Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.
стр. 1821
السنة النبوية أن يبدأ بعمل الخير: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ [١٢/ ٥٨]،
وتذم السورة المنافقين المشككين الذين غلبت عليهم مصالح الدنيا فيخدعون أنفسهم ويبررون لها الانحياز إلى أعداء المسلمين: ﴿إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [١٥/ ٥٨]، وأن مخادعتهم أنفسهم لن تفيدهم شيئا لأنه تعالى غالب على أمره: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [٢١/ ٥٨]، أما المؤمنون حقا فإنه تعالى يؤيدهم بروح منه: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [٢٢/ ٥٨] لأنهم لا يوادّون من يعمل ضد المسلمين مهما كانت درجة قرابتهم أو المصلحة معهم: ﴿وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [٢٢/ ٥٨].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تبدأ السورة ببيان أحقية المرأة في رفع مظلمتها إلى وليّ الأمر ومجادلته لرفع الظلم عنها بخصوص الظروف السيئة لزواجها: ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ﴾ فإن كان الله تعالى يسمع التحاور بهذا الموضوع فمن باب أولى أن يسمعه وليّ الأمر: ﴿وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (١)
وتبطل عادة الجاهلية في الطلاق الجائر المسمّى ظهارا إذ كان يترتب عليه تجريد المرأة من كل حقوقها بالإضافة لمنعها من الزواج ثانية ولذا وصفه تعالى بالزور والمنكر: ﴿الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ وكان الرجل في الجاهلية يقول لزوجته أنت عليّ كظهر أمي، أي محرّمة علي جنسيا كحرمة أمّي عليّ.
стр. 1822
﴿وتفرض كفّارة الظهار بحال حدوثه لأن الندم وحده لا يكفي فلا بد من خطوات عملية لتأكيده: ﴿وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٣)
﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ ومبرر الكفارة: ﴿ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي بإظهار نبذكم عادات الجاهلية باتباع إجراءات عملية ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤)
وتبيّن مآل الذين يختارون تجاهل ومعاداة أحكام الله المنزلة في الآيات البينات: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي يكون الخذلان عاقبتهم ﴿وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (٥)
﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللهُ وَنَسُوهُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٦)
وأنه تعالى محيط بجميع أحوالهم فلا تخفى عليه مكائدهم السرية ضد الإسلام: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧) والنجوى هو الحديث السري بين أكثر من اثنين.
وأنّ المنافقين والكفار يكيدون للإسلام فيأتمرون سرا فيما بينهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ ويشكّكون في نبوة محمد ﵊: ﴿وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللهُ بِما نَقُولُ﴾ أي إن كان محمد نبيّا حقّا فلماذا لا يعذّبنا الله؟ فيأتيهم الجواب:
﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨)﴾ والإشارة إلى يهود المدينة وقت البعثة، وإن كانت تنطبق على المشكّكين في كل زمن.
стр. 1823
﴿وتأمر السورة المؤمنين أن تكون مداولاتهم السرية فيما بينهم في سبيل البرّ والتقوى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٩)، ونظيره قوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ [النساء ١١٤/ ٤]،
وأن النجوى بالإثم والعدوان من شأن من استحوذ عليهم الشيطان من شرار الناس: ﴿إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٠)، مع أنّ الشيطان ليس له من سلطة حقيقية على البشر: ﴿وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم ٢٢/ ١٤].
ثم تأمر السورة المؤمنين بأن يوسّع بعضهم على بعض في مجالسهم أو في مجتمعاتهم بإيصال الخيرات إلى المحتاجين منهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللهُ لَكُمْ﴾ وأن لا يكونوا سلبيين بل يبادروا ويجيبوا إلى ما يرفع منازلهم من العمل الصالح: ﴿وَإِذا قِيلَ اُنْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ وخصّصت من العمل الصالح طلب العلم إذ يرفع تعالى المؤمنين من الذين أوتوا العلم درجات على باقي المؤمنين: ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١١) والرفعة هي في درجات الثواب والرضوان.
ومن ذلك تحدد السورة آداب مناجاة الرسول ﵇ في حياته والتعامل مع السنة الشريفة بعده بتقديم الصدقات أو عمل الخير: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)﴾
стр. 1824
﴿ولكن لا يأثم من لا يستطيع الإنفاق على الخير بأكثر ممّا يترتّب عليه من الزكاة: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١٣)
ثم تذمّ السورة المنافقين، أنصاف المؤمنين، الذين يحرصون على منافعهم الدنيوية العاجلة بموالاة المغضوب عليهم من الذين وصلتهم الرسالة ومع ذلك يكابرون ويجتهدون في إنكارها ومقاومتها ومحاربتها، وهم اليهود خاصة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿وَلا مِنْهُمْ﴾ أي ولا اليهود يعتبرون المنافقين منهم ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٤ - ١٥)
يستخفون بالأيمان الكاذبة كي لا يظهر نفاقهم: ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً﴾ ويبذرون الشبهات في قلوب الناس: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (١٦)
فما تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم يوم القيامة: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (١٧)
ولشدة خداعهم أنفسهم يعتقدون أن الجري وراء مكاسب الدنيا المادية أمر طبيعي له ما يبرره وهو بنظرهم مقدّم على الدين والعقيدة: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ وهذا هو قمة الكذب وخداع النفس: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ﴾ (١٨)
ولذا تصفهم السورة بأنهم حزب الشيطان: ﴿اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٩)﴾
стр. 1825
﴿وعلى النقيض من خداعهم أ?نفسهم وظنهم أنهم على صواب فإن مآلهم في الآخرة إلى الذل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ (٢٠)
فمن سننه تعالى في خلقه أن الغلبة للحق: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢١)
وأنه يستحيل على المؤمنين بالله واليوم الآخر أن يتولوا الكفار أو يوادّوهم ولو كانوا على درجة من القرابة منهم، فمن باب أولى أنهم لا يتولّون اليهود ولا يوادّوهم: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ولذلك تصير عاقبتهم إلى الفلاح:
﴿أُولئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٢٢)﴾
وقد لاحظنا في سورة الممتحنة أن القرآن الكريم يستثني الكفار المسالمين ويأمر تجاههم بالبر والعدل: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة ٨/ ٦٠].
