Полный текст (2 031 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
﴿إِلَيْكَ﴾ لا تعلمه إلاّ عن طريق الوحي ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ اختصم الكهنة على كفالة مريم فلم يتفقوا على كفالة زكريا لها إلاّ بعد القرعة، ومن العبر في القصة أنّ أمّيا نشأ بين أميين يخبر اليهود والنصارى عن أخبار الغيب من قصة مريم وزكريا ويحيى مما لم يكن ممكنا له ولا لقومه أن يعلموه، وقد سمع كفار قريش بهذه القصة فلم يقل أحد منهم أنه على علم بها.
إنّ قصص الأنبياء تعتبر من دلائل النبوّة التي اشتمل عليها القرآن الكريم مع كون النبي أميا لم يتعلم، فهذه القصص دليل على صحة نفسها، وأمّا ما جاء فيها مخالفا لما في الكتب السابقة فيعتبر مصحّحا للأخطاء والتحريف والحذف مما دخل عليها، وهنالك عبرة أخرى موجهة للنصارى ممن يعتقدون بألوهية المسيح بسبب ولادته المعجزة، وهي أن الولادة المعجزة لم تقتصر على المسيح وإنما ولادة يحيى كانت أيضا بمعجزة.
﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اِسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٤٥)
٤٥ - ﴿إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ تقدير الخطاب: «يبشّرك بمولود يولد بكلمة منه» وهو تفسير قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ (٣٩)﴾، والكلمة هي (كن) كما في قوله ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٣٦/ ٨٢]، ﴿اِسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ وهو لقب الملوك عند اليهود لأنّ الكهنة كانوا يمسحونهم بالزيت عند تكريسهم لمناصبهم ﴿عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ﴾ نسبه تعالى إلى مريم إعلاما لها على ولادته من غير أب ﴿وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ وجاهته في الدنيا بسبب بعثته النبوية ومنزلته العظيمة في نفوس المؤمنين في كل العصور، وفي الآخرة ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ يوم القيامة، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسّابِقُونَ السّابِقُونَ * أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:
٥٦/ ١٠ - ١١].
стр. 212
﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٤٦)
٤٦ - ﴿وَيُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ يكلمهم بوحي الله الذي يوحيه إليه في صغره، كما في كهولته ﴿وَمِنَ الصّالِحِينَ﴾.
﴿قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٤٧)
٤٧ - ﴿قالَتْ رَبِّ أَنّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ أي كيف يولد هذا الولد مني وأنا لست بذات زوج ولست عازمة على الزواج ولست بغيّا، فأجابها الملك عن الله ﴿قالَ كَذلِكِ اللهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ أي يخلقه من العدم، ولم يقل «يفعل» كما في قصة زكريا بل نصّ على أنه يخلق لإبطال أي شبهة ﴿إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ و «القول» لتقريب الفهم إلى أذهان السامعين إذ هو كناية عن مقدرته تعالى المطلقة بلا حدود.
﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ (٤٨)
٤٨ - ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الكتاب هو مجمل الوحي الذي نزل على جميع الأنبياء، والحكمة هي العلم الصحيح الباعث على العمل النافع، والتوراة كتاب موسى، والإنجيل ما أوحي إلى عيسى خاصة.
﴿وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤٩)
٤٩ - ﴿وَرَسُولاً إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ تتمة الخطاب إلى مريم، أي ويجعله رسولا إلى بني إسرائيل خاصة فيقول لهم ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية المعجزة أو العلامة وهي: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ﴾ لأنّ الخلق والروح من الله، وتأكيد عيسى عليه إزالة
стр. 213
للشبهة، وتنبيها على أنه إذا عمل الطين كهيئة الطير فإنّ بعث الحياة في الطين يكون من الله تعالى ولمجرّد إظهار المعجزات على أيدي الرسل ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتى بِإِذْنِ اللهِ﴾ الأكمه هو الذي يولد أعمى، وكرّر قوله بإذن الله لإزالة أوهام من قد يعتقد فيه الألوهية ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ وهو من قبيل اطلاع الأنبياء على بعض الغيب ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ويلاحظ من لفظ الآية أنّه تعالى جعل هذه المقدرة في عيسى ﵇ ليتحدّى بها بني إسرائيل، لأنهم لطفولتهم العقلية، اعتادوا على طلب المعجزات الحسية من زمن موسى ﵇.
﴿وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (٥٠)
٥٠ - ﴿وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ﴾ مؤكّدا ما بقي بين يديّ أو الصحيح الذي بقي منها، انظر شرح الآية (٣) أعلاه ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ وهو ما اشتملت عليه الخرافات التي أدخلها أحبارهم على الشريعة وتمسّك بها عوامّهم فنفاها عنهم، لأنّ المسيح ﵇ لم يأت لليهود بشريعة جديدة، ولكن جاءهم بما يخلّصهم من الجمود والتعلق بالظواهر والشكليات والشوائب التي تراكمت على الشريعة، وليعود بهم إلى جوهر الدين وحقيقته، انظر شرح الآية (٩٣)، ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ دلالة على صدقي ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾.
﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٥١)
٥١ - ﴿إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ نفى عيسى الألوهية عن نفسه، وأفهمهم أن الله تعالى ربّ الجميع، إزالة لأي التباس أو سوء فهم، وقد ورد مثل هذا القول حرفيا في كتب المسيحية على لسان عيسى (سفر يوحنا ٢٠/ ١٧)، ومع ذلك كذّبوه وأصروا على تأليهه ﴿فَاعْبُدُوهُ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ هذا هو الطريق الصحيح.
стр. 214
﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ آمَنّا بِاللهِ وَاِشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (٥٢)
٥٢ - ﴿فَلَمّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ﴾ أي من اليهود ﴿الْكُفْرَ﴾ يلاحظ روعة الإيجاز في الخطاب الذي انفرد به القرآن الكريم أن انتقل من البشارة بعيسى والآيات التي جاء بها إلى النتيجة التي وصل إليها مع قومه بعد طول الدعوة والمعاناة، وقد وجد عيسى في بني إسرائيل العناد والمكابرة ورفض تحكيم العقل والمقاومة ونية الإيذاء، فتوجّه باحثا عن أهل النصرة من المؤمنين: ﴿قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ﴾ أي من ينصرني في الدعوة إلى دين الله ﴿قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ أي نحن أنصار الدعوة إلى دين الله.
والحواريون هم خاصّة عيسى من الأتباع والتلاميذ، وقيل إنهم كانوا ينتمون إلى طائفة من يهود فلسطين تدعى Essene Brotherhood اتسمت بالاستقامة والتصوف وكانوا يرتدون الملابس البيضاء دلالة على مذهبهم، وقيل إن عيسى ﵇ كان منهم فاشتق اسم الحور وهو البياض من لون ردائهم، فقالوا:
﴿آمَنّا بِاللهِ﴾ مخلصون له منقادون لأمره ﴿وَاِشْهَدْ بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ قد أسلمنا أمرنا إلى الله، فنحن مسلمون له، مستسلمين لإرادته، وهو دليل على أن الإسلام - بهذا المعنى - دين الأنبياء جميعا وإن اختلفت بعض أحكامه.
﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ وَاِتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ (٥٣)
٥٣ - ﴿رَبَّنا آمَنّا بِما أَنْزَلْتَ﴾ آمن الحواريون بالوحي الذي نزل على عيسى ﴿وَاِتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ وهو عيسى ﵇، ويلاحظ في الآية تتابع الإيمان ثم العمل بإتّباع، لأن الايمان بلا عمل يكون ناقصا، فاتّباعهم الرسول يفيد أن إيمانهم لم يكن بلا أثر، إذ بلغ مرتبة اليقين المسيطر على النفس والموجّه لها ﴿فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ على الحق.
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٥٤)﴾.
стр. 215
٥٤ - ﴿وَمَكَرُوا﴾ وهم اليهود الذين أحسّ عيسى منهم الكفر، قاموا بالتخطيط لقتله عن طريق اتهامه لدى الحاكم الروماني «بيلاطس» بالكفر والتحريض على الشغب ﴿وَمَكَرَ اللهُ﴾ بالتدبير الخفي المؤدّي بهم إلى ما لا يحتسبون ﴿وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ بتدبيره الذي يخفى على عباده.
﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (٥٥)
٥٥ - ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ أي مستوفي أجلك في هذه الدنيا، لأنّ أصل التوفي في اللغة هو أخذ الشيء وافيا، ثم استعمل بمعنى الموت، انظر آية [الزمر: ٣٩/ ٤٢]، ﴿وَرافِعُكَ إِلَيَّ﴾ كانت فرصة بني إسرائيل الأخيرة أن بعث لهم تعالى نبيّن في وقت واحد، وهما عيسى ويحيى ﵉، فقتلوا يحيى كما قتلوا غيره من الأنبياء من قبل، انظر شرح الآية (٢١)﴾، ثم تآمروا على قتل عيسى المسيح ﵇ فرفعه تعالى إليه، والرفع بمعنى الاستدعاء، كما تستدعي الدول سفراءها عندما تنتهي مهمتهم، أو عندما تصبح المهمة التي بعثوا من أجلها غير ذات جدوى، والمعنى أن فرصة بني إسرائيل في التوبة والإصلاح والتصديق بالمسيح فاتتهم بسبب عنادهم، فرفع تعالى المسيح إليه ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي من وجودهم، بعد أن لم يعد هنالك فائدة ترجى من وجود المسيح فيهم ﴿وَجاعِلُ الَّذِينَ اِتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ وهم المسلمون لأنهم الأتباع الحقيقيون لعيسى ابن مريم، وهذه نبوءة بالغيب، أي إن عقيدة المسلمين ظاهرة فوق غيرها إلى يوم القيامة، بالحجة والإقناع، وليس بالقهر والسيطرة ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ وهو الاختلاف بين المسلمين وبين المسيحية الذين ابتدعوا ألوهية المسيح، وبين اليهود الذين كفروا ببعثة المسيح كليّة ثم أنكروا بعثة خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ ، فيتبيّن للجميع يوم القيامة الحق من الباطل.
