Полный текст (2 031 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
بمفارقتهنّ ﴿فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ لأن الإنسان لا يعرف على وجه اليقين أين يكون الخير.
﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ (٢٠)
٢٠ - ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اِسْتِبْدالَ زَوْجٍ مَكانَ زَوْجٍ﴾ وهي لم تأت بفاحشة مبينة ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً﴾ أي مالا كثيرا ﴿فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً﴾ بل يجب أن يبقى المال بكامله لصاحبته لأن ترك الزوجة كان بناء على رغبة الرجل دون ذنب منها، والاستبدال مبني على غالب الأحوال وهو لذلك ليس شرطا لعدم أخذ شيء من المال من الزوجة، إذ حتى لو طلقها الرجل دون أن يتزوج غيرها فلا يحل له أخذ شيء منها ﴿أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ البهتان هو الباطل أو الكذب الذي لشدّته يدهش المرء ويسكت متحيرا منه، فيكون البهتان هو أخذ المال منها دون وجه حق أو اتهامها بالفاحشة كذبا كي يأخذ المال منها.
﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ (٢١)
٢١ - ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضى بَعْضُكُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ لأي سبب وأي مبرر تأخذون منها المال؟ وقد حصل منتهى الاتصال بينكم بالجماع وحصلت الألفة بينكم ﴿وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ لأن المرأة عندما تترك أهلها وتقدم على الزواج تكون على قناعة بأن عشرتها الجديدة وصلتها بالرجل سوف تكون أقوى من أي رابطة أخرى ومعيشتها معه سوف تكون أفضل من أي معيشة، فذلك هو الميثاق الفطري الذي يعتبر من أشد المواثيق بين مخلوقين (المنار).
﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتاً وَساءَ سَبِيلاً (٢٢)﴾.
стр. 317
٢٢ - ﴿وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ﴾ لأنّ الرجل منهم في الجاهلية كان إذا توفي عن امرأته صار ابنه أحق بها فينكحها إذا شاء إن لم تكن أمه ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ ما قد سلف منكم في الجاهلية لا تؤاخذون عليه إن تركتموه في الإسلام ﴿إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ شديد القبح ﴿وَمَقْتاً﴾ أي ممقوتا مقتا شديدا وهو أشد البغض عند ذوي الطباع والفطرة السليمة ﴿وَساءَ سَبِيلاً﴾ أي ساء طريقا ذلك النكاح الذي اعتادوه في الجاهلية.
﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٢٣)
٢٣ - ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾ أن تنكحوهنّ بمن في ذلك الجدّات من جهة الأب أو الأم، وهو تحريم نكاح الأصول ﴿وَبَناتُكُمْ﴾ وتشمل بنات الأولاد وبنات البنات، وهو تحريم نكاح الفروع ﴿وَأَخَواتُكُمْ﴾ سواء كنّ شقيقات لكم أو كنّ من جهة الأب وحده أو الأم وحدها ﴿وَعَمّاتُكُمْ﴾ أخوات الآباء والأجداد ﴿وَخالاتُكُمْ﴾ أخوات الأمهات والجدّات ﴿وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ﴾ من جهة أحد الأبوين أو كليهما، بمن فيهنّ بناتهما ﴿وَأُمَّهاتُكُمُ اللاّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ سمّى تعالى المرضعة أمّا للرضيع وبنتها أختا له، واتفقوا أيضا أن زوج المرضعة يعتبر أبا للرضيع فتحرم عليه أصول وفروع الرضيع - ولو من غير المرضعة - ﴿وَأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ تشمل أم الزوجة وجدّاتها ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسائِكُمُ اللاّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ الربائب جمع ربيبة وهنّ بنات زوجاتكم من زوج سابق ﴿فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ في نكاح بناتهنّ إن فسختم عقد الزواج قبل الدخول ﴿وَحَلائِلُ﴾ زوجات ﴿أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ بخلاف أبنائكم
стр. 318
بالتبني ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ نكاح الأختين معا وإن كانتا أختين من الرضاعة، واتفقوا أيضا على حرمة الجمع بين البنت وخالتها أو عمتها ﴿إِلاّ ما قَدْ سَلَفَ﴾ منكم في الجاهلية قبل النهي ﴿إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ فلا تؤاخذون عليه إن تركتموه في الإسلام.
ويلاحظ في الآية أنه تعالى ذكر من كل صنف من المحرمات بعضه، فدخل في الأمهات الجدّات، وفي البنات بناتهنّ وبنات الأولاد إلخ.
﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٢٤)
٢٤ - ﴿وَالْمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ تتمة الخطاب، أي وحرّم عليكم نكاح المحصنات من النساء أي ذوات الأزواج، ويقال أحصنت المرأة إذا تزوجت، والمعنى تكون في حصن الرجل وحمايته، وقوله تعالى: ﴿مِنَ النِّساءِ﴾ أي إطلاقا، لأن عقد الزوجية محترم مطلقا لا فرق فيه بين المؤمنات والكافرات، والحرائر والإماء، فيحرم نكاحهنّ إن كنّ متزوجات ﴿إِلاّ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ بعقد نكاح شرعي ﴿كِتابَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ كتب الله عليكم تحريم الأنواع المذكورة من النساء كتابا مؤكدا ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ﴾ سوى المحرّمات المذكورات ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوالِكُمْ﴾ بأن تدفعوا مهر الزوجة ﴿مُحْصِنِينَ﴾ أي متزوجين متعففين عن الزنا ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ غير زانين ﴿فَمَا اِسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ أي بالزواج منهنّ ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ المهر فريضة ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ لا حرج عليكم في زيادة أو نقصان المهر بعد ذلك إذا تم بالتراضي بين الطرفين ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً﴾ بمصالح عباده ﴿حَكِيماً﴾ في تدبيرها.
стр. 319
﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ فَإِذا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ مِنَ الْعَذابِ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً﴾ في حال تعذّر الإمكانية ﴿أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَناتِ الْمُؤْمِناتِ﴾ ذكر المودودي أن إحصان المرأة على درجتين فالمرأة تكون محصنة أوّلا من قبل عائلتها، ثم بعد أن تتزوج تصبح محصنة أيضا من قبل زوجها، وذكر عدنان الرفاعي أن الإحصان بالنسبة لغير المسلمة أن تدخل الإسلام وتعمل بأحكامه، وفي هذه الحالة ينصرف المعنى إلى المحصنات بالإسلام ﴿فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ﴾ أي إن تعذّر نكاح المسلمة فلينكح من الفتيات المؤمنات من أهل الكتاب الواقعات تحت ولايته، لأن نكاح المشركات غير جائز، انظر آية [البقرة: ٢/ ٢٢١]، ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ﴾ المسألة متعلقة بالعقيدة، والله تعالى أعلم بالسرائر ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ لأن الجميع خلق الله ويفضل بعضهم على بعض بالتقوى ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ﴾ بعقد نكاح شرعي ﴿وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهي مهورهنّ تعطى لهنّ بالمعروف أي بغير إضرار ولا مماطلة ولا نقصان ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ أي محصنات لكم ولأنفسهنّ، غير مستأجرات للبغاء جهرا ﴿وَلا مُتَّخِذاتِ أَخْدانٍ﴾ لا تكونوا لهنّ أخلاّء سرّا، وكل ذلك تأكيد أن الوطء لا يجوز إلا بعقد نكاح شرعي مهما كانت منزلة المرأة، مسلمة أو غير مسلمة، حرّة أو أمة،
﴿فَإِذا أُحْصِنَّ﴾ بالزواج ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ وهي الزنا ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَى الْمُحْصَناتِ﴾ المسلمات ﴿مِنَ الْعَذابِ﴾ عقاب الكتابيات المتزوجات نصف عقاب المسلمات المتزوجات، أي نصف الحدّ المذكور في الآية (٢)﴾ من
стр. 320
سورة النور ﴿ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي ذلك الترخيص بنكاح الكتابيات هو لمن خشي المشقة والشدّة والوقوع في الإثم في حال تعذّر نكاح المسلمة ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ المعنى عدم التشجيع على نكاح الكتابيات ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ للضرورات التي سبق بيانها، هي من باب المغفرة والرحمة منه تعالى.
﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٦)
٢٦ - ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي يريد الله ذلك التحليل والتحريم لأجل أن يبين لكم ما فيه مصلحتكم وسلامة فطرتكم ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ لأن الشرع الذي نزل على جميع الأنبياء يتضمن التوازن بين الحاجات الجسدية والروحية للإنسان ولا مجال فيه للتطرف كالرهبنة والزهد عن النساء، ولا للغلو في إشباع الغرائز الجسدية فقط ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ فيما سلف منكم في الجاهلية خلاف ذلك ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ علمه محيط بمصالح عباده وأحكامه مطابقة لها.
﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ (٢٧)
٢٧ - ﴿وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ يقبل توبتكم إذا تخليتم عن المعاصي ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً﴾ يودّ أعداء الدين إفسادكم بأن تميلوا وتنحرفوا عن الفطرة السليمة وتتبعوا الشهوة الحيوانية بلا مبالاة ولا قيود ويكون غرضكم من الحياة التمتع بالشهوات الحيوانية والمادية فقط، انظر آية [آل عمران: ٣/ ١٤٩].
﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾ (٢٨)
٢٨ - ﴿يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ إذ لم يجعل لكم في الدين من حرج، وشرع لكم من الأحكام بحيث يكون هنالك توافق وانسجام بين متطلبات
стр. 321
الجسد والغريزة وبين متطلبات النفس والروح، بلا تناقض ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾ من حيث ميله إلى الشهوات الدنيوية فلا يحتمل التضييق عليه في الاستمتاع بها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ (٢٩)
٢٩ - بعد أن بيّنت السورة كيفية التصرف بأموال اليتامى، ونهت عن إيتاء المال للسفهاء لوجوب استخدامه على الوجه السليم وبما لا يضر المجتمع، وحدّدت تداول المال بالإرث، وأوضحت أن الإنسان خلق ضعيفا يميل إلى الشهوات وإلى متاع الدنيا، تنتقل هذه الآية إلى النهي عن تداول المال بالباطل:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ﴾ لا تستولوا على أموال الغير بلا وجه حق سواء بالقوة أو بوسائل أخرى كالغش أو التدليس أو الخيانة أو الميسر أو السرقة أو الربا، وقد أضاف تعالى الأموال إلى الجميع فلم يقل لا يأكل بعضكم أموال بعض بل قال أموالكم وذلك تنبيها على تكافل الأمة في الحقوق والمصالح، وبمعنى أنه إذا استباح أحدكم أكل مال الآخرين بالباطل فكأنه أباح للغير أكل ماله بالباطل أيضا، فكما يدين يدان ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾ فعندئذ يكون أكل المال بالحلال، وقيل أيضا إنّ (إلاّ) بمعنى (ولا) فيكون المعنى لا يحل لكم أن تأكلوا أموال الغير بالباطل حتى لو كان ذلك بموافقة الغير وهو الطرف الضعيف، وسوف يرد بالآية (٣٢)﴾ النهي عن تمنّي أموال الآخرين بما قد يؤدي للقتل: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا يقتل بعضكم بعضا وهو تحريم القتل والاقتتال بين المسلمين، وإضافة الأنفس إلى الجميع من قبيل التعبير عن تكافل مجموع الأمة ووحدتها قال تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: ٥/ ٣٢]، كما أنّ قتل الإنسان لغيره يؤدي إلى قتله قصاصا أو ثأرا فكأنّما قتل نفسه ﴿أَنْ﴾
стр. 322
﴿اللهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ فمن رحمته تعالى أن جعل إتلاف الأموال والأنفس بالباطل محرما.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ (٣٠)
٣٠ - ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً﴾ لا خطأ ولا اقتصاصا ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ فلا ينجو من عقاب الله في الآخرة، وإن لم يعاجله بعقوبة الدنيا.
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ (٣١)
٣١ - ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ بعد أن نهى تعالى عن أكل الأموال بالباطل وعن قتل الأنفس، وهما أكبر الذنوب المتعلقة بحقوق العباد، نهى أيضا عن سائر الكبائر وهي المعاصي الكبيرة، والأحاديث الصحيحة في عددها متنوعة، ومنها الشرك بالله، وقتل النفس، والسحر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي من الزحف، وقذف المحصنات، وشهادة وقول الزور، واليمين الغموس، وكان النبي ﷺ يذكر في كل مقام ما تدعو إليه الحاجة منها، فلم يكن قوله للحصر ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ وهي الذنوب الصغيرة لا نؤاخذكم عليها ما اجتنبتم الكبائر، وفي تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر نقرأ قوله تعالى: ﴿مالِ هذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاّ أَحْصاها﴾ [الكهف:
١٨/ ٤٩]،
﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ بضم الميم، أي تدخلون عالم البرزخ أو الدار الآخرة مكرّمين.
﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ (٣٢)
٣٢ - ﴿وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ أي بالأرزاق الدنيوية، والآية متصلة بقوله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ﴾
стр. 323
لأن النهي عن أكل أموال الناس بالباطل يتطلب عدم تمني أموال الآخرين والطمع فيها وحسد أصحابها، وتفضيل بعض الناس على بعضهم الآخر بالكسب الدنيوي على سبيل الابتلاء ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبُوا﴾ أي ممّا اكتسبوا من الفضل بجهودهم أو بالميراث، ولأن الفضل ينال بالجهد وليس بالتمني ﴿وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اِكْتَسَبْنَ﴾ بجهودهنّ أو بالميراث، والتمييز بين الرجال والنساء عائد لخصوصية ووظائف كل منهما الفطرية ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ لأنه مهما كانت براعة الإنسان في طلب الرزق الكسبي فهو يحتاج للتوفيق الإلهي بما هو خارج عن الإرادة البشرية ﴿إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ هو العالم بتوزيع الأرزاق على عباده، والحكمة منها.
﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ (٣٣)
٣٣ - تتمة الخطاب في المواريث: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الموالي هم الورثة أي الذين لهم الولاية على الإرث ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ هم الزوج والزوجة لأن النكاح يسمّى عقدا قال تعالى: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٣٥]، وهنا ذكر تعالى الوالدين والأقربين والزوج والزوجة جميعا، والمعنى لكلّ مال جعلنا موالي، أي ورثة يلون الوالدين والأقربين والزوج والزوجة في حيازة المال، ويحتمل المعنى أيضا أن يكون الوالدان والأقربون والأزواج هم الورثة فيكون تقدير الآية: ولكلّ امريء جعلنا ورثة يرثون ماله، والورثة هم الوالدان والأقربون والزوج أو الزوجة، وعندها يلزم الوقف بعد كلمة ﴿تَرَكَ،﴾ ﴿فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ من الإرث حسبما نصّ عليه الشرع ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً﴾ فيحاسبكم على عملكم.
﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما حَفِظَ اللهُ وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾
стр. 324
﴿فَعِظُوهُنَّ وَاُهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاِضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً﴾ (٣٤)
٣٤ - تتمة الخطاب من الآية (٣٢)، وقد ذكر الزمخشري أن قوامة الرجل على المرأة إنما تستحق بالفضل، وهو مفهوم الآية، وليس بالتغلب والقهر والاستطالة: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ﴾ تقدير الخطاب: الرجال قوّامون على رعاية النساء - بحذف المضاف - وحذف المضاف شائع في التنزيل كقوله تعالى: ﴿رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٩٤] أي على لسان رسلك، وقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ﴾ [الأنبياء: ٢١/ ٦١] أي على مرأى أعين الناس، والمعنى أن الرجال يقومون على النساء بالرعاية والإنفاق والحماية والولاية، وهذه القوامة هي المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٢٨].
﴿بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ أي سبب هذه القوامة أنه تعالى فضّل الرجال على النساء ببعض الأمور الفطرية وبالميراث، وفي تفسير المنار أنّ قوله تعالى: ﴿بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ﴾ ذو مغزى إذ لم يقل بما فضّلهم عليهنّ ومعنى ذلك أن الرجل والمرأة أحدهما من الآخر أي هما بمنزلة الأعضاء من جسد الشخص الواحد وبحيث يكون الرجل بمنزلة الرأس والمرأة بمنزلة باقي الجسد، وهذه القوامة هي للرجل في بيته وداخل أسرته فقط، وأيضا فإنّ التفضيل عام أي لجنس الرجال على جنس النساء وليس تفضيلا لكل رجل على كل امرأة، إذ هنالك الكثير من النساء اللواتي يتفوّقن على الرجال في العلم والعمل والكسب ﴿وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ﴾ لمهر الزوجة وبما يجب عليهم من النفقة على الزوجة والأولاد ﴿فَالصّالِحاتُ قانِتاتٌ﴾ أي إنّ الصالحات منهنّ مطيعات لله ولأزواجهنّ بالمعروف ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ يحفظن حرمة وأسرار الزوجية ﴿بِما حَفِظَ اللهُ﴾ لأن الله أمر بحفظها.
стр. 325
﴿وَاللاّتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ﴾ بعد أن ذكر تعالى الصالحات منهنّ ذكر الآن غير الصالحات، والنشوز في الأصل هو الارتفاع فتكون الناشز هي التي تسيء السلوك مع زوجها وتسيء معاملته مترفّعة عليه، فعلى الزوج أن يبدأ معها بالموعظة الحسنة ﴿وَاُهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاِضْرِبُوهُنَّ﴾ وأجمعوا أنّ الضرب يكون رمزيّا فهو بالسواك أو بمنديل، ويراعى فيه التخفيف على أبلغ الوجوه، ولا يكون على الوجه، وكلّما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به (الرازي)، وفي كل الأحوال فإن الضرب لا يكون إلا لسبب جوهري، وليس ناتجا عن نزوة الزوج ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ أي إن أطعنكم بإحدى هذه الأساليب فلا تبغوا بالتجاوز إلى غيرها، والمفهوم أن جميع هذه الأساليب خاصة بالناشز فقط، وأما الصالحات القانتات فلا سبيل عليهن حتى في الوعظ والنصح، فضلا عن الهجر والضرب (المنار)، ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً﴾ فسلطانه عليكم أعلى من سلطانكم على نسائكم، والمقصود زجر الرجال عن ظلم النساء.
