← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس ٣٦/ ٣٦]. ﴿ومعجزة النوم الذي هو انقطاع مؤقت عن الحياة لأن النائم معطّل الحواس: ﴿وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً﴾ (٩) والليل يستر الناس بظلامه كما يسترهم اللباس فتخلد فيه النفوس إلى الراحة: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً﴾ (١٠) واليقظة في النهار لطلب الرزق: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً﴾ (١١) ومعجزة خلق الأكوان المتعددة: ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً﴾ (١٢) وخلق الشمس التي تزود الأرض بالطاقة: ﴿وَجَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً﴾ (١٣) ومعجزة إحياء النبات من الأرض الموات: ﴿وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً * وَجَنّاتٍ أَلْفافاً﴾ (١٤ - ١٦) ولذا تعود السورة للتذكير بيوم الفصل المذكور في السورة السابقة (١٤/ ٧٧): ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً * يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً﴾ (١٧ - ١٨) حيث تظهر للإنسان بعض جوانب الغيب: ﴿وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً﴾ (١٩) ولا يبقى أي أثر للجبال: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً﴾ (٢٠)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً * لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً﴾ (طه ١٠٥/ ٢٠ - ١٠٧) يومئذ لا مناص للطغاة من جهنم جزاء لما كانوا عليه في دنياهم: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً * لِلطّاغِينَ مَآباً * لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً * لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً * إِلاّ حَمِيماً وَغَسّاقاً * جَزاءً وِفاقاً﴾ (٢١ - ٢٦)

стр. 1927

﴿جزاء إنكارهم القرآن والبعث والحساب: ﴿إِنَّهُمْ كانُوا لا يَرْجُونَ حِساباً * وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّاباً﴾ (٢٧ - ٢٨) فلا يفوت من حسابهم شيء: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً﴾ (٢٩) ويزدادون عذابا بمقدار خطيئاتهم في الدنيا: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاّ عَذاباً﴾ (٣٠)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٦٠/ ٦]، بخلاف المتقين: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً * حَدائِقَ وَأَعْناباً * وَكَواعِبَ أَتْراباً * وَكَأْساً دِهاقاً﴾ (٣١ - ٣٤) فهم ينعمون بالسكينة النفسية والروحية بعيدا عن الكذب واللغو والمشاحنات الفارغة: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذّاباً﴾ (٣٥) فيجزون أضعاف حسناتهم: ﴿جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً﴾ (٣٦)، ونظيره قوله تعالى: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ [الأنعام ١٦٠/ ٦]، ولا يكون بمقدور أحد خطاب الرحمن ليزيد في ثوابه أو ينقص من عقابه: ﴿رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً﴾ (٣٧) يوم تقوم أرواح الخلائق ومعها الملائكة أمام الخالق فلا يتكلم أحد بالشفاعة إلاّ من أراد تعالى تشريفه بالشفاعة لمن قبل توبته: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ أي أرواح الناس ﴿وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً﴾ (٣٨) وفي ذلك اليوم يعلم الإنسان على وجه اليقين حقيقة حياته الأولى والآخرة: ﴿ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ فمن شاء اتخذ سبل الهداية في دنياه قبل آخرته: ﴿فَمَنْ شاءَ اِتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (٣٩)﴾

стр. 1928

﴿وبعد كل هذه النذر لا يبقى للكافر يومئذ من عذر: ﴿إِنّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً﴾ ولا يفيد المرء أو يضرّه سوى ما قدّم من عمل: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ﴾ ويتمنى الكافر لو لم يكن هنالك بعث: ﴿وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (٤٠)﴾، ونظيره قوله تعالى: ﴿يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ﴾ [الحاقة ٢٧/ ٦٩].

стр. 1929

سورة النازعات - ٧٩ - مكية نزلت في أواخر الفترة المكية، واشتق اسمها من كلمة (النازعات) في الآية الأولى، وهي النجوم التي تظهر وتغيب، إشارة إلى واحدة من معجزاته تعالى في خلق الكون. ارتباط السورة بما قبلها في سورة النبأ أن المشكّكين يتساءلون عن النبأ العظيم ويختلفون فيه: ﴿عَمَّ يَتَساءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [النبأ ١/ ٧٨ - ٣]، وفي سورة النازعات أيضا يتهكمّون على البعث والحساب: ﴿يَقُولُونَ أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ﴾ [النازعات ١٠/ ٧٩]، ويسألون تهكّما عن موعد الساعة: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها﴾ [النازعات ٤٢/ ٧٩]. محور السورة الله تعالى يتيح فرصة الهداية حتى لأعتى الطغاة: ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى * فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ [١٧/ ٧٩ - ١٨]، لكن الإنسان الطاغية المغرور - في كل زمن - يظن نفسه محور الكون: ﴿فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ [٢٤/ ٧٩]، مع أنّ الإعجاز في خلق الإنسان لا يقارن مع الإعجاز في خلق الكون الهائل:

стр. 1930

﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ [٢٧/ ٧٩ - ٢٨]، غير أنّ الكافر لا يدرك حقيقة الآخرة والحساب إلا بعد الفوات: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها﴾ [٤٦/ ٧٩]. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تبدأ السورة بالإشارة لواحدة من معجزاته تعالى في الفلك، وهي النجوم التي تطلع ثم تغيب: ﴿وَالنّازِعاتِ غَرْقاً﴾ (١) فالنازعات إشارة لطلوعها، وغرقا إشارة لغروبها، أي هي تنزع ثم تغرق غرقا، ثم هي تنتقل من برج إلى برج: ﴿وَالنّاشِطاتِ نَشْطاً﴾ (٢) وتسبح في الفلك: ﴿وَالسّابِحاتِ سَبْحاً﴾ (٣)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس / ٤٠٣٦]، كما هي تسبق بعضها بعضا في السير لكون حركة بعضها أسرع من بعض: ﴿فَالسّابِقاتِ سَبْقاً﴾ (٤) وبحركتها تتميز الأوقات وتنتظم أمور الكون: ﴿فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً﴾ (٥)، كما في قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ [يونس ٥/ ١٠]، ثم تقع الواقعة باختلال حركتها كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ اِنْكَدَرَتْ﴾ [التكوير ٢/ ٨١]، وبعد الإشارة إلى معجزات النجوم والفلك، ما يفيد وجود خالق مهيمن يخضع الكون والبشر لحكمته وتقديره وقضائه، تبدأ السورة بوصف يوم البعث يوم ترجف الأرض أو تزلزل في رجفة تلو الأخرى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرّادِفَةُ﴾ (٦ - ٧)

