Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.
стр. 1681
غير أن إيمان أمثالهم المتأخر لا يفيد لسببين:
أولا أن عقارب الزمن لا تعود إلى الوراء، فلا يمكن تغيير حقيقة ما وقع،
﴿وثانيا أن إيمانهم المفاجيء مصطنع إذ لم يكن نتيجة نمو روحي ناتج من قناعة، ولا بنتيجة خيار حر، وإنما هو إلجاء بنتيجة ما حل بهم من كارثة: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (٨٥)﴾ فمن سننه تعالى في الكون أن الإيمان لا قيمة روحية له إن لم يكن ناتجا عن قناعة داخلية أصيلة في النفس.
стр. 1682
سورة فصّلت - ٤١ - مكية
ارتباط السورة بما قبلها
ركّزت سورة غافر المتقدمة على استكبار المصرّين على الكفر، وزهوّهم وغرورهم بالباطل وبالأوهام وغلبة الهوى عليهم، وشعورهم بالاكتفاء الذاتي بما عندهم من العلم واستغنائهم عن القرآن: ﴿فَلَمّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ [غافر / ٨٣٤٠]،
ثمّ تبيّن سورة فصّلت أن تصميم الكفار على إنكار القرآن سببه إغلاق عقولهم سلفا، وعدم إعطاء أنفسهم الفرصة لدراسة القرآن دراسة جدية بلا تحيز فكري مسبق: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت ٥/ ٤١]، بل تجازوا ذلك إلى الصد عنه: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت / ٢٦٤١]،
محور السورة
تدور السورة حول أصالة القرآن الكريم من حيث أنه وحي إلهي مفصّل يستفيد منه منفتحو الذهن الذين لديهم استعداد لدراسة القرآن من حيث جدارته: ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾
стр. 1683
﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [/ ١٤١ - ٣]، غير أن المصرّين على الكفر يستبعدون سلفا مجرد التفكير في دعوة القرآن بل هم عاملون في الصد عنه: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ [/ ٥٤١]، حتى أنهم لا يكتفون بالصد عنه بل يتعمّدون تشويه معانيه والعمل على اللغو فيه: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [/ ٢٦٤١]، غير أنّ جهودهم لتشويه القرآن تذهب سدى، لأن الله تعالى تعهّد بأن لا يأتيه الباطل لا بشكل سافر ولا بشكل خفيّ مدسوس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [/ ٤١٤١ - ٤٢] وأن القرآن هدى وشفاء لما في الصدور من الشك والحيرة - لمن لديه استعداد لذلك - أمّا المصممون على إغلاق عقولهم سلفا فلا سبيل للوصول إليهم: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [/ ٤٤٤١]، فما الذي يمنعهم من دراسة القرآن دراسة جدية، بلا تحيّز مسبق، كي يوقنوا بمصدره الحقيقي، فمن لا يفعل ذلك لا ترجى هدايته:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [/ ٥٢٤١]،
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تأكيد على أن القرآن وحي إلهي: ﴿حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ (١ - ٢)،
مفصّل بوضوح لمنفتحي الذهن: ﴿كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣)،
стр. 1684
﴿أما الذين استولت عليهم الغفلة والتشنج الفكري فيفوتهم - من ثمّ - فهم القرآن: ﴿بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ (٤)،
بل هم مصممون على سلبيتهم فيصرحون بانغلاق فكرهم سلفا عن أية مفاهيم جديدة تناقض ما توارثوه وما اعتادوا عليه، ويترجمون ذلك إلى تحدّ للرسول وإلى عمل ضد الإسلام: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ (٥)،
وقد أجابهم الرسول أنه مجرّد بشر يبلغهم أمر الوحي بالتوحيد والاستقامة والاستغفار عمّا سلف من ذنوبهم، وينذرهم بعاقبة الشرك، وأن الإيمان مرتبط بالزكاة - عمل الخير - وأنّ إنكار أيّ من الإيمان بالله أو الزكاة ليس سوى إنكار للمسؤولية الفردية ومن ثمّ فهو إنكار للآخرة وما يترتب على ذلك من عذاب:
﴿قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاِسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٦ - ٧)،
وبالمقابل لا ينقطع أجر من يؤمن ويعمل الخير: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ (٨)،
وأنّ الكفار عمون عن خلق السماوات والأرض وما فيهما من إعجاز وقوانين وسنن باهرة، ولا يدركون أنّ مشيئته تعالى فيهما نافذة لا محالة، وهو سبب إصرارهم على الكفر والشرك: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ * ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ * فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٩ - ١٢)،
стр. 1685
﴿بل إنهم عمون عن أخذ العبر من مصير الأمم البائدة قبلهم: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ * إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ ﴿* فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ (١٣ - ١٦)،
ومثل ثمود التي استحبت العمى على الهدي الإلهي فلاقت عاقبة أمرها:
﴿وَأَمّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٧)،
في حين نجا المؤمنون الذي اتقوا العمل السيئ: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ (١٨)،
ويوم الحساب لا يخفى على الله من أعمال المجرمين شيء: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللهِ إِلَى النّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ (١٩ - ٢٢)،
ونظيره قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً * اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء / ١٣١٧ - ١٤]،
وأنّ من حسن الظن بالله أن يحسن المرء العمل، ومن سوء الظن بالله أن يتّبع الإنسان هواه ويتمادى ويسوّف ويتحدّث عن المغفرة فيهلك: ﴿وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣)﴾،
стр. 1686
﴿ولا ينفع الندم في الآخرة إذ يطلبون فرصة دنيوية أخرى فلا يستجاب لهم:
﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ (٢٤)،
ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الأنعام / ٢٧٦ - ٢٨]،
وأنّ قرناء السوء - من شياطين الإنس والجن - يزيّنون للمسيئين أعمالهم ويحضّونهم على التمتع بمباهج الحياة - ما بين أيديهم - مطلقا بلا قيود ولا رادع أخلاقي، وينفون لهم حقيقة القيامة والحساب - ما خلفهم - حتى يكفروا بالآخرة أو يستبعدونها فيصبح لديهم شعور زائف بالأمان يؤدي بهم إلى الخسران:
﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ﴾ (٢٥)،
ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف / ٣٦٤٣]، وقوله تعالى على لسان الغافل مخاطبا قرينه في الآخرة:
﴿حَتّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [الزخرف / ٣٨٤٣]،
بل هم يجتهدون في الصد عن القرآن بزعم أنه من عند محمد أو أنه مقتبس عن الكتب السابقة أو نتيجة هلوسة، والسبب الحقيقي أنه يهدد نظرتهم المادية للحياة - ما بين أيديهم -: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَاِلْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢٦)،
ثم يذوقون عذاب الآخرة بسوء أعمالهم، وأسوأ العمل الصدّ عن القرآن، إذ لا يكتفون بكفرهم بل يجتهدون بنشر الكفر في غيرهم: ﴿فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾،
стр. 1687
﴿ويكون خلودهم في العذاب جزاء وفاقا لجحود ما أيقنت نفوسهم أنه حقّ:
