← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

يبغضونكم ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ﴾ الكتاب اسم جنس للوحي الإلهي بكامله، أي تؤمنون بكل الكتب وهم لا يؤمنون بالقرآن ﴿وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنّا﴾ بالله مثلما تؤمنون ﴿وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ هم في غاية الغيظ بسبب إسلامكم ويتحسّبون من اجتماع كلمة المسلمين واشتداد شوكتهم ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ بمعنى الدعاء عليهم بحصول زيادة ما يغيظهم من عز الإسلام وقوة المسلمين ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ لا يخفى عليه ما تسرّونه في خلواتكم. ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (١٢٠) ١٢٠ - ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ مجرّد مسّ الحسنة لكم مهما كانت قليلة تسؤهم، والحسنة هي المنفعة قد تكون مادية أو تكون معنوية كانتشار الإسلام ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ يفرحوا بتمام إصابتكم بالسيئة ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ أمر تعالى المؤمنين الاستعانة على كيد العدوّ بالصبر والتقوى، ولم يأمرهم بمقابلة السيئة بمثلها، وذلك شبيه بقوله تعالى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصّلت: ٤١/ ٣٤] ﴿إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أحاطت قدرته بكيد الكافرين، وهو كاف عباده الصابرين على المصاعب في طاعته، والمتقين ما نهى عنه. ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١٢١) ١٢١ - هذه الآية وإن كانت بداية لخطاب جديد نزل بعد وقعة أحد فهنالك وجه اتصال بما قبلها، وهو أنه تعالى بعد أن نهى المؤمنين عن اتخاذ بطانة لهم من أعدائهم، وأنّ المؤمنين إن يصبروا ويتقوا لا يضرهم كيد عدوّهم شيئا، ضرب تعالى مثلا بأحداث وقعة أحد، والمعنى أن المؤمنين إن لم يصبروا ولم يتقوا يحلّ بهم ما حل بالمسلمين في أحد، إذ غدا النبي ﷺ يبوّئ المؤمنين مقاعد للقتال:

стр. 247

﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ أيها النبي ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ بالمدينة، وذلك بعد أن نزل المشركون في أحد يوم الأربعاء ١٢ شوال من السنة الثالثة للهجرة في ثلاثة آلاف رجل من مقاتليهم، من ضمنهم مائتي فارس، يريدون الانتقام لهزيمتهم في بدر بالعام الفائت، فكان رأي النبي ﷺ أن يتحصن وأصحابه في المدينة فيدافعوا عنها، اتباعا منه ﷺ لقاعدة ارتكاب أخف الضررين، وأبعدهما عن العدوان، ورحمة بالناس، وإيثارا للسلام، خاصة لتفوق قوة المشركين في الفرسان والعدد، فقد كانت حروبه ﷺ كلها دفاعية، واستشار ﷺ أصحابه في ذلك فوافقه جمع من أكابر المهاجرين والأنصار وعبد الله بن أبيّ بن سلول، ولكن أكثر الناس ممّن فاتتهم وقعة بدر وغيرهم رأوا الخروج إلى المشركين وقتالهم في أحد، وألحوّا على النبي ﷺ في ذلك حتى وافقهم على مضض فدخل منزله ولبس لأمته - وهي الدرع - بعد صلاة الجمعة، وكان قد أوصاهم في الخطبة، ووعدهم أن النصر لهم ما صبروا، ثم خرج عليهم فرآهم وقد ندم بعضهم، وقالوا: لعلّنا استكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج، فقالوا له: إن شئت أن نمكث، فقال: ما كان لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل، أي لما في فسخ العزيمة بعد إحكامها من الضعف، وبداية الفشل، وسوء الأسوة، وكان النبي ﷺ قد عمل برأي الجمهور من أصحابه تثبيتا لقاعدة الشورى المذكورة بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٤٢/ ٣٨]، ثم إنه خرج بهم بعد صلاة الجمعة، وأصبح في الوادي بأحد يوم السبت منتصف شوال ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ﴾ التبوئة هي اتخاذ الموضع، والمعنى أنه ﷺ كان يحدد للمؤمنين أماكنهم للمعركة، ويهيئ صفوفهم، بحيث جعل ظهورهم لجبل أحد، ووضع الرماة خلفهم على المرتفع، وقال لهم: «لا تبرحوا مكانكم إن رأيتمونا قد هزمناهم، فإنّا لن نزل غالبين ما ثبتّم مكانكم»، وأمّر عليهم عبد الله بن جبير ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع لدعائكم وعليم بنيّاتكم.

стр. 248

﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٢٢) ١٢٢ - ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا﴾ والطائفتان كلاهما من الأنصار، وهم بنو سلمة من الخزرج وبنو حارثة من الأوس، وقد خرج الرسول ﷺ من المدينة في ألف من أصحابه وقيل في تسع مئة وخمسين، فانخذل عنه في الطريق عبد الله بن أبيّ بثلث الجيش، فهمّت الطائفتان المذكورتان بالرجوع، وحدّثوا أنفسهم بذلك جبنا منهم، من غير شك في الإسلام ولا نفاق ولكن لما أصابهم من الهلع بعد انصراف عبد الله ابن أبيّ بمن معه، فثبّتهم تعالى وعصمهم من الفشل فمضوا مع النبيّ ﷺ ﴿أَنْ تَفْشَلا﴾ الفشل هنا بمعنى التخاذل والجبن من لقاء العدو ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾ أي هو ناصرهما ومتولّي أمرهما، فما لهما تهمّان بالفشل ولا تتوكلان على الله؟ ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ من كان به ضعف من المؤمنين أو خوف فليتوكل على الله، وذلك بعد أن يتخذ كل أسباب النجاح في الاستعداد والتأهب والحيطة تطبيقا لسنن الله في خلقه إذ جعل الأسباب مؤدية إلى النتائج، وروي أن النبي ﷺ كان يقول وقت بدء القتال: «اللهم بك أجول وبك أصول وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل»، وقد رأى المهندس عدنان الرفاعي أن هنالك تفسيرا مطلقا للآيات (١٢١ - ١٢٦) خارج إطار الزمان والمكان لمعركة أحد، أنظر كتابه: (الحكمة المطلقة - نظرية قرآنية في إطلاق النص القرآني) صفحة ١٨٠. ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (١٢٣) ١٢٣ - ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ وهو تذكير للمؤمنين كيف نصرهم الله يوم بدر رغم حالهم يومئذ من قلة العدد والسلاح والمال والخيل إذ كان عددهم ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلا ومعهم سبعون ناقة وفرسان، في حين كان المشركون حوالي ألف مقاتل يركبون سبع مئة ناقة ومئة فرس ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ بطاعته والثبات مع رسوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فتكون تقواكم هي شكر ما أنعم عليكم بنصره.

стр. 249

﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ (١٢٤) ١٢٤ - ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ عندما رأى المؤمنون أن عدد المشركين زهاء ثلاثة آلاف ومعهم مئتا فرس، وقد انخذل عنهم عبد الله بن أبيّ بثلث الناس فبقوا أقل من سبع مئة وفيهم خمسون فارسا فقط، فطمأنهم النبي ﷺ بهذا الوعد أن تنزل عليهم الملائكة بعدد جيش المشركين. ﴿بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (١٢٥) ١٢٥ - ﴿بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ اشترط الصبر والتقوى كي يتم المدد الإلهي ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا﴾ أي إذا أتوكم المشركون على الفور ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ فإن تحققت هذه الشروط يأتيكم المدد الإلهي بخمسة آلاف من الملائكة مرسلين، ويبدو أن عدد الملائكة وهو في وقعة بدر ألف، وفي أحد الوعد بثلاثة آلاف، ثم خمسة آلاف كناية عن مقدرته تعالى على عون المؤمنين بلا حدود، فإن قيل كيف طمأنهم ثم لم يحصل المدد الإلهي بالملائكة؟ فالجواب أن النبي ﷺ قال ذلك مع اشتراط الصبر والتقوى، وتلك هي العبرة من القصة، وبالفعل فقد أمدّ تعالى المؤمنين بعونه حتى انهزم المشركون، وذلك واضح من الآية (١٥٣)﴾، ثم عندما لم يصبروا ونزل الرماة من مراكزهم في الجبل واشتغلوا بالغنائم، ولم يتقوا، وخالفوا أمر الرسول ﷺ ، ودبّت الفوضى في صفوفهم، انقلب النصر هزيمة، ولئلا يتكرر منهم مخالفة الرسول أراد تعالى أن يشاهدوا فعليا أن نصرهم إنما يكون بطاعة الله ورسوله، وبتكاتفهم وانتظامهم وانضباطهم.

