← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

٢/ ١٢]، ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ خال من التفاوت والاختلاف والخلل، انظر [النساء ٨٢/ ٤]، وهو أيضا واضح خال من الغموض، متماسك ومتناسق ومحكم، غير ملتبس ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ العواقب السيئة. ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٩) ٢٩ - استمرار الخطاب من الآية (٢٧) في ضرب الأمثال: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلاً﴾ مشركا ﴿فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ﴾ رجل مملوك، له أسياد كثر متشاكسون، أي مختلفون عسرون، كناية عن كثرة معبوديه، فهو مشرك يتنازعه معبودوه ﴿وَرَجُلاً﴾ ورجلا موحّدا ﴿سَلَماً﴾ خالصا ﴿لِرَجُلٍ﴾ فرد، أي له سيد واحد فقط ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً﴾ المعنى لا يستويان، الأول في لوم وعناء دائمين، والثاني في راحة بال وسكينة ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ وحده، بعد إبطال القول بالشركاء ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ﴾ أكثر الناس مشركون ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾ أن الله وحده مستحق الشكر على نعمائه. ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (٣٠) ٣٠ - بعد أن ضربت الآية المتقدمة مثلا بالمشركين والموحّدين، وأن أكثر الناس مشركون، تبين هذه الآية والتي تليها أن الحسم بين المشركين وبين دعوة النبي لهم يكون يوم القيامة: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ﴾ أيها النبي ﴿وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ لا محالة، لأن الدنيا ليست دار قرار، والمشركون في غفلة عظيمة كأنهم ينكرون الموت. ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (٣١) ٣١ - ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ إذ لا سبيل لردع المشركين عن شركهم رغم الدلائل القاهرة، بسبب تمسكهم بالتقليد وابتعادهم عن الفكر المستقل، فلا ينفتحون على الحقيقة إلا في الآخرة.

стр. 1647

﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ﴾ بزعم تعدد الآلهة، أو الزعم بتجسد الإله في بشر، أو بنسب بعض خصائص الألوهية للقديسين والأولياء ﴿وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ﴾ كذّب ببعثة النبي ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ﴾ مثوى لا مفرّ منه، والسبب أن الكافر يجلب الدمار على نفسه. ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (٣٣) ٣٣ - ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ﴾ هم الرسل والأنبياء ﴿وَصَدَّقَ بِهِ﴾ هم أتباع الرسل ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ يتّقون عذاب جهنم، بنتيجة أعمالهم المترتبة على تصديق الرسل. ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ من حسن المآب ﴿ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ الذين أحسنوا العبادة والعمل. ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣٥) ٣٥ - ﴿لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ بعد أن صدّقوا الرسل وعملوا بحسب صدقهم، يسقط العقاب عنهم على أكمل الوجوه ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ أجورهم متناسبة مع أحسن أعمالهم. ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ (٣٦) ٣٦ - ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ عطف على الآية (٣٣)﴾، والمقصود أن الله تعالى يكفي عبده محمدا ﷺ شرور الكفار، كما يكفي غيره من الرسل ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ﴾ أيها الرسول، أو أيها المؤمن ﴿بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ من الآلهة

стр. 1648

المزعومة، والمنسوب إليهم من خصائص الألوهية أحياء كانوا أم أمواتا، كما يخوفونك بالزعامات وأصحاب النفوذ ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ﴾ لدرجة أن يغفل عن كفايته تعالى لعبده ﴿فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ يهديه إلى خير ما. ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ ذِي اِنْتِقامٍ﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ﴾ ليس من مضلّ يستطيع أن يصرفه عن طريق الخير ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِعَزِيزٍ﴾ غالب على أمره ﴿ذِي اِنْتِقامٍ﴾ ينتقم من مروّجي الشر، والانتقام بهذا المعنى يفيد تحقيق العدالة. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٣٨) ٣٨ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ يقولون ذلك بصورة عفوية؛ لأن فطرة العقل شاهدة بصحة هذا القول ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من الشركاء المزعومين أو الأشخاص المؤلهين ﴿إِنْ أَرادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ﴾ لا يستطيعون كشف الضر إذ لا خالق سواه ﴿أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ﴾ فيمنعهاسبحانه عني؟ ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللهُ﴾ يكفيني في جميع أموري من إصابة الخير ودفع الشر ﴿عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ لعلمهم أن كل ما سواه تحت ملكوته. ﴿قُلْ يا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿قُلْ يا قَوْمِ﴾ الذين تنكرون الحقيقة ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ اعملوا كل ما بإمكانكم في الإنكار، فالعواقب تعود عليكم ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ كل ما بإمكاني في سبيل الله ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ في المستقبل القريب والبعيد: ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠)﴾

стр. 1649

٤٠ - ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ في الحياة الدنيا، والمغزى أنّ استسلام المجتمع للكفر وللقيم الزائفة يؤدي به إلى الانحطاط الروحي، ومن ثمّ إلى الكوارث الاجتماعية والعذاب الدنيوي ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ في الآخرة. ﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اِهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٤١) ٤١ - عودة لموضوع الآيات (٢٨، ٢٧، ٢٣، ١٨، ٢، ١): ﴿إِنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ﴾ القرآن ﴿لِلنّاسِ﴾ لأجل الناس قاطبة ولأجل مصالحهم ﴿بِالْحَقِّ﴾ متضمنا ومبيّنا الحق ﴿فَمَنِ اِهْتَدى﴾ بهدي القرآن ﴿فَلِنَفْسِهِ﴾ يكون ذلك لمنفعته ﴿وَمَنْ ضَلَّ﴾ عن هدي القرآن ﴿فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ يكون ذلك وبالا عليه ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ لا تستطيع، وليس من واجبك أن تجبرهم على الهدى، فلست مسؤولا عن سلوكهم وما وظيفتك إلاّ البلاغ. ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٤٢) ٤٢ - قال الرازي عن ارتباط هذه الآية بما قبلها: إن الهداية أشبه بالحياة واليقظة، والضال أو الغافل الذي يتوصل للهداية أشبه بالنائم الذي يستيقظ على الحقيقة، كما أنّ الضلال أشبه بالموت، انظر [الأنعام ١٢٢/ ٦]: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ التوفّي يعني أخذ الشيء وافيا، وقد استعمل التعبير مجازا بمعنى الموت لأن الإماتة تقتضي استيفاء جميع الإشارات الحيوية من النفس بشكل دائم ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ تشبيه النوم بالموت لأن الأنفس وقت النوم تبدو غائبة عن الوعي مؤقتا وإلى حدّ ما ﴿فَيُمْسِكُ﴾ الله تعالى الأنفس ﴿الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ﴾ الدائم ﴿وَيُرْسِلُ الْأُخْرى﴾ يرسل الأنفس النائمة فيعيدها إلى اليقظة ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى حين موتها الدائم،