стр. 1931

﴿يومها تكون قلوب الكفار في غاية القلق: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ﴾ (٨)، وقوله ﴿قُلُوبٌ﴾ بالتنكير أي ليس جميع القلوب تكون قلقة، بل قلوب الكفار فقط بدليل الآية ١٠، أبصارها مضطربة خائفة ذليلة: ﴿أَبْصارُها خاشِعَةٌ﴾ (٩) ومع ذلك، ومع كل الدلائل على حتمية وقوعها يتهكم المتهكمّون في القيامة والبعث: ﴿يَقُولُونَ أَإِنّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحافِرَةِ﴾ (١٠) أي كانوا يقولون عندما كانوا في الدنيا أنردّ بعد الموت إلى الحياة مرة ثانية، والحافرة الطريق التي يمشي فيها المرء فيحفرها بقدميه أي يترك فيها أثرا بمشي القدمين، فهي محفورة وحافرة ومنه يقال رجع فلان في حافرته أي في الطريق التي جاء منها. ويتساءل الكفار في دنياهم كيف نردّ ونبعث بعد أن تصبح عظامنا منخورة: ﴿أَإِذا كُنّا عِظاماً نَخِرَةً﴾ (١١) وهو سؤال منبثق من ماديتهم لأنهم ينكرون الروح ولا يقيمون أي اعتبار سوى للمادة. ثم بمزيد من التهكم يقولون لو كان الأمر على هذا النحو لكنّا خاسرين، أي سيظهر فساد نظرياتهم الدنيوية المادية التي يعتبرونها في حاضرهم "معقولة": ﴿قالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ﴾ (١٢) وهكذا لا يستفيقون من ضلالهم إلا عند ما تقع الواقعة فكأنها يومئذ تزجرهم: ﴿فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ﴾ (١٣) وقتئذ تنفتح بصيرتهم على الحقيقة ولا يبقى عندهم أدنى شك بها: ﴿فَإِذا هُمْ بِالسّاهِرَةِ﴾ (١٤) والساهرة الآخرة إذ في الخلود يضمحل مفهوم الزمن الدنيوي. وهنا تضرب السورة مثلا على إصرار الكفار على كفرهم بقصة فرعون وبعثة موسى إليه: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (١٥)﴾، والقصة مذكورة بمزيد من التفصيل في سورة [طه ٩/ ٢٠ - ٩٨].

стр. 1932

﴿إذ ناداه ربه لبعثته النبوية، عند جبل الطور في سيناء بالوادي المقدس طوى، أي الذي بورك فيه مرتين، مرة حيث سمع موسى نداء ربه ومرة حيث تكرست نبوّته: ﴿إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً﴾ (١٦)، وطوى مثل ثنى، والطيّ الثني، وطوى اسم للشيء المثنّى، وقد يكون المعنى أيضا الوادي المقدّس المبارك. وأنه برحمته التي وسعت كل شيء يتيح فرصة الهداية حتى لأعتى الطغاة: ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى﴾ (١٧) فقد تجاوز فرعون كل الحدود بادعائه الألوهية، وقد أمر الله تعالى موسى أن يدعو فرعون برفق ولين: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ (١٨) أي هل لك رغبة أن تكون زاكيا، أي طاهرا من العيوب؟ فأوضح موسى لفرعون أنّ معرفة الله هي السبيل الوحيد للتفريق بين الصواب من الخطأ: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ (١٩) ثم بيّن لفرعون طريق الهداية الكبرى، أي طريق الهداية الإلهية: ﴿فَأَراهُ الْآيَةَ الْكُبْرى﴾ (٢٠) في إشارة أن الله تعالى لا يترك أحدا يتخبط في ضلاله دون أن يبيّن له الطريق الصحيح، ونظيره قوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ﴾ أي بظلم منها لأن الله ليس بظلاّم للعبيد ﴿وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ عن الحقيقة [الأنعام ١٣١/ ٦]. وفي مقابل ظهور الآية الكبرى الباهرة يكون ادعاء الألوهية من قبل فرعون منتهى الطغيان: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصى * ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعى * فَحَشَرَ فَنادى * فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ (٢١ - ٢٤) فكانت عاقبته تنكيلا في الآخرة والدنيا: ﴿فَأَخَذَهُ اللهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى (٢٥)﴾

стр. 1933

﴿أي إنّ العاقبة الوخيمة تعاجل الطغاة في الدنيا قبل الآخرة، وفيها عبرة لمن يخشى الله: ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى﴾ (٢٦) ثم تبين السورة أنّ الإعجاز في خلق الإنسان لا يقارن مع الإعجاز في خلق الكون الهائل، ومع ذلك يدّعي الإنسان الألوهية أو يظن بغروره أنه محور الكون: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ (٢٧ - ٢٨) أي سوّاها لما خلقت له، ونظيره قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر ٥٧/ ٤٠]، ومعجزة تتابع الليل والنهار: ﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها﴾ (٢٩) وتمهيد الأرض لسكنى البشر والأنعام: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها * أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها * وَالْجِبالَ أَرْساها * مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ (٣٠ - ٣٣) كل ذلك يوجب شكر الله على نعمائه، ومع ذلك لا ينتهي غرور البشر إلا عند مواجهة الحساب: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى﴾ (٣٤ - ٣٥) ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى﴾ (٣٦)، ونظيره قوله: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ﴾ [الشعراء ٩١/ ٢٦] فيكون عذاب جهنم نتيجة طبيعية لما كان عليه الطغاة في دنياهم: ﴿فَأَمّا مَنْ طَغى * وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى﴾ (٣٧ - ٣٩) كما نعيم الجنة نتيجة طبيعية لمن تجنّب الهوى: ﴿وَأَمّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى﴾ (٤٠ - ٤١) وأما قبل مجيء الطامّة الكبرى فالكافر بين الشك والتهكّم يتحدّى النبي بموعد مجيئها: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها (٤٢)﴾

стр. 1934

﴿وموعد الساعة في علم الغيب لا ينكشف حتى للأنبياء: ﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْراها﴾ (٤٣) ومنتهى علمها عند الله لم يؤته أحدا من خلقه: ﴿إِلى رَبِّكَ مُنْتَهاها﴾ (٤٤) غير أنّ ذوي الإدراك السليم فقط يستفيدون من إنذار النبي بها: ﴿إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشاها﴾ (٤٥) وتختم السورة بالإشارة إلى نسبية الزمن، لأن المفهوم البشري للزمن الدنيوي لا معنى له في الآخرة، وبالتالي لا معنى لسؤالهم عن موعد الساعة: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها (٤٦)﴾.

