Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
﴿وعطّلوا فكرهم سلفا وأصرّوا على تقليد آبائهم بعبادة الأوهام: ﴿وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ وعبادة آلهة وثنية، ما فيه إهانة للفكر والعقل السليم: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ (٢٣)
فدعا نوح ربّه أن لا يتحقق لهم ما يطمحون من مطامع الدنيا التي يتكالبون عليها: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ ضَلالاً﴾ (٢٤) أي لا تزدهم إلا ضلالا عن مطامعهم الدنيوية.
غير أنّ الفساد المستشري يؤدي بأصحابه إلى عذاب الدنيا قبل الآخرة:
﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً﴾ (٢٥)، انظر آية [هود ١١٧/ ١١]،
ثمّ دعا نوح ربّه ألاّ يذر على ظهر الأرض كافرا يقطن الديار: ﴿وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيّاراً﴾ (٢٦) بمعنى أن تتحقق الهداية لجميع البشر.
﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاّ فاجِراً كَفّاراً﴾ (٢٧) والمقصود دعاؤه على الكفر والفجور، لأن مغزى الخلق اقتضته الحكمة الإلهية الموضحة بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود ١١٨/ ١١].
ولمّا اقتضت سنته تعالى في خلقه أن يكون للناس حرية الفكر والخيار، وبالتالي أن يخرج منهم المؤمن والكافر فتكون الحياة الدنيا مسرحا لصراع الحق مع الباطل، وأن ليس بالضرورة أن يخرج من أصلاب الكفّار كفّار مثلهم لأنه تعالى يخرج من يشاء من الظلمات إلى النور، فقد استدرك نوح ﵇ بالاستغفار: ﴿رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ ثم دعا أن لا يتحقق للظالمين مرادهم: ﴿وَلا تَزِدِ الظّالِمِينَ إِلاّ تَباراً (٢٨)﴾ أي هلاكا.
стр. 1892
سورة الجن - ٧٢ - مكية
الخلفية التاريخية
نزلت قبل عامين من هجرته ﵊ إلى المدينة، وكان قد أيس من دعوته أهل مكة بعد أن لبث يدعوهم إلى الإسلام عشر سنين، فذهب يدعو أهل الطائف فرفضوا، فلمّا كان في طريق عودته إلى مكة استمع إليه نفر من الجن وهو في واحة نخلة يتلو القرآن، وقالوا أنّ النفر هو العدد القليل ما بين الثلاثة إلى العشرة، وروي أن ذلك النفر كانوا يهودا (الرازي)، وهنالك إشارة أخرى لهذه الحادثة في آيات [الأحقاف ٢٩/ ٤٦ - ٣٢]، ثم بعد هذه الحادثة بشهرين التقى النبي ﵇ بغرباء آخرين من المدينة قبلوا دعوته وبايعوه، ثم كانت الهجرة بداية انطلاق الدعوة بعد اثني عشر عاما من مقاومة مكة والطائف لها.
ارتباط السورة بما قبلها
ضربت سورة نوح مثالا على إصرار القوم على الكفر حتى النهاية: ﴿مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْصاراً﴾ [نوح ٢٥/ ٧١] إذ لم تنفع فيهم دعوة نوح رغم لبثه فيهم ألف سنة إلاّ خمسين عاما، ثم تبين سورة الجن أنه في مثل هذه الحالة يسخّر تعالى من يؤمن بالرسالة من الجنّ والإنس: ﴿وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً﴾ [الجن ١٣/ ٧٢]،
стр. 1893
مصداقا لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩/ ٦].
﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ من كفار قريش، أو غيرهم من العرب، أو أهل الكتاب، أو الكفار في كل العصور والأمكنة ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا بِها﴾ أي بالرسالة ﴿قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وهم المسلمون في كل الأزمنة، إذ يوكّل تعالى بالرسالة أقواما آخرين يستحيل أن يكفروا بها، بل يتمسكوا بها ويعملوا بمقتضاها، فهنالك دوما من هو جدير بحمل راية الدين، وهؤلاء الأقوام موجودون في الدنيا على مرّ العصور، وليسوا مقتصرين على جنس معين، وقد يتتابعون في حمل راية الإسلام من قوم إلى قوم آخرين فيشرّفهم تعالى بحمل رسالته، وهذه الآية إخبار بالغيب، واستخدام الفعل الماضي للدلالة أنّ نصره تعالى لدينه متحقق لا محالة.
ومن ذلك رأينا في سورة الجمعة أنه بعد كفر أهل الكتاب من بني إسرائيل ثم رفضهم آخر أنبيائهم العظام عيسى المسيح ﵇، ثم انحراف المسيحية نحو ديانة بولس، فقد أوكل تعالى الرسالة السماوية إلى المسلمين من ذرية إسماعيل.
محور السورة
نزول الوحي على النبي ﵇ يخبره باستماع الجن له وهو يتلو القرآن: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً﴾ [١/ ٧٢]، فآمنوا به وتبرؤوا من عقائد اليهود الفاسدة ومن شرك المسيحية، وتبلغ السورة أوجها بإخباره تعالى عن عباده: ﴿وَأَنْ لَوِ اِسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً﴾ [١٧/ ٧٢]، فالنعم قد تكون ثوابا وفتنة في الوقت ذاته، ثمّ إنّ الإعراض عن القرآن يكون مقدمة لأسوأ العواقب.
стр. 1894
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (١) قيل أن الجن الذين استمعوا النبي ﵇ وهو يتلو القرآن هم من يهود نصيبين (الرازي) بدليل أنهم خاطبوا قومهم بعد ذلك قائلين: ﴿قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠/ ٤٦]، فقولهم: ﴿مِنْ بَعْدِ مُوسى﴾ يدلّ على أنهم لم يعترفوا ببعثة المسيح ﵇ من جهة، ومن جهة ثانية أنهم موحّدون استنكروا الشرك المسيحي القائل بالتثليث والزعم أن المسيح ابن الله، لقولهم: ﴿فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً * وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اِتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً﴾ (١ - ٣)
ثم قولهم: ﴿وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطاً﴾ (٤) ممّا قد يكون إشارة لشطط اليهود في اعتقادهم أنهم شعب الله المختار الأمر الذي يدحضه القرآن الكريم تماما،
وقولهم: ﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ (٥) فالكذب قد يكون إشارة لسفسطة اليهود عن طبيعة الذات الإلهية وعلاقتها مع الكون.
وقولهم: ﴿وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً﴾ (٦) قد يكون إشارة لمحاولة بعضهم تلمّس طريقه في الحياة بمحاولة اللجوء إلى قوى غيبية بدلا من ترقّب الهداية عن طريق خاتم الأنبياء والرسل، ورجال بمعنى أفراد منهم.
وقولهم: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً (٧)﴾ كون اليهود
стр. 1895
يعتبرون النبوّات ختمت بأنبيائهم المذكورين في العهد القديم فقط وهم لذلك لم يعترفوا ببعثتي عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام،
﴿وقولهم: ﴿وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً﴾ (٨ - ٩) إشارة لتخبّط قدماء اليهود في محاولة التوصّل للغيب والتحكّم بالمستقبل عن طريق علوم الفلك راجع آية [البقرة ١٠٥/ ٢]، وأيضا آية [الملك ٥/ ٦٧].