стр. 1826
سورة الحشر - ٥٩ - مدنية
الخلفية التاريخية
معظم سورة الحشر (الآيات ٢ - ١٧) متعلقة بالنزاع الذي حدث بين مجتمع المدينة المسلم وبين يهود المدينة من بني النضير والذي انتهى بطردهم منها، وتسمى أيضا (سورة بني النضير)، فبعد هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة عقد النبي مع يهود بني النضير اتفاقا تعهدوا بموجبه الوقوف على الحياد في نزاع المسلمين مع كفار قريش، ثم بعد ظفر المسلمين على قريش في غزوة بدر العام ٢ للهجرة أعلن زعماء بنو النضير من تلقاء أنفسهم أن محمدا ﵇ هو حقا النبي المنتظر المذكور في كتبهم (سفر التثنية ١٨/ ١٨)، ثمّ بعد عام من ذلك عندما انتهت غزوة أحد بشبه هزيمة للمسلمين، راجع سورة [آل عمران ١٢١/ ٣ - ٧٥]، خان بنو النضير عهدهم مع الرسول ﷺ وتآمروا على قتله، وعقدوا حلفا مع قريش بهدف التخلص من المسلمين نهائيا بحسب زعمهم، فكان أن أنذرهم النبي ﵇ بأحد أمرين: إما الحرب، أو مغادرة المدينة بجميع ممتلكاتهم، وفي الحالة الثانية يسمح لهم بالعودة إلى المدينة سنويا لقطف ثمار نخيلهم بمعنى أن تبقى مزارعهم ملكا لهم، فتظاهر اليهود بقبول العرض الثاني وطلبوا مهلة عشرة أيام للمغادرة وافق عليها النبي فاتصلوا خلالها مع
стр. 1827
منافقي المدينة وزعيمهم عبد الله بن أبيّ الذي وعد أن يدعمهم بألفي رجل يقاتلون إلى جانبهم إن أرادوا البقاء في حصونهم بضواحي المدينة، كما وعد أن يخرج من المدينة معهم في حال هزيمتهم، وفي ذلك نقرأ قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [١١/ ٥٩]، فقبل اليهود عرض ابن أبيّ وحملوا السلاح ضد المسلمين، فكان أن حاصرهم النبي ﵇ في حصونهم واحدا وعشرين يوما دون قتال، وعندما أيقنوا بعدم وفاء زعيم المنافقين عبد الله بن أبيّ بوعده لهم بالدعم العسكري، وهو مصداق قوله تعالى - والآية نبوءة بالغيب -: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [١٢/ ٥٩]، استسلموا للنبي ﵊ في ربيع الأول بالعام ٤ هجرية فأمرهم بالخروج من المدينة، وسمح لهم أن يحملوا معهم كافة ممتلكاتهم، فخرجوا بها إلى بلاد الشام في قافلة من ستمئة بعير، واستقر القليل منهم في خيبر، والباقون في أريحا بفلسطين، وأصبحت أراضيهم وزراعتهم ملكا للمسلمين، تم توزيع معظمها على فقرائهم كما تبين الآيات (٧ - ٨) من السورة.
وكما هو دأب القرآن الكريم تفيد الإشارات التاريخية فيه دروسا وعبرا، وفي هذه الحالة يستفاد من السورة حتمية انتصار المسلمين على عدوهم حتى لو كانوا قليلي العدد والعدّة بشرط التزامهم بروح الإسلام وشريعته، وقد نزلت السورة بالعام الرابع الهجري واشتق اسمها من كلمة الحشر المذكورة بالآية ٢ واختلفوا في مغزاها، وقد رأى بسام جرار في كتابه (زوال إسرائيل) أنّ ذلك كان أول حشر اليهود إلى أريحا في فلسطين بعد البعثة النبوية، أما آخر الحشر فهو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ [الإسراء ١٠٤/ ١٧].
стр. 1828
وفي هذه الفترة أيضا نزلت سورة الجمعة التي تنص على نسخ الديانة اليهودية بالإسلام، أنظر آيات [الجمعة ٢/ ٦٢ - ٥]، وقد يكون ذلك سبب نكوص بني النضير عن عهدهم مع الرسول ﵊.
ارتباط السورة بما قبلها
تبدو سورة الحشر في وصفها لقصة يهود بني النضير وتحالف منافقي المدينة معهم وغدرهم بالمسلمين [الحشر ٢/ ٥٩ - ١٧]، وكأنها مثال عملي على ما ورد في سورة المجادلة [المجادلة ٨/ ٥٨ - ١٠ و ١٤ - ٢٢] من نهي المؤمنين عن نجوى الإثم والعدوان ومعصية الرسول، وذمّ المنافقين الذين يتولّون أعداء الإسلام: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الحشر ١١/ ٥٩]،
وقد وصفت سورة المجادلة المنافقين بأنهم حزب الشيطان إذ نسوا ذكر الله: ﴿اِسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللهِ أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ [المجادلة ١٩/ ٥٨] وفي سورة الحشر نقرأ قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ [الحشر ١٦/ ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر ١٩/ ٥٩].
