← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

﴿وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ (١٧٣) ١٧٣ - ﴿وَإِنَّ جُنْدَنا﴾ من أتباع الرسل ﴿لَهُمُ الْغالِبُونَ﴾ ليس بالضرورة بالقوة والحرب، ولكن بغلبة المنطق والإقناع والحجة الأقوى. ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ﴾ (١٧٤) ١٧٤ - ﴿فَتَوَلَّ﴾ أيها النبي، وأيها المؤمن في كل عصر ﴿عَنْهُمْ﴾ عن المصرّين على الكفر، إذ لا إكراه في الدين ﴿حَتّى حِينٍ﴾ دعهم لعلهم يتوبون، أو حتى تحين آجالهم، لأنّ الناس مكرّمون بحرية الفكر. ﴿وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ (١٧٥) ١٧٥ - ﴿وَأَبْصِرْهُمْ﴾ انظر إليهم من زاويتهم لما هم عليه من حرية الفكر وخداع النفس وظنهم أنهم على الصواب ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ الحقيقة إن في الدنيا أو في الآخرة. ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ (١٧٦) ١٧٦ - ﴿أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ لأنهم يتهكمّون ويزعمون أنّ القرآن من عند النبي وليس وحيا، ويستعجلون العذاب إمعانا في التحدّي قائلين: ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ اِئْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢/ ٨]. ﴿فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (١٧٧) ١٧٧ - ﴿فَإِذا نَزَلَ﴾ العذاب ﴿بِساحَتِهِمْ﴾ في دارهم ﴿فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ إذ لم ينفع الإنذار معهم. ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ﴾ (١٧٨) ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ (١٧٩) ١٧٨ - ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتّى حِينٍ﴾ دعهم يأخذوا فرصتهم بعد إنذارهم.

стр. 1612

١٧٩ - ﴿وَأَبْصِرْ﴾ عقليتهم وضلالهم ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ الحقيقة في حينه. ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ (١٨٠) ١٨٠ - بعد النظر للمصرّين على الكفر من هذه الزاوية لم يبق سوى الصبر والتسبيح بحمده تعالى والسلام على الرسل: ﴿سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ تنزيها لله تعالى عن كل نقيصة، وعن مشابهته للبشر، وعمّا يصفون له من الصفات التي لا تليق بعظمته وألوهيته. ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٨١) ١٨١ - ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ السلام الروحاني عليهم، وسلامتهم من كل مكروه وكرب، بما يليق بهم. ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٨٢) ١٨٢ - ﴿وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ مستحق الحمد على نعمائه المادية والمعنوية، أن بعث الرسل، وختم بإنزال القرآن رسالة للعالمين، ولم يترك العباد يتخبطون على غير هدى.

стр. 1613

سورة ص - ٣٨ - مكية مقدمة نزلت في النصف الأول من الفترة المكية حوالي العام الخامس من البعثة النبوية. ارتباط السورة بما قبلها افتتحت سورة الصافّات المتقدمة بالإشارة إلى الإحكام في نظم آيات القرآن الكريم: ﴿وَالصَّافّاتِ صَفًّا﴾ (١/ ٣٧)، وفي أواخرسورة الصافات زعم الكفار أن لو جاء التوحيد في كتب آبائهم لاتبعوه: ﴿وَإِنْ كانُوا لَيَقُولُونَ * لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْراً مِنَ الْأَوَّلِينَ * لَكُنّا عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ (١٦٧/ ٣٧ - ١٦٩)، ولكن عندما جاءهم القرآن بالذكر الذي كانوا يترقّبون كفروا به: ﴿فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (١٧٠/ ٣٧)، ثم تفتتح سورة ص بالإشارة للذكر وهو القرآن الكريم: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (١/ ٣٨)، ثم قوله تعالى أن ذوي الألباب فقط ينتفعون به: ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٢٩/ ٣٨). ونظيره قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي فيه كل ما يلزم أن تعلموه لضمان كرامتكم وسعادتكم، أفلا تستخدمون عقولكم لفهمه: ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٠/ ٢١).

стр. 1614

محور السورة أن القرآن الكريم نزل على البشرية بكل ما تحتاج أن تتذكره وتحيط به علما لتحقيق كرامتها وسعادتها: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (١)، ومع ذلك فالمصرّون على الكفر غارقون في كبرهم الزائف وفي استعلائهم وفي ظنهم بالاكتفاء الذاتي بما عندهم من العلم: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾ (٢). بل إنهم يبررون ضلالهم بزعم ضلال غيرهم من المجتمعات التي عبدت وتعبد آلهة متعددة، كعقيدة التثليث عند المسيحية: ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اِخْتِلاقٌ﴾ (٧)، وضلالهم ليس مقتصرا على التشكيك في شخص النبي ﷺ : ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا﴾ بل يتجاوزه إلى التشكيك بفحوى رسالته: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ (٨). لكنّ التشكيك بمغزى الخلق والحياة يؤدي بأصحابه بالضرورة إلى نبذ المقاييس الأخلاقية وإلى العمى الروحاني: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ومن ثم يؤدي بهم إلى عذاب الآخرة: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ (٢٧). وقد جاءهم النبأ العظيم أو الرسالة العظيمة التي هي القرآن الكريم فأعرضوا عنه: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ (٦٧ - ٦٨)، مع أنه ليس للإنسان من عذر في الإعراض، فقد سبق أن علّمه تعالى الأسماء كلها، انظرآية [البقرة ٣١/ ٢]، أي المقدرة على التفكير المجرد ومن ثم المقدرة على تمييز الحق من الباطل، وتفوّق الإنسان على غيره من المخلوقات بالفكر والعقل ما يفسر قوله تعالى أنه خلقه بيديه: ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ (٧٥). ثم إن القرآن الكريم ليس للعرب وحدهم بل رسالة عالمية للناس كافة: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (٨٧)، ولسوف يأتي الوقت، إن في الدنيا أو في

стр. 1615

الآخرة، الذي يدرك الجميع معانيه ويفقهون مغزاه: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (٨٨). بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (١) ١ - ﴿ص﴾ الله أعلم بمراده، انظر شرح آية [البقرة ٢/ ١]، ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ المعنى: انظروا أيها الناس في هذا القرآن الذي فيه من التذكير بالفطرة السليمة، والتشريف والتكريم لبني آدم، انظر [الإسراء ٧٠/ ١٧] و [البقرة ٣١/ ٢]، وإنقاذه من هوان الشرك وعبادة الأوهام، ففي القرآن كل ما يحتاج الإنسان أن يتذكّر للتوصّل إلى الكرامة والسعادة. ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ﴾ (٢) ٢ - ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ ومع ذلك فالمصرّون على الكفر ينكرون القرآن وإمكانية الوحي الإلهي، لأن الإقرار بذلك يترتب عليه مسؤوليتهم تجاه الله سبحانه، مما يتعارض مع عزتهم الوهمية واستكبارهم واعتقادهم بالاكتفاء الذاتي ﴿وَشِقاقٍ﴾ فكأنهم جعلوا أنفسهم في شقّ، والهدي الإلهي في شقّ آخر، أي على طرفي نقيض. ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ (٣) ٣ - ﴿كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ من الأمم والحضارات البائدة التي أصرّت على الكفر فآل مصيرها الطبيعي إلى الانحطاط والزوال ﴿فَنادَوْا﴾ مستغيثين بعد فوات الأوان ﴿وَلاتَ حِينَ مَناصٍ﴾ استغاثتهم كانت بعد أن لم يكن لهم من نجاة، لأنّ المناص الملجأ والنجاة، و ﴿لاتَ﴾ بمعنى ليس، فيكون تقدير الخطاب: فنادوا حين لا مناص لهم. ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذّابٌ (٤)﴾

