← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

سورة الدخان - ٤٤ - مكية هذه السورة الخامسة من سور الحواميم السبعة واشتق اسمها من ورود كلمة الدخان بالآية (١٠) إشارة لقيام الساعة، ارتباط السورة بما قبلها بعد أن بينت سورة الزخرف المتقدمة أن الله تعالى لم يكن ليترك البشر على جهلهم وشركهم وإسرافهم دون إنزال القرآن عليهم لعلهم يهتدوا ويستخدموا عقولهم بالشكل السوي: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً أَنْ كُنْتُمْ قَوْماً مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف ٥/ ٤٣]، تبيّن سورة الدخان أن للحياة الدنيا مغزى، في حين يظنونها لهوا ولعبا: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [الدخان ٩/ ٤٤]، ويتضح مغزاها من كونها مرحلة أولى لا تكتمل العدالة بها إلاّ بتحقق البعث والحساب في الحياة الآخرة: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الدخان ٣٨/ ٤٤ - ٣٩]، ممّا يضع الإنسان أمام مسؤولياته الأخلاقية: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ [الدخان ٥٩/ ٤٤]،

стр. 1717

وفي سورة الزخرف قصة موسى مع فرعون [الزخرف ٤٦/ ٤٣ - ٥٦]، ثمّ في سورة الدخان بعثة موسى إلى فرعون مع إبراز عبر جديدة منها، ثمّ جانبا من بعثته إلى بني إسرائيل [الدخان ١٧/ ٤٤ - ٣٧]. محور السورة بلوغ الوحي الإلهي ذروته بنزول القرآن الكريم: ﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ [٥/ ٤٤]، ومع ذلك فالكثير من الناس بين الشك واليقين: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ [٤٤ - ٩]، فلا يستفيدون من فرصة التوبة: ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ﴾ [١٥/ ٤٤]، بل ينكرون الآخرة والمسؤولية الأخلاقية والحساب: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [٣٥/ ٤٤]، مع أنّ الحياة ذات معنى وهدف رغم جهل الأكثرية بذلك: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [٣٨/ ٤٤ - ٣٩]، وقد أنزل تعالى القرآن بلسان النبي ﷺ لعلّ البشر يفقهون الحقيقة قبل فوات الأوان: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ﴾ [٥٨/ ٤٤ - ٥٩]. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تشير السورة إلى بدء نزول القرآن الكريم في ليلة القدر من رمضان، وختم الرسالات السماوية التي ما فتئت تنزل على البشر منذ بدء الخليقة، تعرّفهم بوجود الخالق وبمسؤوليتهم الأخلاقية وبيان ما يحتاجونه في دينهم ودنياهم، وتنذرهم من الانغماس في المطامع المادية: ﴿حم * وَالْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ إِنّا كُنّا مُنْذِرِينَ﴾ (١ - ٣)،

стр. 1718

﴿وفي ليلة القدر اكتملت الرسالات، وبلغ الوحي ذروته بنزول القرآن الكريم، فظهر الفرق بين الحق والباطل واضحا ولذا سمّي القرآن فرقانا: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ (٤)، أمرا من عند الله بتتابع الرسالات وختمها بالقرآن: ﴿أَمْراً مِنْ عِنْدِنا إِنّا كُنّا مُرْسِلِينَ﴾ (٥) وفي نزول القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب رحمة منه تعالى، العالم بمصالح عباده والسميع لدعائهم، لا يتركهم في حيرة بين الحق والباطل: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦)، وشبيه به قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧/ ٢١]، وذلك هو الأمر الذي يقطع الشك باليقين: ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٧ - ٨) لكنهم على النقيض من اليقين يترددون بين الإيمان والكفر، بل هم في شك من الوحي يصل بهم إلى مستوى اللعب والعبث: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾ (٩) فهل ينتظر العابثون مجيء الساعة والعذاب حتى يوقنوا: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النّاسَ هذا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٠ - ١١) ويعلنوا إيمانهم بعد الفوات: ﴿رَبَّنَا اِكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنّا مُؤْمِنُونَ﴾ (١٢) فالإيمان عند المعاينة لا ينفع أصحابه بعد أن كفروا ببعثة النبي محمد ﷺ واتهموه بالجنون: ﴿أَنّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ (١٣ - ١٤)

стр. 1719

﴿لكنّ فرصة التوبة متاحة لهم الآن قبل وقوع الساعة وقبل نزول العذاب بهم، ومع ذلك فإنّهم لا يتوبون ولا يعتبرون بل يعودون إلى غيّهم: ﴿إِنّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى إِنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ (١٥ - ١٦)، وكشف العذاب قليلا أي إنه تعالى يعطيهم الفرصة من حاضرهم حتى وقوع الساعة، وهنا تضرب السورة مثلا بعاقبة بعض الأوّلين الذين أصرّوا على تكذيب الأنبياء، كما في بعثة موسى إلى فرعون: ﴿وَلَقَدْ فَتَنّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ (١٧)، والفتنة، الاختبار، بمعنى أن فرعون وقومه لم يستفيدوا من بعث الرسول موسى إليهم. إذ طلب موسى منهم أن يؤدّوا ما هو واجب عليهم من الإيمان والاستجابة لدعوته، وعلّل ذلك بأنه لهم رسول أمين: ﴿أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبادَ اللهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٨) وحذّرهم من إنكار دعوته بعد أن حشد البراهين على صحتها: ﴿وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (١٩) وأنه يستعيذ بالله ربّ العالمين من أن يقتلوه أو يرجموه بسفيه الكلام: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ (٢٠) وفي حال إنكارهم لرسالته طلب منهم أن يتركوه وشأنه يدعو غيرهم إلى الله، وفي ذلك دعوة ضمنية لاحترام حرية الفكر التي كرم بها تعالى بني آدم: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ﴾ (٢١) لكنهم على النقيض من اعتزاله همّوا بقتله، انظر آية [غافر ٢٦/ ٤٠]، فلجأ إلى الله تعالى بالدعاء: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)﴾

стр. 1720

﴿فأمره تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من مصر ليلا، وأوحى إليه أن فرعون وجنده سيطاردونه: ﴿فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلاً إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ (٢٣) كما أمره أن يترك طريق البحر بينه وبين فرعون وجنده كما كان، يدخلون فيغرقون: ﴿وَاُتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ﴾ (٢٤) فغرقوا وتركوا وراءهم ما كانوا مخوّلين به من نعم كثيرة في الدنيا: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ﴾ (٢٥ - ٢٧) وورث بنو إسرائيل هذه النعم في فلسطين مؤقتا: ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ﴾ (٢٨)، إلى أن فشلوا في الاختبار بدورهم، انظر آيات [الأعراف ١٣٧/ ٧] و [الشعراء ٥٩/ ٢٦]. والنتيجة أن فرعون وجنده لم يكونوا جديرين أن يكترث لهلاكهم، إذ فوّتوا على أنفسهم فرصة التوبة، وليس من فرصة بعد الفوات: ﴿فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ﴾ (٢٩) ونجّى تعالى بني إسرائيل من طغيان فرعون وعذابه واستكباره وإسرافه: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كانَ عالِياً مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣٠ - ٣١) وقد اختار تعالى بني إسرائيل لحمل رسالة التوحيد لكونهم موحّدين غير مشركين في ذلك الزمن، وعلى علمه تعالى المسبق أنهم سيفشلون في الاختبار بعد حين: ﴿وَلَقَدِ اِخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٣٢)، ثمّ ضلّوا واعتبروا أنفسهم "الشعب المختار" استعلاء وتفضيلا لأنفسهم على غيرهم من البشر، ونسوا أن الرسالة السماوية مسؤولية وعبء وليست امتيازا كما ظنّوا ويظنّون: ﴿وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ (٣٣)﴾،