محور السورة
إصرار اليهود على الكفر: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ [٤/ ٥٩]، وأن المنافقين إخوان للكفار: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾
стр. 1829
﴿نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [١١/ ٥٩]، ولكن الغلبة تكون للمخلصين من المؤمنين: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ﴾ والسبب أن المنافقين لا يحسنون استخدام مداركهم العقلية ولذا فإنّ جلّ اهتمامهم مرتكز على أمور الدنيا: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [١٣/ ٥٩] والمغزى أن المؤمنين - بخلاف المنافقين - يحسنون استخدام مداركهم وملكاتهم العقلية، ولذا تحذرهم السورة أن يكونوا مثلهم:
﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ [١٩/ ٥٩].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تبدأ السورة وتنتهي بأن كل ما في السماوات والأرض يسبّح لله تعالى، والتسبيح ليس بمجرد القول، ومعناه تنزيه الله تعالى وتبعيده عن كل نقص وسوء: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١)
وتصف اليهود بأنهم مصممون على الكفر ممّا كان سببا لإخراجهم من الديار، في إشارة لوصفه تعالى في الآية السابقة بأنه العزيز الحكيم: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ في حين ظنّ المؤمنون أن لا سبيل لإخراجهم: ﴿ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾ كما كان ظنّ اليهود بمنعتهم المادية: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللهِ فَأَتاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا﴾ بأن ثبّط عنهم حلفاءهم المنافقين ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ وبسبب خيانتهم الإسلام ونقضهم العهد كانوا كمن يخرب بيته بيده:
﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ ممّا هو عبرة لذوي الفكر والبصيرة: ﴿فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ (٢)﴾
стр. 1830
﴿وأنه تعالى منحهم فرصة أخرى للتوبة بأن كتب عليهم الجلاء عن جزيرة العرب: ﴿وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا﴾ لكي تظهر معصيتهم وإصرارهم على الكفر إلى حيّز العلن فيستحقّوا عذاب الآخرة:
﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النّارِ﴾ (٣)
كل ذلك لأنهم جعلوا أنفسهم في شقّ وجعلوا الهدي الإلهي في شقّ آخر فكأنهما على طرفي نقيض: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٤)
ومع أنّ الشرع الإسلامي في الحالة العامة يحرّم تخريب المحاصيل الزراعية وقطع الأشجار، كما هو معروف من وصية أبي بكر الصدّيق الشهيرة لأمراء الجيوش، إلاّ أن الضرورات تبيح المحظورات، فاضطر المسلمون أثناء حصارهم بني النضير أن يقطعوا بعض نخيلهم لضرورة الحرب، وهو من قبيل ارتكاب أخفّ الضررين: ﴿ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ﴾ (٥)
وأنه خلافا للقاعدة العامة المذكورة بآية [الأنفال ٤١/ ٨] أن يكون خمس الغنائم لله والرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل، والباقي للمقاتلين، فإن الفيء، وهو ما غنمه المسلمون من بني النضير بلا قتال، يكون بأكمله للأصناف الخمسة المذكورة فيوضع بتصرف الرسول أو الإمام: ﴿وَما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ أي من بني النضير ﴿فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٦) والسبب تفسره الآيات التالية:
لأن العبرة من توزيع الفيء بكامله على الأصناف الخمسة المذكورة أن لا يكون تداول المال محصورا بين الأغنياء: ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ﴾
стр. 1831
﴿الْقُرى﴾ أي من جميع البلدان التي تفتح بلا قتال فحكمها حكم أموال بني النضير ﴿فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٧)
﴿فيوزّع على فقراء المهاجرين الذين بدافع الإيمان تركوا ممتلكاهم في مكة وقت الهجرة: ﴿لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ﴾ (٨)
كما يوزّع على فقراء الأنصار في المدينة الذين استقبلوا المهاجرين وآثروهم على أنفسهم رغم فقرهم: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ﴾ وتبيّن أن الشحّ يقف عائقا أمام صاحبه في الوصول إلى السعادة والفلاح: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٩)
والقاعدة عامة في كل وقت بأن يستقبل المسلمون إخوانهم المهاجرين إليهم من البلاد التي يعانون فيها الاضطهاد الديني: ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٠)
والآية التالية إشارة لعرض منافقي المدينة أن يدعموا يهود بني النضير ويتكافلوا معهم، وهي تصف المنافقين بأنهم إخوان الكفار: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ وأنّ المنافقين لا يملكون الشجاعة المعنوية الكافية كي يعلنوا كفرهم: ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١١)﴾
стр. 1832
﴿كما ليس لديهم أدنى قدر من الالتزام الروحي أو المعنوي أو الأخلاقي للوفاء بوعدهم: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ وأنهم يتخلّون عن حلفائهم في أول فرصة: ﴿وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ (١٢)
ولضعف إيمانهم بالله والبعث والجزاء فإنّ خوفهم من حاضرهم أكثر من خوفهم من آخرتهم: ﴿لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (١٣)
وأن اعتمادهم بالكامل على مادية الدنيا: ﴿لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ﴾ ولذا ينقلب بعضهم على بعض تهافتا وراء المصالح الدنيوية المباشرة: ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾ كل ذلك لأن عقولهم قاصرة عن حقيقة الدنيا والآخرة: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٤)
فمثل فريقي المنافقين ويهود بني النضير كمثل من قبلهم من كفار قريش الذين ذاقوا مرارة الهزيمة في وقعة بدر في رمضان العام ٢ هجرية، وكمثل يهود بني قينقاع ذاقوا عاقبة خيانتهم في شوال من العام نفسه: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٥) والقاعدة عامة في كل الأوقات لأمثالهم.
ومثل المنافقين مع الكفار شبيه بموقف الشيطان من الإنسان يغرّر به ثم يخذله:
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ (١٦)﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم ٢٢/ ١٤].
стр. 1833
﴿فكانت عاقبة المنافقين والكفار واحدة في النار: ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ (١٧)
فما يفعله المرء في دنياه يلقاه في الآخرة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١٨)
وتحذّر الآية المؤمنين أن يكونوا كالمنافقين والكفار أعمتهم الدنيا عن حقيقة الآخرة: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (١٩)
فمن اقتصر همّه على الدنيا ليس كمن وضع الآخرة نصب عينيه: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ (٢٠)
وأنه لو كان للجبال عقل - كما للإنسان - فنزل عليها القرآن لعقلته وخشعت وتصدّعت: ﴿لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ فكأنّ المصرّين على الكفر لا عقول لهم: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢١)
وأنه تعالى محيط بعالم الغيب وبما يضمر المنافقون من مكائد، كما هو محيط بعالم الشهادة: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ﴾ (٢٢)
وتختم السورة بأسماء الله الحسنى: ﴿هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللهِ عَمّا يُشْرِكُونَ * هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٢٣ - ٢٤).
стр. 1834
سورة الممتحنة - ٦٠ - مدنية
نزلت في العام ٧ هجرية بعد صلح الحديبية.
ارتباط السورة بما قبلها
السورة استمرار لسورتي المجادلة والحشر لجهة تحريم موالاة الكفار الناشطين في حرب المسلمين، ففي سورة المجادلة قرأنا قوله تعالى في ذمّ المنافقين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [المجادلة ١٤/ ٥٨]، وفي سورة الحشر أنّ المنافقين إخوان للكفار: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ [الحشر ١١/ ٥٩]،
ثم تنتقل سورة الممتحنة هذه إلى صيغة الأمر صراحة بنهي المؤمنين عن موالاة أعداء الإسلام: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة ١/ ٦٠]، ثمّ تنهى عن موالاة اليهود بالذات: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة ١٣/ ٦٠].
