← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (١٧٨) ١٧٨ - ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، ونملي لهم أي نمهلهم ونؤخّرهم، فبعد أن بيّن الله تعالى الحقيقة للناس من خلال الأنبياء والوحي وأعطاهم حرية الخيار كي يعمل كلّ إنسان ما يشاء بحسب استعداده، أمهلهم كي تكون لهم فرصة التوبة، فلا يحسب من أصرّ على الكفر أن الإمهال خير له وتأييد لضلاله، إلاّ إذا اغتنم فرصة التوبة: ﴿إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً﴾ أي تكون نتيجة إمهال المصرّين على الكفر أنهم يرتكبون المزيد من الآثام، فلا يتوبون ولا يبصرون الحقيقة ولا يذعنون لها ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ لإصرارهم على الكفر. ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (١٧٩) ١٧٩ - ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ المعنى لم يكن الله ليدع المؤمنين - أو من لديه استعداد للإيمان - على ما هم عليه من الضلالة والشرك ﴿حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ حتى يبعث الله الرسل فيظهر من عنده استعداد للإيمان منكم فينقذه من الضلال ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ فلا ينزّل الوحي على كلّ فرد منكم ﴿وَلكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ يختار من يشاء من رسله فيطلعهم على بعض الغيب ويوحي إلى الناس عن طريقهم ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ فالمطلوب منكم أن تؤمنوا بالله ورسله لأن الوحي يأتي عن طريقهم ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا﴾ إن تؤمنوا بالوحي الذي نزل على الرسل ﴿وَتَتَّقُوا﴾ وتتقوا المعصية ﴿فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وهو غاية ما يطمح إليه العاقل باعتبار هذه الحياة الفانية.

стр. 282

﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١٨٠) ١٨٠ - ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ﴾ لا يحسبنّ الذين يبخلون البخل خيرا لهم، أو لا يحسبنّ أحد بخل الذين يبخلون خيرا لهم، وارتباط الآية المباشر بسابقتها لأن البخل سمة الكفار المخاطبين بها من حيث أن المادة في الدنيا هي معبودهم وهدفهم الوحيد، وهذه الآية أيضا متسلسلة مع آيات الحث على الجهاد وبذل النفس فهي الآن تحث المؤمنين على عدم البخل بالمال وبالعلم ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ سيلزمون إثم بخلهم في الآخرة كما يحيط الطوق بالعنق، والتطويق من باب الاستعارة كقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٣]، ﴿وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ له ما يتوارثه الناس من الأموال، لأنهم يمتلكون المال مرحليا، وفي النهاية يفنى أهل السماوات والأرض ويبطل ملك المالكين ولا يبقى مالك إلا الله تعالى: ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ فيكون الجزاء بمقدار العمل. ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ (١٨١) ١٨١ - بعد أن حثّت الآية السابقة على إنفاق المال في سبيل الله، تذكر هذه الآية كلام اليهود بالطعن في ذلك ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ﴾ كان يهود المدينة يقولون ذلك تهكّما واستهزاء بالقرآن ﴿سَنَكْتُبُ ما قالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ما قالوا من التهكّم والاستهزاء، يجازيهم الله عليه وعلى قتلهم الأنبياء، ونسب قتل الأنبياء إليهم لأن اليهود راضون بما فعله أجدادهم، وباعتبار تكافلهم كأمّة إذ قتلوا يحيى وغيره من

стр. 283

الأنبياء، وهمّوا بقتل المسيح والنبيّ ﵉، انظر شرح الآية (٢١)، ﴿وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ في الآخرة. ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (١٨٢) ١٨٢ - ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ ذلك العذاب سببه ما كان منكم، أيها اليهود، من الكفر والفسوق والمعصية ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ لأن ما يصيبهم من العذاب هو نتيجة طبيعية لأعمالهم. ﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٨٣) ١٨٣ - ﴿الَّذِينَ قالُوا﴾ وهو قول اليهود ﴿إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ أي ما لم يكن متبعا للشريعة الموسوية، فيقبل بحرق القرابين كجزء من الطقوس الدينية عندهم، انظر (سفر اللاويين ١/ ٧ - ٩)، ومع أن اليهود عطّلوا هذه الطقوس بعد الخراب الثاني لمعبد سليمان على يد الرومان عام ٧٠ م، فقد بقي يهود ما بعد التلمود على قناعة بأن المسيح، أو خاتم الأنبياء المنتظر، سوف يعيد إقامة شريعة موسى على تمامها، وعلى هذا رفضوا الاقتناع بنبوة من لا يقيم شعائرهم بكلّ تفاصيلها ﴿قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ أي إن رسلكم ممن جاؤوكم بالبينات قبلي كانوا يقبلون بحرق القرابين كما قلتم ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قبل الخراب الثاني لمعبد سليمان كانت شعيرة حرق القرابين شائعة لديهم يقومون بها يوميا، وقت بعثة يحيى وعيسى ﵉، ومع ذلك فقد قتلوا يحيى وغيره، وحاولوا قتل عيسى المسيح ﵈، ولا زالت شعيرة حرق القرابين شائعة حتى اليوم في مدينة نابلس عند طائفة السامريين من اليهود Samaritans .

стр. 284

﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ (١٨٤) ١٨٤ - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ أيها النبي ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كذّب نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ولوط وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء ﵈ ﴿جاؤُ بِالْبَيِّناتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتابِ الْمُنِيرِ﴾ جاؤوا بالدلائل البينة على الحقيقة وبالكتب السماوية والوحي المنير بوضوحه، والمعنى أن الناس درجوا على تكذيب الأنبياء منذ القوم واليهود أغرقوا في ذلك، فلا تأس عليهم أيها النبي، ولا تحزن لكفرهم، ولا تعجب من فسادهم، فتلك سنة الله في البشر من حيث إنه تعالى أعطاهم ملكة العقل والفكر وحرية الخيار فمنهم من يستخدم هذه الملكة على الوجه الصحيح، ومنهم الجاهل، ومنهم الممعن في ضلاله، ثم مصيرهم إلى الموت والحساب كما سيرد. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ (١٨٥) ١٨٥ - استمرار للخطاب من الآية (١٧٦)﴾ التي تنهى عن الحزن على المسارعين في الكفر، وما بعدها من الآيات التي تصف جحود الكفار واليهود وإنكارهم الرسل ومعاندتهم للمؤمنين، والمغزى لا يضجر ولا يتزعزع المؤمن من كلّ ذلك لأن الموت ملاق الجميع، وعندها لا يجد الكفار نصيبا لهم في الآخرة بل لهم عذاب عظيم: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ كلّ حيّ مصيره إلى الموت ثمّ يحاسب بعمله ﴿وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ تكون توفية الأجور على تمامها في الآخرة، لأنّ بعضها قد يوفّى في الدنيا من ثواب وعقاب ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ وهو المؤمن، والزحزحة بمعنى الإبعاد ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ مَتاعُ الْغُرُورِ﴾ المتاع هو ما يتمتع به المرء، ويقال للآنية متاع، والغرور بضم

стр. 285

الغين ما يغترّ به من متاع الدنيا أي يخدع به، فتكون الحياة الدنيا كالآنية التي يخدع المرء بالتمتع بها، ووصفت الحياة بالدنيا بمعنى السفلى، أو القريبة أي حياتنا هذه، فهي متاع المغرق بالانشغال بها، لأنّ المزيد من المتاع يغريه بالمزيد من الإسراف في الطلب بلا نهاية، ولا غاية، حتى تكون المادة هي الغاية النهائية، تغريه وتصرفه عن تحصيل المعارف الحقيقية السامية التي يرقى بها الفكر، كما تصرفه عن العمل الصالح الذي ينفعه وينفع غيره من الناس، ومنهم من تكون غايته مجرد اللهو فيفنى عمره في التسلية واللعب وقتل الوقت بما يضر ولا ينفع. ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ (١٨٦) ١٨٦ - ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ أي لتختبرنّ بالمصائب في أموالكم، وبموت من تحبّونهم، وليس ذلك مقتصرا على ما وقع لكم في أحد، والمعنى أنّ المسلمين معرّضين لسنن الله في خلقه مثل غيرهم من الناس، فعليهم الأخذ بالأسباب، والاستعداد والتضحية وبذل الأموال والأنفس، ولا يظنّوا أن مجرّد كونهم على دين الإسلام يضمن لهم السلامة والنصر، ما لم يرافقه العمل والتنظيم والتضحيات ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وهم اليهود والمسيحية ﴿أَذىً كَثِيراً﴾ أي كثيرا من الهجاء والتجريح والافتراء والطعن في الإسلام، كما هو حاصل إلى يومنا هذا، وفي ذلك إخبار بالغيب ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ إن تصبروا على المصائب في الأموال والأنفس وعلى ما تسمعونه من أذى اليهود والنصارى، وتتقوا كل ذلك بالتخطيط والاستعداد والصبر، واتقاء المعاصي ﴿فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ هي من الأمور التي أوجبها الله عليكم.