وقد أقرّوا بعد سماعهم القرآن أنهم عن علم الغيب عمون لا يفيدهم التنجيم شيئا في معرفة المستقبل: ﴿وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً﴾ (١٠)
وأنهم كانوا قبل ذلك أصناف مختلفة تتراوح بين الصلاح ومن هم دون ذلك بكثير: ﴿وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَداً﴾ (١١)
ثمّ بعد سماع الوحي القرآني أيقنوا أن لا مفر لهم من المسؤولية والحساب:
﴿وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً﴾ (١٢) والظنّ هنا بمعنى اليقين.
فأعلنوا إيمانهم: ﴿وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنّا بِهِ﴾ لأن المؤمن يكون مطمئنا للعدالة الإلهية: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً﴾ (١٣) فلا يبخس حقه ولا يرهق ظلما.
فصار منهم المسلمون، ومنهم ظالمون منحرفون عن الطريق السوي: ﴿وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً﴾ (١٤)،
والقاسطون الظالمون، والمقسطون الذين يحكمون بالعدل كما في قوله تعالى:
﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة ٤٢/ ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾
стр. 1896
[الحجرات ٤٩ - ٩]، فيقال أقسط الرجل إذا عدل، أمّا قسط فمعناها جار ويقال قسط الرجل إذا ظلم صاحبه في قسطه أو نصيبه الذي يستحقه.
فالقاسطون عاقبتهم وخيمة جدا: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ (١٥)،
﴿ثم يخبر تعالى أن إغداق النعم على العباد هو في ذات الوقت ابتلاء واختبار لهم: ﴿وَأَنْ لَوِ اِسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾ أي على طريقة الإسلام ﴿لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ (١٦ - ١٧) والماء الغدق أي الخيرات الكثيرة.
وأنّ الإعراض عن القرآن يقود صاحبه لأسوأ العواقب: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً﴾ (١٧)
وأنّ العبادة يجب أن تكون مكرّسة لله وحده بلا شرك: ﴿وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللهِ أَحَداً﴾ (١٨)
وأن الداعي إلى الله كثيرا ما يتعرض لعداء الغالبية من الناس: ﴿وَأَنَّهُ لَمّا قامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً﴾ (١٩) وقد سبق لقريش أن تجمهرت ضد دعوة النبي ﷺ ،
مع أنه كان يدعوهم إلى التوحيد ونبذ الشرك: ﴿قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ (٢٠)
فلم يكن يملك لهم سوى الدعوة ولا يكرههم على الإيمان: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً﴾ (٢١)
بل كان عليه القيام بمهام الرسالة النبوية الموكلة إليه: ﴿قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ (٢٢) فهي ملاذه الوحيد:
﴿إِلاّ بَلاغاً مِنَ اللهِ وَرِسالاتِهِ (٢٣)﴾
стр. 1897
لينذر الناس بعاقبة معصية الله ورسوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ (٢٣)
﴿وعندما يحين موعد القيامة: ﴿حَتّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ﴾ فوقتئذ يعلم الكفار على وجه اليقين أن الأغلبية الضالة ليست على شيء، وأن العبرة ليست بالأكثرية: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً﴾ (٢٤)
وأن تحدّيهم النبي والمؤمنين بموعد الساعة لا معنى له إذ هي في علم الغيب، وليس من حكمة في إبداء موعدها: ﴿قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً﴾ (٢٥)
وأن الله تعالى وحده يعلم الغيب ما هو خارج استيعاب الفهم البشري:
﴿عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً﴾ (٢٦).
أما الرسل فالله تعالى يحميهم ممّا بين أيديهم من القوى المادية في دنياهم، وممّا لا يعلمون من القوى الغيبية: ﴿إِلاّ مَنِ اِرْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ (٢٧)
لكي يكون أداء الرسل وإبلاغهم الرسالات السماوية على أكمل وجه:
﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ فالله تعالى محيط بما لديهم من البلاغ:
﴿وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ﴾ كما هو محيط بالجزئيات: ﴿وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨)﴾
стр. 1898
سورة المزّمل - ٧٣ - مكية
المزّمل السورة الرابعة في ترتيب النزول بعد العلق - القلم - المدّثّر، وقيل بل الثالثة، وإن تكن بعض آياتها قد تأخرت عنها.
ارتباط السورة بما قبلها
ختمت سورة الجن بأن الله تعالى يحمي رسله ممّا بين أيديهم من القوى المادية في الدنيا، وممّا يخفى عليهم من القوى الغيبية: ﴿إِلاّ مَنِ اِرْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ [لجن ٢٧/ ٧٢] لكي يكون أداؤهم وإبلاغهم الرسالات السماوية على أكمل وجه: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن ٢٨/ ٧٢]، ثم تنتقل سورة المزّمل إلى دعوة النبي ﷺ للقيام بمهام بعثته النبوية من البلاغ والصبر على الكفار: ﴿وَاِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ [المزّمل ١٠/ ٧٣]، وأن الله تعالى متولّي أمور المكذّبين: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً﴾ [المزّمل ١١/ ٧٣]،
وفي سورة الجنّ أنّ النعم قد تكون ثوابا وفتنة في ذات الوقت، ثمّ إنّ الإعراض عن القرآن يكون مقدمة لأسوأ العواقب: ﴿وَأَنْ لَوِ اِسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً﴾
стр. 1899
﴿صَعَداً﴾ [الجن ١٧/ ٧٢]، وفي سورة المزمل أن القرآن الكريم تذكرة لمن أراد الخيار الصحيح: ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ [المزّمل ١٩/ ٧٣].
محور السورة
السورة دعوة للنبي ﵊ للبدء بحمل الرسالة: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً * نِصْفَهُ أَوِ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ [١/ ٧٣ - ٤]، وتهيأته للصبر على تكذيب المكذّبين: ﴿وَاِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ [١٠/ ٧٣]،
ثم إنّ الرسالة الإسلامية تذكرة للناس لما فطروا عليه من التوحيد ومعرفة الخالق: ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ [١٩/ ٧٣] لأنه تعالى كرّم بني آدم بحرية الخيار.
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿المزّمل بمعنى المتلفّف أو الملتحف فيقال تزمّل وتدثّر بثوبه إذا تغطّى، فالمعنى على الحقيقة، كأنّه قيل يا أيها النائم المزّمل بثوبه قم للعبادة، أو هو بالمعنى المجازي أي يا أيها المزّمل نفسه اترك نصيب النفس واشتغل بالدعوة: ﴿يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (١)
فهي دعوة للنبي ﵇ في بداية بعثته لقيام جزء من الليل والتعمّق في القرآن تمهيدا لبعثته: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٢)
والقليل هو نصف الليل: ﴿نِصْفَهُ﴾ أو أقل من النصف: ﴿أَوِ اُنْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣)﴾
стр. 1900
﴿أو أكثر من النصف: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ والنتيجة أنّ النبي ﷺ بالخيار أن يقوم نصف الليل أو أقل أو أكثر، وأن يتمعّن في معاني القرآن حين تلاوته: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ (٤) وقالوا الترتيل بمعنى التبيين.