стр. 1835
محور السورة
تحريم مولاة الكفار الناشطين في حرب المسلمين: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ﴾ [١/ ٦٠]، وأن الله تعالى مقلّب القلوب، فالكفار قد ينقلبون مؤمنين: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [٧/ ٦٠]، والأمر بالبر والقسط تجاه المسالمين منهم: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [٨/ ٦٠]، وبيان القواعد الاجتماعية للتعامل مع الكفار الذي حرمت السورة موالاتهم [١٠/ ٦٠ - ١١]، وتحريم موالاة اليهود خاصة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ [١٣/ ٦٠]، وفي ذلك تأكيد على آيات [آل عمران ١١٨/ ٣، ٢٨] و [المائدة ٥١/ ٥].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿بعد أن ذمّت سورة المجادلة المنافقين لموالاتهم الكفار، ووصفت سورة الحشر المنافقين بأنهم إخوان للكفار، ترقى هذه السورة إلى درجة تحريم موالاة أعداء الإسلام الناشطين في حرب المسلمين: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾، والسبب أنهم ناشطون في حرب الإسلام والمسلمين لدرجة إخراجهم من الديار: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَاِبْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١)﴾ أي إن كانت هجرتكم في سبيل الله حقّا فكيف توادّوهم وقد أخرجوكم من دياركم؟
стр. 1836
﴿وهم يتربّصون الشر بالمسلمين ويودّون لو ترتدّوا عن دينكم: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْداءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ (٢)
وتحدد أن روابط الإيمان أقوى من روابط القربى مع الكفار: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٣)
وتضرب في ذلك مثلا قصّة إبراهيم وصحبه إذ تبرؤوا من قومهم ما داموا على الكفر: ﴿قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ كَفَرْنا بِكُمْ وَبَدا بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ الْعَداوَةُ وَالْبَغْضاءُ أَبَداً حَتّى تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَإِلَيْكَ أَنَبْنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (٤)
ودعاء إبراهيم وأصحابه: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي لا تسلط الكفار علينا فيفتنونا، أي نصبح مفتونين منصرفين عن هذا الدين الحق بظلمهم وقهرهم، ولا تفتنهم بنا فيزدادوا كفرا وعنادا لظنهم أن لو كنّا على الحق لما استطاعوا أن يظهروا علينا ﴿وَاِغْفِرْ لَنا رَبَّنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٥) والمعروف أنّ الدعاء يجب أن يقترن باتخاذ الأسباب.
فالآية تحث المسلمين أن يكونوا كإبراهيم وصحبه: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (٦)
غير أن عدواة الكفار للمسلمين ليست نهائية فقد يهتدي البعض منهم للإسلام: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ إذا تابوا وأسلموا ﴿وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ فالله تعالى قادر على تقليب القلوب وتغيير الأحوال وتسهيل أسباب المودة.
стр. 1837
﴿وتأمر السورة المسلمين بالبر والقسط تجاه المسالمين من الكفار الذين لم يشتركوا في القتال والاضطهاد: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٨)
وإن تحريم موالاة الكفار قصد به حصرا الذين يشتركون في قتال المسلمين واضطهادهم ويخرجونهم من الديار وكلّ من ينصرهم على ذلك: ﴿إِنَّما يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ وَظاهَرُوا عَلى إِخْراجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٩)
وهنا تبين الآيات (١٠ - ١٢) بعض التفاصيل الاجتماعية للتعامل مع الكفار الذين حرّمت السورة موالاتهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ﴾ أي إذا جئن مهاجرات إليكم من أرض العدو فيجب امتحانهنّ لمعرفة إن كانت هجرتهن لأغراض دنيوية أم في سبيل الله، والامتحان أن يقسمن أنّ هجرتهنّ ليست لدنيا وإنما حبّا بالله ورسوله: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ في الظاهر، والله تعالى يتولّى السرائر، فالشريعة الإسلامية تقتضي الاكتفاء بظاهر الإيمان، ما لم يظهر برهان يناقض ذلك: ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ﴾ وإن حلفن أنهنّ مؤمنات فلا يجوز إعادتهنّ إلى أزواجهنّ الكفار: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفّارِ﴾ لأنّ كفر أحد طرفي الزواج يكون سببا لفسخه: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وعندئذ يجب إعادة مهر المرأة التي أسلمت إلى الكافر: ﴿وَآتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا﴾ ويحلّ لها الزواج من جديد: ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ كما أنّ على المسلم أن يطلّق زوجته الكافرة: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ﴾ ويحق له أن يطالب بمهرها، مثلما يطالب الكفار بمهور زوجاتهم اللواتي أسلمن: ﴿وَسْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْئَلُوا ما أَنْفَقُوا ذلِكُمْ حُكْمُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾
стр. 1838
﴿وفي حال انحازت بعض زوجات المسلمين إلى الكفار فمن واجب المجتمع المسلم تعويض الأزواج ما أنفقوا من مهور الزوجات اللواتي تخلّين عنهم: ﴿وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (١١)
والآيتان (١٠ - ١١) نزلتا بعد صلح الحديبية لأنه كان من شروط الصلح أن يعيد المسلمون إلى قريش من يلجأ إليهم من أغرار قريش ومواليها، ولكن النبي ﷺ رأى أن ذلك الشرط لا ينطبق على النساء المتزوجات كونهنّ بالغات عاقلات.
بعد امتحان المؤمنات المهاجرات، الآية ١٠، والتأكد من إخلاصهنّ بحسب الظاهر، فلم يبق سوى أن يبايعن الرسول، أو الإمام من بعده: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا جاءَكَ الْمُؤْمِناتُ يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ كما كانت عادة وأد البنات في الجاهلية ﴿وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ أي لا يسعين إلى البهتان عمدا ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبايِعْهُنَّ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٢) لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله.
وكما بدأت السورة بالنهي عن موالاة أعداء الإسلام الناشطين في الصدّ عنه، فهي تختم بالنهي عن موالاة اليهود خاصة، إذ غضب الله عليهم لإنكارهم الآخرة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ والدليل في آية [المجادلة ١٤/ ٥٨] أن اليهود هم المقصودون بهذا الخطاب، فلشدّة ماديتهم وتكالبهم على الدنيا أنكروا الآخرة: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ مثلما يئس الكفار من بعث الأموات: ﴿كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾،
وفي إنكار اليهود للآخرة نقرأ أيضا قوله تعالى: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاّ مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ [الدخان ٣٤/ ٤٤ - ٣٥].