стр. 286

﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَاِشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ (١٨٧) ١٨٧ - ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ الخطاب متعلق بما ورد في الآيتين (١٨٣ - ١٨٤) حيث اختلق اليهود الأعذار لتكذيب اليهود للنبي ﷺ ، والمقصود أنه تعالى أخذ الميثاق الذي أخذه أنبياؤهم عليهم أن يبيّنوا الكتاب للناس، بما فيه النبوءات عن قدوم النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل، ولكنهم لم يكتفوا بعدم بيانه للناس بل كتموه عنهم ﴿فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ لم يعيروه انتباها ولم يلتفتوا إليه بل أضاعوا قسما كبيرا منه وأضافوا عليه وحرفوه ﴿وَاِشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ الثمن القليل هو ظنّ اليهود أنهم شعب الله المختار دائما وأبدا، وهو أيضا زعم المسيحية أن عيسى المسيح ﵇ قد افتدى خطاياهم بالنيابة عنهم سلفا، وقد يكون الثمن القليل أيضا تهالكهم على الزعامات والمصالح الدنيوية المؤقتة التي قد تفوتهم لو اتبعوا الرسالة الإسلامية ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ لأنّ ما يتمسكون من هذه الظنون والمزاعم والمصالح المادية ستكون وبالا عليهم في الآخرة. وفي تفسير المنار أن هذه الآية عامة في جميع من أوتوا الكتاب بمن فيهم المسلمين، لأن الكتاب اسم جنس لكل الوحي الذي نزل على الأنبياء، وأن المسلمين وإن لم يكتموا شيئا من القرآن فإنهم مقصّرون في بيانه للناس، وأنهم فقدوا هدايته حتى شاع الفساد، وشاعت الخيانة بينهم، وتمسكوا بالفروع وغابت عنهم الأصول، وأن الكثير من المفسرين الذين تصدوا لتبيين القرآن في الكتب غلب عليهم عدم الاستقلال التام في الفهم، لأنهم افتتنوا بالروايات الكثيرة - وخاصة الإسرائيليات - وقيدوا أنفسهم بالاصطلاحات الفنية في الكلام، وأن تبيين القرآن يجب أن يكون على نوعين أحدهما لغير المؤمنين بغرض دعوتهم للإسلام، والثاني للمؤمنين لإرشادهم بشرح ما فيه.

стр. 287

﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (١٨٨) ١٨٨ - ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا﴾ يفرحون بما فعلوا من أنواع الخبث والغش والنفاق والدجل والجري وراء المادة ﴿وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ ويحبون أن يحمدوا بأنهم أهل الدين والبر والتقوى والصدق، وهم المنافقون في كل الأيام والعصور، وينطبق هذا الوصف أيضا على اليهود والنصارى الذين حرفوا كتبهم ويفسرونها على وجوه باطلة ويرجونها على الناس من ضعاف العقول والجهلة - ويعتبرون أنفسهم مبشّرين -، والفرح المشار إليه هو فرح الغرور المبني على الخداع، وليس فرح السعادة الحقيقية للنفس الصادقة ﴿فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ﴾ لا تحسبنّ أيها المؤمن أنهم بمنجاة من العذاب الدنيوي الذي يصيب الأفراد والأمم إذا ابتلوا بالنفاق والخداع والفساد فيحلّ بهم التدهور الاجتماعي والأخلاقي والمادي ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة. ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٨٩) ١٨٩ - ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تتمة للخطاب من الآية (١٨٦) والآيات التي تلتها، والمغزى أن المؤمنين لا يجب أن يصابوا باليأس أو الحزن، لأن الأمور بيد الله، والباطل لا يدوم، فسرعان ما تتغير الأمور من حال إلى حال. ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ (١٩٠) ١٩٠ - ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ هذه الآية، ومثيلاتها في القرآن الكريم كثيرة، دعوة لأولي الألباب من الناس للتفكر في معجزة الخلق والظواهر الطبيعية التي تدل على وجود الخالق ووحدانيته، ونلاحظ أن تعبير أولي الألباب ورد أيضا في أول هذه

стр. 288

السورة بالآية (٧)، بأنهم يؤمنون بمحكم القرآن ومتشابهه، واللب هو قلب الشيء وجوهره، وهو في الإنسان بمعنى العقل والفكر والفهم والمحاكمة العقلية. ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ (١٩١) ١٩١ - ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ يواظبون على ذكر الله في كل الحالات بلا فتور ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيكون الذكر ليس باللسان فقط ولكن بالقلب والفكر معا، وبالمقابل فإنّ الفكر وحده لا يكتمل ولا يكون نافعا إلاّ مع ذكر الله لأنّ هذا هو الغرض منه، أي إن التفكر في الخلق والمخلوقات يوصل إلى معرفة الحقيقة وإلى الإيمان، فيقول المؤمنون: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً﴾ المعنى أن الخلق والمخلوقات لم توجد عبثا أو مصادفة فهنالك حكمة بالغة من خلقها وإن عجزت العقول عن معرفتها ﴿سُبْحانَكَ﴾ تنزيها له تعالى عن العبث، وإقرارا بعجز العقول عن الإحاطة بالحكمة الإلهية من الخلق ﴿فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ أي لا تجعلنا من الكافرين أو الغافلين أو الضالين عن الحقيقة فيكون عقابنا نتيجة طبيعية لذلك. ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ (١٩٢) ١٩٢ - ﴿رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ استمرار دعاء المؤمنين والمعنى أنّ من لم يرشده عقله وتفكيره إلى الحقيقة والإيمان فقد استحق الخزي بضلال فكره ﴿وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ لأنّه لا حكم إلاّ لله، والظالم إطلاقا هو الكافر، لقوله تعالى: ﴿وَالْكافِرُونَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٥٤]، لأنهم ظلموا أنفسهم بإنكار الحقيقة. ﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ (١٩٣)﴾.

стр. 289

١٩٣ - ﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ وهو الرسول ﷺ فمن عاصره ولقيه فقد سمعه، والباقون قرؤوا القرآن فكأنهم سمعوه يناديهم إلى الإيمان ﴿فَآمَنّا﴾ أي إنهم استجابوا للأنبياء وللهدي الإلهي، بعد أن تفكّروا في خلق السماوات والأرض، وأرشدتهم عقولهم إلى الحقيقة، فطلبوا المغفرة بقولهم: ﴿رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا﴾ لا تعاقبنا بسبب خطيئاتنا وتقصيرنا في العبادات ﴿وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ حطّها عنّا ﴿وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ﴾ أمتنا على مثل ما ماتوا عليه من اليقين والأعمال الصالحات. ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (١٩٤) ١٩٤ - ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ ما وعدتنا على لسان رسلك، أو ما وعدتنا منزّلا على رسلك، أو ما وعدتنا ثوابا لنا على تصديقنا رسلك، والمعنى ثبّتنا على الإيمان ووفّقنا للقيام بصالح الأعمال حتى نستحق الثواب الذي وعدتنا على لسان رسلك، أو عجّل لنا نصرك الذي وعدتنا على لسان رسلك ﴿وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ اجنبنا الضلال كي لا نستحق به الخزي يوم القيامة ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ وهو ثناء على الله تعالى ختم به الدعاء، لأنّ الوعد متحقق لا محالة إذا قام المؤمنون بما يجب عليهم. ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ (١٩٥) ١٩٥ - ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ استجاب تعالى لدعاء المؤمنين الذين وصفهم في الآيات السابقة بأنهم مواظبون على الذكر والتفكّر في الخلق والعبادة بعد أن أرشدتهم عقولهم السليمة إلى الحقيقة والإيمان ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ﴾ أخبرهم تعالى أنه لا يضيع ثواب العمل، وأن استجابته تعالى

стр. 290

لدعائهم مرتبطة بعملهم، والمغزى أن العبرة من العبادة هي بالعمل، وليس فقط أداء الفرائض، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٩٩/ ٧]، أي النتيجة على قدر العمل. ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى﴾ هم متساوون عند الله في ثواب أعمالهم ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ كلّهم عباد الله ﴿فَالَّذِينَ هاجَرُوا﴾ اختاروا الهجرة من أوطانهم ﴿وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ اضطرّهم الكفار قسرا للخروج من ديارهم ﴿وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي﴾ لحقهم الأذى بسبب إيمانهم وعملهم لأجله ﴿وَقاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾ في سبيل الله ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ يمحو تعالى سيئاتهم، وفوق ذلك يدخلهم الجنة ﴿ثَواباً مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ الثواب من ثاب أي رجع، فيكون الثواب ما يرجع إلى المرء نتيجة لعمله ﴿وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوابِ﴾ حسن الثواب الذي يلازم العمل الصالح. ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ (١٩٦) ١٩٦ - ﴿لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ﴾ كان الكلام في الآيات السابقة عن أولي الألباب من المؤمنين المواظبين على ذكر الله، وعلى التفكر في مخلوقاته، واستغفارهم لذنوبهم، وطلبهم الهداية واستعجالهم نصر الله، وقد أخبرهم تعالى أن العبرة بالعمل، وأنه يستجيب لأعمالهم فلا يضيع عمل عامل منهم، وفي هذه الآية يحذرهم تعالى من الانخداع بالنعم التي يتمتع بها الكفار - ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ (١٩٧) ١٩٧ - ﴿مَتاعٌ قَلِيلٌ﴾ متاع الكفار قليل من حيث إنهم يتمتعون بنعيم زائل غير قائم على أسس سليمة، وهو في عمر التاريخ والأمم غير ذي بال، كما أن نعمهم مادية ظاهرية، ولا تنطوي على أي قدر من السعادة، ومترافقة بكثير من المنغصات في حقيقتها، وتحمل في ذاتها بذور زوالها وخراب أصحابها ﴿ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ﴾ وفوق ذلك كله فإن ما هم عليه من النعيم المبني على الباطل

