← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الآية الأولى من السورة إخبار بالغيب لأنها تشير إلى النصر المعنوي الذي تحقق للرسول ﷺ وللمسلمين عامة بصلح الحديبية والذي بدوره فتح الباب لانتشار الإسلام في جزيرة العرب: ﴿إِنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ (١) ليكون في الفتح، فيما يكون، إبداء لمغفرته تعالى لما تقدم من ذنبه، ﵊، في الجاهلية وما تأخّر في الإسلام، وقالوا أنّ الذنب بالنسبة للنبي ﷺ هو خلاف الأولى، والآية إشارة غير مباشرة أن العصمة من الخطأ هي لله وحده: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ (٢)، أي يتمّ تعالى نعمته على النبي بإعلاء شأن الإسلام ويهديه لتحقيق بعثته النبوية. فيتحقق ذلك بانتشار الإسلام من الأندلس إلى الصين في زمن خلفائه ﷺ : ﴿وَيَنْصُرَكَ اللهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ (٣) ومن نعمته تعالى على النبي أن أنزل السكينة، أي الطمأنينة والثبات، على قلوب صحبه في الحديبية رغم ما كانوا عليه من قلة في العدّة والعدد أمام قوة وكثرة مشركي مكة، فأيقنوا أن لله جنود السماوات والأرض مما زادهم إيمانا مع إيمانهم: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٤) ومن نتائج هذا الفتح المبين وانتشار الإسلام في جزيرة العرب أن يدخل تعالى المؤمنين والمؤمنات في جنات الخلد ويكفّر عنهم سيئاتهم، أي يمحوها، وذلك عند الله غاية ما يطمح إليه كل مؤمن ومؤمنة من الفوز: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥)﴾

стр. 1752

﴿أما المذبذبون ضعاف الإيمان من المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات الذين لم يوقنوا بالتوحيد بل أنكروا الآخرة والمسؤولية فيحيط بهم السوء الذي يتربصونه للمؤمنين ويحل عليهم غضب الله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظّانِّينَ بِاللهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ (٦) فهم في قبضة الله تعالى ليس لهم من محيص: ﴿وَلِلّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (٧) ولم يكن الله تعالى ليترك الناس بلا هداية، فبعث لهم الرسول شاهدا على الوحدانية والحقيقة، بشيرا للمؤمنين، نذيرا للمصرّين على الكفر: ﴿إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ (٨) ليؤمن من يؤمن بالله ورسوله، ولينصر المؤمنون دين الله، ويعظّموه سبحانه ويسبّحوه على الدوام: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (٩) ومع أن الآية التالية تشير إشارة مباشرة إلى بيعة الرضوان، راجع النبذة التاريخية، إلا أن مغزاها عام لكل العصور، بمعنى أن الإيمان بالرسول كالإيمان بالله تعالى، وتكون بالتالي طاعة الرسول واتباع سنته واجبة على المؤمنين بالله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (١٠) ولكن المنافقين وأنصاف المؤمنين ومن قلوبهم مع الدنيا يختلقون شتّى الأعذار في كل زمن للتخلف وللتهرب من التضحية، ولا يقرنون القول بالعمل، وكان ذلك شأن معظم القبائل حول المدينة عندما دعاها الرسول للاشتراك معه في أداء العمرة: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا﴾

стр. 1753

﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (١١) ﴿إذ كانت قلوبهم مع الدنيا، فظنّوا لضعف إيمانهم أن قريشا سوف تقاتل المسلمين العزّل وتقضي عليهم: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ (١٢) وفاتهم أن من لا يجمع بين الإيمان بالله والإيمان برسوله يؤول إلى أسوأ العواقب: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً﴾ (١٣) ومع ذلك فإن الله تعالى يغفر للتائبين إذا تابوا بصدق وقرنوا التوبة بالعمل: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (١٤) والآية التالية تخبر بالغيب أيضا لأنه في العام ٧ هجرية، أي بعد بضعة شهور من صلح الحديبية، أراد المخلّفون اللحاق بالمؤمنين في غزوة خيبر بغرض الاشتراك في الغنائم: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا اِنْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ مع أن القتال يجب أن يكون خالصا لوجه الله، انظر آية [البقرة ١٩٣/ ٢]، وقد سبق نزول الوحي في سورة الأنفال أن الأنفال لله ورسوله فلم يفقهوه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (١٥)، وعدم فقه المخلّفين من الأعراب قادهم إلى ظن الحسد بالمؤمنين. ثم تتنبأ السورة بحروب الردّة وحروب المسلمين مع فارس والروم، وأنه سوف تتاح الفرصة وقتئذ للمخلّفين من الأعراب، الذين تخلّفوا عن الحديبية، لبيان حسن نواياهم بالعمل وليس بالقول: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦)﴾

стр. 1754

﴿وأن المعوّقين من الناس كالأعمى والأعرج والمريض ليس عليهم حرج في التخلّف عن القتال إذا نصحوا لله ورسوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٧) وتتنبأ السورة بفتح خيبر، بل بفتح مكة، في القريب العاجل الذي يلي بيعة الرضوان، وبالفعل فتحت خيبر بعد الحديبية بأشهر، وفتحت مكة بعد أقل من عامين من الحديبية: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (١٨ - ١٩) وقد وعد الله المؤمنين مغانم الدنيا والآخرة، فعجّل لهم مغانم الدنيا، وكفّ أيدي يهود المدينة عنهم كما كفّ عنهم أيدي كفار قريش ففتحت مكة دون قتال، مما هو آية للمؤمنين من بعدهم، وهداية لما يجب أن يكون عليه المؤمنون من الإعداد والتوكل على الله: ﴿وَعَدَكُمُ اللهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ (٢٠) وهنالك مغانم أكثر للمؤمنين من سعادة الآخرة ما هي في علم الغيب: ﴿وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللهُ بِها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ (٢١) ونبوءة أخرى تحققت بهزائم الكفار المتتالية منذ صلح الحديبية حتى انتشار الإسلام، ليس في جزيرة العرب فقط، بل من الصين إلى الأندلس أيام الخلفاء: ﴿وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (٢٢) غير أن هذا الوعد بنصر المسلمين وهزيمة الكفار مشروط بأنه تعالى ينصر من ينصره، انظر آية [محمد ٧/ ٤٧]، وبكون المسلمين أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، انظر آيات [آل عمران ١١٠/ ٣ - ١١١، ١٣٩] وأن الله لا يغير ما

стр. 1755

بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم سلبا أو إيجابا، انظر آية [الأنفال ٥٣/ ٨]، فكل ذلك من سننه تعالى التي لا تتبدل: ﴿سُنَّةَ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً﴾ (٢٣) ﴿وقد أنعم تعالى على المؤمنين في الحديبية بأن توصلوا إلى الصلح مع قريش دون قتال، وفي رواية أن المسلمين أوقعوا في الأسر مجموعة من ٣٠ - ٨٠ من فرسان قريش حاولوا الانقضاض على المسلمين في الحديبية ثم أطلق المسلمون سراحهم بعد الصلح: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ (٢٤) وأنه يستحيل على المرء أن يعرف إن كان غيره من الناس يستحق رحمة الله أو عقابه، وذلك من أسباب عودة الرسول وصحبه إلى المدينة دون أداء العمرة تفاديا لدخول مكة عنوة وتفاديا لوقوع ضحايا أبرياء: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (٢٥) وأنّ استكبار مشركي مكة الذي بدا في حميّتهم الجاهلية وتحكّمهم في شكليات نصوص صلح الحديبية قابله من جانب المؤمنين السكينة والطمأنينة وكان جوهر المعاهدة في صالح المؤمنين فلم يتمكن المشركون من استفزاز المسلمين: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (٢٦) وما لبثت ثمار صلح الحديبية أن تحققت، فبعد عام من إبرامها عاد المسلمون فدخلوا مكة سلما وأدوا مناسك العمرة، وبعد أقل من عام آخر أي في رمضان