﴿ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللهِ النّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ (٢٨)،
ونظيره قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل / ١٤٢٧]،
وبعد فوات الأوان يتبرّأ الكفار من قرناء السوء (الآية ٢٥) الذين زيّنوا لهم الدنيا وصدّوهم عن الإيمان بالآخرة: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاّنا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ (٢٩)،
والذين آمنوا بالله وحده، واستقاموا بعمل الخيرات، ينعمون بالسكينة وأنّ الله تعالى مولاهم في الدنيا والآخرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ (٣٠ - ٣٢)،
وأمّا دفع شرور الكفار - المشار إليها بالآية ٢٦ - فيجب أن يكون بالأحسن وليس بالمثل، والأحسن هو الدعوة إلى الله والقدوة الحسنة بالعمل الصالح:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ (٣٣ - ٣٤)،
ولا يستطيع ذلك إلاّ من يتحلّى بالصبر والحلم وكظم الغيظ عند الغضب، فيكون بسلوكه هذا ذا حظّ عظيم عند الله تعالى: ﴿وَما يُلَقّاها إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾،
стр. 1688
﴿ولأنه تعالى وحده العليم بما في صدور الناس ودوافعهم في الصدّ عن القرآن، فلا يستجيبنّ المؤمن لنزغ الشيطان في رد السيئة بمثلها، بل يستعيذ بالله منها:
﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣٦)،
وهنا تعود السورة لموضوع الدعوة إلى الإسلام المشار إليها بالآية (٣٣)، وأنّ المستكبرين عن إجابة الدعوة لا يضرّوا الله شيئا: ﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاُسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ * فَإِنِ اِسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ (٣٧ - ٣٨)،
وأن إحياء موتى القلوب من الكفار بيده تعالى وحده فلا ييأس المؤمن من هدي الآخرين بل يصبر ويدفع بالتي هي أحسن: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اِهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣٩)،
فالله تعالى أعلم بالكفار الملحدين (الآية ٢٦) الذين يحاولون تشويه معاني القرآن، لكنّ رحمته اقتضت إمهالهم ليوم الحساب لعلّ هنالك من يتوب منهم:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا أَفَمَنْ يُلْقى فِي النّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ اِعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤٠)،
ثم يحصد المصرّون على الكفر والمصرّون على الصدّ عن القرآن سوء عملهم:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ﴾ (٤١)،
وأن جهودهم في اللغو بالقرآن (الآية ٢٦) كما يفعل كثير من المستشرقين اليوم، باطلة، ولن تبلغ غايتها، لأنه تعالى حفظ القرآن من التحريف والتغيير والتبديل، فيستحيل أن يأتيه الباطل لا بشكل خفي ولا بشكل مكشوف: ﴿لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ وقالوا
стр. 1689
أنّ هذه الآية حجّة على مدّعي النسخ في القرآن الكريم، لأنّ النسخ إبطال، والآية تنصّ أن لا يأتيه الباطل.
﴿وقد زعم الكفار في الماضي، كما في الحاضر، أن القرآن من عند محمد ﷺ فأغلقوا عقولهم عنه (الآية ٥) والأمر ليس بجديد، فإنكار الوحي الذي نزل على الرسل تكرّر على لسان الكفار في الماضي: ﴿ما يُقالُ لَكَ إِلاّ ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ﴾ (٤٣)، والله تعالى يغفر للتائبين، ويلاقي المصرّون عاقبة كفرهم.
في حين أنّ القرآن شفاء من الشك والحيرة للمؤمنين ذوي الذهن المنفتح، وفي نفس الوقت هو عمى على المصرين على عدم السماع (الآيات ٥ و ٢٦) إذ لا يتيحون لأنفسهم فرصة لفهمه: ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُءَ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ (٤٤) والقرآن نزل بلسان عربيّ مبين لأن الله تعالى اختار العرب لحمل الرسالة للعالم أجمع فوجب أن يكون القرآن بلغتهم،
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [إبراهيم / ٤١٤].
وأن الاختلاف في الرأي والمعتقد مقصود في الخلق وليس مصادفة، إذ كرّم الله تعالى بني آدم بحرية الخيار لكي يستفيدوا - من تلقاء أنفسهم - من عقولهم ومن الوحي الذي نزل على الأنبياء، فليس من الضرورة أن يعاجل الكفار بالعقوبة في الدنيا: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (٤٥)﴾،
стр. 1690
﴿ولذا بإمكان الإنسان أن يعمل صالحا - لنفسه - أو سيئا فيعود الضرر عليه، وقد تتحقق العدالة في الدنيا، أما في الآخرة فهي تتحقق على أتم وجه: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٤٦)،
وأما علم الساعة والغيب فعنده تعالى وحده ما ينفي ادعاء المدّعين بحسابها معتمدين على شركاء موهومين: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السّاعَةِ وَما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنّاكَ ما مِنّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ (٤٧)،
ثم يقرّون يوم القيامة أن ما كانوا يدعون في الدنيا لم يكن سوى أوهام ومصالح دنيوية: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (٤٨)،
ومن الناس من يكثر الدعاء لنفسه بالخير فإذا لحقت به أقل مصيبة وقع في حالة من اليأس والقنوط الروحي: ﴿لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ﴾ (٤٩)،
ثمّ يظن أن ما يحصل عليه من نعم - بعد الشدّة - إنما استحقه بمجهوده الصرف لا غير، فتغلب عليه عقليته المادية حتى يشكك بوقوع الساعة والحساب، ولشدة غروره يزيّن لنفسه أنها لو وقعت يضمن أنّ مآله سيكون حسنا: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنّا مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي وَما أَظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ (٥٠)﴾ فيذوق الكفار العذاب بنتيجة حالة العمى الروحي التي كانوا عليها في دنياهم لقوله: ﴿وَمَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الإسراء / ٧٢١٧]
стр. 1691
﴿فمن أعمته المادة يتكبّر ويعرض عن الله في حال إقبال الدنيا عليه، ثمّ يدعوه في حال إدبارها: ﴿وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ﴾ (٥١)،
وهنا تعود السورة للنقطة التي بدأت منها (بالآية ٢) فتخاطب السورة الذين يتخبطون في الشك بين الحق والباطل، وبين مادية الدنيا وحتمية الآخرة، أن ينفوا الشكوك ويؤمنوا بالقرآن: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ (٥٢)،
وتختم السورة بالعودة إلى موضوع (الآيات ٥ و ٢٦ و ٤٤) فتحضّ المنكرين على التفكير في كون القرآن منزلا قبل وقوع العاقبة المترتبة على تشنجهم الفكري، وأنه تعالى سوف يريهم الآيات في أنفسهم وفي الآفاق من خلال تعميق إدراكهم لمعجزة خلق الكون ومزيد من الفهم للنفس البشرية حتى يتبين لهم وجود الخالق المدبّر: ﴿سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٥٣).
وفي حين أنهم يشكّكون في الساعة والحساب فإنّ الله تعالى محيط بهم وبأعمالهم، فلا شيء يذهب سدى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤)﴾.
стр. 1692
سورة الشورى - ٤٢ - مكية
اشتق اسم السورة من كلمة (الشورى) المذكورة بالآية (٣٨) بأنها من صفات المجتمع المسلم.