стр. 291

سيؤدي بهم إلى الهاوية في آخرتهم ﴿وَبِئْسَ الْمِهادُ﴾ بئس ما يمهدون لأنفسهم ولآخرتهم. ﴿لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ (١٩٨) ١٩٨ - ﴿لكِنِ الَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ عرفوه فاتقوا معصيته ﴿لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ وهو النعيم الحقيقي الدائم. ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (١٩٩) ١٩٩ - ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ بعد أن ذكر تعالى تقلب الذين كفروا في البلاد، وأن مصيرهم إلى العقاب، بيّن في هذه الآية أن من أهل الكتاب من يؤمن بما أنزل على النبي ﷺ ، ويؤمن بما أنزل على الأنبياء من قبله، وهم الخاشعون منهم لأنّ خشوعهم يمنعهم من المعاندة والمكابرة كما لا يمنّون أنفسهم بالتوهّم أنّ هنالك من تحمّل عنهم خطاياهم سلفا بالنيابة عنهم، انظر شرح الآية (١٨٧)، ولذلك فإنهم لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا، فلا تقف في طريقهم المصالح والزعامات الدنيوية، ولا يهيمن على فكرهم الشعور بالعصبية والتقليد، وهم أيضا من أولي الألباب الذين تقدم ذكرهم في الآية (١٩٠)﴾ فنراهم من خيار أهل الكتاب علما وبصيرة، ولعل ذلك سبب قلّتهم، وقد دخل الكثير منهم الإسلام بعد الفتوحات الإسلامية في بلاد الشام وغيرها، ولا يزالون في كل زمان ومكان وهذا من قبيل إخبار الآية بالغيب ﴿أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ لأن الموت أسرع وأقرب بعيد، وليس بين المرء والحساب إلا أن يموت، فإذا مات لم يجد أمامه إلا عمله فيحاسب به.

стр. 292

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢٠٠) ٢٠٠ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ذكر الرازي أن هذه الآية مشتملة على جميع الآداب، منها ما يتعلق بالإنسان وحده ممّا يحتاج إلى الصبر، ومنها ما يكون مشتركا بينه وبين غيره ممّا يحتاج إلى المصابرة، فمن الأمور المتعلقة بالإنسان وحده، الصبر على شدائد الدنيا ومصائبها، والصبر على أداء الطاعات، والصبر في العلم وتحصيله. ومن الأمور المشتركة مع الآخرين، تحمل المكاره منهم، أي تحمل ما يصدر عن الناس من سوء المعاملة، والعفو وترك الانتقام، ومن ثمّ يحتاج الإنسان للتغلب على الغضب وعلى الشهوة وعلى الحرص، فما لم يكن مشتغلا بمجاهدة هذه الخصال الذميمة لا يستطيع الصبر والمصابرة وهو معنى قوله ﴿وَرابِطُوا﴾ والغرض من كل ذلك هو التقوى لنيل الفلاح. وقيل أيضا إن المصابرة والمرابطة هي منافسة الأعداء في الصبر، والاستعداد والتعلم والدفاع عن دار الإسلام، وأن لا يكون العدوّ أصبر من المسلمين.

стр. 293

محور سورتي (البقرة - آل عمران) سورتي البقرة وآل عمران متكاملتان تتمّم إحداهما الأخرى، فبعدما تبدأ سورة البقرة بوصف أصناف ثلاثة من الناس: المؤمنين، والمصرين على الكفر، والمنافقين، آيات [البقرة ٢/ ١ - ٢٠]، وتصف خلافة بني آدم في الأرض، وتفضيلهم بالعلم، وأنّ الإنسان في صراع ضد عناصر الشر، آيات [البقرة: ٢/ ٣٠ - ٣٩]، وبعد أن تدعو بني إسرائيل إلى الإسلام وتسرد تاريخهم وارتكاسهم المتكرر إلى الوثنية، آيات [البقرة: ٢/ ٤٠ - ١٠٥]، تكمل سورة آل عمران بتعداد جرائم اليهود وعنادهم وقتلهم الأنبياء وغرورهم، ثم تذكر انتقال النبوة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل، آيات [آل عمران: ٣/ ٢١ - ٢٧]. وتنسخ سورة البقرة الشرائع السابقة بشريعة الإسلام، وتدحض عقائد اليهود والنصارى، آيات [البقرة: ٢/ ١٠٦ - ١٤١]، وتقرر عودة القبلة إلى مكة، علامة من علامات انتقال النبوة من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل بعد أن رفض بنو إسرائيل آخر أنبيائهم عيسى المسيح ﵇، آيات [البقرة: ٢/ ١٤٢ - ١٥٢]، وتشرح شعائر الحج، آيات [البقرة: ٢/ ١٩٦ - ٢٠٣]، ثم توضح سورة آل عمران أن أول بيت وضع للناس هو الكعبة المشرّفة، وتفرض الحج إليه، آيات [آل عمران: ٩٤/ ٣ - ٩٧]. وتوضح سورة آل عمران أن الحكمة الإلهية اقتضت نزع الرسالة من بني إسحاق بعد فساد اليهود المزمن وإيتاء الرسالة بني إسماعيل وختمها ببعثة النبي الأحمد: ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٣/ ٢٦]، وأن الإسلام دين الأنبياء من الأزل: ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٦٧].

стр. 294

وتحذّر سورة البقرة المسلمين بأنّ اليهود والنصارى لا يقبلون منهم بأقل من اتّباع ملّتهم، آية [البقرة: ٢/ ١٢٠]، ثم توضح سورة آل عمران أنّ أهل الكتاب لا يكتفون بالكفر، بل يحاولون أيضا صدّ المؤمنين عن سبيل الله، ومن ثمّ فإنّ طاعة أهل الكتاب من اليهود والنصارى تؤدي إلى وقوع الفتنة بين المسلمين فيصبحون بذلك كافرين، آيات [آل عمران: ٣/ ٩٨ - ١٠١]، لذا تحرّم سورة آل عمران على المؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء، آيات [آل عمران: ٣/ ٢٨ - ٣٢]، كما تنهاهم عن اتخاذ الكافرين بطانة، وتكشف لهم ما في صدور أهل الكتاب من البغضاء والكيد، آيات [آل عمران: ٣/ ١١٨ - ١٢٠]. وتحدد سورة البقرة ثواب الإنفاق في سبيل الله، وتحدد أحكامه ووجوهه، آيات [البقرة: ٢/ ٢٦١ - ٢٧٤]، ثم تحض سورة آل عمران على الإنفاق: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٣٤]، وتبين أنّ غاية ما يمكن أن يتوصّل إليه المؤمن، بعد أن يقوم بجميع أركان الإسلام، هو الإنفاق ممّا يحب، فلا يكون بارّا صادق الإيمان حتّى يتوصّل إلى هذه الخصلة: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣/ ٩٢]. وفي حين تحرّم سورة البقرة الربا، آيات [البقرة ٢/ ٢٧٥ - ٢٨١]، تنهى آل عمران عن أكل الربا أضعافا مضاعفة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاِتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٣٠]. كما تنص سورة البقرة أن لا إكراه في الدين، آية [البقرة: ٢/ ٢٥٦]، وتقرر مشروعية القتال للدفاع عن دار الإسلام ولتأمين حرية الدين ومنع الاضطهاد الديني، آيات [البقرة: ٢/ ١٩٠ - ١٩٥]، ثم تفرض سورة آل عمران على المسلمين واجب الدعوة بالقدوة الحسنة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:

стр. 295

٣/ ١٠٤]، وتنصّ أن الرسول، وكل مسلم، مكلّف بالبلاغ فقط، وحساب الناس على الله، آية [آل عمران: ٣/ ٢٠]، وتبيّن وجوب الرفق واللين في الدعوة إلى الإسلام، أسوة بالنبي ﷺ ، آية [آل عمران: ٣/ ١٥٩]، وتنهى عن تكفير الآخر استنادا إلى العلامات والقرائن، آية [آل عمران: ٣/ ١٦٧]، ثم تدعو سورة آل عمران أهل الكتاب إلى الإسلام وتبدي لهم الحجج الباهرة، وتذكر الميثاق الذي أخذه الأنبياء على أقوامهم بتصديق خاتم النبيين، آيات [آل عمران: ٣/ ٦٤ - ٨٣]. ***

стр. 296

سورة النساء - ٤ - مدنية مقدمة أطلق على هذه السورة اسم سورة النساء، لأنها اشتملت في العديد من آياتها على تشريع حقوق النساء، كما اشتملت، من ضمن أمور عديدة أخرى، على تشريعات لها علاقة بالأسرة والحياة العائلية والزواج والصداق والإرث واليتامى وصلة الأرحام. والسورة مدنية بكاملها، نزلت منذ أواخر السنة الثالثة من الهجرة وحتى نهاية السنة الرابعة من الهجرة، وإن كان بعض آياتها قد نزل قبل ذلك، وبعضها الآخر نزل بعدها، كالآية ١٧٦ في الكلالة، والتي قيل إنها كانت من آخر ما نزل من الوحي. الخلفية التاريخية كانت مهمة النبي ﷺ بعد هجرته إلى المدينة ذات ثلاثة أبعاد، أولا: تنظيم المجتمع الإسلامي الجديد والحكومة الإسلامية وفق تعاليم الإسلام والتخلص من بقايا الجاهلية وعاداتها وتقاليدها، ثانيا: الوقوف في وجه تحالف اليهود والمشركين والمنافقين في حملتهم الشرسة ضد الإسلام والمسلمين، ثالثا: نشر الرسالة الإسلامية في كامل جزيرة العرب في وجه العداء الذي كان يواجهه المسلمون من اليهود والمشركين والمنافقين، فكانت هذه السورة، مع ما سبقها من سورتي البقرة وآل عمران، تفي بهذه الأغراض جميعا.