стр. 1756

العام ٨ هجرية فتح المسلمون مكة دون قتال: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ (٢٧) ﴿ونبوءة أخيرة بحتمية انتشار الإسلام في أنحاء العالم وظهوره على كافة الأديان: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (٢٨) والآية الأخيرة من السورة تلخص أحداثها بنموذج اجتماعي يتكرر في كل العصور، فهي تشبّه جماعة المؤمنين الناشئة في جزيرة العرب زمن البعثة - وبالتالي في كل مجتمع آخر وفي كل زمن - بالنبتة الصغيرة التي تنمو وتكبر وتشتد، وهو ما برهنت الأحداث في صلح الحديبية وما بعده على صحته: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ﴾ فلا يتوصلون معهم إلى حلول وسط في شؤون العقيدة ﴿رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ أي لشدة تقواهم وتواضعهم تجاه بعضهم البعض ﴿ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ كما كان المفترض في أتباع الديانات السابقة فكذلك في الإسلام: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ﴾، فالصلح يؤتي ثماره باختلاط الكفار مع المسلمين وانتشار ونمو الإسلام سلما بالقناعة والقدوة الحسنة، وبالتالي فإنّ مغفرة الله والأجر العظيم بانتظار من يؤمن من الكفار ويقرن إيمانه بالعمل الصالح: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩)﴾.

стр. 1757

سورة الحجرات - ٤٩ - مدنية نزلت في العام ٩ هجرية، ارتباط السورة بما قبلها الحجرات، الثالثة من مجموعة السور المدنية الثلاث (محمد - الفتح - الحجرات) المتتالية في الترتيب القرآني ومختلفة في سنوات النزول، والمجموعة تتعامل مع تنظيم المجتمع الإسلامي خارجيا لجهة الدفاع عنه (سورة محمد)، ولجهة نشر الإسلام والتبشير به بالقناعة والقدوة الحسنة (سورة الفتح)، وداخليا لجهة أخلاقيات أفراده (سورة الحجرات). محور السورة أخلاقيات المجتمع الإسلامي تجاه الرسول والعلماء من بعده، والمسلمون تجاه بعضهم بعضا، ودعوة الإسلام تجاه الإنسانية عامة.

стр. 1758

النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تبدأ السورة بنهي المؤمنين أن يجعلوا رغباتهم الشخصية متقدمة على ما يأمر به القرآن الكريم وما تقتضيه السنة الشريفة، وبعبارة أخرى عدم تقديم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١) وترشد المؤمنين إلى الأدب في التعامل مع النبي ﷺ ، وبالتالي مع العلماء من بعده لقوله ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء": ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ (٢)، فرفع الصوت على وجه الإيذاء أو الاستهانة محبط للعمل، وخفض الصوت أفضل للاستفهام وللحوار، وقد يحبط العمل دون شعور من صاحبه. والذين يلتزمون قواعد الأدب المشار لها يظهر إلى العلن مظهر من مظاهر تقواهم الموجبة للمغفرة والأجر العظيم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ أُولئِكَ الَّذِينَ اِمْتَحَنَ اللهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٣) أما الذين يستعجلون خروج النبي إليهم بندائه من بيته فذلك مما لا يعقل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤ - ٥) وبعد أن بينت السورة قواعد الأدب مع النبي، وبالتالي العلماء وأولياء الأمر من بعده، تنتقل للإرشاد لوجوب الحفاظ على سمعة الأفراد وبالتالي سلامة المجتمع، فتحذّر من التسرع في تصديق ناقلي الإشاعات وتسمي ناقل الإشاعة فاسقا: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦)﴾

стр. 1759

﴿ومن ذلك أن الرسول ﷺ قدوة المسلمين في التعامل، فهو لا يقبل الأخبار عن طرف ثالث قبل التوثق منها، ولو فعل لكان في ذلك إجهاد المجتمع وهلاكه: ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرّاشِدُونَ * فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٧ - ٨) وإن وقع الخلاف أو الاقتتال بين المؤمنين بنتيجة نقل الإشاعات الكاذبة وجب الإصلاح بينهم بالعدل حتى لو اقتضى الأمر قتال الفئة الباغية: ﴿وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اِقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٩) وأن بين المؤمنين أخوّة دينية توجب السعي للصلح بينهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١٠) كما توجب ترك الإعجاب بالنفس وبالتالي عدم احتقار المؤمنين بعضهم بعضا والاستهزاء بهم، أو التشهير بهم، أو إطلاق ما يكره من الألقاب عليهم، كل ذلك منعا لتفسخ المجتمع، ممّا يكاد يكون فسقا: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (١١) وتنهى عن سوء الظن بالآخرين بمجرد التخمين، فتجعل بعض الظن إثما لأن الظن قد يوجب الشك بالآخرين بما ليس له أساس، كما تنهى عن التجسس على الغير والغيبة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوّابٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾

стр. 1760

﴿ثم تنتقل السورة من كيفية التعامل بين أفراد المجتمع الواحد من المؤمنين إلى كيفية التعامل بين الشعوب فتنهى عن التفاخر والفوقية والعصبية بين الأمم، وتحض على التعارف والحوار ما يؤدي إلى التفاهم بينها سلما، وأن العبرة هي بالتقوى ودعوة الإسلام وليست بالحسب والنسب ودعوة الجاهلية: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١٣) وأنّ العبرة ليست بالإسلام باللسان، وإنما بالإيمان الذي يدخل القلب فيقترن بالعمل بطاعة الله ورسوله: ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ (١٤ - ١٥) وأن الله تعالى يعلم السرائر فلا موجب للتبجّح بكون المرء مسلما أو مؤمنا: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٦). وأن المسلم الحق، إن كان صادقا في دعواه، يحمد الله تعالى أن هداه للإيمان: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٧) والله تعالى عالم الغيب والسر والعلانية عالم بأعمال الناس، فدعوى الإيمان عند أحدهم يلزم أن يصدّقها العمل: ﴿إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)﴾

стр. 1761

سورة ق - ٥٠ - مكية قيل أنها نزلت في السنة الرابعة بعد البعثة، واشتق اسمها من افتتاح السورة بالحرف قاف، وهي السورة الثانية - بعد سورة القلم - التي تفتتح بما يسمى (الحروف المقطعات)، كما هي الأولى في مجموعة سور مكية سبعة متتالية هي: (ق - الذاريات - الطور - النجم - القمر - الرحمن - الواقعة) تبحث في الغيبيات، ارتباط السورة بما قبلها بعد أن انتهت مجموعة السور المدنية الثلاثة (محمد - الفتح - الحجرات) من التعامل مع تنظيم المجتمع الإسلامي خارجيا لجهة الدفاع عنه: (سورة محمد)، وعالميّا لجهة نشر الإسلام والتبشير به: (سورة الفتح)، وداخليا لجهة أخلاقيات أفراده: (سورة الحجرات)، وبتعبير آخر التعامل مع أحوال الحياة الدنيوية، تبدأ سورة ق المكّية في بحث مستقبل الإنسان المتمثل في الموت والبعث والجزاء، وتفتتح كما افتتحت سور الحواميم السبعة ببيان منزلة القرآن المجيد. محور السورة تبدأ السورة وتنتهي بالتذكير بالقرآن المجيد، وتركّز على الموضوعين التوأمين: الموت والبعث، وعجب الكفار من ذلك: ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً ذلِكَ﴾