стр. 216
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٥٦)
٥٦ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ وقد حصل ذلك في الدنيا بتشتيت اليهود وتسليط الأمم عليهم منذ طردهم الروم من فلسطين والقدس عام ٧٠ ميلادية، فكان ذلك بداية عصر الشتات لهم، انظر الآية (١١٢)، ثم عذاب الآخرة أخزى لهم من عذاب الدنيا.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ (٥٧)
٥٧ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ إما في الدنيا، وهذا الأمر مطّرد في الأمم وليس بالضرورة في الأفراد، وإما في الدنيا والآخرة، أو في الآخرة فقط ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أي الظالمين لأنفسهم بالخروج عن الفطرة وبالكفر بالأنبياء.
﴿ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ (٥٨)
٥٨ - ﴿ذلِكَ﴾ أي ما تقدم من نبأ عيسى ويحيى وزكريا وغيرهم ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ﴾ آيات القرآن وهي العلامات المبرهنة على الرسالة ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ الحكيم لكون القرآن ينطق بالحكمة، وأيضا بمعنى المحكم، لأنّ فعيل بمعنى مفعل وهو شائع في اللغة، أي في منتهى الإحكام والإتقان.
﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٥٩)
٥٩ - ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ﴾ الآية جواب على ادعاء ألوهية عيسى عند المسيحية والمعنى أنّ خلق عيسى على غير المعهود من اتصال الذكر بالأنثى لا يستلزم كونه إلها لأنّ آدم، والمقصود به الجنس البشري خلق من تراب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٣/ ١٢ - ١٣].
﴿ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ «القول» لتقريب الفهم إلى أذهان السامعين وهو كناية عن مقدرته تعالى بلا حدود، واستعمال الفعل المضارع في كلمة (يكون) إشارة إلى استمرار معجزة الخلق في الإنسان.
стр. 217
قال تعالى: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوّاكَ رَجُلاً﴾ [الكهف: ١٨/ ٣٧]، وقال عزّ من قائل ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ [غافر: ٤٠/ ٦٧]، لأنّ الإنسان مخلوق من مواد عضوية وغير عضوية موجودة في التراب، وهذه معجزة مستمرّة وقائمة بذاتها، وأنّ خالق القوانين والسنن يفعل ما يشاء.
﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (٦٠)
٦٠ - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ هذا هو الحق من ربك فلا يكن عندك شك، والخطاب وإن كان ظاهره للنبي ﷺ إلاّ أنه - كما هي العادة في القرآن الكريم - موجّه للأمّة.
﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ (٦١)
٦١ - ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ أي في حقيقة عيسى ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ وأصبحت على يقين من الحقيقة ﴿فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ﴾ وذلك قصارى ما في الأمر، أي لا نكرهكم على ما نحن عليه من العقيدة والإيمان، بل نترك لكم حرية الخيار، وتسمّى هذه الآية آية المباهلة، والمباهلة هي الملاعنة، أمّا الابتهال فهو الاجتهاد في الدعاء، وقد ورد أن النبي ﷺ دعا وفد نصارى نجران حين قدومهم عليه في المدينة إلى المباهلة بشأن دعواهم في ألوهية عيسى وذلك بأن يجتمع المجادلون في عيسى من أهل الكتاب رجالا ونساء وأطفالا، ويجتمع النبي مع المؤمنين رجالا ونساء وأطفالا ثمّ يبتهل الطرفان إلى الله تعالى أن يلعن الكاذب منهما فيما يقال عن عيسى المسيح ﵇، وهذا الطلب دالّ على قوة اليقين والثقة لدى صاحبه بما يقول ويعتقد، وقد امتنع نصارى نجران عن المباهلة بسبب عدم ثقتهم بما يقولون، ولكونهم على
стр. 218
غير بيّنة ولا يقين مستند على العقل في أمر المسيح، وإنّما كانت محاجّتهم عنادا وعصبية وتقليدا لما ورثوه عن آبائهم من المعتقدات، وحفاظا على مراكزهم في الكنيسة، ويلاحظ أيضا أنّ عبارة (تعالوا) في الآية تتضمن معنى التعالي والمعنى:
أدعوكم يا أهل الكتاب إلى التعالي عن السفاسف وعن الشكليات والالتزام بأصل العقيدة فقط.
﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٦٢)
٦٢ - ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ في شأن المسيح ﵇ ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاَّ اللهُ﴾ المتفرّد بالألوهية ﴿وَإِنَّ اللهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هو وحده العزيز الغالب على أمره والحكيم العالم بالعواقب والنهايات، ولم يكن عيسى كذلك حتّى يدّعوا فيه الألوهية.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ (٦٣)
٦٣ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ولم يجيبوا دعوتك إلى المباهلة ولم يستجيبوا للحقيقة فيؤمنوا ﴿فَإِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ المعنى فوّض أمرهم إلى الله فهو أعلم بإفسادهم وحسابهم عليه تعالى، فتركهم النبي ﷺ وأعطاهم الأمان على أنفسهم وأموالهم وضمن لهم حقوقهم وحرية ممارسة شعائرهم الدينية وفرض عليهم الجزية.
﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ (٦٤)
٦٤ - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾ ظاهر اللفظ يدل على أن المخاطبين هم اليهود والنصارى عامة، والخطاب وإن كان في الأصل للنبي ﷺ ، فهو موجّه للمسلمين في كل الأمكنة والأزمنة بدليل تغيير الخطاب من المفرد إلى الجمع في تتمة الآية، والمطلوب دعوة أهل الكتاب والحوار معهم: ﴿تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا﴾
стр. 219
﴿وَبَيْنَكُمْ﴾ الكلمة تطلق على الجملة المفيدة، والسواء هو العدل، أي لنتفق على مبدأ عادل ﴿أَلاّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً﴾ المطلوب هو الإقرار بوحدانية الألوهية وأن السلطة الغيبية لله وحده لا شريك له ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الربّ من أسماء الله تعالى، ولا يقال في غيره إلاّ بالإضافة، وهو هنا بمعنى من له حق التشريع والتحليل والتحريم، فاليهود رغم أنهم موحّدون إلاّ أنهم يتّبعون أحبارهم فيما يبتكرون من أحكام وتشريعات من عندهم فيجعلونها بمنزلة الوحي،
والآية تشير أوّلا: إلى ربوبية أحبارهم وكهنتهم من هذا المنطلق، وثانيا: فقد جرى النصارى أيضا على هذا المنوال وزادوا عليه ما ابتكروه من تأليه المسيح والروح القدس والتثليث وتسمية المسيح ابن الله، وإطلاق لقب «والدة الإله» على السيدة مريم، وابتكار فكرة الخطيئة الأصلية، وغفران الخطايا، كل ذلك بموجب القرارات التي أصدرتها المجامع المسكونية، وجعلوا لهذه القرارات مرتبة الوحي المنزل.
وكان قد عقد أول مجمع مسكوني عام ٣٢٥ م في نيقية في آسية الصغرى برعاية امبراطور بيزنطة قسطنطين الأول حيث أقرّ مبدأ التثليث وألوهية المسيح بمرسوم أمبراطوري وبحضور ٣١٨ فقط من أصل ١٨٠٠ من رجال الدين في الأمبراطورية، والباقون ممّن لم يسمح لهم بالحضور كانوا من أتباع أريوس وهم المعارضون لهذه الأفكار والمصرّون على التوحيد وعلى الاعتقاد أن عيسى مجرّد بشر، وبعد هذا المؤتمر تعرّض الأريسيّون - نسبة إلى أريوس - إلى اضطهادات مريرة على أيدي الجيوش الرومانية فأحرقت كتبهم وكنائسهم وقد استغرق استئصال شأفتهم من أنحاء الامبراطورية حوالي ثلاثة قرون، والجدير بالذكر أنّ أريوس وأتباعه هم المشار لهم في رسالة النبي ﷺ إلى هرقل امبراطور الروم حين دعاه إلى الإسلام فكتب له: «أسلم تسلم وإن أبيت فإنّما عليك إثم الأريسيين»،
стр. 220
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اِشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ﴾ فإن أصرّوا على ما هم عليه من عبادة بعضهم بعضا أظهروا أنّكم على عبادة الله مستسلمين له وحده فقط، ولستم ملزمين بحمل غيركم على ما أنتم عليه من العقيدة.
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٦٥)
٦٥ - ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ﴾ فهو لم يكن على شيء من معتقداتكم ولا تقاليدكم ممّا ابتكرتم ووضعتم في كتبكم فكيف تدّعون أنكم على ديانته ﴿وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي إذا كان الدين الحق هو ما جاءت به التوراة فقط كما يقول اليهود، ولا يتجاوز ما جاء به الإنجيل كما يقول النصارى، فكيف كان إبراهيم على الحق؟ واستوجب ثناء اليهود والنصارى معا؟ مع أنه سبق التوراة والإنجيل بعدة قرون؟ فإن قيل إنّ المسلمين يقولون مثل ذلك في إبراهيم مع أنّ الإسلام نزل بعد إبراهيم بوقت طويل، فالجواب أنّ القرآن أخبر أنّ إبراهيم كان حنيفا مسلما، وليس في التوراة والإنجيل أنّ إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا، كما أنه ليس المراد أن إبراهيم كان مسلما على ما أوتي النبي ﷺ ، وإنما كان مسلما بالمعنى العام، وهو إسلام الأمر لله وحده، والاستسلام والإذعان والانقياد التام لإرادة الله وحده دون غيره، والإخلاص والإحسان، فالإسلام بذلك دين الأنبياء جميعا، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران ٣/ ١٩].