стр. 1650

ويجب الانتباه هنا إلى دقيقة وهي التفريق بين النفس وبين الروح، فالموت هو للنفس، أما الروح فلا تموت بل تستمر في الحياة ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ في كيفية تعلق الأنفس بالأجساد، والفرق بين النفس والروح. ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ﴾ مع كل هذه البراهين القاهرة على قدرته تعالى، فإن معظم الناس يميلون إلى تجاهلها، بل يظنون أن الشفيع يمكنه أن يشفع من دون إذنه تعالى، وقد نقض القرآن الكريم ظنهم بقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى﴾ [الأنبياء ٢٨/ ٢١]، ﴿قُلْ أَوَلَوْ كانُوا﴾ الشفعاء ﴿لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً﴾ من المقدرة ﴿وَلا يَعْقِلُونَ﴾ لأنهم إما جمادات أو أموات أو شخصيات مؤلهة أو آلهة مزعومة. ﴿قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٤٤) ٤٤ - ﴿قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً﴾ يملك الشفاعة كلها، فلا يستطيع أحد أن يشفع عنده إلا أن يكون المشفوع له مرتضى والشفيع مأذونا له بالشفاعة، وما في ذلك من تكريم للشفيع والمشفوع له ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فلا يتصرف أحد بدون إذنه ورضاه ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فتتحقق العدالة في الآخرة على أتم وجه. ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (٤٥) ٤٥ - ﴿وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ﴾ ولم تذكر معه آلهتهم ﴿اِشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ لأن الإيمان بالآخرة يتضمّن اعترافهم بالمسؤولية الأخلاقية ﴿وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ من المعبودات الوهمية ﴿إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ لأن تلك المعبودات لا تفرض عليهم أي مسؤولية.

стр. 1651

﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٤٦) ٤٦ - نتيجة الخلاف بين المؤمنين والكفار: ﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ خالقهما ومبدعهما على غير مثال سابق، انظر شرح [الأنعام ١٤/ ٦]، ﴿عالِمَ الْغَيْبِ﴾ الغيب ما يغيب عن إدراك البشر ﴿وَالشَّهادَةِ﴾ ما تدركه حواسهم من عالم المشاهدة ﴿أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ﴾ من المهتدين، ومن الضالين، المشار إليهم بالآيات (٤١ - ٤٥)، ﴿فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ من العقائد، لأن الإنسان مكرّم بالعقل وبحرية الخيار فيتحمل مسؤولية خياره كما هو مذكور في الآيات التالية: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (٤٧) ٤٧ - ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ظلموا أنفسهم بالكفر وبإنكار الآخرة ﴿ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ المغزى أن جميع أعمالهم (الحسنة) في الحياة الدنيا، ولو كانت مضاعفة، تذهب هباء فلا تفديهم من عذاب يوم القيامة للسبب المذكور تاليا: ﴿وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ يصبح واضحا لهم أن مآل الإنسان في الآخرة، وسعادته أو تعاسته فيها، مترتبة بشكل طبيعي على سلوكه وحسن استخدام ملكاته العقلية في الدنيا من الإيمان أو الكفر. ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٤٨) ٤٨ - ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ من عقائد فاسدة ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أحاط بهم ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أحاطت بهم حقيقة الحياة بعد الموت، والحقائق التي جاء بها الأنبياء والرسل، بعد أن كانوا يستهزئون بها. ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩)﴾

стр. 1652

٤٩ - بعد أن بينت الآية (٤٣) إنهم اتخذوا شفعاء من دون الله، وإن قلوبهم تشمئز من ذكر الله وحده، الآية (٤٥)، تضيف هذه الآية خصلة أخرى من خصالهم الفاسدة: ﴿فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا﴾ يفزعون إلى الله تعالى عند وقوعهم في الضرّ من مرض أو فقر ﴿ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ﴾ أعطيناه على سبيل التفضّل ﴿نِعْمَةً مِنّا﴾ كالعافية والغنى ﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ﴾ أوتيت النعمة أو شيء منها ﴿عَلى عِلْمٍ﴾ أي استحقاقي لها كان بسبب مهارتي وحذاقتي لا غير ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ ردّ لقوله ذلك، فهي فتنة على سبيل الاختبار المقصود منها إظهار حقيقة المفتونين أو لتصفيتهم وتمحيصهم، انظر شرح [الأنفال ٢٥/ ٨]، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ لا يعلمون أن التخويل كان على سبيل الاختبار، كي تبرز خصال المرء إلى حيّز الواقع. ﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٥٠) ٥٠ - ﴿قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ لأن الكلام عن جنس الإنسان ﴿فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من متاع الدنيا، وما أغنى عنهم ذلك الاعتقاد الباطل. ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٥١) ٥١ - ﴿فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ من الأعمال والعقائد الفاسدة ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ﴾ المشركين في كل زمن ﴿سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا﴾ فتلك قاعدة عامة، لأنّ أمور الدنيا والآخرة لا تسير اعتباطا ﴿وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لا يستطيعون التنصل من العواقب ولا الهرب منها. ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾

стр. 1653

٥٢ - استمرار الخطاب من الآية (٤٩): ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ أن يبسط ﴿وَيَقْدِرُ﴾ لمن يشاء أن يقدر، فلا يكون للإنسان يد في ذلك ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ إشارات ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ بمدلولات الأمور والحكمة منها، فكم من عاقل كادح قدر عليه رزقه، وكم من جاهل مبذّر بسط له في رزقه. ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥٣) ٥٣ - ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ الذين أفرطوا في المعاصي، من أمثال المشار إليهم بالآية (٤٩)، ﴿لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ لا تيأسوا من مغفرته سبحانه، فتوبوا إليه قبل أن تداهمكم المنية وقبل فوات أوان التوبة، انظر الآية التالية (٥٤)، ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ بالتوبة والإنابة، انظر شرح آية [النساء ٤٨/ ٤] حيث تستثني الشرك لما فيه من مذلة للإنسان ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ المراد؛ التنبيه على أنه لا يجوز أن يظن العاصي أنه لا مفرّ له من العذاب البتة، لأن من اعتقد ذلك فهو قانط من رحمة الله، فعليه أن يتوب ويعود عن غيّه عاجلا قبل الفوات، انظر قوله تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ٥٤/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [النساء ١١٠/ ٤]. ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ (٥٤) ٥٤ - استمرار الخطاب، والمغزى: لا تقنطوا من رحمة الله فتظنوا أنه لا يقبل توبتكم: ﴿وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ﴾ ارجعوا إليه وتوبوا ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ﴾ في الدنيا قبل الآخرة ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ بعد فوات أوان التوبة، وفي الحديث: ((من آيس العباد من التوبة فقد جحد كتاب الله، ولكن

стр. 1654

لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله تعالى عليه))، ذكره الألوسي، وأخرجه الطبري، وفي الآية التالية الأمر باتّباع هدي القرآن قبل مجيء العذاب بغتة: ﴿وَاِتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (٥٥) ٥٥ - ﴿وَاِتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن الكريم ختمت به الرسالات السماوية، انظرالآية (١٨)، اتّبعوا هديه وتعاليمه ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً﴾ فجأة بلا سابق إنذار ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ بقرب وقوعه. ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ (٥٦) ٥٦ - استمرار الخطاب من الآية السابقة والمعنى: أنذركم وآمركم باتّباع هدي القرآن كراهة أن تقول نفس بعد فوات الأوان: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ﴾ التفريط هو التقصير، والمعنى حصول الحسرة، في وقت متأخر، على التقصير في طاعة الله ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾ اعتراف الجاحد المقصّر أنه كان من المستهزئين بالحقيقة وبدين الله تعالى وأهله. ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٥٧) ٥٧ - ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ نسي الجاحد أو تناسى أن الله تعالى أنعم عليه بنعمة العقل، وببعث الرسل، وتنزيل الوحي، وحرية الخيار، فلم يستفد منها في دنياه شيئا. ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥٨) ٥٨ - ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ عودة إلى الدنيا مرة ثانية ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ زعم الجاحد أن لو كانت له فرصة أخرى في الدنيا لكان من المحسنين، وهذا الزعم تكذّبه الآية التالية، انظر شرح آية