стр. 1762

﴿رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [٣/ ٥٠]، واختلاط الأمور عليهم فيما يظنون من عشوائية الأقدار وقسوتها وغياب العدالة الدنيوية: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [٥/ ٥٠]، ما لا يمكن فهمه إلا على خلفية الدار الآخرة، فالأمور لا تنتهي بموت الجسد، وبالتالي وجود مغزى من الخليقة: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ [٤/ ٥٠]. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تدعو السورة لتدبر رسالة القرآن المجيد الذي لا يماثله كتاب في العلو والإعجاز: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ (١) ورغم نزول القرآن المجيد الذي يخاطب العقول والإدراك السليم يتعجب الكفار من إنذارهم بواسطة رجل منهم، وتختلط عليهم الأمور، لأنهم يتوهمون أن الرسول يجب أن يكون فوق جنس البشر، والرسالة عندهم يلزم أن تكون معجزات مادية وشعوذات: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (٢) وتهربا من مسؤوليتهم الأخلاقية يودّون استبعاد حقيقة البعث والحساب: ﴿أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً ذلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (٣) مع أنّ الإنسان لا ينتهي بفناء الجسد كما يظنون: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ بل إنّ عمل المرء في دنياه يسجّل له أو عليه: ﴿وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ﴾ (٤) لكنّ هذه الحقائق اضطربت في أذهانهم واختلطت عليهم الأمور، لأن من ينكر الآخرة والحساب تداخله الحيرة في مغزى الحياة وما يظنّ من عشوائية الأقدار وقسوتها: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾

стр. 1763

﴿مع أن التفكر في معجزة خلق السماء والأرض جدير بأن يفتح بصيرتهم ويذكّرهم بالحقيقة ويعيدهم للصواب: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ (٦ - ٨) وكذلك التفكر في معجزة تجدد الخلق في النبات: ﴿وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ﴾ (٩ - ١١) والتفكر في تاريخ الأمم البائدة يفيد أن تكذيبها بالحقيقة أوردها موارد الهلاك: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ * وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ (١٢ - ١٤) فكيف يشكّون في البعث مع أنه تعالى خلقهم أول مرة: ﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ (١٥) والله تعالى غير محدود بالزمان والمكان، حتى أنه محيط بوساوس الإنسان: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ * ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (١٦ - ١٨) وأن طول الأمل والتسويف سبب غرور الإنسان ممّا يؤدي إلى مباغتة المنية له قبل أن يستعدّ لها: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (١٩) ثم يبعث فيشهد عليه عمله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ * وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ﴾ (٢٠ - ٢١) وشبيه بذلك قوله: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء: ١٤/ ١٧].

стр. 1764

﴿وتكشف حجب الغيب فلا يبقى عند المكابرين - بعد فوات الأوان - أي شك في حقيقة الحساب: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ (٢٢) وحديد بمعنى حادّ، وأن قرين السوء - الشيطان - يورد صاحبه مورد الهلاك: ﴿وَقالَ قَرِينُهُ هذا ما لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ (٢٣) وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف ٣٦/ ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿حَتّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ [لزخرف ٣٨/ ٤٣]. فيلقى في جهنم الذين كابروا وأصرّوا على الكفر والشرك، وارتابوا في الآخرة وفي الثواب والعقاب: ﴿أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفّارٍ عَنِيدٍ * مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ﴾ (٢٤ - ٢٦)، وخطاب المثنّى في ﴿أَلْقِيا﴾ إلى السائق والشهيد، الآية ٢٠، فعمل المرء يشهد عليه، ويسوقه إلى عاقبته الطبيعية. وأن ليس باستطاعة الشيطان إجبار أحد على الغواية إلا من كان عنده ميل إلى الضلال فيزيّن له ضلاله: ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (٢٧)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم ٢٢/ ١٤]. كما الأعذار لا تفيد أحدا بعد كشف الحجب: ﴿قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ * يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ اِمْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٢٨ - ٣٠) وبعد أن بينت الآيات (١ - ٣٠) إصرار الكفار على تكذيب الوحي ومنعهم الخير وارتيابهم في البعث وسوء مآلهم في الآخرة، تبين الآيات (٣١ - ٣٥) بالمقابل حسن مآل المتقين الذين آمنوا بالغيب: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ﴾

стр. 1765

﴿بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * اُدْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ ما يَشاؤُنَ فِيها وَلَدَيْنا مَزِيدٌ﴾ (٣١ - ٣٥) ﴿ثم تعود السورة لموضوع الآيات (١٢ - ١٤) فتبرز العبرة من هلاك الحضارات السابقة مهما بلغت قوتها وجبروتها: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٣٧) والعبر لا يعيها إلاّ منفتحو الذهن. وتنفي زعم اليهود في كتبهم "المقدسة" أن الله تعالى بعد أن خلق الكون في ستة حقب زمنية استراح بعدها من التعب، تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ﴾ (٣٨) والخلق في ستة أيام أي في ستة أطوار أو ستة حقب زمنية. فتحضّ على الصبر عليهم والاستعانة على ضلالهم بالتسبيح والصلاة: ﴿فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبارَ السُّجُودِ﴾ (٤٠) وقالوا إن الأمر بالتسبيح كناية عن الأمر بالصلوات المكتوبة. فلا يلبث أن يحين يوم البعث فيسمع الإنسان النداء من مكان قريب، وليس أقرب إليه من داخله، فلا يملك سوى أن يسارع إلى الإجابة: ﴿وَاِسْتَمِعْ يَوْمَ يُنادِ الْمُنادِ مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ * إِنّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ * يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِراعاً ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنا يَسِيرٌ﴾ (٤١ - ٤٤) أما في الحياة الدنيا فما على المؤمن سوى تذكير من يرجى إيمانه: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ وهنا تعود السورة للنقطة التي بدأت منها: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾،

стр. 1766

سورة الذاريات - ٥١ - مكية نزلت في أواخر الفترة المكية، واشتق اسمها من كلمة الذاريات، أي الرياح، المذكورة في أول السورة. ارتباط السورة بما قبلها ختمت سورة ق المتقدمة بوصف البعث والحشر، الآيات [ق ٤١/ ٥٠ - ٤٥]، وتبدأ هذه السورة بتأكيد وقوعهما: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ [الذاريات ٥/ ٥١ - ٦]، وأن الإيمان بالبعث طبيعي في فطرة الإنسان وفي عقله وشعوره، خلا من يؤفك عن ذلك فتفسد فطرته: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات ٨/ ٥١ - ٩]. محور السورة أن ما يلقاه الإنسان من عواقب إن في الدنيا أو في الآخرة ليس سوى نتيجة طبيعية لعمله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [٤٠/ ٥١]، وأن نجاة الإنسان لا تكون إلاّ باللجوء إليه تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [٥٠/ ٥١] وكيفية اللجوء تفسرّه الآية [٥٦/ ٥١]، وأن طغيان البشر هو الذي يؤدي بهم إلى تكذيب

