← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وليست تحريضا على المبادرة بالحرب أو العدوان، وقد امتثل النبي ﷺ لأمره تعالى بالثبات وحده في وقعة أحد حين انهزم عنه الناس، وصمد وحده في وقعة حنين حين أعجبت المسلمين كثرتهم ثم انهزموا عنه، والمعنى أيضا دع المنافقين وشأنهم إن لم يقاتلوا معك وحرض المؤمنين فقط ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي ما عليك سوى تحريضهم فحسب، لا تعنيفهم، كي يخرجوا للقتال بدافع الإيمان ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وذلك بأن تستعدوا وتتهيؤوا لقتالهم ﴿وَاللهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً﴾ لأن سنّته تعالى سبقت بأن تكون العاقبة لأهل الحق، إذا اتقوا أسباب الخذلان، واتخذوا أسباب الدفاع مع الصبر والثبات، لا أن ينصرهم تعالى وهم قاعدون ومقصّرون. ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ (٨٥) ٨٥ - ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها﴾ الشفاعة من الشفع - وهي عكس الوتر أي الفرد - ومعناها أن ينضم المرء لصاحب الحاجة يريد مساعدته فيصير شفيعا له، وفي الآية السابقة حثّ تعالى نبيّه على القتال بمفرده إذا لزم، وفي هذه الآية أنّ من يشفع النبي أو غيره من المؤمنين بالقتال في سبيل الله يكن له نصيب من الأجر والثواب ﴿وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها﴾ والشفاعة السيئة هي أن يشفع المرء للكفار بإعانتهم على قتال أهل الحق فيكتسب بذلك نصيبه من الوزر والإثم - وهو الكفل -، ويحتمل المعنى أيضا الحالة العامة أي الشفاعة مع الآخرين على عمل الخير، وعكسها وهو إعانة الآخرين على الشر ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ أي حافظا أو شاهدا أو مقتدرا، و ﴿كانَ﴾ معناها أنه تعالى كان على ذلك منذ الأزل، ولم يزل، ولا يزال. ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦)﴾.

стр. 352

٨٦ - ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ لأن المقصود هو الحفاظ على الألفة وحسن الأدب بين المسلمين بعضهم البعض، وبين المسلمين وغيرهم. كما أنّ تحية المسلمين هي السلام، فيكون المعنى أيضا أن إلقاء السلام من طرف على آخر هو بمثابة أمان للطرفين، ولذلك أمر تعالى باحترام هذا الأمان وتوعّد بالمحاسبة عليه فقال: ﴿إِنَّ اللهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ ونظير ذلك في الآية (٩٤)، والآية استمرار لما قبلها من جهة بيان آداب القتال والمسالمة والأمان وعدم التعرض للمسالمين غير المقاتلين من العدو. ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ (٨٧) ٨٧ - ﴿اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ تأكيد لحقيقة التوحيد أي لا مستحق للعبادة إلاّ الله تعالى، والعبادة هي الطاعة المطلقة فتكون عبادته تعالى تحريرا للإنسان من العبودية ومن الخضوع والتذلل لبشر، فلا يخشى الإنسان ولا يخاف غير الله، وتكون علاقة الآية بما قبلها التأكيد على وجوب طاعته تعالى فيما سبق من أحكام ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لإحقاق العدالة فيما سبق منكم في الحياة الدنيا ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ حَدِيثاً﴾ المعنى لا ريب في جمع الناس إلى يوم القيامة إذ لا شيء أصدق من القرآن بدليل إعجازه. ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ (٨٨) ٨٨ - ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ أي بعد كل ما بيّناه لكم عنهم، لأن الآيات من (٦٠ إلى ٨٧) أكثرها في المنافقين، ﴿وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا﴾ أي كيف تتفرقون أو كيف تترددون في شأن المنافقين في حين أنهم ارتدّوا عن الصواب بما كسبوا من السيئات، فهم يتباطؤون عن القتال، ويحتكمون إلى

стр. 353

الطاغوت، ويظهرون الطاعة ويبيّتون غير ذلك، ويذيعون أخبار المسلمين وينشرون الشائعات، وقد نسب تعالى فعل الإركاس إلى ذاته العليّة لأنه نتيجة سنّته تعالى في حرية اختيار الناس لأعمالهم ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ﴾ المعنى ليس بإمكانكم تغيير سنة الله في خلقه، ولا تستطيعون إكراه الآخرين على الهدى، فقد أعطى تعالى حرية الخيار للناس بحيث يهتدي منهم من يختار الهداية ويضل منهم من يختار الضلال ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ أي لا سبيل إلى هداية من جحد نعمة العقل، ولم يستفد منها، خاصة أنّ القرآن خاطب العقول، ودلّ على البراهين التي تشير إلى وحدانية الخالق، ومن يتركه الله تعالى لحرية خياره في اتباع الضلال والتعامي عن الدلائل العقلية لا سبيل لردّه إلى الصواب. ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (٨٩) ٨٩ - ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا﴾ كاد المنافقون أن يكونوا كفارا، أو هم كفروا فعلا ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ بلغ من تعصبهم في الكفر درجة يتمنون معها أن تصيروا كفارا مثلهم ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ﴾ أي حلفاء أو أعوانا ﴿حَتّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ حتى يهاجروا لنصرة الإسلام تصديقا لما يزعمون من إيمان ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا عن الإيمان وعن الهجرة ﴿فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ وذلك إذا ظهر منهم الغدر، وجاهروكم بالعداوة السافرة، لأن هذا هو المقصود، إذ لم يعرف عن النبي ﷺ أنه قتل أحدا من المنافقين ما لم يبادر بالغدر والعدوان، وذلك واضح أيضا من الآية التالية التي تنهى عن قتل من كان معاهدا، أو تاركا القتال. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠)﴾.

стр. 354

٩٠ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ يصلون إليهم ويدخلون في العهد الذي بينكم وبين هؤلاء القوم ويرضون بحكمهم ﴿أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ أي جاؤوكم وقد ضاقت صدورهم عن القتال فلا يريدون قتال المسلمين ولا يريدون قتال الكفار لأنهم أقاربهم ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ﴾ المغزى أنّ ضعفهم هو المانع لهم من قتال المسلمين، وليس نتيجة حسن نية من جانبهم ﴿فَإِنِ اِعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ يمتنع قتالهم إن لم يبدؤوكم بالقتال، وأيضا وفقا لما هو مذكور في الآية (٨٦)، وفي قوله تعالى أيضا: ﴿وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢/ ١٩٠]. ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً﴾ (٩١) ٩١ - ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ﴾ يريدون السلامة من الطرفين ﴿كُلَّما رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيها﴾ هم مذبذبون يظهرون الإسلام ليأمنوا جانب المسلمين، ثم يغريهم كفار قومهم بالتحالف معهم ضدكم فيغدرون بكم ﴿فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ لم يقفوا على الحياد، ولم يسالموكم ويعرضوا عليكم الصلح ﴿فَخُذُوهُمْ وَاُقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ إن لم يبق مناص من قتالهم فخذوهم واقتلوهم حيثما تمكنتم منهم ﴿وَأُولئِكُمْ جَعَلْنا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطاناً مُبِيناً﴾ السلطان بمعنى الحجّة، أي في هذه الحالة جعلنا لكم حجّة واضحة في السماح لكم بالقتال دفاعا لا عدوانا، والمعنى أنهم إذا اعتزلوا القتال وعرضوا الصلح فلا يجوز قتلهم ولا قتالهم.

стр. 355

﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (٩٢) ٩٢ - بعد أن بيّنت السورة أحكام قتال وقتل المنافقين، تنتقل لبيان أحكام من يحرم قتله من المؤمنين والمعاهدين وأهل الذمة: ﴿وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاّ خَطَأً﴾ لأن قتل المؤمن مناف للإيمان، وقيل في تقدير الآية: ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا متعمّدا فيبقى مؤمنا، إلاّ أن يقتله خطأ فيبقى في تلك الحالة مؤمنا، والآية (٩٣)﴾ تعزز هذا المعنى، وفي الحديث «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل امريء مسلم». ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ عليه كفارة عتق رقبة من أهل الإيمان، وهي حق الله ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ﴾ وهي حق ورثة القتيل ﴿إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ بأن يعفوا عنها ويسقطوها باختيارهم. ﴿فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ولا تجب الدية بهذه الحالة لأن أهل القتيل أعداء محاربون فلا يعانون بأموال المسلمين. ﴿وَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ المشركون والكفار في حالة سلم معكم، ويدخل فيهم أهل الذمة، فإن كان القتيل منهم، أي غير مؤمن، وجبت ديته بالإضافة لعتق رقبة مؤمنة ﴿فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ كما هي الحال في قتل المؤمن، ويلاحظ أنه تم ذكر الدية قبل عتق الرقبة، وعكس ذلك في حق المؤمن، إشعارا بأن حق الله تعالى في معاملة المؤمنين مقدّم على حقوق الناس، كما أنه استثنى هنالك في أمر الدية بقوله ﴿إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ ترغيبا لهم بالعفو والسماح، وليس ذلك من شأن المعاهدين.

