Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
سورة الطلاق - ٦٥ - مدنية
نزلت في أواسط الفترة المدنية
ارتباط السورة بما قبلها
كما في السور المدنية السبعة: (الحديد - المجادلة - الحشر - الممتحنة - الصف - الجمعة - المنافقون)، وبعد أن أوضحت سورة التغابن - المختلف في كونها مكية أم مدنية - مغزى الخلق وبعث الرسل والجزاء وابتلاء البشر في الدنيا، تعود سورتا (الطلاق - التحريم) المدنيّتان المتتاليتان لمواضيع تطبيقات حياتية عملية أخرى في تنظيم المجتمع، وتبدأ هذه السورة بموضوع الطلاق، وتداخل آيات التشريع مع آيات الإيمان والغيب شائع في التنزيل، في إشارة للارتباط الوثيق في الإسلام بين الإيمان وبين انعكاسه العملي في تنظيم الحياة.
محور السورة
السورة مكرّسة في معظمها لبيان أحكام الطلاق وتفصّل ما سبق ذكره في آيات [البقرة ٢٢٦/ ٢ - ٢٣٣]، كما تبين العاقبة الوخيمة التي تحل بالمجتمعات نتيجة اتباعها تشريعات وضعية ولمعصيتها التشريع الربّاني.
стр. 1857
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تخاطب الآية الأولى مجتمع المسلمين - من خلال النبي ﷺ بوجوب العدة في الطلاق، وقد أجمعوا أن طلاق النساء يجب أن يقع في فترة طهر من غير جماع:
﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وأنه يجب إحصاء العدة:
﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ كما هو مفصل بآية [البقرة ٢٢٨/ ٢]، وأنه خلال مدة العدّة لا يحق للرجل إخراج المرأة من بيتها: ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ ولا يكون الرجل سببا لإخراجها من تلقاء نفسها: ﴿وَلا يَخْرُجْنَ﴾ إلاّ أنه يحقّ له إخراجها في حالات استثنائية دامغة: ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ وأنّ من مقاصد مدة الانتظار - العدّة - أنها تتيح الفرصة لتهدئة خواطر الطرفين والمراجعة الهادئة وتفادي اتخاذ قرارات متسرّعة: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِكَ أَمْراً﴾ (١)
وأن اتخاذ القرار بالصلح أو الفراق بنهاية العدّة يجب أن يكون عن حسن نية بعيدا عن مشاعر الكراهية أو الانتقام، بلا ضرر ولا ضرار: ﴿فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ والشهادة أن لا يكون القرار متّخذا عن جهالة وحماقة: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلّهِ ذلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وأن تقوى الله تقي المرء مواقع الضيق والكرب: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ وأن أمر الله جلّ وعلا نافذ لا محالة فلم يبق إلاّ التوكل عليه: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ (٢ - ٣)
ثم تحدد السورة مدة العدّة لمن لا حيض لهنّ: ﴿وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ اِرْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ ومدة العدة
стр. 1858
للحوامل: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ (٤)
﴿وإن العمل بنصوص الشرع من شأنه تكفير السيئات وتعظيم الثواب:
﴿ذلِكَ أَمْرُ اللهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ (٥)
وإن سكن المطلقة خلال مدة العدة يجب أن يستمر بذات المستوى المعيشي المعتاد للزوج بلا مضايقة ولا تضييق عليها: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ وأن على الزوج الإنفاق على مطلّقته الحامل حتى تضع حملها: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾، ولها الخيار في إرضاع الولد مع استمرار النفقة لها خلال فترة الرضاعة: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وأن يكون التفاهم بينهما مستمرّا بالمعروف: ﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾ وقد لا تستطيع المطلقة الإرضاع لأسباب صحية أو نفسية أو لكونها تريد الزواج من آخر: ﴿وَإِنْ تَعاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرى﴾ (٦)
وإن إنفاق الزوج خلال كل هذه المدة يجب أن يكون بحسب طاقته المادية:
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمّا آتاهُ اللهُ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلاّ ما آتاها﴾ وأنه تعالى يجعل اليسر بعد العسر: ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ (٧).
ثم تنتقل السورة إلى التعميم أن المجتمعات الإنسانية التي تعتمد على التشريع الوضعي بدلا عن التشريع الربّاني تؤول عاقبتها إلى الخسران: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّها وَرُسُلِهِ فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً * فَذاقَتْ وَبالَ أَمْرِها وَكانَ عاقِبَةُ أَمْرِها خُسْراً * أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً﴾ وأن المؤمنين المتقين هم الذين يستفيدون من عقولهم في فهم القرآن:
﴿فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً﴾ (٨ - ١٠)
стр. 1859
﴿فيخرج الذين صدّقوا إيمانهم بالعمل الصالح من ظلمات الجهالة إلى نور العلم والإيمان، وذلك هو الرزق المطلق: ﴿رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آياتِ اللهِ مُبَيِّناتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ وَيَعْمَلْ صالِحاً يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً قَدْ أَحْسَنَ اللهُ لَهُ رِزْقاً﴾ (١١)
وأن الله تعالى الذي خلق السماوات السبع ومن الأرض مثلهنّ متكفّل بأمور عباده ومخلوقاته، حتى بأدق تفاصيلها كما سيرد في موضوع السورة التالية:
﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (١٢)﴾.
وفي كتاب (الخصائص) لابن بابويه عن النبي ﷺ : "إن لله تعالى اثني عشر ألف عالم، كل عالم منهم أكبر من سبع سماوات وسبع أرضين، ما يرى عالم منهم أن لله عالما غيرهم".
وقد نقل الرازي في تفسير آية [الحجر ٢٦/ ١٥] عن كتب الشيعة عن محمد بن علي الباقر ﵇ أنه قال: قد انقضى قبل آدم الذي هو أبونا ألف ألف آدم أو أكثر، انظر أيضا آية [الشورى ٢٩/ ٤٢].
стр. 1860
سورة التحريم - ٦٦ - مدنية
نزلت خلال النصف الثاني من الفترة المدنية، وقيل حوالي العام ٧ هجرية، وقيل إن الآيات (١٠ - ١٢) منها مكية.
ارتباط السورة بما قبلها
هي استمرار للسورة السابقة من حيث تنظيم الشرع الإسلامي لحياة البشر، فبعد أن ختمت سورة الطلاق المتقدمة بأنّ أمره تعالى يتنزّل في شؤون مخلوقاته وعباده بين السماوات والأرض، تبين هذه السورة أحد جوانب تنظيم هذه الشؤون ومنه التأكيد على عدم جواز تحريم ما أحل الله تعالى في سبيل إرضاء البشر.
محور السورة
عدم جواز تحريم ما أحل الله: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ﴾ [١/ ٦٦]، ووجوب التكفير عن الأيمان المعارضة للشرع: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ﴾ [٢/ ٦٦]، وأنّ الندم لا يفيد صاحبه يوم الحساب فالعقاب نتيجة طبيعية ملازمة للعمل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [٧/ ٦٦]،
стр. 1861
وعدم جواز التوصل لحلول وسط في شؤون العقيدة مع الكفار: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [٩/ ٦٦]، وأن قرابة الأنبياء والصالحين لا تنفع الخاطئين يوم القيامة [١٠/ ٦٦].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿التأكيد على عدم جواز تحريم ما أحل الله تعالى في سبيل إرضاء البشر: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١) لأن النبي ﵊ كان قد حلف أن لا يقرب أزواجه لمدة شهر، واختلفت الروايات في سبب ذلك، غير أنها لا تخرج عن عاطفة الغيرة بين بعض أزواج النبي ﷺ ، ومن العبر في القصة أن النبي بشر معرّض للخطأ سوى أن الوحي سرعان ما يرشده إلى الصواب، ونظير الآية قوله تعالى: ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة ٤٣/ ٩]،
فتبيّن السورة في هذه الحالة وجوب التحلل من اليمين المناقض للشرع، والكفارة عنه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ وَاللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٢)، وكفّارة الأيمان مذكورة في آية [المائدة ٨٩/ ٥].
