← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

فلم يحققوا مرادهم، قال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣/ ٥٤]. ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ فمن عزته تعالى أنه رفع المسيح إليه فلم يقتلوه ولم يصلبوه، ومن حكمته أنه أحبط كيدهم. ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ (١٥٩) ١٥٩ - ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ كلّ واحد من أهل الكتاب من اليهود والنصارى عندما يدركه الموت، سيؤمن بعيسى ﵇، فاليهودي سيؤمن أن عيسى لم يكن مدّعيا أو كاذبا بل كان رسول الله حقا، والمسيحي سيؤمن به رسولا، وليس إلها أو ابن إله أو مصلوبا كما كانوا يزعمون في حياتهم، والمعنى من إخباره تعالى بذلك أن الإيمان عند معاينة الموت لا ينفع صاحبه، فالأولى أن يؤمن أهل الكتاب قبل موتهم (الزمخشري)، ﴿وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً﴾ يشهد عليهم المسيح يوم القيامة بالحقيقة، وبأنهم كذّبوه أو شوّهوا رسالته أو جعلوه مصلوبا أو إلها أو ابن إله. وفي حين أن مسألة الصلب بذاتها قد لا تكون بالأمر الذي يهتم القرآن الكريم بنفيه لولا أن المسيحية جعلتها أساس العقائد والدين، ثم إنه كبر عليهم نفي القرآن الكريم لقتل المسيح وصلبه، وهم لذلك يوردون الشبهات على القرآن والإسلام. ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً﴾ (١٦٠) ١٦٠ - ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً﴾ الواضح من سياق الآيات أن تحريم الطيبات لم يكن في أصل التوراة وإنما أحدثوه بعد تحريضهم على قتل المسيح ﵇، أي أنهم ظلموا أنفسهم بهذا التحريم وبصدّهم عن سبيل الله، وقد ذكر محمد أسد أيضا

стр. 387

أن تحريم الطيبات عليهم كناية عن وقوعهم تحت قهر الأمم وتشريدهم في الأرض، ومعاناتهم، بعد أن صدّوا عن سبيل الله كثيرا وقتلوا يحيى وتآمروا على قتل المسيح ﵉، كل ذلك من جملة غضبه تعالى عليهم، واللعنة التي حلّت بهم بسبب نقضهم الميثاق، وكفرهم، وقتلهم الأنبياء، وتفاخرهم بقتل المسيح ﵇. وقد ورد موضوع التحريم أيضا بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٤٦]، والذي يبدو من سياق هذه الآية أن التحريم المذكور في كتب اليهود فرضه الأحبار أنفسهم لأنهم كانوا ذوي نفوذ كبير على العوام، حتى أنّهم اتّخذوا لأنفسهم حق التشريع والتحليل والتحريم، واليهود يتّبعون أحبارهم فيما يدخلون على الكتب من أحكام وتشريعات حتى صارت عندهم بمنزلة الوحي، فالمغزى أنهمّ شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ أي إنّها كانت حلالا في الأصل فحرّمها أحبارهم، وقوله: ﴿جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ فالجزاء من سنن الله في خلقه، ومن يسلك طريق الضلال يقع في عاقبة عمله، وبما أنه تعالى قد سنّ قوانين الكون بأكمله فهو ينسب التحريم، وما يترتب عليه من معاناة، إلى ذاته العليّة. ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ (١٦١) ١٦١ - ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ لأن كتبهم المحرّفة تسمح لهم بأخذ الربا من الأغيار - أي غير اليهود - وتنهى عن أخذ الربا من اليهود (سفر تثنية الإشتراع ٢٣/ ٢٠)، ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ﴾ بالخيانة والخداع والغش

стр. 388

﴿وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ أي الذين كفروا بالرسل، وخاصة كفرهم بالمسيح والنبي عليهما الصلاة والسلام. ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ (١٦٢) ١٦٢ - ﴿لكِنِ الرّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ الذين لا يقتصر تديّنهم على المراسم الدينية والطقوس الخارجية، ولا يعتبرون دينهم مجرد جنسية تقليدا وتعصبا لآبائهم، بل يتعمقون في معنى الوحي لأنه أصل العلم، ويأخذون بالدلائل، ويتفكرون في مغزى الإيمان وجوهره ﴿يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إذ لا يمكن الفصل بين سلسلة الوحي التي نزلت على الأنبياء من بدايتها حتى اختتامها برسالة النبي ﷺ ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ خصّ تعالى منهم المقيمين الصلاة - والمقيمين مفعول به منصوب على الاختصاص أو على المدح - فيكون تقدير الآية: وأخص بالذكر منهم المقيمين الصلاة ﴿وَالْمُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أُولئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً﴾ في هذه الآية جرى تقديم الزكاة على الإيمان بالله واليوم الآخر لبيان أن العبرة بالدين هي بالعمل به، وليس الانتماء إليه فقط، لأن هذا هو مغزى الآية. ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ (١٦٣) ١٦٣ - ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ﴾ أيها النبيّ ﴿كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ المغزى أن أمر النبي ﷺ كأمر سائر الأنبياء ﵈، وأن سلسلة الوحي التي بدأت بالنزول على البشر منذ القدم قد ختمت بالوحي المنزّل على النبي ﷺ ، فما وجه اعتراض الكفار على ذلك؟ والكلام متعلق بما ورد قبله بالآية