стр. 356

﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ أي من لم يجد الرقبة التي يعتقها كأن انقطع الرقيق كما هو مقصد الإسلام - وهذه العبارة تشعر بهذا المقصد - أو لم يجد مالا يشتري به رقيقا يحرره، وحذف المفعول به يدل على الأمرين معا ﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ عليه صيام شهرين قمريين متتابعين بلا انقطاع ﴿تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ أي شرع لكم تعالى ما ذكر كي تتوبوا ويقبل توبتكم، وهو عليم بأحوالكم وحكيم فيما يشرع لكم. ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً﴾ (٩٣) ٩٣ - ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً﴾ نقل الزمخشري عن ابن عباس أن قاتل العمد لا توبة له. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (٩٤) ٩٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي إذا سرتم جهادا في سبيل الله كونوا على بيّنة من الذين تقاتلونهم وتجنّبوا قتل الخطأ المشار إليه في الآية السابقة، ولا تعجلوا فتقتلوا من كان مسالما أو التبس عليكم أمره، إلا من علمتموه يقينا حربا لكم ولله ولرسوله. ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾ نهى تعالى عن إنكار إسلام من يدّعي الإسلام أو من ينطق بالشهادتين، فكل من أظهر الإسلام يقبل منه ويعتبر مسلما، ولا يبحث عن الباعث له على ذلك، ولا يتّهم في صدقه وإخلاصه، ولا يحمل إسلامه على أنه مخادعة حتى يتبين خلاف ذلك.

стр. 357

ويفهم من معاني الآية أيضا أن إلقاء السلام قد يكون إلقاء للسلم وإيذانا بعدم الحرب وقد تبين من الآيات (٨٦، ٩٠، ٩١) النهي عن قتل الذين يعتزلون القتال ويكفّون أيديهم ويلقون السلم إلى المسلمين، أي إن كفرهم وحده ليس موجبا لقتلهم وقتالهم إذا سالموا، وفي السنة النبوية نلاحظ أنّ حروب النبي ﷺ كانت كلها دفاعية في أهدافها ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ لا ينبغي أن يكون قتالكم لأطماع دنيوية، ولا يصح استخدام الدين ذريعة لنهب غير المسلمين ﴿فَعِنْدَ اللهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ وهو ما يجب أن يكون هدفكم من ثواب الله ورزقه وفضله ﴿كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ أي قبل الإسلام كنتم كفارا مثلهم، أو كنتم طلاب دنيا تطمعون بها فقط ﴿فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُمْ﴾ بالهداية إلى الإسلام ﴿فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ كونوا على بيّنة من الأمر، ولا تبنوا على الظن، فالله تعالى خبير بنياتكم وأعمالكم. ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ (٩٥) ٩٥ - بعد أن حثّت الآية (٨٤)﴾ على القتال دفاعا عن حرية الدين، وبيّنت الآيات التي تلتها آداب القتال وأحكامه، تنتقل هذه الآية لبيان من يعذر عن الجهاد: ﴿لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهم ذوو المواقف السلبية، القاعدون عن الجهاد بمعناه العام ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ غير العجزة عن الجهاد كالمريض والأعمى والمقعد ﴿وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ القاعدون عن الجهاد بلا عذر ليسوا متساوين بالفضل عند الله مع المجاهدين بأموالهم وأنفسهم ﴿فَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ فضّلهم بدرجة العمل لأن الإيمان يجب أن يرافقه العمل ﴿وَكُلاًّ وَعَدَ اللهُ الْحُسْنى﴾ الله تعالى وعد الحسنى للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم

стр. 358

وأنفسهم، وأيضا للقاعدين عن الجهاد بسبب العجز المالي أو الجسمي، لأنهم يتمنّون لو كانوا قادرين على الجهاد لقاموا به، ويحتمل المعنى أيضا أنه وعد بالحسنى لعموم القاعدين من المؤمنين بحسب نيّاتهم، لأنّ الجهاد فرض كفاية ﴿وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ﴾ بلا عذر ﴿أَجْراً عَظِيماً﴾ وهو ما سيلي بيانه. ﴿دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (٩٦) ٩٦ - ﴿دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ وهي درجات تفضيل المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين بلا عذر. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ (٩٧) ٩٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي الذين يدركهم الموت وهم لا يزالون يظلمون أنفسهم بالمعاصي، أو الذين لم يزالوا يتركون الجهاد - بمعناه الواسع - في سبيل الله بلا عذر، أو الذين لم يهجروا الشر ويتوجهوا إلى الله، لأن الهجرة ليست مكانية فقط بالضرورة، أو الذين لم يهاجروا من أماكن الاضطهاد الديني إلى أماكن الحرية الدينية لكي يتمكنوا من إقامة شعائر دينهم بحرية ﴿قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ سألتهم ملائكة الموت: ما كان خطبكم في الحياة الدنيا؟ وذلك توبيخا لهم على سابق حالهم ﴿قالُوا كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ أجابوهم معتذرين بأنهم كانوا معرضين للاضطهاد فلم يستطيعوا القيام بشيء من أمر دينهم ﴿قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ أي كان عليكم أن تهاجروا لكي تحرروا أنفسكم من ذل العبودية والاضطهاد بدلا من انصرافكم وانصراف ذريتكم عن الإسلام وذوبانكم وذوبان الذرية في مجتمع الكفر، فهنالك الكثير من البلدان - إسلامية وغير

стр. 359

إسلامية - مما يتوفر فيها حرية الدين، فكان عليكم الهجرة إليها ﴿فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ المعنى أن الهجرة فرض عين إن كانت ضرورية لتمتع المسلم بحريته الدينية، أو إذا ترتب على المقيم زوال المرء وذريته عن دينه بسبب الاضطهاد الديني الذي يتعرض له، أو إذا تعرض مجتمع إسلامي أو دولة إسلامية إلى العدوان فصار يخشى عليها من الفناء عندئذ يصبح من واجب المسلمين الهجرة إليها للدفاع عنها وشدّ أزرها، كما أنه على المسلم أن يهاجر إلى حيث يتلقى العلم والدين إذا اقتضى الأمر ذلك، أما المقيم في دار الكفر مع استطاعته وذريته التمسك بدينه والتمتع بحريته الدينية فلا تلزمه الهجرة، بل ربما كانت إقامته فيها سببا لإظهار محاسن الإسلام وانتشاره والدعوة إليه بالعمل وبالقدوة الحسنة. ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ (٩٨) ٩٨ - ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ استثنى تعالى الضعفاء من الرجال والنساء والولدان ممّن لا يطيقون الهجرة المكانية ولا يملكون وسائلها ﴿وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ بسبب حيرتهم واختلاط الأمور عليهم، أو لأنهم لم يستوعبوا رسالة الإسلام. ﴿فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً﴾ (٩٩) ٩٩ - ﴿فَأُولئِكَ عَسَى اللهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكانَ اللهُ عَفُوًّا غَفُوراً﴾ وعدهم تعالى بالعفو والمغفرة، وقيل إنّ ﴿عَسَى﴾ دلالة على التشديد في موضوع الهجرة بالنسبة إلى المستطيعين. ﴿وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٠)﴾.

стр. 360

١٠٠ - ﴿وَمَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُراغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ مراغما مشتقة من الرّغام وهو التراب، أي إن المسلم بهجرته يرغم أنوف أعدائه الذين كانوا يضطهدونه، لأنه يحصل على مأوى يمارس فيه حريته الدينية، ويجد فيه متسعا من العيش والرزق، ويدعو فيه إلى الإسلام في أرض الله الواسعة ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ أي قد وجب أجره على الله ولو لم يتحقق له مراده، لأنه يكفي حصول نية الهجرة مع الإخلاص فيها ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ أي كان تعالى جلّ شأنه منذ الأزل، وما زال، غفورا لأمثال هؤلاء المهاجرين يغفر ما كان من ذنوبهم وقعودهم إلى أن هاجروا، ويرحمهم بإكمال أجرهم. ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً﴾ (١٠١) ١٠١ - انتقال الخطاب لبيان أحكام الصلاة خلال السفر، سواء كان الغرض من السفر الهجرة أو القتال أو غيره: ﴿وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي إذا كنتم على سفر، مهما كان الغرض منه، وليس بالضرورة للجهاد في سبيل الله، إذ لم يقل تعالى: «إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ» كما في الآية (٩٤)﴾، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ أباح تعالى قصر الصلاة في السفر ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بالهجوم المفاجيء عليكم، وقد بينت السنة الشريفة قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين لمجرد السفر دون الخوف، أما شرط الخوف فليس مقتصرا بالضرورة على زمن الحرب بل تقصر الصلاة أيضا إذا كان الخوف من قطاع الطرق وأمثالهم ﴿إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً﴾ لا تفوتهم فرصة للإيقاع بكم، فإذا اجتمع الخوف والسفر معا أباح تعالى قصر أركان الصلاة، فيكتفى بالإيماء عن الركوع والسجود، انظر آية [البقرة: ٢/ ٢٣٩]، وقد أباح تعالى قصر عدد الركعات كما سيرد في الآية التالية.