والآيات (٦٥ - ٦٨) من إعجاز القرآن، لأنها تخبر بالغيب بما كان عليه إبراهيم ﵇، وزعم اليهود والنصارى أنهم على ملّته.
﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦٦)
٦٦ - ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ بما تبقّى لديكم من التوراة والإنجيل ﴿فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ بالادّعاء أنّ إبراهيم
стр. 221
كان على ملّتكم مع أنّ ذلك غير مذكور في كتبكم، وأنّ اليهودية والمسيحية بأشكالها الحالية لم تظهرا للوجود إلا بعد كل من عيسى وموسى ﵈ بوقت طويل ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾.
﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٦٧)
٦٧ - ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا﴾ بالمعنى الذي أنتم عليه ﴿وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً﴾ أي مائلا الى الطريق الصحيح وتاركا ما كان عليه الناس من الضلال والشرك ﴿مُسْلِماً﴾ منقادا إلى الله تعالى وحده مثل موسى وعيسى وجميع الأنبياء ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ إشارة لشرك النصارى.
﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٨)
٦٨ - ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ﴾ أجدر الناس به هم الذين ساروا على طريقه ومنهجه فكانوا حنفاء مسلمين ﴿وَهذَا النَّبِيُّ﴾ محمد ﷺ ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الذين صدّقوا برسالة النبي ﴿وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو ناصرهم على مخالفيهم.
﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (٦٩)
٦٩ - ﴿وَدَّتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ كانوا ولا زالوا شديدي الحرص على إضلال المؤمنين وردّهم عن الإسلام بإلقاء الشكوك في نفوسهم ﴿وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ لأنّهم بانشغالهم وانهماكهم في أحابيل إضلال غيرهم انصرفوا عن النظر والتفكّر والتأمّل برسالة محمد ﷺ فضلّت عقولهم عن الفطرة السليمة والتفكير السليم من حيث لا يشعرون.
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ (٧٠)
٧٠ - ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ الكفر هو ستر الحقيقة وإنكارها فقد كانوا ينكرون الدلائل الواضحة على نبوّة محمد ﷺ وهي القرآن
стр. 222
وما جاء في كتبهم من البشارة بالنبي ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ قلوبهم شهدت بصحة الآيات والقرآن ولكن غلبت عليهم العصبية والتكبّر وتقليد الآباء والأجداد، كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [النمل ٢٧/ ١٤].
﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٧١)
٧١ - ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ﴾ أدخلتم النظريات والآراء والأحكام الباطلة في دينكم حتى صار دينا آخر غير ما جاء به أنبياؤكم، ولا تزالون تفعلون ذلك بالقرارات الوضعية التي تتّخذها مجالسكم ومجمعاتكم المسكونية من وقت لآخر ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تكتمون الحقيقة وأنتم على علم ووعي بما تقومون به من ابتكار ديانة وضعية لا علاقة لها بما نزل على الأنبياء، وأيضا أنتم أصحاب علم ومعرفة، لا أصحاب جهل وخرافات، فكيف تقبلون بهذه المعتقدات الزائفة؟
﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاُكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٧٢)
٧٢ - ﴿وَقالَتْ طائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ وهم بعض أحبار اليهود قالوا لأتباعهم ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وهم المسلمون ﴿وَجْهَ النَّهارِ وَاُكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ وجه النهار أي أوّله، والمقصود أنّ الأحبار أمروا أتباعهم بالنفاق للمسلمين والتظاهر بتصديق بعض الوحي بداية ثم تكذيب بعضه الآخر والنكوص على أعقابهم، والهدف من ذلك إيقاع البلبلة في نفوس الضعفاء من المسلمين الذين لم تطمئن قلوبهم بالإيمان فيرتدّوا، أو على الأقل يتزعزع إيمانهم فيقولوا لأنفسهم: لولا أن ظهر لهؤلاء اليهود بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه وعرفوه، وقد ذكر الشيخ رشيد رضا في المنار أن النبي ﷺ ما أمر بقتل المرتدّ عن الإسلام إلاّ لتخويف الذين كانوا يدبّرون المكائد عن طريق
стр. 223
الدخول في الإسلام ثم النكوص عنه، فبذلك لا يدخل في الإسلام إلاّ من كان مؤمنا حقّا وبهذا يتفق الحديث الشريف مع آية منع الإكراه في الدين.
﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٧٣)
٧٣ - ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إِلاّ لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي لا تأمنوا ولا تصدّقوا إلاّ اليهود أمثالكم، وهذا تتمة كلام أحبار اليهود لأتباعهم، وردّا عليه أمر تعالى رسوله أن يقول لهم ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدى هُدَى اللهِ أَنْ يُؤْتى أَحَدٌ مِثْلَ ما أُوتِيتُمْ﴾ من الوحي، فالهداية من الله للناس جميعا وليست حكرا عليكم أو على شعب معين، فالله تعالى يؤتي من يشاء من الناس مثلما ما أوتيتم من الهدى والوحي ﴿أَوْ يُحاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ بما نزل من الوحي على المسلمين ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ يجعل النبوة والوحي فيمن يشاء من عباده، وذلك هو الفضل المطلق، أنظر آية [النساء: ٤/ ٥٤]، ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فكيف حصرتم بزعمكم هذا الفضل الواسع لبني إسرائيل وحدهم، مع أن الله أعلم بمصالح العباد.
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٧٤)
٧٤ - ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ﴾ أي بالنبوة والوحي، انظر آيات [البقرة: ٢/ ١٠٥] و [هود: ١١/ ٦٣، ٢٨] حيث وردت الرحمة بمعنى الوحي ﴿مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ لأن النبوة والوحي أعظم فضل من الله تعالى.
﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧٥)
٧٥ - ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ فيهم من هو في غاية الأمانة ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاّ ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً﴾
стр. 224
ومنهم من هو في غاية الخيانة فلا يؤدّي لك الأمانة إلاّ بعد الإلحاح والخصومة واللجوء إلى القاضي، والآية تحذير للمسلمين أن لا يأتمنوهم على أموالهم ولا يغترّوا بهم لأن الكثير منهم يستحل أموال الغير بدعوى أنهم على غير دينهم، واليهود يسمّون من هم على غير دينهم - الأغيار Gentiles - وتنص كتبهم المقدسة، التي غيّروا وبدّلوا فيها، على مقاييس مزدوجة في التعامل مع الناس بحسب إن كانوا يهودا أم لا، فبالنسبة للربا يقولون: «يحل لك أن تقرض الأغيار بالربا ولكن يحرم عليك إقراض اليهود بالربا» (سفر التثنية ٢٣/ ٢٠)، وعندهم قاعدة شبيهة في التزام القروض تميّز بين اليهودي وغيره (سفر التثنية ١٥/ ٣)، وهذه الازدواجية في التعامل غير مقتصرة عندهم على الربا، وإنما تتعداها إلى القتل والسرقة والزنا، فهي محرمة فيما بينهم، في حين أنهم يأمرون بقتل وسرقة وغدر الأغيار، ويشجعون الفواحش بينهم، انظر شرح آية [البقرة:
٢/ ٥٩]، ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ ذلك الاستحلال والخيانة ناتج عن زعمهم أن لا حرج عليهم ولا تبعة ولا ذنب في أموال الآخرين، وهذا من غرورهم وزعمهم أنهم شعب الله الخاص ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ أي إنّ ما نصّوا عليه في كتبهم من استحلال أموال الآخرين، ونسبوه إلى الله، ليس سوى كذبا، فهو دليل على التلاعب في كتبهم ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ يعلمون أن الخيانة محرّمة، ويعلمون أن المذكور في كتبهم ليس سوى افتراء من الأحبار، ولكن عمليات التضليل وغسيل الدماغ استشرت عبر أجيالهم وذرياتهم.
﴿بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاِتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٧٦)
٧٦ - ﴿بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاِتَّقى فَإِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ هذه الآية لإثبات ما نفوه، والمعنى: بلى عليكم سبيل فيما زعمتم من استحلال أموال الآخرين، لأنّ المفروض عليكم هو الوفاء بالعهد والتقوى، والآية دالّة على
стр. 225
تعظيم أمر الوفاء بالعهد، لأن الطاعات مشتملة على أمرين: تعظيم شعائر الله، وحسن المعاملة مع الناس، فالوفاء بالعهد مشتمل عليهما معا.
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧٧)
٧٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ عهد الله يشمل ما عهده تعالى إلى الناس في كتبه المنزلة أن يلتزموا الصدق والوفاء بما يتعاهدون ويتعاقدون عليه وأن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، ولما كان الناكث بالعهد لا ينكث إلاّ لمنفعة دنيوية فقد عبّر تعالى عن ذلك بالشراء، أي أنّ الناكث بالعهد يشتري المنفعة الدنيوية، وهي قليلة مهما عظمت، لأنّ كل متاع الدنيا قليل بالمقابلة مع عهد الله ﴿أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ لا نصيب لهم من خيراتها ﴿وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ لأن الخيانة والنكث بالعهود يترتّب عليهما فساد التعامل بين الناس وفساد مصالحهم وإفساد المجتمع، روى أحمد في مسنده عن أنس بن مالك أنّ النبي ﷺ قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له»، والعلاقة واضحة بين هذه الآية وما قبلها من ادّعاء اليهود بأن لا حرج عليهم في غش الناس من غير اليهود.
﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧٨)
٧٨ - ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ﴾ الإشارة غير مقتصرة على اليهود وإنما تشير إلى النصارى أيضا بدليل الآيتين التاليتين، واللّيّ عبارة عن جعل الاستقامة اعوجاجا، وهو هنا بمعنى إعطاء الكلام معنى آخر غير المقصود به، فمثلا استخدم العهد القديم تعبير أبناء الله وابن الله مجازا فجاء النصارى في
стр. 226
وقت متأخر ليقولوا إنّ المسيح ابن الله حرفيا، وقد ابتدعوا أيضا ألوهية المسيح والتثليث ﴿لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ﴾ لأنهم يفسرون الألفاظ على غير معناها، ومن ذلك أيضا ما قامت به الكنيسة مؤخرا بإصدار طبعة من كتابها المقدس باللغة العربية حاولت أن تجعله على نسق القرآن الكريم شكلا ورسما لإيهام العوام وضعاف العقول في إفريقية أنه قرآن كريم ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ ينسبون آراءهم وأهواءهم إلى الله ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ لأنهم تعمّدوا التزوير مع سوء النية بهدف حرف الدين عن مجراه الصحيح، وهو ما حدث بالنصرانية التي جاء بها عيسى المسيح ﵇ فانحرفت إلى المسيحية التي ابتدعها بولس وأقرّها المجمع المسكوني الأول في نيقية عام ٣٢٥ م بمرسوم أصدره الإمبراطور قسطنطين الأول، انظر شرح الآية (٦٤)، حتى أنّ الغربيين ينسبون المسيحية التي نعرفها اليوم إلى بولس فيقولون: «مسيحية بولس» Pauline Christianity .
﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (٧٩)
٧٩ - ﴿ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ الكتاب هو الوحي، والحكم هو العلم والتفقّه بالوحي، انظر آية [مريم: ١٩/ ١٢]، ﴿ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ﴾ استمرار الكلام من الآية السابقة، والإشارة واضحة لعيسى ﵇، وهي تبرئة حاسمة له من قول الكنيسة، لأنّهم زعموا أنّه ادّعى الألوهية، ﴿وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ﴾ ذكر الرازي عن سيبويه أن الربّاني منسوب إلى الربّ لأنّه عالم بالله ومواظب على طاعته ﴿بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ أي إنّ المرء يكون ربّانيّا بنشر علم الكتاب ودراسته.
стр. 227
﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٨٠)
٨٠ - ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً﴾ بأن تنسبوا إليهم صفات الألوهية، فالمسيح لم يأمر أحدا بعبادته، ولا عبادة أو تقديس أو تأليه الملائكة والبشر، كما فعلت الكنيسة بعده بتأليه الروح القدس وإسباغ صفة القدسية على الكثير من البشر الذين تسميهم الكنيسة قدّيسين ﴿أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ لأن اليهود الذين بعث عيسى إليهم كانوا في الأصل موحّدين على شريعة موسى، كما أنهم مسلمون بمقتضى الفطرة لأنّ الإسلام دين الفطرة.
﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ (٨١)
٨١ - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ الأنبياء ﵈ كانوا يأخذون الميثاق من أممهم بأنّه إذا بعث محمد ﷺ فعليهم أن يؤمنوا به وأن ينصروه، فيكون تقدير الآية: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين الذي أخذوه على أممهم، وقد أضاف تعالى أخذ الميثاق إلى ذاته العليّة وإن كان النبيون أخذوه على الأمم، ويمكن أن يكون تقدير الآية أيضا: وإذ أخذ الله ميثاق أمم النبيين - بحذف المضاف - فيكون المعنى أن على هذه الأمم الإيمان ببعثة خاتم الأنبياء والرسل ﴿لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ أي لأجل ما آتيتكم أيّها الأمم من الكتب، والحكمة التي هي سنّة أنبيائكم ﴿ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ أخذ الأنبياء على أممهم عهدا أن يؤمنوا بخاتم الأنبياء والرسل وينصروه وقت مجيئه، فيكون مجيء الرسول تصديقا لما قي كتبهم من البشارة بقدومه، ومن ذلك ما ورد في كتب اليهود أنه تعالى خاطب موسى قائلا:
стр. 228
«سوف أبعث لهم - أي لقومك - نبيّا من وسط إخوتهم - أي من بني إسماعيل -، مثلك، وأضع كلامي - أي كلام الوحي - في فمه وسوف يكلمهم بكل ما آمره، وسوف يكون أن من لا يستجيب لكلامي - أي القرآن - الذي سوف يقوله باسمي فسوف أحمّله عاقبة عمله» (سفر التثنية ١٨/ ١٨ - ١٩)، والنبواءات عن قدوم النبي الأحمد كثيرة في كتبهم، انظر كتاب البروفسور عبد الأحد داوود «محمد في الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى».
﴿قالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي قال كل نبي لأمّته أأقررتم، وقد أضاف تعالى طلب الإقرار إلى ذاته العلية - كما في أخذ الميثاق - وإن كان وقع من الأنبياء ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي﴾ أي قبلتم عهدي ﴿قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أي فليشهد بعضكم على بعض، وأنا معكم شهيد.
﴿فَمَنْ تَوَلّى بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٨٢)
٨٢ - ﴿فَمَنْ تَوَلّى بَعْدَ ذلِكَ﴾ من أعرض عن الإيمان بهذا الرسول، بعد مجيئه، وبعدما تقدّم من الدلائل ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ الخارجون عن الحق،
﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ (٨٣)
٨٣ - ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ﴾ بعد أن بيّن تعالى في الآية السابقة أن من واجب الأمم الإيمان بالنبيّ ﷺ ، أتبع في هذه الآية استفهاما على سبيل الإنكار، بمعنى أنّ كل من لم يتّبع النبي يكون على غير دين الله، ومغزى ذلك واضح لأن الوحي الإلهي بمجمله اكتمل وختم بالبعثة الإسلامية ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ انقاد لله مستسلما مذعنا ﴿طَوْعاً وَكَرْهاً﴾ لأنّ الجميع خاضع للسنن الكونية التي لا يمكن الانفلات منها، بمن فيهم الكفار ينقادون خاضعين للموت وللمرض وللقضاء والقدر مما لا يستطيعون دفعه ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ فيحاسبهم تعالى بأعمالهم.
стр. 229
﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (٨٤)
٨٤ - ﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا﴾ وهو القرآن الكريم بالدرجة الأولى، لأنّه المقياس الوحيد الذي على ضوئه يمكن تمحيص سائر الكتب المنزلة الأخرى التي سيرد ذكرها، ومعرفة الصحيح من الخطأ فيها بعد ما بدّل فيها أصحابها وأدخلوا عليها ﴿وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ نقرّ أنهم كانوا على دين واحد تمّم بعضه بعضا، وأن مصدر الدين واحد وهو الوحي الإلهي، انظر آيات [البقرة: ٢/ ١٣٦] و [المائدة: ٤/ ١٥٠] ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ مسلمون أمرنا لله، ومستسلمون لأمره الذي نزل وحيا على جميع أنبيائه، ومؤمنون بخاتم الرسالات التي اكتملت بها الأديان السابقة، انظر آية [المائدة: ٥/ ٣] في إكمال الدين.
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٨٥)
٨٥ - ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ لأنّ الإسلام ليس مجرّد ملّة أو نحلة أو مذهب، وإنّما هو التوحيد والاستسلام لله والإيمان بكل الوحي الذي نزل على الأنبياء على النحو المذكور في الآيات السابقة، فالدين عند الله واحد، والحقيقة التي جاء بها الأنبياء واحدة متكاملة، فلا يصح التسليم بقسم منها وإنكار بعضها الآخر، كما أنّ الأنبياء بهذا المعنى مسلمون جميعا ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ لأنّه رفض استيعاب الحقيقة أو تعامى عنها.
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٨٦)
٨٦ - ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ﴾ وهم اليهود والنصارى والمعنى أن الله تعالى لن يجبرهم على الإيمان قسرا، لأن كلمته سبقت بأن أعطى
стр. 230
بني آدم حرية الخيار، انظر آية [الشعراء: ٢٦/ ٤]، ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ بعد إيمانهم بالرسل أنكروا بعثة محمد ﷺ مكابرة وعنادا، رغم أنّهم شهداء على ما ورد في كتبهم من البشارات بقدومه، وبعد أن ظهرت لهم الدلائل البيّنة على بعثته، انظر أيضا الآيات (٧٠ و ٨١) أعلاه ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ لا يجبرهم على الهداية، والظلم بمعنى العدول عن الطريق الصحيح، وقد مضت سنته تعالى بأنّ الظالم لنفسه لا يهتدي إلى الحقيقة.
﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (٨٧)
٨٧ - ﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ﴾ لعنة الله هي الإقصاء والبعد ﴿وَالْمَلائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ لعنة الملائكة والناس هي دعاؤهم على الكافرين، والمقصود بالناس المؤمنون منهم في الحياة الدنيا، ثمّ في الآخرة يلعن الكفار بعضهم بعضا لقوله تعالى: ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ [الأعراف ٧/ ٣٨].
﴿خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ (٨٨)
٨٨ - ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أي في اللعنة ﴿لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ﴾ فما تكيّفت به نفوسهم الظالمة لا يفارقهم ﴿وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ أي لا يمهلون، والإنظار والإمهال بالمعنى نفسه.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٨٩)
٨٩ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أصلحوا أي قاموا بصالح الأعمال، أو أصلحوا نفوسهم بالأعمال الصالحة، وقد عطف تعالى العمل الصالح على التوبة لأنّ التوبة لا قيمة لها إن لم يكن لها أثر في العمل.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ (٩٠)﴾.
стр. 231
٩٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ﴾ كفروا ببعثة محمد ﷺ بعد أن آمنوا بمن قبله من الرسل ﴿ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْراً﴾ بمقاومة الحق، والإمعان في الكيد للمسلمين ومحاربتهم، والتشكيك بالإسلام، حتى تمكّن الكفر منهم لكثرة ما عملوا بمقتضاه ﴿لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾ عند الموت أو في الآخرة، بدليل الآية التالية ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الضّالُّونَ﴾ راسخون في الضلال.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ اِفْتَدى بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ (٩١)
٩١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفّارٌ﴾ كفروا ببعثة خاتم الأنبياء والرسل، وماتوا على الكفر بلا توبة ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً﴾ المعنى لو كان قد تصدّق به في الدنيا فلن يقبل منه في الآخرة، لأنّ الكفر أحبط عمله ﴿وَلَوِ اِفْتَدى بِهِ﴾ لا وسيلة للافتداء في الآخرة، أي لن تقبل معاذيرهم ﴿أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ لأنهم تعمّدوا إنكار الحقّ.
﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ (٩٢)
٩٢ - ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ البرّ هو الإيمان الصادق، ويقال برّ الرجل يمينه أي صدق بها، أنظر آية [المطففين: ٨٣/ ٢٢]، والخطاب استمرار لما قبله، فبعد أن أخبر تعالى أنّ إنفاق الكفار على أعمال الخير مهما بلغ في الدنيا لن يجديهم شيئا في الآخرة، فبالمقابل تخبر هذه الآية أن إنفاق المؤمنين مما يحبون هو الكفيل بنيلهم البر، فالإنفاق يصدّق الإيمان.
والإنفاق لا يقتصر على المال إذ يمكن أن يشمل بذل الجهد والطاقة والمركز والسمعة والنفوذ والتعليم وتكريس النفس للعمل في سبيل الله، والمعنى أنّ غاية ما يمكن أن يتوصّل إليه المؤمن، بعد أن يقوم بجميع أركان الإسلام، هو الإنفاق ممّا يحب فلا يكون صادق الإيمان حتّى يتوصّل إلى هذه الخصلة، انظر آية [البقرة ٢/ ١٧٧].
стр. 232
﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ فيجازيكم به.
﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٩٣)
٩٣ - وهنا تعود السورة للحديث عن بني إسرائيل موضوع الآيات (٢١ - ٢٧) والآيات (٦٤ - ٨٣)، وإذ لم يجد أحبار اليهود مبررات جوهرية للطعن في بعثة محمد ﷺ من حيث جدارتها وسمّوها، فتوجّهوا للاعتراض على التفاصيل والشكليات، فقد زعموا أنّ النبي ﷺ قد حلّل أطعمة كانت محرّمة عندهم،
قال تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٤٥]، أي كل شيء عدا هذه الأصناف الأربعة فهو حلال.
وقد أجابهم تعالى على دعواهم تحريم ما لم يحرّمه الله بقوله جلّ ثناؤه: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ إسرائيل هو يعقوب ابن اسحاق ابن إبراهيم ﵈، وما حرّمه إسرائيل على نفسه من الطعام قد يكون من قبيل الاجتهاد أو الذوق الشخصي أو لسبب مرضي، ويحتمل أنّ من بعده ألزموا أنفسهم بذلك فتكون النتيجة هي ما حرّمه بنو إسرائيل على أنفسهم بحكم العادات والتقليد ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ﴾ لأنّ التوراة نزلت على موسى بعد زمن يعقوب بحوالي سبع مئة عام ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي هاتوا التوراة الأصلية التي نزلت على موسى، فليست العبرة بالكتب المشتملة على البدع ممّا كتبه أحباركم.
وقد ورد هذا الموضوع أيضا بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام:
٦/ ١٤٦]، والذي يبدو من سياق هذه الآية أن التحريم المذكور في كتب اليهود
стр. 233
فرضه الأحبار لأنهم كانوا ذوي نفوذ كبير على العوام حتى اتّخذوا لأنفسهم حق التشريع والتحليل والتحريم، قال تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٩/ ٣١]، فاليهود كانوا يعتمدون أقوال الأحبار والرهبان من أحكام التحريم والتحليل ولو كان في أصل الكتاب ما يخالفها، حتى صارت عندهم بمنزلة الوحي، ولذا كانت عقوبته تعالى لهم، وهي معنى قوله ﴿جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ،﴾ والجزاء من سنن الله في خلقه، بأنه من يسلك طريق الضلال يقع في عاقبة عمله، وبما أنه تعالى قد سنّ قوانين الطبيعة بأكملها فهو ينسب التحريم وما يترتب عليه من معاناة إلى ذاته العليّة، أما قوله تعالى في سورة النساء ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً﴾ [النساء: ٤/ ١٦٠]، فالدليل من سياق الآيات أن تحريم الطيبات لم يكن في أصل التوراة وإنما أحدثوه بعد محاولتهم قتل المسيح ﵇، وقد جاء المسيح ليحلّ لهم بعض ما حرّموه على أنفسهم، قال تعالى على لسان عيسى ﵇ مخاطبا بني إسرائيل: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٣/ ٥٠]، وقد ذكر محمد أسد أيضا أن تحريم الطيبات عليهم ليس مقتصرا على الطعام وإنما هو كناية عن وقوعهم تحت قهر الأمم وتشريدهم في الأرض بعد أن صدّوا عن سبيل الله كثيرا وقتلوا يحيى وتآمروا على قتل عيسى المسيح ﵉، ثم تآمروا أيضا على قتل النبي ﷺ .
﴿فَمَنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٩٤)
٩٤ - ﴿فَمَنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي بعد نزول التوراة ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ ادّعى اليهود أنّ ما ابتكروه من تحريم بعض الأطعمة ليس إلاّ قانونا سماويا أزليا، ولكنه في حقيقته لم يكن سوى افتراء الكذب على الله، والمفترون عادة ينهمكون في الجزئيات وصغائر الأمور والتفاصيل والتفاهات والشكليات، إما ليصرفوا الناس عن دينهم، وإما لغايات شخصية في نفوسهم،
стр. 234
وإما عن جهل وضيق أفق ومحدودية تفكير، فأولئك هم الظالمون، لأنهم نسوا أو تناسوا روح الدين وجوهره ومقاصده الحقيقية.
﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٩٥)
٩٥ - ﴿قُلْ صَدَقَ اللهُ﴾ أي صدق الله وحده فيما كتبه على البشر من المحرّمات وكذبتم ﴿فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ التي مال بها عن سبل الضلال وأقام على حقيقة الدين بلا شوائب ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فلم يتخذ أربابا من دون الله يحلّلون ويحرّمون حسب أهوائهم.
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ﴾ (٩٦)
٩٦ - زعم اليهود أيضا بطلان انتقال القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، واتّخذوا ذلك حجّة لإنكار نبوة محمد ﷺ فقالوا ما باله قد حوّل القبلة إلى الكعبة؟ وهو يزعم أنّه جاء مصدّقا لما قبله من الرسل، فقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ﴾ والمعروف أنّ بناء الكعبة في مكة على يد إبراهيم وإسماعيل ﵉ تمّ قبل بناء المسجد الأقصى الذي بناه سليمان في بيت المقدس بأكثر من ألف عام، فلا جدال في أقدمية الكعبة على بيت المقدس، والنقطة الثانية أن توجّه المسلمين نحو قبلتهم في الكعبة لا يمكن اعتباره خرقا لملّة ابراهيم ﵇، بل على العكس فهو استمرارية لها، وبما أن كتب اليهود والنصارى تقرّ ملّة إبراهيم فليس هنالك من معنى لاعتراضهم، انظر شرح آيات [البقرة ٢/ ١٤٢ - ١٤٤]، أمّا لفظي بكّة ومكّة فهما مترادفان، وكانت العرب تلفظ حرفي الباء والميم أحدهما مكان الآخر.
﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ (٩٧)
٩٧ - ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ ومنها الكعبة المشرفة التي ترمز إلى التوحيد، وإلى استمرارية الوحي الإلهي منذ بدء الخليقة باعتبارها أول بيت وضع للناس، كما
стр. 235
ترمز إلى الأخوّة بين المؤمنين باعتبارهم يتجهون إليها جميعا في الصلاة أينما كانوا ﴿مَقامُ إِبْراهِيمَ﴾ ومن ضمنها أيضا مقام إبراهيم أي مكان قيامه للصلاة والعبادة، وقيل الحرم بكامله مقام إبراهيم ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً﴾ وهذا أيضا من جملة الدلائل، فالأمن فيه معنوي ومادّي، من يدخله يشعر بالطمأنينة والسكينة، كما أنّ منطقة الحرم وما حولها تمتعت بالأمن حتى في أيام الجاهلية وفي الوقت الذي كانت فيه باقي الجزيرة العربية تعاني من الفوضى والاضطراب والاقتتال بين القبائل، وكان الفرد في الجاهلية يرى خصمه اللدود في الحرم فيتركه بسلام، كما كانت الجزيرة العربية بأكملها تتمتع بالأمن سنويا خلال أربعة شهور حرم لا يجرؤ أحد على خرقها، ومن الدلائل التي شهدها العرب أيضا هزيمة أبرهة الأشرم عام الفيل حين جاء ليهدم الكعبة فانقلب مهزوما دون قتال ﴿وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ وهذا دليل آخر في معرض تعظيم البيت ورد بصيغة الفرض، فالعرب ما زالوا يحجّون إليه من زمن إبراهيم ﵇ فذلك دليل متواتر على نسبة البيت إليه، وهو ردّ على اليهود، وبرهان أن النبي على ملّة إبراهيم ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ من كفر بأن هذا البيت أول بيت وضعه إبراهيم للعبادة، رغم كل هذه الدلائل، ولم يذعن لما فرضه تعالى من الحج، فعاقبة الكفر تعود عليه، لأنّ الله تعالى غنيّ عن عباده.
﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ (٩٨)
٩٨ - بعد أن أزال تعالى شبهات أهل الكتاب فيما ادّعوه من حرمة بعض الأطعمة، واتجاه القبلة، خاطبهم بقوله ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ﴾ مع علمكم بأنّها صحيحة ﴿وَاللهُ شَهِيدٌ عَلى ما تَعْمَلُونَ﴾ فكيف تجرؤون على ذلك؟
﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَها عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَداءُ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ (٩٩)﴾.