стр. 1839
سورة الصف - ٦١ - مدنية
نزلت سورة الصفّ على الأغلب بعد وقعة أحد أواخر العام ٣ هجرية حتى أوائل العام ٤ هجرية واشتق اسمها من كلمة الصف بالآية ٤،
ارتباط السورة بما قبلها
بعد أن ذمّت سورة المجادلة المنافقين الذين يتولّون الكفار الناشطين في الصد عن الإسلام، وأكّدت سورة الحشر أن المنافقين بمنزلة إخوان للكفار، ثم حرّمت سورة الممتحنة على المؤمنين صراحة أن يكونوا موالين لأعداء الإسلام: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الممتحنة ١/ ٦٠]، وبالذات اليهود منهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ [الممتحنة ١٣/ ٦٠]، توضح هذه السورة أن اليهود دأبوا على تكذيب كبار أنبيائهم كموسى وعيسى ﵈ [الصف ٥/ ٦١ - ٦]، فمن باب أولى أن لا يأمن المسلمون جانبهم، ثم تحثّ السورة المؤمنين أن يكون عملهم، بخلاف اليهود، مطابقا لعقيدتهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف ٢/ ٦١]،
стр. 1840
محور السورة
وجوب اجتماع كلمة المؤمنين على العمل والنظام والتضحية في سبيل عقيدتهم: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [٤/ ٦١] في مواجهة الكفار الذين يختلقون الأكاذيب للافتراء على الإسلام:
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ﴾ حتى يكون الفوز للمؤمنين: ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ [٨/ ٦١]، بانتشار رسالة القرآن: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [١٣/ ٦١]، وأنه تعالى أيّد نصارى المسيح - الحقيقيين - بظهور الإسلام على اليهودية وعلى المسيحية المنحرفتين عن رسالتي موسى وعيسى ﵉: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ﴾ [١٤/ ٦١]، أي ظاهرين عليهم بالحجة الصحيحة والمنطق السليم، وأما السلطان فيجعله تعالى في الدنيا لمن يتبع سننه في خلقه، مؤمنا كان أم كافرا.
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿كما افتتحت سورة الحشر تفتتح هذه السورة بأنّ كل ما في السماوات وما في الأرض يسبّح لله تعالى، والتسبيح ليس بمجرد القول، ومعناه تنزيه الله تعالى وتبعيده عن كل ما لا يليق به من نقص أو سوء: ﴿سَبَّحَ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١)
والقول يجب أن يصدّقه العمل والاستعداد للتضحية بما يتطلبه الإيمان، لذا تنهى السورة المؤمنين عن ازدواجية المعايير: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ (٢)
فغاية البغض عند الله تعالى أن يكون قول المؤمن مغايرا لفعله: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ (٣)﴾
стр. 1841
﴿وتحثهم على جمع الكلمة تجاه العدو: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ (٤)
وأن سبب فشل اليهود أنهم صدّقوا رسالة موسى قولا ولم يعملوا بمقتضاها:
﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ﴾ فالنبي موسى لم يترك عند اليهود أدنى شك أنه رسول الله إليهم حتى أقرّوا بذلك، لكن سلوكهم وعصيانهم المتكرر كان مغايرا لإقرارهم، وهذا الأمر واضح جدا ليس فقط في القرآن الكريم، بل في كتبهم "المقدسة"، والنتيجة الطبيعية لهذه الحال أن ينعكس الإصرار على المعصية سلبا على العقيدة: ﴿فَلَمّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ (٥)
ثم تكررت معصيتهم على أشنع حال مع آخر أنبيائهم عيسى ﵇:
﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ﴾ إذ جاءهم ليصدّق ما تبقى بين يديه، وقت بعثته، من الوحي الصحيح الذي بقي في التوراة، بعد أن كتبوا وأضافوا الكثير من عندهم وزعموا أنه وحي، انظر آية [البقرة ٧٩/ ٢]: ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ وليبشرّهم بمقدم النبي الأحمد المذكور في كتبهم (سفر التثنية ١٨/ ١٨)، وهو خاتم الأنبياء والرسل المخلّص المنقذ من الضلال الذي كانوا يستعجلون قدومه: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ولكنهم لعصبيتهم كانوا يتوقون أن يبعث النبي الأحمد من بين ظهرانيهم، لاعتقادهم أن الرسالات السماوية حكر عليهم، وقد فنّد القرآن الكريم دعواهم باقتصار الرسالات السماوية عليهم، انظر آية [الحديد ٢٩/ ٥٧]، كما حذّرهم عيسى ﵇ من هذا الاعتقاد بل أنذرهم أن عبء الرسالات السماوية سوف ينزع منهم ويعطى لأمة تؤتي ثمارها، أنظر كتابهم المقدس سفر (متّى ٤٣/ ٢١)، فزعموا أنه ساحر، ثم لما جاءهم النبي الأحمد بمعجزة القرآن الكريم نسبوه أيضا إلى السحر: ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْبَيِّناتِ قالُوا هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٦)﴾
стр. 1842
﴿وهذا غاية الظلم والشرور أن يجحد الإنسان الفضل المطلق وهو نعمة الهداية الإلهية: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُوَ يُدْعى إِلَى الْإِسْلامِ﴾ فمن شأن هؤلاء أن يمعنوا في الضلال: ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٧)
وأن الكفار لم يكتفوا بإنكار بعثة النبي ﷺ الذي بشّر به عيسى بالاسم، بل كانوا وما زالوا منكبّين على اختلاق الافتراءات ضد الرسالة الإسلامية:
﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ﴾ وبالطبع دون جدوى: ﴿وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ (٨)
وأن الله تعالى بعث النبيّ الأحمد خاتم الأنبياء والرسل بالهداية إلى البشرية كي يظهر الحق واضحا من الباطل: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ﴾ ولكي يظهر على الأديان التي انحرفت عن مسارها كاليهودية والمسيحية: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ مهما كره ذلك المشركون وعارضوه:
﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (٩)
وهنا تعود السورة إلى موضوع الآيات (٢ - ٣) من حيث إن المؤمن يلزم أن يكون مستعدا للتضحية: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (١٠) أي في الدنيا والآخرة، والتجارة المشار إليها موضحة في آية [التوبة ١١١/ ٩] أن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة.
فلا بدّ للمؤمنين، الجديرين بهذا اللقب، أن يكونوا على استعداد للتضحية:
﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١١)
حتى يكون الفوز لهم في الآخرة: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾
стр. 1843
﴿والفوز في الدنيا عندما ينتشر الإسلام بالقناعة والقدوة الحسنة بين أناس لم يسبق لهم معرفة الرسالة القرآنية: ﴿وَأُخْرى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٣)
فيكونون كما كان الحواريون وأتباعهم النصارى في نصرة عيسى ﵇: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللهِ كَما قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ وَكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ وقد أظهرهم تعالى بمبعث الإسلام رغم قلتهم وتعرضهم للاضطهاد من قبل اليهود والأكثرية المسيحية: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ (١٤)﴾
стр. 1844
سورة الجمعة - ٦٢ - مدنية
نزلت في أوائل الفترة المدنية واشتق اسمها من ذكر يوم الجمعة بالآية (٩).