стр. 361

﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً﴾ (١٠٢) ١٠٢ - قال أبو حنيفة: إذا اشتد الخوف جعل الإمام الناس طائفتين: طائفة في وجه العدو، وطائفة خلف الإمام فصلى بهذه الطائفة ركعة وسجدتين، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية مضت الطائفة التي معه إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الثانية فصلّى الإمام بهم ركعة وسجدتين وتشهّد وسلّم، ولم يسلّم القوم وذهبوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الاولى فأتمّوا فرادى ركعة وسجدتين بلا قراءة ولا تشهّد ومضوا إلى وجه العدو، ثم جاءت الطائفة الثانية فأتمّوا ركعة وسجدتين بقراءة وتشهّد وسلّموا، وتفصيل ذلك في الآية كما يلي: ﴿وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ أيها النبي، أو الإمام ﴿فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ في حال الخوف، والقتال لم يبدأ ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ بركعة واحدة ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ وهم الطائفة الثانية الذين انصرفوا إلى مواجهة العدو ولم يصلّوا معك، لأن الضمير عائد إليهم وليس للطائفة المأمورة بالصلاة ﴿فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ﴾ يعني الطائفة التي صلّت ركعة واحدة تقوم تجاه العدو بعد فراغها من ركعة وسجدتين، لأن الفاء في قوله ﴿فَلْيَكُونُوا﴾ للتعقيب، ومعنى فليكونوا من ورائكم أي يقوموا بحمايتكم وليس بالضرورة أن يكونوا ورائهم مكانيا، وبالتعبير العسكري يقوموا بتغطيتكم ﴿وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ أي الركعة الثانية تصلّيها الطائفة الثانية التي كانت إزاء العدو ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ تقدير الخطاب: وليأخذ الباقون حذرهم وأسلحتهم وهم الطائفة القائمة تجاه العدو غير المأمورة بالصلاة مع الإمام «الزجاج»، ﴿وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ﴾

стр. 362

﴿عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً﴾ أي يقومون بهجوم مفاجيء ﴿وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ﴾ بحيث يلحق الضرر بالسلاح، أو إن كان يشق على المصلين حمل السلاح بهذه الحالة، وقد يكون المطر كناية عن الصعوبة ﴿أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ ترخيص للمرضى وللجرحى من المقاتلين بوضع أسلحتهم ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي أن وضع السلاح للمرخّص لهم يجب أن يكون بطريقة تضمن الحذر من العدو ﴿إِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً﴾ الله تعالى يعذبهم بما هداكم إليه من أسباب النصر، كالاستعداد والحذر والصبر. ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اِطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً﴾ (١٠٣) ١٠٣ - ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ اذكروا الله في جميع أحوالكم ﴿فَإِذَا اِطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ إذا اطمأنت أنفسكم بالأمن، وزوال الخوف، فأقيموا الصلاة على تمامها وبأركانها ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً﴾ كتابا بمعنى مكتوبا أي كانت فرضا مكتوبا عليكم، وكتابا موقوتا بمعنى محدد الأوقات، حتى أنه يلزم إقامتها في وقتها مع القصر، وفي حال الخوف رجالا أو ركبانا، باستقبال القبلة أو عدم استقبالها مع الإيماء بالركوع والسجود، انظر آية [البقرة: ٢/ ٢٣٩]، وذلك خير من تأخيرها وأدائها كاملة فيما بعد. ﴿وَلا تَهِنُوا فِي اِبْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١٠٤) ١٠٤ - ﴿وَلا تَهِنُوا فِي اِبْتِغاءِ الْقَوْمِ﴾ بعد الفراغ من الصلاة ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ أنتم وهم سواء في مشاق الحرب وآلامها، غير أنهم طلاب دنيا ومدافعون عن الباطل، في حين أنكم تدافعون عن الحق وترجون ثواب الله ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾

стр. 363

كان علمه المحيط منذ الأزل، وحكمته تعالى أن يكون النصر للمؤمنين على الكفار، إذا اتخذوا الأسباب، وأعدّوا للأمر عدته وفق السنن الكونية الثابتة. ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً﴾ (١٠٥) ١٠٥ - عودة الخطاب لموضوع الآية (٨٨) لبيان أحوال الخائنين والمنافقين: ﴿إِنّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ أي متضمّنا الحق ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أَراكَ اللهُ﴾ بما في القرآن الكريم من الحكمة ﴿وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً﴾ لا تتهاون بتحري الحق ولا تغتر بافتراءات الخائنين، ولا تكن لهم خصيما أي تخاصم عنهم وتتورط بالدفاع عنهم بغير وجه حق، والخطاب ليس موجها للنبي ﷺ خاصة، وإنما هو عام لكل من يحكم بين الناس كما هو واضح من الآية (١٠٩) حيث الخطاب بلهجة الجمع. ﴿وَاِسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (١٠٦) ١٠٦ - ﴿وَاِسْتَغْفِرِ اللهَ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ لأن الإنسان قد يميل باعتقاده الشخصي أو بسبب صلة القربى أو الدين وغيرها لأحد الطرفين، فهذه الآيات تأمر بالمساواة بين الخصمين في القضاء، فلو مال الحاكم إلى أحد الخصمين بسبب حسن الظن به سلفا فقد يكون خصيما ومدافعا عن المذنب، وهو ما نهت الآية عنه فوجب الاستغفار منه. ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّاناً أَثِيماً﴾ (١٠٧) ١٠٧ - ﴿وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ وهم المنافقون والمترددون بين الكفر والإيمان، لا تجد الأعذار لهم فهم غير صادقين مع أنفسهم ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوّاناً أَثِيماً﴾ فقد ظلموا أنفسهم باعتيادهم الخيانة والإثم. ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨)﴾.

стр. 364

١٠٨ - ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ﴾ يخافون الناس ولا يخافون العقاب الإلهي ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ﴾ الله تعالى شاهد على ما يبيّتون في الليل من الأفكار والمعتقدات الباطلة ﴿وَكانَ اللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً﴾ كان وما زال محيطا بأفكارهم وأعمالهم. ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ (١٠٩) ١٠٩ - ﴿ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ الخطاب للمؤمنين، والكلام عن المنافقين ﴿فَمَنْ يُجادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾ أي من يكون وكيلا بالخصومة عنهم في الآخرة كما كنتم عنهم في الدنيا. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (١١٠) ١١٠ - ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً﴾ بارتكاب الذنوب ﴿أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ بالشرك والنفاق ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ﴾ ليس بالكلام فقط، وإنما بالتوبة الصحيحة والإيمان الصحيح والعمل الصالح ﴿يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَحِيماً﴾. ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١١١) ١١١ - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أي إن نفعه، إن كان منه نفع مؤقّت، يعود وباله عليه ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾. ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ (١١٢) ١١٢ - ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً﴾ قيل أن الخطيئة هي الذنب الذي يرتكبه صاحبه خطأ، والإثم هو الذنب المتعمد، أو الذي يصدر عن صاحبه وهو على علم أنه مخطئ، وقد يكون ارتكاب الذنوب متأصّلا في طبعه دون أن

стр. 365

يتأمل فيها إن كانت خطأ أو صوابا ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ اِحْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ المعنى أن من يرتكب الخطيئة أو الإثم فيبرئ نفسه من أي منهما، ويتهم بهما بريئا، كما هي حال المنافقين، فهو يحتمل وزر هذا البهتان، كما يحتمل وزر الإثم الذي ارتكبه، والبهتان هو الكذب الذي يندهش منه المكذوب عليه ويتحير منه. ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ (١١٣) ١١٣ - ﴿وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ﴾ أيها النبي بأن نزّل عليك الوحي، وهو الفضل المطلق، أنظر آيات [البقرة: ٢/ ١٠٥] و [النساء: ٤/ ٥٤]، وأيها المسلم المتفقّه العامل بالقرآن ﴿وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ﴾ وهم الذين اعتادوا الخيانة المشار إليهم في الآيات السابقة يكذبون على الآخرين وعلى أنفسهم ﴿وَما يُضِلُّونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ لأن الخائنين غير صادقين مع أنفسهم فيقتصر ضرر عملهم عليهم فقط، خاصة أنه تعالى أنزل عليك أيها النبي القرآن، وعلّمك ما لم تكن تعلم من الوحي والحكمة وعلوم القرآن، وأيها المسلم بأن علّمك القرآن ﴿وَكانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ أيها النبي بأن اصطفاك خاتما للأنبياء والرسل، وأرسلك بشيرا ونذيرا للناس كافة، وأيها المسلم بأن هداك إلى القرآن ودين الإسلام. ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ (١١٤) ١١٤ - ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ﴾ وهم المذبذبين أنصاف المؤمنين، والنجوى: حديث السرّ بين الناس، فلا خير في الكثير من نجواهم لأن الغالب أن