стр. 236
٩٩ - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ﴾ كانوا وما زالوا يحاولون صدّ ضعاف العقول عن الإسلام بشتى الافتراءات، والبعثات التنصيرية التي يبثونها اليوم في بلاد المسلمين في آسية وإفريقية خير شاهد على ذلك ﴿تَبْغُونَها عِوَجاً﴾ يريدون ادخال الشبهات على الإسلام بمحاولة اظهاره معوجّا عن الحق ﴿وَأَنْتُمْ شُهَداءُ﴾ على صحة ما أوتيه النبي ﷺ وبشهادة كتبكم، انظر شرح الآية (٨١) ﴿وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيجازيكم بأعمالكم.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ﴾ (١٠٠)
١٠٠ - بعد أن عاب تعالى على أهل الكتاب كفرهم بآياته، بل سعيهم في حثّ الآخرين على الكفر بالصدّ عن الإسلام، انتقل تعالى إلى مخاطبة المؤمنين:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ﴾ المصرّون على الكفر والعدوان من اليهود والمسيحية يريدون بكم السوء، فإن استجبتم لهم وأطعتموهم باتباع أهوائهم وأهوائكم، أوقعوا بينكم الفتنة والعداوة والاقتتال، فتصبحوا بذلك كافرين.
﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١٠١)
١٠١ - ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ بأن تطيعوهم ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلى عَلَيْكُمْ آياتُ اللهِ﴾ عندكم القرآن فيه هدايتكم ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ وعندكم سنّة رسول الله ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللهِ﴾ بكتاب الله، والاعتصام بالشيء هو التمسّك به لمنع الوقوع في مصيبة، والمقصود حث المسلمين على الوحدة والتمسك بهدي القرآن بعد تحذيرهم في الآية السابقة من طاعة أهل الكتاب ﴿فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي إلى الطريق الصحيح، وقد استخدم الفعل الماضي في جواب الشرط لتأكيد تحقق الهدى لمن يعتصم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
стр. 237
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٠٢)
١٠٢ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقاتِهِ﴾ بتنفيذ ما ورد في الآيتين (١٠٠ - ١٠١)، قال الزمخشري: إنّ المعنى بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئا، ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن:
٦٤/ ١٦]، غير أنّ بعضهم حمل معنى الآية على التوحيد، لأنه الحد الفاصل بين الكفر والإيمان، فمن لا يؤمن بوحدانية الله لا تقبل أعماله، والتوحيد عمل يستطيع كل مكلف القيام به على تمامه ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أقيموا على الإسلام وأعماله على الدوام ولا تضلوا عنه حتى إذا أتاكم الموت بغتة كنتم عليه، فإذا عاش المرء على التقوى واليقين مات عليهما.
﴿وَاِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٠٣)
١٠٣ - ﴿وَاِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً﴾ روى الدارمي عن النبي ﷺ أنه قال:
«اعتصموا بحبل الله فإنّ حبل الله القرآن»، وهو تشبيه لحالة المسلمين إذا تعاضدوا وتكاتفوا على التمسك بهدي القرآن وحده دون غيره ﴿وَلا تَفَرَّقُوا﴾ لا تتفرقوا باتباع المذاهب والعقائد الوضعية، ولا تتفرقوا بإحداث الشيع والفرق الدينية ﴿وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً﴾ الإشارة إلى ما كان عليه العرب في الجاهلية من العداوة والحروب وسفك الدماء فيما بينهم فأصبحوا بنعمة الإسلام إخوانا، كما هي إشارة إلى عداوة الناس بعضهم لبعض بقوله ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [البقرة:
٢/ ٣٦]. ﴿وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ﴾ كناية عن العذاب الحتمي الذي ينتج عن الجهل الروحاني ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها﴾ كنتم في جاهليتكم ووثنيتكم وشرككم بالله تعالى على حافة الهلاك من جحيم الاقتتال فيما بينكم، وبعد
стр. 238
ذلك تلقون عذاب الآخرة ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ المطلوب أن تفكّروا في المعجزة القرآنية كيف أنقذكم بها تعالى من العصبية الجاهلية والبغضاء والحروب الأهلية والموت على الجهالة وعذاب الدنيا والآخرة فلعلكم تتمسكون بنعمة الإسلام وتهتدون إلى طريق النجاة.
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٠٤)
١٠٤ - ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿أُمَّةٌ﴾ جماعة تكون أهلا لذلك ﴿يَدْعُونَ إِلَى﴾ عمل ﴿الْخَيْرِ﴾ وهو كل ما فيه صلاح للناس دينيا ودنيويا، والخير أيضا بمعناه العام هو الإسلام، ودعوة الغير إلى الإسلام والتبشير به في كافة أنحاء الأرض مطلوبة من كل مسلم، ويرى البعض أن كلمة ﴿مِنْكُمْ﴾ تعني بعض المسلمين فقط وهم العلماء والمتفقهين في الدين، وبذلك تكون الدعوة فرض كفاية، غير أنه يفترض أن يكون كل مسلم عالما بأمور دينه وبالقرآن والسنة، ولا يعتبر جهل المسلم عذرا، لأن عليه أن يتدارك جهله بالعلم، وإن لم يصل إلى درجة العلماء والمتفقهين في الدين، إلا أن يكون من العوام، وفي جميع الأحوال لا يصحّ أن يتصدى للدعوة إلا من كان أهلا لها ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وذلك بحكم كون المسلمين أمة وسطا وشهداء على الناس [البقرة: ٢/ ١٤٣] فهم قدوة حسنة للآخرين، كما هم قدوة بعضهم لبعض في سلوكهم ومعاملاتهم، فالمطلوب من الأمة أن تكون قدوة حسنة للناس أجمعين في أعمالها وسلوكها فتحقق العقيدة الإسلامية قولا وعملا بممارسات حياتية فعلية تكون في ذاتها دعوة عملية للناس إلى الإسلام، وتكون حياة المسلمين شهادة فعلية لبيان الصواب من الخطأ، وليس بالمجابهة، ولا بالكلام فقط ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ لأنهم ينجحون في الدنيا والآخرة، وإذا تخلّوا عن ذلك كانت الأمة من الخاسرين في الدنيا قبل الآخرة.
стр. 239
أما قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: ٥/ ١٠٥]، فمعناه لا يكن قصارى همّكم تقصّي عيوب الآخرين، بل انظروا في إصلاح أنفسكم أوّلا، وأيضا لا يضرّكم ضلال الآخرين بعد أن قمتم بواجبكم بدعوتهم إلى الإسلام، لأن الحساب على الله.
﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاِخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٠٥)
١٠٥ - ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاِخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ﴾ نور ﴿الْبَيِّناتُ وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ الإشارة لليهود والنصارى لكونهم ابتعدوا عن أصل الوحي وابتكروا في الدين من المذاهب والعقائد الوضعية ما لم يكن فيه، وأيضا الذين غاب عن تفكيرهم جوهر الدين وتفرقوا شيعا وفرقا دينية بسبب تعلقهم بالشكليات والأمور السطحية والمصالح الخاصة، والآية تحذير للمؤمنين ألاّ يكونوا مثلهم.
﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (١٠٦)
١٠٦ - ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، والمعنى: أولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه، وابيضاض الوجوه كناية عن السرور، واسوداد الوجوه كناية عن شدّة الحزن والغم ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ يقال للذين اسودّت وجوههم: أكفرتم بعد إيمانكم؟ بعد أن فطركم الله على الإيمان، أو بعد أن جاءتكم الرسل بالآيات البيّنات وعرفتموها وآمنتم بها، فكيف كفرتم بعد ذلك بأن حرفتم الدين عن مقاصده الصحيحة؟ وارتددتم وتركتموه وراء ظهوركم، وذلك ينطبق على كفّار أهل الكتاب وغيرهم ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ فكأنهم اختاروا العذاب لأنفسهم كونه نتيجة طبيعية لسوء اختيارهم في الحياة الدنيا.
стр. 240
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اِبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (١٠٧)
١٠٧ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اِبْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ بما قدّموه من الإيمان والعمل الصالح ﴿فَفِي رَحْمَتِ اللهِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.
﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ﴾ (١٠٨)
١٠٨ - ﴿تِلْكَ آياتُ اللهِ﴾ المشتملة على المواعظ والعبر والدالّة على الصراط المستقيم ﴿نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ﴾ متضمنة الحق، لبيان حقيقة الحياة والخلق والعواقب ﴿وَمَا اللهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ﴾ الله تعالى قد بيّن الحقيقة لعباده فمن ضلّ عن الطريق الصحيح يكون ظالما لنفسه.
وذلك شبيه بقوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٣١] أي أنّه تعالى لا يهلك المجتمعات بظلم وضلال منها، ما لم تكن الرسالة السماوية قد وصلتها أوّلا، فعرفت بها الصواب من الخطأ.
﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (١٠٩)
١٠٩ - ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ المعنى أنه تعالى قادر على منع الظلم والضلال في هذه الدنيا بالجبر والقهر ولكنه ترك لعباده أن يختاروا الهداية ويتركوا المعصية طواعية ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ فهو المحيط بالحكمة من كل شيء، والمتصرف بشؤون خلقه وتدبيرهم، وإليه يرجعون فيحاسبهم على ما عملوا.