стр. 1655

الأنعام: ﴿بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨/ ٦]. ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاِسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ (٥٩) ٥٩ - ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي﴾ في الحياة الدنيا ﴿فَكَذَّبْتَ بِها﴾ ولم تستفد من نعمتي العقل والوحي ﴿وَاِسْتَكْبَرْتَ﴾ أعمى الاستكبار بصيرتك ﴿وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ تعمّدت تغييب الحقيقة عن نفسك. ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٦٠) ٦٠ - ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللهِ﴾ بأن زعموا له شركاء، أو زعموا أن الله يتجسد على شكل بشر، أو نسبوا من صفات الألوهية للزعماء والأولياء ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ من الذل والهوان، فهي مسودّة على المجاز أو في الحقيقة، كناية عن تعاستهم، على النقيض من الذين ابيضّت وجوههم، انظر [آل عمران ١٠٧/ ٣]، الذين في غاية السعادة ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ فبعد أن كانوا متكبّرين في حياتهم الدنيا أصابهم الذل والهوان في الآخرة. ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦١) ٦١ - ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اِتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾ أي بفوزهم على أنفسهم وشهواتهم ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ﴾ يسلمون من أي مكروه ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لا يحزنون على فوات شيء من دنياهم. ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (٦٢) ٦٢ - ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ هو الوكيل على خلقه، يتولّى حفظ مخلوقاته، فالأشياء محتاجة إليه في بقائها، وتستمدّ وجودها منه.

стр. 1656

﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٦٣) ٦٣ - ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مفاتيح الغيب ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ جحدوها ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ يخسرون أنفسهم، وليس أكبر من خسارة النفس. ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ (٦٤) ٦٤ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي أو أيها المؤمن: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ الذين تجهلون الصواب من الخطأ، والحق من الباطل؟ أي تريدون منّي عبادة الأوهام والزيف؟ ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٦٥) ٦٥ - ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أيها النبي، وأيها الإنسان ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾ بالله تعالى ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ يفشل ويبطل ثوابه ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ المشار إليهم بالآية (٦٣). ﴿بَلِ اللهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (٦٦) ٦٦ - ﴿بَلِ اللهَ﴾ وحده ﴿فَاعْبُدْ﴾ إنقاذا لك من مذلة الشرك والهوان ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لله أن منحك نعمة العقل وأتبعها بالوحي. ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٦٧) ٦٧ - عودة إلى موضوع الآيات (٦٠ - ٦١)، حيث تلخص هذه الآية إلى آخر السورة مآل المؤمنين الذين أخلصوا العبادة في مقابل مآل الكفار الذين اختاروا تغييب الحقيقة عن ناظرهم:

стр. 1657

﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ لم يفهموه حق الفهم، ولم يدركوا كنهه، والخطاب عن المشركين ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ الكون بكامله لا شيء بالنسبة إليه ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ اليمين كناية عن سيطرته الكاملة، وهيمنته سبحانه على ملكه ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيها له عن الشركاء العاجزين عن أي شيء من ذلك. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (٦٨) ٦٨ - ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ يوم القيامة ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ أغشي عليهم ﴿إِلاّ مَنْ شاءَ اللهُ﴾ هم المشار إليهم بقوله: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل ٨٩/ ٢٧]، ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ﴾ إلى الحقيقة. ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٦٩) ٦٩ - ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها﴾ انظر قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النور ٣٥/ ٢٤]، ﴿وَوُضِعَ الْكِتابُ﴾ أي صحائف الأعمال، انظر قوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء ١٤/ ١٧]، ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ يشهدون بأداء رسالاتهم ﴿وَالشُّهَداءِ﴾ يشهدون على أنفسهم، انظر قوله تعالى: ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ [الأنعام ١٣٠/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور ٢٤/ ٢٤]، ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بين الخلائق ﴿بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ بل تتحقق العدالة على أكمل وجه. ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾

стр. 1658

٧٠ - ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾ من خير أو شر ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾ الله تعالى أعلم بما كانوا يفعلون في دنياهم، فيحاسبهم بأعمالهم، انظر قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧/ ٩٩ - ٨]. ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٧١) ٧١ - ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على الكفر ﴿إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً﴾ جماعات ﴿حَتّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها﴾ على سبيل التوبيخ ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ من جنسكم ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ﴾ من الوحي الذي نزل لمصلحتكم ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ يوم القيامة ﴿قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ أقرّوا بسوء اختيارهم، ومعصيتهم بلا توبة. ﴿قِيلَ اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٧٢) ٧٢ - ﴿قِيلَ اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ الذين تكبّروا على الأنبياء والرسل والوحي، وهكذا تبيّن الآية أن الكبرياء الزائف أصل الكفر، انظر قوله: ﴿إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل ٢٢/ ١٦]. ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾ (٧٣) ٧٣ - ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها﴾ أبوابها مفتّحة لهم قبل وصولهم ﴿وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ من المعاصي ﴿فَادْخُلُوها خالِدِينَ﴾.

стр. 1659

﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ (٧٤) ٧٤ - ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ أرض الجنة مجازا ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾. ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ مجازا، لأن العرش كناية عن سلطانه تعالى على خلقه ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ بين العباد ﴿وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ على تحقق العدالة.

стр. 1660

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر ١٥/ ٩٠ - ٩٣]

стр. 1661

مقدّمة ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصّلت/ ٤٤٤١]. تتسم معظم تفاسير القرآن الكريم بأنها تفسر القرآن آية آية بالتجزئة، كما لو كانت كل آية من الآيات مستقلة بذاتها عما قبلها وعما يليها، دون كثير اهتمام بترابط الآيات بعضها مع بعض، ودون التركيز على النظم القرآني المحكم، لدرجة أن البعض، في تجاهل واضح للنظم، قد يعتقد أن ليس هنالك من علاقة بين ترتيب الآيات وبين معانيها، ولا شك أن هذا الأمر وقف عائقا بين بعض المستشرقين وبين فهم القرآن حتى أنهم توصّلوا إلى استنتاجات خاطئة من قبيل أن القرآن كتاب غير مفهوم أو غير منتظم أو غير محكم، وأدّى هذا الأمر ببعضهم إلى محاولة إعادة ترتيب القرآن بحسب ترتيب النزول الزمني في مسعى منهم لمحاولة فهمه، وهذه الصعوبة ليست مقتصرة على المستشرقين وحدهم بل تعم الكثير من المسلمين أنفسهم، ناهيك عن حديثي العهد بالإسلام منهم. والمعروف أن للإعجاز القرآني الكثير من الوجوه اثنان منها على الأقل له علاقة بالنظم، الوجه الأول أن القرآن الكريم نزل على النبي ﷺ على مدى ثلاث وعشرين سنة من البعثة النبوية بحسب الظروف المرحلية للبعثة وطبقا