تمهيدا لما سينزل على النبي من عظيم القرآن: ﴿إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ (٥)
وتكريس النفس للقرآن خلال الليل بعيدا عن مشاغل الدنيا: ﴿إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً﴾ حتى يواطيء القلب ما يقوله اللسان: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ (٦)
ولأن كثيرا من مهام الدعوة تنتظر النبي ﷺ خلال النهار: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً﴾ (٧)
وأن ينشغل الرسول بذكر الله ويكرس حياته لمهام البعثة: ﴿وَاُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ (٨)
وأن يفوّض كل أموره إليه تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً﴾ (٩)، قال الرازي: لأن من لا يفوّض كل أموره إلى الله تعالى فهو غير عالم بحقيقة (لا إله إلاّ الله).
وأن يتهيأ ﵊ للصبر على العنت الذي سيلقاه من خصومه - كما هي حال كل داع في كل وقت ومكان - ﴿وَاِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ (١٠)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف ٨٨/ ٤٣ - ٨٩]،
وأن يترك عقاب المكذّبين على الله وحده: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١)﴾ والإمهال قليلا أي حتى يراجع المكذّبون أنفسهم ويتوبوا، أو إمهالهم ليوم الحساب،
стр. 1901
﴿وقد ذكر الرازي أربعة مراتب من العذاب الروحاني الذي يترتب على المكذّبين لشدة تعلقهم بمادية الدنيا حتى يتجرع أحدهم غصة الحرمان وألم الفراق: ﴿إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً * وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً﴾ (١٢ - ١٣)
يوم تزلزل الأرض والجبال، وتصبح الجبال كالرمال المتحركة: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً﴾ (١٤)
ثم تبيّن السورة أن ليس ما يدعو للاستغراب من بعثته ﵇ فهي استمرار لما سبق من بعث الرسل، كبعثة موسى إلى فرعون: ﴿إِنّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ (١٥)
وأن عاقبة من يعصون الأنبياء واحدة في الماضي والحاضر، وهي عاقبة ثقيلة وخيمة: ﴿فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ (١٦)
فكيف للناس أن يتقوا أوخم العواقب مع كفرهم برسالة النبي ﷺ : ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً * السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾ (١٧ - ١٨)
وأن الرسالة الإسلامية، تذكرة للناس فهي ليست قسرا ولا إجبارا، فمن شاء اهتدى بها: ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ (١٩)
وتختم السورة بالعودة إلى النقطة التي بدأت منها وهي التركيز على فوائد قيام الليل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ﴾ وأن المؤمنين مقبلون بشوق على قيام الليل في الوقت الذي لا يكون تركيزهم على المدة الزمنية التي أمضوها في القيام: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ﴾ فقبل تعالى توبتهم ورخّص لهم بقراءة ما تيسّر من القرآن دون التركيز على المدة الزمنية: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ فمنهم المرضى ضعاف الأجسام، ومنهم الذين يضربون في الأرض
стр. 1902
ابتغاء الرزق الحلال، ومنهم المجاهدون في سبيل الله: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ فما جعل تعالى عليهم من حرج: ﴿فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ وتحثهم الآية أن يقدموا أعمال الخير لآخرتهم:
﴿وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ بتقديم الصدقات ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾ وأن يستغفروا الله لذنوبهم:
﴿وَاِسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٠)
وقد لاحظ الرازي من لطائف الآية أنه تعالى سوّى بين المسافرين الساعين للرزق الحلال وبين المجاهدين.
стр. 1903
سورة المدّثر - ٧٤ - مكية
من أوائل السور المكية، الثالثة في ترتيب النزول،
وقيل بل الرابعة في معظم آياتها
ارتباط السورة بما قبلها
السورة استمرار لسورة المزّمل من حيث دعوة الرسول ﵊ للخروج من عزلته والتصدّي للدعوة، والصبر على المكذّبين: ﴿وَاِصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاُهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ [المزّمل ١٠/ ٧٣]، وفي سورة المدّثر هذه:
﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدّثر ٧/ ٧٤] أي في أمور الدعوة،
وفي سورة المزّمل أن رسالة الإسلام تذكرة لما فطر الناس عليه من التوحيد:
﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ [المزّمل ١٩/ ٧٣]، وفي هذه السورة أن القرآن الكريم تذكرة لمن كانت فطرته سليمة واستفاد من العقل السليم: ﴿كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدّثر ٥٤/ ٧٤ - ٥٥] لأن الإنسان مكرّم على باقي المخلوقات بحرية الفكر والاختيار.
محور السورة
السورة تلخص المباديء القرآنية الأساسية للدعوة، وأنه بعد الدعوة يبقى
стр. 1904
الحساب على الله وحده: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ [١١/ ٧٤]، وأن الكفار لاستكبارهم يتخبطون في إعجاز القرآن: ﴿فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [٢٤/ ٧٤ - ٢٥]، فلا تلوح لهم الحقيقة إلا بعد الفوات:
﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ * لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ [٢٦/ ٧٤ - ٢٩]، وأنّ الثواب والعذاب نتيجة طبيعية لكسب الإنسان وتجاوبه أو عدم تجاوبه مع الهداية الإلهية: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [٣٨/ ٧٤]، وأن أصل الضلال الإصرار على إنكار الغيب: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾ [٥٢/ ٧٤].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿المدّثر الملتحف بالدثار أو الغطاء، وهو على الحقيقة أو على المجاز، والمعنى دعوة الرسول ﵊ إلى الخروج من عزلته وحمل عبء الرسالة:
﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (١ - ٢)،
وأن يكبّر ربّه عن الشركاء والأنداد وعن مشابهة الممكنات وعن اللغو والعبث: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (٣)
وتطهير الثياب على الحقيقة والمجاز أيضا، فقد تكون الثياب كناية عن النفس فيقال رجل طاهر الثياب أي هو طاهر عن الصفات الذميمة: ﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (٤)
وأن يهجر القيم الزائفة التي يتمسك بها قومه وكل ما هو مستقبح:
﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ وقالوا إن الرجز هو الرجس، أو النجاسة المعنوية، أي القيم الزائفة التي قد يعتقدها المرء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس ١٠٠/ ١٠]، أي الذين لا يستخدمون عقولهم بالطريق
стр. 1905
السوي يصبحون ضحية للاعتقاد بالقيم الزائفة، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة ٢٨/ ٩]،
﴿وأن لا يكون عطاؤه للناس بغرض الاستكثار من مال الدنيا، كما لا يستكثر ما يمنن به على الفقراء: ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ (٦)
والصبر على ما هو مقبل عليه من مصاعب الدعوة: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ (٧)
وأن ينذر الناس بيوم القيامة والحساب: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ﴾ (٨)
يوم يكون حساب الكافرين عسيرا: ﴿فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ (٩ - ١٠)، ونلاحظ أن هذا أول ذكر للكفار في القرآن الكريم إذ هذه السورة الثالثة أو الرابعة في ترتيب النزول، فالكافر ليس بالمعنى الفقهي، وإنما بمعنى منكر الحقيقة كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد ٢٠/ ٥٧] فسمّى الزرّاع كفارا لأنهم يغطون البذور بالتراب، فصار كل من يغطي الحقيقة عن نفسه أو ينكرها كافرا.