ارتباط السورة بما قبلها
اختتمت سورة فصّلت المتقدمة بنفي شكوك المشكّكين في أصالة القرآن:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت / ٥٢٤١]
ثم تفتتح سورة الشورى بتأكيد نزول الوحي على النبي ﷺ : ﴿حم * عسق * كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الشورى / ١٤٢ - ٣] وأنه استمرار لما سبق من نزول الوحي على الرسل: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ [الشورى / ١٣٤٢]،
وكان تركيز سورة فصّلت السابقة أن الكفار أصرّوا على الكفر لأنهم أغلقوا عقولهم سلفا عن محاولة فهم القرآن أو دراسته دون تحيز ذهني مسبق،
стр. 1693
بل هم عاملون في الصدّ عنه: ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ [فصلت / ٦٤١]،
ثم تبين سورة الشورى أن هنالك مغزى من حرية الخيار التي كرّم الله تعالى بها البشر: ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ [الشورى / ٦٤٢]، وأن لو شاء تعالى لجعل الناس كلهم على الإيمان:
﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [الشورى / ٨٤٢]،
محور السورة
تركيز السورة أنّ الوحي الذي نزل على الأنبياء واحد منذ الأزل: ﴿كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [/ ٣٤٢]، غير أنّ رسالة الإسلام غير مقتصرة على العرب بل هي عالمية للناس كافة: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [/ ٧٤٢]،
ومع ذلك فقد كرّم الله تعالى الناس بحرية الخيار: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ [/ ٨٤٢]، وأنّ الاختلاف بين الناس يحكم به الله يوم القيامة: ﴿وَمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ﴾ [/ ١٠٤٢]،
وأنّ من أهداف الرسالة الإسلامية تحقيق المودة بين الناس والأقرباء: ﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ [/ ٢٣٤٢]، وأنّ الشورى من صفات المجتمع المسلم:
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [/ ٣٨٤٢]، ومن صفات هذا المجتمع أنه لا يستكين ولا يخلد إلى الضعف، بل يدفع البغي بلا تجاوز، مع تفضيل العفو والإصلاح:
﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ * وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ [/ ٣٩٤٢ - ٤٠]، لكن الرسول -
стр. 1694
وبالأحرى غيره من البشر - ليس حفيظا على الناس: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ [/ ٤٨٤٢].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تبدأ السورة بالبيان أن الوحي السماوي الذي نزل على النبي استمرار للوحي الذي نزل على من قبله من الأنبياء والرسل: ﴿حم * عسق * كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١ - ٣)،
لأن الله تعالى المتصرّف بشؤون عباده لا يتركهم بلا هداية: ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (٤)،
وأن الملائكة تسبح بحمده وتستغفر للإنسان كونه ميالا للخطأ: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء / ٢٨٤]، فمن صفاته تعالى أنه الغفور الرحيم: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٥)،
ومن ثمّ فإن النبي، ومن باب أولى غيره من الناس، ليس وكيلا على المصرّين على الكفر أو الشرك، فالله تعالى هو الذي يحفظ عليهم أعمالهم ويحاسبهم عليها: ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٦)،
وأنّ القرآن، بخلاف الرسالات السابقة، نزل رسالة عالمية للبشر كافة:
﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾،
стр. 1695
﴿ولو شاء تعالى لجعل الناس أمة واحدة بأن ألجأهم إلى الإسلام طوعا أو قسرا، ولكنّ حكمته اقتضت تكريم الإنسان بحرية الخيار، فمنهم من يختار الهداية ومنهم من يظلم نفسه، ثم في النتيجة يلقى كل فرد عاقبة خياره: ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظّالِمُونَ ما لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (٨)،
وبإساءة استخدام حرية الخيار اتّخذ الكفار والمشركون لأنفسهم أولياء وهميين لا يقدرون على شيء: ﴿أَمِ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٩)،
وعلى المؤمنين بعد أن يستنفدوا إمكانات الحوار والإقناع والتفاهم مع الآخرين أن يتركوا الحكم لله يحكم به بينهم يوم القيامة (انظر الآية ١٥): ﴿وَمَا اِخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (١٠)،
لأن الله تعالى ليس كالأولياء المزعومين، بل مختلف عن كل ما يمكن للإنسان أن يتخيل أو يتصور أو يحدّد أو يقارن، وحتى كيفية وجوده ليست بوسع الفكر البشري: ﴿فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (١١)،
وهو وحده المهيمن على الخلق، يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر بحسب المصلحة: ﴿لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٢)،
وأن النبي ﷺ علم من خلال الوحي ما نزل عليه وعلى الأنبياء قبله من الدين الواحد، غير أنّ استكبار المشركين واعتدادهم بالشركاء المزعومين أدّى بهم إلى التفرّق شيعا رغم أن دعوة الأنبياء واحدة لقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران / ١٩٣]:
стр. 1696
﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (١٣)، وفي ذلك عودة لموضوع (الآية ٣)،
﴿وأنّ تفرق أتباع الأديان السماوية طوائف وشيعا، كل حزب بما لديهم فرحون، سببه البغي وحب الدنيا والتعصّب للأفكار المتوارثة وعدم الاستفادة من حرية الفكر التي أكرمهم بها تعالى بأن أجّل القضاء بينهم إلى يوم الدين، حتى أن الذين توارثوا التوراة والإنجيل بعد موسى وعيسى وصلوا إلى حد التشكيك بالوحي: ﴿وَما تَفَرَّقُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (١٤)، انظر أيضا آية [المؤمنون / ٥١٢٣ - ٥٢].