стр. 389

(١٥٠) بأن الكفار يفرّقون بين الله ورسله، ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ثم سألوا النبي ﷺ أن ينزل عليهم كتابا من السماء، وقد بيّن تعالى أنهم سألوا موسى أكبر من ذلك، ثم نقضوا الميثاق، وكفروا بعيسى، وافتروا على أمه مريم، ثم تآمروا على قتله وصلبه، والخلاصة أن تصرفاتهم منشؤها الكفر والعناد والتعنت، وليس طلب الدلائل والإسترشاد والهداية ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ يعقوب هو ابن اسحق ابن ابراهيم ولقبه إسرائيل، وجاء من ذريته سائر أنبياء أهل الكتاب، ثم انتقلت النبوة إلى محمد ﷺ وهو من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، انظر تفسير آية [البقرة: / ١٢٢]، ﴿وَالْأَسْباطِ﴾ مفردها سبط بمعنى ولد الولد، وأسباط بني إسرائيل اثنا عشر، والمقصود أن الوحي نزل في الأنبياء الذين بعثوا فيهم، وليس أن الوحي نزل بالضرورة على كلّ من أولاد يعقوب خاصة، ومن الخطأ تخصيص لفظ الأسباط بأولاد يعقوب من صلبه فقط ﴿وَعِيسى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهارُونَ وَسُلَيْمانَ وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ الزبور في اللغة هو الكتاب، وفي الأصل كلّ كتاب زبور، ثم اختصّ هذا الاسم بكتاب داوود ﵇. ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ (١٦٤) ١٦٤ - ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي وأوحينا إلى رسل آخرين أخبرناك عنهم قبل هذه السورة ﴿وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ بعثناهم إلى سائر أنحاء الدنيا لا علم لك بهم ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ أي إنه تعالى اختصّ موسى بطريقة خاصة من الوحي، ولا نخوض في حقيقتها وطبيعتها، وهي كما قال تعالى: ﴿وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٤٢/ ٥١].

стр. 390

﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ (١٦٥) ١٦٥ - ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ مبشّرين الناس بالنعيم المقيم في الحياة الآخرة لمن آمن منهم وعمل صالحا، ومنذرين الكفار والمجرمين بعذاب الآخرة ﴿لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ كي لا يدّعوا الجهل أو يقولوا إنهم كفروا لعدم وجود من ينقذهم من غفلتهم عن التفكر في الآيات الكونية والدلائل المؤدية للهداية، أو يدّعوا الانحراف عن الفطرة تقليدا لآبائهم ﴿وَكانَ اللهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ عزيزا في تطبيق أحكامه، حكمته بيّنة في الخلق. ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ (١٦٦) ١٦٦ - ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾ إن كان الكفار بعد كل هذه الدلائل المتقدمة لا يشهدون بما أنزل إليك من الوحي ولا يؤمنون به، فإن الله تعالى شاهد على ذلك، وشهادته تعالى من حيث إن القرآن عجز عن معارضته الأولون والآخرون بما تضمنه من الحكمة والبلاغة وعلوم الغيب والكون وعلوم الأنبياء والرسل، وكون الآيات والسور محكمة النظم مع أنها نزلت على مدى (٢٣) عاما بترتيب مختلف عن ترتيب المصحف ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ متضمنا من علمه ومن حكمته تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ بنزول الوحي الذي حملوه إلى الرسل ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ فأي شهادة أعظم مما ذكر، ونظيره قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٨]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً﴾ (١٦٧) ١٦٧ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأصرّوا على كفرهم، واستغرقوا فيه، وماتوا عليه ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ صدّوا عن الإيمان ببعثة النبي ﷺ ، وجحدوا بها

стр. 391

لاعتقادهم أن النبوة لا تكون إلاّ في ذرية بني إسرائيل وأن الرسالات السابقة لا يمكن أن تنسخ ﴿قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً﴾ لأن أشد الناس ضلالا من يكون ضالاّ ويعتقد أنه على حق، ويحاول إلقاء غيره في مثل ضلاله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً﴾ (١٦٨) ١٦٨ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا﴾ كفروا بعثة النبي ﷺ ، وظلموا أنفسهم وغيرهم بضلالهم وإضلالهم ﴿لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً﴾ لأنهم ساروا على طريق الضلال بمحض اختيارهم وإصرارهم، فمن يسير على طريق يصل إلى منتهاه، والمعنى أن انتظار المغفرة من قبل هؤلاء كانتظار النقيض من النقيض، والضد من الضد، أو انتظار إبدال نظام العالم وسنته تعالى وحكمته في خلقه. ﴿إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ (١٦٩) ١٦٩ - ﴿إِلاّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ وهي منتهى طريق الضلال والإضلال ﴿وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً﴾ فلا يستعصي على قدرته تعالى وهو مقتضى حكمته وسنته. ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ (١٧٠) ١٧٠ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ خطاب إلى الناس كافة ﴿قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الرسول مع أل التعريف هو النبي محمد ﷺ بالذات، جاءهم بالحق وهو القرآن الكريم، وهو النبي الموعود والمذكور صراحة في كتب اليهود والنصارى، وقد كانوا بانتظاره فلما جاءهم من ذرية إسماعيل رفضوه ﴿فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ لأن خير الإيمان يعود على صاحبه في الدنيا والآخرة، وأنّ الله تعالى غنيّ عن عباده وعن العالمين ﴿وَكانَ اللهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ عليما محيطا بشؤون عباده من المؤمنين والكفار لا يخفى عليه شيء من إيمانهم وكفرهم، حكيما في عاقبة أعمالهم وفي سننه فيهم.