وتسرد جانبا من قصة النبي ﵊ مع بعض أزواجه، وبحسب بعض الروايات فقد تنبأ لزوجته حفصة بخلافة أبي بكر وعمر، ثم أعرض عن إعلان ذلك وكتمه لكي يبقى الأمر شورى بين المسلمين: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلى بَعْضِ أَزْواجِهِ حَدِيثاً فَلَمّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّا نَبَّأَها بِهِ قالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (٣)
وتنتقل السورة لمخاطبة زوجتي الرسول عائشة وحفصة فتعاتبهما، لأن حفصة أفشت السر إلى عائشة فلم تكتمه: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ﴾ فالتوبة أجدر
стр. 1862
بكما، فقد مالت قلوبكما عن حق الرسول ﵇: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ أي مالت عن الصواب، وإن تعاونا عليه: ﴿وَإِنْ تَظاهَرا عَلَيْهِ﴾ فليس ذلك بضائره شيئا لأن الله تعالى ناصره، وكذا جبريل وكل من صلح من المؤمنين، والملائكة أيضا تنصره: ﴿فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (٤)
﴿ثم لموعظة أزواج الرسول ﵊: ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْواجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحاتٍ ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً﴾ (٥)
وتأمر السورة المؤمنين أن يبادروا - قبل فوات الأوان - لنشر الدعوة بين أهليهم، بالمعنى الضيق والأعمّ لكلمة الأهل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ (٦)
وأن اعتذار الكفار بالجهالة لن يفيدهم يوم الحساب: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ﴾ لأن الجزاء نتيجة طبيعية وعاقبة ملازمة لجنس العمل: ﴿إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٧)
وتحث المؤمنين على التوبة لأن كل ابن آدم خطّاء حتى المؤمنين منهم:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا وَاِغْفِرْ لَنا إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٨) والتوبة النصوح التي تنصح صاحبها بعدم العودة إلى ما تاب منه.
ثم تأمر النبي - والمؤمنين من بعده - بمجاهدة الكفار والمنافقين معا، وحيث لا يجوز قتال المنافقين لأنهم يظهرون الإسلام، فالمقصود أن تكون مجاهدة الفريقين
стр. 1863
بالحجة والفكر والإقناع: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ وتنهى الآية عن التوصل لحلول وسط معهم: ﴿وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ وتبين مآلهم في حال عدم توبتهم عن الكفر: ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٩)
﴿وتبيّن أن الروابط العائلية مع الصالحين، وحتى مع الأنبياء، لا تفيد الكفار شيئا إن لم يتوبوا: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَاِمْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ اُدْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ (١٠)
وبالمقابل فإن المؤمن الحقيقي لا يلزم نفسه بكفر أفراد عائلته بل ينفرد بإيمانه عنهم: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ اِبْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (١١)
وتضرب مثلا بمريم ﵍ وصلاحها وإخلاصها: ﴿وَمَرْيَمَ اِبْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا﴾ أي في عيسى ﵇ ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ (١٢)﴾
стр. 1864
سورة الملك - ٦٧ - مكية
نزلت في أواسط الفترة المكية، وفي الحديث: "وددت لو أنّها في قلب كلّ مؤمن"، ذكره القرطبي.
ارتباط السورة بما قبلها
استكملت السور المدنية السبعة المتقدمة: (الحديد - المجادلة - الحشر - الممتحنة - الصف - الجمعة - المنافقون) ثم السورتان المدنيتان (الطلاق - التحريم) تشريعات حياتية للمجتمع المسلم داخليا بين أفراده، وخارجا تجاه الغير، وقد تخللتهما سورة التغابن - المختلف في كونها مدنية أم مكية - التي بحثت في مغزى الخلق وبعث الرسل والجزاء، وابتلاء الناس في الدنيا، ثم ينتقل القرآن الكريم في السور المتبقية في الجزأين التاسع والعشرين والثلاثين - ومعظمها مكية - إلى بحث مواضيع الإيمان والغيب وحث الإنسان على استخدام العقل في التوصل إلى الفلاح.
محور السورة
مهما بلغت علوم الإنسان على الأرض يستحيل عليه الإحاطة بأسرار الكون: ﴿ثُمَّ اِرْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾
стр. 1865
[٤/ ٦٧]، وهو معتمد بشكل كلّي وقاطع على الهداية الإلهية التي تنزّلت على البشر من خلال الوحي، ومع ذلك فإنّهم يرجمون بالغيب: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ﴾ [٥/ ٦٧]، ويفضّل الكفار الرجم بالغيب على السمع والعقل السليم: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [١٠/ ٦٧]، ولقصر فكرهم على دنيا المادة لا يرون أبعد من أنوفهم: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [٢٢/ ٦٧].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تَبارَكَ﴾ تفاعل من البركة، وقيل تقدّس، وقيل دام، فهو الدائم لا أول لوجوده ولا آخر لدوامه: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) ومن دلائل قدرته أنه خلق الموت والحياة، وخلق الكون خلقا محكما يحيّر العقول:
وقد خلق الموت كما خلق الحياة، بمعنى أنّ الموت له حقيقة إيجابية بذاته، فالموت ليس معناه العدم إذ يشمل حالة البرزخ قبل الآخرة كما يشمل حالة الكمون قبل الحياة الدنيا: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿رَبَّنا أَمَتَّنَا اِثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اِثْنَتَيْنِ﴾ [غافر ١١/ ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان ١/ ٧٦]،
وخلق الكون محكما متجانسا بلا تفاوت: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾
стр. 1866
﴿لا يستطيع الإنسان - مهما بلغ - أن يحيط بأسراره: ﴿ثُمَّ اِرْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (٤)
ومع ذلك فشياطين الإنس ترجم بالغيب زاعمة أنّها تعتمد على النجوم، أو تظن أن بإمكانها الإحاطة بأسرار الكون بالتنجيم: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ﴾ لكن الرجم بالغيب يؤدي بصاحبه لأسوأ العواقب: ﴿وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ﴾ (٥)
والزعم بمعرفة الغيب والمستقبل من النجوم - ما لا يعلمه إلا الله وحده - بمثابة كفر: ﴿وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ﴾ (٦ - ٧)
وأن جهنم تكاد تميّز من الغيظ لبلادة الكفار وعجزهم عن الإفادة من مداركهم العقلية ما أدّى بهم إلى ورودها: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ (٨) فقد زعموا في دنياهم أن لا حقيقة في الوحي الإلهي.