وأنه بعد إنذار الناس بيوم الحساب يبقى حساب الكفار على الله تعالى وحده: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ (١١)، ويحتمل المعنى أيضا أنه تعالى وحده الخالق، وأيضا أن الإنسان يولد وحيدا ويموت وحيدا،
وأنّه تعالى أنعم على الكافر من المال الكثير: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً﴾ (١٢)
ووهبه من البنين يكونون إلى جانبه: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾ (١٣)
ومهّد له سبل معاشه: ﴿وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً﴾ (١٤)
وهو يطمع بالمزيد: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ (١٥)
مع أنه معاند للوحي الإلهي مصرّ على إنكار الحقيقة: ﴿كَلاّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦)﴾
стр. 1906
﴿وهو لا يدرك أنّ فساد الفطرة وسوء استخدام النعم تؤولان بحياة المرء إلى المصاعب والمآسي في الدنيا، وإلى عاقبة أسوأ في الآخرة: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾ (١٧)
لقد فكّر في الوحي وقدّر، كيف يمكن له إنكاره: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ﴾ (١٨)
وهذا النوع من التفكير المنحرف يؤدي بصاحبه إلى الدمار: ﴿فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾ (٢٠)
ثم نظر في حجج واهية أخرى كيف يدحض الوحي برأيه: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ (٢١)
ثم عبس ونظر مغضبا لأنه يعلم في قرارة نفسه أن حججه ضعيفة: ﴿ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾ (٢٢)
لكنه قرر أن يدير ظهره للحقيقة، إذ غلبه الاستكبار: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ وَاِسْتَكْبَرَ﴾ (٢٣)
فنسب إعجاز القرآن إلى عبقرية الرسول، والعبقرية في اللغة من العبقر وهو مكان زعمت العرب أنه من أرض الجن ثم نسبوا إليه كل شيء يعجبون من حذاقته فيقال عبقري، فالسحر في الآية بمنزلة العبقرية: ﴿فَقالَ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ (٢٤)
وأنه من خداع البشر: ﴿إِنْ هذا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (٢٥)
غير أنّ عاقبة إنكار الحقيقة والاستكبار وخيمة جدا: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ * لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ﴾ (٢٦ - ٢٨)
وعند معاينة العذاب تلوح الحقيقة للكافر: ﴿لَوّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾ (٢٩)
﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ الله أعلم بمراده، أنظر آية [آل عمران ٧/ ٣] عن الآيات المتشابهات.
стр. 1907
﴿وأن المصممين على الكفر سيجدون في هذا العدد فرصة لبثّ الشبهات:
﴿وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أما الذين أوتوا علم الكتاب فيكون ذلك سببا لزيادة إيمانهم وعدم ريبتهم:
﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ بعكس ضعاف الإيمان والمصمّمين على الكفر الذين يثيرون الشبهات على المثل الذي أوردته الآية السابقة في عدّة أصحاب النار:
﴿وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً﴾ وأنه بمثل هذه الآيات المتشابهات يضلّ من فسدت فطرته ويهتدي من يهتدي، لأن الآية تشير إلى سقر بصورة رمزية فهي من أمور الغيب وخارج إدراك البشر:
﴿كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ وما هذه الآيات سوى ذكرى للبشر: ﴿وَما هِيَ إِلاّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ﴾ (٣١)
وكما القمر يدور في فلكه، وكما يتتابع الليل والنهار، وفق السنن الكونية:
﴿كَلاّ وَالْقَمَرِ * وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذا أَسْفَرَ﴾ (٣٢ - ٣٤)
فكذلك الإنذار بسقر من عظائم الأمور لمن شاء اختيار طريق الهداية من طريق الضلال: ﴿إِنَّها لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيراً لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ﴾ (٣٥ - ٣٧)
فتصبح كل نفس مرتهنة بعملها، والعقاب نتيجة لازمة للعمل السيء: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (٣٨)
عدا المتقين المرموز لهم بأصحاب اليمين: ﴿إِلاّ أَصْحابَ الْيَمِينِ﴾ (٣٩)، والعرب تقول ميمون وأيمن تفاؤلا،
فأصحاب اليمين في نعيم الجنان يتعجبون من سلوك المجرمين ما أدّى بهم إلى الجحيم: ﴿فِي جَنّاتٍ يَتَساءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾
стр. 1908
(٤٠ - ٤٢) وهو سؤال تعجّب من بلادة المجرمين، ونظيره قوله تعالى: ﴿تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك ٨/ ٦٧] أي لبلادة الكفار،
﴿أولا أنهم لم يكونوا مؤمنين عابدين لله: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (٤٣) ولأنه وقت نزول السورة لم تكن الصلاة المكتوبة قد فرضت، فالمقصود من الصلاة الدعاء، أنظر آية [غافر ٦٠/ ٤٠]، وفي الحديث: "الدعاء مخ العبادة"، وقالوا: معنى الدعاء الإيمان،
وثانيا أنهم لم ينفقوا في عمل الخير: ﴿وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ (٤٤) لأن الإيمان يجب أن يصدّقه العمل،
وكانوا يخوضون مع أمثالهم في أحاديث الباطل: ﴿وَكُنّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ﴾ (٤٥)
وكذّبوا بالمسؤولية والبعث والحساب: ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (٤٦)
حتى وافتهم المنية: ﴿حَتّى أَتانَا الْيَقِينُ﴾ (٤٧)
فلم تنفعهم شفاعة من توهّموا فيهم الشفاعة: ﴿فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشّافِعِينَ﴾ (٤٨)
فأي عذر للكفار في إعراضهم عن القرآن؟ ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ (٤٩)
إذ هم في إعراضهم عن القرآن كالحمر النافرة من الأسد: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ (٥٠ - ٥١)، وتشبيههم بالحمر أنهم لم يستفيدوا من عقولهم، وهو كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾ [الجمعة ٥/ ٦٢]،
والكافر لشدة استكباره ينكر الرسل ويريد نزول الوحي عليه شخصيا حتى يؤمن: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾
стр. 1909
﴿في حين أنه جاحد لا يؤمن بالبعث والحساب: ﴿كَلاّ بَلْ لا يَخافُونَ الْآخِرَةَ﴾ (٥٣)
لكن القرآن ليس سوى تذكرة لمن مال نحو الفطرة السليمة واستفاد من العقل السليم: ﴿كَلاّ إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ (٥٤ - ٥٥)
غير أن الإنسان في منتهى الضعف ومعتمد بالكامل على العناية واللطف والتوفيق: ﴿وَما يَذْكُرُونَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (٥٦)﴾.
стр. 1910
سورة القيامة - ٧٥ - مكية
نزلت خلال النصف الأول من الفترة المكية.
ارتباط السورة بما قبلها
في سورة المدّثر أن حساب الكفار يكون عسيرا يوم القيامة: ﴿فَإِذا نُقِرَ فِي النّاقُورِ * فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ٨/ ٧٤ - ١٠]، وتفتتح هذه السورة بتأكيد وقوع القيامة: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ [القيامة ١/ ٧٥]،
وفي سورة المدّثر أن الكفار مصرّون على إنكار الحساب: ﴿وَكُنّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر ٤٦/ ٧٤]، ثم تبين هذه السورة أن الإنكار من صفات الفجّار:
﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ * يَسْئَلُ أَيّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ﴾ [القيامة ٥/ ٧٥ - ٦]،
وفي سورة المدّثر أن الجزاء مترتب على العمل: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر ٣٨/ ٧٤]، وهذه السورة تبين مسؤولية الفرد فيما قدّم من عمل وما ترك من واجبات: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [القيامة ١٣/ ٧٥]،
وفي سورة المدّثر أنّ إعراض الكفار عن القرآن من العجب: ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر ٤٩/ ٧٤]، وتبين هذه السورة أن السبب هو تهالكهم على الدنيا: ﴿كَلاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ * وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ [القيامة ٢٠/ ٧٥ - ٢١].