стр. 392

﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ (١٧١) ١٧١ - ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾ المقصود بهم النصارى بدليل تتمة الآية ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ أي لا تفرطوا في تعظيم المسيح ورفعه إلى درجة الألوهية، فاليهود من جهة كفروا بالمسيح، والمسيحية من جهة ثانية جعلوا منه إلها، وكلا النقيضين كفر، وهذا الغلوّ في الدين أدخله في دين النصارى بولس أولا، والمجمعات الكنسية ثانيا، ابتداء من مجمع نيقية الذي انعقد عام ٣٢٥ برعاية قسطنطين الكبير إمبراطور بيزنطة، انظر تفسير آيات [آل عمران: ٣/ ٣] و [المائدة: ٥/ ١٣ - ١٤، ٤٧]، ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ لا تدّعوا أنّه حلّ في جسد بشر، ولا أن له ولدا أو شريكا، سبحانه وتعالى عما يصفون علوّا كبيرا ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللهِ﴾ بعثه تعالى إلى بني إسرائيل لينقذهم من الأوهام والخرافات والضلالات التي أضافها أحبارهم إلى رسالة موسى وجعلوها في كتبهم، حتى صار دينهم مجرد عصبية وجنسية، كما بعثه تعالى كي ينهاهم عن عبادة الجبت والطاغوت والمادة، ويبشرهم بقدوم خاتم الأنبياء والرسل، لقوله: ﴿وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اِسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦١/ ٦]. ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ﴾ هو مصداق كلمته، وتحقيق وعده تعالى إلى مريم، والكلمة هي البشارة بميلاد عيسى، انظر آيات [مريم: ١٩/ ١٩] و [آل عمران: ٣/ ٤٥]، ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ المسيح مثل سائر البشر خلق بنفخة الروح أو بروح من الله، لقوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ * ثُمَّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة: ٣٢/ ٧ - ٩]. ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ لأن عيسى ابن مريم رسول من رسل الله ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ لا تقولوا أيها النصارى: آلهتنا ثلاثة، وهو مذهب التثليث المعروف عندهم، وهم يدّعون الجمع بين التثليث والتوحيد في

стр. 393

آن واحد، وهو تناقض يستحيل على العقول والأفهام ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ أي تنزّه تعالى عن مشابهة البشر في أن يكون له ولد، وفي كتب اليهود تكرر استخدام تعبير ابن الله بالمعنى المجازي، كما يقال الخلق كلهم عيال الله، ولكن النصارى أساؤوا استخدام التعبير، ولذلك أدانه القرآن الكريم ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ والمسيح من جملتها ﴿وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً﴾ أي به الكفاية لمن عرفه، وعرف سننه في خلقه، ووكّل إليه أمره. ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾ (١٧٢) ١٧٢ - ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ يستنكف أي يمتنع أنفة، والمعنى أن الملائكة المقرّبين لا يمتنعون أن يكونوا عبيدا لله، فكيف بالمسيح ابن مريم؟ ﴿وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعاً﴾ جميع الخلق محشورون إليه تعالى في كل الأحوال، فيجازي كلاّ بعمله. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اِسْتَنْكَفُوا وَاِسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ (١٧٣) ١٧٣ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ على إيمانهم وقيامهم بصالح الأعمال ﴿وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ أضعافا مضاعفة فوق ما يستحقون ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ اِسْتَنْكَفُوا وَاِسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ المعنى أنه تعالى يجازي المحسن بالعدل والفضل، وأما المسيء فيجازيه بالعدل فقط لأن رحمته تعالى سبقت غضبه ﴿وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً﴾ لا يجدون من يتولّى أمورهم يوم القيامة غيره تعالى، ولا نصيرا يدفع عنهم العذاب.

стр. 394

﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ (١٧٤) ١٧٤ - ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهي دلائل العقل والآيات الكونية، وقد تكون الفطرة السليمة، وقيل البرهان هو النبي ﷺ ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً﴾ وهو القرآن الكريم، لأنه ينير طريق الحق، وفيه بيان الأحكام والحقيقة. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاِعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ (١٧٥) ١٧٥ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاِعْتَصَمُوا بِهِ﴾ آمنوا بالله، وتمسّكوا بالقرآن، لأنه يعصمهم ويحفظهم ﴿فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ﴾ ينالون ثواب الله برحمة منه، ويزيدهم من فضله ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً﴾ أي يوفقهم ويثبتهم على طريق الإسلام. ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ فَإِنْ كانَتَا اِثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٧٦) ١٧٦ - هذه الآية تختم تشريع المواريث الذي سبق أن ورد في أوائل السورة، ويلاحظ فيها انتقال - في ظاهره مفاجيء - من آيات الإيمان، والكفر، والأنبياء، إلى موضوع من صميم التشريع الإجتماعي، وذلك انسجاما مع أسلوب القرآن الكريم الذي يتعمّد ربط آيات التشريع الاجتماعي والتطبيق الحياتي، مع آيات التوحيد والإيمان والأخلاق، والسبب أنّ حياة الإنسان وحدة متكاملة لا يمكن فصل النواحي الروحية فيها عن النواحي الحياتية المعيشية سواء للفرد أو المجتمع، فيلزم لذلك اعتبار كلا الناحيتين في آن واحد: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ الكلالة اسم قد يطلق على الورثة أو على المورّث، فمن جهة: الكلالة هم ذوو القربى المحيطون بالميت من غير