واتهموا رسلهم بالضلال: ﴿قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ (٩)
فلم يدركوا أهمية السماع للرسل والوحي وقيمة العقل إلاّ بعد فوات الأوان: ﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ (١٠)
ولم يفدهم الاعتراف بالذنب بعد كشف الحجب: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ (١١)
في حين أن استخدام العقل على الوجه الصحيح يقود صاحبه يقينا بأن هنالك مغزى وراء الخلق، ومن ذلك تتالي بعث الرسل وتنزّل الوحي الإلهي عليهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢)﴾
стр. 1867
﴿وفي كل الأحوال فالله تعالى يعلم ما يخفون من معتقدات وما يبدون منها:
﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اِجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ * أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٣ - ١٤)
وأنه قد وهبهم العقل والذكاء لاستخدام موارد الأرض حتى صارت تحت تصرفهم: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ ثم يحاسبهم على حسن أو سوء استخدامها: ﴿وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾ (١٥)
فكيف يأمن أحدهم عواقب عمله فيعتقد أن لا مسؤولية ولا حساب:
﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ * أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾ (١٦ - ١٧)
والأمثلة التاريخية كثيرة في عاقبة الأمم البائدة: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ﴾ (١٨)
ومعجزات الكون محيطة بهم من كل جانب: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ﴾ ما لا يعقل أن يكون مصادفة: ﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ (١٩)
وإنهم في منتهى العجز باعتمادهم على ذواتهم: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ﴾ فلا يدعمهم مؤقتا سوى الغرور: ﴿إِنِ الْكافِرُونَ إِلاّ فِي غُرُورٍ﴾ (٢٠)
وهم معتمدون على رزقه تعالى في أبسط أمور معاشهم: ﴿أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ ما يناقض استكبارهم ونفورهم من الهدي الإلهي:
﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾ (٢١)
بل إنهم لانغماسهم في الحياة المادية كمن لا يرى أبعد من أنفه: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾
стр. 1868
﴿مع أنه تعالى وهبهم نعمة السمع والبصر والفكر السليم: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ فقليلا ما استفادوا منها:
﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ (٢٣)
ونشرهم في الأرض: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ ثم يحشرهم للحساب: ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢٤)
وهم مصرّون على إنكار الحشر وعلى المكابرة والتحدي في تعارض فاضح مع المنطق السليم: ﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٢٥)
مع أنّ علم الساعة مما استأثر به تعالى لنفسه: ﴿قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٢٦)
وعند تحقق وعدها يغشى وجوه الذين أصرّوا على الكفر الذل والكآبة:
﴿فَلَمّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فيقال لهم هذا ما كنتم تستعجلونه في الدنيا: ﴿وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ﴾ (٢٧)
وسواء انتشرت رسالة الإسلام كما هو مقدّر لها، أم لم تنتشر كما يتمنّون، ففي الحالين لن يفيدهم ذلك شيئا من عذاب الجحيم: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٨)
فالمؤمنون في حالة من الاطمئنان والتوكل على الله حتى يأتي الوقت الذي تنكشف فيه الحجب: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٢٩)، وذلك الجواب على قولهم لرسلهم في الآية ٩: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ﴾ (٩).
ومع أنّ الكفار في منتهى العجز، فإنهم عن عجزهم عمون: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ والمعين العذب النقي، أي إن غار الماء العذب في الأرض من يأتيكم به؟
стр. 1869
سورة القلم - ٦٨ - مكية
من أوائل السور المكية، الثالثة في ترتيب النزول بعد سورتي العلق والمدّثر، وقيل بل الثانية - في معظم آياتها - بعد سورة العلق.
ارتباط السورة بما قبلها
أوضحت سورة الملك المتقدمة أنه رغم الإعجاز الهائل في خلق الموت والحياة، وخلق الكون خلقا محكما بلا تفاوت ما هو مثال على مقدرته تعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الملك ١/ ٦٧]، فإن الكفار يرجمون بالغيب في محاولة لتلمس الواقع: ﴿وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ﴾ [الملك ٥/ ٦٧]، ومن رجمهم بالغيب أنهم أنكروا الوحي واتهموا النبي ﷺ بالجنون في حين أن الجنون واقع بهم: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [القلم ٥/ ٦٨ - ٦]،
وقد أوضحت سورة الملك أن الكفار يدركون ضلالهم بعد فوات الأوان:
﴿وَقالُوا لَوْ كُنّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ١٠/ ٦٧]، وفي سورة القلم هذه يدرك الطغاة في دنياهم - قبل آخرتهم - مدى الضلال الذّي تاهوا فيه: ﴿فَلَمّا رَأَوْها قالُوا إِنّا لَضَالُّونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ [القلم ٢٦/ ٦٨ - ٢٧]،
стр. 1870
وفي سورة الملك أن الكافر كمن يمشي مكبّا على وجهه: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الملك ٢٢/ ٦٧]، وفي سورة القلم أن الكفار لشدة بغضهم وعداوتهم وحسدهم وجهلهم وحيرتهم في أمر النبي ﷺ يحاولون تنفير الناس عن القرآن: ﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ * وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (القلم ٥١/ ٦٨ - ٥٢).
محور السورة
تشير السورة إلى معجزة القلم الذي بواسطته تناقلت البشرية معرفتها التراكمية: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ [١/ ٦٨]، وأن الكفار يظنّون الجنون بالنبي ﵇ ولكن المستقبل يكشف لهم العكس: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ [٥/ ٦٨ - ٦]، وأن لا حلول وسطا معهم في شؤون العقيدة:
﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [٨/ ٦٨ - ٩]، والأجدر بالمكذّبين أن لا يغتروا بأموالهم وبنفوذهم: ﴿أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ﴾ [١٤/ ٦٨]، إذ يحكمون بأهوائهم: ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [٣٦/ ٦٨]، فالله وحده يحاسبهم بعد إمهالهم: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [٤٤/ ٦٨]، وأنّ القرآن، على النقيض من ظنّهم، ليس سوى ذكر للعالمين: ﴿وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [٥٢/ ٦٨]، فهو يذكّر الناس بفطرتهم السليمة وبالميثاق الفطري المأخوذ عليهم، انظر آية [الأعراف ١٧٢/ ٧].
стр. 1871
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تبدأ السورة بالإشارة للقلم وما يسطرون، كرمز لفن الكتابة وتسطير السجلات وبالتالي للمعرفة التراكمية، وإلى مقدرة الإنسان الفريدة لنقل المعرفة والفكر بواسطة القلم - ومشتقاته - من فرد لآخر ومن ثقافة لأخرى ومن جيل لآخر حتى صارت المعرفة والعلوم تراكمية على مرّ العصور: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ (١) وفيه إشارة أيضا إلى أوّل ما نزل من الوحي على النبي ﷺ بقوله تعالى: ﴿اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق ٣/ ٩٦ - ٤] في إشارة لتعلم الإنسان من الوحي.
ورغم معجزة الوحي والقلم فقد اتهموا النبي ﷺ عند نزول الوحي عليه بالجنون، وهذا الاتهام لم يكن مقتصرا على النبي في عصره، بل هو شائع في كل وقت بين الكفار إذ يتهمون كل مؤمن بالله واليوم الآخر بالجنون، وهو ما تفنّده الآية: ﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾ (٢)
بل إن اتهامهم للنبي بنقيض ما هو عليه يستوجب له الأجر العظيم لعلوّ منزلته عند الله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ (٣) وأن أجره ﵇ لا انقطاع فيه ولا منّة.
وأن الدين الذي جاء به دين الخلق العظيم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (٤) وفي حديث عائشة أنّ النبي ﷺ كان خلقه القرآن.
وما دام الأمر بهذا الوضوح فإن الجنون واقع بهم وليس بالنبي، وإن هذا الأمر من الوضوح بحيث لا يلبث أن يظهر: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ﴾ (٥ - ٦)
وأنّ علمه تعالى قد سبق فيمن يميل إلى الضلال وفيمن يميل إلى الهدى: ﴿إِنَّ﴾
стр. 1872
﴿رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٧) فليس على المؤمن سوى البلاغ.