стр. 1767

الرسل: ﴿أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [٥٣/ ٥١]، ولكن ما على المؤمنين سوى البلاغ وترك الحساب على الله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [٥٤/ ٥١]، وتبلغ السورة أوجها بقوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [٥٦/ ٥١] بمعنى أن الغاية من الخلق أن يعرف الإنسان خالقه وأن يكيّف وجوده الدنيوي بحسب إرادته تعالى المبيّنة فيما نزل على الأنبياء والرسل من الوحي، وهذا المفهوم المزدوج المتمثّل في معرفة الله والتكيف بحسب مشيئته في الخلق يفسر المعنى الحقيقي للعبادة، ولأن العبادة لا يستفيد منها سوى المخلوق: ﴿ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ [٥٧/ ٥١]، وأن كل عمل شر يحمل في طياته بذور عواقبه إن في الدنيا أو في الآخرة: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [٥٩/ ٥١]. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تبدأ السورة بتذكير الإنسان بواحدة من عجائب الخلق، وهي الرياح التي تذرو الغبار وتحمل الغيوم وتجري بها بسهولة وتوزّع الأمطار على البلاد، فتتحقق معجزة الحياة، ممّا يؤكد وجود خالق مدبّر، ومغزى للخلق: ﴿وَالذّارِياتِ ذَرْواً * فَالْحامِلاتِ وِقْراً * فَالْجارِياتِ يُسْراً * فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً﴾ (١ - ٤) وبالتالي حتمية البعث: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ﴾ (٥) وحتمية الحساب: ﴿وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ﴾ (٦)، والدين بمعنى الحساب، ومنه الحديث: "كما تدين تدان". وتحضّ على التفكر في معجزة خلق السماوات الهائلة: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾ والحبك مسارات الكواكب والنجوم،

стр. 1768

﴿ومع ذلك فهنالك من البشر من يختلف مع هذا الواقع فيشكك في الوحي والبعث والحساب، ويذهبون في ذلك نظريات متعددة: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ﴾ (٨) رغم أن الإيمان بالله والتصديق بالبعث بعد الموت مغروس طبيعيا في فطرة الإنسان وفي عقله وشعوره، لكن من الناس من تفسد فطرته فيؤفك عن ذلك: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ (٩) وفساد الفطرة يؤدي بالضرورة إلى هلاك أصحابها بسبب الغفلة والتشكيك بيوم الحساب: ﴿قُتِلَ الْخَرّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ * يَسْئَلُونَ أَيّانَ يَوْمُ الدِّينِ﴾ (١٠ - ١٢) والخراصون الكذابون القائلون تخمينا بما لا يصحّ، فهم يسألون تهكما: متى يوم الحساب؟ فذلك يوم يعذّبون على النار التي كانوا يتهكمون باستعجالها: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (١٣ - ١٤) بخلاف المتقين ذوي الفطرة السليمة الموصوفين بالإحسان في كل شيء: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ * كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (١٥ - ١٨) وفي إيتاء جزء من أموالهم للسائل والمحروم كحقّ من حقوق السائلين والمحرومين: ﴿وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (١٩) والآيات التي عمي عنها الخرّاصون كثيرة في الأرض وفي الأنفس، وجديرة أن يبصرها كل فرد: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ (٢١ - ٢٢) ومن الآيات أيضا أنه تعالى يرزق العباد الرزق المادي والرزق الروحاني: ﴿وَفِي السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَما تُوعَدُونَ﴾ (٢٠ - ٢٢)

стр. 1769

﴿كل ذلك ما يؤكد حقيقة البعث: ﴿فَوَ رَبِّ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ (٢٣) ومن هذه الآيات قصة إبراهيم ﵇ ومجيء الملائكة له مبشرين بولادة إسحاق وبنزول العقاب بالمجرمين من قوم لوط وما يؤول إليه أمثالهم من العذاب الأليم: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ اِمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ * قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢٤ - ٣٦) لكن المنتفع من الآيات هو الذي يأخذ العبر منها فيخاف سوء العاقبة: ﴿وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (٣٧)، والآية المشار لها هي الدمار التام لأرض قرى لوط، ثم قصة موسى وبعثته إلى فرعون الذي أدّى به سلطانه واستكباره إلى عمى القلب حتى اتّهم موسى بالسحر أو الجنون، فكانت عاقبة أمره أن غرق في اليم مع جنوده: ﴿وَفِي مُوسى إِذْ أَرْسَلْناهُ إِلى فِرْعَوْنَ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلّى بِرُكْنِهِ وَقالَ ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ (٣٨ - ٤٠)، فما يلقاه الإنسان من عواقب سيئة إن في الدنيا أو في الآخرة ليس سوى نتيجة طبيعية لعمله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ (٤٠) ومثل ذلك كانت قصص قوم عاد وثمود ونوح الذين تمتعوا في الحياة الدنيا لأمد معلوم: ﴿وَفِي عادٍ إِذْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ * ما تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ﴾

стр. 1770

﴿عَلَيْهِ إِلاّ جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ * وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتّى حِينٍ﴾ (٤١ - ٤٣) فمتاع الدنيا لا يدوم. ﴿حتى لقوا عاقبة أمرهم: ﴿فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * فَمَا اِسْتَطاعُوا مِنْ قِيامٍ وَما كانُوا مُنْتَصِرِينَ﴾ (٤٤ - ٤٥) ومثلهم قوم نوح من قبلهم: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ (٤٦) ثم تعود السورة لتضرب مثلا بعض معجزات الخلق الباهرة كمعجزة خلق الكون الذي يتسع باستمرار: ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ﴾ (٤٧) ومعجزة خلق الأرض بما فيها من موارد صالحة لتمهيد حياة البشر: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ (٤٨) ومعجزة خلق زوجين من كل شيء، كخلق الذكر والأنثى في الإنسان والحيوان والنبات، والليل والنهار، والحار والبارد، والموجب والسالب في الكهرباء والمغناطيس وشحنات البروتون والالكترون: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٤٩) والنتيجة: أنّ من يبصر كل ذلك يفهم أن النجاة لا تكون إلاّ باللجوء إليه تعالى وحده دون غيره: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٥٠) ولذا فإنّ الشرك أعظم الكبائر: ﴿وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلهاً آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٥١) وأن من البشر من دأب على تكذيب الرسل، ومردّ ذلك يعود إلى الطغيان والتكبر: ﴿كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ (٥٢ - ٥٣)

стр. 1771

﴿ولكن ما على المؤمنين سوى تذكير من تنفعه الذكرى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ * وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥٤ - ٥٥) وأن مغزى خلق الجن والإنس هو العبادة، بمعنى معرفة الله والإقرار بالتوحيد، والاستسلام لمشيئته تعالى في الخليقة المتمثلة في قبول الرسالات المتتالية التي نزلت على الأنبياء والرسل وختامها الإسلام، وتكييف الحياة والمعيشة وفق ذلك: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٥٦) فالعبادة تعود بالسعادة وبالنفع على العباد وحدهم، لأنه تعالى غني عن العالمين: ﴿ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (٥٧ - ٥٨) وأن أعمال الشر تحمل في طياتها بذور العواقب الوخيمة لمرتكبيها، إن في الدنيا أو في الآخرة، فماذا يستعجل منها المجرمون: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ * فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ (٥٩ - ٦٠).