فلذلك لزم الدعوة إلى التوحيد، مع الاستقامة والقدوة الصالحة في العمل، والإيمان بالأنبياء والعدل بين الناس والتسامح، والتأكيد بأن المسؤولية فردية فكل إنسان يحاسب على عمله، واستبعاد التشنج الفكري، والإيمان أن الفصل بين الناس يكون يوم الحساب: ﴿فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاِسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (١٥)،
أما الكفار الذين يحاجّون في رسالات الله بالباطل، أو في صفاته وأسمائه ممّا هو في علم الغيب، ويجادلون المؤمنين المستجيبين لله ورسوله ليصرفوهم عن سبيل الهدى فإن جهودهم تذهب سدى، وتؤدي بهم إلى أسوأ العواقب:
﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ ما اُسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦)﴾،
стр. 1697
﴿لأن الله تعالى أنزل الوحي على الأنبياء والرسل مبيّنا للناس معايير الصواب من الخطأ، وموضحا أسس العدالة، ثم يكون الحساب يوم وقوع الساعة: ﴿اللهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ (١٧)،
وفي حين يتهكم الكفار باستعجال الساعة كونهم منكرين لها بلا برهان يقيني، فإن المؤمنين في رهبة من وقوعها إذ بها تتحقق العدالة والثواب والعقاب:
﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (١٨)،
غير أنه تعالى يلطف بعباده إذ يمهلهم ولا يعاجلهم، ويظهر مناقبهم ولا يكشف مثالبهم، وفي الحديث: "يا من أظهر الجميل وستر القبيح"، وهو يرزق من يشاء بحسب المصلحة فلا ينازعه في ذلك أحد: ﴿اللهُ لَطِيفٌ بِعِبادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ (١٩)،
ومن لطفه تعالى بعباده أنه يرزق المؤمن والكافر على السواء بحسب سننه في الكون، ولكن الحياة الدنيا ليست نهاية المطاف فلا تتحقق العدالة بالكامل إلا في الآخرة: ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (٢٠)،
ما يؤدي بالكفار إلى الغرور والانهماك في الدنيا والمادة حتى تصبح المادية دينا لهم ومقياسا لم يأذن به الله، في حين اقتضت المشيئة الإلهية أن تكون الحياة الدنيا مرحلة أولى فقط من الحياة الكاملة: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ ما لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢١)،
وعندها تقع بالظالمين عواقب ما كسبوا من السيئات، ويتمتع المؤمنون الذي عملوا الصالحات بحياة هانئة كنتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم من الهدى:
стр. 1698
﴿تَرَى الظّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ (٢٢)،
﴿وأن النبي لا يسأل المؤمنين أجرا على الرسالة سوى تحقق المودة والمحبة بين بعضهم البعض: ﴿ذلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللهُ عِبادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ (٢٣)،
ومع ذلك فإنّ الكفار في كل زمان يدّعون أنّ النبي افترى الرسالة، فلو كان الأمر كذلك لما أنزل تعالى عليه القرآن المعجز، بل على النقيض من ذلك فإنه ثبّت الإسلام بنزول القرآن منجّما على لسان نبيّه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٢٤)،
وفيه قبول توبة العباد وإحاطة علمه تعالى بهم: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ﴾ (٢٥)،
وفيه من الإعجاز والعبر ما يستجيب له ذوو الفطرة السليمة والعقول النيّرة، في حين ينكره من فسدت فطرته وتشنّج فكره على التقليد المتوارث:
﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ﴾ (٢٦)،
وأن العبرة من بسط الرزق في الحياة الدنيا بالقدر المحدد تتضح تماما في الآخرة عندما يجمع الخلائق وتتحقق العدالة على أكمل وجه: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ (٢٧)،
ومن الرزق تنزيل الغيث على العباد القانطين: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)﴾،
стр. 1699
﴿وأن آيات الخلق تشير إلى وجود الخالق وإلى وجود مغزى من الحياة ومن ثمّ البعث: ﴿وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ﴾ (٢٩)، انظر آية [الطلاق / ١٢٦٥]، وما بها من إشارة إلى تعدد الخلق في الأكوان،
ومن ذلك أن الإنسان يحصد نتيجة عمله السيئ فيلقاه إن في الدنيا أو في الآخرة، وأنه تعالى يعفو عن الكثير من العصاة فلا يعاجلهم: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣٠)،
وهو محيط بهم لا يفوته منهم شيء: ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (٣١)،
والآيات محيطة بهم من كل جانب ليدّبروا، فهنالك السفن الجارية بفعل الرياح: ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ (٣٢)،
فإذا سكنت الريح ظلّت السفن راكدة بلا حراك: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ﴾ (٣٣)،
وقد يهلكها تعالى بمن فيها بالريح العاصفة، وبما كسب أهلها من الذنوب، مع سبق عفوه تعالى عن الكثير من ذنوبهم: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣٤)،
أما المصرّون منهم فمصيرهم المحتوم إلى العذاب والدمار الروحي، فينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِنا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ (٣٥) أي إنهم يجادلون في مصداقية الوحي أو إمكانية حدوثه مطلقا أو في الوحدانية والبعث والحساب، ثم يوقنون بعد فوات الأوان أن لا مهرب لهم من الحقيقة.
وأنّ ما اغترّوا به من متاع الدنيا زائل، ويبقى للمؤمنين رضوان الله ونعيمه دائمين: ﴿فَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ وَأَبْقى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾،
стр. 1700
﴿وهم المؤمنون الذين من صفاتهم اجتناب الكبائر والفواحش، ومن صفاتهم التسامح عند الغضب، وإقامة الصلاة والإنفاق، واعتماد الشورى في شؤونهم، ولا يخلدون ويستكينون إلى الضعف، بل يدفعون البغي عن أنفسهم: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ (٣٧ - ٣٩)،
أمّا من يتجاوز الحد في ردّ السيئة - البغي - فيكون قد ارتكب سيئة مثلها ويصبح باغيا بدوره، ولذا لا يحب الله المتجاوزين في الانتقام والعدوان، في حين يؤجر من يعفو ويصلح: ﴿وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ (٤٠)،
غير أن العفو ليس إلزاميا فهو راجع إلى صاحب الحق، والعفو دليل على السمو الروحي والأخلاقي لصاحبه، أمّا إن اختار الانتصار لنفسه بلا تجاوز فلا إشكال عليه: ﴿وَلَمَنِ اِنْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٤١)،
ويؤاخذ تعالى الظالمين البغاة المفسدين في الأرض فيعاقبهم إن في الدنيا أو في الآخرة: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤٢)،
وهنالك الصبر والمغفرة الناتجين عن ارتفاع الفرد وسموّه عن نوازع الانتقام:
﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (٤٣)،
وأن على الظالمين أن يستجيبوا لله قبل فوات الأوان: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظّالِمِينَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)﴾،
стр. 1701
﴿والمصرّون منهم يحاولون أن يستخفوا من العذاب المقيم حين يعرضون عليه، في حين يرى المؤمنون تحقق الخسران ليس للظالمين الطغاة فقط وإنما لأتباعهم - أهليهم - أيضا: ﴿وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ﴾ (٤٥)،
فلا يكون بمقدرة الطغاة نصرة أنفسهم، ناهيك عن نصرة أتباعهم: ﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ فمن يختار الكفر والطغيان يخليه الله لنفسه فلا يمنحه الهداية: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (٤٦)،
والعاقل يستجيب لربّه قبل الفوات، على النقيض ممّن يظلم نفسه فلا ينفعه في الآخرة إنكار ما قدّمت يداه: ﴿اِسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللهِ ما لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَما لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ (٤٧)،
لكن الرسول ليس حفيظا على المعرضين الذين جعلوا مادية الدنيا مبلغ همّهم ومبتغاهم، فما على الرسول إلا البلاغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ (٤٨)،
وأن الإنسان يطغى عند حصول النعم فينسب حصولها إلى مهارته وذكائه، أما إذا أصابه البلاء فيكفر ويشكك بالعدالة الإلهية ناسيا أن كل شيء يسير وفق السنن الإلهية وبعلاقة المسببات بأسبابها وبالتالي ما قدّمت يداه من سوء:
﴿وَإِنّا إِذا أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً فَرِحَ بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسانَ كَفُورٌ﴾ (٤٨)،
وأن الحكمة الإلهية من وهب ذرية الأناث أو الذكور أو كلاهما للبعض، أو جعل البعض الآخر عقيما، من أسباب السعادة أو عدمها، خافية على معظم الخلق: ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ ما يَشاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً﴾
стр. 1702
﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ * أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (٤٩ - ٥٠)،
﴿ثم تعود السورة لموضوع المعرضين المشككين بالوحي، المشار لهم بالآية (٤٨)، فتحدد هذه الآية أن الله تعالى يوحي للبشر بثلاث وسائل لا غير: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٥١)،
وهكذا أوحى تعالى إلى النبي ﷺ عن طريق جبريل، فتختم السورة بالموضوع الذي بدأته (الآيات ١٣، ٧، ٣) أنه تعالى أوحى للرسل من قبل، كما أوحى بالقرآن الكريم إلى النبي فجعله نورا يهتدي به من يشاء الهداية (الآية ٨) إلى صراط الله الذي تصير إليه الأمور في الدنيا والآخرة: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ (٥٢ - ٥٣).