стр. 1721

﴿وأعمتهم الحياة الدنيا وماديتها عن الآخرة، حتى أنكروا البعث والآخرة كما هو واضح من كتبهم "المقدسة" وسلوك رجال الدين منهم وعصبيتهم تجاه الأمم الأخرى: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ * فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٣٤ - ٣٦) ولم يعتبروا بتاريخ من قبلهم من الأمم البائدة، وخاصة اليهود منهم، كقوم تبّع، وهم ملوك حمير الذين كانوا يهودا وقد ملكوا جنوب شبه الجزيرة العربية لقرون عديدة حتى استولت الحبشة عليهم في العام ٥٢٥ م: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْناهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (٣٧)، انظر الآية [ق ١٤/ ٥٠]. وفاتهم أن هنالك مغزى من الخلق ومن الحياة الدنيا لا يتم إلاّ بحقيقة الآخرة: ﴿وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٨ - ٣٩) غير أنهم، والجاهلين من أمثالهم، لا يستفيقون من ضلالهم إلا يوم البعث، يوم يفصل بين العباد فيما كانوا عليه من الخلاف ويظهر الحق واضحا من الباطل: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٤٠) يومئذ لا يغني قريب عن قريب ولا صاحب عن صاحب، ولا يستطيعون نصرة بعضهم بعضا، فلا ينجو إلاّ من رحم الله: ﴿يَوْمَ لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ * إِلاّ مَنْ رَحِمَ اللهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (٤٢) ويؤول مصير الآثمين إلى عذاب الآخرة: ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعامُ الْأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلى سَواءِ الْجَحِيمِ * ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ (٤٣ - ٤٩) والآية الأخيرة إشارة لأنّ إنكار الآخرة والمسؤولية والحساب ناتج عن التكبّر.

стр. 1722

﴿فيومئذ فقط يصبح أمثالهم على يقين ممّا كانوا فيه من شك بالقيامة والحساب: ﴿إِنَّ هذا ما كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ﴾ (٥٠)، أما الذين اتقوا سوء العاقبة، فيؤول مصيرهم إلى النعيم الخالد: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ * فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * يَلْبَسُونَ مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقابِلِينَ * كَذلِكَ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ * يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ * لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الْأُولى وَوَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ﴾ (٥١ - ٥٦) بفضله تعالى الذي منّ عليهم بالهداية: ﴿فَضْلاً مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٥٧) ولإيضاح كل ذلك نزل القرآن في الحياة الدنيا لمن ترجى ذكراه من ذوي العقول السليمة المنفتحة: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ (٥٨)، أما ذوي العقول المتحجرة من مقلّدي الضلال فالعاقبة الوخيمة ستكون نتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم من العناد والجحود: ﴿فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (٥٩)﴾ وفي حين يرتقب المؤمن تحقق العدالة إن في الدنيا أو في الآخرة، فالمشكّكون يرتقبون الفناء والعدم في ظنّهم وأنه ليس من بعث ولا حساب.

стр. 1723

سورة الجاثية - ٤٥ - مكية هذه السورة السادسة من سور الحواميم السبع، واشتقّ اسمها من كلمة (الجاثية) في الآية (٢٨) وهي تعبير عن حالة الخضوع التام التي يكون عليها البشر يوم البعث والحساب. ارتباط السورة بما قبلها سورة الجاثية استمرار لسورة الدخان المتقدمة من حيث التأكيد على هدي القرآن، ومغزى الحياة، وحتمية الآخرة والثواب والعقاب، وهنالك ارتباط واضح بين أواخر سورة الدخان التي تشير للقرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [الدخان ٥٨/ ٤٤]، وبداية سورة الجاثية بأنّه تنزيل من العزيز الحكيم: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية ١/ ٤٥ - ٢]، كما نلاحظ في الآيات [١٦/ ٤٥ - ١٧] من سورة الجاثية استمرارا لقصة بني إسرائيل التي بدأت في سورة الدخان، مع الإشارة لانتقال النبوة من بني إسحاق لبني إسماعيل: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية ١٨/ ٤٥]،

стр. 1724

محور السورة آيات الآفاق والخلق تؤكد حقيقة القرآن، ومع ذلك فهنالك من يؤفك عنه: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ * وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [٦/ ٤٥ - ٧]، فالقرآن هدى، ومن يصرّ على إنكاره يكون العذاب الأليم الذي يلحق به في الآخرة نتيجة طبيعية لما كان عليه في دنياه من الرجز: ﴿هذا هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [١١/ ٤٥]، وقد جعل تعالى النبيّ ﷺ ، وبالتالي كل مسلم، على بيّنة واضحة من أمره فما عليه سوى اتخاذ الخيار الصحيح والحذر من اتّباع من يعتبرون الدنيا منتهى أملهم: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [١٨/ ٤٥]، الذين غفلوا عن مغزى الحياة: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اِجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ [٢١/ ٤٥]، وأنكروا القيامة والحساب: ﴿وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [٣٢/ ٤٥]، فمن يتخذ الخيار الخاطيء يخسر نفسه ويظهر بطلان حساباته يوم تقوم الساعة: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ﴾ [٢٧/ ٤٥]. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ القرآن الكريم تنزيل من الله العزيز الحكيم: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١ - ٢)

стр. 1725

﴿بدليل آيات الخلق في كل شيء التي تشير، لكل عاقل، إلى وجود سلطة خالقة واعية تنزّل الرسالات الروحية على البشر: ﴿إِنَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَما يَبُثُّ مِنْ دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ آياتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٣ - ٥) فمعجزة الإتقان في خلق البشر والحيوان والأفلاك يستحيل أن تكون مصادفة، كما يستحيل أن تكون عبثا بل هنالك مغزى منها وهي دليل على الحق، وقد أشار إليها وبيّنها القرآن، فماذا يريدون أكثر من ذلك كي يؤمنوا: ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللهِ وَآياتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ (٦) لكنّ الذين اعتادوا الكذب على أنفسهم استكبروا وصمّوا آذانهم عن الرسالة، فالاستكبار سبب لانحراف العقول - الإفك -: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آياتِ اللهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٧ - ٨)، وشبيه بذلك قوله تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات ٩/ ٥١]. وحتى لو علم المستكبر من الآيات ما لا سبيل إلى إنكاره فهو يلجأ إلى الهزء والسخرية تهربا من الحقيقة وتمسّكا بالدنيا: ﴿وَإِذا عَلِمَ مِنْ آياتِنا شَيْئاً اِتَّخَذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٩) ثم يؤول مصير أمثاله إلى جهنم، فلا يفيدهم ما كسبوا في دنياهم من المادة، ولا تنفعهم القيم الزائفة التي اعتقدوها، ولا السلطة التي طالما ركضوا وراءها، ولا الجاه ولا الثروات التي جمعوها، بل على النقيض تكون مصدر عذاب عظيم لهم: ﴿مِنْ وَرائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ ما كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِياءَ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠)﴾ وحتى أعمالهم الحسنة تذهب هباء، انظر آية [النور ٣٩/ ٢٤].

