Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
﴿فكيف للإنسان، الآيات (٣٣ - ٣٥)، أن يشكك في عظمة الخلق والقدرة الإلهية: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى﴾ (٥٥)
فهذا القرآن ليس سوى استمرار للرسالات الأولى التي سبقته في الإنذار بالقيامة والحساب: ﴿هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى﴾ (٥٦) وفي الآية عودة ضمنية إلى أول السورة التي تشير لنزول القرآن منجّما.
فالساعة قريبة وهي تقترب أكثر فأكثر: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ (٥٧)
ولا يكشف ساعة وقوعها إلا الله: ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ كاشِفَةٌ﴾ (٥٨) والمعلوم أنّ اقتراب وقوعها لا علاقة له بالمفهوم البشري للزمن.
فكيف يعجبون من آيات القرآن الكريم وإنذاره لهم بوقوع الساعة: ﴿أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ (٥٩) وهنا أيضا إشارة ضمنية لإعجاز القرآن وعودة لموضوع أول السورة.
فالآخرة المحتومة والحساب القادم يستحقان البكاء وليس الضحك:
﴿وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ﴾ (٦٠)
ومع ذلك فإنّهم لاهون غافلون يضيعون أوقاتهم في أعمال دنيوية ليست في واقعها سوى خيلاء فارغ: ﴿وَأَنْتُمْ سامِدُونَ﴾ (٦١) في إشارة إلى المذكورين بالآيات (٢٨ - ٣٠) و (٣٣ - ٣٧).
في حين من الخير لهم معرفة خالقهم واتباع قرآنهم وتكييف حياتهم وفق ما خلقوا لأجله والسجود والعبادة لخالقهم قولا وفعلا: ﴿فَاسْجُدُوا لِلّهِ وَاُعْبُدُوا (٦٢)﴾
стр. 1787
سورة القمر - ٥٤ - مكية
نزلت في أوائل الفترة المكية.
ارتباط السورة بما قبلها
هنالك استمرارية واضحة بين آخر سورة النجم: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ﴾ [النجم ٥٧/ ٥٣]، وبين بداية هذه السورة: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١/ ٥٤]،
وأيضا الإشارة لإعراض المعرضين في سورة النجم: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلّى﴾ [النجم ٣٣/ ٥٣]، والإشارة لإعراضهم في هذه السورة: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر ٢/ ٥٤]،
وإخبار سورة النجم عن معراج النبي ورؤيته جبريل ما يقابل قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [القمر ٤/ ٥٤]،
وقوله تعالى في سورة النجم: ﴿أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم ٥٩/ ٥٣]، ثم قوله في هذه السورة: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧/ ٥٤]،
وقوله تعالى في سورة النجم: ﴿وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ﴾ [النجم ٦٠/ ٥٣] في إشارة لقوله في سورة القمر: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ [القمر ٤٦/ ٥٤]،
стр. 1788
وقوله تعالى في سورة النجم: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى * وَثَمُودَ فَما أَبْقى﴾ إلى قوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ [النجم ٥٣/ ٥٣]، ثم تفصيل هلاكهم في سورة القمر.
وإن فسّرنا قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذا هَوى﴾ [النجم ١/ ٥٣] على ظاهره، فتكون هنالك علاقة بين الإشارة لهويّ النجم في السورة السابقة والإشارة لانشقاق القمر في هذه السورة، ما يفيد اختلال النظام الكوني عند وقوع الساعة.
محور السورة
تقرر السورة اقتراب الساعة وحتمية وقوعها وعندها يختل النظام الكوني الذي نعرفه: ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [١/ ٥٤] ومع ذلك فالناس في إعراض وتكذيب واتّباع للهوى، مع أن الأحداث زاخرة بالعبر وبالحكم البالغة:
﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ﴾ [٤/ ٥٤] والقليل من الناس من يتواضع ويعتبر: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ [٥/ ٥٤] ما يوجب على العاقل التولّي عن المستكبرين: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾ [٦/ ٥٤]،
ثم تضرب السورة أمثلة على ذلك قصصا من سننه تعالى في خلقه كأخبار قوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط والعبر منها والعواقب الوخيمة التي انتهت إليها هذه الأقوام كنتيجة طبيعية لما كانت عليه من الاعتداد بالنفس والتولّي عن الذّكر، وأن الكفار في كل وقت لا يشذّون عن هذه القاعدة: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [٥١/ ٥٤]، وأن كثرة من هم على الباطل ليست بالضرورة مؤشرا أنهم على صواب: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [٤٤/ ٥٤]، بل على النقيض من ذلك فإن نهايتهم المحتومة لا مفر منها: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [٤٥/ ٥٤]،
стр. 1789
وأنه تعالى لم يكن ليهلك قوما قبل إنذارهم بمعايير الصواب من الخطأ:
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [٥٢/ ٥٤]، وأنه ختم الرسالات السماوية بالقرآن الكريم ميسّرا لمن أراد أن يتذكر الحقائق ومعايير الأخلاق والعبر، ويتذكر الميثاق الفطري المأخوذ عليه في الأصلاب: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [٤٠/ ٥٤].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تبدأ السورة بتأكيد اقتراب الساعة، وعندئذ يختل النظام الكوني من قمر وغيره، واستخدام الفعل الماضي لبيان تحقق وقوعها لا محالة فكأنها وقعت فعلا، وقيل إنهم رأوا القمر منشقا وقت بعثة النبي ﷺ : ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ (١) والواضح من آيات قرآنية عديدة أن لا علاقة لاقتراب الساعة بالمفهوم البشري للزمن.
ومع ذلك فالكفار مكابرون معرضون يعزون الآيات الباهرة من حولهم إلى السحر والصدفة: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (٢)
وتوضح السورة أن سبب التكذيب يعود إلى اتّباع الهوى، ولكن لا بد للحقيقة أن تستقر وتظهر للمكذّبين، إن عاجلا في الدنيا أو آجلا في الآخرة:
﴿وَكَذَّبُوا وَاِتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ (٣)
والحكم البالغة فيما جاء من إخبار الوحي عن الحياة الآخرة، وأنّ أعمال المرء في هذه الدنيا يترتب عليها نتائج معينة في الآخرة، وما سبق من العبر في تاريخ الأمم البائدة، وما يشاهد في الكون من آيات الخلق وتجدده، كل هذه الأنباء تزجر منفتحي الذهن غير أنها لا تفيد المصرّين على التكذيب: ﴿وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤)﴾
стр. 1790
﴿فالنذر وما فيها من الحكم البالغة لا تنفع المكابرين ولا تزجرهم لأنهم في حالة من التشنج الفكري واتخاذ القرار المسبق: ﴿حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ﴾ (٥)
ولا سبيل للمؤمن في هذه الحالة سوى التولّي عنهم فليس عليه إلجاء غيره إلى الإيمان قسرا: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ (٦)
فلا سبيل إلى إيمان المصرّين على الكفر إلاّ يوم الحشر، عندما لا ينفعهم إيمان المعاينة: ﴿خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ * مُهْطِعِينَ إِلَى الدّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ (٧ - ٨)
وأن مثلهم كمثل قوم نوح من قبلهم كذّبوا بالبعث والجزاء، كما كذّبوا نبيّهم ونسبوه إلى الجنون وزجروه بدلا من أن تكون بعثته زجرا لهم عما كانوا عليه من الضلال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَاُزْدُجِرَ﴾ (٩)
فلما أيس منهم ومن إيمانهم دعا ربّه: ﴿فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ﴾ (١٠)، ونظيره دعاؤه عليهم بآية [نوح ٢٦/ ٧١].