стр. 1662

لمتطلباتها في كل مرحلة من مراحلها، وكان الوحي يبيّن للنبيّ ﷺ عند نزول كل آية موضعها الصحيح من السورة الخاصة بها، كما كان يبيّن له ترتيب السور على النحو الذي نعرفه اليوم مما لا يطابق الترتيب الزمني للنزول، وبالتأكيد أنّ ذلك لم يكن اعتباطا، لأن القرآن لم ينزل فقط كي يوافق المتطلبات المرحلية للبعثة النبوية وحدها، وإنما نزل كي يلائم كل العصور والأمم وليس لوقت أو أمة بعينها، ومن هنا نفهم قوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإسراء / ١٠٦١٧]، وما يدل أن ترتيب الآيات والسور في المصحف ذو مغزى لا يمكن التغاضي عنه في تفسير القرآن الكريم، وقد أقر غالبية الفقهاء بإعجاز القرآن من هذه الزاوية لكنهم لم يتجاوزوا هذا الإقرار إلى الاستفادة منه في التفسير، بل إن غالبية المفسرين لم يركزوا على هذه النقطة. فالوجه الثاني من هذا الإعجاز المذهل أن النبي الذي لم يكن يمتلك أي وسيلة من وسائل التحرير والتعديل والتنقيح، ولا أدنى وسيلة من وسائل التقانة المتاحة اليوم في هذا المضمار، وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما من بعثته، ما يجعل من المستحيل أن يستطيع من تلقاء نفسه ترتيب القرآن على النحو المحكم الذي نعرفه، والمغاير لترتيب النزول الزمني، وبحيث يكون القرآن مناسبا لكل العصور، ممّا يدل على أن ترتيب المصحف الذي نعرفه توقيفي من الله تعالى، فهنالك إذا نقطتان لا يمكن التغاضي عنهما: الأولى أن تعريف السورة بهذه الكلمة: (سورة) يعني أنها بمثابة سور يحيط بموضوع معين أو مواضيع مترابطة، وبمعنى أن كل سورة ذات محور يدور حوله موضوعها أو مواضيعها، ولولا ذلك لما كان هنالك مبرر لتقسيم القرآن إلى سور، ولكان كله سورة واحدة من أوله إلى آخره، ولا بد لكل قارئ للقرآن أن يلاحظ أن لكل سورة قرآنية شخصيتها المختلفة عن الأخرى، وهذا الأمر يبدو شديد الوضوح عندما ينتهي

стр. 1663

المرء من قراءة إحدى السور وينتقل إلى الأخرى، ومن هنا يبدو أحد جوانب التحدي القرآني للكفار أن يأتوا بسورة من مثله، والنقطة الثانية أن ترتيب السور التوقيفي يقتضي أن لهذا الترتيب مغزى لطيفا لا علاقة له بطول السورة أو قصرها، وهو ما اجتهد الكاتب في بيان ارتباط السور المتتالية بعضها ببعض. وإذا قرأ أحدهم القرآن دون محاولة التركيز على النظم فقد تبدو له الآيات مفككة المعاني، غير أن وضع كل آية في نصابها الصحيح من السورة ودراسة تعلقها بما قبلها وما بعدها يلقي المزيد من الضوء على معناها بما لا يقبل الخطأ. وليس من شك أن بعض المفسرين فطن لهذا الموضوع، ولكن تصديهم له كان جزئيا كما هي الحال في التفسير الكبير للرازي (المتوفّى ٦٠٤ هج ١٢٠٨ / م) الذي حاول أن يجد العلاقة أحيانا بين بعض الآيات وبعضها الآخر أو العلاقة بين نهاية بعض السور وبداية السورة التي تليها، كما بذل الألوسي (المتوفّى ١٢٧٠ هج ١٨٥٤ / م) في تفسيره (روح المعاني) ذات المحاولة الجزئية، غير أنهما معا لم يستفيدا من إحكام النظم في تفسيرهما للسور القرآنية كل على حدة، ولا للقرآن بمجمله، وقد وردت هذه المحاولة الجزئية أيضا في تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا، وقد لفت الإمام الزركشي (المتوفّى ٧٩٤ هج ١٣٩٢ / م) في كتابه (البرهان في علوم القرآن) النظر لهذا الموضوع، إذ عرّف النظم بعبارة: "معرفة المناسبات بين الآيات" فكتب: "وهذا النوع - من معرفة المناسبات بين الآيات - يهمله بعض المفسّرين أو كثير منهم، وفوائده كثيرة"، وكتب أيضا: "قال بعض مشايخنا: قد وهم من قال لا يطلب للآي الكريمة مناسبة، لأنها على حسب الوقائع تنزيلا، وعلى حسب الحكمة ترتيبا، فالمصحف مرتّبة سوره كلها وآياته بالتوقيف، والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أوّل شيء عن كونها مكمّلة لما قبلها أو مستقلّة، ثم المستقلّة ما وجه مناسبتها لما قبلها؟ ففي ذلك علم جمّ،

стр. 1664

وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له"، ونقل عن الشيخ أبي الحسن الشهرباني قوله: "أوّل من أظهر ببغداد علم المناسبة ولم نكن سمعناه من غيره هو الشيخ الإمام أبو بكر النيسابوري (المتوفّى ٣٢٤ هج ٩٣٦ / م) وكان غزير العلم في الشريعة والأدب، وكان يقول إذا قريء عليه: لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة؟ وكان يزري على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة" انتهى. وقد بذل محاولة متكاملة في هذا الصدد الإمام برهان الدين إبراهيم ابن عمر البقاعي (المتوفّى ٨٨٥ هج ١٤٨٠ / م) في تفسيره الذي سمّاه: (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) وذكر في مقدمته: "هذا كتاب عجاب، رفيع الجناب، في فنّ ما رأيت من سبقني إليه" فلم يخل من التصنّع والتكلّف، ومن جهة أخرى لا بد أن يلاحظ المرء أن القرآن الكريم قد لا يستنفد موضوعا من المواضيع في مكان واحد أو في سورة واحدة، بل يعود إليه في أكثر من سورة بما قد يعطي الانطباع أن هنالك تكرارا في المواضيع، غير أن التمعن في ذلك يبين أن الموضوع يتم بحثه في كل مرة من زاوية مختلفة عن الأخرى أو متممة لها وبما قد يتناسب مع محور السورة موضوع البحث، وهو ما يشير إليه القرآن الكريم بتصريف الآيات كما في قوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام / ٦٤٦]، وقوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام / ٦٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام / ١٠٥٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُوراً﴾ [الإسراء / ٤١١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ [الإسراء / ٨٩١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ

стр. 1665

كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف/ ٥٤١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ [الفرقان/ ٥٠٢٥]، وهنالك أيضا آيات الأحكام التي لا يسردها القرآن في موقع واحد أو سورة واحدة، بل نرى هذه الآيات متداخلة مع النص القرآني في مواضع مختلفة، فالنصوص القرآنية ليست مجرد أحكام، والقرآن كتاب دعوة للإسلام، وهو أيضا كتاب دين ودنيا مما يفسر هذا التداخل، فحياة الإنسان وحدة متكاملة لا يمكن فصل النواحي الروحية فيها عن النواحي الحياتية المعيشية، وتبدو مبالغة بعض المفسرين في الاعتماد على (أسباب النزول) سببا مهما، من جملة أسباب أخرى، في تفكيك النص القرآني أو توهم تفككه، والانصراف عن نظمه المحكم وبالتالي عن معانيه، فغالبا ما تعطي أسباب النزول الانطباع بتفكك النص مع أن واقع السور يشهد بعكس ذلك. معظم أسباب النزول جمعت في مؤلّفين، الأول كتبه أبو الحسن الواحدي النيسابوري (المتوفى ٤٦٧ هج ١٠٧٥ / م)، والثاني كتبه جلال الدين السيوطي (المتوفى ٩١٠ هج ١٥٠٥ / م) - وهي مدوّنة كملاحظات بأسفل صفحات تفسير الجلالين -، علما أن بعض هذه الأسباب - القصص - مذكور في كتب السيرة والمغازي، كما هي مذكورة أيضا في كتب التفاسير المأثورة، ويعطي الواحدي النيسابوري أسبابا للنزول لبعض الآيات الواردة في ٨٣ سورة من مجموع سور القرآن الكريم، في حين أن السيوطي يعطي أسبابا للنزول لبعض الآيات في كافة سور القرآن الكريم - عدا الفاتحة -، فالأسباب في مجموعها لا تغطي سوى قسما قليلا من القرآن، وقد أحصيت الآيات التي لها أسباب نزول عند الواحدي النيسابوري فوجد عددها/ ٥٩٩ /آية من مجموع آي القرآن الكريم البالغ عددها/ ٦٢٣٦ /آية أي بنسبة مئوية من المجموع أقل من عشرة بالمئة، ومع ذلك يعتبرها البعض ضرورة لا بد منها لتفسير القرآن!

стр. 1666

واليوم يرى بعض العلماء أن أسباب النزول ضعيفة الإسناد في معظمها، وحتى ما كان منها ذو إسناد جيد - وهو أقل القليل - فإن البعض منها قد يناقض بعضها الآخر، وفي الأغلب يجب النظر إلى الأسباب كتطبيقات لما نزل من القرآن الكريم، وليس كأسباب نزول، وفي ذلك كتب الإمام الزركشي في (البرهان، الجزء الأول ص ١٢٦): "وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال:" نزلت هذه الآية في كذا فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها". والنتيجة أنّ أسباب النزول يمكن أن تؤخذ في الاعتبار فقط عندما تشير الآية أو الآيات إلى أحداث تاريخية معينة، انظر الملحق (أ) الذي يبين المناسبات التاريخية لنزول بعض النصوص القرآنية، وفيما عدا ذلك يلزم التمحيص بها والتعامل معها بحذر شديد. كما يبين الملحق (ب) أسماء الأعلام من مؤرخي السيرة والفقهاء وكتّاب الحديث والتفاسير وأسباب النزول، وأسماء الخلفاء المعاصرين لهم، لإعطاء فكرة عن بعد الفترة الزمنية - أو قربها - لهؤلاء الأعلام من البعثة النبوية الشريفة بما يتناسب مع العمل الذي كانوا بصدده. وقد كتب أبو حامد الغزالي في مؤلّفه" إحياء علوم الدين "أن حجب فهم القرآن أربعة، أي التي تحجب فهم القرآن الكريم عن قارئه، أولا: حين ينصرف همّ القاريء إلى تحقيق الحروف ومخارجها، وهذا يتولّى حفظه شيطان يصرفه عن معاني كلام الله، فلا يزال يحمله على ترديد الحروف يخيل له أن لم تخرج من مخارجها، فيكون تأمّله مقتصرا على مخارج الحروف، فأنّى تنكشف له المعاني؟ ثانيا: حين يكون القارئ مقلّدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عقله عليه وتعصّب له،

стр. 1667

ثالثا: حين يكون مصرّا على ذنب، أو متّصفا بكبر، أو مبتلى بهوى في الدنيا، رابعا: أن يكون قد قرأ تفسيرا ظاهرا واعتقد أن لا معنى لكلمات القرآن إلاّ ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وأنّ ما وراء ذلك تفسير بالرأي، وأنّ من فسّر القرآن برأيه فقد تبوّأ مقعده من النار، فهذا أيضا من الحجب العظيمة، ومن كل ذلك تنطلق محاولة هذا الكتاب لبيان النظم القرآني وبالتالي المعاني القرآنية، وقد بدأ الكاتب بالربع الأخير من القرآن الكريم، ويتضح الغرض من الكتاب في ثلاث مواضيع: ١ - بيان ارتباط السور القرآنية بعضها مع بعض. ٢ - بيان موضوع كل سورة أو ما اصطلح على تسميته محور السورة الذي تدور حوله. ٣ - بيان النظم في الآيات لكل سورة على حدة. وفي العصر الحديث، وفي الباكستان بالذات، قام أحد علمائهم وهو مولانا أمين احسان إصلاحي (١٩٠٤ - ١٩٩٧) بمجهود كبير بهذا الصدد في مؤلفه الضخم المكون من ستة آلاف صفحة والذي سمّاه (تدبّر القرآن)، غير أنّه كتبه بلغة الأوردو، ولم يترجم حتى الآن إلى أية لغة أخرى فلم يصل إلينا. وقد لفت نظري الأخ الكريم المهندس نزار الكردي، الذي تضاهي معارفه الفقهية علومه الهندسية، أنّ كون ترتيب السور والآيات القرآنية توقيفي من الله تعالى، أي الترتيب إلزامي غير معلّل، مما يعفي المرء من البحث عن علّة مصطنعة عندما تنتقل السورة من موضوع لآخر قد لا يبدو هنالك رابط بينهما، وهو ما اصطنعه الشيخ برهان الدين البقاعي في كتابه "نظم الدرر" في كثير من

стр. 1668

الحالات، وكما هي الحال مثلا عندما يتم الخلط بين واو العطف وواو الاستئناف بين بعض الآيات كما في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً﴾ [الكهف / ٩٩١٨]، فالواو في قوله: ﴿وَتَرَكْنا﴾ واو الاستئناف وليست واو العطف إذ هي ابتداء لموضوع جديد بعد انتهاء قصة ذي القرنين، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. شوال ١٤٢٣ هـ - ديسمبر ٢٠٠٢ م محمد فاروق فارس الزين faruk@zein.org مراجع الكتاب: ١ - رسالة القرآن - محمد أسد. ٢ - التفسير الكبير - الرازي. ٣ - الكشاف - الزمخشري. ٤ - روح المعاني - الألوسي. ٥ - جامع أحكام القرآن - القرطبي. ٦ - معاني القرآن الكريم - عبد الله يوسف علي. ٧ - أنوار التنزيل - البيضاوي. ٨ - كيف نتعامل مع القرآن العظيم - الشيخ د. يوسف القرضاوي.