стр. 1911
محور السورة
تأكيد مسؤولية الفرد يوم الحساب عمّا قام به من عمل وما ترك من واجب:
﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ [١٣/ ٧٥]، وأن علم الساعة في القرآن الكريم من الوضوح ما يوجب التأنّي في استيعاب معاني القرآن: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [١٦/ ٧٥]، فكيف يليق بالإنسان التفكير أنه غير مسؤول عن أعماله وأن لن يحاسب عليها؟ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [٣٦/ ٧٥].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تفتتح السورة بالتنبيه على حتمية وقوع الساعة والحساب: ﴿لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ (١)
والتنبيه أنّ النفوس في قرارتها تدرك نقائصها وقصورها وفجورها، ثم لا تستجيب لداعي الحق، وفي نهاية المطاف تلوم نفسها يوم الحساب: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوّامَةِ﴾ (٢)
فكيف يليق بها التعامي عن القيامة؟ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ﴾ (٣)
رغم المعجزات الماثلة ومنها تسوية البنان والبصمات الفردية التي لا يتشابه منها اثنان: ﴿بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ﴾ (٤)
فالإنسان المشكّك يفجر فيما بقي أمامه من الزمن، إذ يسوّف ويتعلق بالأمل كما لو كان موقنا بعدم البعث: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ * يَسْئَلُ أَيّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ﴾ (٥ - ٦)
ثمّ عندما تقع الواقعة يحار البصر في هولها: ﴿فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧)﴾
стр. 1912
﴿فتبدّل الأرض غير الأرض والسماوات: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ (٨ - ٩)
ويوقن المشكّك يومئذ أن لا مفرّ: ﴿يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ (١٠)
وأن لا ملجأ له من الله إلاّ إليه، ولا شيء يعتصم به من أمر الله: ﴿كَلاّ لا وَزَرَ * إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ﴾ (١١ - ١٢)
ويجد نفسه في مواجهة أعماله، ليس فقط ما قام به، بل أيضا ما أهمل من العمل الذي كان عليه أن يقوم به: ﴿يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ (١٣)
وتشهد نفسه عليه: ﴿بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ (١٤)
فلا تنفعه الأعذار إذ هو شاهد على نفسه: ﴿وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ﴾ (١٥)
وعلم الساعة من الوضوح في القرآن الكريم بحيث لا ينكرها إلاّ مكابر مستكبر كما في قوله تعالى: (﴿وَإِنَّهُ﴾ - أي القرآن الكريم - ﴿لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها﴾) [الزخرف ٦١/ ٤٣]،
لذا تحضّ الآيات التالية الإنسان على التمعن في فهم القرآن وتنهى عن العجلة في التوصل لمعانيه اعتمادا على نصوص مجتزأة منه إذ لا يمكن فهم القرآن إلا بالنظر إليه ودراسته كوحدة متكاملة: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ﴾ أي أيها الإنسان ﴿لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (١٦ - ١٧)
وعليك أيها الإنسان تتبّع معانيه: ﴿فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (١٨) والقراءة منسوبة للذات العلية لأنه تعالى مصدر الوحي،
ومن التأني والتمعن في القراءة تتبين المعاني من فهم القرآن ككلّ: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ (١٩)﴾، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [طه ١١٤/ ٢٠]، لأنّ القرآن كلّه كالسورة الواحدة، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر ٩١/ ١٥].
стр. 1913
﴿ثم تبين السورة سبب استكبار المستكبرين عن فهم القرآن، وبالتالي عن الإقرار بالآخرة، بأنه التهالك على الدنيا العاجلة: ﴿كَلاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ﴾ (٢٠)
والتعامي عن الآخرة: ﴿وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ (٢١)
يوم تكون وجوه المؤمنين ناضرة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ (٢٢ - ٢٣)
وتكون وجوه الكفار من يأسها شديدة العبوس: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ﴾ (٢٤)
وقد أيقنت بأن تقع بها داهية تكسر فقار الظهر: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ﴾ (٢٤ - ٢٥)
ثم تتحداهم السورة أن لو كان استكبار المستكبرين في محلّه أن يمنعوا خروج الروح من صاحبها وهو على فراش الموت: ﴿كَلاّ إِذا بَلَغَتِ التَّراقِيَ﴾ (٢٦) والتراقي جمع ترقوة وهي عظم الكتف، والكناية بها عن القرب من الموت،
فأي رقية تفيدهم في دفع الموت؟ ﴿وَقِيلَ مَنْ راقٍ﴾ (٢٧)
مع يقين المرء وقتئذ أنه مفارق الدنيا: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِراقُ﴾ (٢٨)
وهو يعاني من سكرات الموت وشدته: ﴿وَاِلْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ (٢٩)
حتى يصير إلى ربّه: ﴿إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ﴾ (٣٠)
وماذا تفيده التوبة والإيمان بعد المعاينة، فقد كان في حياته مكذّبا: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلّى * وَلكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلّى﴾ (٣١ - ٣٢)
مصرّا على الكبر في أهله وعشيرته معتدّا بحوله وقوّته: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطّى (٣٣)﴾، ظانّا أنه مكتف ذاتيا بما عنده من العلم غنيّ عن الوحي الإلهي،
стр. 1914
﴿في حين الهلاك قارب منه شيئا فشيئا وهو غافل: ﴿أَوْلى لَكَ فَأَوْلى * ثُمَّ أَوْلى لَكَ فَأَوْلى﴾ (٣٥)
فكيف يظنّ أن لن يحاسب على عمله؟ ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ (٣٦)
إذ خلقه تعالى وسوّاه ونفخ فيه الروح بعد أن كان مجرد نطفة تافهة في الرحم: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى * ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ (٣٧ - ٣٩)، وهي معجزة بحد ذاتها كافية للدلالة على حتمية البعث والحساب: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠)﴾.
стр. 1915
سورة الإنسان - ٧٦ - مدنية، وقيل مكية، وقيل بها مكي ومدني
ارتباط السورة بما قبلها
تعلّق السورة بما قبلها واضح، فبعد قوله تعالى في سورة القيامة: ﴿أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى﴾ [القيامة ٤٠/ ٧٥]، تبين سورة الإنسان أنه أتى حين من الدهر لم يكن للإنسان وجود على هذه الأرض: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [الإنسان ١/ ٧٦]، ثمّ خلقه تعالى من نطفة:
﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان ٢/ ٧٦]، فما الذي يمنع بعثه من جديد بعد موته؟ وفي ذلك إشارة لقوله تعالى:
﴿أَفَعَيِينا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [ق ١٥/ ٥٠].