стр. 395

الأصول والفروع، فهم كالإكليل المحيط بالرأس، ومن جهة ثانية: الكلالة هو المورّث الذي ليس له ولد ولا والد، لأن الأخوة والأخوات لا يرثون في حال وجود أولاد للميت، أو وجود الوالد، والخطاب في هذه الآية عن الأخوة والأخوات من أب: ﴿إِنِ اِمْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ولا والد، والآية لم تذكر الوالد من قبيل الإيجاز البليغ، لأنه كتحصيل الحاصل، ولأن الأخوة والأخوات لا يرثون بوجود الوالد بالإجماع، وقد سبق بيان ذلك في الآية (١٢)، ولم تشترط الآية عدم وجود زوج، أو زوجة، لأن العرب تطلق الكلالة على النسب دون الصهر، ولأن الزوج، أو الزوجة، يرث كالأصول والفروع ﴿وَلَهُ أُخْتٌ﴾ واحدة من أب، شقيقة كانت أم لا ﴿فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ والشرط أن لا يكون للميت ابن ذكر، أمّا إن كان له بنت فتستحق النصف كما ورد في الآية (١١)، ويكون النصف الثاني للأخت ﴿وَهُوَ يَرِثُها إِنْ لَمْ يَكُنْ لَها وَلَدٌ﴾ أي إن لم يكن لها ولد ذكر ولا والد، فيرث الأخ كامل ميراث الأخت، أما إن كان لها بنت فتستحق نصيبها ولا تحجب الأخ ﴿فَإِنْ كانَتَا اِثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثانِ مِمّا تَرَكَ﴾ بالتساوي، وإن اختلفتا كان للشقيقة النصف، والتي للأب فقط السدس تكملة الثلثين، والباقي لمن يوجد من العصبة، إن لم يكن هنالك أحد من أصحاب الفروض كالزوجة، وإلاّ استحق كلّ ذي فرض فرضه أوّلا ﴿وَإِنْ كانُوا إِخْوَةً رِجالاً وَنِساءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إلاّ الأخوة لأم فقط، فهم شركاء في ثلث أمهم بالتساوي، لأنهم حلّوا محلّها (الآية ١٢)، ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي يبيّن الله لكم الأحكام كراهة أن تضلّوا عن الطريق السوي ﴿وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فهو تعالى عليم بمصالح عباده في الحياة والممات. ***

стр. 396

سورة المائدة - ٥ - مدنية مقدمة اشتق اسم هذه السورة من الآية (١١٢) التي تذكر طلب الحواريين من عيسى المسيح ﵇ تنزيل مائدة عليهم من السماء، وكما هي الحال في باقي سور القرآن الكريم فإن اسم السورة لا يمثل بالضرورة موضوعها الرئيسي، وإنما هو مجرد عنوان أو إشارة للسورة، والجمهور على أنها نزلت في العام العاشر من الهجرة خلال فترة حجة الوداع، وأنها من آخر ما نزل من القرآن الكريم. ارتباط السورة بما قبلها تبين هذه السورة الكثير من الأحكام الشرعية المتممة لما سبق نزوله في سور (البقرة - آل عمران - النساء)، كما تبحث مزيدا من أحوال أهل الكتاب من اليهود والنصارى وموقف الإسلام منهم، وفي ترتيب السورة القرآني - التوقيفي - على هذا النحو ما فيه من إعجاز القرآن بالنظر لاستكمال سورة المائدة لمواضيع سور (البقرة - آل عمران - النساء) المتقدمة، مع أنها نزلت بعدها بحوالي سبع إلى ثماني سنوات. فبعد أن ختمت سورة النساء ببيان حكم إرث الكلالة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ [النساء: ٤/ ١٧٦]، تفتتح سورة المائدة بالأمر بالوفاء بالعقود: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ٥/ ١] لأنّ من العقود ما يتضمن إقرار العباد بعبوديتهم لله تعالى والعمل بشرعه كما في آية [المائدة: ٥/ ٧]، غير أن

стр. 397

اليهود ينقضون المواثيق ولا يوفون بالعقود، لا الإلهية منها ولا مع الناس، كما سيرد: ففي سورة النساء أن اليهود يعصون الشرائع: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا﴾ [النساء: ٤/ ٤٦]، وفي سورة المائدة - كما في آية [النساء: ٤/ ١٥٥]- أنهم ينقضون المواثيق ويخونون العهد: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٥/ ١٣]. وفي سورة النساء أن لم يتبقّ لدى أهل الكتاب سوى نصيب - أي جزء - من الوحي الصحيح ومع ذلك هم مصرّون على الضلال والإضلال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤/ ٤٤]، وفي سورة المائدة بيان لهم بما يخفون من الكتاب: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: ٥/ ١٥]. وفي سورة النساء أن غلوّ النصارى أدّى بهم إلى تأليه المسيح: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ٤/ ١٧١]، وفي سورة المائدة أن ذلك كفر: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٥/ ١٧]. وفي سورة النساء أن اليهود بالغوا في معاندة موسى: ﴿يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ٤/ ١٥٣]، وفي سورة المائدة أنهم قالوا له: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٥/ ٢٤]. وفي سورة النساء أن اليهود أمروا بدخول الباب سجّدا أي متواضعين: ﴿وَقُلْنا لَهُمُ اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً﴾ [النساء: ٤/ ١٥٤]، وفي سورة المائدة أن المقصود