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ (٣٥)
٣٥ - ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ فيما يتعلق بالناشز أو بالقوامة، وتقدير الخطاب: إن خفتم شقاقا بينهما أي بين الزوجين ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها﴾ والخطاب عام يدخل فيه الزوجان وذوو القربى والجيران والمعارف ممن يريد السعي للإصلاح، وكون الحكمين من أهله وأهلها على سبيل التفضيل لأنهما قد يكونا أدرى بظروف الزوجين الشخصية، ولا يشترط أن يكونا من الأهل ﴿إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما﴾ إن كانت النيات حسنة وصحّت إرادة الإصلاح لدى الحكمين أو الزوجين فالتوفيق كائن بإذن الله ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلِيماً خَبِيراً﴾ أي عليم بمصالح الزوجين وخبير بالنوايا.
стр. 326
﴿وَاُعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَبِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً﴾ (٣٦)
٣٦ - استمرار الخطاب في تنظيم المجتمع، وبيان صلة الأرحام والإحسان:
﴿وَاُعْبُدُوا اللهَ﴾ والعبادة تكون بالطاعات، كما أن إخلاص النية يجعل من الأعمال العادية عبادات فالعامل والزارع وغيره إذا أتقنوا أعمالهم بأمانة وبقصد إعالة من يعتمد عليهم من الأهل ولمساعدة المحتاجين ولإفادة الصالح العام فيكون عملهم من أفضل العبادات ﴿وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ النهي عن الخضوع لسلطة غيبية وراء الأسباب والسنن الكونية المعروفة، وأيضا عدم الخضوع الأعمى لسلطة بشرية ممّا فيه معصية الخالق ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ أحسنوا بالوالدين إحسانا، وهو أن يكون المرء في غاية الأدب مع الوالدين قولا وعملا وأن يكفيهما ما يحتاجان وفق استطاعته، دون أن يؤثر ذلك على حريته واستقلاله الشخصي عنهما ﴿وَبِذِي الْقُرْبى﴾ وأحسنوا إلى ذوي القربى، وفي الحديث:
«أمك وأباك وأختك وأخاك ثمّ أدناك أدناك»، ﴿وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَالْجارِ ذِي الْقُرْبى وَالْجارِ الْجُنُبِ﴾ الجار ذي القربى هو الجار القريب أي من نفس القوم أو الجماعة، وليس المعنى أنه قريب بالنسب لأن ذوو القربى سبق ذكرهم، أما الجار الجنب فهو الجار الغريب بمن فيه من هو على غير الاسلام لأنه ﷺ عاد جاره اليهودي، وفي الحديث «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» ﴿وَالصّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ وهو الصاحب الملازم له في السفر أو في العمل، وقيل أيضا هو الزوج أو الزوجة ﴿وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ المسافر الذي انقطع في السفر واللاجيء واللقيط ﴿وَما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ﴾ بالزواج، وقيل هم العبيد والإماء، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ حين حضره الموت أوصى قائلا:
«الصلاة وما ملكت أيمانكم»، والإحسان إلى العبيد يكون بتحريرهم ﴿إِنَّ اللهَ﴾
стр. 327
﴿لا يُحِبُّ مَنْ كانَ مُخْتالاً فَخُوراً﴾ وهو المتكبر المتطاول على أقاربه وجيرانه وأصحابه.
﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً﴾ (٣٧)
٣٧ - ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ استمرار الكلام من الآية السابقة والمعنى أن الله لا يحب من كان مختالا فخورا، ولا يحب الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ﴿وَيَكْتُمُونَ ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يضنّوا به على الناس ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً﴾ لأنهم كفروا النعمة، أي كتموها، لأنّ الكفران في الأصل هو التغطية.
﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً﴾ (٣٨)
٣٨ - ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ رِئاءَ النّاسِ﴾ لأن قصد المرائي من الإنفاق هو مجرد التطاول والكبرياء على الآخرين، والآية معطوفة على ما قبلها أي إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ولا البخلاء الآمرين بالبخل ولا الذين ينفقون أموالهم رياء ﴿وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ المرائي ينفق لأغراض ومطامع دنيوية فهو لا يؤمن بالله واليوم الآخر ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِيناً فَساءَ قَرِيناً﴾ لأن وسوسة الشيطان تؤدي بصاحبها إلى البخل والرياء، لقوله تعالى:
﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٦٨].
﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً﴾ (٣٩)
٣٩ - ﴿وَماذا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ أي إن إنفاقهم بلا إيمان ولمجرد المراءاة هو مثار لتعجب الناس من سلوكهم لأن المرائين غالبا ما يخسرون الدنيا، وقطعا الآخرة ﴿وَكانَ اللهُ بِهِمْ عَلِيماً﴾ علمه تعالى بإنفاق عبيده يغني عن معرفة الغير بذلك.
стр. 328
﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ (٤٠)
٤٠ - ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ فلا يفوت المحسن من ثوابه شيء، وجزاء السيئة بمثلها ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ تزيد أضعافا ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً﴾ بما يغني عن مطامع الدنيا.
﴿فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ (٤١)
٤١ - فبعد كل ما تقدّم لا عذر لأحد بادّعاء الجهل: ﴿فَكَيْفَ﴾ أي كيف يكون حال الخاطئين العصاة يوم الحساب حيث لا يفوت من حسابهم مثقال ذرة ﴿إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ وهم الأنبياء السابقون الذين بعثوا إلى أممهم يشهدون أن الرسالة وصلت إلى تلك الأمم فتحاسب عليها، قال تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٥]، وقال عزّ من قائل ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٥/ ٢٤]، وقوله ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٦/ ٢٠٨].
﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً﴾ أي جئنا بك يا محمد لتشهد على أمّة الإسلام، لأن الرسول ﷺ بسنته المعتدلة وبسيرته الحميدة العالية يكون حجة على المفرطين.
﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ (٤٢)
٤٢ - ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ﴾ في تجاهل واضح للوحي ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ وهم الكفار المشار إليهم سابقا يودّون لو كانوا ترابا تسوّى بهم الأرض، والرسول قد يكون اسم جنس لكافة الرسل فتنطبق الآية على جميع من عصوا الرسل ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثاً﴾ ينكشف ضلالهم ويفتضح أمرهم ويحملون أوزارهم فلا يكتم من أمورهم شيء.
стр. 329
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً﴾ (٤٣)
٤٣ - الإشارة إلى الصلاة في هذه الآية تنشأ من ذكر يوم الحساب في الآيات السابقة، لأنّه وقتئذ يواجه المرء خالقه فلا يفوت من حسابه مثقال ذرة، وقالوا:
أوّل ما يسأل عنه الصلاة، وفي الحياة الدنيا يواجه المرء خالقه في الصلاة، فكان تذكيره ببعض شروطها:
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ أي لا تصلّوا، ولا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد، وأنتم في حالة السكر، والمراد النهي عن الشرب المؤدي إلى السكر عند قرب وقت الصلاة، وتخصيص الشيء بالذكر وهو وقت القرب من الصلاة لا يدل على نفي الحكم في باقي الأوقات، وقد ينتج السكر أيضا عن تعاطي أي شيء يخل بالعقل، غير مقتصر على الخمر، وقد يشمل سكر النعاس أي غلبة النوم على المرء، والسكر الناتج عن تعاطي بعض العقاقير، وكلّ ما يخل بالاتزان الفكري ﴿وَلا جُنُباً إِلاّ عابِرِي سَبِيلٍ﴾ للجنب عابر السبيل المسافر، أن يصلّي دون الاغتسال، مكتفيا بالتيمم كما سيرد ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ وهو حكم الجنب المقيم أن يغتسل قبل الصلاة ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ﴾ الغائط هو المنخفض من الأرض، والمجيء منه كناية عن الحدث الأصغر، لأنهم كانوا في البادية يتسترون بالمكان المنخفض لقضاء الحاجة ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ كناية عن الجماع، وقيل هو على معناه الظاهر أي حقيقة اللمس المشترك بين الرجل والمرأة ولو باليد ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ويجوز للمريض أن يتيمّم سواء وجد الماء أم فقد، لأن فقدان الماء يبيح التيمم للجميع فلا معنى لضمّه إلى المرض، وإنما يعود قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ إلى المسافر والمذكورين بعده، أي إن حكم المسافر
стр. 330
إذا أراد الصلاة مماثل الحكم المتغوّط الموجب للوضوء، أو المجامع الموجب للغسل، فبإمكان كل هؤلاء التيمّم عند فقدان الماء، والجمهور على أنه يجوز التيمم لهؤلاء إن كان وجود الماء مع تعذر استعماله، بسبب حرج كالمرض أو المشقة أو الضرر أو ندرة وجود الماء، مما يجعله كالمفقود ﴿صَعِيداً طَيِّباً﴾ الصعيد هو وجه الأرض ترابا كان أو غيره والطيب هو النظيف الطاهر ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ تفصيل لكيفية التيمم وهو أمر تعبدّي محض الحكمة منه إبداء إذعان المرء وخضوعه لأمره تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً﴾ فمن عفوه تعالى أن أسقط وجوب الوضوء والغسل عن المريض وعن المسافر وعن المقيم في حال المشقة، وأباح لهم التيمّم تيسيرا.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ (٤٤)
٤٤ - بعد كل ما تقدم من توجيهات تنظيم الإسرة والمجتمع، تعود الآيات إلى الموضوع الرئيسي في القرآن الكريم وهو مسؤولية الإنسان عن أعماله، وبالذات مسؤوليته في التجاوب تجاه الهدي الإلهي الذي نزل على الأنبياء، لأن من سبق من الأمم، كاليهود، اكتفوا من الدين بالظواهر والمراسم، وتركوا الجوهر والهدف:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ومن ثمّ لأمّته جمعاء، والذين أوتوا نصيبا من الكتاب هم في هذه الآية اليهود بدليل ما سيرد، والنصيب من الكتاب معناه أنهم لم يحفظوه بل أضاعوا ونسوا قسما منه، ثم إنهم لم يعملوا بالنصيب الذي بقي لديهم، انظر شرح الآية (٣)﴾ من سورة آل عمران ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ﴾ يشترون الزعامة الدنيوية ودنيا المادة ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ يخطّطون ويعملون لإضلال الآخرين، والسبب مذكور في آيات [البقرة: ٢/ ١٠٥، ١٠٩]، كان المسلمون شديدي الحرص على تألّف اليهود لكونهم
стр. 331
من أصحاب الوحي الأول، فكانوا لذلك يتوقعون من اليهود الانضمام إليهم في الصراع الذي وقع بين الإسلام والوثنية، غير أن اليهود كانوا عند أسوأ الظن، فجابهوا الإسلام بكل ما استطاعوا من إساءة.
﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً﴾ (٤٥)
٤٥ - ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدائِكُمْ﴾ الله تعالى أعلم منكم بما في نفوس أعدائكم من النفاق والكيد والخديعة في الخفاء والعلن، مع إظهارهم الرغبة في نصيحتكم وموالاتكم ﴿وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا﴾ فهو يتولّى أموركم وإرشادكم إلى ما فيه خيركم ﴿وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً﴾ فيوفقكم للعمل بما فيه أسباب النصر، فلا تغترّوا بغيره ولا تطلبوا النصر من سواه، وعليكم اتباع سننه في الأسباب وهدايته في القرآن.
﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا وَاِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَراعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاِسْمَعْ وَاُنْظُرْنا لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٤٦)
٤٦ - ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ الذين هادوا هم اليهود يتلاعبون بالألفاظ والمعاني، وهو دأبهم قديما وحديثا، ومنهم من تعمّد الحذف والزيادة في كتبهم، وهم الأحبار ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا﴾ كأن اليهود يحدّثون أنفسهم قائلين سمعنا الرسالات السماوية وعصيناها، وعصيانهم ينطبق على كل الوحي الذي نزل على موسى ومن بعده من الأنبياء ولا يقتصر على معصية النبي ﷺ ، ومن الأعذار الواهية التي يبررون بها معصيتهم زعمهم أنهم شعب الله المختار أبد الدهر رغم ذنوبهم وجرائمهم ﴿وَاِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أي يقول بعضهم لبعض: اسمع شيئا لا يستحق السمع، تهكما على كلام النبي ﷺ ﴿وَراعِنا﴾ خطابهم للنبي ﷺ بمعنى أعرنا سمعك، أو أصغ إلينا، والمغزى أنهم ليسوا بحاجة لتعلم شيء من النبي، بل العكس عليه أن يتعلم منهم بزعمهم، وذلك شبيه بقولهم: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٢/ ٨٨]، يزعمون أن
стр. 332
قلوبهم مكتفية بما لديها من الدين والعلم ولا يحتاجون للتعلم من غيرهم ﴿لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ﴾ لا يقصدون بالكلام معناه الظاهر، بل كلمات عبرية مشابهة مبطنة بالشتيمة والتشكيك بالوحي ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاِسْمَعْ وَاُنْظُرْنا﴾ أي اسمع رأينا، وأمهلنا أيها النبي حتى نفقه حديثك ﴿لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ﴾ من الإصرار على ضلالهم وتعنتهم ﴿وَلكِنْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾ لأن الكفر يحجب الحقيقة عن صاحبه إذ يمنعه من التفكير الموضوعي ويعمي بصيرته فتكون النتيجة أن يحرم صاحبه من رحمة الله، انظر آية [البقرة:
٢/ ٨٨]، ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ قليلا ما يؤمنون بالصواب، لأن معتقداتهم تمحورت حول ذاتهم وظنّهم أنهم يمتازون عند الله على غيرهم من البشر، ويحتمل المعنى أيضا أنه لا يؤمن بخاتم الأنبياء والرسل ﷺ المذكور في كتبهم إلا القليل منهم.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ (٤٧)
٤٧ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ المخاطبون هم اليهود، وفي الآية (٤٥)﴾ وصفوا بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب فقط والمعنى أنهم بعد أن أوتوا الكتاب بأكمله وأصبحوا ملزمين به، أضاعوا منه الكثير، فكان خطابهم بأنهم أوتوا نصيبا منه تعبيرا عن عدم تحملهم المسؤولية ﴿آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ﴾ أي مصدّقا لما تبقي معكم من الصحيح من مبادئ الدين وأركانه ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها﴾ الطمس هو المحو، والوجوه هو التوجه، بمعنى ما يتوجه إليه المرء من المقاصد، فيكون المعنى آمنوا بما نزّلنا مصدّقا لما معكم من قبل أن نمحو توجهاتكم في الكيد للإسلام، ونردّها عليكم بنصر الإسلام وخذلانكم، أو قبل أن نخلّي بينكم وبين نفوسكم فتتخبطون في الضلال ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ﴾ بموجب الشريعة الموسوية كان المفروض أن يكرّس اليهود يوم السبت للعبادة والراحة والامتناع عن الأعمال
стр. 333
الدنيوية، وكانت الشريعة مشددة عليهم كنوع من التربية الدينية، غير أنهم كانوا ينتهكون الشريعة تهالكا على المصالح الدنيوية، ومع أن الشريعة الموسوية قد نسخت فإن القرآن يشير إليها لبيان العصيان المتكرر لبني إسرائيل مما صار سمة لازمة لهم، انظر آيات [الأعراف: ٧/ ١٦٣] و [البقرة: ٢/ ٦٥]، فيكون معنى الآية دعوة اليهود إلى الإيمان قبل أن يصابوا بالخذلان في الدنيا، أو باللعنة التي أصيب بها أصحاب السبت، وهي حرمانهم من السمو الروحي الذي يتمتع به البشر، وانزلاقهم إلى عبادة المادة فيصيرون بمثابة الحيوانات والقردة، وقد تحقق فيهم العقاب الإلهي وطردوا من الحجاز ومحا الله وجودهم فيه ﴿وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ لا رادّ لمشيئته، ولا لسنّته في خلقه.
﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ اِفْتَرى إِثْماً عَظِيماً﴾ (٤٨)
٤٨ - ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ تركيز القرآن الكريم على التوحيد غايته تحرير النفس الإنسانية من العبودية ومن التذلل والطاعة لأي نفوذ أو سلطة بشرية أو مادية أو غيبية غير الله تعالى، فتكون سعادة الإنسان بأن يسمو روحانيا، ويكون طليقا عزيزا حرا من عبادة الطواغيت ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ اِفْتَرى إِثْماً عَظِيماً﴾ أي أوجد ذنبا عظيما يعود وباله عليه وحده بأن يشقي في الدنيا بعبوديته وخضوعه للوهم، وفي الآخرة باستحقاقه تبعات عمله.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ (٤٩)
٤٩ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الذين يزكون أنفسهم هم اليهود والنصارى، لأن اليهود يعتقدون أنهم شعب الله المختار إلى الأبد، مهما ارتكبوا من جرائم، ومهما أمعنوا في الضلال، والنصارى يعتقدون أنهم مطهّرون سلفا من الخطايا مهما بلغت، بزعمهم، لأن المسيح ﵇ قد افتدى خطاياهم سلفا على الصليب بالنيابة عنهم وإلى أبد الزمن، والعلاقة واضحة بين هذه الآية
стр. 334
والإشارة إلى الشرك في الآية السابقة، لأن المسيحية جعلت المسيح إلها متجسدا، وأسبغت من صفات الألوهية على قديسيها، ولأن اليهود من جهة ثانية اعترفوا لأحبارهم بسلطة التشريع لدرجة أن أحكامهم صارت تهيمن على الشريعة، انظر آية [التوبة: ٩/ ٣١]، ﴿بَلِ اللهُ يُزَكِّي مَنْ يَشاءُ﴾ بأن يبعث الرسل إلى البشر فيهدي من يشاء الهداية بأن يوفقه إلى الإيمان والعمل الصالح ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ فيحاسب كل إنسان بعمله فقط، ولا يسأل عن عمل غيره، ولا يشفع له غير ذلك.
﴿اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً﴾ (٥٠)
٥٠ - ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ وبالتالي لأمته والناس أجمعين، أي تفكروا كيف يختلق هؤلاء لأنفسهم أفكارا وأعذارا ومفاهيم مخالفة لسنة الله الطبيعية في الخلق ﴿وَكَفى بِهِ إِثْماً مُبِيناً﴾ وهو إثم الغرور والتبجّح والمكابرة والتعصب بالدين والجنس، إذ حوّلوا الدين إلى جنسية بحتة.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ (٥١)
٥١ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ﴾ اليهود والنصارى، انظر شرح الآيات [٤٤ - ٤٥]، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ﴾ الجبت هو الدجل والأوهام والخرافات مما لا أساس له، كأوهام اليهود أنهم أحبّاء الله وشعبه المختار، وأوهام النصارى أن عيسى المسيح افتدى خطاياهم مسبقا بالنيابة عنهم، والطاغوت من المبالغة في الطغيان، وهو كلّ رأس في الضلال سواء كان كاهنا أو زعيما، وسواء كان معبودا بقهر منه لعابديه أو بطاعة ممّن عبدوه، والعبادة بمعنى الطاعة المطلقة للطواغيت مما يكون سببا للطغيان والخروج عن الحق ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ يقولون عن
стр. 335
المشركين عبدة الأوثان: إنهم أهدى من المسلمين، كيدا للإسلام ومكابرة وعنادا وتعصبا.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ (٥٢)
٥٢ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ﴾ اقتضت سنته تعالى في خلقه أن يكون المذكورون في الآية السابقة ملعونين، أي بعيدين عن موجبات رحمته ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ لأنه لا سبيل لتغيير سنته تعالى في الخلق، أنظر آية [الأحزاب: ٣٣/ ٦٢]، فيكون الخذلان نصيب الذين آمنوا بالطغيان والباطل والخرافات.
﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيراً﴾ (٥٣)
٥٣ - ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيراً﴾ المعنى أن اليهود ليس لهم نصيب من الملك، ولو كان لهم فإنهم في منتهى الشح ويرفضون أقل قدر من المنفعة المادية أو الدينية أو الروحية لغيرهم، ولو كان لهم نصيب في الملك لبخلوا على غيرهم بأقل القليل، فهم يستأثرون لأنفسهم بالمال لبخلهم، ويستأثرون بالدين لاعتقادهم بأنهم شعب الله المختار، كما أن الدين بنظرهم دين عنصري حوّلوه إلى مجرد جنسية قومية خاصة بهم، والملك أيضا قد يكون ما يسعون إليه لإعادة ما يظنون أنه ملكهم في فلسطين وبيت المقدس فحينئذ يستأثرون بكل شيء ويضيقون الخناق على غيرهم من أصحاب البلاد.
﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ (٥٤)
٥٤ - ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الفضل هنا بمعنى الوحي، والناس هنا هم العرب، وهو من قبيل إطلاق العام على الخاص، أي كيف يحسدون العرب من ذرية اسماعيل على انتقال النبوة إليهم؟ ونظيره قوله تعالى: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾
стр. 336
﴿مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ٢/ ١٠٥]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ * يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران: ٣/ ٧٣ - ٧٤]،
وفي الآية اشارة واضحة إلى حسد اليهودية والمسيحية للمسلمين بسبب نزول الوحي على النبي ﷺ ، ولاعتقادهم باقتصار الوحي على أنبيائهم فقط ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ أي قد سبق أن آتينا النبوة لإبراهيم وذريته من بني إسرائيل، فكيف يستغربون أن تصير النبوة لذريته من سلالة اسماعيل، انظر شرح آية [البقرة: ٢/ ١٢٢].
وفي تفسير المنار أنه بعد انتقال النبوة لذرية إبراهيم من إسماعيل، والعرب منهم، فتكون الآية مبشّرة لهم بالملك الذي تبع نبوة النبي ﷺ .
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾ (٥٥)
٥٥ - ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ﴾ من اليهود من آمن برسالة إبراهيم ورسالات ذريته من إسحاق وإسماعيل ومنهم من عصى ﴿وَكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً﴾ للعصاة منهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (٥٦)
٥٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا﴾ بعد أن بلغتهم وصارت واضحة لهم ﴿سَوْفَ نُصْلِيهِمْ ناراً كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ كناية عن العذاب المقيم لمن أدرك الآيات وكفر بها ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ فمن حكمته تعالى أن جعل الكفر والمعاصي سببا للعذاب، وجعل سنته في ربط الأسباب بالمسببات مطردة فهو عزيز غالب على أمره.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧)﴾.
стр. 337
٥٧ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ فمن حكمته تعالى أن جعل العمل الصالح لازما للإيمان وسببا في تزكية النفس وإعدادها للنعيم المقيم ﴿لَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ كلمة أزواج في اللغة تنطبق على الزوجين الذكر والأنثى، فهي تعني الزوج أو الزوجة، فالرجل هو زوج المرأة كما أن المرأة هي زوج الرجل، وأزواج مطهّرة أي طاهرة النفس والسريرة، انظر آية [البقرة: ٢/ ٢٥]، ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً﴾ لأن الظل عند العرب كان من أعظم أسباب الراحة فصار كناية عنها، والظليل كناية عن المبالغة العظيمة بها، والسعادة الغامرة.
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (٥٨)
٥٨ - ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها﴾ اتصال الآية بما قبلها أن اليهود الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ويؤمنون بالجبت والطاغوت، الآية (٥١)﴾، يزعمون في كتبهم أن غش غير اليهود جائز، وقد قال تعالى عنهم:
﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٣/ ٧٥]، والأمانة قد تكون مادية حسية وقد تكون معنوية، والأمانات هنا تتضمن معنى الرسالات السماوية والتي ينبغي على من نزلت إليهم أن يؤدوها إلى أهلها أي يبلغوها للناس في كل العصور والأمكنة.
إذ بعد أن شرح تعالى عن أهل الكتاب أنهم يشترون الضلالة ويريدون إضلال المؤمنين، وأنهم يفترون على الله الكذب، وأنهم قالوا عن الكفار إنهم أهدى من الذين آمنوا سبيلا، قال تعالى إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، أي الواجب أن تبلغوا حقائق الوحي إلى الناس ولا تكتموها، ومن باب أولى فإن هذا الأمر ينطبق على المسلمين بعد أن نزل القرآن عليهم فمن واجبهم نشر الرسالة الإسلامية، ولا يمنع انطباق المعنى أيضا على الأمانات المادية وعلى
стр. 338
الوعود والعهود والمسؤوليات المعنوية الشخصية والعامة بما فيها مسؤولية أولي الأمر من المسلمين كونهم مؤتمنين على أمور رعيتهم كما سيرد في تتمة الآية:
﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ والحكم ليس بمعنى الحكومة الإسلامية فقط أو بالمعنى القضائي المجرد، بل هو أيضا بمضمونه العام شاملا حكم الفرد على الآخرين وتقييمه لأعمالهم ودوافعهم وسلوكهم ﴿إِنَّ اللهَ نِعِمّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي نعم الشيء الذي يعظكم به وهو ما تقدم ﴿إِنَّ اللهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ فلا يخفى عليه شيء من أقوالكم وأفعالكم ونياتكم.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ (٥٩)
٥٩ - بعد أن ذكرت الآيات المتقدمة سلوك الكفار من اليهود وسوء مآلهم، تبين هذه الآية للمؤمنين ما يجب عليهم اتباعه لتجنب ذلك المآل، وقد قال الرازي أن هذه الآية مشتملة على أكثر أصول الفقه لأنهم قالوا إن أصول الشريعة أربع: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، والآية قررت هذه الأصول الأربعة بالترتيب:
فالكتاب يشير إليه قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ﴾ أي الكتاب ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي السنة.
والإجماع يشير إليه قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي أهل الحل والعقد من الأمة بإجماعهم على أمر من الأمور مما ليس في الكتاب والسنة، وهؤلاء غير الأمراء والحكّام لأن أمر المؤمنين بالطاعة جاء في الآية غير مشروط، ممّا يدل أن الطاعة العمياء للأمراء والسلاطين محرّمة، لأنهم قد يأمرون بالظلم، فتكون طاعتهم واجبة فقط إذا اتبعوا الكتاب والسنة، ويحتمل أيضا أن يكون المقصود بأولي الأمر الذين تم اختيارهم بالشورى لقوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ﴾
стр. 339
[الشورى ٤٢/ ٣٨]، وقيل إن أولي الأمر هم الأمراء والعلماء معا أي مجتمعين، والأمر أمانة في أعناقهم، وهو تعلق الآية بما قبلها.
أما القياس فيشير إليه قوله: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي إن اختلفتم في شيء لا نصّ فيه، أي حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة، فردّوه إلى ما يشبهه في الكتاب والسنة، وهذا القياس هو ما يتعلق فقط بأحكام المعاملات القضائية والسياسية والإدارية، ولا علاقة له بأمور العبادات والحلال والحرام، إذ لا يجوز إضافة عبادة بالقياس أو تحريم شيء لا يدل النص على تحريمه ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إيمانا حقيقيا ﴿ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ التأويل هو المآل أي ما تؤول إليه الأمور، فيكون المعنى أن اتباع هذا الأمر هو خير للمؤمنين وأحسن عاقبة لهم.
وقد رأى الزمخشري أن الخطاب في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ موجه إلى الحكام والمحكومين بأن يرجعوا إلى الكتاب والسنة فيما يختلفون فيه.
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ (٦٠)
٦٠ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ السؤال تعجبي موجّه للنبي ﷺ ومن ثمّ إلى أمّته من بعده، والمشار إليهم هم المنافقون بدليل المذكور في الآية التالية ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ الطاغوت ما يؤدي إلى الطغيان، والمعنى أنهم يريدون الخضوع لأهوائهم أو أهواء زعمائهم لأغراض دنيوية بحتة، على النقيض ممّا تأمر به الآية المتقدّمة ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ باتباع الأحكام الوضعية.