стр. 1669

سورة غافر - ٤٠ - مكية هذه أولى سور الحواميم السبعة، أي التي تبدأ بحرفي ﴿حم﴾، وهي: (غافر - فصّلت - الشورى - الزخرف - الدخان - الجاثية - الأحقاف) وقد نزلت جميعا في النصف الثاني من الفترة المكية، وتفتتح ببيان أصالة القرآن الكريم. ارتباط السورة بما قبلها تركيز سورة الزمر المتقدمة على براهين التوحيد ودحض الشرك، وأنّ أحسن الهدي الإسلام لقوله تعالى: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ﴾ [الزمر / ٢٣٣٩]، وأحسن الوحي القرآن: ﴿وَاِتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر / ٥٥٣٩]، وأنّ الله تعالى كرّم العباد في الدنيا بحرية الخيار بلا إكراه، وحسابهم على الله في الآخرة: ﴿قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر / ٤٦٣٩]، لكنّ الجهلة، الذين لا يميزون الحق من الباطل، مصرّون على اتّباع أوهامهم: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ﴾ [الزمر / ٦٤٣٩]، والتكبّر عن الذكر يورد أصحابه موارد الهلاك: ﴿قِيلَ اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر / ٧٢٣٩].

стр. 1670

ثمّ تبيّن سورة غافر أنّ الكثير من الناس معرضون عن أحسن الهدي مصرّون على الكفر: ﴿وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [غافر / ٥٤٠]، وأنّ ذلك نابع من استكبارهم وغرورهم واعتقادهم بالاكتفاء بما عندهم من العلوم الدنيوية دونما حاجة إلى وحي إلهي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [غافر / ٥٦٤٠]. محور السورة محور السورة يدور حول الاستكبار الزائف أو الكبر في نفوس المصرّين على الكفر ممّن يظنّون أنفسهم مكتفين ذاتيا بما عندهم من العلم: ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ [٤/ ٤٠]، فيجادلون الحقّ بالباطل: ﴿وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ [/ ٥٤٠]، ومن صفات المصرّ على الكفر المتمسّك بالباطل أن يكون - لشدة غروره - متكبرا منكرا للحساب: ﴿وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ [/ ٢٧٤٠]، ومن سننه تعالى في خلقه أنّ المتكبر الجبار يجادل بالباطل بلا برهان يقيني فيطبع على قلبه: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ [/ ٣٥٤٠]، فليس من وجود حقيقي للباطل: ﴿لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ﴾ [/ ٤٣٤٠]، ولقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ [/ ٥٠٤٠]، ولأن شعور المبطلين بالكبر واعتقادهم بالاكتفاء الذاتي بما عندهم من العلم ليسا سوى وهم محض، ومن ثمّ ما هم ببالغي الغاية من غرورهم وأهوائهم، لأنهم في الحقيقة يعبدون أوهامهم

стр. 1671

وثرواتهم وسلطانهم الزائف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [/ ٥٦٤٠]. ومن سننه تعالى أيضا أنّ الجحود بالآيات يصرف أصحابه عن بلوغ الحقيقة: ﴿كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ [/ ٦٣٤٠]، وكذا الجدل بالباطل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنّى يُصْرَفُونَ﴾ [/ ٦٩٤٠]، ثم يكتشف المستكبرون ويقرّون، بعد فوات الأوان، أنّ الباطل لم يكن سوى وهم: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ﴾ [/ ٧٣٤٠ - ٧٣]، بعد أن كانوا يخدعون أنفسهم بإنكار أي حقيقة مهما كانت باهرة إذا كانت تخالف شعورهم بالأهمية وبالكبر: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [/ ٨٣٤٠]، أي بعد أن كانوا مبتهجين بمعارفهم ومكتفين بذواتهم، وشعورهم بعدم الحاجة إلى الوحي الإلهي حاقت بهم، بعد الفوات، حقيقة الوحدانية والحساب الذي أصرّوا على نكرانه وكانوا يستهزئون به من قبل. وكما هي العادة في القرآن الكريم تبين السورة هذه النقاط بالإشارة إلى قصص الأقوام والحضارات البائدة، النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تبدأ السورة بتأكيد أصالة القرآن الكريم: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (١ - ٢)، وهذا التأكيد يتكرر في أوائل سور ال ﴿حم﴾ السبعة من زوايا مختلفة،

стр. 1672

وأنه تعالى أنعم على عباده بالعدالة بحيث يؤول مصير الجميع إليه لتحقيقها: ﴿غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٣)، ثم تنتقل السورة إلى موضوعها الرئيسي وهو جدل المصرّين على الكفر، المبتهجين بما عندهم من "العلم"، في حين يبدو لمن يغترّ بالمظاهر أنهم يفعلون ما يشاؤون في الدنيا بلا حساب: ﴿ما يُجادِلُ فِي آياتِ اللهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ﴾ (٤)، وتضرب السورة مثلا بالمجادلين قبلهم من الأمم البائدة الذين حاولوا دحض الحق بالجدل بالباطل - وهو أمر مستمر إلى اليوم -: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ﴾ (٥)، ثم يكون عذاب المكذّبين عاقبة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم من الباطل: ﴿وَكَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحابُ النّارِ﴾ (٦)، في مقابل مغفرته تعالى للمؤمنين: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٧ - ٩)، وأن الله تعالى - كما يفرح بتوبة عباده - فهو يمقت لهم الكفر أكثر من مقت الكفار لأنفسهم يوم يقرّون بالحقيقة ويعاينون العذاب، ويندمون على ما كانوا عليه من ضلال وإصرار: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ﴾

стр. 1673

﴿أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ * قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (١٠ - ١١)، ﴿وأن مشكلة أمثالهم تكمن في الشرك وما به من حطّ لكرامة الإنسان وامتهان لعقله الذي كرّمه تعالى به: ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ * هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاّ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١٢ - ١٣)، في حين أنّ الإخلاص لله وحده يعفي الإنسان من عبادة الأوهام، ومن الخيلاء والغرور، ومن الجري وراء أطماع زائلة كالسلطة أو الثروة أو الزعامات: ﴿فَادْعُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ (١٤)، وقد أنذرهم تعالى بالوحي وأنه يوم الحساب لا تخفى منهم خافية: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ * يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ * الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ * وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَناجِرِ كاظِمِينَ ما لِلظّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطاعُ * يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ (١٥ - ١٩)، وأن الأمر كله بيد الله، أما الشركاء المزعومون من أولياء وأضرحة وقديسين وملائكة وزعماء فليس بيدهم شيء البتة: ﴿وَاللهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢٠)، وأن العاقل يعتبر بما مضى من تاريخ الأمم وعاقبة الكفار والمستكبرين: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ واقٍ (٢١)﴾،

стр. 1674

﴿وأن إنكار رسالات الرسل أدّى بالمستكبرين إلى سوء العاقبة: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٢٢)، وتضرب السورة مثلا بقصة فرعون مع موسى وإنكار فرعون للرسالة وكيده ضد من آمن له: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ * إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ * فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اُقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاِسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ (٢٣ - ٢٥) لكن مكر وتخطيط الكافرين صائر إلى الفشل: ﴿وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ (٢٥)، وأن التشنج الفكري والخوف أمام الحقيقة - بالإضافة للتمسك بمطامع الدنيا - أسباب كافية للنكران، عند أصحابها: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ﴾ (٢٦)، وأنّ الكبر ليس سوى إنكار لمسؤولية الفرد الأخلاقية أمام حسابه في الآخرة: ﴿وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ (٢٧)، وأن محاربة حرية الفكر من طبيعة الطغاة: ﴿وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾، وأن رسالة موسى من الوضوح بحيث يستحيل أن يكون موسى مسرفا كاذبا: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذّابٌ (٢٨)﴾،