стр. 366

تكون أحاديث السر بينهم لا تستهدف الخير ﴿إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ استثنى تعالى نجوى المؤمنين، ما كان منها لأعمال الخير، وهي المتعلقة بالصدقات، لأن الجهر بها قد يؤذي مشاعر المستفيدين منها، والمتعلق منها بالمعروف وهو عام في كل جميل، والمتعلق منها بالإصلاح بين الناس كمفاوضات الصلح السرية ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ﴾ وليس للرياء والسمعة والتفاخر ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ لأن الأجر مرتبط بسلامة النية، وفي الحديث «إنما الأعمال بالنيات». ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ (١١٥) ١١٥ - ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ أي من ينشقّ عنه وعن سنّته ﷺ ﴿مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى﴾ بعد ما تبين له صحة دين الإسلام، والواضح أن الكلام عن المنافقين وضعاف الإيمان ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ غير سبيل الإسلام ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ أي إنه تعالى جلّ شأنه يتركه لحرية خياره، وهو تأكيد على حرية اختيار الإنسان لأعماله، فالإيمان لا يكون قسرا ﴿وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً﴾ فيكون هو الجاني على نفسه إذا اختار الضلال بعد أن تبين له الهدى، لأن سنة الله اقتضت أن يتحمل الإنسان عاقبة خياره الحر، وأمثال هؤلاء يكونون من المغضوب عليهم، المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ١/ ٧] لكون الهدى قد تبيّن لهم، بخلاف الضالّين ممّن لم تبلغهم الرسالة، المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿وَلا الضّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ١/ ٧]. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ (١١٦) ١١٦ - بعد أن أوضحت الآيات (١٠٥ - ١١٥) أحوال الخائنين والمنافقين، تنتقل السورة لبيان أحوال المشركين:

стр. 367

﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ أي من يشرك بالله أحدا فيدعوه معه، ويستغيث به، ويذكر اسم الله مع إسمه - كدعاء البعض للأنبياء والأولياء والأئمّة وغيرهم - فذلك من أقوى أنواع الشرك، وفي الحديث الشريف: «الدعاء هو العبادة» أي هو الركن الهام في العبادة، فيكون دعاء الشركاء المزعومين والتوسل بهم أو إليهم بمثابة عبادتهم. ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطاناً مَرِيداً﴾ (١١٧) ١١٧ - ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ إِناثاً﴾ كاللات والعزّى ومناة، آلهتهم في الجاهلية، أطلقوا عليها أسماء مؤنثة ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاّ شَيْطاناً مَرِيداً﴾ أي شيطانا تمرد عن الطاعة واستكبر، واعتاد الإغواء والإضلال إذ يوسوس في صدر الإنسان ويعده ويمنّيه، وقد يكون من شياطين الإنس المدّعين للزعامات ما يقارب ادّعاء الألوهية. ﴿لَعَنَهُ اللهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ (١١٨) ١١٨ - ﴿لَعَنَهُ اللهُ﴾ وهو الشيطان الذي يدعونه، أبعده تعالى من رحمته لقوله: ﴿وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ النصيب المفروض هو الاستعداد للشر الموجود في نفس الإنسان، سواء قلّ أو كثر لقوله تعالى: ﴿وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: ٩٠/ ١٠]، وقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها﴾ [الشمس: ٩١/ ٨]، فكل إنسان يشعر بوسوسة الشيطان غير أنه ليس للشيطان سلطان على عباد الله المخلصين، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ [الحجر: ١٥/ ٤٢]. ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً﴾ (١١٩) ١١٩ - ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ﴾ عن الحق، أي الغاوين منهم ﴿وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ﴾ بإلقاء الأماني الخادعة في قلوبهم، كطول الأعمار وبلوغ الآمال، فينهمكون باللذات

стр. 368

الدنيوية والمطالب الشهوانية والمادية، ويسوّفون التوبة والأعمال الصالحة، ويستمرون في غيّهم، ويرجون رحمة الله بلا توبة ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ﴾ لأنهم كانوا في الجاهلية يقطعون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا ثمّ يطلقونها محرّمين على أنفسهم الانتفاع بها بعد ذلك، والآية تعبير عن العادات والميول الوثنية عموما ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾ وهو أي شيء من شأنه تشويه أو تعطيل ما خلقت الأشياء لأجلها، كتلاعب بعض العلماء بالجينات وبالأجنة لأغراض غير سليمة، أو تعطيل وتبديل ما خلقت الطبائع لأجلها، ومثل ذلك الشذوذ الجنسي واتباع أساليب حياتية شاذة غير طبيعية ﴿وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً﴾ أي من يتّبع وساوس الشيطان ويعمل بمقتضاها، ويترك أوامر الرحمن، صار بمثابة من اتّخذ الشيطان سيدا له، فنتيجته الخسران المبين إن لم يكن في الدنيا ففي الآخرة. ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ (١٢٠) ١٢٠ - ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ بوسواس السوء ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ أي ما يعدهم إلاّ ضلالا في أذهانهم وباطلا يغترّون به، والنتيجة أنهم يستغرقون في الملذات الدنيوية، ولولا وعود الشيطان لما تهالكوا على الزعامات والجاه والمال، وقد يعتقدون أن لا حدود لأهداف الإنسان وما يستطيع أن يحققه من إنجازات في دنياه. ﴿أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً﴾ (١٢١) ١٢١ - ﴿أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً﴾ أي لا يجدون عنها مفرّا، لأنهم انجذبوا إليها بطبعهم حتى يتهافتون فيها بأنفسهم كما يتهافت الفراش في النار (المنار). ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً (١٢٢)﴾.

стр. 369

١٢٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ مقابلة مصير المؤمنين الذين يعملون الصالحات مع مصير الذين اتّبعوا وساوس الشيطان ﴿وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ في حين أن ما يعدهم الشيطان هو الباطل ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللهِ قِيلاً﴾ أي لا أصدق من قوله تعالى. ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (١٢٣) ١٢٣ - بعد الكلام عن المشركين بالآيات (١١٦ - ١٢١) ينتقل الخطاب إلى أحوال أهل الكتاب، لأنهم مشركون أيضا: ﴿لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ﴾ أيها المشركون عموما ﴿وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ﴾ وهذا الأماني من جملة ما يعدهم الشيطان كما ورد في الآيات السابقة، فالغرور يسري في أهل الأديان، وليس مقتصرا على الكفار: اليهود يدّعون أنهم أبناء الله وأحباؤه ويزعمون أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودات، والنصارى يزعمون أن المسيح افتدى خطاياهم سلفا نيابة عنهم، لأنهم آمنوا أن المسيح هو ابن الله، لذا أخبرهم تعالى أن الإنسان يحاسب بعمله، وأن الدين ليس جنسية يكتفى منه بالاسم فقط ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾ لأن الجزاء نتيجة طبيعية للعمل لا يتخلف عنه، وتلك سنّته تعالى في خلقه ﴿وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ فلا تنفعه الشفاعات والأوهام والتفاخر بالدين. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ (١٢٤) ١٢٤ - بعد الخطاب في المنافقين، والمشركين، وأهل الكتاب، بالآيات (١٠٥ - ١٢٣)، ينتقل خطاب السورة إلى بيان السبيل القويم والدين الصحيح: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ أي ما يستطيع عمله من الصالحات ﴿مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً﴾ بعد أن

стр. 370

أوضح تعالى بطلان الأماني، بيّن في هذه الآية أن الأمر كله معقود بالعمل فلا يفوز إلا من أقبل على العمل الصالح وهو مؤمن. ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاِتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاِتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً﴾ (١٢٥) ١٢٥ - ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي لا يوجد أحسن من هذا الدين فهو مبني على أمرين: العقيدة والعمل، أما العقيدة فالإشارة لها بقوله تعالى: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ﴾ فالوجه يمثل جوارح الإنسان بكاملها، والإسلام هو الإنقياد الكامل والخضوع لله وحده دون غيره، وأما العمل فالإشارة إليه بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي يفعل الحسنات ويترك السيئات، والمعنى أيضا إحسان العمل ﴿وَاِتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ حنيفا أي مائلا عن الباطل لأن كل ما سوى الإسلام باطل، والمعنى أحسن الأديان: الميل عن كل ما هو باطل ﴿وَاِتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً﴾ كناية عن المحبة التي اختصه الله بها بعد أن ابتلاه بالمحن فاجتازها، انظر آية [البقرة: ٢/ ١٢٤]. ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً﴾ (١٢٦) ١٢٦ - ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً﴾ فهذا هو السبب كي يسلم الإنسان وجهه بالكامل لله وحده، دون غيره من المخلوقات التي لا تملك شيئا ولا تحيط إلا بالجزئيات. ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً﴾ (١٢٧) ١٢٧ - جريا على عادة القرآن الكريم من تداخل آيات الرسالة والأخلاق مع آيات التشريع إظهارا للعلاقة الأكيدة بين حياة الإنسان الروحية وبين سلوكه الاجتماعي، ينتقل الخطاب إلى بيان بعض أحكام اليتامى والزواج، وفيه عودة لمواضيع الآيات (٣ - ٣٥):