стр. 1935

سورة عبس - ٨٠ - مكية نزلت في أوائل الفترة المكية وسميت بأول كلمة منها. ارتباط السورة بما قبلها في سورة النازعات تنبيه أنّ الإعجاز في خلق الكون أكبر بكثير من الإعجاز في خلق الإنسان: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها﴾ [النازعات ٢٧/ ٧٩ - ٢٨] فلا موجب لتكبر المرء وطغيانه، وفي هذه السورة بيان لمهانة خلق الإنسان: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس ١٨/ ٨٠ - ١٩]، وفي سورة النازعات أنّ الإنسان يتذكر يوم القيامة نتيجة سعيه في الدنيا: ﴿فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى * يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ ما سَعى﴾ [النازعات ٣٤/ ٧٩ - ٣٥]، وفي هذه السورة أن الإنسان لا يحسن استخدام ملكاته الفكرية والعقلية لقضاء ما هو ميسّر له في دنياه: ﴿كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ﴾ [عبس ٢٣/ ٨٠]. محور السورة لا يضير الداعية عدم استجابة الكافر وما عليه سوى البلاغ، فالآيات القرآنية ليست سوى تذكرة لمن يرجى إيمانه من سليمي الفطرة: ﴿كَلاّ إِنَّها﴾

стр. 1936

﴿تَذْكِرَةٌ﴾ [١١/ ٨٠]، ثم إنّ الإنسان ميسّر أن يختار سبيل الهدى أو الضلال: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [٢٠/ ٨٠]، غير أنه في حياته الدنيوية لم يستفد بالكامل من ملكة العقل التي منحها له الله ولا الفطرة السليمة التي غرسها فيه، إذ لا يخلو إنسان من تقصير: ﴿كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ﴾ [٢٣/ ٨٠]. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ عبس النبي ﷺ بوجه عبد الله بن أم مكتوم وهو ابن خال خديجة، وكان أعمى من الصحابة ألحّ عليه أن يعلمه من القرآن أثناء انشغال النبي بدعوة أعيان قريش إلى الإسلام، فكره النبي ﷺ قطعه لكلامه وعبس وأعرض عنه فنزلت الآيات ١ - ١٠، ثم كان النبي بعد ذلك يكرمه ويقول: "مرحبا بمن عاتبني فيه ربي" وقد ولاّه على المدينة مرتين في غزوتين غزاهما، ﴿عَبَسَ وَتَوَلّى * أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى﴾ (١ - ٢)، تبرز من عتاب السورة للرسول ﷺ موضوعية الوحي، فالرسول لا ينطق عن الهوى: ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى﴾ [النجم ٣/ ٥٣]، وقد ذكر بعض العلماء أن سلوك ابن أم مكتوم مع الرسول لا يخلو من فظاظة، ولكنّ في الآية إشارة أنّ كل ضعيف يستحق الاهتمام كغيره، وقد عاتب الله تعالى رسوله حتى لا تنكسر قلوب أمثاله، وبالمقابل كان قصد الرسول تأليف قلوب المشركين من كبار قريش، وفي الحديث: "إني لأصل الرجل وغيره أحبّ إلي منه، مخافة أن يكبّه الله في النار" ذكره القرطبي. ﴿وَما يُدْرِيكَ﴾ أيها النبي ﴿لَعَلَّهُ يَزَّكّى (٣)﴾ أي لعل الأعمى ينتفع بموعظتك ويصبح زاكيا، أي طاهرا من العيوب؟

стр. 1937

﴿أو على الأقل قد يتذكّر الأعمى مطابقة الوحي للفطرة السليمة والدليل العقلي فينفعه ذلك: ﴿أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى﴾ (٤) أما من استغنى عن الإيمان وعن الهدي الإلهي، وزعم أنه مكتف بذاته غير محتاج للوحي: ﴿أَمّا مَنِ اِسْتَغْنى﴾ (٥) ﴿فَأَنْتَ﴾ أيها الرسول تقبل عليه حرصا على إسلامه: ﴿لَهُ تَصَدّى﴾ (٦) مع أنه ليس على الرسول - وبالتالي كل مؤمن - سوى البلاغ، فلا يضير الداعية عدم استجابة الغير: ﴿وَما عَلَيْكَ أَلاّ يَزَّكّى﴾ (٧) وفي مسعى الداعي لإيمان من لا يرجى إيمانه تضيع الفرص على المؤمنين: ﴿وَأَمّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى * وَهُوَ يَخْشى * فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهّى﴾ (١٠) فالآيات القرآنية ليست سوى تذكرة لمن يرجى إيمانه من سليمي الفطرة: ﴿كَلاّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ﴾ (١١)، والقرآن الكريم قد بلغ مبلغا من الإعجاز والعظمة بحيث لا يتنكر له إلاّ كل مكابر مستكبر فأي حاجة للإصرار على هداهم. والرسالة الإسلامية ليست قسرا: ﴿فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ﴾ (١٢) والذكر يكون على ضوء الصحف القرآنية المكرّمة المطهّرة من كل عوج (الكهف ١/ ١٨)، المرفوعة بأيدي دعاة كرام بررة يسفرون عن معناها الحقيقي: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرامٍ بَرَرَةٍ﴾ (١٣ - ١٦) أما الإنسان المصرّ على الكفر رغم هذه الصحف المسفرة عن الحقيقة فهو كمن يقتل نفسه: ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ (١٧) فلينظر هذا المستكبر كيف بدأ خلقه: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ (١٨) خلقه تعالى من نطفة ثمّ قدّره بما هو لائق لمصلحته جسميا ونفسيا وعقليا: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (١٩)﴾

стр. 1938

﴿ويسّره ليختار سبيل الخير من الشر، والتيسير يدخل فيه التقدير - الآية السابقة - والعقل والتعلّم وبعث الأنبياء وإنزال الوحي: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ (٢٠) كما قدّر أن يكون لبثه في الدنيا قليلا حتى يصير إلى القبر: ﴿ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ (٢١) إلى أن يصير وقت البعث والنشور: ﴿ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ﴾ (٢٢) وفي تلك المرحلة الدنيوية من حياته لم يكن الإنسان جديرا بالاستفادة من ملكة العقل التي منحها له الله ولا الفطرة السليمة التي غرسها فيه، إذ لا يخلو إنسان من تقصير: ﴿كَلاّ لَمّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ﴾ (٢٣) وإن كان الإنسان يظنّ أنه مستغن عن العناية الإلهية ومكتف بحوله وقوّته فلينظر في أبسط الأمور كطعامه مثلا من أين يأتي: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ إِلى طَعامِهِ﴾ (٢٤) ولينظر في معجزة إحياء الأرض الميتة بنزول المطر عليها وإنبات الزرع والحبوب وأنواع الطعام والفواكه وما في ذلك من دليل على حتمية البعث والنشور بعد الموت: ﴿أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدائِقَ غُلْباً * وَفاكِهَةً وَأَبًّا * مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ (٢٥ - ٣٢) وقالوا إن (الأبّ) هي الفاكهة التي يجري تيبيسها، لأنها تؤبّ للشتاء أي تعدّ له، ﴿وَحَدائِقَ غُلْباً﴾ أي كثيفة. فليكن الإنسان إذن على يقين من مجيء يوم القيامة حيث ينشغل كل امريء بنفسه: ﴿فَإِذا جاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ (٣٣ - ٣٧) ثم يوم الحساب يكون الناس أحد صنفين: صنف الضاحكين المستبشرين: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ (٣٨ - ٣٩) وصنف الكالحين من الكفار: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ * تَرْهَقُها قَتَرَةٌ * أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ (٤٠ - ٤٢).