стр. 1675

﴿وأن الغرور بالازدهار الحاضر ليس سوى قصر نظر خادع: ﴿يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللهِ إِنْ جاءَنا﴾ (٢٩) وأن القسر والقهر وادعاء الرشد والزعم باحتكار الحقيقة من دأب الطغاة: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلاّ ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلاّ سَبِيلَ الرَّشادِ﴾، ومع ذلك فمن الواجب إبلاغ المصرّين على الكفر وإنذارهم: ﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ * وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ﴾ (٣٠ - ٣٣)، وأنّ من درجوا على تكذيب الرسل في موقع الاستخفاف وخداع النفس، فقد شكّك المصريون ببعثة يوسف إليهم قبل موسى بأربعة قرون: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ (٣٤)، ثم تعود السورة إلى موضوع الكبر الذي هو سمة المجادلين المكتفين بما عندهم من "العلم" ما يغلق عقولهم أمام أي معرفة مخالفة لما اعتادوا عليه: ﴿الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ﴾ (٣٥)، وقد نسب تعالى الطبع على القلوب إلى ذاته العليّة - مع أنه نتيجة ميل الإنسان وخياره - لأن كل شيء يسير وفق سننه تعالى في الكون، وبنتيجة الطبع على القلوب يهيم الطغاة في طغيانهم: ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ اِبْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ * أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ﴾

стр. 1676

﴿كاذِباً﴾ (٣٦ - ٣٧) فيرى الطغاة سوء أعمالهم حسنات، لأن الطغيان أول ما يطغى على عقل صاحبه فيضلّه عن الطريق القويم: ﴿وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ (٣٧) ثم يقوده إلى هلاك محتّم: ﴿وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِي تَبابٍ﴾ (٣٧)، ﴿غير أنه لا ينبغي للمؤمن أن ييأس من الدعوة إلى الإسلام: ﴿وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اِتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ * يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ * وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النّارِ﴾ (٣٨ - ٤١)، بالمقارنة مع دعوة الكفار للناس - كما هي حال الكنيسة والمنصّرين اليوم - إلى أوهام لا وجود لها: ﴿تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفّارِ * لا جَرَمَ أَنَّما تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيا وَلا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنا إِلَى اللهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحابُ النّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ إِنَّ اللهَ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ * فَوَقاهُ اللهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ * النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ﴾ (٤٢ - ٤٦)، وفي عذاب الآخرة يستوي المستكبرون وأتباعهم، لأنّ الأتباع - ضعاف العقول - استخفّوا بنعمة العقل فلم يستفيدوا منها في دنياهم: ﴿وَإِذْ يَتَحاجُّونَ فِي النّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُنّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنّا نَصِيباً مِنَ النّارِ * قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا كُلٌّ فِيها إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبادِ﴾ (٤٧ - ٤٨)، فلا يفيدهم الندم ولا ما كانوا يدعون من آلهة خيالية وشركاء مزعومين: ﴿وَقالَ الَّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ *﴾

стр. 1677

﴿قالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا بَلى قالُوا فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلاّ فِي ضَلالٍ﴾ (٤٩ - ٥٠)، ﴿والنتيجة أنه تعالى ينصر رسله والمؤمنين في الدنيا والآخرة: ﴿إِنّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ * يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدّارِ﴾ (٥١ - ٥٢)، وفي حين رفض فرعون وقومه رسالة موسى وهديه فقد حمّل بنو إسرائيل عبء الرسالة: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ﴾ (٥٣)، غير أن الهدى لا يستفيد منه إلاّ ذوو الألباب: ﴿هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (٥٤)، أما من أغلقوا عقولهم وتوارثوا القيم الزائفة عن آبائهم فلا بد من الصبر معهم: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ﴾ (٥٥)، كما لا بد من الصبر مع المجادلين في الوحي بلا برهان يقيني إذ هم مستكبرون بأوهام لا يمكن بلوغها - موضوع الآيات ٣٥، ٥، ٤ - : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاّ كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٥٦)، وأن خلق الإنسان ليس سوى جزء يسير جدا من خلق الكون الهائل، فمن التفاهة أن يخالط الكبر نفس الإنسان أو يظن نفسه محور الكون: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥٧)، ومن عمي عن الحقيقة ليس كمن يراها: ﴿وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً ما تَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾،

стр. 1678

﴿بل إنهم لشدة استكبارهم وإنكارهم لمسؤوليتهم الأخلاقية ينكرون إمكانية انتهاء العالم المادي: ﴿إِنَّ السّاعَةَ لَآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٩)، مع أنّ باب الهدى والتوبة والدعاء الحقّ مفتوح لهم: ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ﴾ (٦٠)، والآيات ماثلة أمامهم فكيف يصرفون عنها؟ ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ * ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٦١ - ٦٢)، ويصرّون على خداع أنفسهم: ﴿كَذلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كانُوا بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٦٣)، ولا يدركون مغزى الخلق ومعجزاته: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٦٤)، بل يصرّون على الشرك والشركاء الموهومين، رغم البيّنات الداعية للإخلاص: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ * قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَمّا جاءَنِي الْبَيِّناتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٦٥ - ٦٦)، ومن هذه البيّنات خلق الإنسان في أطوار ثمّ وفاته: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلاً مُسَمًّى﴾ كل ذلك ممّا يوجب

стр. 1679

استخدام العقل على النحو السليم: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٦٨ - ٦٧)، ﴿لكنهم أصرّوا على تغييب الحقيقة عن ناظرهم رغم بعث الرسل ودلائل القدرة الإلهية والخلق ومعجزات الكون: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنّى يُصْرَفُونَ﴾ (٦٩)، ولم يعوا الكتب والوحي والرسل، فإنكار القرآن إنكار لكل ما سبقه من الكتب والوحي: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتابِ وَبِما أَرْسَلْنا بِهِ رُسُلَنا﴾ (٧٠) ثم يأتي إدراكهم للحقيقة متأخرا وبعد الفوات: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَالسَّلاسِلُ يُسْحَبُونَ * فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (٧٠ - ٧٤) وحينئذ يدركون ويقرّون أنّ ما كانوا يعبدون من قوى خيالية وقيم زائفة وسلطة مادية بنتيجة الجري وراء الدنيا لم تكن جميعا سوى وهم محض: ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً﴾ (٧٤) غير أن ضلالهم كان بمحض اختيارهم فالله تعالى لم يكن ليجبرهم على الهدى: ﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ الْكافِرِينَ﴾ (٧٤) بل يتركهم لخيارهم، إذ يخدعون أنفسهم باتّباع الأهواء والحماقات: ﴿ذلِكُمْ بِما كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ﴾ (٧٥)، ثمّ يحصدون جزاء تكبّرهم: ﴿اُدْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ (٧٦)، فما على الرسول إذن، وبالتالي على كل مؤمن، سوى الصبر، فالحياة الدنيا ليست سوى برهة وجيزة أمام الحياة الآخرة حيث تتحقق العدالة على أتم وجه: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧)﴾،