стр. 340
﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ (٦١)
٦١ - ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ أي احتكموا في أسلوب حياتكم إلى الكتاب والسنة ﴿رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ يصدّون عن الطريقة الإسلامية لأن المنافقين يكتفون من الإسلام بالاسم فقط دون العمل به، والأمر ليس مقتصرا على منافقي المدينة المنورة زمن البعثة النبوية، وإنما يشمل المنافقين في كل العصور، لأنّ من لا يملك القناعة التامة والإيمان الكامل بالوحي وبعالم الغيب، أي بوجود حقيقة تخرج عن نطاق الإدراك المادي فإنه يحاول تبرير مواقفه الدنيوية - الطاغوتية - بإلصاق قيمة أخلاقية أو مبرر أخلاقي أو «موضوعي» لكل ما يميل إليه الهوى.
﴿فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً﴾ (٦٢)
٦٢ - ﴿فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ كيف يكون حالهم إذا نزلت فيهم المصائب؟ وهي النتيجة الطبيعية لمن يفضّل حكم الطاغوت على حكم القرآن والسنّة، فيكون نزول المصائب بهم بنتيجة كسب أيديهم بحسب سنته تعالى في الأسباب والمسببات ﴿ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً﴾ يدّعون أن هدفهم التوفيق بين القرآن وبين نظرتهم الدنيوية المادية للحياة.
ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ١١].
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ (٦٣)
٦٣ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الله وحده مطّلع على ما في قلوبهم من الكيد للإسلام أو الإعراض عنه ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إن كانوا مصرّين
стр. 341
على الكفر، لأن ما على الرسول إلا البلاغ، انظر الآية (٨٠)، ﴿وَعِظْهُمْ﴾ إن كانت الموعظة تفيدهم ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ قولا لعله يبلغ نفوسهم ويؤثر بها.
﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاِسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً﴾ (٦٤)
٦٤ - ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ المعنى أن الغرض من إرسال الرسل هو أن يلتزم البشر بالشرائع التي نزلت عليهم وليس مجرد الاتباع الظاهري للدين، ثم ابتداع واتباع القوانين الوضعية ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ﴾ أيها النبي تائبين ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاِسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ الرسول إشارة لجميع الرسل كما في قوله ﴿مِنْ رَسُولٍ،﴾ ﴿لَوَجَدُوا اللهَ تَوّاباً رَحِيماً﴾ أي يقبل توبتهم ويرحمهم.
﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٦٥)
٦٥ - ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الكلام عن جملة المكلّفين والمنافقين ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فيما بينهم من الخلاف ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّا قَضَيْتَ﴾ أي لا تضيق صدورهم بقضاء الرسول، بل يحصل عندهم القبول والرضا التامّين ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ وينقادوا مستسلمين مذعنين لحكمه بلا نزاع، والمغزى أن اتباع السنة النبوية - الثابتة التي لا يتطرق إليها الشك - واجب على كل مسلم وعلى مر العصور بلا جدال، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [الأحزاب: ٣٣/ ٥٦] أي استسلموا لحكم النبي وسنّته الصحيحة مذعنين بلا جدال.
﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اُخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦)﴾.
стр. 342
٦٦ - ﴿وَلَوْ أَنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي كونوا على استعداد للتضحية بأنفسكم في سبيل الله، ولا يقتصر ذلك على القتال وإنما يتجاوزه إلى تكريس النفس لخدمة الدين بالدعوة وبشتى الوسائل، وقد يكون معنى قتل النفس قتل النوازع الشريرة بها ﴿أَوِ اُخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ﴾ هاجروا من دياركم في سبيل الله ﴿ما فَعَلُوهُ إِلاّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ وهو دليل على ضعف جملة المكلّفين من الناس، لأنّ القلّة منهم فقط على استعداد للتضحية بالنفس والديار، ويحتمل أن الكلام في المنافقين فقط، أو المترددين الذين يكتفون من الإسلام بالاسم، ويجبنون ويبخلون عن تقديم التضحيات ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ في مصالحهم الدنيوية ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ لهم في إيمانهم ودينهم.
﴿وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنّا أَجْراً عَظِيماً﴾ (٦٧)
٦٧ - ﴿وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنّا أَجْراً عَظِيماً﴾ كما في الحديث: «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر».
﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ (٦٨)
٦٨ - ﴿وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ بإنقاذهم من قلق التردد والخوف على الدنيا وانشغال الذهن بالتوافه.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ (٦٩)
٦٩ - ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ أي الكتاب والسنة كما هو مذكور بالآيات (٥٩) و (٦٥)﴾ ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ﴾ الصدّيقين الذين يغلب عليهم الصدق وسلامة الفطرة والسريرة والتمييز بين الحق والباطل، والشهداء بهذا المعنى هم غير المقتولين في سبيل الله، بل الذين يشهدون على صحة الدين بالحجة
стр. 343
والبرهان، وبالقدوة الحسنة بالعدل والإنصاف والقول والعمل والسيرة والأخلاق، كقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ [البقرة: ٢/ ١٤٣].
﴿وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ أي إن رفقة هذه الأصناف من الناس هي مما يطمح إليه العاقل.
﴿ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً﴾ (٧٠)
٧٠ - ﴿ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ﴾ ذلك الجزاء المذكور للأبرار هو الفضل الأسمى الذي لا يقارن معه فضل آخر ﴿وَكَفى بِاللهِ عَلِيماً﴾ بالنوايا والسرائر فيجازي بها.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعاً﴾ (٧١)
٧١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ بأن تكونوا دوما على استعداد للدفاع عن دار الإسلام وبالتحضير لذلك سلفا، وهذه النقطة تتبع بالضرورة من نشوء الدولة الإسلامية المشار لها بالآية (٥٩)، لأنه عندما ينظّم المسلمون أنفسهم في كيان سياسي اجتماعي وفق الأسس القرآنية فيلزم بالضرورة أن يتوقعوا عداوة الأمم والجماعات المعادية للنظرة الإسلامية كسلوك حياتي ونظام اجتماعي عالمي وهذه بالتالي سوف تحاول تدمير الكيان الإسلامي أو إجهاضه، وهكذا فإن مفهوم الجهاد في الإسلام - وهو تعبير عن الحرب الدفاعية المحضة - يلعب دورا أساسيا في المخطط الإسلامي الاجتماعي السياسي ﴿فَانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ ثبات مفردها ثبة وهي الجماعة فيكون المعنى انفروا جماعات وسرايا على قدر الحاجة ﴿أَوِ اِنْفِرُوا جَمِيعاً﴾ أي نفيرا عاما إذا دخل العدو أرضكم.
﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً﴾ (٧٢)
٧٢ - ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ وهم المنافقون وضعاف النفوس والجبناء يبطئون أو يتخلفون عن الجهاد ﴿فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ﴾
стр. 344
﴿لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً﴾ يكون شكره لله على عدم شهوده الحرب دليلا على ضعف إيمانه.
﴿وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ (٧٣)
٧٣ - ﴿وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ وهو النصر والغنيمة ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ لأن المنافقين يفرحون وقت نكبة المسلمين، ويحزنون عند فوزهم، فليس بينهم وبين المؤمنين مودة ﴿يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ أي بالغنيمة، فهم يندمون على فوات الغنيمة التي يعتبرونها فوزا عظيما، غير فرحين بالنصر الذي أحرزه إخوانهم.
﴿فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (٧٤)
٧٤ - ﴿فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ دفاعا عن الإسلام ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ﴾ أي الذين يبيعون الحياة الدنيا مقابل الآخرة، لأن شرى يشري بمعنى باع يبيع، كما في قوله تعالى في قصة يوسف ﵇ ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ١٢/ ٢٠] أي باعوه، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٠٧] أي يبيعها، وأما اشترى يشتري فهي بمعنى ابتاع يبتاع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ٩/ ١١١]، وقوله عزّ من قائل ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [لقمان: ٣١/ ٦].
﴿وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ لأن قتاله كان في سبيل الله، وليس لأجل الحظوظ الدنيوية أو الحميّة العصبية.
﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥)﴾.
стр. 345
٧٥ - ﴿وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ﴾ أي لأي سبب أو عذر - غير دنيوي - تتركون القتال في سبيل الله وقد بلغ حال المستضعفين من إخوانكم، الواقعين تحت ظلم الكفار، ما بلغ من الضعف وتحمل الاضطهاد، والمعنى لا عذر لكم، والمغزى أيضا أن الهدف من قتالكم هو لضمان حرية العقيدة الدينية للمستضعفين من الناس ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظّالِمِ أَهْلُها﴾ التي يظلمنا أهلها ﴿وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاِجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً﴾ اجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة، أي كن أنت لنا وليّا ونصيرا، ويحتمل الدعاء أيضا أن يجعل تعالى عليهم رجلا من المؤمنين يواليهم وينصرهم ويحفظ عليهم دينهم.
﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً﴾ (٧٦)
٧٦ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وهو تعالى مصدر قوتهم بعد أن يتخذوا أهبتهم حسب السنن الدنيوية التي سخرها لهم فيوفقهم للنصر كونهم أصحاب حق ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ﴾ الطاغوت من المبالغة في الطغيان، فهم يمنعون حرية الدين ويقاتلون أصحاب الحق، وذلك مصدر ضعفهم مهما كانت قوتهم المادية، ولا يمنع ذلك أن تكون أحيانا بعض الأمم التي لا تدين بالقرآن أقرب إلى أحكامه ممّن يدّعون اتّباعه، فتكون الغلبة لمن يكون أقرب إلى هداية القرآن بالفعل، على من يكون أبعد من الهداية القرآنية وإن انتسب إليها بالاسم ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً﴾ بمعنى أن الشرور والمعصية ناتجة من كسب الإنسان وخياره الحر، فكيد الشيطان ليس له من وجود حقيقي سوى أن الإنسان قد يقع ضحية لسوء اختياره.