стр. 250

وقد اختلفوا في كيفية الإمداد بالملائكة، قال الرازي: هي بتثبيت قلوب المؤمنين والربط عليها، وفي تفسير المنار أن الملائكة أرواح تلابس النفوس فتمدّها بالإلهامات الصالحة التي تثبتها وتقوي عزيمتها. ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (١٢٦) ١٢٦ - ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾ أي إن وعد الإمداد بالملائكة هو لتقوية قلوب المؤمنين كي يعزموا على الثبات (الزمخشري)، وضمير الغائب في ﴿جَعَلَهُ﴾ عائد لقول النبي ﷺ أي: ما جعل الله قول النبي (ألن يكفيكم) إلا بشرى لكم، لأن الآيتين السابقتين ليستا وعدا من الله تعالى وإنما هما إخبار عما قاله النبي ﷺ لأصحابه، وقد يكون ضمير الغائب عائدا لوعد الإمداد بالملائكة، فيكون المعنى: وما جعل الله وعد الإمداد بالملائكة إلا بشرى لكم ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ كل شيء بتقديره تعالى، فمن جهة لا يجب على المرء أن يكون متعجرفا فيظن أن مصادره الدنيوية وحدها كافية بذاتها من دون توفيق من الله، ومن جهة ثانية عليه اتخاذ كافة الأسباب الدنيوية لتحقيق النجاح مع الإيمان والثقة بالعون والتوفيق الإلهي ﴿الْعَزِيزِ﴾ الغالب على أمره ﴿الْحَكِيمِ﴾ مصدر الحكمة بشكل مطلق، لأن التدبير الإلهي يفوق مقدرة الإنسان على الإحاطة به، فلا يدري المرء ما الحكمة في كثير من الأمور، ولا يعرف من الحكمة الإلهية إلا أقل القليل. ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ (١٢٧) ١٢٧ - ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والكلام متعلق بما قبله أي الغرض من التوفيق الإلهي، وتثبيتكم بعون الملائكة، ليقطع طرفا من الذين كفروا، ومعنى قطع الطرف إهلاك جماعة منهم، والإشارة إلى أنه تعالى لا يهلك جميع الكفار ولا يستأصلهم، فهو يمهل الباقين منهم ويترك مجال التوبة مفتوحا أمامهم

стр. 251

في الحياة الدنيا ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ﴾ يخزي جماعة أخرى منهم فلا يحققوا هدفهم، ويتوب على جماعة، ويعذب جماعة، كما سيرد في الآية التالية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾ (١٢٨) ١٢٨ - ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ أيها النبي ﴿مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ بل الأمر كله الله ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ إن أسلموا ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ إن أصرّوا على الكفر ﴿فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾ مستحقّون للعقاب، وجملة ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ معترضة بين الآية السابقة وتتمة هذه الآية، والمعنى: ليقطع طرفا من الذين كفروا، أو يكبتهم فينقلبوا خائبين، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم فإنهم ظالمون، ليس لك من الأمر شيء أيها النبي، إنما أنت عبد مبعوث لإنذارهم ومجاهدتهم، ولا يعرف العبد من أسرار الحكمة والخطة الإلهية إلا أقل القليل في أحسن الأحوال، فكل الأمور تسير وفق التدبير الإلهي المحكم، وقيل إن النبي ﷺ لما كسرت سنّه وشجّ رأسه وسال الدم على وجهه يوم أحد دعا على المشركين أو همّ بأن يدعو عليهم، فنزلت الآية. ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٢٩) ١٢٩ - ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ المعنى ليس لك أيها النبي من الأمر شيء، وإنما لله ما في السماوات وما في الأرض يحكم فيهما ما يشاء ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غفور يستر ذنوب من أحب أن يستر عليه عيوبه، ورحيم في الإمهال وعدم تعجيل العقوبة. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٣٠) ١٣٠ - ورد في تفسير المنار شرح لترتيب الآيات كما يلي: بعد أن نهى تعالى المؤمنين عن اتخاذ بطانة لهم من اليهود وأمثالهم، وبيّن لهم كيف يتّقون شرور عدوّهم بالصبر وتقوى الله، وذكّرهم بما يدل على تحقق ذلك إيجابا وسلبا

стр. 252

مما حدث في وقعتي بدر وأحد، نهاهم تعالى في هذه الآية عن شرّ آخر من شرور اليهود ومن اقتدى بهم من المشركين: وهو أكل الربا أضعافا مضاعفة، فقال عزّ من قائل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً﴾ وهذا أول ما نزل في تحريم الربا، ثمّ آيات [البقرة: ٢/ ٢٧٥ - ٢٨١] في الربا نزلت بعدها، بل كانت آخر آيات الأحكام نزولا، والمراد من الربا أضعافا مضاعفة: تضاعف أصل القرض مع مرور الزمن بسبب الربا الفاحش، وهو ما يحدث في عصرنا بتطبيق الربا المركّب على المدين، وكانوا يسمّونه في الجاهلية ربا النسيئة، وهو أنه إذا عجز المدين عن سداد دينه وقت حلول الأجل فلصاحب المال أن يوافق على تأخير السداد لعام أو أعوام قادمة مقابل تضعيف أصل القرض، وهكذا فقد يستهلك المقرض ما يفوق إمكانات المدين بكثير فيؤدي به إلى الدمار ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ في المحتاجين، فلا تحمّلوهم ما يؤدي بهم إلى الخراب ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي تفلحون في دنياكم بالتراحم والتعاون والمحبة. ﴿وَاِتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ (١٣١) ١٣١ - ﴿وَاِتَّقُوا النّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ﴾ كونوا متّقين في أمر تحريم الربا فلا تأكلوه، ويلاحظ أن هذه الآية جعلت أكل الربا قريبا من الكفر. ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١٣٢) ١٣٢ - ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ تأكيد على وجوب الطاعة لله والرسول، بعدما حدث في وقعة أحد من مخالفة الرماة لأوامر الرسول ﷺ . ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١٣٣) ١٣٣ - ﴿وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي بادروا إلى أسباب المغفرة مثل التوبة عن الآثام كالربا، والإقبال على البر كالصدقات، والمسارعة إلى ذلك أي

стр. 253

قبل حضور الأجل حيث يفوت الأوان ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ﴾ كناية عن اتساعها بلا حدود ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ الموصوفين في الآية التالية: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٣٤) ١٣٤ - ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ﴾ السرّاء من السرور والضرّاء من الضرر، والمعنى الذين ينفقون في حالة الرخاء واليسر، وفي حالة الضيق والشدة والعسر، وقد بدأ تعالى بذكر الإنفاق الذي هو نقيض الربا، وجعله أول صفة من صفات المتقين، لأن الإنفاق شاقّ على النفوس، وهو في نفس الوقت أنفع للبشر من سائر الصفات والأعمال، وإذا كان الإنفاق مطلوبا حتى من المعسرين لما فيه من تطهير النفوس من الخسة والرذائل، حتى جعله تعالى علامة التقوى المطلوبة لدخول الجنة، فكيف بحال الموسرين الذين يبخلون بأموالهم عن الخير ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ وهذه صفة ثانية من صفات المتقين وهي كظم الغيظ، أي كبحه حتى لا يظهر أثره على المرء لا بقول ولا بفعل، وذلك من مزايا الصبر والحلم، لأن من أجاب داعي الغيظ إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال ولا يكتفي بالحق بل يتجاوزه إلى البغي ﴿وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ وهي مرتبة في ضبط النفس وكرم المعاملة فوق مرتبة كظم الغيظ، فقد يكظم المرء غيظه ويبقى في قلبه الحقد والضغينة ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وهي مرتبة أعلى أن يحسن المرء لغيره بعد أن يكظم غيظه ويعفو عنه. ﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١٣٥) ١٣٥ - ﴿وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ وهي العمل الشديد القبح الذي يخرج عن الحد ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ظلم النفس يطلق على كل ذنب ﴿ذَكَرُوا اللهَ﴾ أي ذكروا ما يترتب على الفحش والذنوب من مؤاخذة الله،

стр. 254

وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف ٧/ ٢٠١]. ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ والاستغفار يجب أن يصدّقه العمل، فيكون بمعنى التوبة والندم على الذنوب والعزم على تركها، أما الاستغفار باللسان فقط دون عزم فلا أثر له ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ﴾ فلا تطلب المغفرة إلا منه ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ لم يصرّوا على ذنوبهم وهم يعلمون قبحها. ﴿أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ (١٣٦) ١٣٦ - ﴿أُولئِكَ﴾ أي المتقون الموصوفون بما ذكر في الآيتين السابقتين ﴿جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ بستر معاصيهم وتكفير ذنوبهم ﴿وَجَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ وهي مكافأة لهم فوق المغفرة ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾ فهذا تمام ما يطمح الإنسان إليه! فليعمل الناس بعمل هؤلاء العاملين. ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (١٣٧) ١٣٧ - بعد ما ورد في الآيات السابقات من أخبار وقعة أحد، والتذكير بوقعة بدر، وبعض العبر الحاصلة بهما، يذكر تعالى سننه في الخلق والعبر في ذلك ويعلّم المؤمنين من علم الاجتماع ما لا يعلمون: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ خلت أي مضت، والسنن مفردها سنّة وهي الطريق المستقيمة، وهي أيضا المثال المتّبع أو السيرة، ومنه سنّة النبي ﷺ : ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ انظروا في تاريخ من قبلكم من الأمم وكيف أن مشيئة الله في خلقه تسير وفق سنن حكيمة لا تتبدّل، والصراع بين الحق والباطل مستمر منذ الأزل، ويحصل بأسباب مطّردة وأنماط متكررة، والمؤمنون الصادقون أجدر من غيرهم بمعرفة سننه تعالى في خلقه واتباع ما يلزم لتحقيق أسباب النصر فلا يتواكلون ﴿فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ لأنّ من سننه تعالى أنّ الباطل يزول وإن طال أمره.

стр. 255

﴿هذا بَيانٌ لِلنّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١٣٨) ١٣٨ - ﴿هذا بَيانٌ لِلنّاسِ﴾ لكلّ ذي عقل أن يتفكر ويعتبر بسنن الله في خلقه وفي الأمم التي مضت، وأن كل من يتبع تلك السنن يصل إلى غايتها إن خيرا فخير، أو شرا فشر ﴿وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ المتقين وحدهم من دون باقي الناس هم الذين يهتدون ويتعظون ويعملون على إحقاق الحق وإبطال الباطل. ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٣٩) ١٣٩ - ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا﴾ الوهن هو الضعف، والمعنى لا تضعفوا في الجهاد ولا تحزنوا بسبب ما أصابكم في أحد فقد كان تربية لكم على مخالفة قائدكم الرسول ﷺ ، ومخالفة القيادة خروج عن سنّة الله في أسباب الظفر ﴿وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن كنتم مؤمنين وموقنين بوعد الله فأنتم الأعلون في العاقبة، كما في آية [محمد: ٤٧/ ٧]، وهذا الوعد منه تعالى بالنصر عام لكل المناسبات والعصور وليس مقتصرا على أحداث وقعة أحد وهو مشروط بقوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي إن كنتم مؤمنين بهدي القرآن والسنّة، وعاملين بموجبها، وبموجب سننه تعالى في خلقه بالوصول إلى النتائج عن طريق الأسباب، فحينئذ يكون التوفيق الإلهي في جانبكم فلا تهنوا ولا تحزنوا. ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ (١٤٠) ١٤٠ - ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ يمسسكم أي يصبكم، والقرح هو الألم الناتج عن الجرح، والمقصود ما أصيب به المسلمون يوم أحد، وأن المشركين أصيبوا يوم أحد بمثل ما أصيب به المؤمنون، كما أصيب المشركون يوم بدر ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ الأيام تنتقل من قوم إلى آخرين، فيقال الأيام دول أو الدنيا دول، ويقال أيضا تداولته الأيدي أي