стр. 1772

سورة الطور - ٥٢ - مكية نزلت في أواخر الفترة المكية، واشتق اسمها من ذكر كلمة الطور - جبل سيناء - بأول السورة، إشارة إلى بدء الرسالات السماوية الثلاث الأخيرة. ارتباط السورة بما قبلها تبدو أول السورة وكأنها استمرار لآخر الخطاب في سورة الذاريات المتقدمة حيث يتهكم المجرمون باستعجال العذاب: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ فَلا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات ٥٩/ ٥١]، فتبدأ سورة الطور بتأكيد وقوعه لأمثالهم لا محالة: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ * ما لَهُ مِنْ دافِعٍ﴾ [الطور ٧/ ٥٢ - ٨]، كما أن تركيز سورة الذاريات على قوله تعالى: ﴿وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦/ ٥١] يتبعه في سورة الطور أن المكذّبين يشكّون في صحة الوحي دون دليل عقلي، بل إن طغيان عقولهم يزيّن لهم الشعور بالاكتفاء الذاتي وعدم حاجتهم إلى الوحي: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الطور ٣٢/ ٥٢]، مع أنهم قاصرون عن خزائن العلم والغيب والقدرة الإلهية: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [الطور ٣٧/ ٥٢].

стр. 1773

محور السورة تحشد السورة البراهين الواضحة على صدق الوحي الذي نزل على الرسل مفهوما لمن أراد أن يفهم، ما لا يترك عذرا للمكابرين، وبالتالي العاقبة الوخيمة التي تحيق بهم بما هو ضرورة متلازمة مع سلوكهم في الحياة الدنيا: ﴿اِصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [١٦/ ٥٢]، وأن الطغيان أول ما يطغى على عقل صاحبه: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [٣٢/ ٥٢]، وأنهم عاجزون كل العجز عن الإتيان بمثل القرآن: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [٣٤/ ٥٢]، بل إنهم قاصرون عن خزائن العلم والغيب والقدرة الإلهية: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ [٣٧/ ٥٢]، وأن الصبر وانتظار حكم الله واجب: ﴿وَاِصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [٤٨/ ٥٢]. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تبدأ السورة بالإشارة لجبل الطور بسيناء حيث نزل الوحي على موسى ﵇: ﴿وَالطُّورِ﴾ (١) وإشارة أيضا إلى كتب الوحي التي نزلت على الأنبياء: ﴿وَكِتابٍ مَسْطُورٍ﴾ (٢) والوحي واضح ومنشور لمن أراد الفهم: ﴿فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ (٣) وإشارة إلى بيوت العبادة، وقيل إلى المسجد الحرام خاصة المعمور بزوّاره: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ (٤) وإشارة أيضا إلى معجزته خلق السماوات التي تبهر العقول: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾

стр. 1774

﴿والبحار التي تموج وما فيها من مخلوقات: ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ (٦) كل ذلك الإعجاز ما يشير أن الخلق ليس عبثا، بل إلى حتمية الحساب والمسؤولية الأخلاقية تجاه الخالق: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ لَواقِعٌ * ما لَهُ مِنْ دافِعٍ﴾ (٨) وأنّ النظام النظام الكوني والدنيوي الذي نعرفه محدود في الزمان والمكان، وبعده تبدأ مرحلة جديدة من الخلق: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّماءُ مَوْراً * وَتَسِيرُ الْجِبالُ سَيْراً﴾ (٩ - ١٠) كل ذلك ما ينذر المكابرين المكذّبين بالوحي، الخائضين فيما لا يعلمون: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ﴾ (١١ - ١٢) أن لا مفر من تحمل جزائهم المترتب على سلوكهم: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا * هذِهِ النّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ﴾ (١٣ - ١٤) فيوقنوا وقتئذ بما كانوا يظنونه عبقرية وسحرا: ﴿أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ﴾ (١٥) وأن العذاب الذي ينتظر أمثالهم ليس سوى نتيجة طبيعية ومنطقية لسلوكهم خلال حياتهم الدنيا، فيستوي إذن أن يصبروا أو لا يصبروا عليه: ﴿اِصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٦) كما أن النعيم الذي ينتظر المتقين نتيجة طبيعية أيضا لما كانوا عليه في حياتهم من عمل واستبصار: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَعِيمٍ * فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ * كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ (١٧ - ٢٠) ومن ذلك أنّ تربية الذرية على الصلاح ما يؤدي لتقواها تزيد من حسنات الآباء: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاِتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ﴾

стр. 1775

﴿عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ غير أن المسؤولية فردية، فتقوى الآباء لا تعفي الأبناء من المسؤولية في حال ضلّوا عن الطريق السوي: ﴿كُلُّ اِمْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ﴾ (٢١) ﴿وأنهم ينعمون بالرضا الداخلي التام وبالسلام الروحي: ﴿وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ * يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ (٢٢ - ٢٤) وإقبال بعضهم على بعض في الآخرة يتساءلون عما كانت عليه أحوالهم في الدنيا دليل على أن الآخرة استمرار للدنيا ونتيجة طبيعية لها: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ * قالُوا إِنّا كُنّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ * فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ * إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ (٢٥ - ٢٨) وأن ليس على الرسول - وبالتالي المؤمنين - سوى التذكير لا الإكراه: ﴿فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ﴾ (٢٩) لأن المكابرين في حالة ريب وتخبط في أقوالهم وأفكارهم بسبب قصور فكرهم على الحياة الدنيا، وهم يتربصون أن يتضح زيف الرسالة بزعمهم، في حين الرسول والمؤمنون يتربصون تحقق صدقها على وجه اليقين: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ (٣٠ - ٣١) وأن الطغيان أول ما يطغى على عقل صاحبه: ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ﴾ (٣٢) والأحلام هي العقول. فيؤدي به إلى التكبر والشعور بالاكتفاء الذاتي وإلى الزعم أن القرآن ليس سوى قول البشر: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ (٣٣)﴾

стр. 1776

﴿في حين أنهم عاجزون كل العجز عن الإتيان بمثله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ (٣٤) وأن ضعف اليقين يقود إلى التخبط في حقيقة الخلق: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ﴾ (٣٥ - ٣٦) وأن لله وحده خزائن الغيب والعلم النهائي والقدرة المطلقة ما لا يستطيعون الإحاطة به: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ * أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (٣٧ - ٣٨) ومن تخبط المشركين في الجاهلية أن زعموا الأصنام بنات الله، فنسبوا لله ما يكرهون لأنفسهم: ﴿أَمْ لَهُ الْبَناتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ﴾ (٣٩) وأن النبي كان بصدد تصحيح مفاهيمهم المغلوطة وليس بصدد نفع مادي شخصي يثقل كاهلهم: ﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ (٤٠) وبكل تأكيد لا يحيطون بشيء من علوم الغيب التي خارج النطاق البشري، وإنما يجرون وراء الأوهام التي تزيّن لهم أنهم محور الكون وقادرون على السيطرة عليه كما هي حال الكثيرين اليوم ممن أصابهم غرور التكنولوجيا: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٤١) وإن كانوا يترصدون السيرة النبوية والقرآن الكريم لاستنباط ما يتوهمون أنه تناقضات كما يفعل بعض المستشرقين اليوم، فقد غفلوا عن وقوعهم هم في التناقضات: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ﴾ (٤٢) ويظنّون أنّ بإمكانهم الاعتماد على حولهم وقوّتهم مع أنّ القوة لله جميعا: ﴿أَمْ لَهُمْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ (٤٣)﴾

стр. 1777

﴿وأنهم يفسرون إشارات العذاب بصورة سطحية: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ﴾ (٤٤) ومع ذلك فعلى المؤمن الصبر عليهم حتى تحين العاقبة: ﴿فَذَرْهُمْ حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ * يَوْمَ لا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (٤٥ - ٤٦) وأن العذاب لا بد أن يقع بهم في الحياة الدنيا قبل الآخرة فيبقى أكثرهم عمون عن سببه: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذاباً دُونَ ذلِكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤٧) ومن عذاب الدنيا شعورهم بالوحدة والتيه والضياع. ولذا فإن الصبر وانتظار حكم الله واجب وجوب التسبيح والحمد على الدوام: ﴿وَاِصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ (٤٨ - ٤٩).