стр. 346
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اِتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ (٧٧)
٧٧ - ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ عن الاعتداء على الآخرين، وبعضكم عن بعض، كما كانوا يفعلون في الجاهلية، وكما يفعلون في كل زمن ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ﴾ وتحلّوا بالأخلاق الإسلامية من الرحمة والعطف ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ﴾ لسبب مشروع وهو القتال الدفاعي في سبيل الله كما هو مذكور في الآية السابقة ﴿إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ وهم المنافقون وضعاف النفوس ممّن غلب عليهم حبّ الدنيا يخافون قتال العدو أكثر من خوفهم من الله ﴿وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يقولون ذلك على سبيل التمني وبغرض التسويف والتهرب من القتال ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ لأنه مهما كان كثيرا فسرعان ما يحين الأجل ويترك المرء متاع الدنيا خلفه ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ من متاع الدنيا ﴿لِمَنِ اِتَّقى﴾ وفي الحديث الشريف «الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر» ﴿وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ فلا ينقص من آجالكم أدنى مقدار، ولا ينقص من أجوركم شيئا مهما قلّ.
﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ (٧٨)
٧٨ - ﴿أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ الخطاب للمتثاقلين عن القتال المذكورين في الآية السابقة، والمغزى لا مفر من الموت وأسباب الموت في أي مكان ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ يقولون: إنه تعالى أكرمهم بها لجدارتهم بها، ظنّا منهم أنهم يستحقونها ﴿وَإِنْ﴾
стр. 347
﴿تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يلقون اللوم على غيرهم لما يصيبهم من السيئات والشرور، ولا يلومون أنفسهم، مع أنهم مخيّرون في اتخاذ القرارات التي تؤدي بهم إلى الخير أو الشر ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ لأن حدوث الحسنات والسيئات يتم وفق سننه تعالى في الخلق وفق نظام الأسباب والمسببات، ولحرية الخيار التي كرّم بها تعالى بني آدم، كما هو موضح في الآية التالية ﴿فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ فكيف أنهم لا يفهمون سننه تعالى في خلقه؟
﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (٧٩)
٧٩ - ﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ أيها الإنسان ﴿فَمِنَ اللهِ﴾ لأن الخير كله بيده تعالى فينعم به، وفق سننه الكونية، على من يشاء من عباده، المؤمن منهم والكافر، والمستحق ومن لا يستحق، ومن يتّبع سبل الخير يصل إليها ﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ لأن الإنسان مخيّر في اتباع الطرق التي تؤدي به إلى الخير أو الشر فيكون ما أصابه من السيئة لعدم فهمه، وعدم اتباعه السنن التي أوجدها تعالى في الخلق ﴿وَأَرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولاً﴾ أي أرسلناك أيها النبي محمّد إلى الناس كافة، وليس للعرب فقط، لتبين للجميع طريق الخير والحسنات، وليختاروا ما هو في صالحهم إن شاؤوا، وما على الرسول إلا البلاغ ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ على ذلك.
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ (٨٠)
٨٠ - ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ﴾ أي من يطع الرسول فيما يبلّغه من الوحي عن ربّه، وما يبيّنه في ذلك، فقد أطاع الله، لقوله تعالى مخاطبا رسوله: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ١٦/ ٤٤]، وفي ذلك عودة لموضوع الآيات (٥٩ و ٦٤ و ٦٥ و ٦٩) ﴿وَمَنْ تَوَلّى فَما﴾
стр. 348
﴿أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ أي ليس من شأن الرسالة الإسلامية إكراه الناس عليها، وإنما يؤمن الإنسان باختياره بعد أن تبلغه الرسالة.
﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (٨١)
٨١ - ﴿وَيَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ وهم المنافقون أو ضعاف النفوس وضعاف الإيمان كانوا يقولون للنبي ﷺ : أمرك طاعة، وذلك غير مقتصر على معاصري النبي فقط، بل يشمل جميع المنافقين وضعاف النفوس في كل العصور من المسلمين بالاسم فقط، ممّن يدّعون طاعة القرآن والسنّة ثم يبطنون غير ما يظهرون ﴿فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي خرجوا من عندك أيها النبيّ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أي بيّتوا في نفوسهم أمورا غير ما ادّعوه من طاعتك - وحذفت تاء التأنيث من «بيّت» لتخفيف التقاء التائين مع الطاء - ﴿وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ في صحائف أعمالهم فحسابهم على الله، ويبيّن لك أيها الرسول سوء نواياهم بمثل هذه الآيات ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيها النبي، فلا يجوز قتالهم لأنهم يظهرون الإسلام، وإن كانوا يبطنون الكفر ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ فوّض أمرك إليه تعالى فهو محيط بظاهر أعمالهم وباطنها، وهو ناصرك عليهم.
﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (٨٢)
٨٢ - ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ أي كيف لا ينظرون في القرآن ويتفكروا فيه ويفهموه، والخطاب يشير إلى المنافقين وضعاف الإيمان المذكورين في الآيات السابقة، ومع ذلك فالآية ذات مغزى عام لكل العصور كما هي جميع آيات القرآن الكريم، وهي تدلّ أن تدبّر القرآن فرض على جميع المسلمين كلّ بحسب طاقته، وبالتالي فإن إتقان لغة القرآن واجب على كل مسلم، ويترتّب على ذلك بطلان التقليد الأعمى ووجوب النظر والاستدلال، ولا يمنع ذلك أن يختص أولوا الأمر من المسلمين باستنباط الأحكام العامة في السياسة والقضاء والإدارة كما
стр. 349
سيرد في الآية التالية ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً﴾ لأن القرآن نزل منجّما خلال ثلاث وعشرين سنة، وهي فترة النبوة التي حفلت بالأحداث الجسيمة والمتغيرات الاجتماعية والتنظيمية والحروب، والمعروف أن ترتيب النزول الزمني هو غير ترتيب القرآن فقد كان النبي ﷺ ، بوحي من جبريل ﵇، يأمر عند نزول كل آية بوضعها في مكانها المحدد من كل سورة، وهو لا يقرأ ما سبق أن كتب في الصحف وإنما يحفظه حفظا، ومن المحال على أي بشر مهما بلغ، إذا كان يأتي بالكلام من عند نفسه، أن يتذكّر تفاصيل ما قاله منذ سنوات ويرتب الكلام في أماكنه الصحيحة، كما أن الصحابة كانوا يحفظون الآيات في صدورهم والكتبة يكتبونها في الصحف فلم يكن هنالك مجال للتنقيح والتغيير والتحرير لو افترض، ومع ذلك نرى القرآن خاليا من التناقض بل في غاية الإعجاز والتماسك والترابط ممّا هو كاف لإقناع المشكّكين، في كل الأزمنة، بأن القرآن لم يكن من تأليف النبي كما يدّعون أو يميلون إلى الاعتقاد، فلا بد إذن أنه كان من مصدر فوق طاقة البشر، وذلك معنى قوله تعالى: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً﴾ [الفرقان: ٢٥/ ٣٢] أي ورتّبناه ترتيبا محكما.
﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (٨٣)
٨٣ - الخطاب متعلق بالآية (٥٩) لوجوب طاعة القرآن والسنة وأولي الأمر، وبالآية (٧١)﴾ وما تلاها من الآيات بخصوص الجهاد:
﴿وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ﴾ أي إذا وصل إلى علمهم شيء من خطط المسلمين السرّية تجاه عدوّهم أذاعوه فيبلغ الخبر العدو فيعود
стр. 350
ضرره عليهم، أو إذا سمعوا إشاعات من العدو أو من المنافقين نشروها فيعود الضرر على المسلمين أيضا، والكلام عن المنافقين وجمهرة من المسلمين قليلي الخبرة يذيعون ما يسمعون ويجهلون عواقب عملهم ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ يستنبطونه أي يستخرجونه، والمعنى أنهم لو كتموا ما يسمعون من أخبار وإشاعات وأخبروا بها الرسول أو المسؤولين عنهم لكان الأحرى أن يستنبط الرسول أو المسؤولون طريقة التعامل الصحيحة مع هذه الأخبار.
ويحتمل المعنى أيضا أن يعود الضمير في ﴿يَسْتَنْبِطُونَهُ﴾ إلى الأعداء ويعود الضمير في ﴿مِنْهُمْ﴾ إلى الرسول وأولي الأمر، فيكون المعنى أنه إذا حصل الكتمان من قبل الجمهور وردّت الأخبار إلى الرسول وأولي الأمر فقط، فإنّ الذين يتسقّطون الأخبار ويتجسّسون على المسلمين لن يكون في وسعهم استنباط شيء من المعلومات إلا ما يريد الرسول والمسؤولون إبداءه لمصلحة المسلمين ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بإرسال الرسول، وإنزال الكتاب، وهديكم إلى طريق الصواب ﴿لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ بالبقاء على الضلال والكفر ﴿إِلاّ قَلِيلاً﴾ منكم يهتدون بالفطرة.