стр. 256

تناقلته، والمعنى أن أيام الدنيا تتبدل بين الناس فلا تدوم المسرّات ولا المضارّ، وقد يشدد تعالى المحنة على الكفار تارة وعلى المؤمنين تارة أخرى وفق سننه الكونية، ولو أنه تعالى شدد المحنة على الكفار في جميع الأحوال، وأزالها عن المؤمنين في جميع الأوقات، لحصل العلم الاضطراري بأن الإيمان حق وما سواه باطل، فيحصل ما يشبه القسر ويبطل التكليف والثواب والعقاب، كما أن تشديد المحنة على المؤمنين في بعض الأوقات يكون تأديبا لهم وتعليما، وأما تشديد المحنة على الكفار فيكون غضبا منه تعالى عليهم، ولذّات الدنيا فانية على أية حال، ولا يدري الإنسان الحكمة من الخطة الإلهية ولا يحيط إلا بجوانب طفيفة منها في أحسن الأحوال، ولا بدّ أنّ ظفر الكفار المؤقت يحمل في طيّاته بذور هلاكهم ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي لإظهار علمه تعالى واقعا من عباده، لأن الثواب والعقاب هو على الواقع، وليس على المعلوم الذي لم يقع ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ﴾ يكرم بعضكم بالشهادة، أو يكون ذلك كقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [البقرة: ٢/ ١٤٣]، فيكون المعنى أن يختار منكم من يكون قدوة للناس ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ أي إن استشهاد بعضكم ليس معناه أن الله يحب الظالمين، ولكن لحب الله لكم. ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ (١٤١) ١٤١ - ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المحص في اللغة هو التنقية، فالمقصود هو تطهير المؤمنين من ذنوبهم ﴿وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ﴾ المحق هو النقصان والإبطال والمحو، ويقال محقه الله أي ذهب ببركته، قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢/ ٢٧٦]، فيكون المعنى أنّه تعالى يمحق سلطان الكافرين، وذلك أنهم إذا ظفروا وبغوا وأفسدوا واشتدّ اعتدادهم بأنفسهم كان في ذلك بذور هلاكهم، وهو معنى قوله تعالى في الآية السابقة أن الأيام دول. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ (١٤٢)﴾.

стр. 257

١٤٢ - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ﴾ الإيمان يجب أن يصدّقه العمل، فلن تدخلوا الجنة بمجرّد تصديقكم الرسول بالكلام، وقبل أن يبتليكم تعالى بالمحن وبالجهاد بالأموال والأنفس، وحيث إنّ علمه تعالى محيط بالغيب كما هو محيط بكل شيء، فالمعنى أنه تعالى لا يحاسب الناس بحسب علمه بالغيب منهم، وإنما بتحقق وظهور أفعالهم إلى حيز الوجود. ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (١٤٣) ١٤٣ - ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾ كنتم تتمنّون القتال في سبيل الله كما تتمنّون الموت في القتال لتنالوا الشهادة ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ فقد شاهدتم الحرب ورأيتم استشهاد غيركم رأي العين، والمعنى أنّ التمنّي يجب أن يكون قابلا للتحقّق بالعمل، ولا يعتدّ بالكلام فقط، والإشارة المباشرة إلى وقعة أحد عند ما ألحّ جماعة من الشبان ممّن لم يشهدوا وقعة بدر على الرسول ﷺ بالخروج من المدينة ومناجزة المشركين في معسكرهم بأحد، انظر شرح الآية (١٢١) أعلاه. ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٤) ١٤٤ - ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ خلت أي مضت، والمعنى أن النبي بشر كما كان الأنبياء من قبله يخضعون جميعا لسنن الله ونظامه في الخلق ﴿أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ أفإن مات كما مات إبراهيم وموسى وعيسى، أو قتل كما قتل يحيى وغيره، تنقلبون على أعقابكم، وقد حدث أنه لما فرّق خالد بن الوليد جمع المسلمين في أحد بعد أن خالف الرماة أمر النبي ﷺ وتركوا مراكزهم في الجبل فأشيع أن النبي ﷺ قتل، وقال بعض المنافقين: لو كان نبيا ما قتل فارجعوا إلى أصحابكم ودين آبائكم،

стр. 258

وأراد البعض من ضعاف النفوس أن يبعثوا إلى عبد الله بن أبيّ فيأخذ لهم أمانا من أبي سفيان ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً﴾ من ينكص عن دينه يضر نفسه فقط لأن الإسلام ليس بحاجة لأحد من الناس أو لطائفة منهم، ولكن العكس هو الصحيح فالبشرية هي التي بأمس الحاجة للإسلام، وقد تعهّد تعالى بحفظ دينه وإنجاز وعده فلا يحول دون ذلك ارتداد بعض الضعفاء والمنافقين ﴿وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ﴾ وهم الصابرون في المحن، وسمّاهم تعالى شاكرين لأنهم بفعلهم شكروا الله على نعمة الإسلام، وقد كان لهذه الآية أثرها في توطين نفوس المسلمين وإعدادها لما وقع بعد ذلك بعشر سنين، فقد ذكروا أن توبيخ المنقلبين على أعقابهم بهذه الآية قد ظهر أثره يوم وفاة النبي ﷺ إذ ارتد يومئذ البعض من الناس وثبت الصادقون على دينهم حتى كانت العاقبة لهم، كما كان لهذه الآية أثرها في تثبيت قلوب المسلمين عند ما قال لهم أبو بكر: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا الآية. ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٥) ١٤٥ - شاع يوم أحد أن محمدا ﷺ قتل، فالله تعالى يقول ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ فلا تموت النفس إلا بإذن الله وبقضائه وقدره، فرغم الأهوال وأسباب الهلاك التي واجهت النبي ﷺ في المعركة كان الله تعالى حافظا له وناصرا ولم تصل إليه أسباب الموت ﴿كِتاباً مُؤَجَّلاً﴾ كتب تعالى آجال النفوس منذ الأزل فلا تموت نفس إلا بأجل محدود في علم الله، وهو توبيخ لضعاف المسلمين بأن الحذر لا يمنع المقدّر، ولا ينافي ذلك أن كل شيء يجري بأسباب وفق السنن الكونية، وأنّ الكتاب المؤجّل كناية عن علم الله المسبق لكل شيء ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها﴾ أي

стр. 259

إن هنالك سننا لنيل منافع الدنيا، وسننا لنيل منافع الآخرة، من سار على كلّ منها وصل لما يريد، ومن أراد بأعماله المنافع الدنيوية فقط فالله تعالى لا يمنعه من ذلك، ولكن ليس هذا ما يدعو إليه الإسلام، فالمسلم يعمل للدنيا وهو ينظر للآخرة، ومن هدي الإسلام أن يطلب الإنسان خير الدنيا وخير الآخرة معا، انظر آية [البقرة: ٢/ ٢٠١]. ﴿وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ وهم الشاكرون لنعمة الإسلام الذي جعل الحقيقة بيّنة للناس، وأن الحياة ليست مقتصرة على ما نشاهده ونعرفه في حياتنا الدنيا فقط فمن الغيب ما لا نحيط بعلمه، والمؤمن الشاكر يتمتع بسعة الأفق بحيث أن أعماله يريد بها الدنيا والآخرة معا، أما الجاحد فهو من ضيق الأفق بحيث يسعى إلى المنافع الدنيوية فقط ويعتبرها هدفا نهائيا بذاتها فتكون وبالا عليه، والشكر ليس باللسان فقط وإنما بالقول والعمل معا. ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اِسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ (١٤٦) ١٤٦ - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ ضرب تعالى مثلا بكثير من الأنبياء في الماضي، والمعنى كم من نبيّ قاتل معهم المؤمنون من أتباعهم، فصبروا على ما أصابهم في سبيل الله ولم يضعفوا ولم يستكينوا ﴿قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ ربيّون أي الذين يعبدون الرب بمعنى المؤمنين الأتقياء ﴿فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ الوهن هو ضعف القلب فيكون المعنى: لم يغيّرهم ما أصابهم في سبيل الله، فلم تضعف عقيدتهم ولم يصبهم الهلع والجزع ﴿وَما ضَعُفُوا﴾ لم تختل قوتهم وعزيمتهم على القتال ﴿وَمَا اِسْتَكانُوا﴾ لم يذلّوا لعدوّهم ولم يخشعوا له بالمداهنة رغم ضعف وسائلهم ومنزلتهم ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ﴾ الذين لا يصيبهم الهلع والجزع والضعف والاستكانة، ويصبرون على الشدائد في سبيل الله، فإن الله يحبهم.