وقد نفت سورة القيامة أن يترك الإنسان بلا حساب: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً﴾ [القيامة ٣٦/ ٧٥]، وتوضح هذه السورة السبب في ذلك لأن الله تعالى بيّن للإنسان طريق الخير من الشر فصار في موقع المسؤولية: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ [الإنسان ٣/ ٧٦].
стр. 1916
محور السورة
خلق الله تعالى الإنسان واختصّه - ابتلاء - بموهبة الفهم والبصيرة وإدراك الخير من الشر: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ [٣/ ٧٦]، وأنزل عليه الوحي تبيانا لكل شيء: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً﴾ [٢٣/ ٧٦]، فوجب على الإنسان تحمل المسؤولية والصبر على التكليف وعدم طاعة الكفار بما يخالف القرآن: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ [٢٤/ ٧٦]، والاستعانة على ذلك بالذكر والصلاة والتسبيح: ﴿وَاُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ [٢٥/ ٧٦ - ٢٦].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿انقضت حقبة طويلة جدا من الزمن قبل وجود الإنسان على الأرض، ممّا يدحض زعم الكفار أن الإنسان هو الكائن الأعلى في الكون: ﴿هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ (١)
وأن خلق الإنسان ليس عبثا فقد زوّده تعالى بموهبة الفهم وإمكانية التمييز بين الخير والشر، والصواب من الخطأ، وبالتالي أصبح في موقع المسؤولية: ﴿إِنّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (٢) ونطفة أمشاج أي خليط من نطفة الرجل والمرأة.
ثم بيّن له تعالى طريق الهداية بالدليل العقلي، ثم بواسطة الوحي الذي تنزّل على الأنبياء والرسل: ﴿إِنّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمّا شاكِراً وَإِمّا كَفُوراً﴾ (٣) وبالتالي فإنّ الكفر ليس سوى كبت متعمّد من قبل الكافر لما فيه من معرفة الإله الأحد.
ما يوجب العقاب الشديد للكفار: ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَلاسِلَ وَأَغْلالاً وَسَعِيراً (٤)﴾
стр. 1917
﴿وما يوجب الثواب العظيم للأبرار: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً * عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً﴾ (٥ - ٦)
الذين يوفون بواجباتهم المترتبة على الإيمان: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ ويخشون يوم الحساب: ﴿وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ (٧)
ويقومون بأعمال الخير بلا منّة: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً * إِنّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ (٨ - ١٠)
فيلاقوا ثواب أعمالهم يوم الحساب بما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر: ﴿فَوَقاهُمُ اللهُ شَرَّ ذلِكَ الْيَوْمِ وَلَقّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً * وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً * مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً * وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلاً * وَيُطافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوابٍ كانَتْ قَوارِيرَا * قَوارِيرَا مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوها تَقْدِيراً * وَيُسْقَوْنَ فِيها كَأْساً كانَ مِزاجُها زَنْجَبِيلاً * عَيْناً فِيها تُسَمّى سَلْسَبِيلاً * وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ إِذا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً * وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً * عالِيَهُمْ ثِيابُ سُندُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً﴾ (١١ - ٢١)
فيكون نعيم الآخرة نتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم: ﴿إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً وَكانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً﴾ (٢٢)
وهنا تنتقل السورة للإشارة إلى معجزة نزول القرآن الكريم منجّما على النبي ﷺ خلال ثلاثة وعشرين عاما من بعثته النبوية بترتيب يلائم ظروف الرسالة ومختلف عن الترتيب القرآني: ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً (٢٣)﴾ وفي هذه الإشارة ما فيها من إفحام الكفّار.
стр. 1918
﴿ثم تأمر الرسول ﷺ ، وبالتالي المؤمنين من بعده، الصبر على مشاقّ الدعوة والبلاغ والرسالة، والصبر على معاندة الكفار، وتحذّر من قبول الحلول الوسط معهم في أمور العقيدة: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً﴾ (٢٤)
والاستعانة على كل ذلك بمداومة التسبيح وذكر اسم الله في كل الأوقات:
﴿وَاُذْكُرِ اِسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (٢٥)، قال الرازي: هذه إشارة إلى أنّ العقول البشرية ليس لديها إلا معرفة الأسماء والصفات أما معرفة الحقيقة فلا.
والتقرب إليه تعالى في أوقات الظلمة والشدة: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً﴾ (٢٦)
في مواجهة الغافلين المنهمكين في دنياهم العاجلة: ﴿إِنَّ هؤُلاءِ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً﴾ (٢٧)
وأنه تعالى بمقتضى مشيئته وحكمته الخافية على الكثير من الخلق يستبدل بمنكري الآخرة، إن شاء، من هم أقدر منهم على استخدام ملكاتهم الفكرية بالطريق السوي: ﴿نَحْنُ خَلَقْناهُمْ وَشَدَدْنا أَسْرَهُمْ وَإِذا شِئْنا بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلاً﴾ (٢٨)
ثم تعود السورة إلى التذكير بفحوى الآية الثالثة فتحثّ الإنسان على اختيار طريق الهداية: ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ (٢٩)
وأن مشيئته تعالى فوق كل مشيئة: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً (٣٠)﴾.
стр. 1919
سورة المرسلات - ٧٧ - مكية
قيل إنها نزلت خلال العام الرابع من بعثته ﵊، وقيل بعد ذلك.
ارتباط السورة بما قبلها
في سورة الإنسان أن القرآن الكريم نزل نجوما على النبي ﷺ : ﴿إِنّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً﴾ [الإنسان ٢٣/ ٧٦]، وتفتتح سورة المرسلات بالإشارة لنزول الآيات القرآنية منجّمة: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ [المرسلات ١/ ٧٧]،
واختتمت سورة الإنسان بأن القرآن تذكرة لمن شاء الهداية: ﴿إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ [الإنسان ٢٩/ ٧٦]، كما تختم هذه السورة بأن لا علم ينفع صاحبه إن لم يؤمن بالقرآن: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات ٥٠/ ٧٧].
محور السورة
تلخص السورة مزايا نزول آيات القرآن الكريم على الناس: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ [١/ ٧٧]، من حيث أنها تعصف بالباطل: ﴿فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً﴾ [٢/ ٧٧]، وتنشر الهداية: ﴿وَالنّاشِراتِ نَشْراً﴾ [٣/ ٧٧]، ومن حيث كونها فرقانا: ﴿فَالْفارِقاتِ﴾
стр. 1920
﴿فَرْقاً﴾ [٤/ ٧٧]، وذكرا: ﴿فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً﴾ [٥/ ٧٧] فلا تترك للناس عذرا بالجهالة: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ [٦/ ٧٧]، ولذا تقطع السورة بمسؤولية البشر وبوقوع الساعة والحساب: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ [٧/ ٧٧]، يوم تظهر الحقيقة المحجوبة بالظاهر وتزول الأوهام عن المتوهّمين، ويفصل الرحمن بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ [١٤/ ٧٧]، وأن متاع المجرمين في الدنيا قليل في جنب الآخرة: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ [٤٦/ ٧٧]، ثم تختم السورة بأن لا علم ينفع صاحبه مع التكذيب بالقرآن: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [٥٠/ ٧٧].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تنوّه السورة بنزول آيات القرآن الكريم متتابعة على مدى بعثة النبي ﵇: ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ (١) وقوله عرفا أي نزلت هذه الآيات بكل عرف وخير، أي ما هو معروف لذوي العقول السليمة، فالدليل النقلي - الوحي - يؤيد العقل السليم،
ثم تنبّه إلى أن آيات الرسالة الإسلامية سوف تعصف بسائر الأديان والملل لتنسخها وتظهر بطلانها: ﴿فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً﴾ (٢)
فتنشر الهداية للباحثين عنها في أنحاء العالم: ﴿وَالنّاشِراتِ نَشْراً﴾ (٣)
وتمكّن الإنسان من التفريق بين الحق والباطل، ولذا سمّي القرآن فرقانا:
﴿فَالْفارِقاتِ فَرْقاً﴾ (٤)
وتذكره بالميثاق الفطري المأخوذ عليه في الأصلاب [الأعراف ١٧٢/ ٧]:
﴿فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً (٥)﴾
стр. 1921
﴿فتنذر الإنسان بما لا يترك له عذرا بالجهالة: ﴿عُذْراً أَوْ نُذْراً﴾ (٦)، انظر أيضا آية [فاطر ٣٧/ ٣٥].