﴿وأن المكذّبين يحاولون التوصل لحلول وسط مع المؤمنين: ﴿فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٨)
في حين لا مجال لحلول وسط في شؤون العقيدة: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (٩)
وأن أهواء شرار الناس - المذكور نموذج منها في الآيات التالية - غير جديرة بالاتّباع، ومن هؤلاء من هو كثير الحلف في الحق والباطل متجريء على اسمه تعالى، فهو حقير الرأي والتدبير: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاّفٍ مَهِينٍ﴾ (١٠)
والذي من شأنه الطعن في الغير، والمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم:
﴿هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ (١١)
والبخيل، الظالم، كثير الآثام: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ (١٢)
المؤذي، الذي لا يفيد المجتمع بشيء: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذلِكَ زَنِيمٍ﴾ (١٣)
والذي يظنّ في نجاحه الدنيوي وكثرة المال والولد والأتباع دليلا على مصداقيته: ﴿أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ﴾ (١٤)
وبالتالي فهو مستغن عن الوحي بزعمه: ﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٥)
في حين أنّ عاقبة أمثاله تصير إلى الخنوع: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ (١٦) وقوله ﴿الْخُرْطُومِ﴾ إشارة لأن مثل هذا الشخص كالحيوان غير مستفيد من نعمة العقل.
وتضرب السورة مثلا على شرار الناس بأصحاب جنة - بستان - صمّموا سلفا على حصاد المحصول دون إعطاء الفقراء حقهم منه، مع أن الله تعالى
стр. 1873
أغدق عليهم من النعم الكثيرة - على سبيل الابتلاء - ما لا يقارن مع نظرتهم الدنيوية المادية المحضة: ﴿إِنّا بَلَوْناهُمْ﴾ أي الكفار ﴿كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ﴾ (١٧)، والمفترض أن يأخذ الفقراء حقهم أولا، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ [الأنعام ١٤١/ ٦]، فلم يأبهوا لذلك، وفيه إشارة لقوله: ﴿مَنّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ (١٢).
﴿وصمموا أن لا يستثنوا للمساكين أي جزء من الحصاد: ﴿وَلا يَسْتَثْنُونَ﴾ (١٨) وقيل بل المعنى أنهم عندما عزموا على فعلتهم لم يعلّقوا الأمر بالمشيئة العليا فلم يقولوا "إن شاء الله تعالى" وتلك كانت خطيئتهم الثانية، لقوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ [الكهف ٢٣/ ١٨ - ٢٤]، وفي سلوكهم أيضا إشارة للمذكور بالآيات (١٤ - ١٥) لجهة اعتدادهم بالدنيا وإنكارهم الوحي.
فأحاط البلاء بجنتهم ليلا: ﴿فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ﴾ (١٩)
ولم تلبث أن أصبحت كالبستان الذي صرمت ثماره وأشجاره بحيث لم يبق منها شيء: ﴿فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ﴾ (٢٠) أي صرم عنها الخير إذ يبست وذهبت خضرتها، فالصريم بمعنى المصروم.
ثم أصبحوا وهم غافلون تمام الغفلة عما جرت به المقادير: ﴿فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ * أَنِ اُغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ﴾ (٢١ - ٢٢)
فانطلقوا مصمّمين على فعلتهم الشنيعة: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخافَتُونَ * أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ * وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ قادِرِينَ﴾ (٢٣ - ٢٥) والحرد الانفراد أي أرادوا الانفراد بالجنة وغلّتها.
فلمّا رأوها كالصريم ظنّوا أنهم ضلّوا الطريق إليها: ﴿فَلَمّا رَأَوْها قالُوا إِنّا لَضَالُّونَ (٢٦)﴾ أو أنهم أدركوا خبث نفوسهم وضلالهم عن الصواب وأقرّوا
стр. 1874
به بدليل الآية التالية.
﴿أقرّوا أنهم حرموا الخير بسبب منع الفقراء نصيبهم: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ (٢٧)
فقال لهم أحسنهم وأرجحهم عقلا: ﴿قالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ﴾ (٢٨) إذ لا شيء يمكن أن يتم إلاّ بمشيئة الله.
﴿قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا﴾ عن أن يجري في ملكه شيء إلاّ بإرادته ومشيئته، ثم اعترفوا بسوء فعلهم ﴿إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ (٢٩)
وصار يلوم بعضهم بعضا: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَلاوَمُونَ﴾ (٣٠)
فلم يدركوا الحقيقة إلا بعد معاينة عذاب الدنيا: ﴿قالُوا يا وَيْلَنا إِنّا كُنّا طاغِينَ * عَسى رَبُّنا أَنْ يُبْدِلَنا خَيْراً مِنْها﴾ وليس خيرا منها إلاّ مغفرته تعالى:
﴿إِنّا إِلى رَبِّنا راغِبُونَ﴾ (٣١ - ٣٢)
﴿كَذلِكَ الْعَذابُ﴾ في الدنيا ﴿وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٣) أي لو كانوا من أهل العلم لعلموا أن عذاب الآخرة أكبر من عذاب الدنيا، وهو بمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة ٢١/ ٣٢]،
وفي مقابل شرار الناس تصف السورة حال خيارهم: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ في الآخرة ﴿جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٣٤) أي النعيم الخالص من شوائب الدنيا،
إذ يستحيل أن تكون عاقبة المسلمين كعاقبة المجرمين: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (٣٥)
ثم تقرّعهم الآية: ﴿ما لَكُمْ﴾ أيها الخاطئون، إذ ليس من دليل عقلي يؤيد ما ذهبتم إليه، فعلى ماذا تبنون أحكامكم؟ ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾
стр. 1875
﴿وتختارون لأنفسكم بصورة كيفية مقاييس الحق من الباطل: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَما تَخَيَّرُونَ﴾ (٣٧ - ٣٨) وليس من دليل نقلي يناسب هواكم؟
وكيف تضمنون أن ما توصلتم إليه بالتخمين والظن هو الصحيح؟ ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمانٌ عَلَيْنا بالِغَةٌ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَما تَحْكُمُونَ﴾ (٣٩)
ومن منكم قادر على الزعم بذلك؟ ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذلِكَ زَعِيمٌ﴾ (٤٠)
أم من يشاركهم في هذا القول حتى يزعمون تقليده؟ ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكائِهِمْ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ (٤١) وليدعوا هؤلاء الشركاء، يوم الشدّة، لنصرتهم إن كانوا حقا على الصواب:
﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ يوم يشتدّ الأمر ويتفاقم، وقد يحصل ذلك في الدنيا، أو في الآخرة، وفي الحالتين يفوتهم أوان الاستجابة بعد المعاينة:
﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٤٢)
لشدة ما يرهقهم الذل والهوان: ﴿خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ وقد فاتتهم الاستجابة وقتما كانوا في أحسن تقويم: ﴿وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ﴾ (٤٣)
وأن حساب الذين يكذّبون القرآن على الله وحده، فهو وحده يحدد متى وكيف يحاسبهم: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ﴾ وإنهم يظنون ما بهم من النعم الكثيرة تفضيلا لهم على المؤمنين: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤٤) فلا يشعرون أنها ابتلاء في واقعها، كما في قصة أصحاب الجنة.
وأن الخطة والحكمة الإلهية البالغة في إمهال الكفار لا يحيط بها بشر:
﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾ فليس من مصادفة في شيء، ولا يغتر أحد بما قد ينعم به شرار الناس في الدنيا.
стр. 1876
﴿أَمْ تَسْئَلُهُمْ﴾ على البلاغ والإرشاد ﴿أَجْراً﴾ دنيويا ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ﴾ من غرامة مالية ﴿مُثْقَلُونَ﴾ (٤٦)، أي مرهقون بثقل الغرامة؟ والمعنى أنك - أيها النبي أو أيها المؤمن - لا تسألهم أجرا على البلاغ والدعوة.