وقد يكون المعنى أنه لولا إنعام الله عليكم بالنصر المتتابع لحصل الشك عندكم واتبعتم الشيطان، إلا قليلا منكم من ذوي البصيرة النافذة والإيمان القوي الذين يعلمون أن حصول الدولة والسلطة في الدنيا ليس دليلا أن أصحابها على الحق، كما أن تواتر الهزيمة والانكسار ليس دليلا أن أصحابها على الباطل (ذكره الرازي عن أبي مسلم الأصفهاني).
﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً﴾ (٨٤)
٨٤ - ﴿فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إِلاّ نَفْسَكَ﴾ الخطاب في الأصل للنبي ﷺ ، ومن ثمّ لكل مسلم في كل وقت، والإشارة إلى حرب قائمة أو دفاعية،
стр. 351
وليست تحريضا على المبادرة بالحرب أو العدوان، وقد امتثل النبي ﷺ لأمره تعالى بالثبات وحده في وقعة أحد حين انهزم عنه الناس، وصمد وحده في وقعة حنين حين أعجبت المسلمين كثرتهم ثم انهزموا عنه، والمعنى أيضا دع المنافقين وشأنهم إن لم يقاتلوا معك وحرض المؤمنين فقط ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ما عليك سوى تحريضهم فحسب، لا تعنيفهم، كي يخرجوا للقتال بدافع الإيمان ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وذلك بأن تستعدوا وتتهيؤوا لقتالهم ﴿وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً﴾ لأن سنّته تعالى سبقت بأن تكون العاقبة لأهل الحق، إذا اتقوا أسباب الخذلان، واتخذوا أسباب الدفاع مع الصبر والثبات، لا أن ينصرهم تعالى وهم قاعدون ومقصّرون.
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ (٨٥)
٨٥ - ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها﴾ الشفاعة من الشفع - وهي عكس الوتر أي الفرد - ومعناها أن ينضم المرء لصاحب الحاجة يريد مساعدته فيصير شفيعا له، وفي الآية السابقة حثّ تعالى نبيّه على القتال بمفرده إذا لزم، وفي هذه الآية أنّ من يشفع النبي أو غيره من المؤمنين بالقتال في سبيل الله يكن له نصيب من الأجر والثواب ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾ والشفاعة السيئة هي أن يشفع المرء للكفار بإعانتهم على قتال أهل الحق فيكتسب بذلك نصيبه من الوزر والإثم - وهو الكفل -، ويحتمل المعنى أيضا الحالة العامة أي الشفاعة مع الآخرين على عمل الخير، وعكسها وهو إعانة الآخرين على الشر ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ أي حافظا أو شاهدا أو مقتدرا، و ﴿كانَ﴾ معناها أنه تعالى كان على ذلك منذ الأزل، ولم يزل، ولا يزال.
﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦)﴾.
стр. 352
٨٦ - ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ لأن المقصود هو الحفاظ على الألفة وحسن الأدب بين المسلمين بعضهم البعض، وبين المسلمين وغيرهم.
كما أنّ تحية المسلمين هي السلام، فيكون المعنى أيضا أن إلقاء السلام من طرف على آخر هو بمثابة أمان للطرفين، ولذلك أمر تعالى باحترام هذا الأمان وتوعّد بالمحاسبة عليه فقال: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ ونظير ذلك في الآية (٩٤)، والآية استمرار لما قبلها من جهة بيان آداب القتال والمسالمة والأمان وعدم التعرض للمسالمين غير المقاتلين من العدو.
﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ (٨٧)
٨٧ - ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ تأكيد لحقيقة التوحيد أي لا مستحق للعبادة إلاّ الله تعالى، والعبادة هي الطاعة المطلقة فتكون عبادته تعالى تحريرا للإنسان من العبودية ومن الخضوع والتذلل لبشر، فلا يخشى الإنسان ولا يخاف غير الله، وتكون علاقة الآية بما قبلها التأكيد على وجوب طاعته تعالى فيما سبق من أحكام ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لإحقاق العدالة فيما سبق منكم في الحياة الدنيا ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ المعنى لا ريب في جمع الناس إلى يوم القيامة إذ لا شيء أصدق من القرآن بدليل إعجازه.
﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ (٨٨)
٨٨ - ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ أي بعد كل ما بيّناه لكم عنهم، لأن الآيات من (٦٠ إلى ٨٧) أكثرها في المنافقين، ﴿وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا﴾ أي كيف تتفرقون أو كيف تترددون في شأن المنافقين في حين أنهم ارتدّوا عن الصواب بما كسبوا من السيئات، فهم يتباطؤون عن القتال، ويحتكمون إلى
стр. 353
الطاغوت، ويظهرون الطاعة ويبيّتون غير ذلك، ويذيعون أخبار المسلمين وينشرون الشائعات، وقد نسب تعالى فعل الإركاس إلى ذاته العليّة لأنه نتيجة سنّته تعالى في حرية اختيار الناس لأعمالهم ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ﴾ المعنى ليس بإمكانكم تغيير سنة الله في خلقه، ولا تستطيعون إكراه الآخرين على الهدى، فقد أعطى تعالى حرية الخيار للناس بحيث يهتدي منهم من يختار الهداية ويضل منهم من يختار الضلال ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ أي لا سبيل إلى هداية من جحد نعمة العقل، ولم يستفد منها، خاصة أنّ القرآن خاطب العقول، ودلّ على البراهين التي تشير إلى وحدانية الخالق، ومن يتركه الله تعالى لحرية خياره في اتباع الضلال والتعامي عن الدلائل العقلية لا سبيل لردّه إلى الصواب.
﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (٨٩)
٨٩ - ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا﴾ كاد المنافقون أن يكونوا كفارا، أو هم كفروا فعلا ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ بلغ من تعصبهم في الكفر درجة يتمنون معها أن تصيروا كفارا مثلهم ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ﴾ أي حلفاء أو أعوانا ﴿حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ حتى يهاجروا لنصرة الإسلام تصديقا لما يزعمون من إيمان ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن الإيمان وعن الهجرة ﴿فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ وذلك إذا ظهر منهم الغدر، وجاهروكم بالعداوة السافرة، لأن هذا هو المقصود، إذ لم يعرف عن النبي ﷺ أنه قتل أحدا من المنافقين ما لم يبادر بالغدر والعدوان، وذلك واضح أيضا من الآية التالية التي تنهى عن قتل من كان معاهدا، أو تاركا القتال.
﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠)﴾.
стр. 354
٩٠ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ يصلون إليهم ويدخلون في العهد الذي بينكم وبين هؤلاء القوم ويرضون بحكمهم ﴿أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ أي جاؤوكم وقد ضاقت صدورهم عن القتال فلا يريدون قتال المسلمين ولا يريدون قتال الكفار لأنهم أقاربهم ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ المغزى أنّ ضعفهم هو المانع لهم من قتال المسلمين، وليس نتيجة حسن نية من جانبهم ﴿فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ يمتنع قتالهم إن لم يبدؤوكم بالقتال، وأيضا وفقا لما هو مذكور في الآية (٨٦)، وفي قوله تعالى أيضا: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢/ ١٩٠].
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً﴾ (٩١)
٩١ - ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ يريدون السلامة من الطرفين ﴿كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها﴾ هم مذبذبون يظهرون الإسلام ليأمنوا جانب المسلمين، ثم يغريهم كفار قومهم بالتحالف معهم ضدكم فيغدرون بكم ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ لم يقفوا على الحياد، ولم يسالموكم ويعرضوا عليكم الصلح ﴿فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ إن لم يبق مناص من قتالهم فخذوهم واقتلوهم حيثما تمكنتم منهم ﴿وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً﴾ السلطان بمعنى الحجّة، أي في هذه الحالة جعلنا لكم حجّة واضحة في السماح لكم بالقتال دفاعا لا عدوانا، والمعنى أنهم إذا اعتزلوا القتال وعرضوا الصلح فلا يجوز قتلهم ولا قتالهم.
стр. 355
﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٩٢)
٩٢ - بعد أن بيّنت السورة أحكام قتال وقتل المنافقين، تنتقل لبيان أحكام من يحرم قتله من المؤمنين والمعاهدين وأهل الذمة:
﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً﴾ لأن قتل المؤمن مناف للإيمان، وقيل في تقدير الآية: ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا متعمّدا فيبقى مؤمنا، إلاّ أن يقتله خطأ فيبقى في تلك الحالة مؤمنا، والآية (٩٣)﴾ تعزز هذا المعنى، وفي الحديث «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امريء مسلم».
﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ عليه كفارة عتق رقبة من أهل الإيمان، وهي حق الله ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ﴾ وهي حق ورثة القتيل ﴿إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ بأن يعفوا عنها ويسقطوها باختيارهم.
﴿فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ولا تجب الدية بهذه الحالة لأن أهل القتيل أعداء محاربون فلا يعانون بأموال المسلمين.
﴿وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ المشركون والكفار في حالة سلم معكم، ويدخل فيهم أهل الذمة، فإن كان القتيل منهم، أي غير مؤمن، وجبت ديته بالإضافة لعتق رقبة مؤمنة ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ كما هي الحال في قتل المؤمن، ويلاحظ أنه تم ذكر الدية قبل عتق الرقبة، وعكس ذلك في حق المؤمن، إشعارا بأن حق الله تعالى في معاملة المؤمنين مقدّم على حقوق الناس، كما أنه استثنى هنالك في أمر الدية بقوله ﴿إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ ترغيبا لهم بالعفو والسماح، وليس ذلك من شأن المعاهدين.
следующие страницы →