стр. 1778

سورة النجم - ٥٣ - مكية من أوائل السور المكية، غير أن بعضا من آياتها (١٣ - ١٨) - كالتي تشير إلى حادثة المعراج - نزلت في وقت مكّي متأخر أي حوالي سنة واحدة قبل الهجرة النبوية، واشتق اسم السورة من كلمة النجم المذكورة في أولها والتي تشير إلى بداية نزول القرآن منجّما. ارتباط السورة بما قبلها تبدو الاستمرارية بين هذه السورة وسورة الطور التي قبلها إذ تحض سورة الطور في آخرها المؤمنين على الصبر على الكفار وتأمرهم بالتسبيح وقت الصبح - إدبار النجوم -: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبارَ النُّجُومِ﴾ [الطور ٤٩/ ٥٢]، ثم بداية هذه السورة بقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ [النجم ١/ ٥٣]، إشارة إلى ابتداء نزول القرآن منجّما على النبي ﷺ . وإذ حشدت سورة الطور البراهين الواضحة على صدق الوحي، وأن المكابرين عاجزون كل العجز عن الإتيان بمثل القرآن: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤/ ٥٢]، تظهر سورة النجم الإعجاز القرآني في نزوله منجّما على النبي ﷺ على مدى بعثته النبوية بترتيب مختلف عن ترتيب النزول.

стр. 1779

محور السورة الإعجاز في نزول القرآن منجّما على مدى ٢٣ عاما من البعثة النبوية دليل قاطع على استحالة ضلال النبي، ودليل أيضا على أنه وحي عن طريق جبريل الذي رآه النبي بصورته الحقيقية مرتين: الأولى في بداية الوحي كما في قوله تعالى: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى * ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى * فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ [٦/ ٥٣ - ٩]، والثانية ليلة المعراج عندما رأى بعضا من مظاهر الحقيقة الغيبية المطلقة: ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ [١٨/ ٥٣] وفي مقابل تلك الحقيقة الغيبية المطلقة تلفت السورة النظر إلى رموز زائفة يسبغ عليها بعض الجهلة صفات وقدرات إلهية مزعومة كما كانت العرب تفعل في الجاهلية مع أوثانها، وكما يفعل البعض في كل زمان ومكان اتّباعا للظن والهوى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى﴾ [٢٣/ ٥٣] وأن الظن لا يغني عن العلم اليقيني: ﴿وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ [٢٨/ ٥٣] والنتيجة أن السورة تأمر المؤمنين بالإعراض عن أمثال هؤلاء الغافلين اللاهين، لأن تولّيهم عن الذكر جعل الحياة الدنيا واستغراقهم بها منتهى علمهم: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ [٢٩/ ٥٣] ولأنه تعالى يجازي كلاّ بعمله: ﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [٣٨/ ٥٣]، وتختم السورة بنهي المؤمنين عن الفخر والإعجاب بالنفس غرورا، وتحشد شواهد المعجزات الكونية وعبرا من نماذج الأمم البائدة والسنن الكونية، وبالتالي تنذر الناس بقرب وقوع الساعة والحساب، وتحذرهم من الغفلة: ﴿وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾ [٦١/ ٥٣] وتدعوهم لعبادة الله الواحد الأحد والسجود له.

стр. 1780

النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تبدأ السورة بالتنبيه على زاوية من زوايا الإعجاز القرآني المذهلة وهي تنزّل القرآن نجوما على مدى ثلاثة وعشرين عاما من البعثة النبوية الشريفة، لأنّ ترتيب النزول بالآيات والسور غير ترتيب القرآن، فهو كلوحة من الفسيفساء هائلة، كان النبي الأميّ يأمر بوضع كل آية وقت نزولها في مكانها الصحيح من تلك اللوحة ولم يكن لديه مجال للتنقيح أو التعديل أو التغيير كما لم يكن لديه من مرونة وتكنولوجيا وسائل الكتابة والطباعة ما نعرفه اليوم، ومع ذلك يكتمل الوحي بعد ثلاثة وعشرين عاما من البعثة بقرآن متكامل متماسك معجز، كل سورة من سوره متسلسلة الآيات من أولها لآخرها بنظم فائق الإحكام، وكل سورة في ترتيبها القرآني متصلة مع ما قبلها وما بعدها من السور كأن القرآن كلّه سورة واحدة، كل ذلك ما يفيد قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ (١)، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة ٧٥/ ٥٦]، ما يدلّ أن ترتيب السور والآيات توقيفي من الله . فيستحيل إذن اتهامهم للنبي بالضلال مع هذا الإعجاز، فهو قطعا لم يضل ولم يعتقد باطلا: ﴿ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى﴾ (٢)، وتعبير "صاحبكم" إشارة لسيرته الشريفة في قومه وما عرف عنه طيلة حياته من الاستقامة والأمانة. ويستحيل أن يكون الوحي من عنده، فهو لا يتّبع هواه: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى﴾ (٣) وما القرآن الذي ينطق به سوى وحي من الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحى (٤)﴾

стр. 1781

﴿والذي علّمه القرآن هو واسطة الوحي جبريل ﵇: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى﴾ (٥)، وجبريل شديد القوى لما به من قوى خارقة كما سيرد وصف بعضها بالآيات التالية. وقد استوى جبريل للنبي في الأفق الأعلى بمنظر وهيبة عظيمين: ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى﴾ (٦ - ٧) ثم اقترب من النبي متدلّيا من الأفق حتى صار شديد القرب منه: ﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى * فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى﴾ (٨ - ٩) فأوحى تعالى إلى عبده محمد، بواسطة جبريل، ما قضى تعالى بإيحائه: ﴿فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ (١٠) وفي الآية إشارة ضمنية أن الله تعالى لا يكشف حجب الغيب كاملة حتى لأنبيائه المختارين. وإذ كان النبي واعيا تمام الوعي لما رأى فلم يكن لديه أدنى شك في حقيقته، بل إن ما رآه الفؤاد - روحانيا - تطابق مع الواقع فلم يكذّبه: ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ (١١) ولمّا لم يكن ما رآه النبي ضلالا فأنّى للمشككين أن يجادلوا فيما لا يعلمون: ﴿أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ (١٢) ولقد رأى النبيّ جبريل مرة أخرى ليلة المعراج عندما نزل إليه جبريل، كما سبق أن نزل إليه في غار حراء عندما دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى﴾ (١٣ - ١٥) ووصف السدرة بالمنتهى قد يكون إشارة لأنها منتهى ما يمكن أن يعرفه البشر - بمن فيهم الأنبياء - عن الحقيقة المطلقة التي احتفظ بها الخالق لنفسه.