стр. 1939

سورة التكوير - ٨١ - مكية من أوائل السور المكية وقيل إنها السادسة أو السابعة في ترتيب النزول، وسميت التكوير اشتقاقا من فعل ﴿كُوِّرَتْ﴾ بالآية الأولى، في إشارة رمزية إلى قيام الساعة والبعث والحساب، وانكشاف الحقيقة الغيبية المحجوبة بالظاهر. ارتباط السورة بما قبلها ختمت سورة عبس السابقة بوصف أحوال صنفين من الناس يوم القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ * ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ * تَرْهَقُها قَتَرَةٌ * أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس ٣٨/ ٨٠ - ٤٢]، ثم تبدأ سورة التكوير بوصف أحوال القيامة عندما تنكشف الحقيقة المحجوبة بظاهر الكون فتعلم كل نفس ما أحضرت من استحقاقها الجنة أو النار: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ [التكوير ١٤/ ٨١]، محور السورة كما خلق الله تعالى الكون المعجز يسير وفق نظام مبهر، فكذلك أنزل القرآن الكريم على البشرية مظهرا آخر من مظاهر الإعجاز الطبيعية والمعنوية: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾

стр. 1940

[١٩/ ٨١ - ٢١]، ثم إنّ الإنسان مكرّم أن يختار طريق الهداية إن لم تفسد فطرته: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ [٢٧/ ٨١]، ومع أن طريق الاستقامة والهداية متاح لذوي الفطرة السليمة بلا إكراه، فإنّ كل شيء متعلق بعلم الله الأزلي المسبق، فيما هو كائن وما سيكون: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ [٢٩/ ٨١]. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تبدأ السورة بوصف القيامة بصورة رمزية، والوصف من قبيل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلّهِ الْواحِدِ الْقَهّارِ﴾ [إبراهيم ٤٨/ ١٤]: ﴿عندما يلفّ الظلام الشمس فيذهب نورها: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ (١) كما يذهب نور النجوم: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ اِنْكَدَرَتْ﴾ (٢) وتزول الجبال من أماكنها: ﴿وَإِذَا الْجِبالُ سُيِّرَتْ﴾ (٣)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً﴾ [طه ١٠٥/ ٢٠]. وتهمل النوق الحوامل فيذرها أصحابها لمصيرها: ﴿وَإِذَا الْعِشارُ عُطِّلَتْ﴾ (٤) كناية عن إهمال الناس يومئذ لأعز ممتلكاتهم، لأن العرب كانت تعتبر النوق الحوامل من أملاكها النفيسة، وتحشر الوحوش فيقتصّ لها من ظلم بني آدم: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ (٥) وتغيض مياه البحار وتتفجر نيران البراكين من قاعها: ﴿وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ﴾ (٦) وتقرن النفوس بأعمالها فتحاسب عليها، فلا يستطيع أحد الفكاك من مسؤوليته: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (٧)﴾

стр. 1941

﴿ويحاسب الذين قتلوا بناتهم بغير ذنب: ﴿وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٨ - ٩) وتنشر صحائف الأعمال لكل إنسان: ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾ (١٠)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً﴾ [الإسراء ١٣/ ١٧]، وتظهر بعض أسرار الغيب: ﴿وَإِذَا السَّماءُ كُشِطَتْ﴾ (١١) كما تظهر الجحيم والنعيم لمستحقيهما: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ (١٢ - ١٣) فيصبح كل فرد على يقين ممّا قدّم لنفسه من خير أو شر، وما يستحقه من نعيم أو جحيم، ويوقن أنّ الحياة الدنيا لم تكن نهاية المطاف: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ﴾ (١٤) ثم تربط السورة نزول القرآن الكريم على النبي ﷺ ببعض مظاهر الطبيعة المرئية كمغيب الكواكب في النهار (خنوسها) وظهورها للبصر في الليل (كنوسها): ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوارِ الْكُنَّسِ﴾ (١٥ - ١٦) وإدبار الليل وإقبال النهار: ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ﴾ (١٧ - ١٨) فكما أن الله تعالى خلق الكون المعجز يسير وفق نظام يبهر العقول فكذلك أنزل القرآن الكريم على البشرية مظهرا آخر من مظاهر الإعجاز الطبيعية والمعنوية: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ (١٩ - ٢١)، والرسول الكريم هو جبريل ﵇ يتنزّل بالوحي على الأنبياء ﵈.

стр. 1942

﴿ولئلاّ يجنح البعض لتأليه النبي ﷺ كما فعلت المسيحية في تأليه عيسى ﵇ تؤكد السورة أنّ النبي مجرد بشر: ﴿وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ (٢٢) وقوله صاحبكم بمعنى هو الإنسان الذي عرفتموه طيلة حياتكم رجلا عاقلا أمينا أقام بين ظهرانيكم. ولقد رأى النبيّ جبريل بلا أي إبهام في الأفق المبين عندما دنا منه فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (٢٣)، ونظيره قوله تعالى: ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى﴾ [النجم ١١/ ٥٣]. وأن النبي ﵊ لم يكن ليكتم ما نزل عليه من الوحي وعلوم الغيب، فهو ملزم بتبليغ الرسالة: ﴿وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ (٢٤) وما النبي كمن يرجم بالغيب من شياطين الإنس والجنّ فذلك من قبيل المستحيل: ﴿وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ (٢٥)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ * وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء ٢١٠/ ٢٦ - ٢١٢]. ولذا فإن أي منحى آخر يتخذه البشر، غير القرآن الكريم، فهو إلى ضلال: ﴿فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ﴾ (٢٦) وأن رسالة القرآن عالمية لجميع البشر، بيان وهداية وذكرى وليست إكراها: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (٢٧) وأن الإنسان مكرّم بالخيار، أن يقبل رسالة القرآن ويختار طريق الاستقامة: ﴿لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ (٢٨) ومع أن طريق الاستقامة والهداية متاح بلا إكراه لمن تميل إليه فطرته السليمة، فإنّ كل شيء متعلق بعلم الله الأزلي المسبق، فيما هو كائن وما سيكون: ﴿وَما تَشاؤُنَ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٩)﴾.