стр. 260

﴿وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ (١٤٧) ١٤٧ - ﴿وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا﴾ دعوا ربهم أوّلا أن يغفر ذنوبهم وغلوّهم في تجاوز الحدود، أي طلبوا غفران الذنوب الصغيرة والكبيرة، لكي ترفع الشدّة عنهم، وأضافوا الذنوب والغلوّ إلى أنفسهم مع أنهم كانوا ربّانيين ﴿وَثَبِّتْ أَقْدامَنا﴾ طلبوا الثبات بأن تنزل السكينة على قلوبهم حتى يصبروا ولا يصابوا بالذعر فيضطروا للهزيمة ﴿وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ بعد الاستغفار ورجاء الثبات دعوا الله أن ينصرهم بمقتضى سننه في الكون. ﴿فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٤٨) ١٤٨ - ﴿فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ وهو الظفر والسيادة في الأرض ﴿وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ﴾ أي ثواب الآخرة أحسن من ثواب الدنيا ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وفي الآية التالية تحذير للمؤمنين من الاستكانة للكفار: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ (١٤٩) ١٤٩ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ يحذّر تعالى عباده المؤمنين من طاعة الكافرين في أمور دنياهم ودينهم لأنه يترتب على ذلك أن يعمل المؤمنون بما يخالف دينهم، وقصارى ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصارى حَتّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة ٢/ ١٢٠]، ﴿فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ تنقلبوا من الفلاح إلى الخسران، فتكونوا خاسرين في الآخرة، كما تخسرون الدنيا بالوقوع تحت سيطرتهم، وفي ذلك عودة لموضوع الآيات (٢٨) و (١٠٠) و (١١٨)﴾، وفي هذه الآية أيضا مقابلة للمعنى المذكور

стр. 261

في الآيات السابقة (١٤٦ - ١٤٨) إذ تتضمن تحذيرا إلى ضعاف النفوس والمنافقين أن طاعة الكفار لن تجدي في تأمين الحماية لهم. ﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ (١٥٠) ١٥٠ - ﴿بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ الله تعالى ناصر عباده المؤمنين الذين لا يضعفون ولا يهنون ولا يستكينون للعدو، فهم ليسوا بحاجة لطلب النصرة والتأييد من الكفار لأن اعتمادهم على الله وحده. ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ﴾ (١٥١) ١٥١ - ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ بعد أن تحققت الغلبة للمشركين يوم أحد، وتشتّتت قوة المسلمين فانهزم بعضهم إلى المدينة وتفرق بعضهم الآخر في بطن الوادي والجبل، انسحب المشركون إلى مكة من غير سبب وهم غالبون قاهرون وقوتهم تكاد لم تتأثر بنتيجة المعركة، ويعتبر ذلك لغزا محيّرا، إذ لم يكن ما يمنعهم من الإجهاز على فلول المسلمين ثم دخول المدينة حيث كان سيستقبلهم المنافقون واليهود، ولكن بدلا من ذلك فرّوا وتركوا المدينة إذ ألقى تعالى الرعب في قلوبهم، حتى روي أن أبا سفيان صعد الجبل ونادى: أفيكم محمد؟ أين ابن أبي قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ فأجابه عمر ودار بينهما حوار، فما تجاسر أبو سفيان ومن معه على الذهاب إليهم ومنازلتهم، وليس صحيحا تبرير بعض المستشرقين بأن العرب اعتادت في غزواتها أن لا تجهز على الخصم بعد هزيمته كما لو كانت المعارك نوعا من المباريات الرياضية، فالأمر هاهنا كان مختلفا والحرب بين المسلمين والمشركين لم تكن من هذا النوع، إذ كانت قريش مصممة على استئصال المسلمين والقضاء على النبي ﷺ ، والنبي ما خرج من مكة وهاجر إلى المدينة وأذن للمسلمين بالهجرة إلاّ بعد أن عزم المشركون على قتله واستئصال أصحابه، ولا أدلّ على

стр. 262

ذلك أن المشركين بعد أن صاروا في طريق عودتهم إلى مكة، أفاقوا من ذهولهم وندموا على انسحابهم فقال بعضهم لبعض: ما صنعنا شيئا، تركناهم ونحن الغالبون، ارجعوا حتى نستأصلهم، فلما عزموا على ذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم وصرفهم عن الرجوع، روى البخاري وأحمد عن النبي ﷺ أنه قال: «نصرت بالرعب مسيرة شهر». ﴿بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً﴾ السلطان بمعنى الحجّة والبرهان، أي إن سبب إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا هو أنهم أشركوا بالله معبودات لا يقوم لها برهان من العقل ولا من الوحي ﴿وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ﴾ وهو مصيرهم في الآخرة، وإلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا ليس مقتصرا على ما وقع في أحد، فهو عام لكل المناسبات والأوقات لأن العبر القرآنية منطبقة على كل الأزمان والأحوال، وهذه الآية استمرار لما قبلها بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ * بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ﴾ فيكون إلقاء الرعب في قلوب ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مرتبطا بتحقيق المعنى الفعلي للفظ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي الذين آمنوا إيمانا يقينيا ليس باللسان فقط، ولكن بما يترتب على ذلك من العمل وبذل الجهد والنفس والمال، ثم ضرب تعالى للمؤمنين مثلا بأحداث وقعة أحد فقال عزّ من قائل: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٥٢) ١٥٢ - ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ﴾ بالنصر على عدوكم ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ تحسّونهم أي تقتلونهم قتلا كثيرا وذلك في بداية المعركة، وحسّه أي ذهب بحسّه من القتل، وقد صدق تعالى المؤمنين وعده الذي جاء على لسان نبيّه

стр. 263

بالآية (١٢٥)، وذلك بعدما تعبّأ الرسول ﷺ للقتال في سبع مئة رجل، منهم خمسون فارسا، فجعل ظهورهم لأحد وقال لهم: «لا يقاتلنّ أحد حتى نأمر بالقتال»، إحكاما للخطة، وما كانت العرب تراعي ذلك دوما، لا سيّما إذا حدث ما يثير حميّتها، وأعطى اللواء مصعب بن عمير، وأمّر على الخيل الزبير بن العوّام والمقداد بن الأسود الكندي، وجعل الرماة خمسين رجلا خلف العسكر على مرتفع في مواجهة خيل المشركين وأمّر عليهم عبد الله بن جبير، ومن جملة ما قاله لابن جبير: «انضح عنا الخيل بالنبل لا يأتونا من خلفنا واثبت مكانك لا نؤتينّ من قبلك»، وتعبّأت قريش للقتال بقيادة أبي سفيان في ثلاثة آلاف رجل، منهم مئتا فارس، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل، ثم خرج طلحة بن عثمان حامل لواء المشركين يطلب المبارزة فقتله علي بن أبي طالب ﵁، فأقبل أبو سفيان يحمل اللات والعزّى، فأرسل النبي ﷺ إلى الزبير أن يقاتل فحمل على خالد بن الوليد حتى هزمه ومن معه، واقتتل الجانبان، فأنزل تعالى نصره على المؤمنين وصدقهم وعده ما صبروا واتقوا، فحسّوا المشركين بالسيوف حتى كانت الهزيمة للمشركين لا شكّ فيها، إلى أن خالف أكثر الرماة أمر النبي ﷺ واشتغلوا بطلب الغنائم ولم تثبت سوى قلّة منهم ﴿حَتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ فشلتم بمعنى تخاذلتم، وتنازعتم في الأمر أي اختلفتم في أمر نبيّكم، إذ قال بعض الرماة: ما فائدة بقائنا هنا والمشركون قد انهزموا؟ وقال آخرون: لا نخالف أمر الرسول ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ عصى أكثر الرماة أمر النبي ﷺ ، وقد أمرهم الثبات في مراكزكم لحماية مؤخرة المسلمين ﴿مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ﴾ وهو النصر ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ وهم الذين طمعوا في الغنائم ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ وهم الرماة الذين ثبتوا في مراكزهم مع عبد الله بن جبير وكانوا أقل من عشرة، وآخرون ثبتوا مع النبي ﷺ ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ أسند تعالى صرف المؤمنين عن

стр. 264

المشركين إلى ذاته العليّة باعتبار أنهم خالفوا سننه الكونية في الوصول إلى النتائج عن طريق الأسباب، وباعتبار الغاية الحميدة من ذلك في تربيتهم وتمحيصهم وإعدادهم للنصر الشامل ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ ليجعل ذلك محنة لكم واختبارا، وقد قتل يومئذ سبعون من أكابر المسلمين ﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ بأنّه تعالى لم يهلككم في ذلك اليوم، وأنّه ألقى الرعب في قلوب المشركين فانصرفوا عنهم وعن المدينة وهم في حالة من الارتباك والحيرة بعد أن صارت الغلبة لهم، ولو أرادوا لصارت المدينة في قبضتهم ﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو يعاقبهم في الدنيا ببعض ذنوبهم تربية لهم وتمحيصا، ولا يستأصلهم رحمة بهم ولما فيهم من الإيمان، والعبرة من هذه الآية عامة لكل الأزمان والأحوال، أي أنه تعالى يصدق المؤمنين وعده ما لم يتنازعوا ويتخاذلوا ويتهالكوا على الدنيا. ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (١٥٣) ١٥٣ - ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ تذهبون نحو أعلى الوادي، وهو من الإصعاد، وقيل تصعدون الجبل ﴿وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ﴾ لا يلتفت بعضكم لبعض من شدة الهرب، وأصله من لوى يلوي عنقه كي يلتفت ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ﴾ عندما تعرّض المسلمون إلى هجوم المشركين من خلفهم، بالإضافة إلى مواجهتهم، لاذوا بالفرار فمنهم من توجّه إلى المدينة، ومنهم من اتّجه إلى الجبل أو أصعد في الوادي، وبقي الرسول وحده ثابتا مع قلّة من صحابته قيل إنّ عددهم أربعة عشر فكان ينادي المنهزمين وهو في مؤخرتهم، ﴿فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي جازاكم الله غمّا متّصلا بغمّ، فالغموم يومئذ كانت كثيرة فمنها غمّ المسلمين بسبب فوت النصر الذي أوشك أن يكون لهم، وغمّهم لمّا شاع مقتل النبي ﷺ ، وغمّهم بمقتل العديد من أصحابهم، وغمّهم بما قد يحدث لعائلاتهم التي خلّفوها وراءهم في المدينة، فقد كان محتملا أن يدخل