فلاقوا جزاءهم في الدنيا قبل الآخرة: ﴿فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ (١١ - ١٢) عندما التقت مياه السماء بينابيع الأرض.
ونجا نوح والمؤمنون على سفينة أعدّوها سلفا من ألواح خشبية ومسامير أو رباطات من ليف، ﴿وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ﴾ (١٣)
وقوله ﴿ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ﴾ دلالة على ضعف التدبير البشري لولا أنّ السفينة تجري بعناية الله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (١٤)﴾
стр. 1791
﴿فبقيت السفينة، أو جنس السفن عامة، آية من آيات الخلق إذ هي دليل على ما أودعه تعالى في عقول البشر من إمكانات الإبداع: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١٥)
وهذا المثال يتكرر في المجتمعات التي تظلم نفسها بتكذيب النذر السماوية:
﴿فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ﴾ (١٦)
وفي القرآن الكريم الكثير من العبر لمن أراد أن يتذكّر الفطرة السليمة التي فطره الله عليها، ولمن أراد أن يتذكر العهد المأخوذ عليه في الأصلاب [الأعراف ١٧٢/ ٧]: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١٧)
وتضيف السورة مثلا ثانيا قصة عاد، وكيف هلكوا بنتيجة استكبارهم وتكذيبهم بعثة نبيهم هود: ﴿كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ * إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ * تَنْزِعُ النّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ * فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (١٨ - ٢٢)
وقصة ثمود مثلا ثالثا حيث زعموا - كما يزعم الكثيرون في كل وقت - استحالة نزول الوحي على بشر، وهو سبب كاف عندهم لتكذيب الرسالة:
﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ * فَقالُوا أَبَشَراً مِنّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ (٢٣ - ٢٤)
فظلموا عقولهم وعموا عن تقييم بعثة هود من حيث جدارتها: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذّابٌ أَشِرٌ * سَيَعْلَمُونَ غَداً مَنِ الْكَذّابُ الْأَشِرُ﴾ (٢٣ - ٢٦) وقوله ﴿غَداً﴾ ما يفيد المستقبل إن في الدنيا أو الآخرة.
وقد فتنهم تعالى بناقة سائبة لا مالك لها، فأمرهم نبيهم صالح أن يذروها تأكل في أرض الله وأن يشاطروها مورد الماء، وهو أضعف تعبير عن فعل الخير مع مخلوقات الله الضعيفة، فقابلوه بعقرها إمعانا في إبداء سوء استعدادهم
стр. 1792
وإظهارا للشر الكامن في نفوسهم وسوء سريرتهم، فحقّ عليهم العذاب: ﴿إِنّا مُرْسِلُوا النّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاِصْطَبِرْ * وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْماءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ * فَنادَوْا صاحِبَهُمْ فَتَعاطى فَعَقَرَ * فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ * إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً واحِدَةً فَكانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ (٢٧ - ٣١)، والمغزى أنّ الله تعالى لا يعاقب الناس بما يعلمه من سوء سرائرهم ولكن حتى تظهر أفعالهم إلى حيز التنفيذ.
﴿والقرآن بما فيه من أمثال هذه الحكم والعبر ميسّر لكل ذي عقل سليم أن يتذكّر الفطرة السليمة: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٣٢)
ثم تنتقل السورة إلى قصة قوم لوط مثلا رابعا: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ﴾ (٣٣)
وقد استغرقوا في الفحش الشاذ وكذّبوا بالنذر استكبارا وعتوّا فكان عاقبة أمرهم حجب إدراكهم السليم وطمس قلوبهم بميولهم الشريرة وفساد فطرتهم كما هي سنته تعالى في أمثالهم: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ * وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ * وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ * فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ﴾ (٣٤ - ٣٩)
﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٤٠) بأمثال هذه العبر.
ومثلا خامسا قصة قوم فرعون وبعثة موسى إليهم: ﴿وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)﴾، وقبل موسى جاءتهم بعثة يوسف فشكّكوا بها ثم بعد موته أيقنوا على ضلال أن ليس من رسل: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ [غافر ٣٤/ ٤٠].
стр. 1793
﴿حتى أخذهم تعالى أخذ عزيز مقتدر ولم ينفعهم ما كانت عليه دولتهم من قوة وجبروت عظيمين في عصرهم: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (٤٢)
فإن كانت هذه سنة الله في خلقه منذ الأزل فما بال الكفار بعدهم وفي كل زمن يظنون أنفسهم خيرا من سابقيهم عاقبة، أو يظنون أنفسهم شعب الله المختار جاهلية واستعلاء ويفترون على الله في الكتب التي يسمونها "مقدسة":
﴿أَكُفّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ (٤٣)
وإن كانوا مغترين بكثرتهم وغالبيتهم فالعبرة ليست بالأكثرية التي قد تكون على ضلال، كما أنّ الأكثرية لا تجعل الباطل حقا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ (٤٤)
والباطل مهما كثر واجتمع فهو إلى زوال في الدنيا قبل الآخرة: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ (٤٥)
أما في الآخرة فعاقبة المغترين بالباطل أدهى وأمرّ: ﴿بَلِ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهى وَأَمَرُّ﴾ (٤٦)
والمجرمون اليوم في ضلال، وغدا في السعر: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ (٤٧ - ٤٨)
وأنه تعالى خلق كل شيء بقدر موزون، وعجائب هذا التقدير نراه حولنا في دقائق الكون التي لو كانت على غير ما هي عليه لما قامت حياة ولا ختلّ النظام الكوني: ﴿إِنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤٩)
وأن وقوع قضائه تعالى في خلقه أسرع من لمح البصر: ﴿وَما أَمْرُنا إِلاّ واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾
стр. 1794
﴿وأن إهلاك أشياعهم من الأمم البائدة جدير بالتذكر: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنا أَشْياعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (٥١)
وأن ما ارتكبوه من شرور لا عذر لهم فيه فالكتب المنزلة سبق أن بيّنت لهم معايير الحق من الباطل: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ (٥٢)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨/ ٢٦].
وأنه لا يغيب عن علمه تعالى من عمل الإنسان شيء، صغيرا أم كبيرا:
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ (٥٣)
فيجازي كلاّ بعمله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ (٥٤ - ٥٥).
стр. 1795
سورة الرحمن - ٥٥ - مكية، وقيل مدنية، وقيل فيها مكي ومدني
الاكثرون على أن هذه السورة مكية، لكن البعض ينسبها إلى الفترة المدنية، وقيل بعض آياتها مكية والبعض الآخر مدنية، وقيل أيضا أنها نزلت بعد سورة الرعد، والنتيجة أنه مختلف في كونها مكية أو مدنية.