стр. 1782

﴿وقد غشي السدرة ما يغشى من الجلال والهيبة والروعة ما لا يمكن لوصف أن يعبّر عنه أو يحيط به: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ (١٦) ولم يكن هنالك من زيغ في بصر النبي إذ لم ينحرف عن حقيقة ما رآه، ولا طغى عن الواقع فما زاد عليه: ﴿ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ (١٧) فرأى النبي ﷺ بعضا من آيات ربه: ﴿لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى﴾ (١٨) بمعنى أنه لم يرها جميعا تأكيدا لما سبق ذكره بالآية (١٠) ومن قمة الحقائق الغيبية السامية التي رآها الرسول ﷺ ابتداء من نزول الوحي القرآني عليه في غار حراء ثم ما شاهده ليلة المعراج، تنتقل السورة فتقارن ذلك مع حضيض الأوهام والرموز الزائفة التي كان يتعلق بها مشركو مكة كأصنام اللات والعزّى ومناة التي زعموا أنها والملائكة بنات الله ونسبوا إليها قدرات إلهية مزعومة: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزّى * وَمَناةَ الثّالِثَةَ الْأُخْرى﴾ (١٩ - ٢٠) وهذا الزعم من طرفهم في منتهى السخافة والتناقض، إذ هم يحتقرون الأناث ويئدون البنات ثم ينسبون إلى الله تعالى ما يكرهون: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى * تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ (٢١ - ٢٢) أي قسمة جائرة، كما أن أصنامهم في منتهى العجز فهي لا تعدو كونها أسماء فارغة، وعلى النقيض من الهدى اليقيني الذي جاءهم به الرسول، فإنهم من قبيل الظنّ يعتقدون أن الأصنام تقربهم إلى الله زلفى: ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى﴾ (٢٣) ومن قبيل التمنّي أيضا يظنون أنّ أوثانهم تشفع لهم عند الله تعالى: ﴿أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنّى (٢٤)﴾

стр. 1783

﴿مع أنّ مقاليد الحياة الآخرة والحياة الدنيا بيده تعالى وحده فليس بحاجة إلى شفعاء: ﴿فَلِلّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى﴾ (٢٥) وإن كانت الملائكة لا تغني شفاعتها شيئا فمن باب أولى أن آلهتهم المزعومة لا تقدر على شيء: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى﴾ (٢٦) وحتى الملائكة لا تشفع إلا لمن يشاء تعالى أن تشفع له ويراه سبحانه أهلا للشفاعة. وإن تسميتهم الملائكة بنات الله من الشناعة بحيث لا يجترئ عليها إلاّ كمن لا يؤمن بالآخرة أصلا ويأمن عقابها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى﴾ (٢٧) وهم يتخبّطون في أمور الغيب، ويستخدمون الظنّ في مواضع اليقين: ﴿وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ (٢٨) فلا على المؤمن المبالغة في الحرص على هداية من أصرّ على التولّي عن القرآن وانهمك في الجري وراء الدنيا: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا﴾ (٢٩) والسبب في الأمر بالاعراض عنهم أنّ منتهى علمهم مقتصر على الحياة الدنيا دون الآخرة فلا فائدة من المبالغة في الحرص على هداهم، ولا يقابلهم المرء بصنيعهم، وأمرهم إلى الله: ﴿ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِهْتَدى﴾ (٣٠)، وأنه تعالى أعلم بمن يؤول به استعداده السيء وفطرته التي فسدت إلى الضلال، وأعلم أيضا بمن يؤول به استعداده الحسن والفطرة السليمة إلى الهداية. وأن الله تعالى يجازي كلاّ بعمله، وفي حين أن المسيء يلاقي جزاء إساءته تطبيقا للعدالة، فإن المحسن يلاقي أضعاف إحسانه: ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ﴾

стр. 1784

﴿وَما فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ (٣١)، ونظيره قوله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٦٠/ ٦]. ﴿أما الذين أحسنوا الموصوفون باجتناب الكبائر والفواحش: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ﴾ فليس من إنسان معصوم عن الخطأ: ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ لأن الإنسان خلق ضعيفا، انظر [٢٨/ ٤]، وقد خلق تعالى البشر من سلالة من طين، انظر آية [١٢/ ٢٣]: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ ثم خلقهم أجنّة ضعافا في بطون أمهاتهم: ﴿وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ﴾ فهو أعلم بهم من أنفسهم فلا يفخرنّ أحد بصلاحه ولا يعجب بنفسه: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اِتَّقى﴾ (٣٢)، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ [النساء ٤٩/ ٤]. وهنا تعود السورة لموضوع الآيات (٢٩ - ٣١): ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ (٣٣)، أي الذي تولّى عن الذكر المشار إليه بالآية (٢٩). ولم يتصدّق إلاّ بالقليل على مضض واتّبع شحّ نفسه: ﴿وَأَعْطى قَلِيلاً وَأَكْدى﴾ (٣٤) فأنّى له التأكد أن ليس من آخرة ولا حساب؟ ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى﴾ (٣٥) رغم أنه سبق بعث الرسل، كإبراهيم وموسى، بحقيقة الآخرة والحساب: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى * وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ (٣٦ - ٣٧) وأنّ المسؤولية فردية، فآلهتهم المزعومة كاللات والعزّى ومناة وأمثالها لا تفيد شيئا ولا تشفع لأحد، كما لا يفيد أحدا الزعم أن المسيح افتدى خطايا البشر بالنيابة عنهم: ﴿أَلاّ تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨)﴾

стр. 1785

﴿بل إن الإنسان يحاسب على ما قدّم من عمل في دنياه، وما أخّر أي ما ترك من عمل فلم يقم به: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاّ ما سَعى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى * ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى﴾ (٣٩ - ٤١) وأن ليس من شيء في الوجود إلاّ وينتهي أمره إليه تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ (٤٢) وقد أودع في الإنسان قابلية الضحك والبكاء وأوجد سنن السعادة والشقاء: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكى﴾ (٤٣) وخلق في الدنيا معجزة الموت والحياة، ومعجزة الذكر والأنثى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَأَحْيا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذا تُمْنى﴾ (٤٤ - ٤٦) ثم يكمل ذلك بنشأة الآخرة: ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرى﴾ (٤٧) ومنه وحده العطاء الذي يغني الإنسان فيقتني ما يحلو له: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى﴾ (٤٨) ومع ذلك كان من العرب في الجاهلية من يعبد نجم الشعرى المضيء وينسبون له تأثيرات معينة فالآية تنفي ذلك: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى﴾ (٤٩) والآية أيضا مجاز أنه تعالى رب الكون بأكمله ومدبّر أموره. وأن من سننه تعالى في الحياة الدنيا أن الظلم والطغيان يؤديان إلى هلاك أصحابه كما حدث لعاد وثمود وقوم نوح والمؤتفكة - قوم لوط - كلّهم هلكوا بظلمهم وطغيانهم: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى * وَثَمُودَ فَما أَبْقى * وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى﴾ (٥٠ - ٥٢) وجعل مصير قرى قوم لوط إلى الهاوية إذ انقلب عاليها سافلها وغشّاها من العذاب ما لا يعرف مداه: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى * فَغَشّاها ما غَشّى﴾ (٥٣ - ٥٤)