стр. 1616

٤ - ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ الرسول منهم أي من جنسهم من البشر، أو أمّي كما كانت قريش، فكيف يمكن أن يكون نبيا بزعمهم؟ وهذه العقلية غير مقتصرة على قريش بل سائدة في كل عصر لدى الكثير من الناس ﴿وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ﴾ نسبوا إعجاز القرآن إلى السحر ﴿كَذّابٌ﴾ بزعمهم؛ إذ ينسب القرآن إلى الله تعالى. ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ (٥) ٥ - ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً﴾ أي وماذا عن سلطانهم وجبروتهم الذي يظنّون؟ إذ يعتقدون أنفسهم أنصاف آلهة يتصرّفون في الدنيا على هواهم ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ﴾ بزعمهم، أن تنسب المقادير إلى الله تعالى وحده. ﴿وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا وَاِصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ (٦) ٦ - ﴿وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ﴾ الملأ كبار القوم الذين إذا حضروا المجالس تمتلئ القلوب والعيون من مهابتهم ﴿أَنِ اِمْشُوا﴾ يحضّون الأتباع على البقاء على دينهم ﴿وَاِصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ﴾ اثبتوا على عبادتها ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ﴾ يراد بنا من نوائب الدهر فلا بد من الصبر عليه. ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اِخْتِلاقٌ﴾ (٧) ٧ - تتمة كلام الملأ: ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ﴾ في ملّة المسيحية، لأنهم يقولون بالتثليث، وبألوهية عيسى، وينكرون التوحيد ﴿إِنْ هذا﴾ من الدعوة إلى التوحيد ﴿إِلاَّ اِخْتِلاقٌ﴾ افتراء، لأنهم اعتادوا على عبادة الأوثان والأيقونات وتأليه زعمائهم ورجال الدين من بينهم. ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ (٨) ٨ - تتمة كلام الملأ: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ﴾ على النبي ﴿الذِّكْرُ﴾ الوحي ﴿مِنْ بَيْنِنا﴾ ونحن رؤساء الناس وأشرافهم، والأجدر أن ينزل الوحي علينا؟ وذلك

стр. 1617

شبيه بقولهم: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١/ ٤٣]، أي على رجل عظيم من فارس أو الروم، أو من مكة أو الطائف، ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ المغزى أنهم في شكّ من القرآن، وليس في شخص النبي، لأنّ القرآن يعارض شركهم وأهواءهم ﴿بَلْ لَمّا يَذُوقُوا عَذابِ﴾ المترتّب على إنكار القرآن. ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهّابِ﴾ (٩) ٩ - ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾ رحمة الله بهذا المعنى هي الوحي الإلهي، بدليل آية [هود ٦٣/ ١١]، والمعنى؛ هل يظنّون أن التصرّف بمنصب النبوّة عائد إليهم؟ ﴿الْعَزِيزِ الْوَهّابِ﴾ يهب النبوّة لمن يشاء بحسب الحكمة. ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ﴾ (١٠) ١٠ - ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ هل يظنّون أنّ بإمكانهم يوما السيطرة على الكون والطبيعة ممّا هو من خصائص الألوهية فقط؟ ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ﴾ فليستخدموا كل إمكاناتهم إن استطاعوا. ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ (١١) ١١ - ﴿جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ مهما تكاتف الكفار وتعاضدوا وتحزّبوا، بعضهم مع بعض، فمصيرهم في النهاية إلى الزوال عندما يختارون إنكار الحقيقة. ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ﴾ (١٢) ١٢ - الآيات (١٢ - ١٦) تضرب أمثلة على الأمم المهزومة المشار إليها بالآية المتقدمة: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبل قريش ﴿قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ﴾ فرعون ذو الأوتاد: تشبيه لثبات ملك فرعون ورسوخ سلطته ببيت ثابتة أوتاده في الأرض. ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (١٣)﴾

стр. 1618

١٣ - ﴿وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ﴾ أصحاب الأيكة قوم شعيب في مدين ﴿أُولئِكَ الْأَحْزابُ﴾ كأنّهم تحزّبوا وتكاتف بعضهم مع بعض في إنكار الأنبياء والرسل والوحي الإلهي. ﴿إِنْ كُلٌّ إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ (١٤) ١٤ - ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ من الأقوام المذكورة ﴿إِلاّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ﴾ استحقّوا العقاب كنتيجة طبيعية لتكذيبهم. ﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ (١٥) ١٥ - ﴿وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ﴾ أي قريش أو غيرهم من المكذّبين ﴿إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ يترتب عليها هلاكهم ﴿ما لَها مِنْ فَواقٍ﴾ عندما يحين موعدها فلا شيء يفوق الزمن المقدّر لهلاكهم. ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾ (١٦) ١٦ - ﴿وَقالُوا رَبَّنا عَجِّلْ لَنا قِطَّنا﴾ قالوه على سبيل السخرية، أي عجّل لنا قسطنا من العذاب ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسابِ﴾ ولا تمهلنا ليوم الحساب، قالوه إمعانا في التحدّي، وهذا القول يقوله الكفرة والجهلة في كل زمن. ﴿اِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ (١٧) ١٧ - ﴿اِصْبِرْ﴾ أيها الرسول، وأيها المؤمن ﴿عَلى ما يَقُولُونَ﴾ من العناد والمكابرة، ودعهم وشأنهم، فليس على المؤمن سوى الذكرى، انظر [الأعلى ٩/ ٨٧]، ﴿وَاُذْكُرْ﴾ في نفسك، أو اذكر لهؤلاء المكذّبين قصة داوود وغيره من الأنبياء مثل سليمان، وأيوب، وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، وإسماعيل واليسع وذا الكفل، الذين سوف يرد ذكرهم، لاقوا أشد العنت والتكذيب من أقوامهم، كما لاقى النبي من قومه، لعلهم يتوبون، فلا تيأس من إيمانهم، ﴿وَاُذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾ ذا القوّة على أداء الطاعات ﴿إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ رجّاع إلى ربه بالاستغفار.

стр. 1619

﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ (١٨) ١٨ - ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ جميع المخلوقات حتى الجماد منها، والبهائم تسبح الله تعالى، وقيل سمّيت بهائم لكون كلامها وأحوالها قد أبهم على غالب الخلق: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧]، فما بال هؤلاء المكذّبين يجحدون؟ وقد أنعم الله تعالى عليهم بالعقول وعلّمهم الأسماء كلها، انظر [البقرة ٣١/ ٢]. ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ﴾ (١٩) ١٩ - ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾ حتى الطيور التي لا عقل لها ولا إدراك كالإنسان ﴿كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ﴾ كل من الجبال والطيور تؤوب أي ترجع لله تعالى بالتسبيح. ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾ (٢٠) ٢٠ - ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ قوّيناه ﴿وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ﴾ النبوّة وكمال العلم وإتقان العمل، انظر [النساء ٥٤/ ٤] حيث تساوي الحكمة بالنبوّة ﴿وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾ بتمييز الحق من الباطل. ﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ﴾ (٢١) ٢١ - وهنا تعطي السورة مثالا لكون داوود أوّابا أي رجّاعا بالاستغفار، الآية (١٧): ﴿وَهَلْ أَتاكَ﴾ أيها النبي، أو أيها القارئ ﴿نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ المتخاصمين ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ﴾ تسلّقوا سور المحراب الذي كان داوود يصلّي فيه. ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاِهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ (٢٢) ٢٢ - ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ لأنهم كانوا ملكين على صورة بشر ﴿قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ﴾ أي نحن خصمان، وسنرى في الآية التالية أن

стр. 1620

أحدهما تقمّص شخصية داوود، والآخر تقمّص شخص قائده العسكري - أوريا - ولم يدرك داوود ذلك حتى نهاية القصة ﴿بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ﴾ ظلم أحدنا الآخر، أي داوود ظلم أوريا ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ﴾ لا تتجاوزه ﴿وَاِهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ﴾ إلى وسط طريق الحق، بزجر الباغي وإرشاده إلى منهج العدل. ﴿إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ (٢٣) ٢٣ - ﴿إِنَّ هذا أَخِي﴾ وهي أخوّة الدين، أو أخوّة الصداقة والألفة ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ﴾ هذه القصة الرمزية تشير إلى زعم اليهود في العهد القديم أن داوود، وهو على سطح قصره، لمح زوجة أحد قادته - أوريا - وهي عارية تستحم في بيتها، فأمر بإحضارها ودخل بها، كما أمر أن يوضع زوجها في مقدمة الجبهة حتى قتل، ثمّ تزوج داوود من المرأة - باث شيبا - فأنجبت له سليمان (سفر صموئيل الثاني ٣/ ١١ - ٢٦)، وكان لداوود وقتئذ تسع وتسعون زوجة (نعجة)، والقائد العسكري أوريا لم يكن له سوى هذه الزوجة (نعجة واحدة)، وهذه القصة يناقضها القرآن الكريم من جهتين: أولا: أن داوود لم يأمر بإرسال أوريا إلى الجبهة ليقتل وإنما ضغط عليه أن يطلّق زوجته حتى يتزوجها برضاه، وثانيا: أنه لم يدخل في المرأة حتى تزوجها. ﴿فَقالَ﴾ أحد الخصمين للآخر، أي داوود للقائد في القصة الرمزية ﴿أَكْفِلْنِيها﴾ المعنى: تنازل عن النعجة أي عن زوجتك وملّكنيها، أي طلّقها حتى أتزوجها، قال الرازي: إنه كان مألوفا في أهل ذلك الزمان أن يسأل أحدهم الآخر أن يطلّق امرأته حتى يتزوجها ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ﴾ ضغط عليّ وغلبني في طلبه، فلم أطلق أن أردّه، وهو قول أوريا القائد.