ارتباط السورة بما قبلها
بعد أن ختمت سورة القمر المتقدمة بقوله تعالى: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر ٥٥/ ٥٤] تبدأ هذه السورة بقوله: ﴿الرَّحْمنُ﴾ [الرحمن ١/ ٥٥]، وبعد أن أشارت السورة السابقة في أكثر من موضع إلى أن القرآن ميسّر لمن أراد الذكرى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ٤٠/ ٥٤]، تبين هذه السورة أنّ الرحمن تبارك اسمه علّم القرآن - لمنفتحي الذهن -: ﴿الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن ١/ ٥٥ - ٢]،
وإشارة السورة السابقة أن الكتب السماوية بينت للناس معايير الصواب من الخطأ: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر ٥٢/ ٥٤]، ما يفيد قوله تعالى في هذه لسورة: ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ﴾ [الرحمن ٧/ ٥٥]،
стр. 1796
وقوله تعالى في سورة القمر: ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر ٥٣/ ٥٤]، ما يفيد قوله في هذه السورة: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٣٩/ ٥٥]،
وقوله تعالى في سورة القمر: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر ٤٧/ ٥٤]، يقابله قوله في هذه السورة: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ [الرحمن ٤١/ ٥٥]،
وقوله تعالى في سورة القمر: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر ٥٤/ ٥٤]، وتفصيله قوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن ٤٦/ ٥٥].
محور السورة
تقرر السورة أنّ الرحمن تبارك اسمه أنزل على الإنسان علم القرآن - لمن أراد أن يتعلّم -: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [١/ ٥٥]، وكرّم الإنسان بأن أمكنه من التعبير عن المسمّيات والفكر المجرّد: ﴿عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ [٤/ ٥٥]، ووضع القوانين والسنن لتنتظم بها الأكوان والخلق، وأمر بتحقيق العدالة: ﴿أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ﴾ [٨/ ٥٥]، وخلق الإنس والجان، وسخّر الأرض ومعجزاتها للكائنات، وكتب عليها ألاّ يكون لها خلود على الأرض: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ﴾ [٢٦/ ٥٥]، وأنّ جلاله تعالى وتدبيره العجيب في الخلق دائم الظهور: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [٢٩/ ٥٥]، وأن لا بد لكل مخلوق أن يواجه الحساب يوما: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ﴾ [٣١/ ٥٥]، حيث لا مفر يومئذ من ملك الله تعالى ولا من قضائه وسلطانه: ﴿لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ﴾ [٣٣/ ٥٥]، وتجد كل نفس ما عملت محضرا: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [٣٩/ ٥٥]، فيجزى
стр. 1797
المجرمون بأعمالهم، ويجزي الذين خافوا مقام ربهم بجنان ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [٤٦/ ٥٥] من بعدها جنان ﴿وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ﴾ [٦٢/ ٥٥]، لا يحيط بنعمائها مفهوم البشر، وبنتيجة كل ذلك يتكرر الخطاب في السورة موجّها إلى الذكور والأناث من البشر - كما قال الرازي - أو إلى جنس البشر والجانّ: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ أي يستحيل إنكار أيّ من نعمائه تعالى أو قدرته في الدنيا والآخرة.
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الرَّحْمنُ﴾ (١) الذي أنزل القرآن رحمة للناس، وجعل من سننه في خلقه أن يتعلّمه منفتحو الذهن:
﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (٢)
وكرّم الإنسان فوق غيره من الخلق بأن أقدره على الفهم والفكر المجرّد، والتعبير عنه: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ * عَلَّمَهُ الْبَيانَ﴾ (٣ - ٤)
وأن جعل الأكوان تسير وفق قوانين منتظمة ثابتة وسنن ذات مغزى بلا فوضى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ (٥ - ٦)
وأقام أسس العدالة بين البشر لئلاّ يطغوا على بعضهم البعض: ﴿وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ * أَلاّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ﴾ (٧ - ٨)
وأمر بتحقيق العدالة بينهم: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ﴾ (٩)
وسخّر الأرض لمعاشهم: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ﴾ (١٠)
بما فيها من عجائب ومعجزات مدهشة: ﴿فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ﴾ (١١ - ١٢)
стр. 1798
﴿فأنّى لجنس الإنس والجن أن يكذّب بمقدرته تعالى ونعمائه: ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (١٣)
وقد خلقهما تعالى من ضعف: ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (١٦)
وخلق معجزة المشرقين والمغربين، فعندما يتقدم المشرق على أحد أطراف الكرة الأرضية يتقدم المغرب على طرفها الآخر في حركة مستمرة من الشرق إلى الغرب، وبعد دوران الكرة ١٨٠ درجة يصبح المشرق مغربا والمغرب مشرقا:
﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (١٨)، وفي آية المعارج: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ﴾ [المعارج ٤٠/ ٧٠] لأن كل خطوط الطول للكرة الأرضية تصبح مشارقا ومغاربا على مدار الأربعة وعشرين ساعة.
ومعجزة التقاء المياه العذبة مع المياه المالحة عندما تصب الأنهار الضخمة في البحار فتجري مياه الأنهار العذبة في المحيط مخترقة مياه البحر لمسافات طويلة دون أن تختلط معها فلا يبغي أحدهما على الآخر كما لو كان هنالك حاجز بينهما: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (١٩ - ٢١)
ومعجزة تشكل اللؤلؤ والمرجان: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٢٢ - ٢٣)
ومعجزة السفن الضخمة تجري في المحيطات والبحار بما كرّم الله تعالى الإنسان على سائر المخلوقات وما حباه من مقدرة على الإبداع والاختراع ليس فقط للسفن وإنما لسائر أنواع التقانة التي نراها اليوم، وقد نسب تعالى السفن إلى ذاته العليّة لكونه هو الذي أودع في البشر مقدرة الإبداع: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٢٤ - ٢٥)
стр. 1799
﴿وكتب على المخلوقات أن يكون لبثها في الدنيا قليلا فلا يتمكن أحدهم من الخلود فيها رغم كل العلوم والتقانة: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ [٢٦ - ٢٨]
بل إنّ كل من في السماوات والأرض يستمدّ وجوده من الله، فلا موجود بحق غيره: ﴿يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وأن مظاهر جلاله وعظمته تتجلّى في الخليقة بلا انقطاع: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٢٩ - ٣٠)
وأن لا مفر للمخلوقات من مواجهة المسؤولية والحساب يوم الدينونة:
﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٣١ - ٣٢) وقيل معنى الثقلين أنهما مثقلان بالمسؤولية، بل بالذنوب.
كما لا مفر ولا ملجأ لمخلوق من ملكه تعالى وقضائه إلاّ لقضائه: ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاّ بِسُلْطانٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٣٣ - ٣٤)
ولا مفر من أهوال الساعة: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٣٥ - ٣٦)
وأن النظام الكوني ينتهي وينقطع يوم الحساب: ﴿فَإِذَا اِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٣٧ - ٣٨)
فتمثل ذنوب المخلوقات أمامهم: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٣٩ - ٤٠)، ونظيره قوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء ١٤/ ١٧]،
ولا يكون هنالك أي لبس في سيماء المجرمين من غيرهم فيكبلون بحالة من
стр. 1800
الإذلال جزاء استكبارهم وغرورهم اللذين كانا يدفعانهم إلى الكفر: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٤١ - ٤٢)
﴿ثم يلاقون عيانا ما كانوا يكذّبون به من العذاب ويعانون الحسرة والندم:
﴿هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ * يَطُوفُونَ بَيْنَها وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ (٤٣ - ٤٥)
وينعم المتّقون بجنان من بعدها جنان لا نهاية لها، وفي الحديث: "لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر":
﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ (٤٦) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٧) * ذَواتا أَفْنانٍ (٤٨) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٤٩) * فِيهِما عَيْنانِ تَجْرِيانِ (٥٠) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥١) * فِيهِما مِنْ كُلِّ فاكِهَةٍ زَوْجانِ (٥٢) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٣) * مُتَّكِئِينَ عَلى فُرُشٍ بَطائِنُها مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دانٍ (٥٤) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٥) * فِيهِنَّ قاصِراتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٥٦) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٧) * كَأَنَّهُنَّ الْياقُوتُ وَالْمَرْجانُ (٥٨) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٥٩) * هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلاَّ الْإِحْسانُ (٦٠) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦١) * وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ (٦٢) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٣) * مُدْهامَّتانِ (٦٤) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٥) * فِيهِما عَيْنانِ نَضّاخَتانِ (٦٦) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٧) * فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ (٦٨) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٦٩) * فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ (٧٠) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧١) * حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ (٧٢) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٣) * لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٥) * مُتَّكِئِينَ عَلى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسانٍ (٧٦) * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ (٧٧) * تَبارَكَ اِسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ (٧٨)﴾
стр. 1801
وذلك شبيه بقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧/ ٣٢]، في إشارة لأنّ الأوصاف المذكورة مجازية بالضرورة - فهي من الآيات المتشابهات [آل عمران ٧/ ٣]- لاستحالة أن يستوعب العقل البشري حقيقة النعيم في الآخرة، وكذا حقيقة العذاب.