стр. 371

﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ﴾ أيها النبي ﴿فِي النِّساءِ﴾ أي في شؤون النساء كأحكام الزواج والميراث ويتامى النساء وغير ذلك من أحوالهنّ ﴿قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ فهو تعالى مصدر التشريع ﴿وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ أي إن الفتوى هي ما يتلى عليكم في القرآن، كما ورد في أول هذه السورة عن أحكام اليتامى وتعدد الزوجات ومواريث النساء، وكما سيرد في هذه الآية والآيات التي تليها عن يتامى النساء والولدان، والنشوز، والعدل بين الزوجات، وشروط الفرقة بين الزوجين: ﴿فِي يَتامَى النِّساءِ﴾ المستضعفات ﴿اللاّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ أي لا تعطونهنّ استحقاقهنّ من الميراث أو الصداق لأنهنّ تحت كفالتكم وسيطرتكم وليس من مدافع عنهنّ ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ تحتمل معنيين: ترغبون في نكاحهنّ كونهنّ جميلات، فتستولون على حقوقهنّ وتغبنونهنّ في المهر، أو: ترغبون عن نكاحهنّ كونهنّ دميمات، وفي نفس الوقت تطمعون في أموالهنّ. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ﴾ أي ويفتيكم تعالى أيضا في أحوال المستضعفين من الولدان الذين بكفالتكم أو تحت إشرافكم ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ﴾ ويفتيكم أن تكونوا عادلين في تعاملكم مع النساء والولدان المستضعفين فلا تطمعوا بأموالهم ﴿وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِهِ عَلِيماً﴾ ما تفعلوا من خير في تعاملكم مع المستضعفين من النساء والولدان، فالله تعالى يعلمه ويثيبكم عليه، ولا يضيع من أجوركم عنده شيء. ﴿وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (١٢٨) ١٢٨ - هذه الآية وحتى الآية (١٣٠)﴾ من جملة ما أخبر تعالى أنه يفتيهم فيه من أحوال النساء:

стр. 372

﴿وَإِنِ اِمْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً﴾ أي إذا ظهرت لها من زوجها علائم الكراهة وسوء العشرة، وأصل النشوز الارتفاع لأن النشز هو المرتفع من الأرض، فكأنما الزوج يترفع ويتكبر عليها ميلا إلى غيرها ﴿أَوْ إِعْراضاً﴾ بالإهمال والترك ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً﴾ بحلول وسط تكون مقبولة للطرفين بحيث يتنازل كل طرف عن بعض حقوقه ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ من الفراق ومن النشوز والإعراض ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ الأنفس مطبوعة على الأنانية فهي تشحّ بحقوقها ولا تود التنازل عن شيء منها كي تصل إلى حل وسط ﴿وَإِنْ تُحْسِنُوا﴾ بإمساك نسائكم، وإن كرهتموهنّ وأحببتم غيرهنّ ﴿وَتَتَّقُوا﴾ النشوز والإعراض ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ فيثيبكم عليه. ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (١٢٩) ١٢٩ - ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ بعد أن أخبر تعالى عن نشوز الرجل بسبب ميله إلى زوجة أخرى، أو رغبته بالزواج من أخرى، وبعد أن حثّ على الصلح والحلول الوسط، ولمّا كان تعدد الزوجات مرتبطا ارتباطا وثيقا بالعدل بينهن، الآية (٣)، وحيث إن الرجل التقي قد يشعر بالإثم إذا أحب إحدى زوجاته أكثر من غيرها، فهذه الآية تبين أن مشاعر الرجل خارج نطاق سيطرته فيبقى أن يكون العدل بين الزوجات في المعاملة والإنفاق والسلوك الخارجي تجاههنّ ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ بعواطفكم نحو الزوجة المفضّلة ﴿فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ وهي الزوجة الأقل محبة عند الزوج، فتتركوها كما لو كانت غير متزوجة، وهي في نفس الوقت ليست مطلّقة ﴿وَإِنْ تُصْلِحُوا﴾ في معاملة النساء ﴿وَتَتَّقُوا﴾ ظلمهنّ ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾. ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠)﴾.

стр. 373

١٣٠ - ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقا﴾ أي الزوجان إذا رغبا في الفراق، ورجّحا الطلاق، بعد أن أخفقا في استرضاء أحدهما الآخر ﴿يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ يغني تعالى كلاّ منهما عن صاحبه بعد الطلاق، أو يغني كلاّ منهما بزوج خير من زوجه السابق ﴿وَكانَ اللهُ واسِعاً حَكِيماً﴾ أي كان منذ الأزل ولا يزال واسع الرزق، واسع الفضل، واسع الرحمة، واسع القدرة، واسع العلم بمصالح مخلوقاته وبكل شيء. ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيّاكُمْ أَنِ اِتَّقُوا اللهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيداً﴾ (١٣١) ١٣١ - ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ بعد أن أمر تعالى بالإحسان إلى يتامى النساء، والمستضعفين من الولدان، بيّن أنه ما أمر بذلك لاحتياجه لأعمال العباد فهو مالك السماوات والأرض، وإنما أمر بذلك رعاية لمصالح عباده ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيّاكُمْ أَنِ اِتَّقُوا اللهَ﴾ فهذه الأوامر في جميع الشرائع والأديان من قبل لم يلحقها نسخ ولا تبديل ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيداً﴾ الله تعالى غني عن الجميع، منزّه عن طاعات المطيعين وذنوب المذنبين، فلا يزداد جلاله بالطاعات، ولا ينقص بالمعاصي والسيئات. ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (١٣٢) ١٣٢ - ﴿وَلِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ على عباده كما سيرد في الآية التالية. ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (١٣٣)﴾.

стр. 374

١٣٣ - ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً﴾ تنبيها للناس إلى التأمل في سننه تعالى بحياة الأمم، ونهوضها وانهيارها، وتعلق الأسباب بالمسببات، وكون هذه السنن متعلقة بمشيئته فلا تبديل لها. ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (١٣٤) ١٣٤ - ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ أي من يكدح ويتعب في هذه الدنيا لأجل المال والجاه والرياسة، فليعلم أن الله عنده ثواب الدارين الدنيا والآخرة معا: ﴿فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ من كان عاقلا متفكرا في مغزى الخلق يطلب الدنيا واضعا نصب عينيه الآخرة، ولا يقتصر على طلب الدنيا فقط ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ سميعا لأقوال عباده بصيرا بأهدافهم ومبتغاهم. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ (١٣٥) ١٣٥ - بعد أن شدّدت الآيات (١٢٧)﴾ والتي تلتها على موضوع العدل بين الزوجات، تنهى هذه الآية عن محاباة الأقرباء بغير الحق: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ أي عليكم أن تقوموا بالقسط وهو العدل، وقوّامين بالقسط معناها المبالغة في أمر القيام بالعدل ﴿شُهَداءَ لِلّهِ﴾ أي اشهدوا بالحق لوجه الله ولا تشهدوا بالباطل ابتغاء منفعة دنيوية ﴿وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ حتى لو كانت الشهادة مخالفة لما تظنون أنه مصلحة لكم أو لوالديكم أو أقربائكم ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً﴾ أي المشهود له ﴿فَاللهُ أَوْلى بِهِما﴾ لستم أرحم بالفقير من ربه، فلا تميلوا بالشهادة عن الحق رحمة بالفقير بزعمكم ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى﴾ في شهاداتكم ﴿أَنْ تَعْدِلُوا﴾ كراهة أن تعدلوا ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ ألسنتكم بالشهادة فتشهدوا بغير الحق ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾

стр. 375

عن الشهادة هربا منها ﴿فَإِنَّ اللهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ فيجازيكم بأعمالكم. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ (١٣٦) ١٣٦ - هذه الآية دعوة للإيمان بالشرائع السماوية ككل وعدم التفريق بينها، لأن اليهود والنصارى لا يؤمنون ببعثة خاتم الأنبياء والرسل، وفي ذلك عودة لموضوع الآيات (١٢٣ - ١٢٦): ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قيل الخطاب لليهود والنصارى لأنهم آمنوا بالكتب السابقة فقط، فأمرتهم الآية أن يؤمنوا بخاتم الأنبياء والرسل، ويحتمل المعنى أن يكون الخطاب للمسلمين مطلقا، أمرهم تعالى أن يجمعوا بين الإيمان به، وبخاتم الأنبياء والرسل، وبالقرآن الذي نزّل عليه، وبين الإيمان بجنس الكتب التي أنزلها تعالى على رسله من قبل، وأنه تعالى لم يترك عباده محرومين من الهداية في الأزمان الماضية: ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ﴾ وهو القرآن الكريم نزّل نجوما مفرّقا خلال ثلاث وعشرين سنة ﴿وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ الكتاب إسم جنس للكتب المنزلة من قبل، والمقصود الإيمان بحقيقة نزول الوحي على الأنبياء من قبل، وليس الإيمان بكتب اليهود والنصارى بوضعها الراهن لأنه قد دخل عليها التبديل والتحريف ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً﴾ لمّا أمر تعالى بالإيمان بكل ما ذكر، توعّد على الكفر بأي جزء منه. فالإيمان بالله هو الركن الأول، والإيمان بجنس الملائكة الذين يحملون الوحي إلى الرسل هو الركن الثاني، والإيمان بجنس الكتب التي نزل بها الملائكة على