بأنّه محاسب على عمله لا محالة: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ (٧)
يوم ينهار النظام الكوني الذي نعرفه: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ * وَإِذَا السَّماءُ فُرِجَتْ * وَإِذَا الْجِبالُ نُسِفَتْ﴾ (٨ - ١٠)، ونظيره قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ﴾ [إبراهيم ٤٨/ ١٤]،
في ذلك الوقت تشهد الرسل على الأمم بالتبليغ: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ (١١)
وقد أجّلت لذلك اليوم العظيم: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ﴾ (١٢)
يوم يفصل الرحمن بين الناس فيما كانوا فيه يختلفون من العقائد والنظريات، ويدرك المرء على وجه اليقين الدوافع التي كانت وراء أعماله وتوجهاته الدنيوية: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ﴾ (١٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة ٢٥/ ٣٢].
يوم الفصل الذي يفوق وصفه إدراك البشر: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ (١٤)
يوم يحيق الويل بالذين أصرّوا على تكذيب الحقيقة: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١٥)
فكيف فاتتهم العبرة من هلاك الأمم البائدة؟ ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٦)
ومصير من بعدهم في الآخرة، إن لم يكن في الدنيا: ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ (١٧)
فالعذاب نتيجة طبيعية لازمة للإجرام والتكذيب: ﴿كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (١٨ - ١٩)
стр. 1922
﴿ثم تذكّر السورة الإنسان بمهانة نشأته ودليل منتهى ضعفه: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ (٢٠)
والإعجاز في تطور خلقه في رحم أمه حتى ولادته: ﴿فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ * إِلى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنا فَنِعْمَ الْقادِرُونَ﴾ (٢١ - ٢٣)
فالجحود بهذا الإعجاز والتعامي عنه يوجب الويل لأصحابه: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢٤)
والإعجاز في الأرض التي تنبت الحياة وتضم الأموات: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً * أَحْياءً وَأَمْواتاً﴾ (٢٥ - ٢٦)
والإعجاز في خلق الجبال بحيث تتوازن بها القشرة الأرضية، وإخراج الماء العذب منها: ﴿وَجَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَأَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً﴾ (٢٧)
وهكذا اشتملت الآيات (٢٠ - ٢٧) على بيان الإعجاز في المخلوقات العضوية وغير العضوية، ما يوجب الويل للمكذّبين بالقدرة الإلهية وبوجود خالق مهيمن: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٢٨)
انطلقوا إذن أيها المكذّبون إلى يوم القيامة: ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ما كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (٢٩)
فلا بد لكم من مواجهة الموت ثم البعث ثم الجزاء: ﴿اِنْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ﴾ (٣٠)
وليس لكم من ذلك مفر ولا ملجأ: ﴿لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾ (٣١)
يوم ترمي جهنم بشرر كجذوع الشجر الضخمة المشتعلة: ﴿إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ (٣٢)
كأنّ ذلك الشرر، لتواصله الواحد تلو الآخر، حبال غلاظ مشتعلة صفراء بلون النار: ﴿كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾
стр. 1923
﴿ما يسبّب الويل للمكذّبين: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣٤)
فلشدة ذهولهم وحيرتهم يمتنع عليهم النطق: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ﴾ (٣٥)
إذ لا يليق لهم التكلم بأعذار فاسدة: ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ (٣٦)
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣٧)
يوم يفصل بين الناس، أولهم وآخرهم، فيما كانوا يختلفون فيه من العقائد:
﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ (٣٨)
فلا تنفع المكذّبين مكائدهم لكونهم يومئذ في منتهى العجز: ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣٩ - ٤٠)
أما الذين اتقوا الشرك والمعاصي فمآلهم إلى النعيم: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ * وَفَواكِهَ مِمّا يَشْتَهُونَ * كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٤١ - ٤٤)
بالمقارنة مع مآل الذين كذبوا على أنفسهم: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٤٥)
وأن متاع المجرمين في الدنيا وإن طال فهو قليل في جنب الآخرة: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلاً إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ﴾ (٤٦)
حيث الويل ينتظرهم: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٤٧)
والسبب أنهم عاندوا الرسل والرسالات المشار إليها بأول السورة: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اِرْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ﴾ (٤٨)
فلا بد أن يلاقوا مصيرهم العادل: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ (٤٩)
إذ لا علم ينفع صاحبه بعد التكذيب بالقرآن: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾ أي بعد القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾ وفي اختتام السورة عودة إلى البداية التي بدأت بها وهي ﴿الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾ أي آيات القرآن الكريم.
стр. 1924
سورة النبأ - ٧٨ - مكية
من أواخر السور المكية،
ارتباط السورة بما قبلها
ارتباطها بسورة المرسلات أنها تركّز على (يوم الفصل) من زاوية مختلفة، ففي سورة المرسلات: ﴿هذا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْناكُمْ وَالْأَوَّلِينَ﴾ [المرسلات ٣٨/ ٧٧]، وفي هذه السورة: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً﴾ [٧ النبأ ١٧/ ٨]،
وفي سورة المرسلات أن الذهول يصيب المجرمين يوم القيامة فيمتنع النطق عليهم: ﴿هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ * وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات ٣٥/ ٧٧ - ٣٦]، وفي سورة النبأ: ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً﴾ [النبأ ٣٧/ ٧٨]،
وفي سورة المرسلات: ﴿إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ﴾ [المرسلات ٧/ ٧٧]، وفي هذه السورة: ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ [النبأ ٤٠/ ٧٨].
стр. 1925
محور السورة
اختلف الناس في وقوع القيامة مع أن كل الدلائل العقلية والدنيوية تشير إليها، فلا يصح أن يكون هنالك انقطاع نهائي بعد الحياة الدنيا، ولا بد من يوم تفصل فيه المظالم والحقوق ويظهر الحق من الباطل: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً﴾ [١٧/ ٧٨]، فلا ينفع يومئذ النادمين ندمهم: ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً﴾ [٤٠/ ٧٨].