стр. 1943

سورة الانفطار - ٨٢ - مكية من أواخر السور المكية. ارتباط السورة بما قبلها سورة الانفطار متصلة بسورة التكوير اتصالا واضحا: يوم يزول هذا الكون تظهر الحقيقة المطلقة في إطارها الصحيح، وحتى الموت بمرحليّته الوجيزة جدا يظهر كبداية لحياة جديدة: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار ٤/ ٨٢]، ويزول الغرور عن بني آدم: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار ٦/ ٨٢]، الغرور الذي طالما أدّى به إلى التخبط والشك والتكذيب: ﴿كَلاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الانفطار ٩/ ٨٢]. محور السورة الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم ملائم لمعيشته ولبيئته، وزوده بالإمكانات الفكرية والروحية التي تسمو به، وبحيث لا يكون عنده من تناقض بين حاجاته الفكرية والجسدية بل يكمل بعضها بعضا، ومع ذلك فالإنسان لا يخلو من غرور: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ [٦/ ٨٢ - ٨]،

стр. 1944

بل إن البعض من الناس في حالة بين الشك واليقين ليس فقط في الإسلام، وإنما أيضا في العاقبة والحساب: ﴿كَلاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [٨٢ - ٩]، في حين أن العقل البشري عاجز كل العجز عن إدراك كنه ذلك اليوم: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ [١٧/ ٨٢ - ١٨]. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تبدأ السورة بالإشارة إلى نهاية الكون المادي الظاهر: ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَواكِبُ اِنْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ﴾ (١ - ٣) إيذانا بوقوع الساعة والبعث: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ (٤) وقتئذ تدرك كل نفس فجأة الدوافع الحقيقية لما قامت به من عمل - أو ما تعمّدت أن تترك من عمل - في حياتها الدنيا، بما في ذلك العمل الصالح الذي قامت به، والطالح الذي تفادته، وكذلك العمل الطالح الذي ارتكبته والصالح الذي لم تعمل به: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (٥) وأن الإنسان في دنياه لا يخلو من غرور: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ (٦)، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥/ ٨] أي حتى المتقين عرضة للوقوع في الإغراء المادي والشهواني عندما يقعون ضحية لغرورهم بأنهم من أهل التقوى والصلاح. مع أن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم ملائم لمعيشته ولبيئته وزوده بالإمكانات الفكرية والروحية التي تسمو به وبحيث لا يكون عنده من تناقض بين حاجاته الفكرية والجسدية بل يكمل بعضهما الآخر: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ (٧ - ٨)

стр. 1945

﴿ثم يصل الغرور بالبعض إلى حالة بين الشك واليقين ليس فقط في الإسلام، وإنما أيضا في العاقبة والحساب: ﴿كَلاّ بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ (٩)، والله تعالى محيط بأفعالهم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ (١٢) فيؤول مصير الأبرار منهم إلى النعيم كنتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم من الإيمان والاستبصار والعمل الصالح: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ (١٣) وكذا مصير الفجار إلى الجحيم كنتيجة استمرارية لفجورهم في دنياهم: ﴿وَإِنَّ الْفُجّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَها يَوْمَ الدِّينِ * وَما هُمْ عَنْها بِغائِبِينَ﴾ (١٤ - ١٦) وأن العقل البشري بل خياله وخبرته كلها قاصرة عن استيعاب أو معرفة حقيقة الآخرة والنعيم والجحيم إلا بصورة رمزية كما تشير لها الآيات المتشابهات، فلا نعرف إلاّ قبسا ضئيلا من حقيقتها: ﴿وَما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ ما أَدْراكَ ما يَوْمُ الدِّينِ﴾ (١٧ - ١٨) حيث المسؤولية يومئذ فردية، وحيث تنزع السلطات من الزعماء والرؤساء والملوك ويعود الأمر لله وحده: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ (١٩)﴾، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ﴾ [محمد ١٩/ ٤٧].

стр. 1946

سورة المطففين - ٨٣ - مختلف في كونها مكية أو مدنية، وقيل فيها مكي ومدني نزلت في آخر الفترة المكية وقيل بل في أول الفترة المدنية. ارتباط السورة بما قبلها في سورة الانفطار أن الله تعالى خلق الإنسان ليعيش دنياه في أحسن حال وأحسن تقويم: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار ٦/ ٨٢ - ٧]، غير إن الذين لا يؤمنون بالعاقبة والمسؤولية والحساب ينتابهم الغرور بدنياهم فيبخسون حقوق الغير، ثم لا يلبثون أن يلاقوا جزاءهم العادل في آخرتهم: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين ١/ ٨٣]. محور السورة إن التطفيف وبخس حقوق الناس المادية والمعنوية بمثابة تكذيب بالبعث والحساب: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [٤/ ٨٣ - ٥]، ومن شأن هذا التكذيب في الدنيا أن يزداد أصحابه عدوانا وإثما، خلافا لكل مقياس أخلاقي: ﴿وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [١٢/ ٨٣]، بل إنهم يفقدون كل شعور بالمسؤولية الأخلاقية: ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾

стр. 1947

[١٤/ ٨٣]، فلا يفيقون على الحقيقة إلاّ عند معاينة العذاب: ﴿ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [١٧/ ٨٣] ﴿النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تبين السورة المصير الذي يؤول إليه من يمضون حياتهم في الاحتيال والغش المادي والمعنوي وتكديس المال بطرق غير شرعية: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ (١) والتطفيف بخس الحق، فأمثال هؤلاء يستوفون حقوقهم من الآخرين بالكامل، أما إذا كالوهم أو وزنوا لهم فيبخسون حقوقهم: ﴿الَّذِينَ إِذَا اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ (٢ - ٣) والكيل والوزن بالمعنى المادي والمعنوي للحقوق. وهم بسلوكهم هذا كمن ينكر المسؤولية الأخلاقية: ﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤ - ٦) لكن على النقيض ممّا يظنون من انعدام المسؤولية لا مفر لهم من أن يلقوا جزاء التطفيف: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الفُجّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ (٧) فكأن سجل غشهم وتدليسهم مسجون في كتاب لا يبلى ولا يمحى: ﴿وَما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ * كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ (٨ - ٩) ثم توضح السورة أن هؤلاء المطففين بمثابة المكذّبين بالبعث والحساب: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (١٠ - ١١) ومن شأن هذا التكذيب أن يزداد أصحابه عدوانا وإثما: ﴿وَما يُكَذِّبُ بِهِ إِلاّ كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢)﴾

стр. 1948

﴿بل إنهم يتمادون في تكذيب الآيات القرآنية كما يلائم هواهم: ﴿إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٣) ثم يفقدون كل شعور بالمسؤولية الأخلاقية: ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٤) فتحجب رحمة الله عنهم يوم القيامة حتى يشاهدوا جحيم أعمالهم عيانا: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ * ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ * ثُمَّ يُقالُ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ (١٥ - ١٧) وعلى النقيض من ذلك يكون كتاب الأبرار في أعلا المراتب: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ (١٨) والإبهام المقصود في الاستفهام التالي - كما في بعض السور المكية - يفيد استحالة تمكن البشر من استيعاب حقيقة الآخرة ضمن إطار المكان والزمان المعروفين لديهم: ﴿وَما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ﴾ (١٩) وكتاب حسنات الأبرار لا يمحى ولا يبلى: ﴿كِتابٌ مَرْقُومٌ﴾ (٢٠) يشهده المقربون من الملائكة والنبيين والصالحين فينالوا منهم الدعاء: ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٢١) وفي تفصيل نعيم الأبرار يخاطب الله تعالى البشر بما تعارفوا عليه من مفاهيم الدنيا: ﴿إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ * وَمِزاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ * عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٢٢ - ٢٨)، لأن حقيقته لا كعين رأت ولا خطر على قلب بشر. وبالمقابل تصف السورة سخرية المجرمين في الدنيا وتهكمهم على المؤمنين، ليس فقط وقت البعثة، ولكن كما هو دأبهم في كل مكان وزمان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ﴾ (٢٩ - ٣٠)

стр. 1949

﴿بل كانوا مع أقرانهم معجبين بما هم عليه من الشرك والمعصية: ﴿وَإِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ اِنْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ (٣١) ويظنّون الضلال في المؤمنين: ﴿وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ﴾ (٣٢) كما يظنون في أنفسهم الوصاية على عقول غيرهم من البشر: ﴿وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ﴾ (٣٣) ثم تنقلب الأمور في الآخرة على النقيض مما كانوا عليه في دنياهم: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفّارِ يَضْحَكُونَ * عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ * هَلْ ثُوِّبَ الْكُفّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣٤ - ٣٦) والواضح في الإشارة لضحك المؤمنين من الكفار في الآخرة أنّه لا يفيد التشفّي والانتقام لقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ [الأعراف ٤٣/ ٧] إنما هو تصوير رمزي للعاقبة النهائية وهي فوز المؤمنين وخيبة الكفار.