стр. 297

ارتباط السورة بما قبلها في أواخر سورة آل عمران قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٩٥]، ثم تفتتح سورة النساء بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ [النساء: ٤/ ١]، وفي سورة آل عمران أن طاعة أهل الكتاب تؤدي بالمسلمين إلى الردة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٠٠]، وكذا طاعة الكفار: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٤٩]، ثم في سورة النساء أن أهل الكتاب جاهدون في إضلال غيرهم من المسلمين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤/ ٤٤]، أنظر أيضا آيات [المائدة: ٥/ ٥١ و ٥٧]. وفي سورة آل عمران أن اليهود والنصارى أوتوا نصيبا من الكتاب فقط: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٢٣]، وأنهم بعد تشويه التوراة والإنجيل يزعمون أنهما من عند الله: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٧٨]، ثم في سورة النساء أن اليهود شوّهوا ويشوّهون التوراة: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [النساء: ٤/ ٤٦]. وفي سورة آل عمران أن الإسلام دين الأنبياء جميعا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٩]، وأنه لا يقبل من يبتغ غير الإسلام دينا: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٣/ ٨٥]، لذا تأمر سورة النساء أهل

стр. 298

الكتاب أن يؤمنوا بالإسلام: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ﴾ [النساء: ٤/ ٤٧]، وكذا آية [النساء: ٤/ ١٣٦]، إذ ليس شيء أحسن من إسلام الوجه لله، مع إحسان العمل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاِتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاِتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً﴾ [النساء: ٤/ ١٢٥]. وفي سورة آل عمران أن ليس من صفات المؤمنين اتخاذ الكفار أولياء لهم: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللهِ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: ٣/ ٢٨]، ونهي عن اتخاذهم بطانة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالاً﴾ [آل عمران: ٣/ ١١٨]، ثم في سورة النساء نهي صريح عن موالاتهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً﴾ [النساء: ٤/ ١٤٤]. وفي سورة آل عمران أن اليهود حرّموا على أنفسهم بحكم العادات والتقاليد: ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٩٣]، ثم في سورة النساء أن التحريم المذكور في كتب اليهود فرضه الأحبار إذ اتّخذوا لأنفسهم حق التشريع والتحليل والتحريم، فالمغزى أنهمّ شدّدوا على أنفسهم فكانت عقوبته تعالى لهم: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً﴾ [النساء: ٤/ ١٦٠]، انظر أيضا آية [الأنعام: ٦/ ١٤٦]. وتحض سورة آل عمران على الإيمان بالقرآن وبالرسل وعدم التفريق بينهم: ﴿قُلْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ عَلَيْنا وَما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ﴾

стр. 299

﴿أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٨٤]، ثم تبين سورة النساء تسلسل النبوات: ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ [النساء: ٤/ ١٦٣]. محور سورة النساء تبدأ السورة ببيان أحكام تنظيم الأسرة الإسلامية والعلاقات العائلية، ومنها أحكام الإرث، ثم تنتقل إلى مواضيع الحكومة الإسلامية، وعلاقات المؤمنين بالكفار، وأمور السلامة العامة، وتبحث وحدة الرسالات السماوية إلى البشرية جمعاء، وتختم بإتمام أحكام الإرث. ومن نظم السورة نلاحظ تداخل آيات الأحكام والتشريع الإسلامي والتطبيق الحياتي مع آيات التوحيد والإيمان والأخلاق، في إشارة لأن حياة الإنسان وحدة متكاملة ممّا يستلزم ارتباط الحياة الروحية للمسلم مع حياته العملية المعاشية بلا فصل بينهما. ومن لطائف السورة أنّ ما يصيب الإنسان من حسنات أو سيئات يتم بحسب سننه تعالى في الخلق وفق نظام الأسباب والمسببات وبنتيجة حرية الخيار التي كرّم بها تعالى بني آدم، فما بالهم لا يفقهون سننه تعالى في خلقه؟ ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ (٧٨)، فمن يتّبع سبل الخير يصل إليها، لأن الإنسان مخيّر في اتباع الطرق التي تؤدي به إلى الصواب أو الخطأ، والخير أو الشر، فيكون ما أصابه من السيئة لعدم فهمه الوحي، وعدم اتباعه السنن التي أوجدها تعالى في الخلق: ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (٧٩).

стр. 300

﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (١) ١ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ خلق تعالى الناس كلّهم فذلك مدعاة لتقواه من قبل المخلوقين ومدعاة لتجنب عصيانه في التشريعات التي سوف يرد ذكرها في هذه السورة وغيرها ﴿مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ البشر كلهم مخلوقون من أنفس متماثلة فهي بالتالي نفس واحدة وهي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً،﴾ ﴿وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها﴾ الزوج في اللغة يطلق على الجنسين فالمرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة، والمعنى أنه تعالى خلق زوجها من جنسها، وهو قول أبي مسلم الأصفهاني ذكره الرازي، وذلك شبيه بقوله تعالى: ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً﴾ [النحل: ١٦/ ٧٢]، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٦٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٣٠/ ٢٠]، فالجميع مخلوقون من التراب الذي تتحلل إليه كافة المواد العضوية. ﴿وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ نشر تعالى الخلق من الذكر والأنثى، واختصّ تعالى الرجال والنساء والزوج أو الزوجة بالذكر لأن محور السورة يدور حول التشريع العائلي ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ﴾ لأن العرب كانوا يسأل بعضهم بعضا باسم الله، كقول أحدهم لغيره: أسألك بالله أن تعطيني حقّي ﴿وَالْأَرْحامَ﴾ أي واتقوا حقوق الأرحام فأعطوها ولا تقطعوها، وذلك بأن يكون المرء بارّا مع أرحامه محسنا إليهم، وفي الحديث: «أسرع الخير ثوابا البر وصلة الرحم، وأسرع الشر عقوبة البغي وقطيعة الرحم»، أخرجه ابن ماجه عن

стр. 301

أم المؤمنين عائشة، وفي مسند أحمد عن أم المؤمنين عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : «صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار ويزيدان في الأعمار»، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ أي كان منذ الأزل وما زال مشرفا على أعمالكم على الدوام وعالما بها. ونلاحظ أن السورة افتتحت بتذكير الناس بالقرابات، وأنّ الله تعالى خلقهم من ذكر وأنثى من نفس واحدة، وأمرهم ببرّ الأرحام، تمهيدا لما سيرد في السورة من تنظيم العلاقات العائلية في تشريع الزواج والإرث وعلاقات ذوي القربى واليتامى. ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً﴾ (٢) ٢ - ﴿وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ﴾ اليتامى الذين بكفالتكم، والمقصود تسليم أموالهم لهم بعد وصولهم سنّ البلوغ والرشد، كما سيرد في الآية (٦)، والمقصود أيضا الإنفاق عليهم من أموالهم قبل ذلك ﴿وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ المعنى لا تختاروا العمل الخبيث وهو أكل أموال اليتامى، بدلا من العمل الطيب وهو المحافظة عليها، والمعنى أيضا لا تبادروا بأكل أموال اليتامى على أمل تسديدها فيما بعد، أي لا تأخذوا عاجلا بآجل، وأيضا لا تأخذوا الجيد من أملاكهم وتضعوا مكانه الأقل جودة كأخذ العقار الجيد ووضع العقار الأقل قيمة مكانه ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ﴾ لا تأكلوا أموالهم فتضمّوها إلى أموالكم لدرجة عدم التفريق بينهما في الإنفاق ﴿إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً﴾ إنّ أكلكم أموال اليتامى إثم كبير. ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا (٣)﴾.