وقد سبق أن علّلت سورة النحل السبب في ضرورة البعث وحتميته بقوله تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ﴾ [٣٩/ ١٦]،
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿السؤال الكبير الشاغل لكثير من الخلق عمّا إن كان هنالك بعث بعد الموت:
﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ (١ - ٣)
ويتخبطون في ذلك بنظريات كثيرة إلى أن يحين الوقت الذي يعلمون فيه الحقيقة على وجه اليقين: ﴿كَلاّ سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاّ سَيَعْلَمُونَ﴾ (٤ - ٥)
مع أن الشواهد والمعجزات الكثيرة ماثلة أمامهم فيما لا يدع مجالا للشك، ومنها معجزة الأرض سخرها تعالى للإنسان: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً﴾ (٦)
ومعجزة خلق الجبال التي بها تتوازن القشرة الأرضية: ﴿وَالْجِبالَ أَوْتاداً﴾ (٧)
ومعجزة خلق الأزواج في الحيوان والنبات كالذكر والأنثى، وكالموجب والسالب في المغناطيس وفي الكهرباء شحنات البروتون والنوترون، وفي الكون كالليل والنهار والحار والبارد: ﴿وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (٨)﴾، ونظيره قوله تعالى:
стр. 1926
﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٣٦/ ٣٦].
﴿ومعجزة النوم الذي هو انقطاع مؤقت عن الحياة لأن النائم معطّل الحواس:
﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً﴾ (٩)
والليل يستر الناس بظلامه كما يسترهم اللباس فتخلد فيه النفوس إلى الراحة:
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً﴾ (١٠)
واليقظة في النهار لطلب الرزق: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً﴾ (١١)
ومعجزة خلق الأكوان المتعددة: ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً﴾ (١٢)
وخلق الشمس التي تزود الأرض بالطاقة: ﴿وَجَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً﴾ (١٣)
ومعجزة إحياء النبات من الأرض الموات: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً * وَجَنّاتٍ أَلْفافاً﴾ (١٤ - ١٦)
ولذا تعود السورة للتذكير بيوم الفصل المذكور في السورة السابقة (١٤/ ٧٧): ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً﴾ (١٧ - ١٨)
حيث تظهر للإنسان بعض جوانب الغيب: ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً﴾ (١٩)
ولا يبقى أي أثر للجبال: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً﴾ (٢٠)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً * لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ (طه ١٠٥/ ٢٠ - ١٠٧)
يومئذ لا مناص للطغاة من جهنم جزاء لما كانوا عليه في دنياهم: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً * لِلطّاغِينَ مَآباً * لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً * لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً * إِلاّ حَمِيماً وَغَسّاقاً * جَزاءً وِفاقاً﴾ (٢١ - ٢٦)
стр. 1927
﴿جزاء إنكارهم القرآن والبعث والحساب: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً * وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّاباً﴾ (٢٧ - ٢٨)
فلا يفوت من حسابهم شيء: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً﴾ (٢٩)
ويزدادون عذابا بمقدار خطيئاتهم في الدنيا: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً﴾ (٣٠)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٦٠/ ٦]،
بخلاف المتقين: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً * حَدائِقَ وَأَعْناباً * وَكَواعِبَ أَتْراباً * وَكَأْساً دِهاقاً﴾ (٣١ - ٣٤)
فهم ينعمون بالسكينة النفسية والروحية بعيدا عن الكذب واللغو والمشاحنات الفارغة: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذّاباً﴾ (٣٥)
فيجزون أضعاف حسناتهم: ﴿جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً﴾ (٣٦)، ونظيره قوله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ [الأنعام ١٦٠/ ٦]،
ولا يكون بمقدور أحد خطاب الرحمن ليزيد في ثوابه أو ينقص من عقابه:
﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً﴾ (٣٧)
يوم تقوم أرواح الخلائق ومعها الملائكة أمام الخالق فلا يتكلم أحد بالشفاعة إلاّ من أراد تعالى تشريفه بالشفاعة لمن قبل توبته: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ أي أرواح الناس ﴿وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً﴾ (٣٨)
وفي ذلك اليوم يعلم الإنسان على وجه اليقين حقيقة حياته الأولى والآخرة:
﴿ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ فمن شاء اتخذ سبل الهداية في دنياه قبل آخرته: ﴿فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩)﴾
стр. 1928
﴿وبعد كل هذه النذر لا يبقى للكافر يومئذ من عذر: ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً﴾ ولا يفيد المرء أو يضرّه سوى ما قدّم من عمل: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ ويتمنى الكافر لو لم يكن هنالك بعث: ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠)﴾، ونظيره قوله تعالى: ﴿يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ [الحاقة ٢٧/ ٦٩].
стр. 1929
سورة النازعات - ٧٩ - مكية
نزلت في أواخر الفترة المكية، واشتق اسمها من كلمة (النازعات) في الآية الأولى، وهي النجوم التي تظهر وتغيب، إشارة إلى واحدة من معجزاته تعالى في خلق الكون.
ارتباط السورة بما قبلها
في سورة النبأ أن المشكّكين يتساءلون عن النبأ العظيم ويختلفون فيه: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ ١/ ٧٨ - ٣]، وفي سورة النازعات أيضا يتهكمّون على البعث والحساب: ﴿يَقُولُونَ أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ﴾ [النازعات ١٠/ ٧٩]، ويسألون تهكّما عن موعد الساعة: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها﴾ [النازعات ٤٢/ ٧٩].
محور السورة
الله تعالى يتيح فرصة الهداية حتى لأعتى الطغاة: ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ [١٧/ ٧٩ - ١٨]، لكن الإنسان الطاغية المغرور - في كل زمن - يظن نفسه محور الكون: ﴿فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ [٢٤/ ٧٩]، مع أنّ الإعجاز في خلق الإنسان لا يقارن مع الإعجاز في خلق الكون الهائل:
стр. 1930
﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ [٢٧/ ٧٩ - ٢٨]، غير أنّ الكافر لا يدرك حقيقة الآخرة والحساب إلا بعد الفوات: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ [٤٦/ ٧٩].
النظم في السورة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿تبدأ السورة بالإشارة لواحدة من معجزاته تعالى في الفلك، وهي النجوم التي تطلع ثم تغيب: ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقاً﴾ (١) فالنازعات إشارة لطلوعها، وغرقا إشارة لغروبها، أي هي تنزع ثم تغرق غرقا،
ثم هي تنتقل من برج إلى برج: ﴿وَالنّاشِطاتِ نَشْطاً﴾ (٢)
وتسبح في الفلك: ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحاً﴾ (٣)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس / ٤٠٣٦]،
كما هي تسبق بعضها بعضا في السير لكون حركة بعضها أسرع من بعض:
﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقاً﴾ (٤)
وبحركتها تتميز الأوقات وتنتظم أمور الكون: ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ (٥)، كما في قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ [يونس ٥/ ١٠]، ثم تقع الواقعة باختلال حركتها كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ اِنْكَدَرَتْ﴾ [التكوير ٢/ ٨١]،
وبعد الإشارة إلى معجزات النجوم والفلك، ما يفيد وجود خالق مهيمن يخضع الكون والبشر لحكمته وتقديره وقضائه، تبدأ السورة بوصف يوم البعث يوم ترجف الأرض أو تزلزل في رجفة تلو الأخرى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ﴾ (٦ - ٧)
следующие страницы →