الكفار يخدعون أنفسهم ويقولون بعد فوات الأوان: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٦٨) ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١٦٩) ١٦٨ - ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً﴾ من الوحي ﴿مِنَ﴾ كتب ﴿الْأَوَّلِينَ﴾ يزعمون أن لو نزل عليهم كتاب من جنس الكتب السماوية التي نزلت على أجدادهم الأوّلين لآمنوا. ١٦٩ - ﴿لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ لكنّهم كفروا بالقرآن الكريم لمّا جاءهم مع أنه الكتاب المعجز والمهيمن على ما قبله من الكتب: ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ [المائدة ٤٨/ ٥]. ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (١٧٠) ١٧٠ - ﴿فَكَفَرُوا بِهِ﴾ بالقرآن الكريم ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ عاقبة كفرهم. ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٧١) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ (١٧٢) ١٧١ - ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ سبقت كلمته تعالى منذ الأزل بنصر الرسل لقوله: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ﴾ [غافر ٥١/ ٤٠]. ١٧٢ - ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ أي الرسل.

стр. 1611

﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ (١٧٣) ١٧٣ - ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا﴾ من أتباع الرسل ﴿لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ ليس بالضرورة بالقوة والحرب، ولكن بغلبة المنطق والإقناع والحجة الأقوى. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ﴾ (١٧٤) ١٧٤ - ﴿فَتَوَلَّ﴾ أيها النبي، وأيها المؤمن في كل عصر ﴿عَنْهُمْ﴾ عن المصرّين على الكفر، إذ لا إكراه في الدين ﴿حَتّى حِينٍ﴾ دعهم لعلهم يتوبون، أو حتى تحين آجالهم، لأنّ الناس مكرّمون بحرية الفكر. ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ (١٧٥) ١٧٥ - ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ انظر إليهم من زاويتهم لما هم عليه من حرية الفكر وخداع النفس وظنهم أنهم على الصواب ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ الحقيقة إن في الدنيا أو في الآخرة. ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ (١٧٦) ١٧٦ - ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ لأنهم يتهكمّون ويزعمون أنّ القرآن من عند النبي وليس وحيا، ويستعجلون العذاب إمعانا في التحدّي قائلين: ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ اِئْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨]. ﴿فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (١٧٧) ١٧٧ - ﴿فَإِذا نَزَلَ﴾ العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ في دارهم ﴿فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ إذ لم ينفع الإنذار معهم. ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ﴾ (١٧٨) ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ (١٧٩) ١٧٨ - ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ﴾ دعهم يأخذوا فرصتهم بعد إنذارهم.

стр. 1612

١٧٩ - ﴿وَأَبْصِرْ﴾ عقليتهم وضلالهم ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ الحقيقة في حينه. ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ (١٨٠) ١٨٠ - بعد النظر للمصرّين على الكفر من هذه الزاوية لم يبق سوى الصبر والتسبيح بحمده تعالى والسلام على الرسل: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ تنزيها لله تعالى عن كل نقيصة، وعن مشابهته للبشر، وعمّا يصفون له من الصفات التي لا تليق بعظمته وألوهيته. ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٨١) ١٨١ - ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ السلام الروحاني عليهم، وسلامتهم من كل مكروه وكرب، بما يليق بهم. ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٨٢) ١٨٢ - ﴿وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ مستحق الحمد على نعمائه المادية والمعنوية، أن بعث الرسل، وختم بإنزال القرآن رسالة للعالمين، ولم يترك العباد يتخبطون على غير هدى.

стр. 1613

سورة ص - ٣٨ - مكية مقدمة نزلت في النصف الأول من الفترة المكية حوالي العام الخامس من البعثة النبوية. ارتباط السورة بما قبلها افتتحت سورة الصافّات المتقدمة بالإشارة إلى الإحكام في نظم آيات القرآن الكريم: ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا﴾ (١/ ٣٧)، وفي أواخرسورة الصافات زعم الكفار أن لو جاء التوحيد في كتب آبائهم لاتبعوه: ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ * لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١٦٧/ ٣٧ - ١٦٩)، ولكن عندما جاءهم القرآن بالذكر الذي كانوا يترقّبون كفروا به: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (١٧٠/ ٣٧)، ثم تفتتح سورة ص بالإشارة للذكر وهو القرآن الكريم: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (١/ ٣٨)، ثم قوله تعالى أن ذوي الألباب فقط ينتفعون به: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٢٩/ ٣٨). ونظيره قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي فيه كل ما يلزم أن تعلموه لضمان كرامتكم وسعادتكم، أفلا تستخدمون عقولكم لفهمه: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٠/ ٢١).