стр. 302

٣ - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي﴾ نكاح ﴿الْيَتامى﴾ لأن الخطاب ينصرف إلى اليتيمات، والإقساط: العدل كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ٤٩/ ٩]، فيقال أقسط الرجل إذا عدل، أمّا قسط فمعناها جار إذ يقال: قسط الرجل إذا ظلم صاحبه في قسطه أو نصيبه الذي يستحقه، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً﴾ [الجن: ٧٢/ ١٥]. ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً﴾ الكلام لا يزال في اليتامى، فقد كان من عادة البعض في الجاهلية أن يتزوج من النساء اليتيمات اللواتي بكفالته إمّا طمعا بمالهنّ، وإما لكي يقرر لهنّ من الصداق ما هو أقل ممّا يجب لأمثالهنّ، أو يتجاوز على حقوقهنّ في المعاملة لأن اليتيمة لا تجد من يحميها، فنهاهم تعالى عن ذلك وأمرهم في هذه الحالة أن يتزوجوا من النساء الغرائب، أي من غير اليتيمات اللواتي بكفالتهم، إن خافوا عدم العدل في حقوقهنّ، وفي هذه الحالة ينصرف تعبير اليتامى في الآية إلى «أناثهنّ» أي اليتيمات، وينصرف تعبير «النساء» إلى النساء الغرائب من غير اليتيمات، فكأنه تعالى قال دع هؤلاء اليتيمات وتزوج ما أحلّ لك من غيرهنّ من الحرائر أو من ملك اليمين، فيكون تقدير الخطاب كما يلي: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا﴾ - في نكاح يتامى النساء اللواتي بكفالتكم - ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ - من غيرهن - بدليل قوله تعالى في الآية (١٢٧): ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾. وقالوا أيضا في معاني الآية: إن خفتم ألاّ تعدلوا في أموال اليتامى التي ورد النص فيها بالآية السابقة وكنتم متحرّجين في هذه الأموال حريصين على العدل فيها والمحافظة عليها، فكذلك يجب أن تتحرّجوا في النساء وأن تخافوا الظلم في حقوقهنّ التي أوجبها الله عليكم، ولكم أن تتزوّجوا منهنّ ثنتين أو ثلاثا أو أربعا

стр. 303

فقط، ولا تزيدوا على ذلك، فإن خفتم الظلم فيهنّ فواحدة تكفي ﴿أَوْ﴾ انكحوا من ﴿ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ والنكاح بمعنى العقد الشرعي بين الرجل والمرأة الذي يسبق الدخول، بدليل آية [الأحزاب: ٣٣/ ٤٩]، فملك اليمين لا يعني ملك الوطء دون عقد نكاح، فيكون تقدير الآية ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ﴾ - فانكحوا مثنى وثلاث ورباع من - ﴿ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ وفق الشروط المذكورة في الآية (٢٥). ﴿ذلِكَ أَدْنى أَلاّ تَعُولُوا﴾ أي إن خفتم ألاّ تعدلوا في مثنى أو ثلاث أو رباع فتزوجتم واحدة، أو تزوجتم ملك أيمانكم، فذلك أدنى أي أقرب ألاّ تعولوا، أي أن لا تجوروا ولا تميلوا عن الحق. وقيل أيضا من معاني الآية أنه إذا خاف المرء عدم الإقساط في اليتامى الذين واللواتي بكفالته فله أن ينكح أمّهات هؤلاء اليتامى اثنتين أو ثلاثا أو أربعا شريطة تحقيق العدالة. لكن عدنان الرفاعي قرأ النص القرآني على إطلاقه بحيث يكون المعنى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاّ تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى﴾ أي في النساء المنفردات الفائضات اللاتي لا يجدن أزواجا ﴿فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ لأنّ من مقتضيات عدم الجور فيهنّ هو الزواج منهنّ ﴿مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ﴾ أي وإن كانت إحداهنّ الزوجة الثانية أو الثالثة أو الرابعة لكي لا يكون هنالك نساء فائضات منفردات في المجتمع، فهنّ يتيمات بهذا المعنى. والواضح أن أمر النكاح في الآية يدور حول العدل، ويرتبط به ارتباطا وثيقا مع تقليل عدد الزوجات إلى ما لا يتجاوز الأربع، والواضح أيضا أنه لا يمكن قبول تعدد الزوجات بمعزل عن العدل سواء كان عدد الزوجات أربعا أو أقل، وقد يحاول البعض ممّن انضبع فكره بالتقاليد الغربية والعادات السائدة، أن يبرهن أن القرآن قد هدف إلى إلغاء تعدد الزوجات، رغم أن الآية صريحة في السماح

стр. 304

به، وقد كان التعدد شائعا في صدر الإسلام وباقي العصور الإسلامية ضمن حدود العدالة المفروضة عليه، وقد يزعم البعض أنّ تعدد الزوجات سيئ بحد ذاته وفي هذا الزعم خلط بين الشرع وبين التطبيق السييء، والتعدد في بعض الحالات يكون ضروريا ومرغوبا به من وجهتي النظر الأخلاقية والاجتماعية، ولا يحق لمعارضي التعدد أن ينسبوا رأيهم الشخصي إلى القرآن الكريم لمجرّد وقوع سوء في التطبيق، إذ لو تربّى النساء والرجال تربية دينية صحيحة بحيث يكون الدين هو الموجّه الحقيقي للنفوس لما كان هنالك ضرر على الأمة من تعدد الزوجات، بل لتحققت منه الفوائد التي هدف إليها الشرع. وفي جميع الأحوال فإن الزواج لا يتم بالإكراه وتستطيع أي كارهة للتعدد أن ترفضه، كما تستطيع المرأة التي تخشى من زوجها التعدد أن تشترط في عقد النكاح أن لا يكون لها ضرّة، وعلى الزوج أن يفي بالشرط وإلاّ طلّقت. ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ (٤) ٤ - ﴿وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ بعد أن أباح تعالى الزواج حتى الأربعة أوجب لهنّ الصداق، وصدقاتهنّ هي مهورهنّ وهي جمع «صداق» أي ما يصدق به النكاح، ونحلة معناها فريضة لأن النحلة في اللغة هي الديانة والملّة والشرعة والمذهب، فيكون المعنى إنّ إعطاء النساء مهورهنّ يعتبر شريعة مفروضة، ومعنى النحلة أيضا هي العطيّة عن طيب خاطر من غير مطالبة ولا مخاصمة من الطرف الآخر ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ أي إن وهبن لكم شيئا من المهر عن طيبة نفس من غير أن يكون سبب ذلك سوء العشرة أو المشاكسة من الزوج فكلوه وأنفقوه، وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنّ للمرأة أن تعود عن هبتها وتأخذها من الزوج إن رغبت ولو بعد حين (ذكره الزمخشري).

стр. 305

﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً وَاُرْزُقُوهُمْ فِيها وَاُكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ (٥) ٥ - ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِياماً﴾ بعد أن أمر تعالى إيتاء اليتامى أموالهم، اشترط في هذه الآية أن يكونوا غير سفهاء أي غير ضعاف العقول ذوي الاضطراب في الرأي والفكر أو الأخلاق، والآية ذات مغزى عام من حيث إن الثروة هي قوام الفرد والمجتمع فلا يجب أن تترك بتصرف السفهاء لأن إساءة استخدامها قد يؤدي إلى خراب الحياة الاجتماعية والاقتصادية وخراب الأسس الأخلاقية للمجتمع، والمعنى أنّ الحق بالتملك ليس مطلقا إذا كان الشخص غير قادر على ممارسة حقه بالشكل المناسب أو إذا كان تصرفه بالمال يسبب أذى للمجتمع نتيجة استهتاره وتبذيره ونزواته ﴿وَاُرْزُقُوهُمْ فِيها وَاُكْسُوهُمْ﴾ في هذه الحالة يتم تزويد السفهاء بحاجياتهم المعيشية الكافية دون إطلاق يدهم في التصرف بالمال، والخطاب في الآية ليس مقتصرا على أوصياء اليتامى بل عام للجميع بأن من يريد أن يهب بعض ماله أو يضعه بتصرف غيره يلزم أن يكون متأكدا من حكمة وعقلانية واتّزان الآخرين أوّلا، ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ وهو النصح والإرشاد والتعليم والتأديب حتى تتحسن حالهم، لأن السفه قد لا يكون فطريا وإنما أمرا عارضا يزول بالتعليم. ﴿وَاِبْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً﴾ (٦) ٦ - ﴿وَاِبْتَلُوا الْيَتامى حَتّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ﴾ في هذه الآية تفصيل شروط إيتاء اليتامى أموالهم وتحديد أوان الإيتاء وكيفيته، فالشروط أن يبلغ اليتيم الحلم وأن يكون راشدا، والابتلاء هو الاختبار، فيكون ابتلاء اليتامى اختبارهم، والمعنى اختبروهم إلى ابتداء الوقت