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (١١٠)
١١٠ - ﴿كُنْتُمْ﴾ أيها المسلمون ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ أي خير أمة أخرجت لأجل الناس ومنفعتهم، لأنّ الإرادة الإلهية اقتضت أن يكون الإسلام خاتمة للأديان السابقة، وإكمالا لها دينا عالميا غير عنصري، لكل البشر على اختلاف أجناسهم وألوانهم بلا تحيّز، فلم يعد هنالك حاجة لبعث المزيد من
стр. 241
الأنبياء والرسل إلى البشر، ومن معجزات الوحي الإلهي أنه نزل عبر العرب رسالة صالحة لكافة الأمم الأخرى في كافة العصور، وعليه لا يكفي المسلم أن يتعلم ما فهمه أسلافنا المسلمون من القرآن والسنة في وقتهم، بل من الواجب تكييف هذا الفهم وتطويره بما يوافق متطلبات العصر الذي نعيشه حتى يمكن نقل الرسالة الإسلامية إلى الغير عبر سلوكنا الفعلي الظاهر وممارساتنا الحياتية العملية اليومية، ولكي يكون الإسلام تطبيقا ممكنا وليس نظرية في الكتب وكلاما، وأي شيء أقل من ذلك يعد تجاهلا بل إنكارا لعالمية الإسلام وإمكانية تطبيقه في كل الأوقات ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وهو مبرر الخيرية المذكورة آنفا، ولا يكون ذلك بمجرد الأمر والنهي باللسان، وإنما يقتضي أن يكون المسلمون قدوة حسنة لغيرهم حتى يكون أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر نابعا من ممارسة حياتية صحيحة وصادقة ومطابقا لها، وخلافا لذلك تكون النتيجة إنكارا لعالمية الوحي القرآني وابتعادا عنها ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ لا تشركون بعبادته أحدا ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ بمثل ما آمنتم به أي بدعوتكم لهم إلى المعروف ﴿لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ لأن الإسلام جاء لخير البشرية جمعاء ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ القلّة منهم تحكّم العقل والتفكير الموضوعي فتدخل الإسلام، قال تعالى: ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: ٤/ ١٦٢]، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ﴾ الأكثرية منهم فسقوا عن حقيقة دينهم ولم يبق عندهم من الدين سوى المراسم والتقليد، والتعصب للآباء والأجداد، وقد سيطر عليهم التحامل والهوى والغرور والاعتداد بالذات، وهيمنت عليهم المصالح الدنيوية والزعامات والمراكز.
﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاّ أَذىً وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ (١١١)
١١١ - فالمصرّون على الفسق منهم لن يضرّوكم: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ﴾ أي بكفرهم وتكذيبهم ﴿إِلاّ أَذىً﴾ أي أذى تسمعونه منهم كالطعن في الدين والذم
стр. 242
والقدح والافتراء والتهديد، وهو ما يسمعه المسلمون منهم حتى اليوم ﴿وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ﴾ وهذه بشارة بالغيب تحققت بهزيمة يهود قريظة والنضير وبني قينقاع وخيبر وغيرهم ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ وهي أيضا بشارة مطلقة بالغيب ومرتبطة بالآية السابقة، أي ما دمتم خير أمة أخرجت للناس، بحرصكم أن تكونوا قدوة مثلى للبشر في طريقة حياتكم ومعيشتكم حسب تعاليم القرآن، فإن قاتلوكم لا ينصرون ويكون النصر محققا لكم، وهو شبيه بقوله تعالى:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ﴾ [محمد: ٤٧/ ٧].
﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (١١٢)
١١٢ - ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ استمرار الخطاب عن الفاسقين من أهل الكتاب، والإشارة خاصة إلى بني إسرائيل بدليل ما سيأتي من قتلهم الأنبياء ﴿أَيْنَ ما ثُقِفُوا﴾ أينما وجدوا ﴿إِلاّ بِحَبْلٍ مِنَ اللهِ﴾ أي بعهد من الله وهو أن يكونوا مؤمنين بالله رب العالمين مع التخلّي عن عنصريتهم وتعصبهم واعتقادهم أنهم فوق البشر، وأنّهم ما زالوا الشعب المختار مع أن هذه الصفة الأخيرة زالت عنهم بعد أن كفروا بآخر أنبيائهم عيسى ﵇ ﴿وَحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ يلاحظ أنه في كل العصور والبلدان التي عاش فيها اليهود بسلام وأمان، رغم عنصريتهم، كان ذلك ناتجا عن تسامح وحسن نية الشعوب التي استضافتهم وليس لقوة ذاتية فيهم، وقد عاشوا بأمان في كنف الدولة الإسلامية على مر العهود الأموية والعباسية والعثمانية وفي الأندلس وغيرها، وفي كنف غير المسلمين أحيانا، وإن كانت نشأت لهم دولة مستقلة مؤخرا فبقوّة غيرهم من الأمم التي تدعمهم وليس بقوتهم الذاتية ﴿وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ﴾ المسكنة هي السكون الناتج عن الضعف والحاجة، وهو ما
стр. 243
يتظاهر به اليهود دوما استدرارا لعطف الأمم ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي ذلك الذي تقدم من ضرب الذلة والمسكنة عليهم سببه كفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء انظر شرح الآية (٢١) من هذه السورة، والآية (٦١) من سورة البقرة ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ تجرّؤوا على الكفر وقتل الأنبياء بسبب إصرارهم على المعاصي وتعديهم على حدود الشرع، حتى صار ذلك خلقا لهم وطبعا يتوارثونه.
﴿لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ (١١٣)
١١٣ - ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ ليس أهل الكتاب متساوين فيما ذكرته الآية عنهم من الأوصاف والأعمال القبيحة ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ منهم جماعة ثابتة على التمسك بحقيقة الدين، ولذلك دخلوا الإسلام ﴿يَتْلُونَ آياتِ اللهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ يدعون ربّهم ويقرّون بوحدانيته،
﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (١١٤)
١١٤ - ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهم الجماعة المشار إليها بالآية السابقة ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي بالتوحيد ونبوّة محمد ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ أي عن الشرك، وهم ذوو التفكير الموضوعي والعقول النيّرة، بعيدون عن التعصب الأعمى ﴿وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ﴾ يبادرون إلى أعمال الخير قبل فوات الأوان ﴿وَأُولئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾.
﴿وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (١١٥)
١١٥ - ﴿وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ﴾ مما هو مذكور أعلاه ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ لن يحرموا ثوابه ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ فيثيبهم بحسب أعمالهم.
стр. 244
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (١١٦)
١١٦ - بعد أن ذكر تعالى الصالحين من أهل الكتاب وأنهم لن يحرموا ثواب ما يعملون من خيرات أتبعه في هذه الآية بذكر عاقبة المصرّين منهم على الكفر فقال عزّ من قائل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾ لن تفيدهم شيئا ﴿وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ لأن طبيعة نفوسهم اقتضت أن يكونوا بهذه المنزلة.
﴿مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١١٧)
١١٧ - ﴿ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ أَصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ الصرّ هو الصقيع، والحرث هو الزرع، وقد ضرب تعالى مثلا بالريح ذات الصقيع التي تهلك الزرع - والمعروف أن هبوب الريح في الأوقات الباردة يسبب المزيد من الصقيع -، فالريح هي المال الذي يبذّره الكافرون على الدنيا وعلى الجاه والضلال، والصقيع بمثابة الكفر الذي يهلك العقل والفكر السليم، أي إن الغنى وتكاثر الأموال والأنفس أصاب عقولهم بالثمالة، فكما أن الريح مع الصقيع تهلك الزرع فكذلك الإنفاق مع الكفر يهلك العقل السليم والفكر الصحيح، لأنه يصرف العقول عن الحقيقة وعن التفكر في عواقب الأمور ﴿وَما ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لأن كثرة الأموال والنسل لم تفد الكفار شيئا سوى الضلال وفساد العقل، وقد ظلموا أنفسهم باختيار الكفر.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨)﴾.
стр. 245
١١٨ - بعد أن ذكر تعالى في الآية السابقة أن بذخ الكفار ذهب بمقدرتهم على التفكير السليم، حذّر المؤمنين أن يتّخذوهم بطانة لهم ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً﴾ بطانة المرء هم الذين يخصّهم بمزيد من التقريب ويشاورهم في خصوصياته فيعرفون بواطن أموره ويدخلون فيها وشبّهوا ببطانة الثوب لقربها من البدن ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي من الذين عرفتم فيهم الكراهية والغش للإسلام والمسلمين مما هو ظاهر من أفعالهم وأقوالهم، بدليل تتمة الآية ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً﴾ الخبال هو الفساد، والمعنى لا يقصّرون ولا يدعون أي جهد في إفسادكم ﴿وَدُّوا ما عَنِتُّمْ﴾ العنت هو المشقة وشدة الضرر وهو ما يودّونه للمسلمين ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ﴾ يصرّحون ببغضكم علنا، أو يظهر ذلك في كلامهم ضمنيا ﴿وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ ما تخفي صدورهم من بغضكم أكبر مما يبدونه بأقوالهم ﴿قَدْ بَيَّنّا لَكُمُ الْآياتِ﴾ بيّنا لكم العلامات، ومن يصحّ أن يتخذ بطانة ومن لا يصح ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ إن كنتم مدركين لمصالحكم، وفي ذلك عودة لموضوع الآية (٢٨) والآية (١٠٠).
غير أن هذه الآية لا تقتضي منع مصاحبة الكفار إطلاقا لقوله تعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: ٦٠/ ٨ - ٩]، ولو قيل كيف الجمع بينهما؟ فالجواب أن الخاص مقدّم على العام، أي إن الحالة الخاصة مقدّمة على المبدأ العام.
﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (١١٩)
١١٩ - ﴿ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ وهو دليل على أثر الإسلام في نفوس المسلمين لأن الإسلام دين رحمة وتساهل وتسامح ﴿وَلا يُحِبُّونَكُمْ﴾ بل
стр. 246
يبغضونكم ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ﴾ الكتاب اسم جنس للوحي الإلهي بكامله، أي تؤمنون بكل الكتب وهم لا يؤمنون بالقرآن ﴿وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا﴾ بالله مثلما تؤمنون ﴿وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ هم في غاية الغيظ بسبب إسلامكم ويتحسّبون من اجتماع كلمة المسلمين واشتداد شوكتهم ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ بمعنى الدعاء عليهم بحصول زيادة ما يغيظهم من عز الإسلام وقوة المسلمين ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ لا يخفى عليه ما تسرّونه في خلواتكم.