أم يظنون أنهم محيطون بعلوم الغيب، أم أنهم لغرورهم يظنون أن أسرار الكون قاربت أن تكون في متناولهم بنتيجة تقدمهم العلمي والتقني: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ (٤٧)
ثم تحض السورة النبي ﵊ ومن ثمّ كل مؤمن - أن لا يستسلم لليأس من سلوك الكفار، كما يئس يونس ﵇ من دعوة قومه:
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ (٤٨) ونداؤه قوله: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء ٨٧/ ٢١ - ٨٨]،
﴿لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٤٩ - ٥٠)، وفيه إشارة لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات ١٤٣/ ٣٧ - ١٤٥].
وأن الكفار كلّما سمعوا القرآن الكريم يتلى عليهم من النبي ﵇ يكادون يزلقونه عن ثباته بعين الشر والبغضاء والعداوة: ﴿وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ ويتهمونه ﵇ بالجنون:
﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾ (٥١)
في حين أن القرآن الكريم ليس سوى النقيض الأكبر لذلك: ﴿وَما هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (٥٢) يذكّر الناس بالفطرة السليمة،
فالجنون الحقيقي في المكذّبين: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ * بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦)﴾ وهي النقطة التي بدأت منها السورة.
стр. 1877
سورة الحاقّة - ٦٩ - مكية
نزلت خلال الفترة المكية الأولى، واشتق اسمها من ذكر الحاقة، وهي الساعة التي تحقّ فيها الأمور فتعرف على حقيقتها.
ارتباط السورة بما قبلها
بعد أن ختمت سورة القلم أمثولة أصحاب الجنة بقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ الْعَذابُ وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم ٣٣/ ٦٨]، ووصفت تخبط الكفار في أحكامهم وظنونهم: ﴿ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾ [القلم ٣٦/ ٦٨ - ٣٧]، تبدأ هذه السورة بذكر الحاقة، أي الساعة التي تحق فيها الأمور وتظهر على حقيقتها فتبطل ظنون الكفار ويبطل تخبطهم:
﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١/ ٦٩ - ٣]،
وبعد أن أكدت سورة القلم أن على الله وحده حساب الكفار المكذّبين بالقرآن: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم ٤٤/ ٦٨] تؤكد هذه السورة أن القرآن يكون يوم الحساب حسرة على الكافرين: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ [الحاقة ٥٠/ ٦٩]، وتصف يوم الحساب: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ [الحاقة ١٨/ ٦٩]،
стр. 1878
وبعد أن ذكرت سورة القلم زعم الكفار بعلوم الغيب: ﴿أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾ [القلم ٤٧/ ٦٨] تبين هذه السورة أنهم عن علم الغيب عمون: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ * وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة ٣٨/ ٦٩ - ٣٩].
محور السورة
حتمية وقوع الحاقّة، ما يقطع الشك باليقين: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [٣/ ٦٩]، وأن عذاب الكفار قد يقع في الدنيا قبل الآخرة كما حدث للأمم البائدة: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً﴾ [١٠/ ٦٩]، وأن ما يلقاه المرء من عاقبة في آخرته ليس سوى نتيجة طبيعية لأعماله في دنياه: ﴿إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ﴾ [٣٣/ ٦٩ - ٣٤]، وأن القرآن الكريم يفوق بكثير كل ما يمكن للبشر أن يتوصّل إليه من تلقاء نفسه: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ [٥١/ ٦٩].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تبدأ السورة بالتذكير بالحاقّة أي القيامة التي تحقّ فيها الأمور فتدرك على حقيقتها، عندما تزول عن الإنسان الأوهام وخداع النفس ويبدو له على وجه اليقين مغزى حياته الدنيوية وآخرته: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ﴾ (١ - ٢)
وأنّ إدراكها المفاجيء ساعة وقوعها خارج أي تصور بشري ممكن: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ (٣)
لكنّ عذاب الدنيا قد يقع قبل عذاب الآخرة، وتضرب مثلا بما نزل من عذاب المكذّبين من الأمم البائدة: كذّبت ثمود رسولها صالح، وكذّبت عاد رسولها هود: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ (٤)﴾ لأنّ رسلهم أنذرتهم
стр. 1879
بالقارعة وهي اسم للقيامة لأنها تقرع الناس، والمعنى أنهم رفضوا التصديق بالقيامة اعتقادا منهم أن لا مسؤولية ولا حساب إذ يتصرفون في دنياهم كما يشاؤون.
﴿حتى جاءهم العذاب في الدنيا قبل الآخرة: ﴿فَأَمّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطّاغِيَةِ﴾ (٥) والطاغية الزلزلة، أنظر آية [الأعراف ٧٨/ ٧].
وهلكت عاد بعواصف رملية شديدة استمرت سبع ليال وثمانية أيام بلا انقطاع فلم تبق منهم أحدا: ﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ * سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ﴾ (٦ - ٨)
وقد أنكر فرعون ومن قبله من الأمم رسالات الرسل، وكذا قوم لوط الذين ائتفكت أي انقلبت بلادهم عاليها سافلها: ﴿وَجاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكاتُ بِالْخاطِئَةِ﴾ (٩)
فعقاب معصية الرسل قد يأتي في الدنيا: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً﴾ (١٠)
وينجّي الله تعالى المؤمنين كما نجّا العباد الذين استجابوا لدعوة نوح: ﴿إِنّا لَمّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ﴾ (١١)، والجارية السفينة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ﴾ [الرحمن ٢٤/ ٥٤٥]،
لكي يكون في كل ذلك عبرة لمن يعي مجريات الأمور: ﴿لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢)﴾
وقصص ثمود وعاد وقوم لوط وقوم نوح مذكورة بتفصيل في آيات [الأعراف ٥٩/ ٧ - ١٠٢]، وكذلك قصة موسى وفرعون في آيات [الأعراف ١٠٣/ ٧ - ١٣٦].
стр. 1880
﴿غير أن العواقب ليست مقتصرة على الدنيا، فالإنسان يتحمل عواقب عمله في الآخرة: ﴿فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ واحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ فَدُكَّتا دَكَّةً واحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْواقِعَةُ * وَاِنْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ (١٣ - ١٧)،
عندما تعرض أعمال الدنيا على أصحابها: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ﴾ (١٨)،
فيكون الحساب يسيرا على من قدّم من إيمان وعمل صالح، وكان موقنا بالآخرة: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هاؤُمُ اِقْرَؤُا كِتابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ * قُطُوفُها دانِيَةٌ * كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ (١٩ - ٢٤)،
في حين يعاني الهول كلّ من أنكر الآخرة والحساب واتّبع الهوى في دنياه، فيتمنّى لو كانت ميتته في الدنيا نهائية: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ * يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ * ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ﴾ (٢٥ - ٣٢)
وتكون عاقبته الأخروية نتيجة طبيعية لكفره وإحجامه عن عمل الخير في دنياه: ﴿إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ الْعَظِيمِ * وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ * فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هاهُنا حَمِيمٌ * وَلا طَعامٌ إِلاّ مِنْ غِسْلِينٍ * لا يَأْكُلُهُ إِلاَّ الْخاطِؤُنَ﴾ (٣٣ - ٣٧)
ثم تنتقل السورة لتأكيد مصدر الوحي القرآني الذي يشكّك به المكذّبون:
﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ (٣٨)﴾ وهو ما يبصر الإنسان من عالم الشهادة ومعجزة الخلق والأكوان.