ارتباط السورة بما قبلها
بعد أن عصى اليهود كبار أنبيائهم موسى وعيسى ﵉، انظر آيات [الصف ٥/ ٦١ - ٦]، وبعد أن بشّر عيسى المسيح اليهود في سورة الصف السابقة بمقدم النبي الأحمد: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦/ ٦١]، تذكر هذه السورة مبعث النبي ﷺ وانتقال الرسالة من بني إسحاق إلى بني إسماعيل: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢/ ٦٢]، والسبب ارتكاس اليهود المتكرر عن رسالة موسى وتشويه التوراة وتأليف كتب "مقدسة" من عندهم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾ [الجمعة ٥/ ٦٢]،
محور السورة
اقتضت الحكمة الإلهية انتقال عبء الرسالة السماوية من بني إسحق إلى بني إسماعيل بنزول الوحي على النبي ﷺ : ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [٤/ ٦٢] بعد فشل اليهود في حمل رسالة التوحيد: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾ [٥/ ٦٢]،
стр. 1845
والإسلام دين وسطية، لا رهبانية كما في المسيحية، ولا انكباب على الدنيا كما عند اليهود، فالمسلمون يبتغون نصيبهم من الآخرة كما يطلبون نصيبهم من الدنيا: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَاِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ [١٠/ ٦٢]، وبلا مبالغة في طلب الدنيا: ﴿قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ﴾ [١١/ ٦٢].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿التسبيح تنزيه الله تعالى وتبعيده عن كل ما لا يليق به، واستخدام الفعل المضارع بما يفيد الحاضر والمستقبل، وفي سورة الصف الفعل الماضي، ما يفيد أنّ كل ما في السماوات وما في الأرض يسبح الله تعالى على الدوام: ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١)
والقرآن الكريم نزل على أمّة أمّية لا كتاب لها فأنقذها من الضلال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ والرسول من هذه الأمة الأمّية، فهو أيضا أمّي لم يطّلع على الكتب السابقة ولم يعلم عنها إلاّ بطريق الوحي: ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢)
لكن الرسالة الإسلامية غير مقتصرة على العرب وحدهم وإنما لتنتقل منهم إلى العالم أجمع في كل وقت وعصر: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٣)
وقد منّ الله تعالى على العرب بنزول رسالة القرآن عليهم وذلك هو الفضل المطلق: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤)﴾ وهذا الفضل أيضا يؤتيه تعالى كلّ من يشاء الاستفادة من رسالة القرآن في كل زمن.
стр. 1846
﴿وأن اليهود كانوا مكلفين بحمل رسالة التوحيد ففشلوا فيها بارتكاسهم المتكرر إلى الوثنية ممّا هو مسطّر في كتبهم قبل غيرهم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾ وبعصيانهم كبار أنبيائهم كموسى وعيسى ﵈: ﴿بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٥) وظنّوا ويظنّون أنهم شعب الله المختار عصبية واستعلاء وتفضيلا على غيرهم من الأمم فقد قصر فهمهم وإدراكهم عن كون الرسالة عبئا ومسؤولية، وليست تمييزا لهم عن باقي البشر، انظر آية [البقرة ٩٠/ ٢].
وأن خوفهم من الموت يفضح زعمهم أنّهم شعب الله المختار: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٦)
خاصة بما ارتكبوا من مخازي ومعصية الرسل ما هو موثّق في كتبهم: ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ (٧)
وأن تكالبهم على الدنيا وتعلقهم بها، على النقيض ممّا يأملون، قصير الأمد فلا يلبثوا أن يواجهوا حسابهم: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٨)
وأنّ سبت اليهود قد نسخ بيوم الجمعة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٩)
وأنّ النسخ اقتضى إبطال تشدّدهم في منع أي عمل حتى عمل الخير خلال العطلة الأسبوعية: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَاِبْتَغُوا مِنْ فَضْلِ﴾
стр. 1847
﴿اللهِ وَاُذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٠) ونظيره قوله تعالى: ﴿وَاِبْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ (القصص ٧٧/ ٢٨).
﴿وأنّه يجدر بالمسلم أن لا يتهالك على الدنيا كما فعل اليهود: ﴿وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً اِنْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرّازِقِينَ (١١)﴾
стр. 1848
سورة المنافقون - ٦٣ - مدنية
نزل معظم هذه السورة بعد وقعة أحد أي أواخر العام ٣ وخلال العام ٤ هجرية، والبعض من آياتها (٧ - ٨) نزل بعد غزوة بني المصطلق العام ٥ هجرية،
ارتباط السورة بما قبلها
هنالك استمرارية في سور (المجادلة - الحشر - الممتحنة - الصف - الجمعة - المنافقون) لجهة ذمّ المنافقين، ونهي المؤمنين أن يكونوا مثلهم، انظر آيات [المجادلة ٢٢/ ٥٨] و [الممتحنة ١/ ٦٠]، ونهي المؤمنين من تولّي المغضوب عليهم من اليهود، انظر آيات [المجادلة ١٤/ ٥٨ - ١٦] و [الصف ١٣/ ٦٠]، ثم أوضحت سورة الجمعة أن رسالة القرآن نسخت الديانة اليهودية، انظر آيات [الجمعة ٢/ ٦٢ - ٥]، فارتدّ اليهود في المدينة، أنظر الخلفية التاريخية لسورة الحشر، ثم إن المنافقين لم يكتفوا بالتعاون مع يهود المدينة، انظر آيات [الحشر ١١/ ٥٩ - ١٢]، بل حاولوا تحريض الأنصار ضد النبي ﵊: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون ٧/ ٦٣].
стр. 1849
محور السورة
تعرض السورة لظاهرة النفاق بين ضعاف النفوس في المدينة بعد الهجرة النبوية، غير أن العبرة منها تنسحب على كل زمان ومكان.
فتبيّن بعض سمات المنافقين: ﴿وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [٤/ ٦٣]، وتصفهم بالاستكبار:
﴿وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [٥/ ٦٣]، وهم يظهرون الإيمان في حين أنهم يحرّضون الناس على الكفر ويأمرون الناس بعدم الإنفاق: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [٧/ ٦٣]، والله تعالى يأمر المؤمنين أن يصدّقوا إيمانهم بالإنفاق قبل فوات الأوان: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ [١١/ ٦٣].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿المنافقون يقولون بألسنتهم خلاف ما يبطنون: ﴿إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ (١)
ويستترون وراء أيمان كاذبة للصد عن الإسلام: ﴿اِتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢)
وهم قد آمنوا بالقول، وكفروا بالفعل: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ وأنّ من شأن أمثالهم أن تعمي عادة النفاق بصيرتهم حتى لا يفقهوا الحق من الباطل: ﴿فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ (٣)﴾ والطبع من الله تعالى بنتيجة سوء أفعالهم وإعراضهم فيخلّيهم تعالى لأنفسهم.