стр. 1726

﴿فالقرآن هدى، ومن يصرّ على إنكاره يكون العذاب الأليم الذي يلحق به في الآخرة نتيجة طبيعية لما كان عليه في دنياه من الرجز: (هذا) القرآن ﴿هُدىً وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ (١١) فتقدير الخطاب: لهم عذاب أليم من رجز، أي بنتيجة الرجز الذي كانوا عليه في دنياهم وبسببه يلحق بهم العذاب، وقالوا أن الرجز هو الرجس أو النجاسة أي القيم الزائفة التي يعتقدها المرء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثّر ٥/ ٧٤]، وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس ١٠٠/ ١٠] أي الذين لا يستخدمون عقولهم بالطريق السوي يصبحون ضحية للاعتقاد بالقيم الزائفة، ومنه قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة ٢٨/ ٩]، وللاستعانة على هجر الرجز يجب التفكر في معجزات الآيات الكونية: ﴿اللهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١٢ - ١٣) أما المصرّون على الكفر وإنكار الآخرة فمن واجب المؤمنين أن يغفروا لهم، بعد تذكيرهم، ثمّ يتركوا حسابهم على الله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٤) فنتيجة العمل الصالح تعود على صاحبه، تماما كنتيجة السيّيء: ﴿مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (١٥) ومثال ذلك أنه تعالى منّ على بني إسرائيل بالرزق المعنوي، ببعث الرسل فيهم، وبالرزق المادي بأن أخرجهم من عبودية فرعون إلى أرض فلسطين، واختارهم في زمنهم لحمل رسالة التوحيد: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦)﴾

стр. 1727

﴿وبيّن لهم أمور العقيدة فاختلفوا فيها وارتكسوا إلى الوثنية في حقب كثيرة من تاريخهم، واعتبروا أنفسهم "الشعب المختار" استعلاء واستكبارا على غيرهم، فلا يغتر المرء بقوتهم وغناهم اليوم: ﴿وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اِخْتَلَفُوا إِلاّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١٧) ثم بعث تعالى النبيّ ﷺ وأوكل إلى المسلمين حمل رسالة التوحيد وجعلهم على الطريق الصحيح لإرشاد البشرية بعد ضلال بني إسرائيل وفشلهم في حمل الرسالة، ولذا وجب الحذر من اتّباعهم: ﴿ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٨)، وانتقال السورة من بعثة موسى إلى بعثة النبي مباشرة دون ذكر لبعثة عيسى، لأن بعثة عيسى كما بعثة موسى ﵈ كانتا لبني إسرائيل، وفي الآية أيضا إشارة خفية لانتقال النبوة من بني إسحاق إلى بني إسماعيل. وفي هذه الآية تهديد لمن يتّبعهم، وأن الظالمين من أمثالهم ينصرون بعضهم بعضا كما هي الحال اليوم من نصرة الغرب لهم، في حين ينصر الله تعالى المتقين: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (١٩) وأن القرآن الكريم، في إشارة للآيات (٢ - ٤)، وعلى النقيض من التوراة التي تلاعبوا بها، يكشف للناس الغرض من الإيمان: ﴿هذا﴾ القرآن ﴿بَصائِرُ لِلنّاسِ﴾ كافة جاهلهم وعالمهم، سوى المستكبرين المشار إليهم بالآية (٨)، وهو بشكل خاص هدى ورحمة لمنفتحي العقل منهم والذين يستطيعون الارتفاع من حضيض الحيوانية إلى قمة الإنسانية: ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢٠) فلا تستوي حياة المحسنين والمسيئين، لأنّ المحسن يتمتع بالسلام الروحي في حياته وعند مماته، ممّا لا يعرفه المسيء: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اِجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ﴾

стр. 1728

﴿نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ (٢١) ﴿وأن العدالة تقتضي أن تكون الحياة الدنيا مرحلة أولى فقط كي تكون ذات معنى، وليست نهاية المطاف: ﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٢٢) غير أنه لا طائل من محاولة هدي من يجري وراء مادية الدنيا وقد جعل الهوى إلها، فالله تعالى يخلّيه لنفسه لعلمه أنّه أغلق عقله سلفا عن التفكّر: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢٣) وأمثاله يزعمون، بلا علم يقيني، أن أمور الكون تسير وفق قوانين عشوائية عمياء بالمصادفة، وأن ليس من خطة إلهية ولا مغزى من الحياة: ﴿وَقالُوا ما هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلاَّ الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاّ يَظُنُّونَ﴾ (٢٤) وإذا سمعوا آيات القرآن البينات لم يفكّروا بمعناها بل يكون جوابهم تحدّيا يليق بسذاجة الأغبياء: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٥) ومعظم الناس جاهلون أو غافلون عن حقيقة القيامة: ﴿قُلِ اللهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢٦) غير أنّ بطلان حساباتهم يظهر لهم جليا يوم قيام الساعة فتكون النتيجة خسران أنفسهم: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)﴾

стр. 1729

﴿وعندها يكون الناس كافة في حالة خضوع تام يرون أعمالهم ماثلة أمامهم للجزاء: ﴿وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٨) فلا يفوت من أعمالهم شيء: ﴿هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنّا كُنّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٩) ويدخل المحسنون في رحمة الله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ (٣٠) أما الآخرون فقد أدّى بهم الانغماس في مادية الدنيا إلى الكفر والاستكبار والإجرام: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾ (٣١) بل إلى إنكار المسؤولية الأخلاقية والتشكيك بالساعة والحساب: ﴿وَإِذا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَالسّاعَةُ لا رَيْبَ فِيها قُلْتُمْ ما نَدْرِي مَا السّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلاّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ (٣٢) ويوم الحساب يفيقون على الحقيقة التي طالما هزئوا بها، فتحيط بهم عواقب سوء عملهم: ﴿وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٣٣) فلا يكترث تعالى بهم ويتركهم لنتيجة عملهم السيّئ في الدنيا: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْساكُمْ كَما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٣٤) إذ لم يستفيدوا من الهدي الإلهي بل ركضوا وراء مباهج الدنيا واغتروا بماديتها فلا بد أن يتحملوا مسؤولية أعمالهم في الآخرة: ﴿ذلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اِتَّخَذْتُمْ آياتِ اللهِ هُزُواً وَغَرَّتْكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ لا يُخْرَجُونَ مِنْها وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)﴾

стр. 1730

فالحمد لله الذي جعل الحياة دنيا وآخرة، تكمّل الآخرة الأولى وتتحقق بها العدالة والحكمة: ﴿فَلِلّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّماواتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعالَمِينَ * وَلَهُ الْكِبْرِياءُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣٦ - ٣٧) فالكبرياء لله وحده لا ينبغي للعباد أن يشاطروه بها.