стр. 265

المشركون المدينة بعد أن صارت بلا مدافعين، وقد يكون المعنى أيضا جازاكم الله غمّا بسبب الغمّ الذي أصاب الرسول ﷺ من عصيانكم وهزيمتكم، والغمّ هو ضيق الصدر من أمر يسوء المرء، وإن لم يتبين حقيقة سببه، لأنّ الكلمة تتضمّن معنى الخفاء، فيقال غمّ الشيء إذا خفي، كما يقال: غمّ الهلال إذا لم يظهر، ويحتمل أيضا أن الغم الذي أصابهم ناتج عن الشعور بالخجل من سلوكهم في الهزيمة مما كان أكثر إيلاما لهم من فوات النصر ومن مقتل أصحابهم ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ لكيلا يكون حزنكم على فوت الغنيمة، إذ هنالك ما هو أهم منها ﴿وَلا ما أَصابَكُمْ﴾ من القتل والجراح والهزيمة ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فلا تعتذروا عن أنفسكم ولا تخادعوها لأنه تعالى محيط بنفوسكم لا يخفى عليه شيء منها. ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (١٥٤) ١٥٤ - بعد أن هدأ القتال في أحد وصعد أبو سفيان الجبل وأشرف على المسلمين في شعب الوادي ودار حوار بينه وبين عمر، كان المسلمون في حالة من الإنهاك والجراح والقلق خائفين أن يجهز المشركون عليهم أو يدخلوا المدينة، فأنزل تعالى سكينته على طائفة منهم فأمنوا: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً﴾ الأمنة من الأمن، أي نزلت السكينة على قلوبهم فأزالت عنهم الخوف، وانصرف المشركون عائدون إلى مكة ﴿يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ﴾ وهم المؤمنون يقينا والمستسلمون لما اقتضته الحكمة الإلهية من العاقبة، نزلت السكينة عليهم وغفلوا عن الخطر المحيط بهم وغلبهم

стр. 266

النعاس تثبيتا منه تعالى لهم وليستردّوا قوّتهم ونشاطهم ﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ وهم ضعاف الإيمان زعزعتهم نتيجة المعركة، وكان همّهم مصالحهم القريبة فقط ﴿يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ نسوا أن الدنيا دار امتحان وابتلاء، وظنّوا بعد وقعة بدر أن الدين والنصر متلازمان دوما فأذهلهم ما حدث، وفاتهم أنّ كمال الحكمة من الخطة الإلهية لا يعلمها إلاّ الله تعالى: ﴿ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ﴾ أي ظنّ أهل الجاهلية، وفي المعنى العام نرى أنّ العقلية الجاهلية ليست مقتصرة على الفترة الزمنية التي سبقت البعثة الإسلامية، وإنما هي عقلية المصلحة القريبة والمنفعة المباشرة التي يسير البعض على أساسها في كل زمان بلا أي اعتبار للقيم الدينية والأخلاقية ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي هل لنا شيء ممّا كان يعدنا به النبي من النصر والقوة ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ﴾ كل الأمور تجري وفق سنته تعالى في خلقه، ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ بعد أن ضعضعتهم الهزيمة يخفون شكوكهم في الإسلام وفي تحقيق وعد الله لعباده ﴿يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا﴾ فقد غفلوا عن كون الآجال محددة في علم الله المسبق ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ﴾ الحذر لا يمنع المقدّر فالذين كتب عليهم القتل في علم الله المسبق لا بدّ أن يقتلوا على جميع التقديرات ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ﴾ يختبركم حتى يظهر لكم ما تنطوي عليه نفوسكم من الضعف أو قوة الإيمان فتظهر من الخفاء إلى العلن ﴿وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ﴾ يطهّرها من الوساوس والشكوك ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ الله تعالى غنيّ عن اختباركم فهو عليم بما تسرّون في صدوركم سلفا، ولكن ليظهر لكم ما في أنفسكم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾.

стр. 267

١٥٥ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ الذين تركوا مراكزهم في القتال يوم أحد، وهم بعض الرماة، وآخرون انهزموا عندما فاجأهم المشركون من خلفهم، فمنهم من دخل المدينة ومنهم من أصعد في شعب الوادي، والأكثرون منهم نزلوا عند الجبل ﴿إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ بعض ما كسبوا هو الفرار عن القتال، فذلك الزلل الذي وقع منهم، والمعنى أن الزلل هو نتيجة ما كسب الإنسان من عمل، أي إنّ استزلال الشيطان للإنسان هو نتيجة للخيار الحرّ الذي يتّخذه المرء عندما يواجه أزمة أخلاقية معينة، فيختار ما يبدو له الأسهل أو الأنفع أو الأقرب وصولا إلى اللذة، بدلا من اختيار الأصلح ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾ عفا تعالى عن عقوبتهم في الآخرة بعدما عاقبهم في الدنيا بالهزيمة تربية لهم وتمحيصا ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ غفور للتائبين، وحليم لا يعجّل بالعقوبة. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١٥٦) ١٥٦ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا﴾ ضربوا في الأرض أي خرجوا لسفر بعيد، والغزّى هم الغزاة القاصدين قتال العدوّ، والمقصود بإخوانهم أي إخوانهم في النسب أو القربى أو الجنس، والمعنى أنّ البعض قالوا عن إخوانهم الذين خرجوا لسفر بعيد أو للغزو: لو كانوا مقيمين عندنا ما ماتوا وما قتلوا، مما يدلّ أنّ إخوانهم كانوا ميتين أو مقتولين وقت هذا القول، فقرن تعالى هذا القول بالكفر كونه لا يجب أن يصدر عن مؤمن، لأن الإيمان ليس مجرّد الإقرار باللسان، وقد أرشدت هذه السورة بالآية (١٤٥)﴾ أنّ الآجال محددة، كما أنّ قول (لو) عبث لا طائل منه والحسرة على ما فات لا تفيد، ويحتمل المعنى أيضا أنّ الكفار كانوا يقولون للمؤمنين، أو لبعضهم بعضا،

стр. 268

عن إخوانهم الذين خرجوا لسفر بعيد أو للغزو لو كانوا مقيمين عندنا ما ماتوا وما قتلوا، فنهى تعالى المؤمنين أن يكونوا مثل الكفار في قولهم واعتقادهم ﴿لِيَجْعَلَ اللهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ لأنّ الكافر يعتقد أنه لو بالغ في منع أخيه من الخروج للسفر أو للغزو لبقي حيّا، وبالتالي يعتبر نفسه ملوما على موته فتكون تلك حسرة في قلبه، في حين أن المسلم يعلم أن الحياة والموت بتقدير الله فلا يشعر بهذا النوع من الحسرة، ومن جهة ثانية فإنّ اطمئنان المؤمنين وتسليمهم بقضاء الله حسرة في قلوب الكفار ﴿وَاللهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ يحيي من يشاء بمقتضى سننه في بقاء أسباب الحياة، وإن سافر المرء أو قاتل، ويميت من يشاء بمقتضى سننه في الموت، وإن بقي المرء في بيته أو اتّخذ جانب الحيطة ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ لا يخفى عليه شيء من أعمال الكفار والمؤمنين ونواياهم. ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ (١٥٧) ١٥٧ - ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللهِ وَرَحْمَةٌ﴾ وهذا سبب آخر لاطمئنان المؤمن إذا قتل بعض إخوانه في سبيل الله أو ماتوا، لأن المقتولين والذين ماتوا فازوا بمغفرة الله ورحمته ﴿خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ من أموال الدنيا، وخير من الحظوظ الدنيوية الفانية، فلا يليق بالمؤمن أن يتحسّر على من يقتل أو يموت في سبيل الله لأنه يفوز بما هو أهم بكثير. ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ (١٥٨) ١٥٨ - ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللهِ تُحْشَرُونَ﴾ الآية السابقة قدّمت ذكر القتل على الموت لأنه يكون أكثر عند القتال في سبيل الله، وفي الحالتين هما خير وسيلة لنيل مغفرة الله ورحمته. وهذه الآية قدّمت ذكر الموت لأنه أكثر من القتل في الحالة العامة، وأن من يموت أو يقتل مصيره إلى الحشر والحساب فيجازي كل بحسب عمله.

стр. 269

﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ (١٥٩) ١٥٩ - ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ المعنى فبرحمة من الله لنت لهم، أو فبأيّ رحمة من الله لنت لهم، أو فبسبب رحمة من الله، أي كنت ليّنا مع قومك رغم كلّ ما بدر منهم في وقعة أحد، والخطاب للرسول ﷺ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٦٨/ ٤]، ومن ذلك أنه لمّا انهزم الناس عن النبي ﷺ في أحد وأصيب في المعركة، ثم بعد أن عادوا إليه لم يخاطبهم بالتعنيف والتغليظ وإنما عاملهم بالرفق، وكانت تلك سياسته مع الناس رحيما كريما يتجاوز عن الذنب ويعفو عن الإساءة ويبرّ الضعفاء ويشفق عليهم: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ الفظاظة قسوة الخلق، أما غليظ القلب فمن لا يتأثر قلبه بشيء، فلو كان النبي ﷺ فظّا غليظ القلب لانفضّ الناس من حوله وفات المقصود من البعثة والرسالة، وهذه الآية قاعدة أساسية للذين يدعون إلى الإسلام في كل الأزمان أن يكون لهم في أخلاق رسول الله ﷺ أسوة حسنة في تعاملهم مع الناس ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ العفو فيما يتعلق بحقوق النبي ﷺ ﴿وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فيما يتعلق بحقوق الله تعالى: ﴿وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ ضمير الغائب في ﴿شاوِرْهُمْ﴾ عائد لجماعة المسلمين، والأمر هو أمر المسلمين العام في السلم والحرب كما هو مذكور بقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٤٢/ ٣٨]، والمقصود شؤونهم الدنيوية بما فيها شؤون الحكم، ولا يدخل في ذلك أمور الدين المحض كالعبادات والعقائد والحلال والحرام لأنها لو خضعت للمشاورة لصار الدين من وضع البشر، والخطاب وإن كان موجّها للنبي ﷺ إلاّ أنّ اللفظ عام وينطبق على جماعة المسلمين وأولياء أمورهم في كل الأزمان، وقد كانت الشورى من سنة الرسول