стр. 1881
﴿وما لا يبصر الإنسان من عالم الغيب: ﴿وَما لا تُبْصِرُونَ﴾ (٣٩)
أن القرآن وحي نزل على الرسول الكريم محمد: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ (٤٠)
يفوق بكثير كل ما يمكن أن يتوصّل إليه البشر من شعراء وكهّان، مهما التبست الأمور على ضعاف الإيمان: ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ قَلِيلاً ما تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كاهِنٍ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ * تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤١ - ٤٣)،
وهو من الإعجاز بحيث يستحيل على الرسول ﵇ أن يتقوّله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ * لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ (٤٤ - ٤٧)،
وأن القرآن ليس سوى تذكرة لمن عنده استعداد للفهم واتّقاء العواقب السيئة: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤٨)،
ولأنه تعالى كرّم بني آدم بحرية الخيار فمنهم المؤمن ومنهم المكذّب: ﴿وَإِنّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ﴾ (٤٩)،
فتكون عاقبة التكذيب حسرة على صاحبه لأنه تمّ بمحض اختياره: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٥٠)،
وأن القرآن يخبر عن الحقيقة المطلقة: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ (٥١)،
فلذلك وجب التسبيح لله تعالى إذ خلق الإنسان في أحسن تقويم، وأنزل عليه الوحي والميزان، وكرّمه بحرية الخيار: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾.
стр. 1882
سورة المعارج - ٧٠ - مكية
نزلت خلال النصف الثاني من الفترة المكية، واشتقّ اسمها من كلمة المعارج المذكورة بالآية (٣)، إشارة للوسائل المتعددة التي يمكن للمرء التوصل بها إلى معرفة الله .
ارتباط السورة بما قبلها
في سورة الحاقّة أنّ العقاب نتيجة لازمة للمعصية: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً﴾ [الحاقة ١٠/ ٦٩]، ثم في هذه السورة أن عذاب الكافرين واقع بهم لا محالة: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ * لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ [المعارج ١/ ٧٠ - ٢]،
وفي سورة الحاقّة أن الكافر لا يلبث أن يتمنى لو كانت ميتته نهائية: ﴿يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ [الحاقة ٢٧/ ٦٩]، ولذا تحض سورة المعارج المؤمنين على الصبر لأن العدالة لن تلبث أن تتحقق: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً * وَنَراهُ قَرِيباً﴾ [المعارج ٥/ ٧٠ - ٧].
محور السورة
العدالة لا بد لها من التحقق يوما: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ [١/ ٧٠]،
стр. 1883
والزمن الدنيوي ذو حقيقة ظاهرة فقط: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [٤/ ٧٠]، ولكن الإنسان خلق هلوعا جزوعا أنانيا: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ [١٩/ ٧٠ - ٢١]، إلا المصلّين، المتصفين منهم بصفات الأخلاق السامية:
﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ﴾ [٢٢/ ٧٠]، وفي حين يرفض الكفار إبصار حقيقة الوجود الإلهي ويحاولون إيجاد مفهوم للخليقة خاص بهم: ﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ * عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ * أَيَطْمَعُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ [٣٦/ ٧٠ - ٣٨]، فإنّ الحكمة الإلهية اقتضت إمهالهم حتى يوم الدين: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [٤٢/ ٧٠]،
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الكثرة من الكفار ترتكب الشرور والجرائم كونها تنكر حقيقة الآخرة أو تستبعدها، ثمّ إنّ أمور بعضهم قد تزدهر في الحياة الدنيا، ممّا يجعل البعض الآخر يشكّ في حقيقة الأمور ويسأل أو يتساءل أولا إن كانت العدالة ستتحقق؟ وفي حال الإيجاب متى يكون ذلك؟ ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ﴾ (١)
فالجواب عن السؤال الأول تجيب عنه الآية ٢: ﴿لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ (٢) إذ العقاب واقع بالكفار لا محالة،
وأن لا شيء يدفع العذاب عنهم من الله الذي يمكن التوصل لمعرفته بوسائل متعددة: ﴿مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ﴾ (٣)،
أمّا جواب "متى؟ " فتشير إليه (الآية ٤) بشكل خفي: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾، والمعنى أن لا حقيقة مطلقة لمفهوم الزمن الدنيوي، فالله تعالى بلا بداية ولا نهاية، وإنّما خلق تعالى
стр. 1884
الزمن النسبي في مفهومنا البشري الدنيوي، أما في خلود الآخرة فيصبح الزمن بلا معنى، وبعبارة أخرى أن الزمن الدنيوي ذو حقيقة ظاهرية فقط،
﴿ومن ثمّ يصبح التساؤل عن موعد نزول العقاب بالكفار بلا معنى أيضا، وهو سبب الأمر بالصبر: ﴿فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً * إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً﴾ (٥ - ٦) أي في مفهومهم لزمن الدنيا
﴿وَنَراهُ قَرِيباً﴾ (٧) في الحقيقة،
قال الرازي: معنى عروج الملائكة والروح إليه سبحانه أنّ جميع الأمور تصير إلى مراده، وهو كقوله: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ (هود ١٢٣/ ١١).
وفي ذلك اليوم يتغير الكون الذي نعرفه: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ﴾ (٨) أي كالفلز المذاب،
﴿وَتَكُونُ الْجِبالُ كَالْعِهْنِ﴾ (٩) كالصوف المنفوش، والمعنى كقوله تعالى:
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ (إبراهيم ٤٨/ ١٤)،
ولهول الموقف ينشغل كل امريء بنفسه: ﴿وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً﴾ (١٠)،
حتى يبصر الحميم الحميم ويعرفه ولكن لانشغاله بنفسه لا يسأله عن شأنه، ويودّ المجرم أن يفدي نفسه بعشيرته: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ﴾ (١١ - ١٤)،
فلا يجد لنفسه فداء من العذاب: ﴿كَلاّ إِنَّها لَظى * نَزّاعَةً لِلشَّوى﴾ (١٥ - ١٦)
فقد سبق له أن أدار ظهره للوحي وتولّى عن الصواب: ﴿تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلّى (١٧)﴾
стр. 1885
﴿وانشغل بمادية الدنيا، وحبس ماله عن الإنفاق في وجوه الخير: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعى﴾ (١٨)
فالإنسان خلق هلوعا ضجورا يستعجل الأمور: ﴿إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ (١٩)، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء ٣٨/ ٢١]، وقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء ٢٨/ ٤]،
وهو لضعف إيمانه يجزع لما يصيبه من الفقر والمرض: ﴿إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً﴾ (٢٠)
ولشدة أنانيته يمتنع عن الإنفاق في وجوه الخير إذا جمع المال، فيصبح معتدّا بصحته وحوله وقوّته الجسمية: ﴿وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ (٢١) ونظيره قوله تعالى على لسان امرأة العزيز: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف ٥٣/ ١٢]،
وعلاج هذا الضعف في النفس البشرية لا يتحقق إلاّ بأن يكون المرء على صلة دائمة بالله تعالى، ولا يتم ذلك إلا بدوام الصلاة والدعاء: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ (٢٢ - ٢٣)
وأن يقرن القول بالعمل بأن يكره الإنسان نفسه على التضحية من ماله بأداء الزكاة والصدقات: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (٢٤ - ٢٥)
وأن يوقن بالبعث والحساب والجزاء: ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (٢٦) وفي ذلك عودة إلى موضوع الآيات (١ - ٣)،
وأمثال هؤلاء لا يغترّون بتقواهم رغم صلاحهم واستقامتهم: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧)﴾
стр. 1886
﴿فيلزمون الحذر ولا يدّعون الكمال لأنفسهم: ﴿إِنَّ عَذابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ﴾ (٢٨)، لأنّ الغواية والضلال غير مقتصرة على الكفار بل قد تطال المؤمنين أيضا لقوله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ [الأنفال ٢٥/ ٨]،
ولا يتهالكون وراء رغباتهم الجنسية بما يخالف الشريعة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ * إِلاّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ اِبْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ (٢٩ - ٣١)
ويردّون الأمانات ويحفظون العهد: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ﴾ (٣٢)، وفي الحديث: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له).