стр. 1614

محور السورة أن القرآن الكريم نزل على البشرية بكل ما تحتاج أن تتذكره وتحيط به علما لتحقيق كرامتها وسعادتها: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (١)، ومع ذلك فالمصرّون على الكفر غارقون في كبرهم الزائف وفي استعلائهم وفي ظنهم بالاكتفاء الذاتي بما عندهم من العلم: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾ (٢). بل إنهم يبررون ضلالهم بزعم ضلال غيرهم من المجتمعات التي عبدت وتعبد آلهة متعددة، كعقيدة التثليث عند المسيحية: ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اِخْتِلاقٌ﴾ (٧)، وضلالهم ليس مقتصرا على التشكيك في شخص النبي ﷺ : ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا﴾ بل يتجاوزه إلى التشكيك بفحوى رسالته: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ (٨). لكنّ التشكيك بمغزى الخلق والحياة يؤدي بأصحابه بالضرورة إلى نبذ المقاييس الأخلاقية وإلى العمى الروحاني: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ومن ثم يؤدي بهم إلى عذاب الآخرة: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ (٢٧). وقد جاءهم النبأ العظيم أو الرسالة العظيمة التي هي القرآن الكريم فأعرضوا عنه: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ (٦٧ - ٦٨)، مع أنه ليس للإنسان من عذر في الإعراض، فقد سبق أن علّمه تعالى الأسماء كلها، انظرآية [البقرة ٣١/ ٢]، أي المقدرة على التفكير المجرد ومن ثم المقدرة على تمييز الحق من الباطل، وتفوّق الإنسان على غيره من المخلوقات بالفكر والعقل ما يفسر قوله تعالى أنه خلقه بيديه: ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٧٥). ثم إن القرآن الكريم ليس للعرب وحدهم بل رسالة عالمية للناس كافة: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (٨٧)، ولسوف يأتي الوقت، إن في الدنيا أو في

стр. 1615

الآخرة، الذي يدرك الجميع معانيه ويفقهون مغزاه: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (٨٨). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (١) ١ - ﴿ص﴾ الله أعلم بمراده، انظر شرح آية [البقرة ٢/ ١]، ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ المعنى: انظروا أيها الناس في هذا القرآن الذي فيه من التذكير بالفطرة السليمة، والتشريف والتكريم لبني آدم، انظر [الإسراء ٧٠/ ١٧] و [البقرة ٣١/ ٢]، وإنقاذه من هوان الشرك وعبادة الأوهام، ففي القرآن كل ما يحتاج الإنسان أن يتذكّر للتوصّل إلى الكرامة والسعادة. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾ (٢) ٢ - ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ ومع ذلك فالمصرّون على الكفر ينكرون القرآن وإمكانية الوحي الإلهي، لأن الإقرار بذلك يترتب عليه مسؤوليتهم تجاه الله سبحانه، مما يتعارض مع عزتهم الوهمية واستكبارهم واعتقادهم بالاكتفاء الذاتي ﴿وَشِقاقٍ﴾ فكأنهم جعلوا أنفسهم في شقّ، والهدي الإلهي في شقّ آخر، أي على طرفي نقيض. ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ (٣) ٣ - ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ من الأمم والحضارات البائدة التي أصرّت على الكفر فآل مصيرها الطبيعي إلى الانحطاط والزوال ﴿فَنادَوْا﴾ مستغيثين بعد فوات الأوان ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ استغاثتهم كانت بعد أن لم يكن لهم من نجاة، لأنّ المناص الملجأ والنجاة، و ﴿لاتَ﴾ بمعنى ليس، فيكون تقدير الخطاب: فنادوا حين لا مناص لهم. ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذّابٌ (٤)﴾
следующие страницы →