стр. 1731

سورة الأحقاف - ٤٦ - مكية الأحقاف آخر مجموعة سور الحواميم السبع: (غافر - فصّلت - الشورى - الزخرف - الدخان - الجاثية - الأحقاف) التي تبدأ بحرفي المقطعات ﴿حم﴾، نزلت في أواخر الفترة المكية، واشتق اسمها من كلمة (الأحقاف) المذكورة في (الآية ٢١)، وهي سلاسل الهضاب الرملية اللتين تميّز شمال حضرموت واليمن اللتين كان يقطنهما قوم عاد، وبعث فيها نبيهم هود، وبها ﴿إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر ٧/ ٨٩ - ٨]. ارتباط السورة بما قبلها سورة الأحقاف استمرار لسورة الجاثية من حيث التأكيد أنه لا هدي إلاّ هدي القرآن: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية ٤٥ - ١/ ٤٦ - ٢]، وفي سورة الجاثية أن من ينكر الآخرة والمسؤولية يخسر نفسه: ﴿وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الجاثية ٢٢/ ٤٥]، ثمّ في سورة الأحقاف: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ [الأحقاف ٣٤/ ٤٦]،

стр. 1732

وفي سورة الأحقاف استمرار لقصة بني إسرائيل المذكورة في سورة الجاثية، الآيات [الجاثية ١٦/ ٤٥ - ١٧]، والتي بدأت في سورة الدخان، الآيات [الدخان ٣٠/ ٤٤ - ٣٦]، ثمّ في هذه السورة يشهد شاهد من بني إسرائيل، وهو موسى ﵇، على مبعث النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل، الآية [الأحقاف ١٠/ ٤٦]، محور السورة بعد تأكيد أصالة القرآن، تبين السورة أن الخلق ليس عبثا، وأنه ينتهي إلى أجل مسمّى: ﴿ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ [٣/ ٤٦]، وتنفي الشرك والشركاء عنه تعالى، وتحض الإنسان على تفهم ذلك لما في الشرك من حطّ بكرامة البشر: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ [٥/ ٤٦]، وأن من شأن المستكبرين المصرّين على الكفر الاستهزاء بضعاف الناس من الأقليات المؤمنة بزعم أن ضعفهم ناتج من تدينهم، جاهلين أن الضعف، إن وجد، سببه سوء فهم للدين: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [١١/ ٤٦]، وأنّ الإيمان من دون العمل الصالح لا يستقيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [١٣/ ٤٦]، وأن لا ملجأ ولا مفر ولا بديل لمن لا يستجيب للهدي الإلهي: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [٣٢/ ٤٦]، وأن مفهوم الزمن بالمقياس الدنيوي لا معنى له بمقاييس الآخرة: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ [٣٥/ ٤٦].

стр. 1733

النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تأكيد، كما في أول سورة الجاثية، على أصالة القرآن الكريم: ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١ - ٢) وأن خلق الكون ليس عبثا بل ينتهي إلى أجل مسمّى في الزمان والمكان: ﴿ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ﴾ (٣) وأن ليس لدى المشركين من برهان على ما يزعمون من آلهة أو قوى إلهية غير الله : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ اِئْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤) وغاية الضلال أن يدعو الإنسان من ليس بطاقته الإجابة البتّة، بل إن المدعو في تمام الغفلة عمّن يدعوه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ﴾ (٥) ثم يظهر للمرء يوم القيامة بطلان ضلالاته، فما كان يدعو سوى أوهام: ﴿وَإِذا حُشِرَ النّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ﴾ (٦) بعد نفي الشرك والشركاء عنه تعالى، (الآيات ٤ - ٦)، تعود السورة لموضوع (الآية ٢)، فالمصممّون على الكفر يبتدعون الأعذار كي لا يواجهوا إعجاز القرآن: ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾

стр. 1734

﴿بل يضلّون أنفسهم بزعم أنّ النبي ﷺ افتراه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٨)، وفي ذلك إشارة لموضوع (الآية ٢)، في حين أن بعث النبي ﷺ لم يكن من الغرابة في شيء، فبعث الأنبياء كان مستمرا منذ بدء الخليقة، والنبي لم يدّع علم الغيب، والرسالة الإسلامية استمرار لما سبقها من الرسالات: ﴿قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٩) فما مبرر كفرهم ببعث النبي سوى أنهم مستكبرون؟ علما أنّ موسى بشّر بمجيء النبي وهو مذكور في كتبهم، "سفر التثنية ١٥/ ١٨ و ١٨/ ١٨"، والخطاب هنا صار موجّه لليهود: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاِسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٠) والشاهد من بني إسرائيل هو موسى نفسه، فإنّهم من واقع ماديتهم وسلطانهم ينظرون إلى المؤمنين نظرة عجرفة وفوقية، وينسبون ضعف المؤمنين إلى ديانتهم، في حين أن هذا الضعف - إن وجد - ناتج عن سوء فهم للدين: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ (١١) وقد نزلت التوراة بما فيها من البشارة بمقدم النبي ﷺ ، وهذا القرآن يصدّق التوراة الأصلية: ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً وَهذا﴾ القرآن ﴿كِتابٌ مُصَدِّقٌ لِساناً عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)﴾، وفي انتقال الآية من ذكر بعثة موسى ﵇ إلى الإشارة لبعثة محمد ﷺ ما فيه من إغفال ذكر بعثة عيسى ﵇ كونه بعث إلى اليهود خاصة، وإشارة ضمنية أيضا لانتقال النبوة من بني إسحاق إلى بني إسماعيل،

стр. 1735

﴿وفي التوراة التي تلاعب بها اليهود فاتهم أنّ العبرة ليست بالإيمان شكلا ولا التبجح بأنهم "الشعب المختار" ولكن العبرة بالإيمان الذي يرافقه الاستقامة في العمل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١٣) فحسن الختام لمن أتبع الإيمان بالعمل الصالح: ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٤) ومن العمل الصالح بر الوالدين، وتربية الذرية الصالحة، وشكر النعمة بالعمل، والتوبة والإسلام: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ إِحْساناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١٥) ويثيب تعالى أمثال هؤلاء بأحسن أعمالهم ويتجاوز عن سيئاتهم: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ (١٦) ومن أهم واجبات الوالدين تربية الذرية الصالحة: ﴿وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَتَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٧) غير أن المسؤولية فردية، ولذا يتحمل كل فرد نتيجة خياره: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ * وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١٨ - ١٩)

стр. 1736

﴿فالمستكبرون المصرّون على الكفر يؤول مصيرهم إلى عذاب الذلّ والهون في الآخرة بعد أن كانوا يستمتعون بالطيبات في حياتهم الدنيا: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاِسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ (٢٠) وتضرب السورة مثلا ببعثة النبي هود إلى قومه عاد يدعوهم لعبادة الله وحده وينهاهم عن الشرك، وفي ذلك عودة لموضوع (الآيات ٤ - ٦): ﴿وَاُذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٢١) والنّذر بين يديه إشارة للآيات الآفاقية، ومن خلفه أي ما قبله من بعث الرسل. لكنّ عاد تمسّكت بما توارثته عن الآباء من التقليد وظلم العقل، وتحدّث نبيّها أن يأتيها بالعذاب الموعود: ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٢٢) لكن مهمة النبي مقتصرة على البلاغ وليس القهر، والعلم عند الله بتوقيت العذاب واستحقاقه: ﴿قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ (٢٣) فلما رأوا العاصفة متجهة نحوهم استبشروا بها وظنّوهات مطرا في حين كانت ما استعجلوا من العذاب: ﴿فَلَمّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اِسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٤) فلم تترك في ديارهم سوى مساكن فارغة من أهلها: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾، وتفصيله قوله تعالى في سورة الحاقة: ﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ *﴾