стр. 1850
﴿والمنافق يكون مظهره وقوله خدّاعا وإن كان مستساغا في الظاهر: ﴿وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ ولكنهم لقلة جدواهم كأعمدة الخشب المسنّدة إلى الحائط: ﴿كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ كما هم في حالة من الذعر والترقّب الدائمين: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ﴾ ولكن يجب الحذر من مظهرهم المخادع وألسنتهم المعسولة: ﴿فَاحْذَرْهُمْ﴾ فقد لعنهم الله وأبعدهم من رحمته: ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾ بالنظر لإعراضهم وانصرافهم عن الحق: ﴿أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٤)
وهم في الصدّ عن سبيل الله مستكبرون في باطنهم، يعتقدون في أنفسهم المكر والدهاء: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (٥)
فمن شأن أمثالهم أن يتركهم تعالى في تخبطهم ولا يجبرهم على الهدى:
﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ (٦) أي لسوء استخدامهم مداركهم العقلية.
وهم لجهالتهم وضيق أفقهم ينهون الناس عن الإنفاق في سبيل الله، ولا يفقهون أن الله غالب على أمره، إذ بيده وحده خزائن السماوات والأرض:
﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتّى يَنْفَضُّوا وَلِلّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٧)
ومغترّون بواقعهم الزائف لا يستوعبون أن العزة الحقيقية لله ولرسوله وللمؤمنين: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٨)
ولذا تحذّر السورة المؤمنين من الانخداع بمتاع الدنيا الزائل كالمال والبنين، وتحضّهم على النظر في القرآن والتفكر والتأمل فيه كي لا يخسروا أنفسهم: ﴿يا﴾
стр. 1851
﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٩)
﴿لكنّ ذكر الله وحده بلا إنفاق لا يكفي إذ هو دليل النفاق، فعليهم المسارعة إلى الإنفاق قبل فوات الأوان: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ ما رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١٠)
ولذا وجب الحذر من التسويف وطول الأمل: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١١)﴾.
стр. 1852
سورة التغابن - ٦٤ - مدنية، وقيل مكية، وقيل بها مكّي ومدني
اشتق اسم السورة من كلمة (التغابن) المذكورة بالآية (٩)، يوم يخسر الكفار أنفسهم ويربح المؤمنون.
ارتباط السورة بما قبلها
بعد أن بيّنت السور المدنية السبعة السابقة: (الحديد - المجادلة - الحشر - الممتحنة - الصف - الجمعة - المنافقون) قواعد هامة لتطبيقات عملية حياتية داخل المجتمع الإسلامي وخارجه، تعود سورة (التغابن) - المختلف في كونها مكية أو مدنية - لبحث مغزى الخلق وبعث الرسل والجزاء، وابتلاء البشر في الدنيا، ثم تختم في الآيات [التغابن ١٤/ ٦٤ - ١٨] بوجوب تقديم الروابط الدينية على الروابط العائلية والدنيوية، وتحضّ على الإنفاق.
محور السورة
خلق السماوات والأرض لم يكن عبثا وإنّما خلقها تعالى بالحق، وكرّم الإنسان بحرية الخيار: ﴿فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
стр. 1853
[٢/ ٦٤]، كما خلقه في أحسن تقويم: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [٣/ ٦٤]، وبعث له الرسل بالبيّنات: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ [٦/ ٦٤]، فاقتضى أن يكتمل مغزى الخلق يوم القيامة يوم يجمع الناس ليوم التغابن فيخسر الكفار أنفسهم ويربح المؤمنون: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ﴾ [٩/ ٦٤]، أما الدنيا فهي دار ابتلاء للمؤمن والكافر معا، سوى أن قلب المؤمن يكون مطمئنّا على الدوام لا تفتنه مشاغل الدنيا: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [١١/ ٦٤]،
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿التسبيح تنزيه الله تعالى وتبعيده عن كل ما لا يليق به، وكل ما في السماوات وما في الأرض يسبح الله تعالى على الدوام، فله الحمد على نعمائه، يفعل ما يشاء بقدر ما يشاء: ﴿يُسَبِّحُ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١)
كرّم الناس بحرية الخيار، فكان منهم الكافر ومنهم المؤمن: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢)
والخلق لم يكن عبثا: ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ خلق الناس في أحسن تقويم، ووهبهم نعمة العقل، ثم إليه يكون المعاد والحساب: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (٣)
لا يخفى عليه من عباده شيء: ﴿يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وَما تُعْلِنُونَ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٤)،
وأنّ العاقل يعتبر بعاقبة من سبق من الأمم الكافرة، لأنّ سنّته تعالى في الخلق لا تتغير فيمن يرفض الهدي الإلهي والمسؤولية الأخلاقية، فتلك الأمم ذاقت
стр. 1854
وبال أمرها في الدنيا قبل الآخرة: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ فَذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥)
﴿وسبب الكفر أن الرسل كانت تأتيهم من بين ظهرانيهم فاستكبروا اعتقادا منهم أن لا فضل للرسل عليهم لكونهم بشرا: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا﴾ في حين أن الله غني عنهم وعن العالمين: ﴿وَاِسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٦)
فالذين كفروا ظلموا عقولهم وأنكروا المسؤولية والبعث والحساب: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ (٧)
فوجب على كل عاقل أن يؤمن بالله والرسول والقرآن: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنا﴾ ويوقن بالمسؤولية والحساب: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٨)
يوم يجمع تعالى الناس فيحاسبهم على ما سبق منهم في دنياهم، فيفوز المؤمنون الذين عملوا صالحا: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٩)
ويخسر الكفار أنفسهم: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ خالِدِينَ فِيها وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١٠)
وأنّ الدنيا دار ابتلاء للمؤمن والكافر معا، ولو كان الإيمان يقي صاحبه من البلاء في الدنيا لبطل التكليف والاختبار ولصار الإيمان قسريا، غير أن المؤمن بخلاف الكافر يكون قلبه مطمئنّا على الدوام: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾
стр. 1855
﴿والمطلوب أن يعرف الإنسان خالقه فيكيّف وجوده بحسب الهدي الإلهي، غير أنّ الإيمان ليس قسريا بل يترك لخيار المرء: ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (١٢)
والله تعالى وحده المهيمن على أمور خلقه المتصرف بشؤونهم: ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٣)
وأن طاعة الله والرسول، والعمل بمقتضى القرآن، مقدّمان على الروابط الزوجية والعائلية، فإن حصل تناقض يصبح الطرف غير الملتزم عدوا - من الناحية الروحية والعملية - للطرف المؤمن: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا﴾ في حال توبتهم ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٤)
كما أن طاعة الله والرسول مقدّمة على الروابط الدنيوية التي قد تكون سببا للفتنة: ﴿إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١٥)
وأنه تعالى لا يكلّف نفسا إلاّ وسعها: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ وَاِسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٦)
وتختم السورة كما ختمت سورة (المنافقون) قبلها بالحض على الإنفاق:
﴿إِنْ تُقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١٧)
فلا يفوته تعالى شيء من أمور خلقه: ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾
стр. 1856
سورة الطلاق - ٦٥ - مدنية
نزلت في أواسط الفترة المدنية
ارتباط السورة بما قبلها
كما في السور المدنية السبعة: (الحديد - المجادلة - الحشر - الممتحنة - الصف - الجمعة - المنافقون)، وبعد أن أوضحت سورة التغابن - المختلف في كونها مكية أم مدنية - مغزى الخلق وبعث الرسل والجزاء وابتلاء البشر في الدنيا، تعود سورتا (الطلاق - التحريم) المدنيّتان المتتاليتان لمواضيع تطبيقات حياتية عملية أخرى في تنظيم المجتمع، وتبدأ هذه السورة بموضوع الطلاق، وتداخل آيات التشريع مع آيات الإيمان والغيب شائع في التنزيل، في إشارة للارتباط الوثيق في الإسلام بين الإيمان وبين انعكاسه العملي في تنظيم الحياة.