стр. 306

الذي يبلغون فيه سن النكاح فإن وجدتم منهم رشدا بعد البلوغ فادفعوا إليهم أموالهم، وإلاّ فاستمرّوا في اختبارهم إلى أن تجدوا منهم رشدا، ويلاحظ تنكير كلمة الرشد في الآية، وقيل المقصود من ذلك إيناس شيء من الرشد ينافي هدر المال، والمعنى إن آنستم منهم رشدا ما، وفيه تحقيق لما ورد بالآية السابقة ﴿وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا﴾ لا تأكلوها مسرفين إسرافا، ولا تبادروا بدارا لأكلها قبل أن يكبروا، قائلين لأنفسكم ننفق منها كما نشتهي قبل أن يكبروا فينتزعوها من أيدينا ﴿وَمَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ لأن الغني غير محتاج لمال اليتيم فعليه أن يعف ويترفع عن الأكل منه ﴿وَمَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ للفقير المحتاج أن يأكل بالمعروف أي بما يسد الضرورة من حاجته ويكون ذلك بمثابة القرض إذا أيسر قضاه وإن مات ولم يقدر على السداد فلا شيء عليه ﴿فَإِذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ الإشهاد تحقيقا لوقوع الدفع ومنعا لاحتمال الخصومة والمقاضاة ﴿وَكَفى بِاللهِ حَسِيباً﴾ أي إنّ الإشهاد وإن حصل بحيث يسقط الدعوى عند القاضي فهو لا يسقط الحق عند الله إن كان ولي اليتيم خائنا. ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ (٧) ٧ - ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ تبيّن هذه الآية عدة مباديء أولا: أن النساء ترث كما يرث الرجال، وثانيا: أنّ الإرث وإن كان قليلا فيجب توزيعه على الورثة من ذكور وإناث، وثالثا: أن الإرث يشمل جميع ما تركه الوالدان والأقربون من مال وعقار وزراعة وصناعة وغيرها، ورابعا: أنّ حقوق الميراث تجب بمجرد وفاة المورّث بلا انتظار، وخامسا: أن لكلّ من الورثة نصيب مفروض أي حق معيّن لا جدال فيه، كما سيرد تفصيله، والكلام

стр. 307

في هذه الآية لا يزال متصلا بما قبله من حيث حقوق اليتامى والنساء وتحريم الظلم الذي قد يلحق بهم. ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ (٨) ٨ - ﴿وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ أي قسمة التركة ﴿أُولُوا الْقُرْبى﴾ ممّن لا يرث ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ أي ارزقوهم، أيها الورثة، ممّا ترك الوالدان والأقربون كما ذكر في الآية السابقة، والمقصود أن هذا المال قد وصل إلى الورثة من غير جهد ولا مشقة فلا ينبغي أن يبخلوا بشيء منه على المحتاجين ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ لتكن أعطيتكم لهم بلا تكبّر أو تبرّم بل يرافقها القول الحسن كي تطيب نفوس المحتاجين، ولا يكون العطاء ثقيلا عليهم. ويحتمل أيضا أن يكون المراد من الآية ما يلي: إذا أراد صاحب المال أن يقسم تركته بوصية وكان هنالك من أولي قرابته من المحتاجين ممّن لا يرث فليوصي لهم ولليتامى والمساكين بشيء، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢/ ١٨٠]. ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ (٩) ٩ - ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ الكلام من البداية هو في إيتاء اليتامى أموالهم ووجوب المحافظة عليها وعدم الإسراف في إنفاقها ولا المبادرة إلى أكلها قبل أن يكبر أصحابها، فعلى هذا يكون الخطاب موجّها إلى أولياء اليتامى لحثّهمّ على الحرص في أموال الذين بوصايتهم وأن يخافوا يوما قد يتركون خلفهم ذرية

стр. 308

ضعفاء يكونون فيه تحت وصاية غيرهم من الناس، فأمرهم تعالى بالتقوى وأن يقولوا لليتامى السديد من القول أي العدل والصواب، هذا في الإجمال العام للمعنى. ويحتمل المعنى أيضا من جهة ترابط الآية المباشر مع سابقتها أنه عند قسمة التركة فعليا من قبل الورثة أن يعطوا شيئا لليتامى والمساكين وأن يخشوا يوما قد يتركون خلفهم ذرية ضعافا قد لا يكون لهم سند، ويحتمل أيضا إذا كان المقصود قسمة المال وقت الوصية أن لا يوصي صاحب المال للغير بأكثر من الثلث لقوله ﷺ «الثلث والثلث كثير». ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ (١٠) ١٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً﴾ وهم غير الذين يأكلون بالمعروف بسبب حاجتهم كما ورد في الآية ٦ سابقا ﴿إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً﴾ أي كمن يأكل النار في بطنه بسبب العاقبة التي يؤولون إليها ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ وهو عذاب الآخرة. ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِساءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَواهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللهِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١١) ١١ - بعد أن بيّنت الآيات (٢ - ١٠) الحكم في أموال اليتامى وواجب الأوصياء فيها، وبعد أن أوجبت الإرث للرجال والنساء معا بشكل مجمل (الآية ٧)، تفصّل الآيات التالية كيفية وصول الميراث للورثة ولليتامى:

стр. 309

﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ أي في ميراث أولادكم، واتفقوا أن أولاد الذكور يقومون مقام آبائهم عند فقد الآباء ولا يرثون مع وجودهم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الذكر ملزم بالإنفاق على نفسه وعلى زوجه فله سهمان، والأنثى تنفق على نفسها فقط وبعد الزواج تصير نفقتها على زوجها فلها سهم واحد ﴿فَإِنْ كُنَّ﴾ أي الوارثات ﴿نِساءً فَوْقَ اِثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثا ما تَرَكَ﴾ إن كان الورثة نساء فقط يزيد عددهن عن الاثنتين فلهن جميعا ثلثا ما ترك الوالد أو تركت الوالدة، وأما حكم الثنتين من النساء فهو كحكم الجمع ثلاث الأناث أو أكثر، لعدة أسباب ذكروها، منها قول أبي مسلم أن الذكر مع الأنثى الواحدة يرث الثلثين فيلزم أن يكون حظ الأنثيين معا يساوي الثلثين أي مساويا لنصيب الذكر الواحد، وأيضا نصيب البنت هو الثلث إذا اجتمعت مع الولد الذكر فمن باب أولى أن يكون نصيبها الثلث إذا اجتمعت مع الأنثى ﴿وَإِنْ كانَتْ واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ لها النصف مما ترك الوالد أو الوالدة، والباقي لسائر الورثة حسب النص. ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمّا تَرَكَ إِنْ كانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ إن كان للمتوفّى أو المتوفاة ولد أو أكثر فيأخذ كل من أبويه السدس ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ﴾ بما في ذلك أولاد الابن ﴿وَوَرِثَهُ أَبَواهُ﴾ فقط ﴿فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ مما ترك، والباقي لأبيه، وفي حال وجود زوج للمتوفى فيأخذ الزوج نصيبه، ثم تأخذ الأم ثلث ما بقي، ويأخذ الأب الباقي ﴿فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ إن كان للميت إخوة اثنان فأكثر، ذكورا أم أناثا ﴿فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ هؤلاء الإخوة أو الأخوات يحجبون حصة الأم من الثلث إلى السدس، والجمهور على أن الأخوة والأخوات لا يرثون شيئا، ويأخذ الأب خمسة أسداس. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها﴾ أي يكون قد أوصى بها الميت ولا تكون في أكثر من ثلث المال ﴿أَوْ دَيْنٍ﴾ أول ما يخرج من التركة ديون المتوفّى ولو

стр. 310

استهلكتها بالكامل فلم يبق للورثة شيء، فإن فضل بعد الدين شيء أخرجت الوصية من ثلث ما بقي إن كان للميت وصية، وما بقي بعد ذلك يوزع على الورثة حسب النص، وقد وردت الوصية في الآية قبل الدين، لأنه ليس كل ميت يكون مديونا بالضرورة، وبالمقابل يستحب لكل مسلم أن يوصي قبل موته وفي الحديث «ما حق امريء مسلم له مال أن يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة»، والوصية تنصرف إلى ما لا يزيد عن ثلث المال وتكون لصالح من لا يرثون الشخص من أقاربه أولا ثم لأعمال الخير ثانيا ﴿آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً﴾ لأن العقول البشرية عاجزة عن الإحاطة بالمصلحة والحكمة من تقدير المواريث، وقد يستحسن المرء ما هو في غير صالحه، والعكس ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ أي إن ما تقدم من أحكام الميراث قد فرض عليكم فريضة ﴿إِنَّ اللهَ كانَ﴾ كان منذ الأزل ولم يزل، فهو تعالى منزّه عن الزمان ﴿عَلِيماً حَكِيماً﴾ عليما محيطا بمصالح عباده حكيما فيما يفرضه عليهم. ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ (١٢) ١٢ - بعد بيان إرث القرابة، ينتقل الخطاب لبيان إرث المصاهرة: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْواجُكُمْ﴾ أي زوجاتكم اللواتي دخلتم بهنّ ﴿إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ لا ذكر ولا أنثى ﴿فَإِنْ كانَ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ ذكر أو أنثى منكم أو من غيركم، واتفقوا أنه لا فرق بين الابن وابن الابن، ولا بين البنت وبنت الابن ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِها أَوْ دَيْنٍ﴾ للزوج في هذه الحالة ربع تركة زوجته بعد قضاء دينها أولا، ثم إنفاذ وصيتها في ما لا