стр. 376

الرسل هو الركن الثالث، والإيمان بالرسل أنفسهم هو الركن الرابع، والإيمان باليوم الآخر الذي يوفّى فيه الناس أعمالهم هو الركن الخامس. وأما من يفرق بين كتب الله ورسله فيؤمن ببعض ويكفر ببعض، كاليهود والنصارى، فلا يعتدّ بإيمانه لأنه متّبع للهوى والتقليد، وقد وصفه تعالى بأنه قد ضلّ ضلالا بعيدا لا ترجى هدايته، أما من يضل عن الشيء وهو يبحث عن حقيقته حتى يصل إليه ويؤمن به فيكون ضلاله قريبا (المنار). ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ (١٣٧) ١٣٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ اِزْدادُوا كُفْراً﴾ قيل هم المنافقون، بدليل الآية التالية، يظهرون الإيمان ثم يكفرون، مذبذبون بين الإيمان والكفر حسبما تقتضي مصالحهم الدنيوية ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ لأنهم بلغوا حد الاستهزاء والسخرية بالإسلام ليس بقولهم فقط، بل بأعمالهم، وذلك من أعظم درجات الكفر ﴿وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً﴾ يتركهم تعالى وما اختاروا لأنفسهم فيحرمهم من توفيقه وهدايته، وفي هذ الآية عودة لموضوع المنافقين بالآيات (١٠٥ - ١٢٣). ﴿بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٣٨) ١٣٨ - ﴿بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ جزاء لهم على تذبذبهم بين الإيمان والكفر، واستهزائهم بالدين حرصا على مصالحهم الدنيوية. ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً﴾ (١٣٩) ١٣٩ - ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يتحالفون مع الكفار ضد المؤمنين، ويتخذون منهم أنصارا لاعتقادهم أن السيطرة والمستقبل سيكونان لهم، واتخاذهم الكفار أنصارا وحلفاء لا يقتصر على التحالف

стр. 377

السياسي أو العسكري معهم فقط، بل يتجاوز ذلك إلى التحالف المعنوي معهم عن طريق اتباع أساليب حياتهم وعاداتهم الاجتماعية والمعيشية على أمل أن يصيروا مقبولين لديهم ومساوين لهم في نظرهم، وهذا مما يؤدي إلى التخلي تدريجيا عن القيم والمبادئ الإسلامية ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ يتوهمون أنهم يدركون العزة والشرف باتباع الكفار في حين أن الكفار لا يقيمون لأمثالهم وزنا ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً﴾ يؤتيها المسلمين إذا اتبعوا هدايته وساروا بحسب سننه في خلقه. ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ (١٤٠) ١٤٠ - ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ﴾ في القرآن الكريم ﴿أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها﴾ إذا سمعتم الكفار أو المنافقين أو المشكّكين يتكلمون بالسخرية والإستهزاء عن آيات الله ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ يحرم الجلوس إليهم والاستماع لهم ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ من يرضى بالاستماع للكفر يكون كافرا مثلهم، فإن كان الجالس راضيا بذلك الجلوس فإقرار الكفر بالاختيار يعتبر كفرا، أما إن كان الجالس ساخطا لقولهم، وإنما جلس بسبب التقية والخوف فلا يكون مثلهم (الرازي)، ﴿إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ يجمعهم في جهنم كما اجتمعوا على الاستهزاء بآيات الله، وقدّم تعالى ذكر المنافقين على الكفار لكونهم أخسّ منهم. ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (١٤١)﴾.

стр. 378

١٤١ - ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ وهم المنافقون الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين يترقّبون ما يحدث لكم من خير أو شر ﴿فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ أي نحن نستحق المشاركة في نعمتكم ﴿وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ أي نصيب من الظفر لأن الحرب سجال ﴿قالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قالوا للكفار ألم نحميكم من المسلمين بعد أن كادوا يسيطرون عليكم ﴿فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ بين المؤمنين والمنافقين ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ المعنى أن الكافرين من حيث هم كفار، لا يكون لهم سبيل على المؤمنين من حيث هم مؤمنون يقومون بحقوق الإيمان قولا وفعلا، فالنصر مضمون للمؤمنين بشرط القيام بحقوق الإيمان واتباع سنته في خلقه، أما غلبة الكافرين على المسلمين في بعض العصور فليست من حيث إنهم كفار، ولكن من حيث إنهم صاروا أعلم من المسلمين بسنن الله في خلقه وأحكم عملا بها، والمسلمون قد تركوا ذلك أو جهلوه (المنار). ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (١٤٢) ١٤٢ - ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللهَ﴾ بخداع أنفسهم إذ يتحايلون على الشرع فيبررون لأنفسهم نفاقهم وكذبهم وغشهم، ويتعامون عن الحق، ويقنعون أنفسهم بأنهم على الصواب جريا وراء مصالحهم الدنيوية، وقد يتظاهرون بالتدين عمدا لخداع الناس ﴿وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ بتخليتهم لأنفسهم وبتوفيق المؤمنين، فعاقبة الخداع لا تعود إلاّ عليهم، ما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، وإن نالوا مبتغاهم في الدنيا لا يفوتهم عقاب الآخرة ﴿وَإِذا قامُوا إِلَى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى يُراؤُنَ النّاسَ﴾ يقصدون من الصلاة المراءاة أي أن يراهم الناس يصلّون حتى يشهد لهم بالتقوى الغفلة من الناس ممّن يغترون بظواهر

стр. 379

الأمور ﴿وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ لأنهم يراؤون الناس بالصلاة فليس لهم منها إلا المراسم الظاهرية دون المضمون من الخشوع والعمل بما تقتضيه حقيقة الصلاة. ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ (١٤٣) ١٤٣ - ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ﴾ بين الكفر والإيمان ﴿لا إِلى هؤُلاءِ وَلا إِلى هؤُلاءِ﴾ لا يخلصون في الانتساب لأحد الفريقين: المؤمنين والكفار، وإنما إخلاصهم لأنفسهم ومصالحهم فقط ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ يتركهم تعالى لما اختاروا لأنفسهم من الضلال. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً﴾ (١٤٤) ١٤٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حذّر تعالى المؤمنين أن يكونوا كالمنافقين، الذين سبق وصفهم، بأن لا يتّخذوا الكافرين أولياء وأنصارا، يرجون منهم المنفعة ويبتغون بهم العزة، ولو ظنوا أنه لا ضرر في ذلك لإخوانهم المؤمنين ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً﴾ السلطان بمعنى الحجّة والبرهان، أي أتريدون أن يكون لله عليكم حجة بيّنة يوم القيامة؟ لأن هذا عمل سافر من أعمال النفاق، انظر بهذا المعنى أيضا آيات: [آل عمران: ٣/ ٢٨، ١١٨] و [النساء: ٤/ ١٣٨ - ١٣٩] و [المائدة: ٥/ ٥١، ٥٧]، و [المجادلة: ٥٨/ ١٤] و [الحشر: ٥٩/ ١١] و [الممتحنة: ٦٠/ ١، ١٣]. ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ (١٤٥) ١٤٥ - ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ لأنهم أسوأ من الكفار، فقد جمعوا بين الكفر والنفاق ومخادعة الله والمؤمنين والاستهزاء بالإسلام، فهم أخس وأسفل النفوس.

стр. 380

﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاِعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ (١٤٦) ١٤٦ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ عن النفاق والغيبة والنميمة والكذب والافتراء والخيانة والمراءاة وتولي الكفار من دون المؤمنين، وفي الحديث: «ثلاث من كنّ فيه فهو منافق، وإن صام وصلّى وزعم أنه مسلم: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان»، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ سرائرهم، وقاموا بصالح الأعمال ﴿وَاِعْتَصَمُوا بِاللهِ﴾ أي تمسّكوا بهدي كتاب الله ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلّهِ﴾ فتكون أعمالهم خالصة لله وحده طلبا لمرضاته لا لمرضاة العباد ﴿فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي إذا قاموا بالشروط الأربعة المذكورة فيلحقهم تعالى بالمؤمنين ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾. ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكانَ اللهُ شاكِراً عَلِيماً﴾ (١٤٧) ١٤٧ - ﴿ما يَفْعَلُ اللهُ بِعَذابِكُمْ﴾ فليس هذا هو المقصود من خلق الإنسان ﴿إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ وهو الشكر بمعناه العام الذي يتبعه الإيمان، لأن من يشعر بوجوب الشكر على نعمة الوجود والحياة والروح لا بد أن يتوصل إلى نتيجة لازمة، وهي أن نعمة الحياة ليست مصادفة، وبالتالي أن الخلق ليس عبثا ﴿وَكانَ اللهُ شاكِراً﴾ موفيا أجوركم مثيبكم عليها ﴿عَلِيماً﴾ بحق شكركم وإيمانكم. ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾ (١٤٨) ١٤٨ - بعد أن ذكر تعالى مثالب المنافقين، أتبعه بإيضاح الجهر بالسوء في أمثالهم: ﴿لا يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاّ مَنْ ظُلِمَ﴾ أي إنه تعالى لا يحب إظهار فضائح وقبائح الناس، فلا يجوز إظهار الأحوال المستورة المكتومة، منعا لانتشار الرذائل والغيبة، ووقوع البعض في الريبة، إلا في حق من وضح ضرره واشتدّ كيده ومكره، فعندئذ يجوز إظهار فضائحه، لأن المظلوم في هذه الحالة لا