стр. 1950

سورة الانشقاق - ٨٤ - مكية من أواخر السور المكية. ارتباط السورة بما قبلها في السورة المتقدّمة أن المطففّين لاهثون وراء المادة وبخس حقوق الآخرين: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين ١/ ٨٣ - ٣]، وفي هذه السورة أن المادة رغم ذلك لا تحقق لهم السعادة بل يغلب عليهم المشقة والتعب والتعاسة: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦/ ٨٤]. محور السورة عندما تقع الساعة وتتخلّى الأرض عن ظاهر الحياة الدنيا: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ [٣/ ٨٤ - ٤]، وبعد أن يكون الإنسان قد قضى الجزء الأكبر من حياته الدنيوية في الكدح والتعب والمشقة إلى أن يبعث فيلاقي ربّه: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [٦/ ٨٤]، تؤول حاله وقتئذ من حال إلى حال سلبا أو إيجابا: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ [١٩/ ٨٤]، وكان الأجدر به قبل الفوات أن يؤمن ويفقه القرآن ويعمل به: ﴿فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [٢٠/ ٨٤ - ٢١].

стр. 1951

النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿عندما تحين الساعة، وتظهر الحقيقة في واقعها وفي إدراك الإنسان لها: ﴿إِذَا السَّماءُ اِنْشَقَّتْ﴾ (١) وتطيع السماء خالقها كما هي حقيقة بطاعته: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ﴾ (٢) وتزول الجبال عن الأرض: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ (٣)، كما في قوله: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً * فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً﴾ [طه ١٠٥/ ٢٠ - ١٠٧]. حتى تفقد الأرض حقيقتها الظاهرية، إن كان لها من حقيقة، ويتبيّن أنها كانت تحجب الحقيقة الغيبية: ﴿وَأَلْقَتْ ما فِيها وَتَخَلَّتْ﴾ (٤) وتطيع الأرض خالقها كما هي حقيقة بطاعته: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّها وَحُقَّتْ﴾ (٥) بعد أن كان الإنسان لا ينفك في دنياه عن الكدح والمشقة والتعب، بفترات أطول بكثير من فترات السعادة التي قد ينعم بها، وأن حاله هذه من الدنيا تستمر حتى يبعث فيلاقي ربّه: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ (٦) ويحين وقت الحساب ويفوز من عمل لآخرته: ﴿فَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ (٧) كناية عن حسن عاقبته، - وقد خاطب تعالى العرب بما تعارفت عليه من التفاؤل إذ تقول ميمون وأيمن - فيتجاوز الله تعالى عن سيئاته: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً (٨)﴾

стр. 1952

﴿ويعود إلى أهله وأقرانه من منفتحي الذهن أمثاله: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ (٩) أما الشقي فيكون كمن يريد إخفاء حسابه عن نفسه لشدة ما كان عليه من الجهل وما ارتكب من مظالم في الدنيا: ﴿وَأَمّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ﴾ (١٠) فيتمنى لنفسه الهلاك ولا يأتيه: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً * وَيَصْلى سَعِيراً﴾ (١١ - ١٢) بعد أن كان في دنياه مسرورا مع أقرانه من رفاق السوء: ﴿إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ (١٣)، - وفي الحديث: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر" - وهو على شدة تعلقه بالحياة الدنيا لم يضع الآخرة في حسبانه: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ (١٤) وغفل أن الله تعالى كان بصيرا بأعماله: ﴿بَلى إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً﴾ (١٥) مع أن كل الدلائل تشير أنه من المحال دوام الحال، ومن ذلك أنّ الكون في حركة وتغير دائمين: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَما وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اِتَّسَقَ﴾ (١٦ - ١٨) فالشفق يتبعه الليل بالتدريج ويتبعه القمر، فلا بد من انتقال الإنسان من حاله الدنيوية القلقة العابرة إلى حال أخرى مستقرة: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ (١٩) فهو يولد ويكبر ويهرم ويموت ثم يبعث. وليس من سبب واقعي يقنع بأن تنتهي رحلة الإنسان لمجرد موته فكل شيء في تغير وحياة الإنسان لا تشذّ عن القاعدة: ﴿فَما لَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٢٠)﴾، والإيمان منسجم مع الفطرة، والقرآن الكريم تذكرة للميثاق المأخوذ على الإنسان في الأصلاب أنظر آيات [الرعد ٢٠/ ١٣]، [الأعراف ١٧٢/ ٧]،

стр. 1953

﴿كما ليس من مبرر لعدم تفقه المرء في القرآن والعمل به: ﴿وَإِذا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ (٢١)، سوى أن العقول المتشنّجة صممّت سلفا على التكذيب بالمسؤولية والحساب: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ (٢٢) في الوقت الذي يعلم الله ما يخفون ويبيّتون من سوء النوايا: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ (٢٣) فالمصرّون على الكفر بعد أن ظلموا عقولهم بالإنكار تؤول عاقبتهم الطبيعية إلى العذاب: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٤) إلا من تاب منهم فانفتح عقله على الحقيقة قبل الفوت: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾.

стр. 1954

سورة البروج - ٨٥ - مكية نزلت في أوائل الفترة المكية. ارتباط السورة بما قبلها في سورة الانشقاق المتقدمة أن الذين صمّموا على الكفر يكذّبون، وأن الله تعالى أعلم بما يبيّتون من سوء النوايا: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ * وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يُوعُونَ﴾ [الانشقاق ٢٢/ ٨٤ - ٢٣]، وفي هذه السورة أنهم باضطهادهم المؤمنين كمن يقتل نفسه: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج ٤/ ٨٥]. محور السورة موضوع السورة يدور حول الاضطهاد وقمع الحرية الدينية للآخرين: ﴿وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [٨/ ٨٥]، ما تعود عواقبه سلبا على المضطهدين بالدرجة الأولى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ﴾ [١٠/ ٨٥]، وأن القرآن المجيد - بخلاف الكتب السابقة - ورغم جهود المكذّبين في اضطهاد المؤمنين والصدّ عنه، محفوظ على مدى الدهر من كل تغيير وتحريف أو إضافة أو نقصان، وبالتالي فهو المعيار النهائي والأخير للحق والباطل: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [٢١/ ٨٥ - ٢٢].