стр. 311

يزيد عن ثلث المال الباقي إن كان لها وصية ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ لا ذكر ولا أنثى ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ ذكر أو أنثى، واحدا أو أكثر ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمّا تَرَكْتُمْ﴾ سواء كانت زوجة واحدة أو أكثر، يشتركن جميعا بالتساوي في الربع أو الثمن ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِها أَوْ دَيْنٍ﴾ بعد قضاء دين الرجل ثم إنفاذ وصيته كما ذكر في شرح الآية (١١)، وليس لوارث شيء إلا مما يفضل عنهما، والجمهور على أن حقوق الزوجية مقدمة على غيرها، أي إن الزوج أو الزوجة يأخذ أحدهما نصيبه والباقي يوزع على الأولاد والوالدين. ثم بيان إرث الكلالة: ﴿وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ اِمْرَأَةٌ﴾ إن كان الميت ذا كلالة أو كانت المتوفاة ذات كلالة أي ليس له أو لها ولد ولا والد، والكلالة تطلق على ذوي القربى المحيطين بالميت من غير الأصول والفروع، لأن الإخوة والأخوات لا يرثون في حال وجود الأولاد أو الوالد، وتطلق الكلالة أيضا على المورّث نفسه إن لم يكن له ولد ولا والد ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ المقصود هو الأخ أو الأخت من الأم فقط، لأنهم استحقوا السدس أو الثلث فقط وهو حصة الأم فيما لو كانت موجودة، وأما الأخ أو الأخت من أب، أو أب وأم معا، فقد ورد حكمهما بالآية (١٧٦) في آخر السورة ﴿فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ لا فرق بين الأخوة والأخوات ذكورهم وأناثهم لأنهم جميعا حلوا محل الأم فاستحقوا الثلث بالتساوي، وهو نصيب الأم لو كانت موجودة، وقيل إنهم لا يرثون شيئا مع وجود الأم أو الجدّة أو البنت أو بنت الإبن. ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ أي يوصي بها وهو غير مضار لورثته، وقد ورد الإضرار في وصية إرث الكلالة دون ما قبله لكونه أكثر

стр. 312

احتمالا إذ قلما يعمد المرء إلى مضارة الوالدين أو الأولاد أو الأزواج ﴿وَصِيَّةً مِنَ اللهِ﴾ أي يوصيكم الله تعالى بذلك وصية، ووصيته تعالى فرض ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ عليم بمصالح عباده محيط بها مما لا يحيط به العقل البشري، وعليم بمن ظلم في الوصية أو عدل بها ﴿حَلِيمٌ﴾ حليم على الظالم لا يعاجله بالعقوبة بل يترك له فرصة التوبة. ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٣) ١٣ - ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ﴾ في أحكام المواريث خاصة، وفي جميع الأحكام المذكورة من بداية السورة ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾ (١٤) ١٤ - ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ﴾ في الحدود المذكورة سابقا أو بشكل عام ﴿يُدْخِلْهُ ناراً خالِداً فِيها وَلَهُ عَذابٌ مُهِينٌ﴾. ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ (١٥) ١٥ - ذكر الرازي في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه بعد أن أمر تعالى بالإحسان إلى النساء، وبيّن حقوقهنّ، أضاف تعالى إلى ذلك بيان ما عليهن من العقاب إذا أتين الفاحشة فقال عزّ من قائل: ﴿وَاللاّتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ﴾ اللاتي واللواتي جمع التي، ونسائكم أي زوجاتكم، وأجمعوا أن المقصود بالفاحشة هنا الزنا ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ لأنه إذا اتهمت المرأة بالزنا فلا تثبت عليها التهمة ولا يقام عليها الحد إلا بأن يشهد على الفعل أربعة من المسلمين ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ تحبس المرأة في البيت إذا شهدوا عليها بالزنا، وقالوا إن هذا دليل على

стр. 313

تحريم إمساكهن في البيوت ومنعهن من الخروج لغير هذا السبب إطلاقا، أي لمجرد الغيرة مثلا، أو لمجرد التحكم بهن كما يفعل البعض ﴿حَتّى يَتَوَفّاهُنَّ الْمَوْتُ﴾ كي لا يتكرر ذلك منهن إذا خرجن من البيوت ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ أن يجعل الله لها نصيبا في الزواج بعد التوبة. وقيل بالجلد كما ورد في سورة النور [النور: ٢٤/ ٢]، لقوله تعالى بالآية (٢٥) في عقاب المحصنات: ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾ بالزواج ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ وهي الزنا ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ﴾ المسلمات ﴿مِنَ الْعَذابِ﴾ أي عقاب الكتابيات المتزوجات نصف عقاب المسلمات المتزوجات، فعذاب المحصنات المسلمات مائة جلدة، وهو السبيل الذي جعله لهنّ الله في هذه الحالة. ﴿وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللهَ كانَ تَوّاباً رَحِيماً﴾ (١٦) ١٦ - بعد أن ذكرت الآية المتقدمة حالة اللواتي يرتكبن الفاحشة من الثيّبات والمحصنات بالأزواج، تنتقل هذه الآية إلى حالة الرجل والمرأة اللذين يرتكبانها: ﴿وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ﴾ الرجل والمرأة اللذان يأتيان الفاحشة، وقيل هما البكران اللذان لم يحصنا، وقد ذكر الطبري أن العرب إذا أرادت الوعيد للاثنين لا تقول: اللذان يفعلان كذا فعليهما كذا إلا أن يكون فعلا لا يحدث سوى من جنسين مختلفين أي الذكر والأنثى، أما الوعيد للإثنين من الجنس الواحد فيدخل في الجمع كقولهم: الذين يفعلون كذا فعليهم كذا ﴿فَآذُوهُما﴾ أي بالجلد، كما ورد في آية [النور: ٢٤/ ٢]، ﴿فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما﴾ لا يجوز التعرض لهما بعد ذلك إن تابا وأصلحا أعمالهما ﴿إِنَّ اللهَ كانَ تَوّاباً رَحِيماً﴾ لأن الله تعالى رحيم يقبل التوبة من عباده. وأما ما ذكره البعض من أن الآية تشير لحالة الشذوذ بين الذكور فينقضه كلام الطبري من جهة، ومن جهة ثانية لأنّ عقوبة اللواط أشد من ذلك بكثير.

стр. 314

﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١٧) ١٧ - ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ﴾ المعنى أنّ الهداية إلى التوبة والإرشاد إليها والإعانة عليها كل ذلك على الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ﴾ في حق من يرتكب الذنب على سبيل الجهالة، وقد وردت كلمة السوء بصيغة المفرد، والمغزى أن عمل السوء ليس متكررا من صاحبه، وقالوا أيضا أن كل من عصى الله سمّي جاهلا وسمّي فعله جهالة كما في قوله تعالى على لسان يوسف ﵇ ﴿وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ١٢/ ٣٣]. ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ ورد في تفسير المنار أن هذه الآية بيّنت الوقت الذي تقبل فيه توبة المذنب، والآية التالية بيّنت وقت فوات التوبة، أما بين الوقتين فقد سكت القرآن عنه فهو بين الرجاء والخوف، فكلما قرب وقت التوبة من وقت ارتكاب الذنب كان الرجاء أقوى، وكلما بعد الوقت بالاصرار وعدم المبالاة والتسويف كان الخوف من عدم القبول هو الأرجح، ولا ينافي ذلك ما ورد في الحديث «أن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» فإن المقصود من ذلك أنه لا يجوز لأحد أن يقنط من رحمة الله وييأس من التوبة ما دام حيا، وليس المقصود أنه لا خوف على العبد من التمادي في الذنوب حتى ما قبل الموت ولو بساعة فذلك مخالف لهدي القرآن ﴿فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ الذين يتوبون من قريب ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ لأنه تعالى عليم بشؤون عباده حكيم في قبول التوبة منهم. ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٨) ١٨ - ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ لاحظ صاحب المنار أن «السوء» في الآية السابقة

стр. 315

ورد بصيغة المفرد وفي هذه الآية وردت «السيئات» بصيغة الجمع، والمعنى أنّ من كانت حياته كلها سيئات لا تقبل توبته إذا حضره الموت ﴿وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفّارٌ﴾ الذين يعملون السيئات ويسوّفون توبتهم إلى حضور الموت هم مثل الكفار الذين يموتون على الكفر لأن كل واحد منهما يكون قد تجاوز أوان التكليف وفاته الاختبار وقت حضور الموت ﴿أُولئِكَ أَعْتَدْنا لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ كنتيجة طبيعية لما كانوا عليه في دنياهم. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ (١٩) ١٩ - استمرار الخطاب في حقوق النساء: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً﴾ حرّم تعالى وراثة نكاح النساء، وهو ما كان عليه الناس في الجاهلية، فكان الرجل منهم إذا مات وترك امرأة ورثها بعض أقاربه كما يورث المتاع يتصرّفون بهن كيف يشاؤون يتزوجها الوارث أو يزوّجها غيره، ولفظ كرها، بمعنى الإكراه أو الكره، ليس قيدا أو شرطا وإنما هو بيان للواقع الذي كانوا عليه، والمعنى أيضا لا يحل لكم أن ترثوا أموال النساء بأن تمسكوهنّ ضرارا على كره منهنّ حتى يمتن فترثوهنّ ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ العضل هو التضييق والمنع والشدة، ومنه الداء العضال، فيكون العضل في هذه الحالة أن يلجأ الزوج إلى الإضرار بزوجته إذا كرهها فيحبسها ويشدد عليها حتى تفتدي نفسها منه بأن تدفع له من مهرها أو ممّا قد يكون أعطاها ﴿إِلاّ أَنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الفاحشة في هذا المعنى هي الزنا، وقيل أيضا النشوز وسوء العشرة، كأن تستعصي المرأة على زوجها وتبغضه وتفحش له القول فيحق للرجل عندئذ أن يطلب منها الخلع حتى يأخذ منها ما أعطاها من المهر ﴿وَعاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الإحسان في عشرة النساء ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ﴾ لعيب أو سبب ما ممّا لا يعتبر ذنبا لهنّ فاصبروا ولا تعجلوا