стр. 1621

﴿قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿قالَ﴾ داوود لأحد الخصمين أمامه: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ﴾ أن يضم زوجتك إلى زوجاته ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ﴾ أي الشركاء الذين يختلط بعضهم مع بعض ﴿لَيَبْغِي﴾ ليتعدّى ﴿بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ بلا مراعاة لحق الشراكة والصحبة والألفة، فالمخالطة توجب كثرة المنازعة والمخاصمة ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ فإنهم يحفظون هذا الحق ﴿وَقَلِيلٌ ما هُمْ﴾ هم قليل جدا ﴿وَظَنَّ داوُدُ﴾ الظنّ هنا بمعنى اليقين، والمعنى اكتشف داوود وقتئذ فجأة وأيقن أنّ المتخاصمين يمثّلان قصته مع القائد أوريا وأن الله تعالى قد ابتلاه: ﴿أَنَّما فَتَنّاهُ﴾ اختبره تعالى، وفشل داوود في الاختبار لجهة ارتكاب خلاف الأولى ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً﴾ خرّ من ركوعه ساجدا ﴿وَأَنابَ﴾ رجع إلى الله تعالى بالتوبة. ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ﴾ ما استغفر منه ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ قربى ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ المرجع الحسن في الآخرة. ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ﴾ (٢٦) ٢٦ - ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ في أرض فلسطين تحكم فيها بشرع الله ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ في قصة داوود مع باث - شيبا إشارة إلى أن الأنبياء معرّضون لاتّباع الهوى، لجهة ارتكاب خلاف الأولى، وإنهم يتوصلون للعصمة بجهاد النفس

стр. 1622

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ﴾ إذ لم يأخذوا يوم القيامة في الحسبان. ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً﴾ ولكن خلقناهما بمعنى ومغزى ﴿ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الكفار يظنّون أنّ الخلق ثمّ اعتباطا بلا معنى، وفي ذلك محاولة للتهرب من مسؤولياتهم، ما يؤدي بهم إلى العمى الروحاني ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ﴾ إذ لا مفرّ لهم من المسؤولية والحساب. ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ (٢٨) ٢٨ - ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ فتفقد الحياة مغزاها إن لم يكن هنالك ثواب وعقاب في الآخرة ﴿أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّارِ﴾ بلا أي اعتبار للعدالة؟ ﴿كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (٢٩) ٢٩ - بعد أن ذكرت الآية (٢٦)﴾ إنّ داوود حكم بشرع التوراة، وبيّنت الآيتان (٢٧ - ٢٨) أن الخلق ذو مغزى، تبيّن هذه الآية أن القرآن الكريم مهيمن على شرع التوراة، ومصحح لما اختلق اليهود من افتراءات على أنبيائهم داوود وسليمان وغيرهم: ﴿كِتابٌ﴾ أي هذا كتاب، وهو القرآن الكريم ﴿أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ﴾ أيها الرسول، وأيها الإنسان ﴿مُبارَكٌ﴾ كثير الخيرات ﴿لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ﴾ ليتفكّروا في الآيات، وإن الحياة الدنيا مرحلة أولى تتبعها الآخرة ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ ذوو العقول النيّرة.

стр. 1623

﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ (٣٠) ٣٠ - ﴿وَوَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ سليمان رجّاع إلى الله تعالى بالاستغفار، كما أبوه داوود. ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصّافِناتُ الْجِيادُ﴾ (٣١) ٣١ - ﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ﴾ بعد الظهر ﴿الصّافِناتُ الْجِيادُ﴾ الجياد جمع جواد، والصافنات من الخيل التي ترفع إحدى قوائمها عند السكون وطرف حافرها على الأرض، والمعنى أنها إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة بأحسن الأشكال، وإذا جرت كانت سراعا في جريها، والمعروف أن سليمان كان محبّا للخيل، حتى إنه كان يتاجر بها على نطاق واسع، مع مصر في الجنوب ومع الحثيين في الشمال. ﴿فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿فَقالَ﴾ سليمان في أثناء عرض الجياد عليه ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ أحببت كلّ ما هو خير ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ لأنني أذكر الله دوما، وما فتئ سليمان يكرر الذكر: ﴿حَتّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ﴾ توارت الجياد عن الرؤية بحجاب البعد، أو حجاب المسافة، بعد جريها لمسافات طويلة. ﴿رُدُّوها عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ (٣٣) ٣٣ - قال سليمان لأصحابه بعد أن توارت الجياد بحجاب البعد: ﴿رُدُّوها عَلَيَّ﴾ أي الجياد ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَالْأَعْناقِ﴾ صار يمسح سوقها وأعناقها بيديه، حبّا بها، وتحببا إليها، والمغزى أن محبة الله الحقيقية تقتضي محبة مخلوقاته. ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنابَ﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ﴾ الفتنة هي الاختبار والابتلاء ﴿وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَداً﴾ اختبار سليمان بجعله مجرد جسد مادي على كرسي العرش

стр. 1624

﴿ثُمَّ أَنابَ﴾ نجح سليمان في الاختبار إذ رجع إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار، بعد أن أدرك إن الملك الدنيوي لا يستقيم إذا لم يكن فيه من البعد الروحي والشرع الإلهي. ﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ (٣٥) ٣٥ - ﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً﴾ روحيا خاصّا ﴿لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لا يتوارثه الناس كما يتوارثون الملك المادي ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ تهب الخير لمن تشاء. ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ (٣٦) ٣٦ - ﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ بأساطيله التجارية في البحر الأحمر وفي البحر الأبيض المتوسط، انظر [الأنبياء ٨١/ ٢١] و [سبأ ١٢/ ٣٤]، ﴿رُخاءً حَيْثُ أَصابَ﴾ تسير الريح بأساطيله حيث يريد، جزاء لتواضعه ورغبته في ملك مادي وروحي. ﴿وَالشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿وَالشَّياطِينَ﴾ شياطين الإنس والجن ﴿كُلَّ بَنّاءٍ وَغَوّاصٍ﴾ يعملون في توريد المواد وبناء المعبد. ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ (٣٨) ٣٨ - ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ﴾ ربط بعضهم إلى بعض بالقيود، قال الألوسي: إن المراد تمثيل كفّهم عن الشرور بالإقران في الأصفاد، وليس هنالك قيد ولا تقييد حقيقة. ﴿هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿هذا عَطاؤُنا﴾ لك من الملك ﴿فَامْنُنْ﴾ بالعطاء لمن يستحق ﴿أَوْ أَمْسِكْ﴾ عن العطاء لمن لا يستحق ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ تحاسب عليه.