стр. 1703
سورة الزخرف - ٤٣ - مكية
ارتباط السورة بما قبلها
هنالك ارتباط واضح بين أواخر السورة السابقة في قوله تعالى: ﴿وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى / ٥٢٤٢]، وبداية هذه السورة تصف النور أنه كتاب عربي مبين تستسيغه العقول: ﴿حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الزخرف / ١٤٣ - ٣].
وبعد أن بينت سورة الشورى المتقدمة عالمية رسالة الإسلام: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾ [الشورى / ٧٤٢]، وحدّدت صفات المجتمع المسلم ومنها الشورى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى / ٣٨٤٢]، ودفع البغي دون تجاوز: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى / ٣٩٤٢]، وأن ما على المسلمين سوى البلاغ: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ [الشورى / ٤٨٤٢]،
تنتقل سورة الزخرف لبيان بعض الأسباب التي أدت إلى إعراض المعرضين عن الرسالة الإسلامية، ومن ذلك الشرك: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [الزخرف / ١٥٤٣]، والتقليد: ﴿بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا﴾
стр. 1704
﴿عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف / ٢٢٤٣]، وظلم العقل وحب الدنيا وتغليب الهوى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف / ٤٠٤٣]،
محور السورة
إن الله تعالى لم يكن ليترك البشر على جهلهم وشركهم وإسرافهم دون إنزال القرآن عليهم لعلهم يذّكرون ويستخدمون عقولهم بالشكل السوي:
﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ [/ ٥٤٣]، ثم يكاد يكون تركيز السورة بكامله على دحض الشرك بكل أشكاله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ [/ ١٥٤٣]، وذم التقليد الذي يتمسك به المترفون خوفا على امتيازاتهم: ﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [/ ٢٣٤٣]،
ولولا أن يطغى الناس فيصبحوا أمة واحدة على الكفر لأغدق الله تعالى على عباده من متاع الدنيا ما لا يوصف: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ * وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [/ ٣٣٤٣ - ٣٥]،
ولكنّ الطغاة يستخفّون بعقول أقوامهم: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ [/ ٥٤٤٣]، وأكثر الناس كارهون للحق يفضلون الأهواء عليه: ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ [/ ٧٨٤٣]، فما على المؤمنين تجاه ذلك، بعد استنفاد محاولات الحوار والإقناع، سوى الصبر على المصرّين على الكفر والصفح عنهم وترك حسابهم على الله: ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [/ ٨٨٤٣ - ٨٩].
стр. 1705
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تبدأ السورة بالإشارة للكتاب المبين الذي جعله تعالى قرآنا عربيا لعل العرب الذين هم واسطة الوحي، والناس من بعدهم، تعمل عقولها في مضمونه: ﴿حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١ - ٣)،
وأن القرآن الكريم من منبع الوحي وأصله، وأنه عال على الكتب المنزلة قبله كونه ناسخا لها ومهيمنا عليها، انظر آيات [البقرة / ١٠٦٢] و [المائدة / ٤٨٥]، وقيل علوّه في علوّ المنزلة التي يمكن للإنسان أن يصل إليها من خلاله، وهو أيضا حكيم أي محكم، أو ذو حكمة بالغة: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (٤)،
ولذا فإنه تعالى لم يكن ليدع الناس يتخبطون في ضلالهم وإسرافهم دون إنزال القرآن عليهم فيدلّهم على الطريق السوي: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ (٥)،
وأن القرآن الكريم لم يكن أول الرسالات السماوية: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ (٦)
إذ طالما بعث الله تعالى الرسل إلى الناس فكان دأبهم الاستهزاء بهم كما يفعل العابثون في كل وقت بدلا من التعقل والتفكير بمضمون الرسالة: ﴿وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٧)
فكان أن نزل الهلاك بمن هم أشد بطشا من المكذّبين المشار لهم بالآية ٥ وكانوا عبرة لمن يعتبر: ﴿فَأَهْلَكْنا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٨)
وأنّ أكثر الضالّين مقرّون بأنّ الله خالق الكون، ولكن مشكلتهم تكمن في الشرك، انظر آية [يوسف / ١٠٦١٢]، في حين أنّ إقرارهم بأن الله وحده خالق
стр. 1706
الكون إقرار منهم بعجز الشركاء: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (٩)،
﴿والآيات الكونية الدالة على وحدة الخالق لا تحصى، وهي بادية في انسجام الخلق: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ تُخْرَجُونَ * وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعامِ ما تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اِسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَما كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنّا إِلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ﴾ (١٠ - ١٤)،
ومع ذلك فهم مصرّون على الشرك بما فيه من استخفاف بالعقل، فمنهم مّن يدّعي أن المسيح ابن الله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ﴾ (١٥)،
ومنهم من يدّعي أنّ الملائكة بنات الله كما فعل مشركو قريش: ﴿أَمِ اِتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ (١٦)،
ومن السخرية أنهم لا يرضون بالبنات لأنفسهم: ﴿وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (١٧)،
ويزعمون أنّ الإناث خلقت للزينة لا غير، وأنها غير مؤهلة للنقاش: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (١٨)،
وزعموا، ظنّا وتخرّصا، أنّ الملائكة من جنس الإناث: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ﴾ (١٩)
كما زعموا، بلا علم يقيني، أنهم مجبرون غير مخيّرين فيما هم عليه من الضلال: ﴿وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ ما عَبَدْناهُمْ ما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾،
стр. 1707
﴿مع أنّ العقل والنقل معا يبطلان زعمهم: ﴿أَمْ آتَيْناهُمْ كِتاباً مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ (٢١)،
ولكنّهم عطّلوا عقولهم وتمسّكوا بتقليد الآباء والأجداد: ﴿بَلْ قالُوا إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٢٢)،
وقد تكرر التقليد والتمسك بالمتوارثات الزائفة، وإضفاء القداسة على فكر الآباء، لدى المجتمعات المترفة خاصة، لأن من شأن الترف أن يؤدي بصاحبه إلى الجمود الفكري بنتيجة تجاهل القيم الروحية والأخلاقية خوفا من التغيير الاجتماعي الذي قد يلغي امتيازاته: ﴿وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (٢٣)، راجع آية [هود ١١٦/ ١١].