стр. 398

دخول الأرض المقدسة: ﴿يا قَوْمِ اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥/ ٢١]. وفي سورة النساء إنذار اليهود بسوء عاقبتهم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنّا أَصْحابَ السَّبْتِ وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾ [النساء: ٤/ ٤٧]، وفي سورة المائدة بيان لمآلهم: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٥/ ٣٣]، وأيضا: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٥/ ٦٠]. وفي سورة النساء زعم اليهود أن الكفار أهدى من المؤمنين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ [النساء: ٤/ ٥١]، وفي سورة المائدة أن اليهود سمّاعون لأجل الكذب: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ [المائدة: ٥/ ٤١]. وفي سورة النساء أن أهل الكتاب جاهدون في إضلال المسلمين: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [النساء: ٤/ ٤٤]، وفي سورة المائدة نهي صريح عن اتخاذهم أولياء: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥/ ٥١]، أنظر أيضا [المائدة: ٥/ ٥٧]. وفي سورة النساء أن غلوّ النصارى أدى بهم إلى الاعتقاد بالتثليث: ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ [النساء: ٤/ ١٧١]، ثم في سورة

стр. 399

المائدة أن القول بالتثليث كفر: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [المائدة: ٥/ ٧٣]، ونهي لهم عن الغلو: ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٥/ ٧٧]. محور سورة المائدة يدور محور السورة حول المواضيع التالية بالترتيب: ١ - الآيات (١ - ١١) في العقود، ومن ذلك بيان المحرّمات والطيبات، وأحكام الوضوء والصلاة، والشهادة. ٢ - الآيات (١٢ - ٨٦) في أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ودحض عقائدهم، لكونهم أضاعوا - نسوا - جزءا كبيرا من كتبهم، وتبين الآيات ضلال اليهود عن رسالة موسى وتمردهم، وإفسادهم في الأرض وما يترتب عليهم جزاء محاربتهم الله ورسوله، وسوء سرائرهم، ورفضهم إنجيل عيسى، وأن القرآن الكريم مهيمن على ما تبقى من كتب اليهود والنصارى بحيث أصبح معيارا لمعرفة الغث من السمين منها، الآية (٤٨)، لذا تنهى السورة المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، وتفصّل في ضلال اليهود والنصارى وتبين كفرهم، لكنّ المؤمنين منهم دخلوا الإسلام. ٣ - الآيات (٨٧ - ١٠٨) عودة الخطاب إلى أول السورة في العقود، وحكم اللغو في الأيمان، وحكم الأيمان المعقدة، وتحريم الخمر، وحكم الصيد في الحرم، والنهي عن التنطع في سؤال ما عفت عنه الشريعة، وتوجب الوصية وشهادتها، ٤ - الآيات (١٠٩ - ١٢٠) ختام السورة في عيسى المسيح، وإيمان الحواريين والنصارى به، في حين ضلّت المسيحية عنه وجعلته وأمّه إلهين. وتبلغ السورة أوجها بأن القرآن الكريم يصدّق فقط ما تبقى بين يديه من الوحي الصحيح في كتب اليهود والنصارى، ويغربل الصحيح منها من الزائف:

стр. 400

﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٥/ ٤٨]. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ (١) ١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ أمر تعالى بالوفاء بجميع العقود إطلاقا، ومن العقود ما يتضمن إقرار العباد بعبوديتهم لله تعالى كما في آية [الأعراف: ٧/ ١٧٢]، والخطاب من الآية (١) حتى الآية (٧) في العقود التي أوجبها تعالى على المؤمنين وختمها بتذكيرهم بالميثاق، الآية (٧)، ومن العقود أيضا التي يتعاقد عليها العباد فيما بينهم في جميع معاملاتهم الدنيوية المدنية والشخصية، وإطلاق كلمة العقود يعتبر كل عقد بين الناس جائزا ويجب الوفاء به، ما دام لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، وفيما عدا ذلك فقد أو كل تعالى تفصيل العقود بين الناس إلى عرفهم ومصالحهم التي تختلف باختلاف الأحوال دون تقييد، وهذه قاعدة عظيمة من قواعد الشرع الإسلامي، لأنه بنتيجتها تنتظم المجتمعات، وتزدهر الأحوال المعيشية والاقتصادية ويستتب الأمن، ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ﴾ الأنعام هي الضأن والماعز والإبل والبقر، انظر آية [الأنعام: ٦/ ١٤٣ - ١٤٤]، وبهيمة الأنعام ذات معنى أوسع من الحيوانات الأهلية فقط، فهي تشمل حيوانات البر المشابهة لها، كحيوانات الرعي غير ذات الأنياب، التي تعيش على النباتات ولا تأكل اللحوم، ومن ثمّ فإن لحوم الحيوانات التي من أكلة اللحوم، وكذا الطيور الجوارح، تعتبر محرّمة ﴿إِلاّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ إلاّ ما يتلى عليكم تحريمه، كما سيرد في الآية (٣)﴾، ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ حرّم تعالى الصيد على المحرمين بالحج أو العمرة أو كليهما،