стр. 1737

﴿* سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ﴾ [الحاقّة ٦/ ٦٩ - ٨]، وهكذا انتهت حضارتهم العظيمة في عصرها التي وصفها تعالى بقوله: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر ٨/ ٨٩]. ﴿ثم ينتقل الخطاب إلى كفار مكة، بل إلى مجتمعات الكفار في كل عصر، فقد مكّن تعالى قوم عاد من أساليب الحضارة المادية في عصرهم ما إن مكّن فيه الكفّار بعدهم لازدادوا طغيانا، لكن جحودهم بآيات الله منعهم من استخدام الحواس والعقل بالأسلوب السليم: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاهُمْ فِيما إِنْ مَكَّنّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصاراً وَأَفْئِدَةً فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ (٢٦)، وأن الجحود ينعكس سلبا على أصحابه بشكل طبيعي: ﴿وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٢٦) فمن سننه تعالى في أمثالهم أن يؤول مصير مجتمعاتهم إلى الهلاك: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٢٧) فلم تنفعهم الآلهة التي أشركوا بها، وهي ليست مقتصرة على الأصنام والآلهة المزعومة التي ظنّوا أنها تقربهم إلى الله زلفى - قربانا - بل تتجاوزها إلى ما عبدوه من الدنيا والمادة والشهوات والثروات والجاه والسلطان والأوهام - الإفك - والافتراء: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢٨) وفي حين أنّ الجن استفادت من وحي القرآن فقد فشل في ذلك كثير من الإنس: ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾، وتفصيل القصة مذكور في سورة الجن.

стр. 1738

﴿وقد أنذروا قومهم بنزول القرآن، وقولهم: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ دون أي ذكر لبعثة عيسى، يفيد أنهم يهود وأن القرآن يصدّق ما تبقى بين يديه في التوراة من الوحي الصحيح، وفي ذلك إشارة لمضمون الآيات (١٢، ١٠): ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣٠)، ودعوا قومهم إلى الإسلام: ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣١)، وفي سورة الجن أن صار منهم مسلمون: ﴿وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ [الجن ١٤/ ٧٢]. وأن ليس هنالك من مفرّ ولا بديل لمن لا يستجيب لهدى الله: ﴿وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٣٢) وأن الآيات الكونية حول الإنسان دليل وإثبات على البعث: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى بَلى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣٣) لكنّ المصرّين على الكفر لا يكتشفون حقيقة الآخرة إلا بعد فوات الأوان: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٣٤) وأن مفهوم الزمن كما يعرفه البشر في دنياهم يصبح غير ذي معنى في الآخرة: ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ (٣٥)﴾.

стр. 1739

سورة محمد - ٤٧ - مدنية نزلت في وقت مبكر جدا من الفترة المدنية، واشتق اسمها من ورود اسم النبي ﷺ بالآية (٢)، وهي الأولى في مجموعة سور مدنية ثلاث: (محمد - الفتح - الحجرات) تنظّم المجتمع الإسلامي من نواح ثلاث، ارتباط السورة بما قبلها بينت سور الحواميم المكّية السبعة (غافر - فصّلت - الشورى - الزخرف - الدخان - الجاثية - الأحقاف) أنّ الكثير من الناس مصرّون على الكفر وإنكار القرآن بنتيجة استكبارهم وغرورهم واعتقادهم بالاكتفاء بما عندهم من العلوم الدنيوية، وانغلاق عقولهم سلفا على الشرك والتقليد وحب الدنيا وتغليب الهوى، ولذا لا يعطون أنفسهم الفرصة لدراسة القرآن دراسة جدية بلا تحيز فكري مسبق. كما بينت أن مغزى الحياة الدنيا لا يتضح إلا من حيث كونها مرحلة أولى تكتمل بتحقق البعث والحساب في الحياة الآخرة، وأن الإيمان مرتبط بالعمل الصالح، ممّا يضع الإنسان أمام مسؤولياته الأخلاقية، وأن من ينكر الآخرة والمسؤولية يخسر نفسه.

стр. 1740

ومع ذلك فما على المسلم سوى البلاغ، لأنه ليس حفيظا على الناس، ولكن الكفار عاملون في الصدّ عن الإسلام، لذا تنتقل سورة محمد إلى موضوع الدفاع عن الإسلام والأمة الإسلامية وحماية العقيدة. وهنالك ارتباط مباشر بين آخر سورة الأحقاف السابقة: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ﴾ [الأحقاف ٣٥/ ٤٦] وبداية هذه السورة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ [محمد ١/ ٤٧]، أي أن أعمال "الخير" التي قد يقوم بها الكفار تذهب هباء - يوم الحساب - بنتيجة كفرهم وصدّهم عن الإسلام، والسبب تفسره السورة، وفي سورة الأحقاف أن آلهة المشركين وأوهامهم لا تفيدهم شيئا: ﴿فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأحقاف ٢٨/ ٤٦]، ثم في سورة محمد أن الكفار لا مولى حقيقي لهم: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ [محمد ١١/ ٤٧]، وفي سورة الأحقاف أن طيبات الكفار مقتصرة على الحياة الدنيا: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاِسْتَمْتَعْتُمْ بِها﴾ [الأحقاف ٢٠/ ٤٦]، وفي سورة محمد أنهم يتمتعون في الدنيا ويأكلون كما تأكل الأنعام: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد ١٢/ ٤٧]، محور السورة يدور حول الدفاع عن الأمة تجاه العدوان ووجوب التضحية في سبيل ذلك: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [٧/ ٤٧]، وأن عدم الامتثال لأوامر الوحي وترك الدفاع عن العقيدة وحرية الدين سبب

стр. 1741

لانتشار الفساد والحروب الأهلية وقطع الأرحام: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ [٢٢/ ٤٧] فما لهم لا يحاولون فهم القرآن بقلوب مفتوحة بدلا من التشنج الفكري المسبق: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ [٢٤/ ٤٧] وأن الله تعالى يختبر الناس بظهور أفعالهم واستعدادهم للتضحية إلى حيّز العلن، وليس بعلمه بالغيب منهم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ [٣١/ ٤٧] وتبيّن السورة أن الهوان على المعتدين واستجداء السلام منهم لا يليق بالمؤمنين ما داموا على الحق: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ [٣٥/ ٤٧]، النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الكفار الذين لم يقتصر كفرهم على أنفسهم بل تجاوزه بأن صدّوا غيرهم عن الإسلام، أو منعوا المسلمين من اتّباع دينهم، وعملوا على منع حرية الفكر والعبادة، فهؤلاء إن كان لهم أعمال "حسنة" فهي تذهب عند الله هباء: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ (١)، أنظر أيضا آية [النور ٣٩/ ٢٤ - ٤٠]، وآية [الفرقان ٢٣/ ٢٥]، والآية (٣٢) من هذه السورة، في حين أن المؤمنين الذين اقترن إيمانهم بالعمل الصالح وتصديق القرآن، فالله تعالى يغفر لهم سيئاتهم ويسترها ويصلح قلوبهم فينعموا بالراحة النفسية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بالَهُمْ﴾ (٢) وذهاب حسنات الكفار هباء ليس سوى نتيجة طبيعية لاتّباعهم الباطل، كما أن مغفرة سيئات المؤمنين نتيجة لاتّباعهم الحق: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اِتَّبَعُوا﴾