стр. 1680

﴿وأنّ آيات الله من القوة والإعجاز بحيث يستحيل على الرسول - أو من قبله من الرسل - أن يأتي بها من عنده: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ (٧٨) فمن يحاول إقناع نفسه ببطلان الوحي أو بطلان المسؤولية أو التشكيك بالعدالة يخسر نفسه: ﴿فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (٧٨)، ثم تختم السورة بالتذكير ببعض نعمه تعالى في الأرض ممّا يبهر العقول: ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعامَ لِتَرْكَبُوا مِنْها وَمِنْها تَأْكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْها حاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ * وَيُرِيكُمْ آياتِهِ فَأَيَّ آياتِ اللهِ تُنْكِرُونَ﴾ (٧٩ - ٨١)، وتحثّ الإنسان على الاعتبار بمصير الحضارات البائدة التي لم تنفعها قوّتها، بل أضرّت بها نظرتها المادية المحضة للحياة: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٨٢)، فعندما استخفّت بالرسل وبالوحي، وداخلها الغرور والكبرياء بانجازاتها (الفكرية والمادية)، حلّت بها في النتيجة عاقبة ما كانت تنكره من الوحدانية والحساب: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٨٣)، فتنهار الحضارات، وتتفكك المجتمعات، وتحل الكوارث بنتيجة الاسترسال في إنكار القيم الروحية والإعراض عن الوحي الإلهي، وبعد فوات الأوان يتبين للمستكبرين زيف العقائد التي طالما خدعوا أنفسهم بها وظنّهم في مقدرتهم (الفائقة) في السيطرة على مقدّراتهم وعلى الطبيعة وعلى الكون بلا حدود: ﴿فَلَمّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾،

стр. 1681

غير أن إيمان أمثالهم المتأخر لا يفيد لسببين: أولا أن عقارب الزمن لا تعود إلى الوراء، فلا يمكن تغيير حقيقة ما وقع، ﴿وثانيا أن إيمانهم المفاجيء مصطنع إذ لم يكن نتيجة نمو روحي ناتج من قناعة، ولا بنتيجة خيار حر، وإنما هو إلجاء بنتيجة ما حل بهم من كارثة: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)﴾ فمن سننه تعالى في الكون أن الإيمان لا قيمة روحية له إن لم يكن ناتجا عن قناعة داخلية أصيلة في النفس.

стр. 1682

سورة فصّلت - ٤١ - مكية ارتباط السورة بما قبلها ركّزت سورة غافر المتقدمة على استكبار المصرّين على الكفر، وزهوّهم وغرورهم بالباطل وبالأوهام وغلبة الهوى عليهم، وشعورهم بالاكتفاء الذاتي بما عندهم من العلم واستغنائهم عن القرآن: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [غافر / ٨٣٤٠]، ثمّ تبيّن سورة فصّلت أن تصميم الكفار على إنكار القرآن سببه إغلاق عقولهم سلفا، وعدم إعطاء أنفسهم الفرصة لدراسة القرآن دراسة جدية بلا تحيز فكري مسبق: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت ٥/ ٤١]، بل تجازوا ذلك إلى الصد عنه: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت / ٢٦٤١]، محور السورة تدور السورة حول أصالة القرآن الكريم من حيث أنه وحي إلهي مفصّل يستفيد منه منفتحو الذهن الذين لديهم استعداد لدراسة القرآن من حيث جدارته: ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾

стр. 1683

﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [/ ١٤١ - ٣]، غير أن المصرّين على الكفر يستبعدون سلفا مجرد التفكير في دعوة القرآن بل هم عاملون في الصد عنه: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ [/ ٥٤١]، حتى أنهم لا يكتفون بالصد عنه بل يتعمّدون تشويه معانيه والعمل على اللغو فيه: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [/ ٢٦٤١]، غير أنّ جهودهم لتشويه القرآن تذهب سدى، لأن الله تعالى تعهّد بأن لا يأتيه الباطل لا بشكل سافر ولا بشكل خفيّ مدسوس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [/ ٤١٤١ - ٤٢] وأن القرآن هدى وشفاء لما في الصدور من الشك والحيرة - لمن لديه استعداد لذلك - أمّا المصممون على إغلاق عقولهم سلفا فلا سبيل للوصول إليهم: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [/ ٤٤٤١]، فما الذي يمنعهم من دراسة القرآن دراسة جدية، بلا تحيّز مسبق، كي يوقنوا بمصدره الحقيقي، فمن لا يفعل ذلك لا ترجى هدايته: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [/ ٥٢٤١]، النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تأكيد على أن القرآن وحي إلهي: ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (١ - ٢)، مفصّل بوضوح لمنفتحي الذهن: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣)،

стр. 1684

﴿أما الذين استولت عليهم الغفلة والتشنج الفكري فيفوتهم - من ثمّ - فهم القرآن: ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ (٤)، بل هم مصممون على سلبيتهم فيصرحون بانغلاق فكرهم سلفا عن أية مفاهيم جديدة تناقض ما توارثوه وما اعتادوا عليه، ويترجمون ذلك إلى تحدّ للرسول وإلى عمل ضد الإسلام: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ (٥)، وقد أجابهم الرسول أنه مجرّد بشر يبلغهم أمر الوحي بالتوحيد والاستقامة والاستغفار عمّا سلف من ذنوبهم، وينذرهم بعاقبة الشرك، وأن الإيمان مرتبط بالزكاة - عمل الخير - وأنّ إنكار أيّ من الإيمان بالله أو الزكاة ليس سوى إنكار للمسؤولية الفردية ومن ثمّ فهو إنكار للآخرة وما يترتب على ذلك من عذاب: ﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاِسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٦ - ٧)، وبالمقابل لا ينقطع أجر من يؤمن ويعمل الخير: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٨)، وأنّ الكفار عمون عن خلق السماوات والأرض وما فيهما من إعجاز وقوانين وسنن باهرة، ولا يدركون أنّ مشيئته تعالى فيهما نافذة لا محالة، وهو سبب إصرارهم على الكفر والشرك: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ * ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ * فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٩ - ١٢)،

стр. 1685

﴿بل إنهم عمون عن أخذ العبر من مصير الأمم البائدة قبلهم: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿* فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ (١٣ - ١٦)، ومثل ثمود التي استحبت العمى على الهدي الإلهي فلاقت عاقبة أمرها: ﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٧)، في حين نجا المؤمنون الذي اتقوا العمل السيئ: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ (١٨)، ويوم الحساب لا يخفى على الله من أعمال المجرمين شيء: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ (١٩ - ٢٢)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً * اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء / ١٣١٧ - ١٤]، وأنّ من حسن الظن بالله أن يحسن المرء العمل، ومن سوء الظن بالله أن يتّبع الإنسان هواه ويتمادى ويسوّف ويتحدّث عن المغفرة فيهلك: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)﴾،
следующие страницы →