стр. 1955

النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿التفكّر في خلق الكون يلزم الإيمان باليوم الموعود، يوم البعث والحساب: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ (١ - ٢) والله تعالى شاهد على خلقه لا تخفى عليه خافية: ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ (٣) أما قصة أصحاب الأخدود فقد تكون رمزية تتكرر في كل العصور، لأنّ الطغاة أصحاب العقول المنحازة لا يملّون من محاولة فرض معتقداتهم الدينية - أو اللادينية - على الآخرين قهرا وقسرا، بوسيلة أو بأخرى تصل إلى الحرق بالنار، ثمّ إنهم لا يدمّرون بهذا الأسلوب سوى أنفسهم: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ * النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ * وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (٤ - ٩) وتوضح الآية التالية معنى قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ﴾ إذ تبيّن المصير النهائي للذين يضطهدون المؤمنين في محاولة منهم لتغيير دينهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ أي اضطهدوهم ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ﴾ (١٠) بالمقارنة مع مآل المؤمنين الذين أتبعوا إيمانهم بالعمل الصالح: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ (١١) وأن الله تعالى قد يمهل الكفار في الدنيا، ولا يهملهم في العاقبة: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢)﴾

стр. 1956

﴿وأنه لا بد لذلك من المعاد: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ (١٣) ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ لمن تاب وآمن، كثير الإحسان ﴿الْوَدُودُ﴾ (١٤) ذو الملك والسلطان العظيم: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ (١٥) لا يتخلّف عن إرادته شيء: ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ (١٦) وأن جموع الكفار والمكذّبين - كمثل فرعون وثمود - لا يشذّون عن سنته تعالى في الخلق، والله تعالى محيط بهم من حيث لا يشعرون: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ * فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ * بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ * وَاللهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ (١٧ - ٢٠) فكان الأولى بالطغاة المكذّبين إمعان الفكر في القرآن الكريم: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ (٢١) إذ القرآن المجيد - بخلاف الكتب السابقة - محفوظ من كل تغيير أو حذف أو إضافة: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (٢١ - ٢٢) فلا عذر لهم في الرجوع إلى غيره من الكتب الدنيوية أو "الدينية" لتحديد معايير مصطنعة للحق والباطل.

стр. 1957

سورة الطارق - ٨٦ - مكية نزلت في وقت مبكر من الفترة المكية. ارتباط السورة بما قبلها في سورة البروج أن منحازي الفكر المصرّين على التكذيب جاهدون في قمع الحريات الدينية وفي اضطهاد المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠/ ٨٥]، وفي هذه السورة أن نور الحقيقة يطرق قلوب التائبين من الناس الجاهدين في البحث عنها: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ﴾ [الطار ١/ ٨٦]. محور السورة شبّه تعالى السكينة تنزل على قلوب المؤمنين في اللحظات الحرجة كأنّها طارق الليل - انظر أيضا آيات [الأنفال ١١/ ٨] و [التوبة ٢٦/ ٩، ٤٠] و [الفتح ٢٦/ ٤٨]-، وكذا الحقيقة تنير فجأة قلوب الباحثين عنها: ﴿وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ * النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ [٢/ ٨٦ - ٣]، لأن الله تعالى لا يترك عباده الحائرين بلا هداية: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [٤/ ٨٦]، أما المصرّون على التكذيب فلا بد من إمهالهم لعلهم يتوبون: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [١٧/ ٨٦].

стр. 1958

النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿السكينة تنزل على قلب المؤمن في لحظات اليأس الحالكة، أو الاستنارة تطرق قلب الحائر الشاكّ، أو الإلهام الرباني يهدي قلب الضالّ الباحث عن الحقيقة فينزل عليه كالنجم الثاقب في ظلام الليل، أو كزائر الليل يطرق الباب: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ * وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ * النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ (١ - ٣) لأنّ الله تعالى القيوم الحافظ على عباده لا يترك عباده الباحثين عن الحقيقة بلا هداية: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ (٤) فليتأمّل الإنسان في معجزة خلقه ومنتهى ضعفه: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ (٥ - ٧) وأن من خلقه أول مرة قادر على بعثه بعد الموت: ﴿إِنَّهُ عَلى رَجْعِهِ لَقادِرٌ﴾ (٨) فلا تخفى منه على الله خافية: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ﴾ (٩) وتبدو قلة حيلته يوم الحساب: ﴿فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ﴾ (١٠) وليتأمل الإنسان أيضا معجزات الخلق في الأفلاك التي تدور حوله ثم ترجع: ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الرَّجْعِ﴾ (١١) ومعجزة الأرض تنشق عن النبات: ﴿وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ﴾ (١٢) فماذا ينتظر المشكّكون كي يؤمنوا بالقرآن الذي هو القول الفصل، الفاصل بين الحق والباطل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ (١٣) فقد نزل القرآن بالجدّ ولم ينزل باللعب: ﴿وَما هُوَ بِالْهَزْلِ (١٤)﴾

стр. 1959

﴿وما تفيد مكائدهم وظنونهم الباطلة أمام المشيئة العليا: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً﴾ (١٥ - ١٦) غير أنه على المؤمن إمهالهم لعلهم يهتدون، أو إمهالهم ليوم الحساب، وكلّ آت قريب: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (١٧)﴾.

стр. 1960

سورة الأعلى - ٨٧ - مكية من أوائل السور المكية، وقيل إنها الثامنة في ترتيب النزول. ارتباط السورة بما قبلها في سورة الطارق أن الإلهام القرآني يطرق قلوب الحائرين الباحثين عن الحقيقة فيحقق لها الهداية والسكينة: ﴿وَالسَّماءِ وَالطّارِقِ * وَما أَدْراكَ مَا الطّارِقُ * النَّجْمُ الثّاقِبُ﴾ [الطارق ١/ ٨٦ - ٣]، وفي هذه السورة أنّ من تكون هذه حاله يطهر قلبه عن ظلمة الكفر كما تطهر أعماله عن الرياء والتقصير إن ثابر على الذكر وعلى الدعاء: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى * وَذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [الأعلى ١٤/ ٨٧ - ١٥]، كما ختمت سورة الطارق بتوجيه المؤمنين للصبر على الكفار لعلّهم يتوبوا: ﴿فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق ١٧/ ٨٦]، ثم افتتحت سورة الأعلى بتوجيههم للاستعانة على ذلك بالتسبيح: ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى ١/ ٨٧]، محور السورة أنّ من واجب المؤمنين تذكير الكفار والجاحدين دون القسر: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [٩/ ٨٧]، وأن الفلاح الدنيوي والأخروي مرتبط بطهارة القلب