стр. 401

كما حرّم الصيد لمن كان داخلا في أرض الحرم ولو لم يكن محرما ﴿إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ ما يراه صالحا للعباد، بحسب علمه المحيط، وحكمته البالغة. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٢) ٢ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ﴾ لا تجعلوها حلالا، والشعائر جمع شعيرة وهي ما جعل شعارا ومعلما لمناسك الحج والدين والفرائض ﴿وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ﴾ لا تجعلوه حلالا، وهو شهر الحج، وقيل الشهر الحرام اسم جنس للشهور الحرم الأربعة، ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب، أنظر آية [التوبة: ٩/ ٣٦]، ﴿وَلا الْهَدْيَ﴾ وهي الأضاحي التي تهدى إلى بيت الله الحرام، لا تتعرضوا لها ﴿وَلا الْقَلائِدَ﴾ مفردها قلادة، وكانوا يعلقونها في عنق الناقة أو البقرة أو الشاة، علامة على أنها هدي لبيت الله، كي لا يتعرض لها أحد حتى تبلغ البيت الحرام، والمعنى لا تنزعوا هذه القلائد من رقاب الهدي، كي لا يتعرض لها أحد بسبب الجهل أو بالغصب أو السرقة أو الحبس ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ﴾ ولا تحلّوا قتال قاصدي البيت الحرام للعمرة أو الحج، ولا تتعرضوا لهم، ولا تمنعوهم من قصدهم، ولا تقطعوا الطرق عليهم ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً﴾ أي هؤلاء القاصدين البيت الحرام يبتغون الفضل من ربهم وهو الثواب، وقيل الفضل هو التجارة المباحة لهم في الحج والعمرة، كما يبتغون رضا الله بحجهم أو عمرتهم ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا﴾ يباح لكم الصيد خارج الحرم بعد حلّكم من الإحرام ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ الشنآن هو البغض، وجرم أي اكتسب جرما، والمعنى لا يكون بغضكم لقوم منعوكم أو يمنعونكم من الوصول إلى المسجد الحرام، لا يكون سببا لأن تعتدوا فتكسبوا جرما، والمنع من الوصول إلى المسجد الحرام قد

стр. 402

يشمل في معناه الواسع منع المسلم من ممارسة واجباته الدينية وفرائضه الإسلامية وشعائره، فلا يجب أن يكون ذلك سببا للمسلم أن يعتدي ويتجاوز الحدّ، لأن الباطل لا يبرر العدوان ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ البرّ هو ما ثبت في القلوب من الإيمان، وما يظهر من أثره في العمل، واتقاء ما يضر صاحبه في الدين والدنيا، وليس مجرّد الصلاة من دون عمل، انظر آية [البقرة: ٢/ ١٧٧]، ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ أي اتقوا الله باتباع ما أمركم به وترك ما نهاكم عنه، لأن من سننه تعالى في خلقه أنّ من يخالف ذلك يقع في العقاب الشديد. ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاِخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) ٣ - في هذه الآية بيان للمحرمات من البهائم المشار إليها في الآية الأولى، وفيها تفصيل ما ورد تحريمه في آيات [البقرة: ٢/ ١٧٣] و [الأنعام: ٦/ ١٤٥] و [النحل: ١٦/ ١١٥]، والمحرّمات أربعة بالإجمال، وعشرة بالتفصيل، كما يلي: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أي البهيمة التي ماتت حتف أنفها ﴿وَالدَّمُ﴾ وهو الدم المسفوح وإن كان جامدا لقوله تعالى: ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ [الأنعام: ٦/ ١٤٥]، ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ هذه الأصناف الثلاثة حرّمت لأسباب صحيحة، ﴿وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ محرّم أكله لأسباب دينية، والمقصود تحريم ذكر اسم غير الله على الذبيحة كقولهم باسم اللات والعزّى وما شابه.

стр. 403

﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ البهيمة التي ماتت خنقا ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ التي ماتت ضربا أو بضربة ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ التي تموت نتيجة سقوطها من مكان مرتفع أو غير مرتفع ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ التي نطحتها بهيمة أخرى فماتت ﴿وَما أَكَلَ السَّبُعُ﴾ التي افترسها الوحش، كلها محرمة لأسباب صحية ﴿إِلاّ ما ذَكَّيْتُمْ﴾ ما أدركتم بالذبح قبل أن يفارق الحياة من أصناف المنخنقة والموقوذة والمتردّية والنطيحة وما أكل السبع. ﴿وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ ما يذبح تقربا للأوثان وأشباهها، محرمة لأسباب دينية، والنصب والأنصاب حجارة أو أوثان كانوا يذبحون عليها تقرّبا لأصنامهم وآلهتهم بزعمهم. ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ﴾ وهي محاولة معرفة ما قسم لهم من الغيب عن طريق السهام كالقرعة، وهي كناية عن كل محاولة لمعرفة المستقبل ﴿ذلِكُمْ فِسْقٌ﴾ خروج عن طاعة الله، ﴿الْيَوْمَ﴾ يوم عرفة من حجة الوداع بالسنة العاشرة من الهجرة ﴿يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ يئسوا من ردّكم عن دينكم بعد أن تمكّن الإسلام في نفوسكم واكتملت الرسالة ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ في اتباع دينكم، ولا تمالئوهم وتتزلفوا إليهم ﴿وَاِخْشَوْنِ﴾ بإتباع الإسلام ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فلم ينزل بعد هذه الآية تشريع من حلال أو حرام ﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً﴾ قيل إن رسول الله ﷺ لم يعمّر بعد هذه الآية إلاّ واحدا وثمانين يوما، وقيل إثنين وثمانين يوما، والآية أيضا من قبيل الإخبار بالغيب بقرب وفاته ﷺ ﴿فَمَنِ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ أي من اضطر في المجاعة أو ظروف قاهرة لأكل بعض هذه المحرّمات المذكورة ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ﴾ غير مائل لأكلها ولا متعمّد ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الله تعالى يغفر أكل المحرّمات عند الضرورة، ومنه قال الفقهاء: الضرورات تبيح المحظورات.