стр. 270

ﷺ ، فمن ذلك أنه استشار الناس يوم بدر لما علم بخروج قريش لحربه، ولم يبرم الأمر حتى صرّح المهاجرون ثم الأنصار بالموافقة، ثم شاورهم في مكان نزول العسكر في بدر، كما استشارهم يوم أحد ونزل على رأي الأكثرية في الخروج من المدينة، وشاورهم يوم الحديبية، ومن سنته أيضا أن جعل قرار الأكثرية ملزما للحاكم، إذ ألزم نفسه ﷺ برغبة الأكثرية في الخروج إلى أحد رغم أن رأيه الشخصي كان التحصن في المدينة والدفاع عنها. ﴿فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ إذا عزمت بعد المشاورة على تنفيذ القرار فتوكل على الله راجيا معونته وتوفيقه بعد أن تكون أعددت لكل شيء عدته، والآية صريحة في وجوب المضيّ بتنفيذ العزيمة بعد الشورى لما في فسخ العزيمة من مظاهر الضعف والتردّد ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ الذين يتوكلون على حول الله وقوته بعد أن يعدّوا للأمور عدّتها، ولا يصيبهم الغرور والإعجاب بالنفس لما اتخذوه من أسباب. ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٦٠) ١٦٠ - ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللهُ﴾ كما نصركم في بدر ﴿فَلا غالِبَ لَكُمْ﴾ استئناف الكلام من الآية السابقة، والمعنى إن ينصركم الله بعملكم الجاد وفق سننه الكونية، واتخاذكم الأسباب بالاستعداد والتأهب والمشاورة وعملكم للآخرة، وتوكّلكم على معونته وتوفيقه، فلا غالب لكم، ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ إن يخذلكم كما في وقعة أحد بما كسبته أيديكم من التفرق والتخاذل والعصيان والتهالك على الغنائم، والاعتداد بالذات، فمن يستطيع نصركم؟ ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي توكلوا على الله وحده دون غيره من مخلوقاته، والواضح أن التوكل يكون مع الأخذ بالأسباب الدنيوية، لأنّ ترك الأسباب بدعوى التوكل لا يكون إلاّ عن

стр. 271

جهل بالشرع أو فساد في العقل، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٨/ ٦٠]. ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١٦١) ١٦١ - أرجف ضعاف النفوس في أحد بإشاعة مقتل النبي ﷺ وداخلتهم الشكوك في نبوّته، وقالوا: لو كان نبيّا ما قتل، فقال تعالى: ﴿وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ أي على النقيض ممّا يقوله المنافقون والكفار يستحيل على نبيّ أن يغلّ، والغلول هو الخيانة على سبيل الخفية، وتغلغل الشيء في الشيء إذا انتشر في باطنه خفية، والمعنى أنّ الأنبياء منزّهون عن الغلول ومعصومون عنه، فلا ينبغي لأحد أن يرتاب بهم ولا يظن بهم شيئا من الخيانة، لأنهم لا يكتمون من وحي الله شيئا، كما أنهم لا ينسبون كلامهم الشخصي إلى الله تعالى فيزعمون أنه وحي، وهذا الادعاء على سقمه شائع بين الكفار في كل الأزمنة، ومن الغلول أيضا أخذ الشيء خفية كالسرقة، والغلّ الحقد الكامن في الصدر ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي من يغلل من الناس يأت بوزر غلّه يوم القيامة ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ تجازى كل نفس جزاء ما كسبت من الغلّ. ﴿أَفَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١٦٢) ١٦٢ - ﴿أَفَمَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَ اللهِ﴾ وهم ذوو الإيمان اليقيني والمتّبعون للنبي ﷺ وسنّته ﴿كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللهِ﴾ هم المنافقون والكفار احتملوا سخط الله ورجعوا به ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ بسبب سوء ظنّهم بالنبي والأنبياء، أي ليسوا سواء، والكلام استمرار لما سبقه في الآية المتقدمة. ويحتمل المعنى أيضا أنّ من اتبعوا رضوان الله هم الأنبياء لأنهم منزّهون عن الغلول وقد أدّوا الرسالات السماوية على تمامها، وأما غيرهم ممّن شوّهوا

стр. 272

الرسالات السماوية وحرّفوها وابتدعوا فيها فقد باؤوا بسخط من الله، وبذلك يستقيم المعنى أيضا مع الآية المتقدمة. ﴿هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ (١٦٣) ١٦٣ - ﴿هُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ اللهِ﴾ لأنّ درجات أهل الثواب ممن اتبعوا رضوان الله متفاوتة، ودرجات أهل العقاب ممن باؤوا بسخطه متفاوتة أيضا على حسب تفاوت أعمال كل منهم، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٩٩/ ٧ - ٨]، ومعنى عند الله أي في علمه وحكمه ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ فهو تعالى بصير بالدقائق والتفاصيل من أعمالهم فيترتب على ذلك لكل منهم درجات حسبما عملوا. ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (١٦٤) ١٦٤ - وعلى النقيض ممّا يفكر به ويقوله المرجفون من اتهام النبي ﷺ بالغلول الذي نزّهه تعالى ونزّه الأنبياء عنه، فإن الله تعالى قد منّ على المؤمنين ببعث الرسول فيهم: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً﴾ والمنّ بهذا المعنى هو كل ما ينعم به تعالى على عباده ممّا لا تعب فيه ولا نصب، ثم بيّن تعالى أسباب ذلك وهي أوّلا: أنّ الرسول من أنفسهم ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ أي لم يكن غريبا عنهم فقد عرفوا حقيقته ومعدنه منذ نشأته، عرفوه حسن الخلق، راجح العقل، صادقا عفيفا غير متهالك على الدنيا، أمينا حتى صار ذلك لقبه فلقّبوه الأمين، فكيف يعقل بعد كل ذلك وصفه بالغلول، وهو أيضا من أنفسهم أي من بين ظهرانيهم بما في ذلك من الشرف وعلو القدر لهم أن نزلت خاتم الرسالات على نبي منهم فكانوا أول المهتدين بالقرآن، وهو أيضا من أنفسهم أي بشر مثلهم.

стр. 273

﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ﴾ يتلو عليهم الوحي القرآني ويرشدهم إلى الآيات الكونية كي يتفكروا في معجزة الخلق ووحدانية الخالق ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ يطهّرهم من العقائد الفاسدة، لأنهم كانوا يعبدون الأوثان ويئدون البنات ويقتلون ويستغلون بعضهم بعضا، ويرتكبون المنكرات كما لو كان في عقولهم لوثة، فطهرهم من كل ذلك ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ﴾ وهو القرآن وعن طريقه تعلموا الكتابة، لأنه أمرهم بذلك ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ التفقه في الأحكام القرآنية والعمل بها، وهي السنة كما بيّنها الرسول ﷺ قولا وعملا ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ يتخبطون وفق أهوائهم في جاهلية عمياء. ﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٦٥) ١٦٥ - حمل الرسالة السماوية يتطلّب التضحية والإعداد من قبل المؤمنين: ﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ يوم أحد حيث قتل سبعون من أكابر المسلمين ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ يوم بدر حيث قتل سبعون مشركا وأسر سبعون آخرون ﴿قُلْتُمْ أَنّى هذا﴾ أي كيف حصل هذا؟ فقد كانوا يظنون أن مجرد كونهم مؤمنين خرجوا في سبيل الله، أو مجرد وجودهم مع النبي ﷺ ، كاف لإحراز النصر ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي إنكم لم تتّبعوا أسباب النصر، فقد تخاذل الرماة وتنازعوا أمرهم وعصوا أمر قائدهم النبي ﷺ وتركوا مراكزهم، ثم لمّا باغت العدو جيش المسلمين من الخلف لم يثبت مع الرسول ﷺ إلاّ قلّة منهم، وانهزم الباقون لا يلوون على أحد والرسول يدعوهم في أخراهم، والعبرة من ذلك باقية لجميع المسلمين في جميع العصور أن الإيمان يجب أن يكون مقرونا باتخاذ الأسباب والسنن الدنيوية في الاستعداد والتخطيط والعمل والصبر واتقاء المعصية، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران ٣/ ١٢٠]، وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ﴾

стр. 274

﴿قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٨/ ٦٠]، ﴿إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو قدير على نصركم لو ثبّتم وأطعتم أمر الرسول ﷺ ، وقدير على التخلية وترككم لنتيجة أعمالكم لأن العقوبات آثار طبيعية للأعمال. ﴿وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٦٦) ١٦٦ - ﴿وَما أَصابَكُمْ﴾ من القتل ﴿يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ يوم أحد ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ وهو إرادته الأزلية وقضاؤه السابق بأن تكون السنن العامة في الأسباب والنتائج مطّردة، فكل عسكر لا يتخذ الأسباب الدنيوية ويخطئ الرأي ويعصى القيادة ويخلي بين العدو وظهره يصيبه ما أصابكم أو أشد ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ليظهر علمه تعالى بذلك، ولكي يتم فرزهم أمام أنفسهم وأمام الناس فيعلموا قوة إيمانهم من ضعفه ويمتازوا عن المنافقين، وليستفيدوا من نتيجة المصيبة. فالآية تشرح سبب المصيبة بقوله تعالى: ﴿فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ وتبيّن الحكمة منها بقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ اِدْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ (١٦٧) ١٦٧ - ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ تتمة الخطاب من الآية السابقة، أي ليظهر علمه تعالى بنفاقهم ويتم فرزهم أمام الناس، ويلاحظ أنه تعالى لم يقل: المنافقين، بل قال الذين نافقوا، أي بدر منهم النفاق، ويحتمل أن النفاق لم يكن راسخا فيهم أو في كامل المجموعة منهم، فمنهم من تاب بعد ذلك وصدق في إيمانه ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي قاتلوا دفاعا عن الدين والحق والمسلمين وابتغاء مرضاة الله ﴿أَوِ اِدْفَعُوا﴾ ادفعوا الضرر عن أنفسكم وأهليكم وأموالكم ومدينتكم، يعني كونوا إما أهل دين، أو أهل دنيا.