стр. 1742

﴿الْباطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ لِلنّاسِ أَمْثالَهُمْ﴾ (٣) ﴿وعندما يبدأ الكفار الحرب بغرض الصدّ عن سبيل الله (الآية ١) يصبح من واجب المؤمنين الدفاع عن أنفسهم بغرض إنهاء الحرب، أي حتى تضع الحرب أوزارها، والشريعة تسمح لهم بأخذ الأسرى بعد إضعاف العدو ثم تحريرهم بعد ذلك أو أخذ الفدية عنهم، والمغزى من تضحيات المؤمنين أنه تعالى يختبر العباد بظهور أفعالهم إلى حيّز العلن، وبالتالي لا تذهب تضحيات الشهداء سدى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ (٤) فتنعم أرواح الشهداء بالسلام وينالون ثواب أعمالهم: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ﴾ (٥ - ٦) وينصر تعالى المؤمنين إن كانت مجتمعاتهم قائمة على الإسلام: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ (٧)، أنظر أيضا آية [النور ٥٥/ ٢٤]. في حين تنتظر الكفار التعاسة وتذهب أعمالهم - الحسنة - سدى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ﴾ (٨) والسبب أنهم كرهوا القيم والالتزام وأشركوا وأنكروا المسؤولية تجاه الخالق مما جرّد أعمالهم من كل قيمة أخلاقية: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا ما أَنْزَلَ اللهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٩)﴾.

стр. 1743

﴿والأمثلة على دمار الأمم البائدة من أمثالهم متكررة في التاريخ، وسنة الله في الخلق لا تتغير: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها﴾ (١٠) لأنّ الله تعالى يهدي عباده المؤمنين، أما المصرّون على الكفر فيخلّيهم لأنفسهم: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ﴾ (١١) فيتمتع الكفار بنصيبهم من الحياة الدنيا كالبهائم، لكن مصيرهم في الآخرة يؤول إلى النار: ﴿إِنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ (١٢) وقد شهد التاريخ من المجتمعات الكافرة (الآية ١٠) من هم أشد قوة من كفار قريش ومع ذلك انتهى مصيرها إلى الهلاك: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ﴾ (١٣) فلا يستوي في العاقبة من كان ثابتا على حجج ظاهرة مستندة على الوحي وعلى البراهين العقلية، ومن اتّبع الهوى: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ (١٤) فعاقبة الأول في الجنة والآخر في النار، و (الآية ١٥) تضرب لنا مثلا عن الجنة والنار، وضرب المثل لأن حقيقتهما خارج إدراك البشر، قال الزمخشري: ذلك تمثيل لما غاب عنّا بما نشاهد، أي بما نعرفه من المحسوس: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥)﴾

стр. 1744

﴿وهنالك من المنافقين من قارب الكفر، أو هم عليه، يستمعون إلى خطاب الوحي استماع سخرية وهزء في حين يظهرون ويدّعون له الاحترام، والسبب تغليبهم الهوى على العقل، إذ ليس لأمثالهم استعداد في حقيقة دخيلتهم أن يقرّوا بإعجاز القرآن: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ﴾ (١٦) أما منفتحو الذهن الذين لديهم استعداد لتفهم الحقيقة فإنّ الله تعالى يهديهم إليها: ﴿وَالَّذِينَ اِهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ﴾ (١٧) وعندما تحين الساعة بغتة وتكشف الحجب لا يستفيد المنافقون والكفار من الذكرى لأن الإيمان يصير قسريا: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ (١٨) وأشراط الساعة تحققت ببعثة النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل. وبعدما نزل القرآن آن لكل فرد أن يوقن أنّ كل شيء ما خلا الله باطل، ويستغفر لذنوبه وذنوب المؤمنين والمؤمنات: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ﴾ (١٩) بل إن المؤمنين الصادقين ينتظرون الأذن بالقتال دفاعا عن الدين ويتشوقون لذلك، أما ضعاف الإيمان والمنافقون فتزيغ أعينهم من الخوف عند نزول الإذن بالقتال - آية [الحج ٣٩/ ٢٢]- وقد كان الأولى لهم إبداء جدّيتهم واستعدادهم للدفاع والتضحية: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلى لَهُمْ * طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ (٢٠ - ٢١)

стр. 1745

﴿لأن عدم الامتثال لأوامر الوحي وترك الدفاع عن حرية الدين سبب لانتشار الفساد والحروب الأهلية وقطع الأرحام: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ (٢٢). ومثل الذين أعرضوا عن الوحي كمن أصمّ أذنيه عن سماع الحق وأعمى بصيرة نفسه بنفسه: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ﴾ (٢٣)، انظر آية (البقرة ٧/ ٢). فما لهم لا يحاولون فهم القرآن بقلوب مفتوحة بدلا من التشنج الفكري المسبق، والتأرجح بين الشك واليقين؟ ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها﴾ (٢٤)، وفي ذلك إشارة للمنافقين المذكورين بالآية (١٢)، ومن أهل الكتاب من نكص بعد ما تبيّن لهم صدق القرآن، ومن ضعاف الإيمان الذين ارتدّوا بعد إيمانهم، ومن المنافقين اللاهثين وراء الدنيا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ﴾ (٢٥) يريدون أن يحافظوا على مصالحهم لدى الطرفين، المسلمين والكفار: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ﴾ (٢٦) ولكنهم يذوقون ثمار عملهم عندما تزهق أرواحهم إذ يعاينون هول آخرتهم رأي العين فلا يستطيعوا منها فكاكا ويتوقون للتمسك بالدنيا فلا يستطيعون: ﴿فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ (٢٧) وتلك نتيجة طبيعية لإصرارهم على الإنكار في الدنيا رغم قناعتهم وانبهارهم بنور القرآن، فبالتالي تحبط أي أعمال "حسنة" لهم: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اِتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ (٢٨)﴾

стр. 1746

﴿بل إن الله تعالى يظهر أحقادهم إلى العلن فلا تبقى مستورة: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللهُ أَضْغانَهُمْ﴾ (٢٩) وأن بإمكان المؤمن الصادق فرز المنافقين من سلوكهم ولو لم تكن بهم علامات فارقة: ﴿وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ﴾ (٣٠) ومع علمه تعالى بالغيب فإنه يختبر الناس بظهور أفعالهم إلى حيّز العلن فيبرز استعدادهم الفعلي للتضحية بأموالهم وأنفسهم في سبيله وليس بمجرد النوايا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ (٣١) فيظهر منهم المنافقون الذين أصرّوا على الكفر والجحود، ولا يعود الضرر إلاّ عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ﴾ (٣٢) وبعد بيان مآل الكفار والمنافقين تحذر السورة المؤمنين أن يحذو حذوهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ﴾ (٣٣) ثم تعود السورة إلى النقطة التي بدأت منها بالآية (١): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ (٣٤) وتبيّن أن الهوان على المعتدين واستجداء السلام منهم لا يليق بالمؤمنين ما داموا على الحق، فالله تعالى لا يضيع أعمالهم: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ﴾ (٣٥)، ومع أن الحياة الدنيا لعب ولهو في جنب الآخرة فإن الله تعالى لا يفرض على المؤمنين التضحية بجميع أموالهم بل بجزء يسير منها - الزكاة ربع العشر فقط -: ﴿إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦)﴾،

стр. 1747

﴿فالقرآن الكريم يأخذ بالاعتبار أنّ الإنسان خلق ضعيفا: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء ٢٨/ ٤] ولو فرض عليه متطلبات قاسية كالتضحية بجميع ماله لفشل في أدائها: ﴿إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ﴾ (٣٧)، إذن المتطلبات القرآنية من الإنسان معقولة وليس بها مغالاة، بل هي متناسبة مع الطبيعة البشرية، ولذا عندما تحجم الأكثرية عن التضحية وتتمسك بالبخل فالعاقبة تنعكس سلبا على المجتمع بكامله وتسبب زواله: ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)﴾.