стр. 381

يكون فردا واحدا أو أفرادا بعينهم بل المجتمع بأسره إذا استمر في التستر عليه، وفي الحديث: «اذكروا الفاسق بما فيه كي تحذره الناس». ويحتمل المعنى: إلا جهر من وقع عليه الظلم لكي يدافع عن نفسه، والمعروف أن الجهر بالسوء يساعد على انتشاره بين الناس يقتدي بعضهم ببعض، والعوام تقلد الخواص، ويتجرأ الناس على ارتكاب الفواحش والمنكرات إن علموا أنّ لهم قدوة سابقة فيها، فيقل استبشاعها واستغرابها في النفوس ﴿وَكانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً﴾ فلا يجوز المبالغة في الجهر المسموح به (الرازي). ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً﴾ (١٤٩) ١٤٩ - ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً﴾ بعد أن بيّن تعالى أنه لا يحب الجهر بالسوء من القول بغير عذر الظلم، بيّن حكم إبداء الخير وإخفائه، وحكم العفو عن السوء، وهو أن فاعلي الخيرات قولا وعملا، جهرا أو سرّا، والعافين عن المسيئين إليهم، يجزيهم تعالى من جنس أعمالهم فيتجاوز عن سيئاتهم ويثيبهم على عمل الخير فهو تعالى عفوّ قدير. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ (١٥٠) ١٥٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ لأن إنكار الوحي الذي نزل على الأنبياء هو كفر بالله ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللهِ وَرُسُلِهِ﴾ يدّعون الإيمان بالله تعالى ويكفرون برسله وينكرون الوحي ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ كالمشار لهم بالآية (١٣٦)﴾، فاليهود يكفرون بالمسيح ومحمد ﵉، والمسيحية تكفر بمحمد ﷺ ﴿وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً﴾ أي يتخذون طريقا بين الإيمان بالله، والإيمان برسله، بفصل أحدهما عن الآخر، أو الإيمان ببعض الرسل دون غيرهم، فهم ينكرون أن النبوات قد نزلت على البشرية وتسلسلت بشكل منطقي حتى انتهت بخاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ ، وفي ذلك عودة إلى موضوع المنافقين والكافرين المشار لهما آنفا.

стр. 382

﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً﴾ (١٥١) ١٥١ - ﴿أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا﴾ وهم المفرّقون بين الله ورسله، اكتمل كفرهم بذلك إذ لا فرق بين من لا يؤمن بالله، أو يؤمن بالله ويكفر برسله، أو يؤمن بالله وبعض الرسل ويكفر بالرسل الآخرين ﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ﴾ من أمثالهم ﴿عَذاباً مُهِيناً﴾ لأن العقاب من جنس العمل. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ (١٥٢) ١٥٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ المؤمنون بالله ورسله دون التفريق بين أحد منهم، سوف يؤتيهم أجورهم على أعمالهم الصالحة، لأن الإيمان يجب أن يرافقه العمل، والمعنى أن أمثال هؤلاء المؤمنين لا تذهب أعمالهم هباء ﴿وَكانَ اللهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ لأمثال هؤلاء المؤمنين. ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً﴾ (١٥٣) ١٥٣ - ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ﴾ المشار إليهم آنفا أنهم يفرقون بين الرسل يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ﴿أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ﴾ وهم اليهود طلبوا من النبي ﷺ أن ينزّل عليهم كتابا من السماء يلمسونه بأيديهم، وهذا الطلب على سبيل التعنّت والتعجيز، لا طلبا للحجة والإقناع، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأنعام: ٦/ ٧]، وقد يكون أنهم طلبوا نزول الوحي عليهم مباشرة لاعتقادهم أن الوحي الإلهي حكر عليهم.

стр. 383

وإن تعجب أيها الرسول لطلبهم هذا: ﴿فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ﴾ لأنّ أجدادهم سألوا موسى أكبر من ذلك السؤال، ﴿فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ بسبب تكبّرهم وتعنتهم ظنّوا أن أبصارهم يمكن أن تحيط بالله، سبحانه وتعالى عمّا يصفون علوّا كبيرا، أنظر آية [البقرة: ٢/ ٥٥]، ﴿ثُمَّ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ معبودا، انظر آية [البقرة: ٢/ ٥١] ﴿مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ﴾ جاءتهم البينات كنزول الوحي على موسى، ونجاتهم من فرعون، وانفلاق البحر، وتظليل الغمام عليهم، ونزول المنّ والسلوى عليهم في سيناء ﴿فَعَفَوْنا عَنْ ذلِكَ﴾ فلم يستأصلهم تعالى بل أعطاهم المزيد من فرص التوبة ﴿وَآتَيْنا مُوسى سُلْطاناً مُبِيناً﴾ وبهذا السلطان نصره تعالى على كفارهم بالرغم من عنادهم وتعنتهم ومشاقتهم موسى ﵇. والمغزى أن ذرية أولئك المتعنتين يسيرون على خطى أجدادهم في الكفر ومشاقّة الرسل. ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ وَقُلْنا لَهُمُ اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ (١٥٤) ١٥٤ - ﴿وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ﴾ أي كان جبل طور سيناء شاهدا على ميثاقهم الذي قطعه نقباؤهم الذين اصطحبهم موسى إلى الطور ﴿وَقُلْنا لَهُمُ اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً﴾ كما ورد في آية [البقرة: ٢/ ٥٨]، أي ادخلوا فلسطين دخول التقاة المتواضعين، كما دخل النبي ﷺ مكة وقت الفتح، ولا تدخلوها دخول الطغاة المتجبرين ﴿وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ لا تعتدوا وتنتهكوا شريعة يوم السبت، انظر آية [البقرة: ٢/ ٦٥]، ﴿وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ ميثاقا مؤكدا غاية التوكيد، وهو المذكور بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً .. ﴾. [البقرة: ٢/ ٨٣].

стр. 384

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ (١٥٥) ١٥٥ - ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ أي بنتيجة نقضهم ميثاقهم المشار إليه آنفا استحقّ اليهود غضب الله، والميثاق مذكور تفصيله في آية [المائدة: ٥/ ١٢]، ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ وهذه سمة عامة في جميع المتعصبين، والمتحيزين، والذين توارثوا التقاليد والعادات، أنه مهما وضحت الحقيقة يقولون أن قلوبهم مغلقة عنها وليس لديهم أي استعداد للتفكير الموضوعي، لأن قلوبهم مشتملة على ما يكفيهم من العلم بزعمهم ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ﴾ الكفر يحجب الحقيقة عن صاحبه إذ يمنعه من التفكير الموضوعي، ويعمي بصيرته ﴿فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاّ قَلِيلاً﴾ قليلا ما يؤمنون بالصواب، لأنّ معتقداتهم متمحورة ومنغلقة حول أنفسهم، ويحتمل المعنى أيضا أنه لا يؤمن منهم بخاتم الأنبياء والرسل إلا القليل، فيظلّ الباقون منهم بانتظار غيره أبد الدهر، انظر آية [البقرة: ٢/ ٨٨]. ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً﴾ (١٥٦) ١٥٦ - ﴿وَبِكُفْرِهِمْ﴾ بعيسى ﵇، والمعنى أنهم استحقوا غضب الله بسبب كل ما ذكر في الآية السابقة، وأيضا بسبب كفرهم بعيسى ﵇ كما هو واضح من سياق الآية ﴿وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً﴾ بسبب قولهم على مريم بهتانا عظيما، لأنهم اتهموا مريم ﵍ بالفاحشة، والبهتان هو الباطل أو الكذب الذي لشدّته يصاب سامعه بالدهشة ويسكت متحيرا منه. ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اِتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧)﴾.

стр. 385

١٥٧ - ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ﴾ إتمام الخطاب من الآيات السابقة، والمعنى أنّ الله تعالى غضب عليهم ولعنهم لأنهم تفاخروا وزعموا أنهم قتلوا المسيح عيسى بن مريم، لأنه بزعمهم ادعى أنه رسول الله، فلم يؤمنوا به وحرّضوا الحاكم الروماني في فلسطين على قتله، وقد يكون المعنى أنهم تفاخروا بقتله مع أنه رسول الله، أو مع علمهم أنه رسول الله ﴿وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ﴾ نفي قاطع لقتل أو صلب المسيح ﵇ ﴿وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي خيّل لهم قتل المسيح واشتبه عليهم موضوع القتل ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اِتِّباعَ الظَّنِّ﴾ والاختلاف في قتل المسيح ﵇ واقع بين المسيحية أنفسهم لا يجمعون على خبر يقيني، فمنهم من يعتقد أن المصلوب كان شخصا غيره في الوقت الذي كان المسيح واقفا في مكان قريب يضحك من ضلالهم، ومنهم من يعتقد أن المصلوب كان عيسى نفسه غير أنه لم يمت على الصليب بل كان حيا حين أنزل منه، ومنهم من يقول إنه مات على الصليب غير أنه عاد إلى الحياة وتحدث إلى تلاميذه عدة مرات، وروايات عديدة أخرى ليس لهم بها من اليقين شيء، فهم يتّبعون الظن والتخمين ﴿وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً﴾ أي لم يقتلوه على وجه اليقين، والمعنى أنهم كانوا شاكّين فيما إن كانوا قتلوه أم لا؟ وفي فصل (الصلب) من كتاب (المسيحية والإسلام والاستشراق) للكاتب المزيد من التفصيل عن هذا الموضوع، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (١٥٨) ١٥٨ - ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي مستوفي أجلك في هذه الدنيا لأنّ أصل التوفي في اللغة هو أخذ الشيء وافيا، ثم استعمل بمعنى الموت، راجع تفسير [آل عمران: ٣/ ٥٥]، والرفع ذو معنيين فمن جهة هو تشريف الله للمسيح ﵇ برفعه إليه، ومن جهة ثانية أن كيد الماكرين الذين تآمروا على قتل المسيح لم يكن ذا بال لأنه تعالى رفعه إليه