وهم مصممّون سلفا على الرفض وعلى الجمود الفكري قبل النظر في الأفكار الجديدة التي نزل بها الوحي وقبل دراستها من حيث مصداقيتها وجدارتها: ﴿قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ (٢٤)، انظر آية [الأنبياء ٢/ ٢١]،
ومن شأن مثل هذا الجمود الفكري أن يؤدي بأصحابه إلى الهلاك:
﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢٥)،
وتضرب السورة مثلا على ذلك بعثة إبراهيم ﵇ إلى قومه إذ أدرك بفطرته السليمة ضحالة التقليد المتوارث عندما يتعارض مع العقل السليم ومع الوحي الصحيح: ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ (٢٦)﴾، وقصة بحث إبراهيم عن الحقيقة مذكورة بالتفصيل في آيات: [الأنعام ٧٤/ ٦ - ٨٣] و [الأنبياء ٥١/ ٢١ - ٦٧].
стр. 1708
﴿فكان يقين إبراهيم بالهداية الإلهية نابعا من فطرته السليمة: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ (٢٧)،
ثم جعل تعالى كلمة الإسلام باقية في ذرية إبراهيم لعلهم ينبذون التقليد ويرجّحون العقل: ﴿وَجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢٨)،
ولم يكن تعالى ليحاسب الناس على ضلالهم قبل أن يبين لهم الصواب من الخطأ، والخير من الشر، فأنزل القرآن على لسان رسوله محمد ﷺ : ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتّى جاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ﴾ (٢٩)،
فلما انبهرت به قريش زعمت من إعجازه أنه سحر: ﴿وَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ قالُوا هذا سِحْرٌ وَإِنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ (٣٠)،
ولشدة ترفهم زعموا أن لو كان هذا القرآن وحيا إلهيا لكان الأجدر به أن ينزل على رجل عظيم من وجهاء مكة أو الطائف، لا على رجل مثل محمد ليس له من الثروة ولا الزعامة في قومه: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (٣١)،
مع أنه تعالى قسم المعايش بين الناس وجعل من سنن الحياة ونظامها أن يكون كل فرد مسخّر للآخر، فليس أحد مستغنيا عن أحد، فمن باب أولى أن ليس بطاقتهم ولا من اختصاصهم تحديد منصب النبوة، وأن رحمته تعالى التي يختصّ بها بعض عباده في الدين خير من أموال الدنيا الفانية التي يحرص الآخرون على جمعها: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾، وفي العبارة: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ﴾ التي تكررت مرتين في الآية إشارة لقوله: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧/ ٢١]، وإشارة للوحي القرآني: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾
стр. 1709
[الدخان ٦/ ٤٤]، وقد وردت عبارة ﴿رَحْمَةً﴾ بمعنى الوحي الإلهي في أربع آيات من سورة هود: هود [٧٣/ ١١، ٦٣، ٢٨، ١٧]،
﴿وأنّ الإنسان خلق ضعيفا [النساء ٢٨/ ٤] تعميه الدنيا والمادة والثراء الفاحش عن الحياة الروحية والأخلاقية فيزداد جشعا وأنانية وقسوة، ولولا أن يغتر البشر بالدنيا فيصبحوا جميعا أمة واحدة على الكفر لبسط الله لهم متاع الدنيا وزخرفها: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ﴾ (٣٣ - ٣٤)،
فلا يكون ذلك لهم سوى متاع الحياة الدنيا في حين أنّ حسن الختام في الآخرة يكون للمتقين: ﴿وَزُخْرُفاً وَإِنْ كُلُّ ذلِكَ لَمّا مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٣٥)،
وأن الغفلة عن (ذكر الرّحمن)، أي القرآن، تفتح الأبواب للشيطان ليدخل حياة الإنسان ويتحكم بها، وقالوا أن الله تعالى يعاقب على المعصية بمزيد من اكتساب السيئات: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ (٣٦)، وذلك اتصال المعنى مع الآية ٣٣ لأن من حصل على الجاه والمال الكثير غفل فصار كالأعشى أي الأعمى عن ذكر الله، وقد تحدّث القرآن الكريم عن شياطين الإنس والجن [الأنعام ١١٢/ ٦].
فالشياطين يصدّون الغافلين عن السبيل الصحيح، في حين يحسب الغافلون أنهم مهتدون: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣٧)،
ثم يوم الحساب يتمنى الغافل أو الكافر لو كان بينه وبين قرين السوء مسافة بعيدة جدا كبعد المشرقين المتتالين بعضهما عن بعض: ﴿حَتّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾،
стр. 1710
﴿فماذا يفيد أحدهما الآخر أن يؤول مصيرهما معا إلى العذاب: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (٣٩)،
وأن من أصمّ أذنيه عن سماع الحقيقة وأغلق عينيه عن نورها لا يمكن هديه:
﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كانَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٤٠)،
ومع ذلك كان لا بدّ أن تظهر رسالة الإسلام قبل أو بعد رحيل النبي ﷺ ثم يؤول مصير الجاحدين إلى العذاب: ﴿فَإِمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ﴾ (٤١)،
وقد يشاهد النبي تحقق ذلك في حياته، وقد لا يشاهده، وفي جميع الأحوال فإنّ قدرة الله تعالى محيطة بالكفار: ﴿أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ (٤٢)،
وذلك مدعاة للصمود تجاه الكفار والتمسّك بالوحي، لأنه يؤدي إلى السلام والرضوان: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٤٣)،
وأن القرآن الكريم ذكر أو تذكير للناس بالحقيقة المطلقة وبالميثاق، انظر آية [الأعراف ١٧٢/ ٧]، وأنهم بعد نزول القرآن صاروا في موقع المسؤولية حيث لا ينفع الادعاء بالجهل: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ (٤٤)، انظر أيضا آية [الأنبياء ١٠/ ٢١]،
ثم تحضّ السورة النبي - وبالتالي كلّ فرد - على النظر فيما سبق من بعث الرسل وما كان في رسالاتهم من الدعوة للتوحيد ونبذ الشرك: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (٤٥)،
وتضرب السورة مثلا ببعثة موسى إلى فرعون، والقصة مثال أيضا على ما ورد في الآيات (٢٣ و ٣٣ - ٣٧) أنّ من شأن الترف أن يؤدي بأصحابه إلى
стр. 1711
الجمود الفكري خوفا من التغيير الاجتماعي الذي قد يلغي امتيازاته: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤٦)،
﴿فقابل فرعون وقومه الآيات بالاستهزاء والضحك: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ﴾ (٤٧)،
وتتالت الآيات وازداد الضغط على آل فرعون لعلهم يرجعون إلى معرفة الله وإلى الفطرة السليمة: ﴿وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٤٨)،
حتى أدركوا أنّ هنالك قوة خفيّة، لا يملكون معرفتها، تدعم موسى فنسبوها، لشدة ضلالهم، إلى ما اعتادوا عليه من السحر، وبعد أن تحملوا من العذاب فوق طاقتهم أذعنوا لموسى: ﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا السّاحِرُ اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ﴾ (٤٩)،
وسرعان ما ارتكسوا إلى وثنيتهم لأن قناعتهم الفكرية والروحية برسالة موسى لم تكن جدية: ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ (٥٠)،
واستبدت بفرعون رغبته المحافظة على ملكه وسلطانه فجعل يستجدي الثقة ممّن حوله مشيرا إلى نظام الري الرائع الذي اشتهرت به مصر في عهده:
﴿وَنادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قالَ يا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٥١)،
وقارن سلطانه ومركزه مع ضعف موسى ورسالته التي لم تبد مقنعة له: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ (٥٢)،
فأين فرعون وكنوزه وترفه من فقر موسى الذي لا يملك شيئا، وأين الملائكة لتشهد على صدق رسالته: ﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾،
стр. 1712
﴿وهكذا كان الاستخفاف بعقول الناس وتفضيل الهوى سببا للفشل في تقييم الرسالة السماوية من حيث مضمونها وكفاءتها: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ (٥٤)،
ثم الهلاك نتيجة طبيعية لمن يتحدّى الرسالة السماوية: ﴿فَلَمّا آسَفُونا اِنْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٥٥)،
فأصبحوا من الماضي المنصرم ومثلا للمترفين من بعدهم: ﴿فَجَعَلْناهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِلْآخِرِينَ﴾ (٥٦)، انظر الآيات (٢٣ - ٢٥).