стр. 1748

سورة الفتح - ٤٨ - مدنية نبذة تاريخية في أواخر السنة السادسة من الهجرة عزم الرسول ﷺ على التوجه مع صحبه من المدينة إلى مكة لأداء العمرة بعد مضي قرابة ستة أعوام من الغزوات والحروب بين المسلمين وكفار قريش، ولما كان النبي ﷺ بصدد العمرة فقط فلم يكن يتوقع حدوث أي قتال أو مواجهة بينه وبين كفار قريش، خاصة أن شهر ذي القعدة من الأشهر الحرم الأربعة التي اتفق العرب منذ القدم أن يحرم فيها القتال وخاصة في منطقة مكة، ثم إن النبي ﷺ بعث إلى القبائل المتحالفة معه حول المدينة يدعوها للاشتراك معه بأداء العمرة فتخلّف معظمها بأعذار واهية ظنا منهم أن قريش سوف تهاجم المسلمين العزّل وتدحرهم (الآية ١٢) فانطلق النبي ومعه حوالي ١٤٠٠ رجل فقط من صحابته بلباس الإحرام وهم عزّل من السلاح سوى السيوف التي في أغمادها. وعندما علمت قريش باقتراب النبي وصحبه من مكة بعثت خالد ابن الوليد - الذي كان مقدّرا له دخول الإسلام بعد ذلك بأقل من عامين - على رأس مئتين من الفرسان لقطع الطريق على المسلمين واتخذ الألوف من المشركين المسلحين مواقع حصينة حول مكة لمنعهم من دخولها، ولما كان النبي لم يأت

стр. 1749

مقاتلا، ولم يكن مستعدا للقتال، فقد اتجه غربا عند وصوله بئر عسفان ونزل في سهل الحديبية حيث أمضى فيه بضعة أيام مع أصحابه بدأت خلالها المفاوضات بينه وبين المشركين، ثم بعث النبي عثمان بن عفان مندوبا إلى مكة للتفاوض مع زعمائها، وبعد وصول عثمان إلى مكة انتشرت الشائعات في الحديبية بأنه قتل، مما جعل النبي ﷺ يتوقع هجوما غادرا عليه من المشركين فجمع أصحابه واستشارهم فبايعوه على الثبات والقتال معه حتى الموت في حال هاجمهم المشركون (الآية ١٨) وهي البيعة التي سميت بيعة الرضوان، وبعد أيام تبين زيف الشائعات وعاد عثمان سالما كما تبين أن كفار قريش على استعداد لعقد هدنة مع النبي وبالفعل تم توقيع هدنة مدتها عشر سنوات، من شروطها أن يرجع النبي وصحبه إلى المدينة هذا العام على أن يعودوا لأداء العمرة العام القادم، كما وافق النبي في المعاهدة أنه في حال هروب بعض أغرار وموالي المشركين من مكة إلى المدينة فإن الرسول يعيدهم إلى مكة، في حين لا يلتزم المشركون بإعادة من يهرب إليهم من المسلمين، وقد بدت المعاهدة في ظاهرها مجحفة بحق المسلمين غير أن الأحداث برهنت بعد ذلك أن صلح الحديبية كان ذا أهمية ايجابية كبرى في تاريخ الإسلام وفي انتشاره في جزيرة العرب إذ ترتب على الهدنة أن يختلط المشركون مع المسلمين في مكة والمدينة ويدخل الألوف منهم في الإسلام بعد اقتناعهم بالحجة والبرهان، حتى أنه عندما نقضت قريش صلح الحديبية بعد عامين من إبرامه تمكن الرسول وصحبه من فتح مكة دون قتال، وهكذا كان صلح الحديبية بداية ظفر الإسلام السياسي والمعنوي في جزيرة العرب. والجمهور على أن سورة الفتح نزلت بعد صلح الحديبية (ذي القعدة عام ٦ للهجرة) خلال عودة الرسول ﷺ من الحديبية إلى المدينة.

стр. 1750

ارتباط السورة بما قبلها بعد أن بينت سورة محمد المتقدمة أنّ على المؤمنين الدفاع عن الأمة تجاه العدوان ووجوب التضحية في سبيل ذلك، وأن الله تعالى يختبر الناس باستعدادهم للتضحية وبظهور أفعالهم إلى حيّز العلن وليس بعلمه بالغيب منهم: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ﴾ [محمد ٣١/ ٤٧]، تضرب سورة الفتح مثالا على ذلك بالأحداث التي بدأت من صلح الحديبية وانتهت بفتح مكة وتبين الأسلوب الصحيح للتعامل مع المشركين والكفار كي ينتشر الإسلام سلما وبالقدوة الحسنة، الآية [الفتح ٢٩/ ٤٨]. محور السورة الآية الأخيرة من السورة تلخص الأحداث المشار إليها بنموذج اجتماعي يتكرر في كل العصور، فهي تشبّه جماعة المؤمنين الناشئة في جزيرة العرب زمن البعثة - وبالتالي في كل مجتمع آخر وفي كل زمن - بالنبتة الصغيرة التي تنمو وتكبر وتشتد، وهو ما برهنت الأحداث في صلح الحديبية وما بعده على صحته: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ﴾ فلا يتوصلون معهم إلى حلول وسط في شؤون العقيدة ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ أي لشدة تقواهم وتواضعهم تجاه بعضهم البعض ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ كما كان المفترض في أتباع الديانات السابقة فكذلك في الإسلام ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ﴾ فالصلح يؤتي ثماره باختلاط الكفار مع المسلمين وانتشار ونمو الإسلام سلما بالقناعة والقدوة الحسنة، وبالتالي فإنّ مغفرة الله والأجر العظيم بانتظار من يؤمن من الكفار ويقرن إيمانه بالعمل الصالح: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الفتح ٢٩/ ٤٨].