стр. 275

﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ﴾ أي لو كان ما سيقع قتالا متوازنا لاتبعناكم ولكنها معركة خاسرة وأنتم تلقون أنفسكم في التهلكة، وفي كل الأحوال لا نظن أنه سيكون قتال، والإشارة إلى عبد الله بن أبيّ ومجموعته من أهل النفاق والشك، إذ لمّا انخذلوا عن جيش النبي ﷺ وهو في طريقه للقاء المشركين في أحد أتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري يقول لهم: «أذكّركم الله أن تخذلوا نبيّكم وقومكم عند حضور العدوّ»، وهذا هو المقصود من قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا﴾ فقال بعضهم: لو نعلم أنه سيكون قتال ما تركناكم، ولكنا نرى أن الأمر سينتهي بلا قتال، قالوا ذلك تلبيسا أو استهزاء، وهم يعلمون أن المشركين جاؤوا من مكة متحرقين لقتال المسلمين والقضاء عليهم، فلما استعصوا وأبوا إلاّ الانصراف قال لهم عبد الله بن عمرو: «أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم»، ومضى رسول الله ﷺ . ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ﴾ رغم علمه تعالى بهم أنهم كانوا يبطنون الكفر، لأن نكوصهم عن الجهاد عمل من أعمال الكفر، فإنه لم يقل أنهم كفار لكونهم يظهرون القول بالشهادتين، فكانت إشارته تعالى لسلوكهم نوعا من التأديب لهم، ومنعا للناس من الجرأة على تكفير الغير وللنظر في احتمال العذر والتأويل ﴿يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي لا يتجاوز إيمانهم ما ينطقون بأفواههم ولا تعي قلوبهم منه شيئا، وهذا تصوير لنفاقهم بأن الإيمان موجود في الأفواه فقط ومعدوم في القلوب ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ من النفاق والكيد والبغض للمسلمين. ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٦٨) ١٦٨ - ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ هم المنافقون قعدوا عن القتال وقالوا عن إخوانهم، بعد انتهاء القتال في أحد، لو أطاعونا في

стр. 276

القعود عن القتال كما قعدنا نحن لما قتلوا، ويحتمل المعنى أيضا أن المنافقين قالوا هذا القول لبعضهم البعض، أو قالوه لمن عاد من المسلمين من أحد، أو لغيرهم من المسلمين تثبيطا لهم، فقالوا لهم أنه لو أطاع شهداء أحد المنافقين في القعود كما قعدوا هم عن الجهاد لما قتلوا، وقد لاحظ الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار أنه تعالى ذكر قول المنافقين قبل أن يذكر قعودهم، مع أن القعود سبق القول، والسبب أنّ قولهم كان أقبح من قعودهم لما فيه من الخبث وتثبيط همم باقي المسلمين عن القتال في المستقبل، في حين أنّ القعود عن القتال وإن كان إثما فهو محصور بمن قعد لا يتعدّاه إلى غيره ﴿قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أي إن كنتم صادقين في قولكم ادفعوا الموت عن أنفسكم، والمعنى أنّ القعود عن القتال لا يضمن لكم النجاة من الموت، وقد يموت القاعد عن القتال كما قد ينجو المقاتل، إذ هنالك أسباب كثيرة للموت والنجاة منه ليست مقتصرة على القتال أو القعود عنه. ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (١٦٩) ١٦٩ - ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً﴾ الخطاب متصل بما قبله وموجّه للمسلمين بعد وقعة أحد وفي كل زمن، فبعد أن بيّن تعالى بطلان ادّعاء المنافقين أن المجاهدين لو قعدوا لما قتلوا، فهو تعالى يقول أنهم حتى لو قتلوا في الجهاد فهذا شيء مستحب لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون: ﴿بَلْ أَحْياءٌ﴾ تقديرها بل هم أحياء ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ وهذا شبيه بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ٢/ ١٥٤] أي لا نشعر بطبيعة حياتهم الغيبية. ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾.

стр. 277

١٧٠ - ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بأن وفّقهم للشهادة وما يترتّب عليها من الكرامة والتفضيل والدرجات ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ يستبشرون بأن حال من خلفهم من المؤمنين ستكون جيدة بعد الموت بعدما رأوه من نعيم الآخرة، بدليل الآية (١٧١) ﴿مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الذين بقوا بعدهم ﴿أَلاّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ لا خوف عليهم من أهوال القيامة ﴿وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على ما فاتهم في الدنيا، والمشار لهم هم الذين لم يلحقوا بهم ممّن قاتل ولم يقتل. ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٧١) ١٧١ - ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ﴾ لمن لم يلحق بهم ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي الشهداء منهم وغير الشهداء. ﴿الَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١٧٢) ١٧٢ - ﴿الَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ بعدما أصابتهم الجراح، وهم إخوان أولئك الشهداء الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، إذ دعاهم الرسول ﷺ للخروج من المدينة لمطاردة المشركين بعد وقعة أحد، ذلك أن أبا سفيان لمّا انصرف من أحد مع المشركين وقطعوا أشواطا في طريقهم إلى مكة، ندموا وقال بعضهم لبعض لم نفعل شيئا إذ لم نستأصل محمدا وأصحابه فعزموا على الرجوع، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ فاستنفر أصحابه للخروج لملاقاتهم، وقال لهم لا يخرجنّ معي إلاّ من شارك في قتال أحد، فخرج معه جمع منهم من يتحامل على جراحه، حتى بلغوا موقعا يقال له حمراء الأسد على مسيرة ثمانية أميال من المدينة، فلما علم المشركون بذلك ألقى الله الرعب في قلوبهم فانهزموا ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ هم المؤمنون الذين خرجوا مع النبي ﷺ إلى حمراء الأسد متحاملين على أنفسهم وعلى جراحهم، وأحسنوا لأن الإحسان أن يقوم الإنسان بعمله على أحسن وجه، واتقوا التقصير ومعصية النبي ﷺ .

стр. 278

﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (١٧٣) ١٧٣ - ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ منافقو المدينة قالوا، تخويفا وترهيبا، للذين استجابوا لله والرسول وخرجوا مع النبي ﷺ إلى حمراء الأسد، قالوا لهم: ﴿إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ أي أبو سفيان وصحبه من المشركين جمعوا لكم جموعهم، لأنهم بعد أن كانوا في طريقهم إلى مكة ندموا على انصرافهم وعزموا على الرجوع يريدون استئصال المسلمين. وفي رواية أن الآية نزلت في غزوة بدر الصغرى إذ روي أن أبا سفيان، قبل انصرافه من أحد إلى مكة، نادى: يا محمد موعدنا موسم بدر فنقتتل بها إن شئت، فقال النبي ﷺ لعمر: «قل له بيننا وبينك ذلك الأجل إن شاء الله تعالى»، فلمّا كان الأجل في العام القابل، وهو شعبان سنة أربع للهجرة موسم تجارة بدر في الجاهلية، خرج أبو سفيان من مكة في نحو ألفين من المشركين حتى بلغ عسفان على مسافة يومين من مكة، فألقى الله الرعب في قلبه فبدا له الرجوع، ولكن كي ينقذ ماء وجهه بعث إلى المدينة أعوانا له يثبّطون همم المسلمين عن الخروج إليه في الموعد ويخوّفونهم من قوة المشركين، فقالوا للمسلمين: إن المشركين جمعوا جموعهم لقتالكم ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾ أي خافوا منهم وارهبوهم ولا تخرجوا إلى موعدكم معهم في بدر فسيكون في ذلك القضاء عليكم ﴿فَزادَهُمْ إِيماناً﴾ أي إن المسلمين لمّا سمعوا كلام الذين دسّهم أبو سفيان لم يعيروه اهتماما ولم يقيموا له وزنا بل زادهم ذلك الكلام إيمانا وتصميما على محاربة الكفار ﴿وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ أي يكفينا الله ونعم الكافي والوكيل، ثم خرج النبي ﷺ في ألف وخمس مئة من أصحابه إلى بدر الثانية أو الصغرى، وقيل كانوا أقل من ذلك، فأقاموا بها ينتظرون ثمانية أيام فلم يلقوا أحدا، لأن أبا سفيان رجع بجيشه إلى مكة.

стр. 279

﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاِتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (١٧٤) ١٧٤ - ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ﴾ خرجوا إلى لقاء المشركين ثم عادوا بنعمة من الله وهي السلامة والعافية وخوف العدو منهم ﴿وَفَضْلٍ﴾ وهو فضل معنوي إذ علمت العرب أن قريشا جبنت عن لقاء النبيّ ﷺ فازدادت مهابة المسلمين عند العرب، وهو أيضا الربح الذي أصابوه بتجارتهم في موسم بدر في أثناء انتظارهم أبي سفيان ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ لم يمسسهم ما يسوءهم من كيد العدو ﴿وَاِتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ﴾ بعزمهم على لقاء عدوّهم ﴿وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ بأن تفضّل عليهم بالتوفيق وصرف عنهم كيد المشركين إذ ألقى الرعب في قلوبهم. ﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ فَلا تَخافُوهُمْ وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٧٥) ١٧٥ - ﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ﴾ وهو من شياطين الإنس، لقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ [الأنعام: ٦/ ١١٢]، واختلفوا في تعيينه فقالوا هو أبو سفيان، وقيل غيره من أعوانه الذين حاولوا تثبيط المسلمين عن الجهاد، وسمّي شيطانا لعتوّه وتمرّده، وقيل بل المقصود إبليس يخوّف الناس بالوسوسة ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ﴾ يخوّفكم أيها المسلمون بأوليائه، أي بأنصاره من المشركين فيوهمكم أنهم جمع عظيم لا طاقة لكم بهم، أو أنه يخوّف أولياءه أي الذين يصدقونه ويطيعونه، أما أولياء الله فلا سلطان للشيطان عليهم إذ لا يخافونه ولا ينقادون لأمره ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾ أي لا تخافوا أولياء الشيطان من المشركين ﴿وَخافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ المعنى أن من يرجح خوفه من أولياء الشيطان على خوفه من الله يكون مشكوكا في إيمانه. والواضح أنّ مغزى الآية عام بما فيها من العبر للمسلمين في كل الأزمنة وليس مقتصرا على أحداث بعينها.