محور السورة
السورة مكرّسة في معظمها لبيان أحكام الطلاق وتفصّل ما سبق ذكره في آيات [البقرة ٢٢٦/ ٢ - ٢٣٣]، كما تبين العاقبة الوخيمة التي تحل بالمجتمعات نتيجة اتباعها تشريعات وضعية ولمعصيتها التشريع الربّاني.
стр. 1857
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تخاطب الآية الأولى مجتمع المسلمين - من خلال النبي ﷺ بوجوب العدة في الطلاق، وقد أجمعوا أن طلاق النساء يجب أن يقع في فترة طهر من غير جماع:
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وأنه يجب إحصاء العدة:
﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ كما هو مفصل بآية [البقرة ٢٢٨/ ٢]، وأنه خلال مدة العدّة لا يحق للرجل إخراج المرأة من بيتها: ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ ولا يكون الرجل سببا لإخراجها من تلقاء نفسها: ﴿وَلا يَخْرُجْنَ﴾ إلاّ أنه يحقّ له إخراجها في حالات استثنائية دامغة: ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وأنّ من مقاصد مدة الانتظار - العدّة - أنها تتيح الفرصة لتهدئة خواطر الطرفين والمراجعة الهادئة وتفادي اتخاذ قرارات متسرّعة: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً﴾ (١)
وأن اتخاذ القرار بالصلح أو الفراق بنهاية العدّة يجب أن يكون عن حسن نية بعيدا عن مشاعر الكراهية أو الانتقام، بلا ضرر ولا ضرار: ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ والشهادة أن لا يكون القرار متّخذا عن جهالة وحماقة: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وأن تقوى الله تقي المرء مواقع الضيق والكرب: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ وأن أمر الله جلّ وعلا نافذ لا محالة فلم يبق إلاّ التوكل عليه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ (٢ - ٣)
ثم تحدد السورة مدة العدّة لمن لا حيض لهنّ: ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ ومدة العدة
стр. 1858
للحوامل: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ (٤)
﴿وإن العمل بنصوص الشرع من شأنه تكفير السيئات وتعظيم الثواب:
﴿ذلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ (٥)
وإن سكن المطلقة خلال مدة العدة يجب أن يستمر بذات المستوى المعيشي المعتاد للزوج بلا مضايقة ولا تضييق عليها: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ وأن على الزوج الإنفاق على مطلّقته الحامل حتى تضع حملها: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ولها الخيار في إرضاع الولد مع استمرار النفقة لها خلال فترة الرضاعة: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وأن يكون التفاهم بينهما مستمرّا بالمعروف: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ وقد لا تستطيع المطلقة الإرضاع لأسباب صحية أو نفسية أو لكونها تريد الزواج من آخر: ﴿وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ (٦)
وإن إنفاق الزوج خلال كل هذه المدة يجب أن يكون بحسب طاقته المادية:
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها﴾ وأنه تعالى يجعل اليسر بعد العسر: ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ (٧).
ثم تنتقل السورة إلى التعميم أن المجتمعات الإنسانية التي تعتمد على التشريع الوضعي بدلا عن التشريع الربّاني تؤول عاقبتها إلى الخسران: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً * فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً * أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً﴾ وأن المؤمنين المتقين هم الذين يستفيدون من عقولهم في فهم القرآن:
﴿فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً﴾ (٨ - ١٠)
стр. 1859
﴿فيخرج الذين صدّقوا إيمانهم بالعمل الصالح من ظلمات الجهالة إلى نور العلم والإيمان، وذلك هو الرزق المطلق: ﴿رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً﴾ (١١)
وأن الله تعالى الذي خلق السماوات السبع ومن الأرض مثلهنّ متكفّل بأمور عباده ومخلوقاته، حتى بأدق تفاصيلها كما سيرد في موضوع السورة التالية:
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢)﴾.
وفي كتاب (الخصائص) لابن بابويه عن النبي ﷺ : "إن لله تعالى اثني عشر ألف عالم، كل عالم منهم أكبر من سبع سماوات وسبع أرضين، ما يرى عالم منهم أن لله عالما غيرهم".
وقد نقل الرازي في تفسير آية [الحجر ٢٦/ ١٥] عن كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر ﵇ أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، انظر أيضا آية [الشورى ٢٩/ ٤٢].
стр. 1860
سورة التحريم - ٦٦ - مدنية
نزلت خلال النصف الثاني من الفترة المدنية، وقيل حوالي العام ٧ هجرية، وقيل إن الآيات (١٠ - ١٢) منها مكية.
ارتباط السورة بما قبلها
هي استمرار للسورة السابقة من حيث تنظيم الشرع الإسلامي لحياة البشر، فبعد أن ختمت سورة الطلاق المتقدمة بأنّ أمره تعالى يتنزّل في شؤون مخلوقاته وعباده بين السماوات والأرض، تبين هذه السورة أحد جوانب تنظيم هذه الشؤون ومنه التأكيد على عدم جواز تحريم ما أحل الله تعالى في سبيل إرضاء البشر.
محور السورة
عدم جواز تحريم ما أحل الله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ [١/ ٦٦]، ووجوب التكفير عن الأيمان المعارضة للشرع: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ﴾ [٢/ ٦٦]، وأنّ الندم لا يفيد صاحبه يوم الحساب فالعقاب نتيجة طبيعية ملازمة للعمل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [٧/ ٦٦]،
следующие страницы →