стр. 1961

والقول والعمل عن الرياء وعن التقصير: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى * وَذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ [١٤/ ٨٧ - ١٥]، ولكن بصيرة البعض قاصرة على الدنيا فقط دون الآخرة: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [١٦/ ٨٧ - ١٧]. النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿الأمر بتنزيه اسمه تعالى عمّا لا يليق به من الأوصاف والمعاني وعمّا يقوله المبطلون: ﴿سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (١) إذ خلق الخلق متناسبا مع ما هو مخلوق له من متطلبات: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوّى﴾ (٢) وحدّد طبيعة المخلوقات فهداها لما خلقت له: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى﴾ (٣) وجعل الحياة والموت: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى * فَجَعَلَهُ غُثاءً أَحْوى﴾ (٤ - ٥) وعلّم الإنسان ما لم يعلم فجعل علوم البشر والحضارات تراكمية: ﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ أيها الإنسان ﴿فَلا تَنْسى﴾ (٦)، ونظيره قوله: ﴿عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق ٥/ ٩٦]. إلاّ ما أصبح من العلوم والتقنية باليا فحلّت محلّه علوم جديدة أحدث من سابقتها: ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ (٧) غير أنّ علوم البشر محصورة بالظاهر - الجهر -، قاصرة دون علم الغيب - ما يخفى - ودون الحقيقة المطلقة التي لا يدرك الإنسان من كنهها شيئا إلاّ بطريق الوحي الإلهي: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى (٧)﴾ فالله تعالى يعلم الجهر من عالم الشهادة، كما يعلم ما يخفى على الإنسان من عالم الغيب،

стр. 1962

﴿ومن يؤمن بالوحي ييسّر تعالى حياته إلى اليسر والسكينة: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى﴾ (٨) فيكون من واجبه تذكير الآخرين بالحقيقة، سواء نفعت الذكرى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ (٩) أم لم تنفع بدليل تتمة الخطاب: فالنفع يحصل لمن في قلبه خشية لله: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى﴾ (١٠) ولا ينتفع من الذكرى من أعجبته نفسه واختار التكبّر: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ (١١) فيجعل نفسه في عداد الأشقياء المعذّبين كنتيجة طبيعية لما كان عليه من الكبر: ﴿الَّذِي يَصْلَى النّارَ الْكُبْرى * ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى﴾ (١٢ - ١٣) وتحصل السعادة كنتيجة طبيعية لمن تطهّر عمله عن الرياء والتقصير، وثابر على الذكر والدعاء: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى * وَذَكَرَ اِسْمَ رَبِّهِ فَصَلّى﴾ (١٤ - ١٥) والصلاة بمعنى الدعاء لأن الصلاة المكتوبة لم تكن وقت نزول السورة المبكّر في مكة، غير أن النفس البشرية ميّالة للدنيا غافلة عن الآخرة: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ (١٦ - ١٧) وليس معنى ذلك أن القرآن الكريم ينظر إلى الدنيا نظرة سلبية فالمسلم الحق يبتغي فيما آتاه الله الدار الآخرة ولا ينسى نصيبه من الدنيا [القصص ٧٧/ ٢٨]. وكل ذلك مذكور في الوحي الذي سبق ونزل على الأنبياء ومنهم إبراهيم وموسى، فالقرآن الكريم استمرار لما سبقه من الوحي وخاتمه: ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى﴾ (١٨ - ١٩). الوجه الآخر لمعنى الآيات (٦ - ٩) أن يكون الخطاب بالدرجة الأولى للنبي ﷺ ، وأن جبريل ﵇ كان يقرؤه القرآن فلا ينسى النبي العمل به

стр. 1963

- ذكره القرطبي والألوسي -، وقال الرازي: المعنى سنعلمك أيها النبيّ هذا القرآن حتى تحفظه وليعلم أن عدم النسيان من فضله تعالى وإحسانه - انتهى -، وأما قوله: ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ فلا يفيد سوى تعلق الأمر بالمشيئة العليا، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقد ذكر الألوسي أن الاستثناء على هذا النحو لتأكيد عموم النفي في قوله ﴿فَلا تَنْسى﴾ لا لنقض عمومه، وليس في الآية ما يفيد النسخ كما يعتقد البعض. وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى﴾ (٧)، فيحتمل المعنى أيضا أن الإنسان يخفي أمورا عن الآخرين كما يخفي عن نفسه الكثير، فالله تعالى أعلم بالنفس من صاحبها.

стр. 1964

سورة الغاشية - ٨٨ - مكية نزلت في النصف الثاني من الفترة المكية. ارتباط السورة بما قبلها سورة الغاشية تفصيل لسورة الأعلى المتقدّمة، ففي سورة الأعلى قوله تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى﴾ [الأعلى ١٠/ ٨٧]، ثم تبيّن سورة الغاشية عاقبة من اختار الذكرى [الغاشية ١/ ٨٨ - ٧]، وفي سورة الأعلى قوله تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ [الأعلى ١١/ ٨٧]، ثم تبين سورة الغاشية عاقبة من اختار تجنبها [الغاشية ٨/ ٨٨ - ١٦]، وفي سورة الأعلى أن من واجب المؤمن تذكير غيره من الغافلين: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرى﴾ [الأعلى ٨٧ - ٩]، ثم تنهى هذه السورة المؤمن عن تجاوز واجبه من الذكرى إلى القهر: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢١/ ٨٨ - ٢٢]. محور السورة أنّ النبي ﷺ ، وبالتالي غيره من البشر، لا يستطيع، ولا يجب عليه، إكراه الآخرين على الإيمان: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [٢١/ ٨٨ - ٢٢]، والحساب على الله: ﴿إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ﴾ [٢٥/ ٨٨ - ٢٦].

стр. 1965

النظم في السورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿تبدأ السورة بالتذكير بيوم الحساب الذي يغشى الناس جميعا فيكون وحده وقتئذ دون غيره شغلهم الشاغل: ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ﴾ (١) عندما يكون الناس قسمين، أحدهما من الذين اختاروا الشقاء لدنياهم وآخرتهم، لأنهم اجتنبوا الذكرى واتّبعوا أهواءهم، آية [الأعلى ١١/ ٨٧]، فهم يومئذ في منتهى الذلّ والعذاب: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ * عامِلَةٌ ناصِبَةٌ * تَصْلى ناراً حامِيَةً * تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ * لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاّ مِنْ ضَرِيعٍ * لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ (٢ - ٧) والقسم الآخر من الذين اختاروا الذكرى وعملوا بها فنفعتهم، آية [الأعلى ١٠/ ٨٧]، فهم وقتئذ في منتهى السكينة والرضا والسعادة الروحية المنزّهة عن اللغو: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ * لِسَعْيِها راضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ * لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً * فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ * فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ * وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ * وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ (٨ - ١٦)، فكيف للكفار أن ينكروا الآخرة وعجائب الخلق محيطة بهم من كل جانب، ومنها السحاب المحمّل بالمطر: ﴿أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ (١٧) والأفلاك السماوية فوقهم لا نهاية لاتساعها: ﴿وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ (١٨) ومعجزة الجبال والأرض تحت ناظرهم: ﴿وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ (١٩ - ٢٠)
следующие страницы →