стр. 1802
سورة الواقعة - ٥٦ - مكية
نزلت خلال الفترة المكية الأولى حوالي السنة الرابعة بعد البعثة، واشتق اسمها من كلمة الواقعة المذكورة في الآية الأولى التي تذكر حتمية وقوع الساعة، وهي آخر مجموعة السور المكية السبع: (ق - الذاريات - الطور - النجم - القمر - الرحمن - الواقعة) وموضوعها في الغيبيات وعلاقة الحياة الدنيوية بالآخرة،
ارتباط السورة بما قبلها
بعد أن وصفت سورة الرحمن وقوع الساعة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا اِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ﴾ [الرحمن ٣٧/ ٥٥] تبدأ هذه السورة بتأكيد ذلك بقوله: ﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ [الواقعة ١/ ٥٦]،
وبعد أن ذكرت سورة الرحمن أنّ: ﴿الرَّحْمنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ [الرحمن ١/ ٥٥ - ٢]، تقرر هذه السورة أن المطهّرون فقط يمسّون معاني القرآن: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة ٧٩/ ٥٦]،
وبعد أن أوضحت سورة الرحمن مآل المجرمين في الآخرة: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ﴾ [الرحمن ٤١/ ٥٥]، ومآل المتقين في الجنان ومراتبها: ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن ٤٦/ ٥٥]، تفصّل هذه
стр. 1803
السورة مراتب ثلاثة أصناف من الناس في العاقبة، وهم السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال.
محور السورة
تؤكد السورة وقوع الساعة لا محالة: ﴿لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ [٢/ ٥٦]، فترفع وقتئذ من ترفع، وتخفض من تخفض، وينقسم الناس أمام الحساب أصنافا ثلاثة:
﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً﴾ [٧/ ٥٦]، وهم المتّقون أصحاب الميمنة: ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ [٨/ ٥٦]، والمجرمون أصحاب المشأمة:
﴿وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ [٥٦ - ٩] والمقرّبون السابقون بالخيرات: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [١٠/ ٥٦ - ١١]، وتصف مآل كلّ من هذه الأصناف يوم الدين،
ثم تتحدى السورة المجرمين بمعجزة الخلق والموت والبعث: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [٦١/ ٥٦]، بدليل معجزة إنبات الزرع من العدم: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ [٦٤/ ٥٦]، ودورة الماء في الطبيعة ونزول المطر: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [٦٩/ ٥٦]، ومعجزة الطاقة ومنشأ الوقود:
﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ﴾ [٧٢/ ٥٦]، ومعجزة تنزيل القرآن منجّما لمدّة ٢٣ عاما من بعثة النبي ﷺ خاليا من الاختلاف سليما من التناقض:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [٧٥/ ٥٦]، فلا يفقه معناه إلاّ المطهّرون سليمو القلب منفتحو الذهن: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ [٧٩/ ٥٦]، أما المكذّبون الذين يزعمون أنهم مكتفون بذواتهم غير معتمدين على الذات الإلهية في شيء فيظهر عجزهم سافرا بيّنا وقت الموت وخروج الروح: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [٨٦/ ٥٦ - ٨٧].
стр. 1804
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تبدأ السورة بتأكيد حتمية وقوع الساعة لضرورة تحقق العدالة: ﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ﴾ (١ - ٢)
وباعتبار الدنيا مزرعة الآخرة فتكون الساعة خافضة للمجرمين إلى الدرك الأسفل، ورافعة للمؤمنين إلى المنازل العليا: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ (٣)
يوم تهتز الأرض وتزول الجبال، ويختفي العالم المادي أمام الخلق الجديد:
﴿إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا * فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا﴾ (٤ - ٦)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً * لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ [طه ١٠٥/ ٢٠ - ١٠٧].
وتصف السورة حساب ثلاثة أصناف من الناس: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً﴾ (٧)
كما تصف مآل كل من هذه الأصناف في الآخرة: ﴿فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ﴾ (٨) وهم المتّقون أهل الجنّة، وسمّوا أصحاب الميمنة لكون اليمين عند العرب ترمز إلى الخير، والعرب تقول: ميمون وأيمن، تفاؤلا.
وفي مقابلته وضعوا المشأمة من الشؤم: ﴿وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ﴾ (٩) وهم المجرمون أهل النار.
أما الصنف الثالث فهم السابقون: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (١٠ - ١٢) أي السابقون بالخيرات في الدنيا، كما هم السابقون إلى النعيم والمنازل العليا في الآخرة، مقرّبون بين يدي الله جلّ شأنه.
وإن السابقين في الخيرات في تناقض عن الزمن الأول: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ *﴾
стр. 1805
﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (١٣ - ١٤)، وربما يكون ذلك لقرب الأوّلين من البعثة النبوية، أو لكثرة مشاغل الحياة وتعقيداتها لدى الآخرين.
﴿وما يعيش به السابقون من نعيم الآخرة ما لا يمكن وصفه والإحاطة به إلا بالمجاز: ﴿عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ * مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ * وَفاكِهَةٍ مِمّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ﴾ (١٥ - ٢٣)، فهو تمثيل لما غاب عنّا بما نعرف من الدنيا.