стр. 316

بمفارقتهنّ ﴿فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ لأن الإنسان لا يعرف على وجه اليقين أين يكون الخير. ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ (٢٠) ٢٠ - ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾ وهي لم تأت بفاحشة مبينة ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً﴾ أي مالا كثيرا ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ بل يجب أن يبقى المال بكامله لصاحبته لأن ترك الزوجة كان بناء على رغبة الرجل دون ذنب منها، والاستبدال مبني على غالب الأحوال وهو لذلك ليس شرطا لعدم أخذ شيء من المال من الزوجة، إذ حتى لو طلقها الرجل دون أن يتزوج غيرها فلا يحل له أخذ شيء منها ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ البهتان هو الباطل أو الكذب الذي لشدّته يدهش المرء ويسكت متحيرا منه، فيكون البهتان هو أخذ المال منها دون وجه حق أو اتهامها بالفاحشة كذبا كي يأخذ المال منها. ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ (٢١) ٢١ - ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ لأي سبب وأي مبرر تأخذون منها المال؟ وقد حصل منتهى الاتصال بينكم بالجماع وحصلت الألفة بينكم ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ لأن المرأة عندما تترك أهلها وتقدم على الزواج تكون على قناعة بأن عشرتها الجديدة وصلتها بالرجل سوف تكون أقوى من أي رابطة أخرى ومعيشتها معه سوف تكون أفضل من أي معيشة، فذلك هو الميثاق الفطري الذي يعتبر من أشد المواثيق بين مخلوقين (المنار). ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢)﴾.

стр. 317

٢٢ - ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ لأنّ الرجل منهم في الجاهلية كان إذا توفي عن امرأته صار ابنه أحق بها فينكحها إذا شاء إن لم تكن أمه ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ ما قد سلف منكم في الجاهلية لا تؤاخذون عليه إن تركتموه في الإسلام ﴿إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ شديد القبح ﴿وَمَقْتاً﴾ أي ممقوتا مقتا شديدا وهو أشد البغض عند ذوي الطباع والفطرة السليمة ﴿وَساءَ سَبِيلاً﴾ أي ساء طريقا ذلك النكاح الذي اعتادوه في الجاهلية. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٢٣) ٢٣ - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ أن تنكحوهنّ بمن في ذلك الجدّات من جهة الأب أو الأم، وهو تحريم نكاح الأصول ﴿وَبَناتُكُمْ﴾ وتشمل بنات الأولاد وبنات البنات، وهو تحريم نكاح الفروع ﴿وَأَخَواتُكُمْ﴾ سواء كنّ شقيقات لكم أو كنّ من جهة الأب وحده أو الأم وحدها ﴿وَعَمّاتُكُمْ﴾ أخوات الآباء والأجداد ﴿وَخالاتُكُمْ﴾ أخوات الأمهات والجدّات ﴿وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ﴾ من جهة أحد الأبوين أو كليهما، بمن فيهنّ بناتهما ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ سمّى تعالى المرضعة أمّا للرضيع وبنتها أختا له، واتفقوا أيضا أن زوج المرضعة يعتبر أبا للرضيع فتحرم عليه أصول وفروع الرضيع - ولو من غير المرضعة - ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ تشمل أم الزوجة وجدّاتها ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ الربائب جمع ربيبة وهنّ بنات زوجاتكم من زوج سابق ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ في نكاح بناتهنّ إن فسختم عقد الزواج قبل الدخول ﴿وَحَلائِلُ﴾ زوجات ﴿أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ بخلاف أبنائكم

стр. 318

بالتبني ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ نكاح الأختين معا وإن كانتا أختين من الرضاعة، واتفقوا أيضا على حرمة الجمع بين البنت وخالتها أو عمتها ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ منكم في الجاهلية قبل النهي ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ فلا تؤاخذون عليه إن تركتموه في الإسلام. ويلاحظ في الآية أنه تعالى ذكر من كل صنف من المحرمات بعضه، فدخل في الأمهات الجدّات، وفي البنات بناتهنّ وبنات الأولاد إلخ. ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ تتمة الخطاب، أي وحرّم عليكم نكاح المحصنات من النساء أي ذوات الأزواج، ويقال أحصنت المرأة إذا تزوجت، والمعنى تكون في حصن الرجل وحمايته، وقوله تعالى: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ أي إطلاقا، لأن عقد الزوجية محترم مطلقا لا فرق فيه بين المؤمنات والكافرات، والحرائر والإماء، فيحرم نكاحهنّ إن كنّ متزوجات ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ بعقد نكاح شرعي ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ كتب الله عليكم تحريم الأنواع المذكورة من النساء كتابا مؤكدا ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ سوى المحرّمات المذكورات ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ﴾ بأن تدفعوا مهر الزوجة ﴿مُحْصِنِينَ﴾ أي متزوجين متعففين عن الزنا ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ غير زانين ﴿فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ أي بالزواج منهنّ ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ المهر فريضة ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ لا حرج عليكم في زيادة أو نقصان المهر بعد ذلك إذا تم بالتراضي بين الطرفين ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً﴾ بمصالح عباده ﴿حَكِيماً﴾ في تدبيرها.

стр. 319

﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً﴾ في حال تعذّر الإمكانية ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ ذكر المودودي أن إحصان المرأة على درجتين فالمرأة تكون محصنة أوّلا من قبل عائلتها، ثم بعد أن تتزوج تصبح محصنة أيضا من قبل زوجها، وذكر عدنان الرفاعي أن الإحصان بالنسبة لغير المسلمة أن تدخل الإسلام وتعمل بأحكامه، وفي هذه الحالة ينصرف المعنى إلى المحصنات بالإسلام ﴿فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾ أي إن تعذّر نكاح المسلمة فلينكح من الفتيات المؤمنات من أهل الكتاب الواقعات تحت ولايته، لأن نكاح المشركات غير جائز، انظر آية [البقرة: ٢/ ٢٢١]، ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ﴾ المسألة متعلقة بالعقيدة، والله تعالى أعلم بالسرائر ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ لأن الجميع خلق الله ويفضل بعضهم على بعض بالتقوى ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ بعقد نكاح شرعي ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهي مهورهنّ تعطى لهنّ بالمعروف أي بغير إضرار ولا مماطلة ولا نقصان ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ أي محصنات لكم ولأنفسهنّ، غير مستأجرات للبغاء جهرا ﴿وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ﴾ لا تكونوا لهنّ أخلاّء سرّا، وكل ذلك تأكيد أن الوطء لا يجوز إلا بعقد نكاح شرعي مهما كانت منزلة المرأة، مسلمة أو غير مسلمة، حرّة أو أمة، ﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾ بالزواج ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ وهي الزنا ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ﴾ المسلمات ﴿مِنَ الْعَذابِ﴾ عقاب الكتابيات المتزوجات نصف عقاب المسلمات المتزوجات، أي نصف الحدّ المذكور في الآية (٢)﴾ من

стр. 320

سورة النور ﴿ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي ذلك الترخيص بنكاح الكتابيات هو لمن خشي المشقة والشدّة والوقوع في الإثم في حال تعذّر نكاح المسلمة ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ المعنى عدم التشجيع على نكاح الكتابيات ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ للضرورات التي سبق بيانها، هي من باب المغفرة والرحمة منه تعالى. ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٦) ٢٦ - ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي يريد الله ذلك التحليل والتحريم لأجل أن يبين لكم ما فيه مصلحتكم وسلامة فطرتكم ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ لأن الشرع الذي نزل على جميع الأنبياء يتضمن التوازن بين الحاجات الجسدية والروحية للإنسان ولا مجال فيه للتطرف كالرهبنة والزهد عن النساء، ولا للغلو في إشباع الغرائز الجسدية فقط ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ فيما سلف منكم في الجاهلية خلاف ذلك ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ علمه محيط بمصالح عباده وأحكامه مطابقة لها. ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ يقبل توبتكم إذا تخليتم عن المعاصي ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ يودّ أعداء الدين إفسادكم بأن تميلوا وتنحرفوا عن الفطرة السليمة وتتبعوا الشهوة الحيوانية بلا مبالاة ولا قيود ويكون غرضكم من الحياة التمتع بالشهوات الحيوانية والمادية فقط، انظر آية [آل عمران: ٣/ ١٤٩]. ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾ (٢٨) ٢٨ - ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ إذ لم يجعل لكم في الدين من حرج، وشرع لكم من الأحكام بحيث يكون هنالك توافق وانسجام بين متطلبات
следующие страницы →