стр. 1625

﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (٤٠) ٤٠ - ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى﴾ قربى ﴿وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ في الآخرة، وهنا يكتمل الخطاب الذي بدأ بالآية (١٧) تصحيحا لما في العهد القديم من افتراءات على داوود وسليمان. ﴿وَاُذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ﴾ (٤١) ٤١ - بعد أن ذكرت الآيات (١٧ - ٤٠) ما أنعم به تعالى على داوود وسليمان من النعم الكثيرة، تنتقل الآيات (٤١ - ٤٤) إلى النقيض من ذلك وهو البلاء الذي اختصّ به أيوب من المحن، ليعلم أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد، وفي ذلك حضّ للنبي ﷺ أن يصبر على سفاهة قومه: ﴿وَاُذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ﴾ النصب: التعب والعناء والشر والبلاء، وقد تكرر في القرآن الكريم أن لا سلطان للشيطان على الناس إلا الوسوسة، فيكون مسّ الشيطان لأيّوب من هذا القبيل. ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ (٤٢) ٤٢ - ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ وهو إيحاء الله تعالى لأيوب: والركض هو الدفع القوي بالرجل ﴿هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ فلما ضرب الأرض برجله نبعت منها عين باردة من الماء، يبدو أنه اغتسل فيها وشرب منها فكان فيها الشفاء، ونهاية معاناته الجسمية والنفسية، انظر شرح [الأنبياء ٨٣/ ٢١ - ٨٤]. ﴿وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ من الذرية بدلا من المتوفّين منهم ﴿رَحْمَةً مِنّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ من ذوي الصبر تنبيها على أنّ من صبر ظفر. ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ (٤٤)﴾

стр. 1626

٤٤ - ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾ حزمة من الحشيش أو النباتات بها مئة عود ﴿فَاضْرِبْ بِهِ﴾ زوجتك ضربة واحدة تعادل مئة ضربة ﴿وَلا تَحْنَثْ﴾ لأن أيوب كان قد حلف إن برئ من مرضه أن يضربها مئة ضربة، وقيل: السبب أنها اعترضت على صبره وشدة إيمانه، وقالت له: إلى متى هذا البلاء؟ ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً﴾ على المحنة ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ الصابر ﴿إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ رجّاع إلى الله تعالى بالتوبة وبالاستغفار. ﴿وَاُذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ﴾ (٤٥) ٤٥ - ﴿وَاُذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ﴾ ذوو الإرادة القوية والبصيرة الصحيحة، وما لاقوه من عنت من أقوامهم. ﴿إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ﴾ (٤٦) ٤٦ - ﴿إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ﴾ أي ذكرى الدار الآخرة، لأنها الدار في الحقيقة، وإنما الدنيا مجاز، وقد جعلهم تعالى خالصين لها لتذكرهم إياها على الدوام، وحضّهم الناس على الاستعداد لها. ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ﴾ (٤٧) ٤٧ - ﴿وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ﴾ المختارين من أبناء جنسهم ﴿الْأَخْيارِ﴾ الفاضلين عليهم في الخير. ﴿وَاُذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ﴾ (٤٨) ٤٨ - ﴿وَاُذْكُرْ إِسْماعِيلَ﴾ فصل ذكره عن ذكره أبيه وأخيه لكون محمد ﷺ من ذريته ﴿وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ﴾ الفاضلين في الخير. ﴿هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ (٤٩) ٤٩ - ﴿هذا﴾ ما تقدّم من ذكر الأنبياء المشار إليهم ﴿ذِكْرٌ﴾ لأنهم لاقوا المعاندة من أقوامهم، ولم يكن الأمر مقتصرا على محمد ﷺ وقريش ﴿وَإِنَّ﴾

стр. 1627

﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتّقون الشهوات والتكالب على الدنيا ﴿لَحُسْنَ مَآبٍ﴾ في الآخرة، والمآب المرجع، وحسن المرجع كما هو مذكور في الآيات (٥٠ - ٥٤). ﴿جَنّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ (٥٠) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ (٥١) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ (٥٢) هذا ما تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الْحِسابِ (٥٣) إِنَّ هذا لَرِزْقُنا ما لَهُ مِنْ نَفادٍ (٥٤) هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾ (٥٥) ٥٥ - ﴿هذا وَإِنَّ لِلطّاغِينَ﴾ الذين طغوا على الرسل وكذبوهم، والذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد ﴿لَشَرَّ مَآبٍ﴾ في جهنم، وهنا تصوّر الآيات (٥٥ - ٦٥) حوارا رمزيا بين الطغاة وأتباعهم، والمغزى أن الطغاة لا يغنون عن أتباعهم شيئا في الآخرة. ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (٥٦) ﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ﴾ (٥٧) ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْواجٌ﴾ (٥٨) ٥٨ - ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ﴾ من أشكال العذاب ﴿أَزْواجٌ﴾. ﴿هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ﴾ (٥٩) ٥٩ - ﴿هذا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ مع الطغاة المشار إليهم بالآية (٥٥)، وهو فوج الأتباع الذين اتّبعوا الطغاة، وقوله ﴿مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ﴾ أي فوج من الأتباع يدخل النار معكم أيها الطغاة، يقاسون فيها من العذاب ما تقاسون ﴿لا مَرْحَباً بِهِمْ﴾ وهو قول المتبوعين ﴿إِنَّهُمْ صالُوا النّارِ﴾ الأتباع والمتبوعون معا. ﴿قالُوا بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا فَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ (٦٠) ٦٠ - ﴿قالُوا﴾ الأتباع لزعمائهم ﴿بَلْ أَنْتُمْ لا مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنا﴾ قدّمتم العذاب لنا في آخرتنا، إذ غرّرتم بنا في الدنيا واتبعناكم على ضلال ﴿فَبِئْسَ الْقَرارُ﴾ فبئس المقر في جهنم. ﴿قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النّارِ (٦١)﴾

стр. 1628

٦١ - ﴿قالُوا﴾ أي الأتباع أيضا ﴿رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا﴾ العذاب، من الطغاة الذين كانوا زعماء لنا، فاتّبعناهم على ضلال حبّا في الدنيا ﴿فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً فِي النّارِ﴾ لأنهم ضلّوا وأضلّونا. ﴿وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ﴾ (٦٢) ٦٢ - ﴿وَقالُوا﴾ الطغاة بعضهم لبعض ﴿ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ﴾ الطغاة وزعماء الكفر يبحثون عن موقع الفقراء وضعاف المؤمنين في آخرتهم، لأنهم كانوا يسخرون منهم ويعدّونهم من الأشرار بسبب تصديقهم الرسل. ﴿أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ (٦٣) ٦٣ - ﴿أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا﴾ جعلناهم موضعا للسخرية في الدنيا ﴿أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصارُ﴾ المعنى ما لنا لا نراهم معنا في النار؟ ﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ﴾ (٦٤) ٦٤ - ﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ﴾ لا بد أن يتحقق في الآخرة ﴿تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ﴾ بين الأتباع والمتبوعين، والمغزى من هذا التخاصم والتقاول بين الطرفين أنّ من يظلم نفسه ويرى عقول الآخرين من زعماء الضلال أفضل من عقله، فيتبعهم، يظلم نفسه في النتيجة. ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (٦٥) ٦٥ - ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا مُنْذِرٌ﴾ لكم أيها الناس، أن يؤول مصيركم لمثل مصير زعماء الضلال وأتباعهم من الذين ظلموا عقولهم ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ﴾ لا سلطة حقيقية إلا لله، وأما زعماء الكفر والضلال فسلطتهم ليست سوى وهم ﴿الْواحِدُ﴾ لا إله غيره ﴿الْقَهّارُ﴾ الغالب على أمره. ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفّارُ (٦٦)﴾

стр. 1629

٦٦ - ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفّارُ﴾ يغفر لمن يشاء بحسب الحكمة. ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ (٦٧) ٦٧ - ﴿قُلْ﴾ أيها الرسول للمنكرين ﴿هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ ما أنبأتكم به من كوني رسولا منذرا، وإن الله تعالى واحد لا شريك له، نبأ في غاية الأهمية والعظمة، والنبأ أيضا كل ما ينبئ به القرآن الكريم، لأن السورة تبدأ وتختم بالإشارة إليه، والنبأ العظيم أيضا الإنذار بالآخرة لقوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ ١/ ٧٨ - ٢]. ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ (٦٨) ٦٨ - ﴿أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ أعرضتم عنه أيها الناس بسبب تماديكم في الغفلة. ﴿ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ (٦٩) ٦٩ - ﴿ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ ما كان للرسول أن يعلم قصة الخلق إلاّ عن طريق الوحي، والملأ الأعلى هم الملائكة في قصة الخليقة إذ قالوا: أي فائدة في خلق البشر الذين سوف يفسدون ويسفكون الدماء؟ انظر [البقرة ٣٠/ ٢ - ٣٤]، هذه القصة التي تكررت ست مرات في القرآن الكريم، كل مرة منها ترد بزاوية وعبرة مختلفة عن الأخرى، انظر [البقرة ٣٠/ ٢ - ٣٤] و [الأعراف ١١/ ٧ - ٢٥] و [الحجر ٢٨/ ١٥ - ٤٤] و [الإسراء ٦١/ ١٧ - ٦٥] و [الكهف ٥٠/ ١٨] و [ص ٦٩/ ٣٨ - ٨٥]، وفي هذه القصة تركيز على موضوع الحسد والكبر الذي منع إبليس من السجود لآدم. ﴿إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾

стр. 1630

٧٠ - ﴿إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أنذركم أنّ من ينكر وجود الله، أو يشرك به، يعرّض نفسه للدمار الروحي، وهكذا تختم السورة بالآيات (٦٥ - ٨٥) بذكر قصة الخليقة: ﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾ (٧١) ٧١ - ﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ﴾ من التراب والمواد العضوية التي فيه. ﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ (٧٢) ٧٢ - ﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ﴾ سوّيت جسده لما خلق له من الأمور الحياتية ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ كناية عن إحيائه، قال الألوسي: ليس ثمة نفخ ولا منفوخ، وإنما إفاضة الحياة في الجسد ﴿فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ تكريما له بعد أن تعلم الأسماء كلها [لبقرة ٣١/ ٢]، أي المقدرة على الفكر المجرّد والتمييز بين الحق والباطل. ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ (٧٣) ٧٣ - ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ سجود تكريم، انظر [الإسراء ٧٠/ ١٧]. ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ اِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (٧٤) ٧٤ - ﴿إِلاّ إِبْلِيسَ اِسْتَكْبَرَ﴾ استكبارا ﴿وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ في علم الله تعالى منذ الأزل، لكي تكون الدنيا مسرحا لصراع الحق والباطل، واستكبار إبليس وكفره كناية عن مكابدة الإنسان عناصر الشر في الدنيا. ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ مغزى قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ لأنّ الإنسان متفوق بدرجات كثيرة على غيره من المخلوقات

стр. 1631

إذ كرّمه تعالى بموهبة الفكر المجرّد واستيعاب المفاهيم وحرية الخيار ﴿أَسْتَكْبَرْتَ﴾ على من خلقت بهذه المواهب التي انفرد بها بنو البشر ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ﴾ أم تظنّ نفسك من ذوي الدرجات العلا؟ ﴿قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (٧٦) ٧٦ - ﴿قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ﴾ من عنصر غير مادي ﴿وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ من مادة التراب والماء، وهكذا غفل إبليس عن فوقية البشر بما حباهم تعالى من المواهب المذكورة آنفا، بغض النظر عن خلق الإنسان من طين. ﴿قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ (٧٧) ٧٧ - ﴿قالَ فَاخْرُجْ مِنْها﴾ من منزلتك الملائكية التي كنت فيها ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾ مطرود من كل خير وكرامة، فالرجم كناية عن الطرد لأن المطرود يرجم بالحجارة. ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٧٨) ٧٨ - ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي﴾ حرماني إياك من رحمتي ﴿إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ إلى يوم الحساب حيث توفّى الجزاء كاملا. ﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (٧٩) ٧٩ - ﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي﴾ أي أمهلني، لأنّ الإنظار الإمهال ﴿إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ مغزى الإنظار تمكين إبليس القيام بدوره في إغواء من يستطيع إغواءه من البشر حتى قيام الساعة، والنتيجة أن يكابد الإنسان عناصر الشر الدنيوية. ﴿قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ (٨٠) ٨٠ - ﴿قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ من الذين تمّ إمهالهم. ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٨١)﴾

стр. 1632

٨١ - ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ إلى يوم يعلمه الله، ولا يعلمه أحد سواه، وهو يوم القيامة. ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٨٢) ٨٢ - ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ لأوقعنّهم في الغواية، أي في الخيبة والضلال. ﴿إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ (٨٣) ٨٣ - ﴿إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ فإني عاجز عن إغوائهم، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ [الحجر ٤٢/ ١٥]. ﴿قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ (٨٤) ٨٤ - ﴿قالَ﴾ تعالى ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ أي لا أقول إلا الحقّ. ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٨٥) ٨٥ - ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ من الغاوين، الذين بمحض اختيارهم تبعوا طريق الضلال. ﴿قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (٨٦) ٨٦ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على القرآن ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ دنيوي ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ لست من الذين يتصنّعون ويدّعون ما ليس فيهم، فلا أنتحل النبوّة، ولا أتقوّل القرآن، ولا أدّعي أني فوق جنس البشر. ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (٨٧) ٨٧ - ﴿إِنْ هُوَ﴾ القرآن الكريم ﴿إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ وهكذا تختم السورة بالنقطة التي بدأت منها بقوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ لأن القرآن يذكّر الإنسان بالميثاق وبفطرته السليمة.

стр. 1633

﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (٨٨) ٨٨ - ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ﴾ بأنه الحق والصدق ﴿بَعْدَ حِينٍ﴾ يوم القيامة، أو بعد الموت عندما يأتيك الخبر اليقين أيها الكافر أو الجاحد.

стр. 1634

سورة الزمر - ٣٩ - مكية مقدمة نزلت في أواسط الفترة المكية، واشتق اسمها من الإشارة لزمر الذين أصروا على الكفر، وزمر الذين اتقوا المشار إليهم بالآيات (٧١ و ٧٣). ارتباط السورة بما قبلها اختتمت سورة (ص) المتقدمة بقوله تعالى عن القرآن الكريم: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ (٨٧/ ٣٨ - ٨٨)، وتفتتح سورة الزمر بأنه تنزيل من العزيز الحكيم: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١/ ٣٩). وفي سورة (ص) يبرر الكفار ضلالهم بضلال أتباع الديانات الأخرى: ﴿ما سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هذا إِلاَّ اِخْتِلاقٌ﴾ (٧/ ٣٨)، ثم تبين سورة الزمر أنّ على الإنسان اتّباع أحسن الهدي أي القرآن: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ (١٨/ ٣٩). محور السورة وجوب الإخلاص في العبادة، ونفي الشرك والشركاء المزعومين، لأن الشرك وما فيه من حطّ لكرامة الإنسان يؤدي بالمشركين إلى خسارة أنفسهم وأهليهم نتيجة اتخاذهم القرار الخاطئ: ﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ (١٥). وأن على المرء أن يستخدم حجة العقل والنظر والاستدلال للنظر في ما بين يديه من الكتب المقدسة فيتّبع أحسن الهدي وهو القرآن الكريم الذي بقي على

стр. 1635

أصالته منذ نزوله: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (١٨)، لقوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ (٢٣)، وقوله تعالى: ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢٨)، وقوله تعالى: ﴿وَاِتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (٥٥). لكنّ عزوف الكفار عن القرآن وعن التوحيد ناتج من خشيتهم مواجهة مسؤولياتهم الأخلاقية وما يترتب عليها من نتائج لازمة لها، في حين أن إقبالهم على عبادة الشركاء الوهميين يعفيهم من ذلك بحسب ظنهم: ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٤٥)، بل إنهم ينسبون ما بهم من نعم في الدنيا إلى حذاقتهم وذكائهم ومكرهم مع أنها قد تكون فتنة لهم: ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤٩). بالمقارنة مع نصر المؤمنين على أنفسهم، الأمر الذي يضمن نجاتهم: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦١)، ومع ذلك فالجهلة مصرّون على عبادة الأوهام والزيف: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ (٦٤)، بتأثير التكبر والإعجاب بالنفس ما يوردهم الهلاك: ﴿قِيلَ اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٧٢)، التكبر الذي هو موضوع سورة غافر التالية. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾

стр. 1636

١ - ﴿تَنْزِيلُ الْكِتابِ﴾ القرآن ﴿مِنَ اللهِ﴾ وحده لا من غيره ﴿الْعَزِيزِ﴾ القادر على كل شيء ﴿الْحَكِيمِ﴾ أفعاله مترتبة على الحكمة. ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ (٢) ٢ - ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ﴾ لفظ الإنزال يشعر بأنه تعالى أنزله على عبده محمد دفعة واحدة، في حين لفظ التنزيل بالآية (١)، يشعر بأنه تعالى أنزله على عبده نجوما، أي نجما نجما، على سبيل التدريج، انظرآية [النجم ١/ ٥٣]، فكيف الجمع بين المعنيين؟ والجواب: إن الإنزال هو حكمه تعالى بنزول القرآن على عبده كاملا، ثم أوصله إليه نجما نجما وفق المصالح وظروف البعثة، وهذا هو التنزيل ﴿بِالْحَقِّ﴾ مشتملا على براهين التوحيد والنبوة والمعاد والتكاليف، فهو حق يجب العمل به ﴿فَاعْبُدِ اللهَ﴾ وحده ﴿مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ له الطاعة الخالصة من شوائب الشرك والرياء، كما في الآية التالية: ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ (٣) ٣ - ﴿أَلا لِلّهِ الدِّينُ الْخالِصُ﴾ الله الذي يجب أن يخصّ بإخلاص الطاعة له، لأنه المتفرد بصفات الألوهية التي من جملتها الاطلاع على السرائر والضمائر وما قد يكون فيها من شوائب الشرك والرياء ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ المشركون الذين أشركوا في العبادة الأشخاص المؤلهين والملائكة والقديسين، وأشركوا الصور والتماثيل والأيقونات والأضرحة، قائلين لأنفسهم: ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ زعموا أن الشركاء ليسوا سوى وسطاء يقربونهم إليه تعالى، يرجون شفاعتهم ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يحكم الله يوم القيامة بين المشركين وبين المخلصين فيما اختلفوا فيه من التوحيد والشرك، كما يحكم بين المشركين وزعمائهم الذين أضلوهم، انظر [سبأ ٣١/ ٣٤ - ٣٣]، ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي﴾ لا يوفق للهداية ﴿مَنْ هُوَ كاذِبٌ﴾

стр. 1637

يكذب على نفسه، انظر [الأنعام ٢٤/ ٦]، ﴿كَفّارٌ﴾ المصر على الكذب والكفر يحجب الحقيقة عن نفسه، فهو غير قابل للاهتداء لسوء استعداده وسوء جبلّته. ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (٤) ٤ - ﴿لَوْ أَرادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ إشارة إلى المشركين الذين اتخذوا من دونه أولياء في الآية السابقة، وهي إشارة خاصة للمسيحية الذين زعموا أن المسيح ابن الله، وهذا القول منهم يناقض صفات الكمال والديمومة لله سبحانه، فهو ليس بحاجة للولد أو الذرية ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيها له عن النقص ﴿هُوَ اللهُ الْواحِدُ﴾ لا يشاركه في الألوهية أحد ﴿الْقَهّارُ﴾ يقهر عباده بالموت. ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفّارُ﴾ (٥) ٥ - ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ كل ما في الكون ذو معنى، ولا يوجد شيء مصادفة، وكل مخلوق يؤدي وظيفة معينة، انظر [ص ٢٧/ ٣٨]، والخطاب استمرار لما تقدّم، فلا معنى ولا مبرر لوجود الذرية، ومن دلائل قدرته وكمال عظمته تكوير الليل والنهار: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ في إشارة واضحة لكروية الأرض ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ منقادين لأمره ، سخرهما للحياة على الأرض ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الشمس في مدارها ضمن المجموعة الشمسية، والقمر في مداره حول الأرض ﴿أَلا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ كامل القدرة لا يعجزه شيء ﴿الْغَفّارُ﴾ لذنوب التائبين. ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾

стр. 1638

٦ - ومن دلائل وحدانيته أيضا خلق البشر والأنعام: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ البشر كلهم مخلوقون من أنفس متماثلة فهي من ثمّ نفس واحدة ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾ الزوج في اللغة يطلق على الجنسين فالمرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة، والمعنى أنه تعالى خلق زوجها من جنسها، وهو قول أبي مسلم الأصفهاني ذكره الرازي، وشبيه بذلك قوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً﴾ [النحل ٧٢/ ١٦]، انظر أيضا [النساء ١/ ٤]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ من الضأن اثنين: الكبش والنعجة، ومن المعز اثنين: التيس والعنز، ومن الإبل اثنين: الجمل والناقة، ومن البقر اثنين: الثور والبقرة، وقد ذكرت في سورة الأنعام لجهة ما كانوا يحرمونه في الجاهلية [الأنعام ١٤٣/ ٦ - ١٤٤]، في حين ذكرت هنا لبيان أنها من رزق الله تعالى، لأنّ البشر معتمدون عليه تعالى بالكلية بعد أن خلقهم من نفس واحدة. ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، انظر [الحج ٥/ ٢٢]، ﴿فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ﴾ ظلمة الرحم والبطن وظلمة قبل الولادة ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ﴾ على الإطلاق في الدنيا والآخرة ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ ولو كان في السماوات والأرض آلهة إلاّ الله لفسدتا، انظر [الأنبياء ٢٢/ ٢١] ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ عن هذه الحقائق؟ ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٧) ٧ - بعد بيان نزول القرآن، والدلائل المشار إليها آنفا فإنّ عاقبة الكفر والشكر تعود على صاحبها دون غيره: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ غنيّ عن إيمانكم وشكركم ﴿وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ﴾ لما فيه من الضرر على العباد، فالجحود يعود سلبا على صاحبه ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ لما فيه من نفعكم،

стр. 1639

ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه، انظر [لقمان ١٢/ ٣١]، ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ الوزر هو الحمل الثقيل، وهو أيضا الإثم لأنه يثقل صاحبه، والمعنى أنه لا تحمل حاملة حمل أخرى، أو لا تأثم آثمة بإثم أخرى، وهو مبدأ المسؤولية الفردية في الإسلام بأن لا يحمل أحد ذنب غيره، لأنهم كانوا يعتقدون أنّ بعضهم يستطيع أن يحمل إثم بعض، ومن جهة ثانية فقد اخترعت المسيحية فكرة (الخطيئة الأصلية) وابتدعوا أن المسيح افتدى واحتمل خطاياهم سلفا نيابة عنهم ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ويحاسبكم كلاّ بعمله، وليس بعمل غيره ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ يعلم ما في صدوركم من النوايا والدوافع. ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ﴾ (٨) ٨ - وهذه الآية تبيّن حال المذبذبين أنصاف المؤمنين: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ﴾ من مرض وفقر وغيره من المكاره ﴿دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ﴾ راجعا إليه ممّن كان يدعوه من دون الله في حالة الرخاء، لعلمه أنّ من دون الله عاجز عن كشف المضرة ﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ﴾ إذا أنعم الله تعالى عليه تفضّلا منه ﴿نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ﴾ نسي الضر الذي كان يدعو الله تعالى لإزالته ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ التحويل ﴿وَجَعَلَ لِلّهِ أَنْداداً﴾ شركاء ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ فلا يقتصر الضلال على نفسه بل يدعو غيره إلى الضلال إما بفعله أو بقوله، لأنّ اللام لام العاقبة ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً﴾ زمنا قليلا أو تمتعا قليلا ﴿إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ﴾ فهي النتيجة الطبيعية لأمثاله. ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩)﴾

стр. 1640

٩ - ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً﴾ القائم بواجب الطاعات والعبادات في ساعات الليل بعيدا عن الرياء، هل يمكن أن يكون مساويا في العلم والأجر؟ للكفار والمذبذبين المذكورين آنفا؟ ﴿يَحْذَرُ الْآخِرَةَ﴾ يحذر ما يؤدي لعذاب الآخرة من الكفر والمعاصي ﴿وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ فيفوز بما يرجو من النعيم ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾ ذلك؟ فاستفادوا من نعمة العقل ونعمة الوحي ﴿وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ رغم أن وسائل العلم متاحة لهم ﴿إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ الذين يعملون بما يعلمون. ﴿قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ (١٠) ١٠ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها الرسول تلخيصا للآيات (٧ - ٩): كذلك قال الله ربكم: ﴿يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا﴾ معصية ﴿رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ العمل ﴿فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ﴾ وهي الجنة ﴿وَأَرْضُ اللهِ واسِعَةٌ﴾ للذين يبغون الهجرة إلى أرض يمارسون فيها عباداتهم بحرية بعيدا عن الاضطهاد، ويمارسون الدعوة، انظر شرح [النساء ٩٧/ ٤]، وأما ما ذكره الفقهاء من تقسيم الدنيا إلى دار إسلام ودار كفر فقد كان انعكاسا لأوضاع راهنة فرضت على الأمة، وليس تعبيرا نظريا عمّا يجب أن يكون أبد الدهر ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ﴾ يوفّى الصابرون على المحن الدنيوية من مرض وبلاء، فوق إحسانهم ﴿أَجْرَهُمْ﴾ في الآخرة ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وأمّا ما نالوه في الدنيا فهو عاجل حظهم. ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ (١١) ١١ - ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ وحده بلا شرك ولا رياء، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام ١٤/ ٦]، فالمطلوب الجمع بين الإسلام وبين البراءة من الشرك بكافة أشكاله. ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾

стр. 1641

١٢ - ﴿وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ فالرسول أوّل من أسلم من أمّته، وهو أيضا أول المسلمين قاطبة لأنه أكملهم إيمانا وعملا، وهو معلّمهم وقدوتهم وسيّدهم، انظر [الأنعام ١٤/ ٦]. ﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٣) ١٣ - ﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بترك الإخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ عذاب يوم القيامة. ﴿قُلِ اللهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ (١٤) ١٤ - ﴿قُلِ اللهَ﴾ وحده ﴿أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ من الشرك الظاهر والخفي، ومن غير طلب شيء بالمقابل. ﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ (١٥) ١٥ - بعد الموعظة البليغة بالآيات (١٠ - ١٤) لم يبق سوى تفويض الأمر لحرية الفرد مع بيان العاقبة لمن يختار الكفر: ﴿فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ من دون الله، من الشركاء والأنداد المزعومين، واعبدوا المادة والثروة والزعامة والجاه ﴿قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بمحض اختيارهم ﴿وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ سوف يجدون أنفسهم وحيدين يوم القيامة فلا أهل ولا أحبّاء ﴿أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾ أن يجد الإنسان نفسه وحيدا، ناهيك عن العذاب الذي سوف يرد وصفه: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ (١٦) ١٦ - ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ تمثيل عذاب جهنم بما نعرف في الدنيا من المحسوس ﴿ذلِكَ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبادَهُ﴾ التهويل بطريق الإبهام ﴿يا عِبادِ فَاتَّقُونِ﴾ اتقوا ما يؤدي بكم إلى أوخم العواقب.

стр. 1642

﴿وَالَّذِينَ اِجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ (١٧) ١٧ - ﴿وَالَّذِينَ اِجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها﴾ الذين أعرضوا عن عبودية كل ما سوى الله، والطاغوت مشتق من الطغيان، وهو كل رأس في الضلال، كالزعيم من شياطين الإنس والجن، وعبادة الطاغوت بمعنى الطاعة المطلقة له ﴿وَأَنابُوا إِلَى اللهِ﴾ أقبلوا إليه تعالى إقبالا كليّا معرضين عمّا سواه ﴿لَهُمُ الْبُشْرى﴾ بالثواب من الله على ألسنة الرسل أو الملائكة عند حضور الموت وحين الحشر ﴿فَبَشِّرْ عِبادِ﴾ الموصوفين بالآية التالية: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ (١٨) ١٨ - ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ الذين يستخدمون حجة العقل والنظر والاستدلال للنظر في ما بين أيديهم من الكتب المقدسة فيتّبعون أحسن الهدي وهو القرآن الكريم الذي بقي على أصالته منذ نزوله: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ﴾ وفقهم للهداية ﴿وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ أصحاب العقول السليمة التي تخلّت عن التقليد والعصبية. ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ﴾ (١٩) ١٩ - ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ﴾ المشار إليهم بالآيات (١٥ - ١٦)، بعكس الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه ﴿أَفَأَنْتَ﴾ أيها النبي ﴿تُنْقِذُ مَنْ فِي النّارِ﴾ المعنى لا تستطيع ذلك إذا أصرّ الكافر على كفره وتمسّك بالتقليد ولم يتّبع أحسن القول. ﴿لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ (٢٠)﴾

стр. 1643

٢٠ - ﴿لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ عودة إلى المشار إليهم بالآيات (١٧ - ١٨)، ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ وصف الجنة بالمعهود من الدنيا ﴿وَعْدَ اللهِ لا يُخْلِفُ اللهُ الْمِيعادَ﴾ فذلك من المحال عليه تعالى. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (٢١) ٢١ - ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ أيها الإنسان، وعلى الأخص الإنسان الجاحد المشار لأمثاله بالآيات (١٥ - ١٦)، ﴿أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ إشارة لدورة الماء في الطبيعة ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً﴾ أحيا النبات من العدم ثم جعله حطاما بانتهاء دورته ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ في إنزال المطر وإحياء النبات ثم جعله حطاما ﴿لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ لأن أولي الألباب من أصحاب العقول السليمة الخالصة من شوائب الخلل والتقليد يتذكّرون من هذا المثل حال الدنيا وقصر لبث الإنسان فيها فلا يغترون ببهجتها ولا يفتنون بها. ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢٢) ٢٢ - ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ من ذوي الألباب المشار إليهم في الآية المتقدمة، ومعنى شرح الصدر الإراحة من الهمّ والغمّ، وبالمقابل فالعرب تسمّي الغمّ والهمّ ضيق صدر، والمغزى أن إقبال المرء على الإسلام يرافقه إزاحة الغمّ والهمّ من الصدر ﴿فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ لأن المرء يصبح على يقين من أمور الدنيا والآخرة، وتتمة الخطاب محذوف وتقديره: إن الذي انشرح صدره للإسلام ليس كمن بقي يتخبط في الظلام ﴿فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ الذين إذا قرئ عليهم القرآن اشمأزوا واستكبروا وازدادت قلوبهم

стр. 1644

قساوة، وهنالك معنى آخر؛ إذ يحتمل أن يكون في الخطاب محذوف وتقديره: فويل للقاسية قلوبهم من نسيان ذكر الله، أي بحذف المضاف، وهو شائع في التنزيل، انظر إعراب القرآن للزجاج، الباب الثاني ﴿أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ذوو القلوب القاسية الذين يشمأزون من سماع القرآن، أو يهملون دراسته، يقعون في أقصى درجات الضلال. ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ (٢٣) ٢٣ - في هذه الآية عودة إلى بداية السورة بالآيات (١ - ٢)، وهي في الوقت ذاته استمرار للآية المتقدمة لأن انشراح الصدر للإسلام مترتب على قراءة القرآن وفهمه واستيعاب معانيه: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ هو القرآن الكريم ﴿كِتاباً مُتَشابِهاً﴾ لأن القصص والحقائق تتكرر فيه من عدة أوجه فهي تشبه بعضها بعضا ﴿مَثانِيَ﴾ بمعنى التكرير والإعادة ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ من الرهبة ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ تسكن وتطمئنّ إلى ذكر رحمته تعالى ﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ من يشاء الهداية، أو يشاءتعالى أن يوفقه للهدى ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ لسوء استعداد الفرد ﴿فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ فيخليه تعالى لنفسه ويخذله ولا يجبره على الهدى. ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ عطف على الآية (٢٢)﴾ واستمرار لمعنى القاسية قلوبهم من ذكر الله لأنهم سوف يواجهون عذاب الآخرة بوجوههم وليس من شيء يتّقون به، وتتمة الخطاب محذوف تقديره: هل يكون كمن هو آمن من العذاب؟ ﴿وَقِيلَ لِلظّالِمِينَ﴾ استخدام

стр. 1645

الفعل الماضي في الخطاب للإشعار بتحقق العذاب لا محالة ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ أي هذا العذاب نتيجة طبيعية لما كسبتم لأنفسكم وليس اعتباطا. ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كذّبوا الرسل والوحي ﴿فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾ ظنّوا أنفسهم في مأمن من العذاب بإنكارهم الآخرة والمسؤولية، وغاب عنهم أن العذاب مترتب على التكذيب. ﴿فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٦) ٢٦ - ﴿فَأَذاقَهُمُ اللهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ عذاب الذل والهوان في الدنيا ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ من عذاب الخزي في الدنيا ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ نظام الأسباب والمسببات. ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٢٧) ٢٧ - عودة إلى موضوع الآيات (٢٣، ٢، ١)، وبعد أن ذكرت الآيات (١٦، ٢٦، ٢٤، ٢٠، ١٩) أحوال أهل الجنة وأصحاب النار، تبيّن هذه الآية أن القرآن الكريم يضرب الكثير من الأمثال بما يعهده الناس من المحسوس في الدنيا، تمثيلا لما لا نعرفه من عالم الغيب: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ لما هو خارج إدراك البشر ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ فيتّعظون. ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢٨) ٢٨ - ﴿قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ نزل على العرب أولا بلغتهم ليفهموه ويحيطوا بمعانيه، وثانيا ليكونوا واسطة الرسالة إلى العالم أجمع لكونهم أمّة أمّية لم يسبق لها التعصّب إلى رسالة أو رسالات سابقة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨/ ٢٦ - ١٩٩]، بالنظر لتعصب الأعجمين لما هم عليه من التمسك بالتقليد، انظر شرح [يوسف