ويكون ذلك نتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم من السبق بالخيرات والسمو الروحي: ﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢٤)
ومنتهى السلام الذي يعيشون فيه أنهم لا يسمعون لغوا من القول ولا سفسطة، فلا يخاطب أحد صاحبه بما لا فائدة منه من الكلام، لأنهم في حالة سامية من العيش الفكري والروحي: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً * إِلاّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً﴾ (٢٥ - ٢٦)
ونعيم أصحاب اليمين: ﴿وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَماءٍ مَسْكُوبٍ * وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ * لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ * وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ * إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً * فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً * عُرُباً أَتْراباً * لِأَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ (٢٧ - ٣٨)
وهم كثرة في الجيل الماضي الذي عاصر البعثة النبوية ومن بعدهم، وكثرة في الأجيال اللاحقة التي التزمت الإسلام: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ (٤٠)
في مقابل جحيم المجرمين أصحاب الشمال: ﴿وَأَصْحابُ الشِّمالِ ما أَصْحابُ الشِّمالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لا بارِدٍ وَلا كَرِيمٍ﴾ (٤١ - ٤٤)
стр. 1806
﴿الذين أدّى بهم ترفهم في الحياة الدنيا إلى التكبر والاعتداد بالنفس والغرور، بلا أدنى اعتبار للقيم الروحية والأخلاقية: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ (٤٥)
فأنكروا الوحي والأنبياء وانهمكوا في الشرك والكبائر: ﴿وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾ (٤٦)
وكذّبوا بالبعث والآخرة: ﴿وَكانُوا يَقُولُونَ أَإِذا مِتْنا وَكُنّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ (٤٧ - ٤٨)
فوجب إنذارهم بالحقيقة قبل الفوات: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ * ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ * لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ * فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ * فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ * فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ * هذا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ﴾ (٤٩ - ٥٦)
ثمّ تتحدّاهم السورة بالمعجزات التي غفلوا عنها، كمعجزة خلقهم من ماء مهين: ﴿نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ * أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ﴾ (٥٧ - ٥٩)
وتتحداهم بحتمية الموت فلا يستطيعون منه فكاكا، فما الذي يؤكد لهم أن لن يبعثوا وينشؤوا مرة أخرى في عالم الغيب: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦٠ - ٦١)
مثلما أنشأهم تعالى أول مرة: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٦٢) وهي النشأة التي هم عنها عمون.
ثم تواجههم السورة بالمعجزة التي تتكرر في إنبات الزرع من العدم:
﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ * أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزّارِعُونَ﴾ (٦٣ - ٦٤)
стр. 1807
﴿وفي حين أنهم يرون إنبات الزرع شيئا بديهيا مفروغا منه وأنه حق طبيعي لهم، لكنه في الحقيقة إعجاز لو منعه تعالى منهم لندبوا حظهم: ﴿لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (٦٥ - ٦٧)
وكذا معجزة نزول المطر العذب من السماء: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ (٦٨ - ٦٩)
فلو شاء تعالى لجعله ماء شديد الملوحة: ﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ (٧٠) وهنا أيضا يغفلون عن الإعجاز في دورة الماء في الطبيعة وتبخر المياه العذبة من البحار المالحة.
ومعجزة النار - الوقود - المتجدد الذي لولاه لكانت حياة الإنسان مستحيلة:
﴿أَفَرَأَيْتُمُ النّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ﴾ (٧١ - ٧٢) فهذه الأشجار التي يحرقون منها حطبا، وتتحول على مر الزمن إلى أشكال أخرة من الطاقة كالنفط.
وأنّ النار أو الطاقة على الأرض بجميع أشكالها والتي هي مصدر النور ليلا ذكرى بنور الله وهديه لمن كان حائرا تائها يبحث عن نور الهدى:
﴿نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ﴾ (٧٣)
فكل هذه المعجزات ممّا يوجب التسبيح بحمده تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ (٧٤)
ثم تضيف السورة معجزة كبرى تضاهي كل ما سبق ألا وهي معجزة نزول القرآن منجّما - مفرّقا - على مدى ثلاثة وعشرين عاما من بعثة النبي ﷺ : ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ﴾ (٧٥ - ٧٨)
стр. 1808
فيأمر الوحي بوضع كل آية وكل سورة في مكانها الصحيح من الترتيب القرآني الذي نعرفه، وهو ترتيب غير ترتيب النزول التاريخي، فكان من الإعجاز بقاء القرآن خاليا من الاختلاف سليما من التناقض شاهدا على قوله تعالى:
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء ٨٢/ ٤]،
﴿ثم تشير السورة إلى معنى لطيف جدّا وهو أن المعنى الحقيقي للقرآن لا يصل إليه ولا يستفيد من هديه إلاّ من هو منفتح الذهن سليم النية مطهّر من التحيّز والتشنج والتقليد والفكر المسبق: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ (٧٩)
فيعلم على وجه اليقين أنه وحي من الله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٨٠)
فأنّى لهم الكفر بالقرآن بعد كل هذا الإعجاز: ﴿أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ (٨١)
ومع ذلك فمنهم من يجعل ديدنه تكذيب القرآن: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (٨٢) أي في الصدّ عنه كما هي حال بعض المستشرقين اليوم أو من يدّعون "العلمانية".
ثم تتحداهم السورة أن يتغلبوا على الموت إن استطاعوا: ﴿فَلَوْلا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾ (٨٣) أي الروح:
﴿وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ﴾ (٨٤) لأنهم ينظرون إلى المشرف على الموت وهم في حالة من العجز التام:
﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ (٨٥)
فإن كانوا مكتفين بذواتهم كما يزعمون، وغير مدينين بالحياة لله سبحانه فليتغلّبوا على الموت وقت وقوعه ويعيدوا الروح إلى صاحبها: ﴿فَلَوْلا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٨٦ - ٨٧) لكن الموت الذي يفرّون
стр. 1809
منه فإنه ملاقيهم، وذلك دليل على منتهى عجزهم وزيف شعورهم بالاكتفاء الذاتي.
﴿وهنا تعود السورة إلى الموضوع الذي بدأت منه: ﴿فَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ * فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ * وَأَمّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضّالِّينَ * فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ * وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ (٨٨ - ٩٤)
فمرجعهم جميعا إلى الله يقينا: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ (٩٥)،
﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾ الذي تجلّت عظمته فيما تجلّت بأن تحققت العدالة للجميع.
стр. 1810
سورة الحديد - ٥٧ - مدنية
يظهر من الإشارة إلى فتح مكة بالآية (١٠) أنّ السورة نزلت ابتداء من أواخر العام ٨ للهجرة، فهي مدنية على قول الجمهور وقيل بعض آياتها مكية، واشتق اسمها من ورود كلمة الحديد في (الآية ٤٢) بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وهي الأولى في مجموعة سبع سور مدنية متتالية: (الحديد - المجادلة - الحشر - الممتحنة - الصف - الجمعة - المنافقون) تتناول تطبيقات عملية حياتية لتنظيم المجتمع الإسلامي داخليا، وتوجيه هذا المجتمع أيضا لجهة التعامل مع أعداء الإسلام خارجيا.
ارتباط السورة بما قبلها
تبيّن من السور المكية السبع السابقة (ق - الذاريات - الطور - النجم - القمر - الرحمن - الواقعة) أن الأمور مختلطة على الكفار فيما يظنون من عشوائية الأقدار وقسوتها وغياب العدالة الدنيوية، إذ غاب عنهم أن كل عمل يحمل في طياته بذور عواقبه، وأنّ العاقبة الوخيمة التي يتحتّم أن تحيق بالكفار هي ضرورة متلازمة مع سلوكهم في الحياة الدنيا، وأنّ ما يلقاه الإنسان من عواقب إن في الدنيا أو في الآخرة ليس سوى نتيجة طبيعية لعمله، وأنّ نجاة الإنسان لا تكون إلاّ باللجوء إليه تعالى، وأنهم قاصرون عن خزائن العلم والغيب والقدرة الإلهية،
стр. 1811
وأنّ الرحمن تبارك اسمه أنزل على الإنسان علم القرآن لمن أراد أن يتعلّم، والإعجاز في نزول القرآن منجما على مدى ٢٣ عاما من البعثة النبوية دليل قاطع على استحالة ضلال النبي، وأنه تعالى ختم الرسالات السماوية بالقرآن الكريم ميسّرا لمن أراد أن يتذكر الحقائق ومعايير الأخلاق والعبر ويتذكر الميثاق الفطري المأخوذ عليه في الأصلاب، وأن الله جل شأنه لم يكن ليهلك قوما قبل إنذارهم بمعايير الصواب من الخطأ، حتى تصير معروفة عندهم، أما الظن والتخمين فلا يغنيان عن العلم اليقيني، والساعة اقتربت وتحتّم وقوعها، ومع ذلك فالناس في إعراض وتكذيب واتّباع للهوى، ولكن لا بد لكل مخلوق أن يواجه الحساب عندما تقع الواقعة.