стр. 404

﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاُذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْهِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ (٤) ٤ - ﴿يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ المعنى أن ما نصّ القرآن على تحريمه لا يندرج تحت صنف الطيبات، لأنّ المحرّمات، من أشياء وأفعال، تضر بالإنسان جسديا ومعنويا واجتماعيا، والنقطة الثانية أنّ ما لم ينصّ على تحريمه فهو حلال، وذلك واضح من صيغة الحصر في آيات [البقرة: ٢/ ١٧٣] و [الأنعام: ٦/ ١٤٥] و [النحل: ١٦/ ١١٥]، ﴿وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ﴾ عطف على الطيبات، أي وأحلّ لكم أكل ما تصطاده لكم الجوارح المدرّبة ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ أي كونكم مكلّبين لها، ومفردها مكلّب وهو الذي يدرّب الجوارح على الصيد، واشتقت من الكلب لأنّ أكثر ما يكون التدريب على الصيد في الكلاب ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللهُ﴾ تعلّمون الجوارح، مثل العقاب والباز وغيرها، من التدريب على الصيد، ولأنّ أصل العلم كله من الله ﴿فَكُلُوا مِمّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ المعنى كلوا ما تصيده الجوارح لأجلكم، ما لم تأكل منه، وهو معنى تمسك الصيد عليكم، أي تجعله موقوفا لكم ﴿وَاُذْكُرُوا اِسْمَ اللهِ عَلَيْهِ﴾ عند الأكل أو عند الذبح أو عند الصيد ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ باتباع أوامره والاكتفاء بالطيبات التي أحلّت لكم، واجتناب ما حرّم عليكم ﴿إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسابِ﴾ يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد، وقد يرى الإنسان عاقبة عمله في الدنيا، وإن لم يكن فالآخرة قريبة، والموت أقرب بعيد، فسرعان ما يحين الأجل والحساب. ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥)﴾.

стр. 405

٥ - ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ أي الأصل في الأمور الحلّ، وكلّ ما نصّ القرآن على تحريمه لا يندرج تحت صنف الطيبات ﴿وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ المحصنات بمعنى العفيفات منهنّ، راجع شرح آية [النساء: ٤/ ٢٥]، وقد ورد في تفسير المنار أنّ الحكمة في تحليل مؤاكلة أهل الكتاب وتحليل الزواج من نسائهم هي تألف قلوبهم ولتعريفهم بحقيقة الإسلام فيكون ذلك سببا في انتشاره بين أهل المرأة، أما من يتزوج الكتابية وهو يرى نفسه دونها ويحرص على تقليد قومها من النصارى، ويسمح لها بتنصير أولاده، فليس له من الإسلام إلا الجنسية، ويكون قد خالف الغرض الذي هدف إليه الشارع من تحليل نكاح الكتابيات، وقد حذّر الشيخ محمد رشيد رضا من التزوج بالكتابية إذا خاف الرجل أن تجذبه المرأة إلى دينها بسبب علمها وجمالها، أو بسبب جهله وضعف أخلاقه. وأما مؤاكلة أهل الكتاب فهي بالطبع لا تشمل أكل المحرمات المذكورة في الآية (٣)، علما أن هذه المحرّمات محرّمة أيضا في الشريعة الموسوية، وأن بعثة عيسى المسيح لم تنقض شريعة موسى ﵉، ولم تغير منها شيئا لقول المسيح ﵇ أنه لم يأت لنقض الشريعة بل لإكمالها (سفر متّى ٥/ ١٧)، ولا يوجد في الأسفار المسيحية ما يدلّ أن المسيح ألغى تلك المحرّمات. وأما الحكمة من السماح للمسلم بتزوج الكتابية في الوقت الذي تمنع المسلمة من التزوج بالكتابي فلأن المسلم يؤمن بجميع الأنبياء والرسل في حين أن النصارى لا يؤمنون بمحمد، واليهود لا يؤمنون بمحمد وعيسى معا، ففي بيت الزوجية يكون احترام جميع الأنبياء مؤكدا إذا كان الزوج مسلما، وفي ذلك ضمان لتماسك الزواج واحترام شعور المرأة، وليست الحال كذلك إذا كان الزوج غير مسلم ﴿إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي مهورهنّ، وهو شرط وجوب