стр. 1646

٢/ ١٢]، ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ خال من التفاوت والاختلاف والخلل، انظر [النساء ٨٢/ ٤]، وهو أيضا واضح خال من الغموض، متماسك ومتناسق ومحكم، غير ملتبس ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ العواقب السيئة. ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٩) ٢٩ - استمرار الخطاب من الآية (٢٧) في ضرب الأمثال: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً﴾ مشركا ﴿فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ رجل مملوك، له أسياد كثر متشاكسون، أي مختلفون عسرون، كناية عن كثرة معبوديه، فهو مشرك يتنازعه معبودوه ﴿وَرَجُلاً﴾ ورجلا موحّدا ﴿سَلَماً﴾ خالصا ﴿لِرَجُلٍ﴾ فرد، أي له سيد واحد فقط ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً﴾ المعنى لا يستويان، الأول في لوم وعناء دائمين، والثاني في راحة بال وسكينة ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ وحده، بعد إبطال القول بالشركاء ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أكثر الناس مشركون ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أن الله وحده مستحق الشكر على نعمائه. ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٣٠) ٣٠ - بعد أن ضربت الآية المتقدمة مثلا بالمشركين والموحّدين، وأن أكثر الناس مشركون، تبين هذه الآية والتي تليها أن الحسم بين المشركين وبين دعوة النبي لهم يكون يوم القيامة: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ أيها النبي ﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ لا محالة، لأن الدنيا ليست دار قرار، والمشركون في غفلة عظيمة كأنهم ينكرون الموت. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (٣١) ٣١ - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ إذ لا سبيل لردع المشركين عن شركهم رغم الدلائل القاهرة، بسبب تمسكهم بالتقليد وابتعادهم عن الفكر المستقل، فلا ينفتحون على الحقيقة إلا في الآخرة.

стр. 1647

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ﴾ بزعم تعدد الآلهة، أو الزعم بتجسد الإله في بشر، أو بنسب بعض خصائص الألوهية للقديسين والأولياء ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ﴾ كذّب ببعثة النبي ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ مثوى لا مفرّ منه، والسبب أن الكافر يجلب الدمار على نفسه. ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣٣) ٣٣ - ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ هم الرسل والأنبياء ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هم أتباع الرسل ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ يتّقون عذاب جهنم، بنتيجة أعمالهم المترتبة على تصديق الرسل. ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ من حسن المآب ﴿ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أحسنوا العبادة والعمل. ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣٥) ٣٥ - ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ بعد أن صدّقوا الرسل وعملوا بحسب صدقهم، يسقط العقاب عنهم على أكمل الوجوه ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أجورهم متناسبة مع أحسن أعمالهم. ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ (٣٦) ٣٦ - ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ عطف على الآية (٣٣)﴾، والمقصود أن الله تعالى يكفي عبده محمدا ﷺ شرور الكفار، كما يكفي غيره من الرسل ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ أيها الرسول، أو أيها المؤمن ﴿بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ من الآلهة

стр. 1648

المزعومة، والمنسوب إليهم من خصائص الألوهية أحياء كانوا أم أمواتا، كما يخوفونك بالزعامات وأصحاب النفوذ ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ لدرجة أن يغفل عن كفايته تعالى لعبده ﴿فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ يهديه إلى خير ما. ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي اِنْتِقامٍ﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ ليس من مضلّ يستطيع أن يصرفه عن طريق الخير ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ﴾ غالب على أمره ﴿ذِي اِنْتِقامٍ﴾ ينتقم من مروّجي الشر، والانتقام بهذا المعنى يفيد تحقيق العدالة. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٣٨) ٣٨ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ يقولون ذلك بصورة عفوية؛ لأن فطرة العقل شاهدة بصحة هذا القول ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الشركاء المزعومين أو الأشخاص المؤلهين ﴿إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ لا يستطيعون كشف الضر إذ لا خالق سواه ﴿أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ فيمنعهاسبحانه عني؟ ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾ يكفيني في جميع أموري من إصابة الخير ودفع الشر ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ لعلمهم أن كل ما سواه تحت ملكوته. ﴿قُلْ يا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿قُلْ يا قَوْمِ﴾ الذين تنكرون الحقيقة ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ اعملوا كل ما بإمكانكم في الإنكار، فالعواقب تعود عليكم ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ كل ما بإمكاني في سبيل الله ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في المستقبل القريب والبعيد: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾

стр. 1649

٤٠ - ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ في الحياة الدنيا، والمغزى أنّ استسلام المجتمع للكفر وللقيم الزائفة يؤدي به إلى الانحطاط الروحي، ومن ثمّ إلى الكوارث الاجتماعية والعذاب الدنيوي ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ في الآخرة. ﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اِهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٤١) ٤١ - عودة لموضوع الآيات (٢٨، ٢٧، ٢٣، ١٨، ٢، ١): ﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ القرآن ﴿لِلنّاسِ﴾ لأجل الناس قاطبة ولأجل مصالحهم ﴿بِالْحَقِّ﴾ متضمنا ومبيّنا الحق ﴿فَمَنِ اِهْتَدى﴾ بهدي القرآن ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ يكون ذلك لمنفعته ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن هدي القرآن ﴿فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ يكون ذلك وبالا عليه ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ لا تستطيع، وليس من واجبك أن تجبرهم على الهدى، فلست مسؤولا عن سلوكهم وما وظيفتك إلاّ البلاغ. ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤٢) ٤٢ - قال الرازي عن ارتباط هذه الآية بما قبلها: إن الهداية أشبه بالحياة واليقظة، والضال أو الغافل الذي يتوصل للهداية أشبه بالنائم الذي يستيقظ على الحقيقة، كما أنّ الضلال أشبه بالموت، انظر [الأنعام ١٢٢/ ٦]: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ التوفّي يعني أخذ الشيء وافيا، وقد استعمل التعبير مجازا بمعنى الموت لأن الإماتة تقتضي استيفاء جميع الإشارات الحيوية من النفس بشكل دائم ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ تشبيه النوم بالموت لأن الأنفس وقت النوم تبدو غائبة عن الوعي مؤقتا وإلى حدّ ما ﴿فَيُمْسِكُ﴾ الله تعالى الأنفس ﴿الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ الدائم ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرى﴾ يرسل الأنفس النائمة فيعيدها إلى اليقظة ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى حين موتها الدائم،

стр. 1650

ويجب الانتباه هنا إلى دقيقة وهي التفريق بين النفس وبين الروح، فالموت هو للنفس، أما الروح فلا تموت بل تستمر في الحياة ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في كيفية تعلق الأنفس بالأجساد، والفرق بين النفس والروح. ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ﴾ مع كل هذه البراهين القاهرة على قدرته تعالى، فإن معظم الناس يميلون إلى تجاهلها، بل يظنون أن الشفيع يمكنه أن يشفع من دون إذنه تعالى، وقد نقض القرآن الكريم ظنهم بقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى﴾ [الأنبياء ٢٨/ ٢١]، ﴿قُلْ أَوَلَوْ كانُوا﴾ الشفعاء ﴿لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً﴾ من المقدرة ﴿وَلا يَعْقِلُونَ﴾ لأنهم إما جمادات أو أموات أو شخصيات مؤلهة أو آلهة مزعومة. ﴿قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٤٤) ٤٤ - ﴿قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً﴾ يملك الشفاعة كلها، فلا يستطيع أحد أن يشفع عنده إلا أن يكون المشفوع له مرتضى والشفيع مأذونا له بالشفاعة، وما في ذلك من تكريم للشفيع والمشفوع له ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فلا يتصرف أحد بدون إذنه ورضاه ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فتتحقق العدالة في الآخرة على أتم وجه. ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٤٥) ٤٥ - ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ﴾ ولم تذكر معه آلهتهم ﴿اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ لأن الإيمان بالآخرة يتضمّن اعترافهم بالمسؤولية الأخلاقية ﴿وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ من المعبودات الوهمية ﴿إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ لأن تلك المعبودات لا تفرض عليهم أي مسؤولية.
следующие страницы →