وبعد أن أمرت الآية الأخيرة في سورة الواقعة بالتسبيح: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ [الواقعة ٩٦/ ٥٦]، تبدأ سورة الحديد بقوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الواقعة ١/ ٥٧]،
ثم توضح أنه كما الله تعالى هو الظاهر والباطن، كذا الإيمان بالله والإنفاق لا ينفكّان، لذا وجب تجنب الغرور، والتماسك وقت المصيبة، وعدم الانعزال عن الدنيا كما فعل الرهبان، وحضّ النصارى على الإيمان، لأن الوحي لم يكن مقتصرا عليهم.
ونلاحظ أن السور المدنية السبعة التالية: (الحديد - المجادلة - الحشر - الممتحنة - الصف - الجمعة - المنافقون) تتناول تطبيقات عملية حياتية لتنظيم المجتمع الإسلامي داخليا، وتوجيه هذا المجتمع أيضا لجهة التعامل مع أعداء الإسلام خارجيا.
ثم تليها سورة (التغابن) - المختلف في كونها مدنية أم مكية - التي تعود فتذكّر الإنسان أن خلق السماوات والأرض لم يكن عبثا وإنّما خلقها تعالى بالحق، كما خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكرّمه بحرية الخيار وبعث له الرسل
стр. 1812
بالبيّنات، فاقتضى أن يكتمل مغزى الخلق يوم القيامة يوم يجمع الناس ليوم التغابن فيخسر الكفار أنفسهم ويربح المؤمنون، أما الدنيا فهي دار ابتلاء للمؤمن والكافر معا، سوى أن قلب المؤمن يكون مطمئنّا على الدوام لا تفتنه مشاغل الدنيا.
ويلي سورة التغابن سورتان مدنيتان: (الطلاق - التحريم) تتناولان مزيدا من التطبيقات العملية الحياتية في تنظيم المجتمع الإسلامي.
محور السورة
الله تعالى جلّ شأنه مستمرّ الوجود، ظاهر بحسب الدلائل، وباطن عن الحواس، محتجب عن الأبصار: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [٣/ ٥٧]،
وأن الإيمان والإنفاق لا ينفكّان: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [٧/ ٥٧]، وقد أوجد تعالى في العقول من الدلائل ما يوجب قبول دعوة الرسل: ﴿وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ﴾، في حال أراد الإنسان الإيمان والعمل على أسس من البراهين القاطعة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [٨/ ٥٧]، وإن معرفة الله ، والعمل بمقتضى الإيمان، يشكلان النور الذي يفيد المؤمنين يوم القيامة: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ [١٢/ ٥٧]، ولذا وجب على المؤمنين تجنّب الكبر الزائف وتجنّب الإعجاب بالنفس والرضا عنها:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [١٦/ ٥٧]، وتجنّب اعتبار الحياة الدنيا غاية المنى: ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ [٢٠/ ٥٧]،
وأن كل شيء في الكون يسير وفق علم الله الأزلي وحكمته الخافية بما هو كائن وما سيكون: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي﴾
стр. 1813
﴿كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [٢٢/ ٥٧]، وبالتالي تحضّ السورة المؤمنين على الثبات والتماسك وقت المصائب والرضا بما كتب الله:
﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [٢٣/ ٥٧]، وتحذّرهم من نسب النعم التي يتمتعون بها إلى جدارتهم و"حسن حظّهم": ﴿وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ [٢٣/ ٥٧]،
وأنه تعالى أرسل الرسل بالبينات لتمكين الإنسان من تمييز الحق من الباطل ولتحقيق العدالة: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [٢٥/ ٥٧]، وزوّده بالوسائل الكافية لاستخدام موارد الطبيعة - ومنها الحديد - لبناء حضارته: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [٢٥/ ٥٧]، ولذا تحذّر السورة من الانعزال عن الدنيا، وأنه تعالى لم يفرض الرهبانية على النصارى وإنما كتب عليهم ابتغاء رضوانه: ﴿وَرَهْبانِيَّةً اِبْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ اِبْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ﴾ [٢٧/ ٥٧]، ولكنّ أكثرية النصارى فسقت عن رسالة عيسى وأفسدتها: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ [٢٧/ ٥٧]، وبالتالي تحضّهم السورة على الإيمان بخاتم الأنبياء والرسل وعلى التخلّي عن الاعتقاد أن الرسالات السماوية والوحي مقتصرة عليهم: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [٢٩/ ٥٧].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿التسبيح تنزيه الله تعالى عن كل ما لا يليق به: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ حقيقة ومجازا، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء ٤٤/ ١٧] فالمعنى عام حقيقي ومجازي شامل.
стр. 1814
﴿هو المتصرّف بملكوته، خالق الحياة والموت، لا حدود لقدرته: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢)
كان منذ الأزل قبل كل شيء، وباق بعد كل شيء، مستمرّ الوجود في الماضي والحاضر والمستقبل، خالق الزمن الذي خارج إدراك البشر، ظاهر لعباده بالدلائل، وباطن غير مدرك بالحواس، محيط بكل شيء: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٣)
خلق الكون في ستة مراحل زمنية وهو مهيمن عليه، عالم بدقائقه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٤)
لا شريك له في الملك، ترجع إليه أمور الخلائق: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٥)
ومن آياته أن الليل يدخل على النهار شيئا فشيئا فيظلمه، وفي الوقت نفسه وعلى الطرف الآخر من الكرة الأرضية يدخل النهار في الليل شيئا فشيئا فيضيئه، فمن كانت هذه قدرته لا يخفى عليه شيء: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٦) وهذه الآية من دلائل كروية الأرض.
كل ذلك ممّا يوجب الإيمان وقرن الإيمان بالفعل: ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (٧) فالإنسان مستخلف في مال الله، والإنفاق يصدّق الإيمان.
وقد أوجد تعالى في الإنسان ملكة العقل والمنطق فلم يترك له عذرا بالجهالة:
﴿وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ﴾
стр. 1815
﴿مِيثاقَكُمْ﴾ أي ما دام الإيمان مستندا على الأدلة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٨) فأي شيء يمنعه من الإيمان؟
﴿ومع أن الإنسان يلزم أن يكون مؤمنا بالفطرة، وبمجرد استخدامه العقل والتفكر في معجزة الخلق، فقد أنعم تعالى على البشر بإنزال الوحي على رسوله حتى تطابقت الدلائل العقلية والنقلية: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلى عَبْدِهِ آياتٍ بَيِّناتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللهَ بِكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (٩) فلا يترك العباد يتخبطون بلا هدي.