стр. 1786

﴿فكيف للإنسان، الآيات (٣٣ - ٣٥)، أن يشكك في عظمة الخلق والقدرة الإلهية: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ (٥٥) فهذا القرآن ليس سوى استمرار للرسالات الأولى التي سبقته في الإنذار بالقيامة والحساب: ﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى﴾ (٥٦) وفي الآية عودة ضمنية إلى أول السورة التي تشير لنزول القرآن منجّما. فالساعة قريبة وهي تقترب أكثر فأكثر: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ (٥٧) ولا يكشف ساعة وقوعها إلا الله: ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ (٥٨) والمعلوم أنّ اقتراب وقوعها لا علاقة له بالمفهوم البشري للزمن. فكيف يعجبون من آيات القرآن الكريم وإنذاره لهم بوقوع الساعة: ﴿أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ (٥٩) وهنا أيضا إشارة ضمنية لإعجاز القرآن وعودة لموضوع أول السورة. فالآخرة المحتومة والحساب القادم يستحقان البكاء وليس الضحك: ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ﴾ (٦٠) ومع ذلك فإنّهم لاهون غافلون يضيعون أوقاتهم في أعمال دنيوية ليست في واقعها سوى خيلاء فارغ: ﴿وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾ (٦١) في إشارة إلى المذكورين بالآيات (٢٨ - ٣٠) و (٣٣ - ٣٧). في حين من الخير لهم معرفة خالقهم واتباع قرآنهم وتكييف حياتهم وفق ما خلقوا لأجله والسجود والعبادة لخالقهم قولا وفعلا: ﴿فَاسْجُدُوا لِلّهِ وَاُعْبُدُوا (٦٢)﴾

стр. 1787

سورة القمر - ٥٤ - مكية نزلت في أوائل الفترة المكية. ارتباط السورة بما قبلها هنالك استمرارية واضحة بين آخر سورة النجم: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم ٥٧/ ٥٣]، وبين بداية هذه السورة: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١/ ٥٤]، وأيضا الإشارة لإعراض المعرضين في سورة النجم: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النجم ٣٣/ ٥٣]، والإشارة لإعراضهم في هذه السورة: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر ٢/ ٥٤]، وإخبار سورة النجم عن معراج النبي ورؤيته جبريل ما يقابل قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر ٤/ ٥٤]، وقوله تعالى في سورة النجم: ﴿أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم ٥٩/ ٥٣]، ثم قوله في هذه السورة: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧/ ٥٤]، وقوله تعالى في سورة النجم: ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ﴾ [النجم ٦٠/ ٥٣] في إشارة لقوله في سورة القمر: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ [القمر ٤٦/ ٥٤]،

стр. 1788

وقوله تعالى في سورة النجم: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى * وَثَمُودَ فَما أَبْقى﴾ إلى قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ [النجم ٥٣/ ٥٣]، ثم تفصيل هلاكهم في سورة القمر. وإن فسّرنا قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ [النجم ١/ ٥٣] على ظاهره، فتكون هنالك علاقة بين الإشارة لهويّ النجم في السورة السابقة والإشارة لانشقاق القمر في هذه السورة، ما يفيد اختلال النظام الكوني عند وقوع الساعة. محور السورة تقرر السورة اقتراب الساعة وحتمية وقوعها وعندها يختل النظام الكوني الذي نعرفه: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [١/ ٥٤] ومع ذلك فالناس في إعراض وتكذيب واتّباع للهوى، مع أن الأحداث زاخرة بالعبر وبالحكم البالغة: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [٤/ ٥٤] والقليل من الناس من يتواضع ويعتبر: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [٥/ ٥٤] ما يوجب على العاقل التولّي عن المستكبرين: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [٦/ ٥٤]، ثم تضرب السورة أمثلة على ذلك قصصا من سننه تعالى في خلقه كأخبار قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط والعبر منها والعواقب الوخيمة التي انتهت إليها هذه الأقوام كنتيجة طبيعية لما كانت عليه من الاعتداد بالنفس والتولّي عن الذّكر، وأن الكفار في كل وقت لا يشذّون عن هذه القاعدة: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [٥١/ ٥٤]، وأن كثرة من هم على الباطل ليست بالضرورة مؤشرا أنهم على صواب: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [٤٤/ ٥٤]، بل على النقيض من ذلك فإن نهايتهم المحتومة لا مفر منها: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [٤٥/ ٥٤]،

стр. 1789

وأنه تعالى لم يكن ليهلك قوما قبل إنذارهم بمعايير الصواب من الخطأ: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [٥٢/ ٥٤]، وأنه ختم الرسالات السماوية بالقرآن الكريم ميسّرا لمن أراد أن يتذكر الحقائق ومعايير الأخلاق والعبر، ويتذكر الميثاق الفطري المأخوذ عليه في الأصلاب: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [٤٠/ ٥٤]. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تبدأ السورة بتأكيد اقتراب الساعة، وعندئذ يختل النظام الكوني من قمر وغيره، واستخدام الفعل الماضي لبيان تحقق وقوعها لا محالة فكأنها وقعت فعلا، وقيل إنهم رأوا القمر منشقا وقت بعثة النبي ﷺ : ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (١) والواضح من آيات قرآنية عديدة أن لا علاقة لاقتراب الساعة بالمفهوم البشري للزمن. ومع ذلك فالكفار مكابرون معرضون يعزون الآيات الباهرة من حولهم إلى السحر والصدفة: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (٢) وتوضح السورة أن سبب التكذيب يعود إلى اتّباع الهوى، ولكن لا بد للحقيقة أن تستقر وتظهر للمكذّبين، إن عاجلا في الدنيا أو آجلا في الآخرة: ﴿وَكَذَّبُوا وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ (٣) والحكم البالغة فيما جاء من إخبار الوحي عن الحياة الآخرة، وأنّ أعمال المرء في هذه الدنيا يترتب عليها نتائج معينة في الآخرة، وما سبق من العبر في تاريخ الأمم البائدة، وما يشاهد في الكون من آيات الخلق وتجدده، كل هذه الأنباء تزجر منفتحي الذهن غير أنها لا تفيد المصرّين على التكذيب: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤)﴾

стр. 1790

﴿فالنذر وما فيها من الحكم البالغة لا تنفع المكابرين ولا تزجرهم لأنهم في حالة من التشنج الفكري واتخاذ القرار المسبق: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ (٥) ولا سبيل للمؤمن في هذه الحالة سوى التولّي عنهم فليس عليه إلجاء غيره إلى الإيمان قسرا: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ (٦) فلا سبيل إلى إيمان المصرّين على الكفر إلاّ يوم الحشر، عندما لا ينفعهم إيمان المعاينة: ﴿خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ (٧ - ٨) وأن مثلهم كمثل قوم نوح من قبلهم كذّبوا بالبعث والجزاء، كما كذّبوا نبيّهم ونسبوه إلى الجنون وزجروه بدلا من أن تكون بعثته زجرا لهم عما كانوا عليه من الضلال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَاُزْدُجِرَ﴾ (٩) فلما أيس منهم ومن إيمانهم دعا ربّه: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ (١٠)، ونظيره دعاؤه عليهم بآية [نوح ٢٦/ ٧١]. فلاقوا جزاءهم في الدنيا قبل الآخرة: ﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ (١١ - ١٢) عندما التقت مياه السماء بينابيع الأرض. ونجا نوح والمؤمنون على سفينة أعدّوها سلفا من ألواح خشبية ومسامير أو رباطات من ليف، ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ﴾ (١٣) وقوله ﴿ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ﴾ دلالة على ضعف التدبير البشري لولا أنّ السفينة تجري بعناية الله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤)﴾
следующие страницы →