ويحفظون حقوق العباد بعدم التهرب من الشهادة بل بإقامتها على وجهها الصحيح: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهاداتِهِمْ قائِمُونَ﴾ (٣٣)
وصلاتهم ليست رياء ونفاقا ولا مجرد طقوس: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ (٣٤) بل يقومون بجميع حقوقها بما يقتضيه الإسلام من حسن الخلق وحسن المعاملة والأمانة.
فهؤلاء المصلّون، على النقيض من المشار إليهم بالآية (٢)، يؤول مصيرهم إلى النعيم: ﴿أُولئِكَ فِي جَنّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ (٣٥)
وإذا كانت الأمور على هذا النحو فما للكفار يستعجلون ويتخبطّون:
﴿فَمالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ﴾ (٣٦)
ويحاولون تبرير أعمالهم وأفكارهم بنظريات متناقضة، علما أنّ الأغلبية ليست دليلا على الصواب: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ عِزِينَ (٣٧)﴾
стр. 1887
﴿وكيف يأملون التوصّل إلى السعادة بمحاولة نقض الحقيقة الغيبية: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ﴾ (٣٨)
وإن الله الذي خلقهم من تراب قادر على إبدال الكفار بمؤمنين، ولكن الحكمة الإلهية اقتضت حرية البشر في الدنيا، وتحدّي الباطل للإيمان، والإيمان للباطل: ﴿كَلاّ إِنّا خَلَقْناهُمْ مِمّا يَعْلَمُونَ﴾ خلقهم تعالى من تراب ثم رفعهم إلى منزلة المخلوقات المسؤولة معنويا وأدبيا ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنّا لَقادِرُونَ * عَلى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْراً مِنْهُمْ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ (٣٩ - ٤٢) فهم يخوضون ويلعبون بفلسفة أن الكون لم يخلق بل وجد من تلقاء نفسه، وينكرون الآخرة بلا دليل يقيني ولا هدى ولا كتاب منير.
والإشارة للمشارق والمغارب دليل على كروية الأرض، لأن كل خط من خطوط الطول يكون مشرقا أو مغربا في وقت من الأوقات كل أربع وعشرين ساعة.
ثم لا يلبث الكافر أن يلاقي جزاءه في اليوم الموعود: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ سِراعاً كَأَنَّهُمْ إِلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ * خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ﴾ (٤٣ - ٤٤) وهي النقطة التي بدأت منها السورة.
стр. 1888
سورة نوح - ٧١ - مكية
ارتباط السورة بما قبلها
تبدو سورة نوح وكأنها مثال لموضوع سورة المعارج في حتمية تحقق العدالة:
﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ * لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ﴾ [المعارج ١/ ٧٠ - ٢]، ففي سورة نوح نقرأ قوله تعالى عن قوم نوح: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً﴾ [نوح ٢٥/ ٧١]، وقد وردت قصة نوح بعبر متنوعة في عدة سور قرآنية بإيجاز، وفي سورة هود بتفصيل.
محور السورة
السورة بالكامل مخصصة لقصة نوح مع قومه، وتبرز العبر منها في قوله تعالى: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً﴾ [١٣/ ٧١ - ١٤]، وأنّ الكبر الزائف والاعتداد بالمال والولد يؤدي بأصحابه إلى الدمار الروحي: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاِتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَساراً﴾ [٢١/ ٧١].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
دعوة نوح لقومه لا تختلف عن دعوة غيره من الرسل، أنه في حال توبة القوم
стр. 1889
يغفر تعالى ما سبق من ذنوبهم، إذ الإيمان يجبّ ما قبله، ثم يصبحون في موقع المسؤولية، وفي حال معصيتهم يمهلهم حتى يحين أجلهم، فإذا حان الأجل لم ينفع الإيمان: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ * قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ وَاِتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ * يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللهِ إِذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١ - ٤)
﴿لكنّ من أصمّ أذنيه سلفا عن الحقيقة لا تفيده دعوة الرسل: ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعائِي إِلاّ فِراراً﴾ (٥ - ٦)
وأن المصممّين على الكفر يخشون مواجهة الحقيقة خوفا من أن تزعزع معتقداتهم الباطلة وخشية أن يفارقوا دين آبائهم، ولا يملكون الشجاعة الكافية للاستماع للدعوة وتقييمها من حيث جدارتها: ﴿وَإِنِّي كُلَّما دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاِسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ وَأَصَرُّوا﴾ وأنهم يستكبرون بالباطل: ﴿وَاِسْتَكْبَرُوا اِسْتِكْباراً﴾ (٧)
ولشدة تمسكهم بالتقليد لا ينفع معهم الجهر بالدعوة أمام الناس ولا الإسرار بها لتدخل قلوبهم: ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهاراً * ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْراراً﴾ (٩)
وأنّ من شأن الإيمان والاستغفار والتواضع الارتقاء بأصحابه إلى نعيم الدنيا، وهو ما دعاهم نوح إليه: ﴿فَقُلْتُ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهاراً﴾ (١٠ - ١٢)
وأنّ كفر الكفّار من العجب إذ المعجزات الباهرات محيطة بهم من كلّ جانب: ﴿ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلّهِ وَقاراً (١٣)﴾
стр. 1890
﴿ومنها خلقهم في بطون أمهاتهم أطوارا، من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة:
﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْواراً﴾ (١٤)، انظر آية [المؤمنون ١٤/ ٢٣].
ومنها خلق الكون الهائل بإحكام يذهل العقول: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾ (١٥)
وخلق الشمس مصدرا للطاقة في النظام الشمسي، والقمر ينعكس عليه نور الشمس: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً﴾ (١٦)
ومعجزة خلق البشر من المادة العضوية وغير العضوية الموجودة في التراب، في عودة لموضوع الآية (١٤)، ونفخ الروح في هذه المادة كي يصبح الإنسان ذا مقدرة عقلية تتلقى الوحي وتميز بين الخير والشر: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً﴾ (١٧)
ثم تحلله بعد الموت إلى التراب، ثم بعثه من جديد للحساب: ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً﴾ (١٨)
ومعجزة تسخير الدنيا لمعاش الإنسان: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً﴾ (١٩)
وسعي الإنسان فيها طلبا للرزق: ﴿لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلاً فِجاجاً﴾ (٢٠)
ومع كل هذه المعجزات المذهلة ورغم تكريم الإنسان بالعقل وبحرية الفكر وحرية الخيار، يسيء الكفار استخدام ملكاتهم العقلية والروحية ويتكالبون على مادية الدنيا - كالمال والولد - ويغترّون بالكبر الزائف والاستعلاء والبطر والوجاهة ما يؤدي إلى انهيار القيم الروحية والأخلاقية وتفكك وانهيار المجتمع: ﴿قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاِتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاّ خَساراً﴾ (٢١)
وقد بالغوا في الكفر وإنكار النعم: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً كُبّاراً (٢٢)﴾
стр. 1891
﴿وعطّلوا فكرهم سلفا وأصرّوا على تقليد آبائهم بعبادة الأوهام: ﴿وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ وعبادة آلهة وثنية، ما فيه إهانة للفكر والعقل السليم: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ (٢٣)
فدعا نوح ربّه أن لا يتحقق لهم ما يطمحون من مطامع الدنيا التي يتكالبون عليها: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ ضَلالاً﴾ (٢٤) أي لا تزدهم إلا ضلالا عن مطامعهم الدنيوية.