والإنسان بمنزلة الوكيل المؤقت فيما يملك إذ لا يلبث أن يذهب ويترك ماله، وأن الإنفاق قبل تحقق النصر أكثر ثوابا من الإنفاق بعده، فأي شيء يمنعه من الإنفاق؟ ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١٠)
ومن إحسانه تعالى وفضله على العباد أن جعل الإنفاق في سبيل الله بمثابة قرض يؤتي ثماره في الآخرة، مع أن المال هو مال الله أصلا: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (١١)
وأن معرفة الله ، والعمل بمقتضى الإيمان، يكونان نورا لصاحبهما يوم القيامة: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٢)، وقوله: ﴿وَبِأَيْمانِهِمْ﴾ إشارة ضمنية إلى صالح العمل الذي أنجزوه في دنياهم.
في حين يصاب المنافقون والمنافقات بالخذلان، فيقولون للمؤمنين انتظرونا أو انظروا إلينا حتى نقتبس من نوركم، وهو كلام ينمّ عن جهل ويأس، لأن تلك
стр. 1816
الأنوار نتيجة طبيعية للأعمال الصالحة لأصحابها، فمن لم يعمل صالحا لا يتأتّى له ذلك النور: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا اُنْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ فيقال للمنافقين والمنافقات كان عليكم اقتباس هذا النور في دنياكم وقد فات الأوان، فإن هذه الأنوار تتولد من اكتساب المعارف الإلهية والأخلاق الفاضلة: ﴿قِيلَ اِرْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً﴾ فيفصل بينهما حاجز له باب، باطنه الرحمة من جهة المؤمنين، وظاهره العذاب من قبل المنافقين والمنافقات:
﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ﴾ (١٣)
﴿فالمنافقون المرتابون في البعث، المغترّون بمكاسب الدنيا، لا تنفعهم يوم القيامة الأموال التي كانوا مستخلفين فيها، ولم يؤدوا حق الله بها، فينادي المنافقون المؤمنين قائلين: ﴿يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ فيقولون لهم نعم كنتم معنا في الظاهر، ولكن فتنتم أنفسكم بالنفاق والمعاصي، وتربصتم بغيركم دائرة السوء، وغرّتكم الأماني الكاذبة في الدنيا حتى وافتكم المنية وأنتم على حالكم من الغرور: ﴿قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَاِرْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتّى جاءَ أَمْرُ اللهِ وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ (١٤)
فالتوبة والندم لا ينفعان بعد الفوات: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١٥) ونلاحظ أن الآية تضع المنافقين بمنزلة الذين كفروا.
وهنا تحذّر السورة المؤمنين من الرضا عن النفس والاغترار والإعجاب بها:
﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ وتنهاهم أن يكونوا كاليهود من قبلهم إذ اغترّوا باعتقادهم أنهم شعب الله المختار فجمدت عقولهم على الجاهلية والعصبية والاستعلاء: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ وفسقت أكثريتهم
стр. 1817
عن الدين، كما فسقت النصارى بابتداعهم التثليث وتأليه المسيح: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (١٦)
﴿وإن الله تعالى كما يحيي الأرض بعد موتها فكذلك بيده إحياء القلوب القاسية التي ماتت بالجهل وبالغفلة والضلال إن كان بها بقية من فطرة: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١٧)
وأن على الذين يسمّون أنفسهم مؤمنين أن يشفعوا القول بالعمل ولا سيما لجهة الصدقات والإنفاق: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ (١٨)
وتقارن الآية بين مآل المؤمنين الذين هم على استعداد للتضحية (الشهداء) وبين مآل الكفار المكذّبين: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (١٩)
ثم تنبه السورة على أن الكافر يشتغل طيلة حياته بطلب زينة الحياة الدنيا وفي اللهو والتفاخر والتكاثر في الأموال ولا يعمل شيئا للآخرة، وتشبّه الدنيا بالنبات الذي ينمو بنزول المطر ثم لا يلبث أن يصفّر وينتهي: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ (٢٠)
فالمطلوب أن يعمل الإنسان لآخرته كما يعمل لدنياه: ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾
стр. 1818
﴿والمطلوب أيضا أن يصبر الإنسان على مصائب الدنيا لأنّ كل شيء يتم وفق علم الله الأزلي بما هو كائن وما سيكون وفق حكم بالغة كثيرا ما تخفى على الخلق: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (٢٢)
وكما يصبر المؤمن على المصائب عليه أنّ لا يغتر بالنعم فينسبها فقط "لجدارته واستحقاقه" وينسى المنعم بها: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ﴾ فيقع ضحية لغروره وإعجابه بنفسه: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ (٢٣)
لأن المغرور المعجب بنفسه ينأى عن عمل الخير ويسخر ممّن يقوم به:
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ فتعود عاقبة البخل عليه لأن الله غنيّ عنه: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٢٤)
وأن الله تعالى بعث الرسل وأنزل عليهم الوحي مبيّنا للناس معايير العدالة كي لا يظلم بعضهم بعضا: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢٥) ومكّن الناس من استخدام موارد الطبيعة ومن ذلك الحديد لتسهيل معيشتهم، في إشارة إلى صنع الأدوات والآلات والوصول إلى مستويات من التقانة التي تمتع بها الإنسان في الماضي والحاضر: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ وقد يستعمله الإنسان للعدوان والتخريب إذ ﴿فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أو للدفاع ولما ينفع البشر: ﴿وَمَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ وأن الذين يستفيدون من نعم الله بالطريق الإيجابي الصحيح هم المؤمنون حقا، فيحاسبهم تعالى بظهور أعمالهم إلى حيّز العلن وليس بمجرد علمه المسبق بهم:
﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ﴾ وهم مؤمنون بما غاب عن إدراكهم ﴿بِالْغَيْبِ﴾ فلا يفوته تعالى من حسابهم شيء: ﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)﴾
стр. 1819
﴿ومن بعث الرسل، نوح وإبراهيم، والأنبياء من بني إسحاق وبني إسماعيل:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (٢٦)
ومنهم عيسى آخر أنبياء بني إسرائيل، والمعلوم أن الإنجيل الذي نزل عليه غير الكتاب الذي بين أيدي النصارى اليوم: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ وتنهى الآية عن الرهبنة ونبذ الدنيا كما فعل بعض النصارى في عصورهم الأولى مع أنه تعالى لم يكتبها عليهم: ﴿وَرَهْبانِيَّةً اِبْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ﴾ وإنما كتب عليهم ابتغاء رضوان الله: ﴿إِلاَّ اِبْتِغاءَ رِضْوانِ اللهِ﴾ ومع ذلك لم يرعوا الرهبنة التي ابتدعوها، انظر آية [التوبة ٣٤/ ٩]: ﴿فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ وأن النصارى الذين اتّبعوا رسالة عيسى على حقيقتها لا يفوتهم الأجر إذ دخلوا الإسلام بعد الفتوحات الإسلامية: ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ ولكن فسق الأكثرون منهم باختلاق التثليث والزعم بألوهية المسيح:
﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (٢٧)
وهنا تخاطب السورة أهل الكتاب وتحضّهم على الإيمان بخاتم الأنبياء والرسل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ وتعدهم ثواب إيمانهم الصحيح بعيسى وموسى، ثم ثواب إيمانهم بخاتم الأنبياء: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ وتعدهم بالنور، كالمشار له في (الآية ١٣): ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٨)
ثم تدعوهم السورة إلى نبذ اعتقادهم بأنهم الوحيدون المخوّلون بنزول الوحي الإلهي عليهم، لأنه تعالى يؤتي الفضل العظيم - أي الوحي - من يشاء من عباده: ﴿لِئَلاّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾، انظر آيات [الجمعة ٤/ ٦٢] و [البقرة ١٠٥/ ٢ - ١٠٦] و [آل عمران ٢٦/ ٣].