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (١٢٠)
١٢٠ - ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ مجرّد مسّ الحسنة لكم مهما كانت قليلة تسؤهم، والحسنة هي المنفعة قد تكون مادية أو تكون معنوية كانتشار الإسلام ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ يفرحوا بتمام إصابتكم بالسيئة ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أمر تعالى المؤمنين الاستعانة على كيد العدوّ بالصبر والتقوى، ولم يأمرهم بمقابلة السيئة بمثلها، وذلك شبيه بقوله تعالى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصّلت: ٤١/ ٣٤] ﴿إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أحاطت قدرته بكيد الكافرين، وهو كاف عباده الصابرين على المصاعب في طاعته، والمتقين ما نهى عنه.
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١٢١)
١٢١ - هذه الآية وإن كانت بداية لخطاب جديد نزل بعد وقعة أحد فهنالك وجه اتصال بما قبلها، وهو أنه تعالى بعد أن نهى المؤمنين عن اتخاذ بطانة لهم من أعدائهم، وأنّ المؤمنين إن يصبروا ويتقوا لا يضرهم كيد عدوّهم شيئا، ضرب تعالى مثلا بأحداث وقعة أحد، والمعنى أن المؤمنين إن لم يصبروا ولم يتقوا يحلّ بهم ما حل بالمسلمين في أحد، إذ غدا النبي ﷺ يبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال:
стр. 247
﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ أيها النبي ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ بالمدينة، وذلك بعد أن نزل المشركون في أحد يوم الأربعاء ١٢ شوال من السنة الثالثة للهجرة في ثلاثة آلاف رجل من مقاتليهم، من ضمنهم مائتي فارس، يريدون الانتقام لهزيمتهم في بدر بالعام الفائت، فكان رأي النبي ﷺ أن يتحصن وأصحابه في المدينة فيدافعوا عنها، اتباعا منه ﷺ لقاعدة ارتكاب أخف الضررين، وأبعدهما عن العدوان، ورحمة بالناس، وإيثارا للسلام، خاصة لتفوق قوة المشركين في الفرسان والعدد، فقد كانت حروبه ﷺ كلها دفاعية، واستشار ﷺ أصحابه في ذلك فوافقه جمع من أكابر المهاجرين والأنصار وعبد الله بن أبيّ بن سلول، ولكن أكثر الناس ممّن فاتتهم وقعة بدر وغيرهم رأوا الخروج إلى المشركين وقتالهم في أحد، وألحوّا على النبي ﷺ في ذلك حتى وافقهم على مضض فدخل منزله ولبس لأمته - وهي الدرع - بعد صلاة الجمعة، وكان قد أوصاهم في الخطبة، ووعدهم أن النصر لهم ما صبروا، ثم خرج عليهم فرآهم وقد ندم بعضهم، وقالوا: لعلّنا استكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج، فقالوا له: إن شئت أن نمكث، فقال: ما كان لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل، أي لما في فسخ العزيمة بعد إحكامها من الضعف، وبداية الفشل، وسوء الأسوة، وكان النبي ﷺ قد عمل برأي الجمهور من أصحابه تثبيتا لقاعدة الشورى المذكورة بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٤٢/ ٣٨]، ثم إنه خرج بهم بعد صلاة الجمعة، وأصبح في الوادي بأحد يوم السبت منتصف شوال ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ التبوئة هي اتخاذ الموضع، والمعنى أنه ﷺ كان يحدد للمؤمنين أماكنهم للمعركة، ويهيئ صفوفهم، بحيث جعل ظهورهم لجبل أحد، ووضع الرماة خلفهم على المرتفع، وقال لهم: «لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنّا لن نزل غالبين ما ثبتّم مكانكم»، وأمّر عليهم عبد الله بن جبير ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لدعائكم وعليم بنيّاتكم.
стр. 248
﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٢٢)
١٢٢ - ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ والطائفتان كلاهما من الأنصار، وهم بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وقد خرج الرسول ﷺ من المدينة في ألف من أصحابه وقيل في تسع مئة وخمسين، فانخذل عنه في الطريق عبد الله بن أبيّ بثلث الجيش، فهمّت الطائفتان المذكورتان بالرجوع، وحدّثوا أنفسهم بذلك جبنا منهم، من غير شك في الإسلام ولا نفاق ولكن لما أصابهم من الهلع بعد انصراف عبد الله ابن أبيّ بمن معه، فثبّتهم تعالى وعصمهم من الفشل فمضوا مع النبيّ ﷺ ﴿أَنْ تَفْشَلا﴾ الفشل هنا بمعنى التخاذل والجبن من لقاء العدو ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾ أي هو ناصرهما ومتولّي أمرهما، فما لهما تهمّان بالفشل ولا تتوكلان على الله؟ ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ من كان به ضعف من المؤمنين أو خوف فليتوكل على الله، وذلك بعد أن يتخذ كل أسباب النجاح في الاستعداد والتأهب والحيطة تطبيقا لسنن الله في خلقه إذ جعل الأسباب مؤدية إلى النتائج، وروي أن النبي ﷺ كان يقول وقت بدء القتال: «اللهم بك أجول وبك أصول وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل»،
وقد رأى المهندس عدنان الرفاعي أن هنالك تفسيرا مطلقا للآيات (١٢١ - ١٢٦) خارج إطار الزمان والمكان لمعركة أحد، أنظر كتابه: (الحكمة المطلقة - نظرية قرآنية في إطلاق النص القرآني) صفحة ١٨٠.
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١٢٣)
١٢٣ - ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ وهو تذكير للمؤمنين كيف نصرهم الله يوم بدر رغم حالهم يومئذ من قلة العدد والسلاح والمال والخيل إذ كان عددهم ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلا ومعهم سبعون ناقة وفرسان، في حين كان المشركون حوالي ألف مقاتل يركبون سبع مئة ناقة ومئة فرس ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ بطاعته والثبات مع رسوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فتكون تقواكم هي شكر ما أنعم عليكم بنصره.
стр. 249
﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ (١٢٤)
١٢٤ - ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ عندما رأى المؤمنون أن عدد المشركين زهاء ثلاثة آلاف ومعهم مئتا فرس، وقد انخذل عنهم عبد الله بن أبيّ بثلث الناس فبقوا أقل من سبع مئة وفيهم خمسون فارسا فقط، فطمأنهم النبي ﷺ بهذا الوعد أن تنزل عليهم الملائكة بعدد جيش المشركين.
﴿بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (١٢٥)
١٢٥ - ﴿بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ اشترط الصبر والتقوى كي يتم المدد الإلهي ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا﴾ أي إذا أتوكم المشركون على الفور ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ فإن تحققت هذه الشروط يأتيكم المدد الإلهي بخمسة آلاف من الملائكة مرسلين، ويبدو أن عدد الملائكة وهو في وقعة بدر ألف، وفي أحد الوعد بثلاثة آلاف، ثم خمسة آلاف كناية عن مقدرته تعالى على عون المؤمنين بلا حدود، فإن قيل كيف طمأنهم ثم لم يحصل المدد الإلهي بالملائكة؟ فالجواب أن النبي ﷺ قال ذلك مع اشتراط الصبر والتقوى، وتلك هي العبرة من القصة، وبالفعل فقد أمدّ تعالى المؤمنين بعونه حتى انهزم المشركون، وذلك واضح من الآية (١٥٣)﴾، ثم عندما لم يصبروا ونزل الرماة من مراكزهم في الجبل واشتغلوا بالغنائم، ولم يتقوا، وخالفوا أمر الرسول ﷺ ، ودبّت الفوضى في صفوفهم، انقلب النصر هزيمة، ولئلا يتكرر منهم مخالفة الرسول أراد تعالى أن يشاهدوا فعليا أن نصرهم إنما يكون بطاعة الله ورسوله، وبتكاتفهم وانتظامهم وانضباطهم.
стр. 250
وقد اختلفوا في كيفية الإمداد بالملائكة، قال الرازي: هي بتثبيت قلوب المؤمنين والربط عليها، وفي تفسير المنار أن الملائكة أرواح تلابس النفوس فتمدّها بالإلهامات الصالحة التي تثبتها وتقوي عزيمتها.
﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١٢٦)
١٢٦ - ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أي إن وعد الإمداد بالملائكة هو لتقوية قلوب المؤمنين كي يعزموا على الثبات (الزمخشري)، وضمير الغائب في ﴿جَعَلَهُ﴾ عائد لقول النبي ﷺ أي: ما جعل الله قول النبي (ألن يكفيكم) إلا بشرى لكم، لأن الآيتين السابقتين ليستا وعدا من الله تعالى وإنما هما إخبار عما قاله النبي ﷺ لأصحابه، وقد يكون ضمير الغائب عائدا لوعد الإمداد بالملائكة، فيكون المعنى: وما جعل الله وعد الإمداد بالملائكة إلا بشرى لكم ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ كل شيء بتقديره تعالى، فمن جهة لا يجب على المرء أن يكون متعجرفا فيظن أن مصادره الدنيوية وحدها كافية بذاتها من دون توفيق من الله، ومن جهة ثانية عليه اتخاذ كافة الأسباب الدنيوية لتحقيق النجاح مع الإيمان والثقة بالعون والتوفيق الإلهي ﴿الْعَزِيزِ﴾ الغالب على أمره ﴿الْحَكِيمِ﴾ مصدر الحكمة بشكل مطلق، لأن التدبير الإلهي يفوق مقدرة الإنسان على الإحاطة به، فلا يدري المرء ما الحكمة في كثير من الأمور، ولا يعرف من الحكمة الإلهية إلا أقل القليل.
﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ (١٢٧)
١٢٧ - ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والكلام متعلق بما قبله أي الغرض من التوفيق الإلهي، وتثبيتكم بعون الملائكة، ليقطع طرفا من الذين كفروا، ومعنى قطع الطرف إهلاك جماعة منهم، والإشارة إلى أنه تعالى لا يهلك جميع الكفار ولا يستأصلهم، فهو يمهل الباقين منهم ويترك مجال التوبة مفتوحا أمامهم
следующие страницы →