غير أنّ الفساد المستشري يؤدي بأصحابه إلى عذاب الدنيا قبل الآخرة:
﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً﴾ (٢٥)، انظر آية [هود ١١٧/ ١١]،
ثمّ دعا نوح ربّه ألاّ يذر على ظهر الأرض كافرا يقطن الديار: ﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ (٢٦) بمعنى أن تتحقق الهداية لجميع البشر.
﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً﴾ (٢٧) والمقصود دعاؤه على الكفر والفجور، لأن مغزى الخلق اقتضته الحكمة الإلهية الموضحة بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود ١١٨/ ١١].
ولمّا اقتضت سنته تعالى في خلقه أن يكون للناس حرية الفكر والخيار، وبالتالي أن يخرج منهم المؤمن والكافر فتكون الحياة الدنيا مسرحا لصراع الحق مع الباطل، وأن ليس بالضرورة أن يخرج من أصلاب الكفّار كفّار مثلهم لأنه تعالى يخرج من يشاء من الظلمات إلى النور، فقد استدرك نوح ﵇ بالاستغفار: ﴿رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ ثم دعا أن لا يتحقق للظالمين مرادهم: ﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ تَباراً (٢٨)﴾ أي هلاكا.
стр. 1892
سورة الجن - ٧٢ - مكية
الخلفية التاريخية
نزلت قبل عامين من هجرته ﵊ إلى المدينة، وكان قد أيس من دعوته أهل مكة بعد أن لبث يدعوهم إلى الإسلام عشر سنين، فذهب يدعو أهل الطائف فرفضوا، فلمّا كان في طريق عودته إلى مكة استمع إليه نفر من الجن وهو في واحة نخلة يتلو القرآن، وقالوا أنّ النفر هو العدد القليل ما بين الثلاثة إلى العشرة، وروي أن ذلك النفر كانوا يهودا (الرازي)، وهنالك إشارة أخرى لهذه الحادثة في آيات [الأحقاف ٢٩/ ٤٦ - ٣٢]، ثم بعد هذه الحادثة بشهرين التقى النبي ﵇ بغرباء آخرين من المدينة قبلوا دعوته وبايعوه، ثم كانت الهجرة بداية انطلاق الدعوة بعد اثني عشر عاما من مقاومة مكة والطائف لها.
ارتباط السورة بما قبلها
ضربت سورة نوح مثالا على إصرار القوم على الكفر حتى النهاية: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً﴾ [نوح ٢٥/ ٧١] إذ لم تنفع فيهم دعوة نوح رغم لبثه فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عاما، ثم تبين سورة الجن أنه في مثل هذه الحالة يسخّر تعالى من يؤمن بالرسالة من الجنّ والإنس: ﴿وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً﴾ [الجن ١٣/ ٧٢]،
стр. 1893
مصداقا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩/ ٦].
﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ من كفار قريش، أو غيرهم من العرب، أو أهل الكتاب، أو الكفار في كل العصور والأمكنة ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا بِها﴾ أي بالرسالة ﴿قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وهم المسلمون في كل الأزمنة، إذ يوكّل تعالى بالرسالة أقواما آخرين يستحيل أن يكفروا بها، بل يتمسكوا بها ويعملوا بمقتضاها، فهنالك دوما من هو جدير بحمل راية الدين، وهؤلاء الأقوام موجودون في الدنيا على مرّ العصور، وليسوا مقتصرين على جنس معين، وقد يتتابعون في حمل راية الإسلام من قوم إلى قوم آخرين فيشرّفهم تعالى بحمل رسالته، وهذه الآية إخبار بالغيب، واستخدام الفعل الماضي للدلالة أنّ نصره تعالى لدينه متحقق لا محالة.
ومن ذلك رأينا في سورة الجمعة أنه بعد كفر أهل الكتاب من بني إسرائيل ثم رفضهم آخر أنبيائهم العظام عيسى المسيح ﵇، ثم انحراف المسيحية نحو ديانة بولس، فقد أوكل تعالى الرسالة السماوية إلى المسلمين من ذرية إسماعيل.
محور السورة
نزول الوحي على النبي ﵇ يخبره باستماع الجن له وهو يتلو القرآن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً﴾ [١/ ٧٢]، فآمنوا به وتبرؤوا من عقائد اليهود الفاسدة ومن شرك المسيحية، وتبلغ السورة أوجها بإخباره تعالى عن عباده: ﴿وَأَنْ لَوِ اِسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً﴾ [١٧/ ٧٢]، فالنعم قد تكون ثوابا وفتنة في الوقت ذاته، ثمّ إنّ الإعراض عن القرآن يكون مقدمة لأسوأ العواقب.
стр. 1894
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (١) قيل أن الجن الذين استمعوا النبي ﵇ وهو يتلو القرآن هم من يهود نصيبين (الرازي) بدليل أنهم خاطبوا قومهم بعد ذلك قائلين: ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠/ ٤٦]، فقولهم: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ يدلّ على أنهم لم يعترفوا ببعثة المسيح ﵇ من جهة، ومن جهة ثانية أنهم موحّدون استنكروا الشرك المسيحي القائل بالتثليث والزعم أن المسيح ابن الله، لقولهم: ﴿فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً * وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اِتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً﴾ (١ - ٣)
ثم قولهم: ﴿وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطاً﴾ (٤) ممّا قد يكون إشارة لشطط اليهود في اعتقادهم أنهم شعب الله المختار الأمر الذي يدحضه القرآن الكريم تماما،
وقولهم: ﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ (٥) فالكذب قد يكون إشارة لسفسطة اليهود عن طبيعة الذات الإلهية وعلاقتها مع الكون.
وقولهم: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً﴾ (٦) قد يكون إشارة لمحاولة بعضهم تلمّس طريقه في الحياة بمحاولة اللجوء إلى قوى غيبية بدلا من ترقّب الهداية عن طريق خاتم الأنبياء والرسل، ورجال بمعنى أفراد منهم.
وقولهم: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً (٧)﴾ كون اليهود
стр. 1895
يعتبرون النبوّات ختمت بأنبيائهم المذكورين في العهد القديم فقط وهم لذلك لم يعترفوا ببعثتي عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام،
﴿وقولهم: ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً﴾ (٨ - ٩) إشارة لتخبّط قدماء اليهود في محاولة التوصّل للغيب والتحكّم بالمستقبل عن طريق علوم الفلك راجع آية [البقرة ١٠٥/ ٢]، وأيضا آية [الملك ٥/ ٦٧].
وقد أقرّوا بعد سماعهم القرآن أنهم عن علم الغيب عمون لا يفيدهم التنجيم شيئا في معرفة المستقبل: ﴿وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ (١٠)
وأنهم كانوا قبل ذلك أصناف مختلفة تتراوح بين الصلاح ومن هم دون ذلك بكثير: ﴿وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَداً﴾ (١١)
ثمّ بعد سماع الوحي القرآني أيقنوا أن لا مفر لهم من المسؤولية والحساب:
﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً﴾ (١٢) والظنّ هنا بمعنى اليقين.
فأعلنوا إيمانهم: ﴿وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنّا بِهِ﴾ لأن المؤمن يكون مطمئنا للعدالة الإلهية: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً﴾ (١٣) فلا يبخس حقه ولا يرهق ظلما.
فصار منهم المسلمون، ومنهم ظالمون منحرفون عن الطريق السوي: ﴿وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ (١٤)،
والقاسطون الظالمون، والمقسطون الذين يحكمون بالعدل كما في قوله تعالى:
﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة ٤٢/ ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
следующие страницы →