وهنا تعود السورة لمغزى آخر من معاني (الآية ٤٥) فقد ضجّ كفار قريش بأن المسيحية يؤلهون ويعبدون عيسى ابن مريم ومع ذلك فالقرآن يصفهم بأنهم أهل كتاب: ﴿وَلَمّا ضُرِبَ اِبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ (٥٧)،
وقالوا، لمجرد الخصومة وقياس الباطل بالباطل، كما ذكر الزمخشري، لماذا لا نعبد الملائكة (الآية ٢٠) ما دام أنّ النصارى يعبدون عيسى، فالملائكة أحقّ أن تعبد بزعمهم ما دام أن عيسى بشر كما هو مذكور في (الآية ٥٩)، والملائكة فوق جنس البشر: ﴿وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ * إِنْ هُوَ إِلاّ عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (٥٨ - ٥٩)،
ولو شاء تعالى لجعل من الناس ملائكة يخلفون بعضهم بعضا في الأرض، فما هو وجه اعتبار الملائكة فوق جنس البشر وعبادة قريش لها: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ (٦٠)،
وبعد ضرب المثل بموسى وعيسى (الآيات ٤٦ - ٦٠) تعود السورة لصفة أخرى من صفات القرآن الكريم المشار له في (الآية ٤٤)، وهي أنه دليل على حتمية وقوع الساعة والحساب، وبالتالي يكون الإنسان مسؤولا يومها تجاه
стр. 1713
الخالق وحده فوجب لذلك اتباعه دون غيره: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاِتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٦١ - ٦٢)،
﴿وتلك فحوى رسالة عيسى بالتوحيد ونفى الشرك: ﴿وَلَمّا جاءَ عِيسى بِالْبَيِّناتِ قالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٦٣ - ٦٤)،
ولكنّ المسيحيين الذين ضلّوا في اتّباعه تفرقوا أحزابا من بعده بلغ عددها اليوم حوالي/ ٢١٠٠٠ /طائفة مسيحية مختلفين في حقيقة رسالته، وأكثرهم يؤلهونه: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (٦٥)،
فماذا ينتظرون، قبل أن تباغتهم الساعة، كي يصححوا مسارهم ويستجيبوا لدعوة الإسلام لهم: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٦٦)، انظر آية [آل عمران ٦٤/ ٣]،
فمن هم على المسيحية أخلاّء في الدنيا، والأخلاّء جمع خليل، لكنهم في الآخرة يصبحون أعداء لبعضهم البعض لأنهم أضلّوا بعضهم بعضا، فالذي ضلّ - من الرعية - يصبح عدوا لمن أضلّه - من الكهنة -، والذي أضلّه - من الكهنة - يعادي الضالين لكونه يحمل أوزار ضلالهم، وهذه الآية عامة بمعنى أن الخلّة في الدنيا إن كانت على المعصية والكفر صارت عداوة يوم القيامة، كما في آية [العنكبوت ٢٥/ ٢٩]، أمّا المتقون المتحابّون في الله الذين يخالل بعضهم بعضا على الإيمان والتقوى والنصح فإن خلّتهم تبقى يوم القيامة: ﴿الْأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾،
стр. 1714
﴿فيخاطب تعالى المتقين بقوله: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ * اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ * يُطافُ عَلَيْهِمْ بِصِحافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوابٍ وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيها خالِدُونَ * وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * لَكُمْ فِيها فاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْها تَأْكُلُونَ﴾ (٦٨ - ٧٣)،
وتكون حال المجرمين على النقيض من ذلك: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا هُمُ الظّالِمِينَ﴾ (٧٤ - ٧٦)،
ولشدة يأسهم يتمنون الموت فلا يأتيهم: ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ﴾ (٧٧)
والسبب أنهم كرهوا الإسلام والقرآن في حياتهم، ورفضوا التوحيد الذي دعاهم إليه عيسى من قبل (الآية ٦٤)، وهنا تعود السورة إلى النقطة التي بدأت منها في (الآية ٥): ﴿لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ (٧٨)،
وقد أصرّوا على تأليه عيسى وناقضوا ما جاء به القرآن، فهل كانوا يظنون أن بإمكانهم تكييف الحقيقة على هواهم: ﴿أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنّا مُبْرِمُونَ﴾ (٧٩)،
ثم تشير السورة من طرف خفي إلى استغراق المسيحية عبر القرون في النقاش حول "طبيعة" عيسى وتأليهه والزعم أنه ابن الله خلافا للنصرانية الصحيحة: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ بَلى وَرُسُلُنا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٨٠)،
وأن الرسول ﷺ أول العابدين للرحمن وحده ناقضا زعمهم أن المسيح إله أو ابن الله: ﴿قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١)﴾ أي أوّل العابدين
стр. 1715
للرحمن، إذ في الخطاب محذوف وتقديره: (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ - ويستحيل أن يكون ذلك - فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ - للرحمن -).
﴿فتنزّه تعالى عمّا يدّعون له من الذرية: ﴿سُبْحانَ رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمّا يَصِفُونَ﴾ (٨٢)،
وما على المؤمن - بعد استنفاد محاولات الحوار والإقناع معهم - سوى أن يذرهم لحرية خيارهم وما يخوضون فيه من ابتداع نظريات لاهوتية بحسب ما قرروه في مؤتمر نيقية في سنة ٣٢٥ م وفي المؤتمرات المسكونية بعده، فيتركهم حتى يحين حسابهم: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ (٨٣)،
فالله تعالى وحده إله السماوات والأرض، بخلاف ما زعموا أنّ المسيح تجوّل في الأرض متقمصا شخصية إله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * وَتَبارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَعِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٨٤ - ٨٥)،
وأنّ من يدّعون فيهم الشفاعة لا يملكون شيئا، كزعمهم أن المسيح افتدى خطاياهم بالنيابة: ﴿وَلا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفاعَةَ إِلاّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٨٦)،
وهم مع كل ذلك مقرّون أن الله وحده خالقهم، فمن العجب أن يصرفوا إلى الشرك وينكروا القرآن: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٨٧)،
وأن على الرسول - والمؤمنين من بعده - ألا يتحسروا عليهم بل يتركوا المصرّين منهم لشأنهم ويصفحوا عنهم حتى يوم الحساب: ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٨٨ - ٨٩).