стр. 386

فلم يحققوا مرادهم، قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٥٤]. ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ فمن عزته تعالى أنه رفع المسيح إليه فلم يقتلوه ولم يصلبوه، ومن حكمته أنه أحبط كيدهم. ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ (١٥٩) ١٥٩ - ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ كلّ واحد من أهل الكتاب من اليهود والنصارى عندما يدركه الموت، سيؤمن بعيسى ﵇، فاليهودي سيؤمن أن عيسى لم يكن مدّعيا أو كاذبا بل كان رسول الله حقا، والمسيحي سيؤمن به رسولا، وليس إلها أو ابن إله أو مصلوبا كما كانوا يزعمون في حياتهم، والمعنى من إخباره تعالى بذلك أن الإيمان عند معاينة الموت لا ينفع صاحبه، فالأولى أن يؤمن أهل الكتاب قبل موتهم (الزمخشري)، ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ يشهد عليهم المسيح يوم القيامة بالحقيقة، وبأنهم كذّبوه أو شوّهوا رسالته أو جعلوه مصلوبا أو إلها أو ابن إله. وفي حين أن مسألة الصلب بذاتها قد لا تكون بالأمر الذي يهتم القرآن الكريم بنفيه لولا أن المسيحية جعلتها أساس العقائد والدين، ثم إنه كبر عليهم نفي القرآن الكريم لقتل المسيح وصلبه، وهم لذلك يوردون الشبهات على القرآن والإسلام. ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً﴾ (١٦٠) ١٦٠ - ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً﴾ الواضح من سياق الآيات أن تحريم الطيبات لم يكن في أصل التوراة وإنما أحدثوه بعد تحريضهم على قتل المسيح ﵇، أي أنهم ظلموا أنفسهم بهذا التحريم وبصدّهم عن سبيل الله، وقد ذكر محمد أسد أيضا

стр. 387

أن تحريم الطيبات عليهم كناية عن وقوعهم تحت قهر الأمم وتشريدهم في الأرض، ومعاناتهم، بعد أن صدّوا عن سبيل الله كثيرا وقتلوا يحيى وتآمروا على قتل المسيح ﵉، كل ذلك من جملة غضبه تعالى عليهم، واللعنة التي حلّت بهم بسبب نقضهم الميثاق، وكفرهم، وقتلهم الأنبياء، وتفاخرهم بقتل المسيح ﵇. وقد ورد موضوع التحريم أيضا بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٤٦]، والذي يبدو من سياق هذه الآية أن التحريم المذكور في كتب اليهود فرضه الأحبار أنفسهم لأنهم كانوا ذوي نفوذ كبير على العوام، حتى أنّهم اتّخذوا لأنفسهم حق التشريع والتحليل والتحريم، واليهود يتّبعون أحبارهم فيما يدخلون على الكتب من أحكام وتشريعات حتى صارت عندهم بمنزلة الوحي، فالمغزى أنهمّ شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ أي إنّها كانت حلالا في الأصل فحرّمها أحبارهم، وقوله: ﴿جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ فالجزاء من سنن الله في خلقه، ومن يسلك طريق الضلال يقع في عاقبة عمله، وبما أنه تعالى قد سنّ قوانين الكون بأكمله فهو ينسب التحريم، وما يترتب عليه من معاناة، إلى ذاته العليّة. ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٦١) ١٦١ - ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ لأن كتبهم المحرّفة تسمح لهم بأخذ الربا من الأغيار - أي غير اليهود - وتنهى عن أخذ الربا من اليهود (سفر تثنية الإشتراع ٢٣/ ٢٠)، ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ﴾ بالخيانة والخداع والغش

стр. 388

﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ أي الذين كفروا بالرسل، وخاصة كفرهم بالمسيح والنبي عليهما الصلاة والسلام. ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ (١٦٢) ١٦٢ - ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ الذين لا يقتصر تديّنهم على المراسم الدينية والطقوس الخارجية، ولا يعتبرون دينهم مجرد جنسية تقليدا وتعصبا لآبائهم، بل يتعمقون في معنى الوحي لأنه أصل العلم، ويأخذون بالدلائل، ويتفكرون في مغزى الإيمان وجوهره ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إذ لا يمكن الفصل بين سلسلة الوحي التي نزلت على الأنبياء من بدايتها حتى اختتامها برسالة النبي ﷺ ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ خصّ تعالى منهم المقيمين الصلاة - والمقيمين مفعول به منصوب على الاختصاص أو على المدح - فيكون تقدير الآية: وأخص بالذكر منهم المقيمين الصلاة ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ في هذه الآية جرى تقديم الزكاة على الإيمان بالله واليوم الآخر لبيان أن العبرة بالدين هي بالعمل به، وليس الانتماء إليه فقط، لأن هذا هو مغزى الآية. ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ (١٦٣) ١٦٣ - ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أيها النبيّ ﴿كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ المغزى أن أمر النبي ﷺ كأمر سائر الأنبياء ﵈، وأن سلسلة الوحي التي بدأت بالنزول على البشر منذ القدم قد ختمت بالوحي المنزّل على النبي ﷺ ، فما وجه اعتراض الكفار على ذلك؟ والكلام متعلق بما ورد قبله بالآية

стр. 389

(١٥٠) بأن الكفار يفرّقون بين الله ورسله، ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ثم سألوا النبي ﷺ أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وقد بيّن تعالى أنهم سألوا موسى أكبر من ذلك، ثم نقضوا الميثاق، وكفروا بعيسى، وافتروا على أمه مريم، ثم تآمروا على قتله وصلبه، والخلاصة أن تصرفاتهم منشؤها الكفر والعناد والتعنت، وليس طلب الدلائل والإسترشاد والهداية ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ يعقوب هو ابن اسحق ابن ابراهيم ولقبه إسرائيل، وجاء من ذريته سائر أنبياء أهل الكتاب، ثم انتقلت النبوة إلى محمد ﷺ وهو من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، انظر تفسير آية [البقرة: / ١٢٢]، ﴿وَالْأَسْباطِ﴾ مفردها سبط بمعنى ولد الولد، وأسباط بني إسرائيل اثنا عشر، والمقصود أن الوحي نزل في الأنبياء الذين بعثوا فيهم، وليس أن الوحي نزل بالضرورة على كلّ من أولاد يعقوب خاصة، ومن الخطأ تخصيص لفظ الأسباط بأولاد يعقوب من صلبه فقط ﴿وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ الزبور في اللغة هو الكتاب، وفي الأصل كلّ كتاب زبور، ثم اختصّ هذا الاسم بكتاب داوود ﵇. ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ (١٦٤) ١٦٤ - ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي وأوحينا إلى رسل آخرين أخبرناك عنهم قبل هذه السورة ﴿وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ بعثناهم إلى سائر أنحاء الدنيا لا علم لك بهم ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ أي إنه تعالى اختصّ موسى بطريقة خاصة من الوحي، ولا نخوض في حقيقتها وطبيعتها، وهي كما قال تعالى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٤٢/ ٥١].

стр. 390

﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (١٦٥) ١٦٥ - ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ مبشّرين الناس بالنعيم المقيم في الحياة الآخرة لمن آمن منهم وعمل صالحا، ومنذرين الكفار والمجرمين بعذاب الآخرة ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ كي لا يدّعوا الجهل أو يقولوا إنهم كفروا لعدم وجود من ينقذهم من غفلتهم عن التفكر في الآيات الكونية والدلائل المؤدية للهداية، أو يدّعوا الانحراف عن الفطرة تقليدا لآبائهم ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ عزيزا في تطبيق أحكامه، حكمته بيّنة في الخلق. ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (١٦٦) ١٦٦ - ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ إن كان الكفار بعد كل هذه الدلائل المتقدمة لا يشهدون بما أنزل إليك من الوحي ولا يؤمنون به، فإن الله تعالى شاهد على ذلك، وشهادته تعالى من حيث إن القرآن عجز عن معارضته الأولون والآخرون بما تضمنه من الحكمة والبلاغة وعلوم الغيب والكون وعلوم الأنبياء والرسل، وكون الآيات والسور محكمة النظم مع أنها نزلت على مدى (٢٣) عاما بترتيب مختلف عن ترتيب المصحف ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ متضمنا من علمه ومن حكمته تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ بنزول الوحي الذي حملوه إلى الرسل ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ فأي شهادة أعظم مما ذكر، ونظيره قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٨]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً﴾ (١٦٧) ١٦٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على كفرهم، واستغرقوا فيه، وماتوا عليه ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ صدّوا عن الإيمان ببعثة النبي ﷺ ، وجحدوا بها
следующие страницы →