стр. 1820
سورة المجادلة - ٥٨ - مدنية
نزلت بين السنة الخامسة حتى السابعة للهجرة، واشتق اسمها من الإشارة لمجادلة المرأة للرسول ﵊ بخصوص عادة الظهار، وهو طلاق جائر كان شائعا في الجاهلية.
ارتباط السورة بما قبلها
هذه السورة الثانية في مجموعة السور المدنية السبع المتتالية: (الحديد - المجادلة - الحشر - الممتحنة - الصف - الجمعة - المنافقون) التي تتناول تطبيقات حياتية عملية في تنظيم المجتمع الإسلامي.
محور السورة
تشير السورة إلى أحقية المرأة برفع قضيتها إلى ولي الأمر وجداله لعلاج حالات مستعصية من زواجها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾ [١/ ٥٨]، وتبين فساد عادة الظهار في الجاهلية: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ [٢/ ٥٨] وتبطلها وتحدد كفّارتها، ثم تنهى السورة عن نجوى السوء كونها سببا للتباغض والتنافر بين المؤمنين وتأمر بنجوى الخير: ﴿وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى﴾ [٩/ ٥٨]، كما تأمر المؤمنين بتوسيع أبواب الخير والراحة على عباد الله: ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾ [١١/ ٥٨]، وتحضّ من يريد التعمّق في دراسة
стр. 1821
السنة النبوية أن يبدأ بعمل الخير: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ [١٢/ ٥٨]،
وتذم السورة المنافقين المشككين الذين غلبت عليهم مصالح الدنيا فيخدعون أنفسهم ويبررون لها الانحياز إلى أعداء المسلمين: ﴿إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [١٥/ ٥٨]، وأن مخادعتهم أنفسهم لن تفيدهم شيئا لأنه تعالى غالب على أمره: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [٢١/ ٥٨]، أما المؤمنون حقا فإنه تعالى يؤيدهم بروح منه: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [٢٢/ ٥٨] لأنهم لا يوادّون من يعمل ضد المسلمين مهما كانت درجة قرابتهم أو المصلحة معهم: ﴿وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [٢٢/ ٥٨].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تبدأ السورة ببيان أحقية المرأة في رفع مظلمتها إلى وليّ الأمر ومجادلته لرفع الظلم عنها بخصوص الظروف السيئة لزواجها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ﴾ فإن كان الله تعالى يسمع التحاور بهذا الموضوع فمن باب أولى أن يسمعه وليّ الأمر: ﴿وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (١)
وتبطل عادة الجاهلية في الطلاق الجائر المسمّى ظهارا إذ كان يترتب عليه تجريد المرأة من كل حقوقها بالإضافة لمنعها من الزواج ثانية ولذا وصفه تعالى بالزور والمنكر: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ وكان الرجل في الجاهلية يقول لزوجته أنت عليّ كظهر أمي، أي محرّمة علي جنسيا كحرمة أمّي عليّ.
стр. 1822
﴿وتفرض كفّارة الظهار بحال حدوثه لأن الندم وحده لا يكفي فلا بد من خطوات عملية لتأكيده: ﴿وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٣)
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ ومبرر الكفارة: ﴿ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي بإظهار نبذكم عادات الجاهلية باتباع إجراءات عملية ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤)
وتبيّن مآل الذين يختارون تجاهل ومعاداة أحكام الله المنزلة في الآيات البينات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي يكون الخذلان عاقبتهم ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٥)
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٦)
وأنه تعالى محيط بجميع أحوالهم فلا تخفى عليه مكائدهم السرية ضد الإسلام: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧) والنجوى هو الحديث السري بين أكثر من اثنين.
وأنّ المنافقين والكفار يكيدون للإسلام فيأتمرون سرا فيما بينهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ ويشكّكون في نبوة محمد ﵊: ﴿وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ﴾ أي إن كان محمد نبيّا حقّا فلماذا لا يعذّبنا الله؟ فيأتيهم الجواب:
﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾ والإشارة إلى يهود المدينة وقت البعثة، وإن كانت تنطبق على المشكّكين في كل زمن.
стр. 1823
﴿وتأمر السورة المؤمنين أن تكون مداولاتهم السرية فيما بينهم في سبيل البرّ والتقوى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٩)، ونظيره قوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء ١١٤/ ٤]،
وأن النجوى بالإثم والعدوان من شأن من استحوذ عليهم الشيطان من شرار الناس: ﴿إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٠)، مع أنّ الشيطان ليس له من سلطة حقيقية على البشر: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم ٢٢/ ١٤].
ثم تأمر السورة المؤمنين بأن يوسّع بعضهم على بعض في مجالسهم أو في مجتمعاتهم بإيصال الخيرات إلى المحتاجين منهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾ وأن لا يكونوا سلبيين بل يبادروا ويجيبوا إلى ما يرفع منازلهم من العمل الصالح: ﴿وَإِذا قِيلَ اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ وخصّصت من العمل الصالح طلب العلم إذ يرفع تعالى المؤمنين من الذين أوتوا العلم درجات على باقي المؤمنين: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١١) والرفعة هي في درجات الثواب والرضوان.
ومن ذلك تحدد السورة آداب مناجاة الرسول ﵇ في حياته والتعامل مع السنة الشريفة بعده بتقديم الصدقات أو عمل الخير: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾
стр. 1824
﴿ولكن لا يأثم من لا يستطيع الإنفاق على الخير بأكثر ممّا يترتّب عليه من الزكاة: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١٣)
ثم تذمّ السورة المنافقين، أنصاف المؤمنين، الذين يحرصون على منافعهم الدنيوية العاجلة بموالاة المغضوب عليهم من الذين وصلتهم الرسالة ومع ذلك يكابرون ويجتهدون في إنكارها ومقاومتها ومحاربتها، وهم اليهود خاصة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿وَلا مِنْهُمْ﴾ أي ولا اليهود يعتبرون المنافقين منهم ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٤ - ١٥)
يستخفون بالأيمان الكاذبة كي لا يظهر نفاقهم: ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً﴾ ويبذرون الشبهات في قلوب الناس: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (١٦)
فما تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم يوم القيامة: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (١٧)
ولشدة خداعهم أنفسهم يعتقدون أن الجري وراء مكاسب الدنيا المادية أمر طبيعي له ما يبرره وهو بنظرهم مقدّم على الدين والعقيدة: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ وهذا هو قمة الكذب وخداع النفس: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ (١٨)
ولذا تصفهم السورة بأنهم حزب الشيطان: ﴿اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩)﴾
стр. 1825
﴿وعلى النقيض من خداعهم أ?نفسهم وظنهم أنهم على صواب فإن مآلهم في الآخرة إلى الذل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ (٢٠)
فمن سننه تعالى في خلقه أن الغلبة للحق: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢١)
وأنه يستحيل على المؤمنين بالله واليوم الآخر أن يتولوا الكفار أو يوادّوهم ولو كانوا على درجة من القرابة منهم، فمن باب أولى أنهم لا يتولّون اليهود ولا يوادّوهم: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ولذلك تصير عاقبتهم إلى الفلاح:
﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾
وقد لاحظنا في سورة الممتحنة أن القرآن الكريم يستثني الكفار المسالمين ويأمر تجاههم بالبر والعدل: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة ٨/ ٦٠].
следующие страницы →