стр. 1751

النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الآية الأولى من السورة إخبار بالغيب لأنها تشير إلى النصر المعنوي الذي تحقق للرسول ﷺ وللمسلمين عامة بصلح الحديبية والذي بدوره فتح الباب لانتشار الإسلام في جزيرة العرب: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ (١) ليكون في الفتح، فيما يكون، إبداء لمغفرته تعالى لما تقدم من ذنبه، ﵊، في الجاهلية وما تأخّر في الإسلام، وقالوا أنّ الذنب بالنسبة للنبي ﷺ هو خلاف الأولى، والآية إشارة غير مباشرة أن العصمة من الخطأ هي لله وحده: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ (٢)، أي يتمّ تعالى نعمته على النبي بإعلاء شأن الإسلام ويهديه لتحقيق بعثته النبوية. فيتحقق ذلك بانتشار الإسلام من الأندلس إلى الصين في زمن خلفائه ﷺ : ﴿وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ (٣) ومن نعمته تعالى على النبي أن أنزل السكينة، أي الطمأنينة والثبات، على قلوب صحبه في الحديبية رغم ما كانوا عليه من قلة في العدّة والعدد أمام قوة وكثرة مشركي مكة، فأيقنوا أن لله جنود السماوات والأرض مما زادهم إيمانا مع إيمانهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٤) ومن نتائج هذا الفتح المبين وانتشار الإسلام في جزيرة العرب أن يدخل تعالى المؤمنين والمؤمنات في جنات الخلد ويكفّر عنهم سيئاتهم، أي يمحوها، وذلك عند الله غاية ما يطمح إليه كل مؤمن ومؤمنة من الفوز: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥)﴾

стр. 1752

﴿أما المذبذبون ضعاف الإيمان من المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات الذين لم يوقنوا بالتوحيد بل أنكروا الآخرة والمسؤولية فيحيط بهم السوء الذي يتربصونه للمؤمنين ويحل عليهم غضب الله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ (٦) فهم في قبضة الله تعالى ليس لهم من محيص: ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (٧) ولم يكن الله تعالى ليترك الناس بلا هداية، فبعث لهم الرسول شاهدا على الوحدانية والحقيقة، بشيرا للمؤمنين، نذيرا للمصرّين على الكفر: ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ (٨) ليؤمن من يؤمن بالله ورسوله، ولينصر المؤمنون دين الله، ويعظّموه سبحانه ويسبّحوه على الدوام: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (٩) ومع أن الآية التالية تشير إشارة مباشرة إلى بيعة الرضوان، راجع النبذة التاريخية، إلا أن مغزاها عام لكل العصور، بمعنى أن الإيمان بالرسول كالإيمان بالله تعالى، وتكون بالتالي طاعة الرسول واتباع سنته واجبة على المؤمنين بالله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (١٠) ولكن المنافقين وأنصاف المؤمنين ومن قلوبهم مع الدنيا يختلقون شتّى الأعذار في كل زمن للتخلف وللتهرب من التضحية، ولا يقرنون القول بالعمل، وكان ذلك شأن معظم القبائل حول المدينة عندما دعاها الرسول للاشتراك معه في أداء العمرة: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا﴾

стр. 1753

﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (١١) ﴿إذ كانت قلوبهم مع الدنيا، فظنّوا لضعف إيمانهم أن قريشا سوف تقاتل المسلمين العزّل وتقضي عليهم: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ (١٢) وفاتهم أن من لا يجمع بين الإيمان بالله والإيمان برسوله يؤول إلى أسوأ العواقب: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً﴾ (١٣) ومع ذلك فإن الله تعالى يغفر للتائبين إذا تابوا بصدق وقرنوا التوبة بالعمل: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (١٤) والآية التالية تخبر بالغيب أيضا لأنه في العام ٧ هجرية، أي بعد بضعة شهور من صلح الحديبية، أراد المخلّفون اللحاق بالمؤمنين في غزوة خيبر بغرض الاشتراك في الغنائم: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ مع أن القتال يجب أن يكون خالصا لوجه الله، انظر آية [البقرة ١٩٣/ ٢]، وقد سبق نزول الوحي في سورة الأنفال أن الأنفال لله ورسوله فلم يفقهوه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (١٥)، وعدم فقه المخلّفين من الأعراب قادهم إلى ظن الحسد بالمؤمنين. ثم تتنبأ السورة بحروب الردّة وحروب المسلمين مع فارس والروم، وأنه سوف تتاح الفرصة وقتئذ للمخلّفين من الأعراب، الذين تخلّفوا عن الحديبية، لبيان حسن نواياهم بالعمل وليس بالقول: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦)﴾

стр. 1754

﴿وأن المعوّقين من الناس كالأعمى والأعرج والمريض ليس عليهم حرج في التخلّف عن القتال إذا نصحوا لله ورسوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٧) وتتنبأ السورة بفتح خيبر، بل بفتح مكة، في القريب العاجل الذي يلي بيعة الرضوان، وبالفعل فتحت خيبر بعد الحديبية بأشهر، وفتحت مكة بعد أقل من عامين من الحديبية: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (١٨ - ١٩) وقد وعد الله المؤمنين مغانم الدنيا والآخرة، فعجّل لهم مغانم الدنيا، وكفّ أيدي يهود المدينة عنهم كما كفّ عنهم أيدي كفار قريش ففتحت مكة دون قتال، مما هو آية للمؤمنين من بعدهم، وهداية لما يجب أن يكون عليه المؤمنون من الإعداد والتوكل على الله: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ (٢٠) وهنالك مغانم أكثر للمؤمنين من سعادة الآخرة ما هي في علم الغيب: ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ (٢١) ونبوءة أخرى تحققت بهزائم الكفار المتتالية منذ صلح الحديبية حتى انتشار الإسلام، ليس في جزيرة العرب فقط، بل من الصين إلى الأندلس أيام الخلفاء: ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (٢٢) غير أن هذا الوعد بنصر المسلمين وهزيمة الكفار مشروط بأنه تعالى ينصر من ينصره، انظر آية [محمد ٧/ ٤٧]، وبكون المسلمين أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، انظر آيات [آل عمران ١١٠/ ٣ - ١١١، ١٣٩] وأن الله لا يغير ما

стр. 1755

بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم سلبا أو إيجابا، انظر آية [الأنفال ٥٣/ ٨]، فكل ذلك من سننه تعالى التي لا تتبدل: ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ (٢٣) ﴿وقد أنعم تعالى على المؤمنين في الحديبية بأن توصلوا إلى الصلح مع قريش دون قتال، وفي رواية أن المسلمين أوقعوا في الأسر مجموعة من ٣٠ - ٨٠ من فرسان قريش حاولوا الانقضاض على المسلمين في الحديبية ثم أطلق المسلمون سراحهم بعد الصلح: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ (٢٤) وأنه يستحيل على المرء أن يعرف إن كان غيره من الناس يستحق رحمة الله أو عقابه، وذلك من أسباب عودة الرسول وصحبه إلى المدينة دون أداء العمرة تفاديا لدخول مكة عنوة وتفاديا لوقوع ضحايا أبرياء: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (٢٥) وأنّ استكبار مشركي مكة الذي بدا في حميّتهم الجاهلية وتحكّمهم في شكليات نصوص صلح الحديبية قابله من جانب المؤمنين السكينة والطمأنينة وكان جوهر المعاهدة في صالح المؤمنين فلم يتمكن المشركون من استفزاز المسلمين: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (٢٦) وما لبثت ثمار صلح الحديبية أن تحققت، فبعد عام من إبرامها عاد المسلمون فدخلوا مكة سلما وأدوا مناسك العمرة، وبعد أقل من عام آخر أي في رمضان
следующие страницы →