стр. 280

﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (١٧٦) ١٧٦ - ﴿وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ الخطاب وإن كان في الأصل للنبي ﷺ فهو أيضا موجّه لكل مسلم في كل عصر ألاّ يستسلم للحزن من كيد الكافرين للإسلام، وهو استمرار الخطاب من الآية السابقة بعدم الخوف من أولياء الشيطان، ومنهم الذين يسارعون في الكفر ويبشرون به، ووينشطون في الكيد للمسلمين وبث الشكوك عنهم وفيما بينهم، والمعنيّون بذلك زمن البعثة النبوية هم عتاة قريش ممّن قاوموا الإسلام والمسلمين، ثم بعد ذلك هم الصليبيون واليهود والمنافقون ودعاة المادية الذين حاربوا ويحاربون الإسلام على مرّ الأزمان حتى عصرنا هذا سواء بالسلاح أو بترويج الدعايات المغرضة عن المسلمين ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً﴾ لأنهم لن يتمكنوا من إبطال الإسلام وإزالة شريعته بل مصيرهم إلى الاضمحلال ﴿يُرِيدُ اللهُ أَلاّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ بسبب فساد فطرتهم ممّا اقتضى ألاّ يكون لهم نصيب من خيرات الآخرة ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ بسبب إصرارهم على إنكار الحقيقة. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٧٧) ١٧٧ - بعد أن نهى تعالى عن الاستسلام للحزن بسبب كيد الكافرين، يبين تعالى في هذه الآية سبب مسارعة الكفار في الكفر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمانِ﴾ معنى الشراء يقتضي أنّ الكفار المذكورين متهالكون على الدنيا فتكون معارضتهم للإسلام لا علاقة لها بالقناعات الفكرية وإنما لمجرد الخوف على مصالحهم الدنيوية ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللهَ شَيْئاً﴾ لأن الإسلام ليس بحاجة لهم، وإنّما البشرية هي التي بحاجة لنور الإسلام وحقيقته ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ باختيارهم المصالح الدنيوية على الآخرة.

стр. 281

﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (١٧٨) ١٧٨ - ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، ونملي لهم أي نمهلهم ونؤخّرهم، فبعد أن بيّن الله تعالى الحقيقة للناس من خلال الأنبياء والوحي وأعطاهم حرية الخيار كي يعمل كلّ إنسان ما يشاء بحسب استعداده، أمهلهم كي تكون لهم فرصة التوبة، فلا يحسب من أصرّ على الكفر أن الإمهال خير له وتأييد لضلاله، إلاّ إذا اغتنم فرصة التوبة: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً﴾ أي تكون نتيجة إمهال المصرّين على الكفر أنهم يرتكبون المزيد من الآثام، فلا يتوبون ولا يبصرون الحقيقة ولا يذعنون لها ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لإصرارهم على الكفر. ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١٧٩) ١٧٩ - ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ المعنى لم يكن الله ليدع المؤمنين - أو من لديه استعداد للإيمان - على ما هم عليه من الضلالة والشرك ﴿حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ حتى يبعث الله الرسل فيظهر من عنده استعداد للإيمان منكم فينقذه من الضلال ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ فلا ينزّل الوحي على كلّ فرد منكم ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ يختار من يشاء من رسله فيطلعهم على بعض الغيب ويوحي إلى الناس عن طريقهم ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ فالمطلوب منكم أن تؤمنوا بالله ورسله لأن الوحي يأتي عن طريقهم ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾ إن تؤمنوا بالوحي الذي نزل على الرسل ﴿وَتَتَّقُوا﴾ وتتقوا المعصية ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وهو غاية ما يطمح إليه العاقل باعتبار هذه الحياة الفانية.

стр. 282

﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١٨٠) ١٨٠ - ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ﴾ لا يحسبنّ الذين يبخلون البخل خيرا لهم، أو لا يحسبنّ أحد بخل الذين يبخلون خيرا لهم، وارتباط الآية المباشر بسابقتها لأن البخل سمة الكفار المخاطبين بها من حيث أن المادة في الدنيا هي معبودهم وهدفهم الوحيد، وهذه الآية أيضا متسلسلة مع آيات الحث على الجهاد وبذل النفس فهي الآن تحث المؤمنين على عدم البخل بالمال وبالعلم ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ سيلزمون إثم بخلهم في الآخرة كما يحيط الطوق بالعنق، والتطويق من باب الاستعارة كقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٣]، ﴿وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ له ما يتوارثه الناس من الأموال، لأنهم يمتلكون المال مرحليا، وفي النهاية يفنى أهل السماوات والأرض ويبطل ملك المالكين ولا يبقى مالك إلا الله تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فيكون الجزاء بمقدار العمل. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ (١٨١) ١٨١ - بعد أن حثّت الآية السابقة على إنفاق المال في سبيل الله، تذكر هذه الآية كلام اليهود بالطعن في ذلك ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ﴾ كان يهود المدينة يقولون ذلك تهكّما واستهزاء بالقرآن ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ما قالوا من التهكّم والاستهزاء، يجازيهم الله عليه وعلى قتلهم الأنبياء، ونسب قتل الأنبياء إليهم لأن اليهود راضون بما فعله أجدادهم، وباعتبار تكافلهم كأمّة إذ قتلوا يحيى وغيره من

стр. 283

الأنبياء، وهمّوا بقتل المسيح والنبيّ ﵉، انظر شرح الآية (٢١)، ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ في الآخرة. ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١٨٢) ١٨٢ - ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ذلك العذاب سببه ما كان منكم، أيها اليهود، من الكفر والفسوق والمعصية ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لأن ما يصيبهم من العذاب هو نتيجة طبيعية لأعمالهم. ﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٨٣) ١٨٣ - ﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ وهو قول اليهود ﴿إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ أي ما لم يكن متبعا للشريعة الموسوية، فيقبل بحرق القرابين كجزء من الطقوس الدينية عندهم، انظر (سفر اللاويين ١/ ٧ - ٩)، ومع أن اليهود عطّلوا هذه الطقوس بعد الخراب الثاني لمعبد سليمان على يد الرومان عام ٧٠ م، فقد بقي يهود ما بعد التلمود على قناعة بأن المسيح، أو خاتم الأنبياء المنتظر، سوف يعيد إقامة شريعة موسى على تمامها، وعلى هذا رفضوا الاقتناع بنبوة من لا يقيم شعائرهم بكلّ تفاصيلها ﴿قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ أي إن رسلكم ممن جاؤوكم بالبينات قبلي كانوا يقبلون بحرق القرابين كما قلتم ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قبل الخراب الثاني لمعبد سليمان كانت شعيرة حرق القرابين شائعة لديهم يقومون بها يوميا، وقت بعثة يحيى وعيسى ﵉، ومع ذلك فقد قتلوا يحيى وغيره، وحاولوا قتل عيسى المسيح ﵈، ولا زالت شعيرة حرق القرابين شائعة حتى اليوم في مدينة نابلس عند طائفة السامريين من اليهود Samaritans .

стр. 284

﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ (١٨٤) ١٨٤ - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ أيها النبي ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كذّب نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء ﵈ ﴿جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ جاؤوا بالدلائل البينة على الحقيقة وبالكتب السماوية والوحي المنير بوضوحه، والمعنى أن الناس درجوا على تكذيب الأنبياء منذ القوم واليهود أغرقوا في ذلك، فلا تأس عليهم أيها النبي، ولا تحزن لكفرهم، ولا تعجب من فسادهم، فتلك سنة الله في البشر من حيث إنه تعالى أعطاهم ملكة العقل والفكر وحرية الخيار فمنهم من يستخدم هذه الملكة على الوجه الصحيح، ومنهم الجاهل، ومنهم الممعن في ضلاله، ثم مصيرهم إلى الموت والحساب كما سيرد. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ (١٨٥) ١٨٥ - استمرار للخطاب من الآية (١٧٦)﴾ التي تنهى عن الحزن على المسارعين في الكفر، وما بعدها من الآيات التي تصف جحود الكفار واليهود وإنكارهم الرسل ومعاندتهم للمؤمنين، والمغزى لا يضجر ولا يتزعزع المؤمن من كلّ ذلك لأن الموت ملاق الجميع، وعندها لا يجد الكفار نصيبا لهم في الآخرة بل لهم عذاب عظيم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ كلّ حيّ مصيره إلى الموت ثمّ يحاسب بعمله ﴿وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ تكون توفية الأجور على تمامها في الآخرة، لأنّ بعضها قد يوفّى في الدنيا من ثواب وعقاب ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ وهو المؤمن، والزحزحة بمعنى الإبعاد ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ المتاع هو ما يتمتع به المرء، ويقال للآنية متاع، والغرور بضم

стр. 285

الغين ما يغترّ به من متاع الدنيا أي يخدع به، فتكون الحياة الدنيا كالآنية التي يخدع المرء بالتمتع بها، ووصفت الحياة بالدنيا بمعنى السفلى، أو القريبة أي حياتنا هذه، فهي متاع المغرق بالانشغال بها، لأنّ المزيد من المتاع يغريه بالمزيد من الإسراف في الطلب بلا نهاية، ولا غاية، حتى تكون المادة هي الغاية النهائية، تغريه وتصرفه عن تحصيل المعارف الحقيقية السامية التي يرقى بها الفكر، كما تصرفه عن العمل الصالح الذي ينفعه وينفع غيره من الناس، ومنهم من تكون غايته مجرد اللهو فيفنى عمره في التسلية واللعب وقتل الوقت بما يضر ولا ينفع. ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١٨٦) ١٨٦ - ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ أي لتختبرنّ بالمصائب في أموالكم، وبموت من تحبّونهم، وليس ذلك مقتصرا على ما وقع لكم في أحد، والمعنى أنّ المسلمين معرّضين لسنن الله في خلقه مثل غيرهم من الناس، فعليهم الأخذ بالأسباب، والاستعداد والتضحية وبذل الأموال والأنفس، ولا يظنّوا أن مجرّد كونهم على دين الإسلام يضمن لهم السلامة والنصر، ما لم يرافقه العمل والتنظيم والتضحيات ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وهم اليهود والمسيحية ﴿أَذىً كَثِيراً﴾ أي كثيرا من الهجاء والتجريح والافتراء والطعن في الإسلام، كما هو حاصل إلى يومنا هذا، وفي ذلك إخبار بالغيب ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ إن تصبروا على المصائب في الأموال والأنفس وعلى ما تسمعونه من أذى اليهود والنصارى، وتتقوا كل ذلك بالتخطيط والاستعداد والصبر، واتقاء المعاصي ﴿فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ هي من الأمور التي أوجبها الله عليكم.
следующие страницы →