стр. 1716
سورة الدخان - ٤٤ - مكية
هذه السورة الخامسة من سور الحواميم السبعة واشتق اسمها من ورود كلمة الدخان بالآية (١٠) إشارة لقيام الساعة،
ارتباط السورة بما قبلها
بعد أن بينت سورة الزخرف المتقدمة أن الله تعالى لم يكن ليترك البشر على جهلهم وشركهم وإسرافهم دون إنزال القرآن عليهم لعلهم يهتدوا ويستخدموا عقولهم بالشكل السوي: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف ٥/ ٤٣]،
تبيّن سورة الدخان أن للحياة الدنيا مغزى، في حين يظنونها لهوا ولعبا:
﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان ٩/ ٤٤]، ويتضح مغزاها من كونها مرحلة أولى لا تكتمل العدالة بها إلاّ بتحقق البعث والحساب في الحياة الآخرة: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان ٣٨/ ٤٤ - ٣٩]، ممّا يضع الإنسان أمام مسؤولياته الأخلاقية: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان ٥٩/ ٤٤]،
стр. 1717
وفي سورة الزخرف قصة موسى مع فرعون [الزخرف ٤٦/ ٤٣ - ٥٦]، ثمّ في سورة الدخان بعثة موسى إلى فرعون مع إبراز عبر جديدة منها، ثمّ جانبا من بعثته إلى بني إسرائيل [الدخان ١٧/ ٤٤ - ٣٧].
محور السورة
بلوغ الوحي الإلهي ذروته بنزول القرآن الكريم: ﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ [٥/ ٤٤]، ومع ذلك فالكثير من الناس بين الشك واليقين: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [٤٤ - ٩]، فلا يستفيدون من فرصة التوبة: ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ [١٥/ ٤٤]، بل ينكرون الآخرة والمسؤولية الأخلاقية والحساب: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [٣٥/ ٤٤]، مع أنّ الحياة ذات معنى وهدف رغم جهل الأكثرية بذلك: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [٣٨/ ٤٤ - ٣٩]، وقد أنزل تعالى القرآن بلسان النبي ﷺ لعلّ البشر يفقهون الحقيقة قبل فوات الأوان: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ [٥٨/ ٤٤ - ٥٩].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تشير السورة إلى بدء نزول القرآن الكريم في ليلة القدر من رمضان، وختم الرسالات السماوية التي ما فتئت تنزل على البشر منذ بدء الخليقة، تعرّفهم بوجود الخالق وبمسؤوليتهم الأخلاقية وبيان ما يحتاجونه في دينهم ودنياهم، وتنذرهم من الانغماس في المطامع المادية: ﴿حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ (١ - ٣)،
стр. 1718
﴿وفي ليلة القدر اكتملت الرسالات، وبلغ الوحي ذروته بنزول القرآن الكريم، فظهر الفرق بين الحق والباطل واضحا ولذا سمّي القرآن فرقانا: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٤)،
أمرا من عند الله بتتابع الرسالات وختمها بالقرآن: ﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ (٥)
وفي نزول القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب رحمة منه تعالى، العالم بمصالح عباده والسميع لدعائهم، لا يتركهم في حيرة بين الحق والباطل:
﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦)، وشبيه به قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧/ ٢١]،
وذلك هو الأمر الذي يقطع الشك باليقين: ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٧ - ٨)
لكنهم على النقيض من اليقين يترددون بين الإيمان والكفر، بل هم في شك من الوحي يصل بهم إلى مستوى اللعب والعبث: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ (٩)
فهل ينتظر العابثون مجيء الساعة والعذاب حتى يوقنوا: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٠ - ١١)
ويعلنوا إيمانهم بعد الفوات: ﴿رَبَّنَا اِكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ﴾ (١٢)
فالإيمان عند المعاينة لا ينفع أصحابه بعد أن كفروا ببعثة النبي محمد ﷺ واتهموه بالجنون: ﴿أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ (١٣ - ١٤)
стр. 1719
﴿لكنّ فرصة التوبة متاحة لهم الآن قبل وقوع الساعة وقبل نزول العذاب بهم، ومع ذلك فإنّهم لا يتوبون ولا يعتبرون بل يعودون إلى غيّهم: ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ (١٥ - ١٦)، وكشف العذاب قليلا أي إنه تعالى يعطيهم الفرصة من حاضرهم حتى وقوع الساعة،
وهنا تضرب السورة مثلا بعاقبة بعض الأوّلين الذين أصرّوا على تكذيب الأنبياء، كما في بعثة موسى إلى فرعون: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ (١٧)، والفتنة، الاختبار، بمعنى أن فرعون وقومه لم يستفيدوا من بعث الرسول موسى إليهم.
إذ طلب موسى منهم أن يؤدّوا ما هو واجب عليهم من الإيمان والاستجابة لدعوته، وعلّل ذلك بأنه لهم رسول أمين: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٨)
وحذّرهم من إنكار دعوته بعد أن حشد البراهين على صحتها: ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (١٩)
وأنه يستعيذ بالله ربّ العالمين من أن يقتلوه أو يرجموه بسفيه الكلام: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ (٢٠)
وفي حال إنكارهم لرسالته طلب منهم أن يتركوه وشأنه يدعو غيرهم إلى الله، وفي ذلك دعوة ضمنية لاحترام حرية الفكر التي كرم بها تعالى بني آدم:
﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ (٢١)
لكنهم على النقيض من اعتزاله همّوا بقتله، انظر آية [غافر ٢٦/ ٤٠]، فلجأ إلى الله تعالى بالدعاء: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)﴾
стр. 1720
﴿فأمره تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر ليلا، وأوحى إليه أن فرعون وجنده سيطاردونه: ﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ (٢٣)
كما أمره أن يترك طريق البحر بينه وبين فرعون وجنده كما كان، يدخلون فيغرقون: ﴿وَاُتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ (٢٤)
فغرقوا وتركوا وراءهم ما كانوا مخوّلين به من نعم كثيرة في الدنيا: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ (٢٥ - ٢٧)
وورث بنو إسرائيل هذه النعم في فلسطين مؤقتا: ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ﴾ (٢٨)، إلى أن فشلوا في الاختبار بدورهم، انظر آيات [الأعراف ١٣٧/ ٧] و [الشعراء ٥٩/ ٢٦].
والنتيجة أن فرعون وجنده لم يكونوا جديرين أن يكترث لهلاكهم، إذ فوّتوا على أنفسهم فرصة التوبة، وليس من فرصة بعد الفوات: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ (٢٩)
ونجّى تعالى بني إسرائيل من طغيان فرعون وعذابه واستكباره وإسرافه:
﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣٠ - ٣١)
وقد اختار تعالى بني إسرائيل لحمل رسالة التوحيد لكونهم موحّدين غير مشركين في ذلك الزمن، وعلى علمه تعالى المسبق أنهم سيفشلون في الاختبار بعد حين: ﴿وَلَقَدِ اِخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٣٢)،
ثمّ ضلّوا واعتبروا أنفسهم "الشعب المختار" استعلاء وتفضيلا لأنفسهم على غيرهم من البشر، ونسوا أن الرسالة السماوية مسؤولية وعبء وليست امتيازا كما ظنّوا ويظنّون: ﴿وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣)﴾،
следующие страницы →