стр. 406

المهر لصحة الزواج ﴿مُحْصِنِينَ﴾ عفيفين متزوّجين ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ وهو الزنا المعلن ﴿وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ﴾ الزنا سرا، كلاهما محرّمان ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ تذهب أعماله الصالحة هباء إن رفض الإيمان بحلّ ما أحلّه الله وتحريم ما حرّمه ﴿وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ يخسر نفسه، لقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ٢٠]. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَاِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٦) ٦ - تتمة الخطاب من الآية (١)﴾ في العقود التي تلزم المسلم: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ أي إذا أردتم أداء الصلاة ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَاِمْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ وهو الوضوء فصّلته السنّة الشريفة ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ أي اغتسلوا ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ الغائط هو المنخفض من الأرض، والمجيء منه كناية عن قضاء الحاجة، لأنهم كانوا في البادية يتسترون بالمكان المنخفض لقضاء الحاجة، وملامسة النساء كناية عن الجماع، وقيل هي على معناها الظاهر، أي مجرّد اللمس المشترك بين الرجل والمرأة، واشترط بعضهم اللمس بشهوة ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا﴾ ويجوز للمريض أن يتيمّم سواء وجد الماء أم فقد، لأن فقدان الماء يبيح التيمم للجميع فلا معنى لضمّه إلى المرض، وإنما يعود قوله ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ إلى المسافر، أي إن حكم المسافر إذا أراد الصلاة مماثل لحكم المتغوّط الموجب للوضوء، أو المجامع الموجب للغسل، فبإمكان كل هؤلاء التيمّم عند فقدان الماء، وقالوا إنه يجوز التيمم إذا كان وجود الماء مع تعذر استعماله،

стр. 407

بسبب حرج كالمرض أو المشقة أو الضرر، أو ندرة وجود الماء ما يجعله كالمفقود ﴿صَعِيداً طَيِّباً﴾ الصعيد هو وجه الأرض ترابا كان أو غيره، والطيب هو النظيف الطاهر ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ تفصيل لكيفية التيمم وهو أمر تعبدّي محض، الحكمة منه إبداء إذعان المرء وخضوعه لله تعالى، وقد ورد أيضا في آية [النساء: ٤/ ٤٣]، ﴿ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي فيما شرعه لكم من أحكام الطهارة وغيرها من الأحكام، والحرج هو الضيق والمشقة فيما ضرره أكبر وأرجح من نفعه، مثل وضوء المريض إن كان الماء يضرّه، وإلقاء النفس إلى التهلكة بسبب الامتناع عن سد الرمق بطعام محرّم، وقد رأى الشيخ محمد رشيد رضا أن ربط كل ما لا نصّ فيه بآراء الفقهاء يوقع المسلمين بأشد الحرج والعسر في أمور دينهم حتى صار ذلك مبررا للكثيرين منهم للابتعاد عن حظيرة الدين. ﴿وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ بالتيمم، وحيث إن التيمم لا يفيد شيئا في النظافة الجسمية فيكون المقصود طهارة القلب بالامتثال لأوامر الله وطاعته، وكما أن إزالة النجاسات الجسمانية تعتبر طهارة جسمية، فكذلك إزالة العقائد والأخلاق الفاسدة تعتبر طهارة نفسية، ولأن الكفر والمعاصي نجاسة للنفوس، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٩/ ٢٨]، ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ بتشريع ما فيه مصلحتكم، وبالتيسير عليكم في أمور الدين ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ لأن الشكر هو لمنفعة العبد، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ [لقمان: ٣١/ ١٢]. ﴿وَاُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٧) ٧ - استمرار الخطاب في العقود: ﴿وَاُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ إذ هداكم إلى الإسلام، فعليكم بالتالي لزوم شرعه ﴿وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا﴾ الميثاق أخذه الرسول

стр. 408

على قومه، لأنّ قبول دعوة الرسول والدخول في الدين بمثابة عهد وميثاق بالسمع والطاعة، وقد نسب تعالى الميثاق إلى ذاته العلية كونه أخذ عن طريق رسوله، وهذا الميثاق عام لكل من دخل في الإسلام أو نشأ فيه، وهو أيضا العهد الذي أخذه تعالى على بني آدم حين أخرجهم من ظهور آبائهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا، انظر آية [الأعراف: ٧/ ١٧٢]، وهو أيضا الدلائل العقلية على التوحيد والشرائع ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ بالوفاء بهذا الميثاق ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ خبير بالنوايا. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ (٨) ٨ - بعد أن بيّنت الآيات السابقة بعضا من جوانب العقود المشار إليها بالآية (١)، كأحكام الحلال والحرام، والوضوء والتيمم، ينتقل الخطاب إلى الأمر بالعدل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلّهِ﴾ أي قوموا بأوامر الله ﴿شُهَداءَ بِالْقِسْطِ﴾ اشهدوا بالعدل لوجه الله تعالى، ولا تشهدوا بالباطل ابتغاء منفعة دنيوية ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاّ تَعْدِلُوا اِعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى﴾ أي لا يحملنّكم بغضكم للمشركين أو الكفار أو غيرهم على أن لا تعدلوا فتكسبوا بذلك جرما، بل اعدلوا فيهم وإن أساؤوا إليكم، ولا تقابلوا الإساءة بمثلها، ولا تعتدوا ولا تتشفوا بما في قلوبكم من الضغائن، وفي ذلك عودة وتأكيد لما في الآية (٢)، ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ لا يخفى عليه شيء من أحوالكم. ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٩) ٩ - ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ بعد أن شرّع تعالى في الآيات السابقة من الأحكام، وذكّر الخلق بميثاقه الذي

стр. 409

واثقهم به، وأمرهم بالعدل، وعد الذين آمنوا منهم وقاموا بالأعمال الصالحة بالمغفرة، وهي ستر الذنوب وتكفيرها، وبالأجر العظيم وهو الثواب والجنة. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (١٠) ١٠ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ وهم الذين كفروا بالله ورسله، أو آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض، أنظر آية [النساء: ٤/ ١٥٠]، لا ينفعهم عمل مع الكفر والتكذيب. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١١) ١١ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي بالبطش والقتل والغصب ﴿فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ المقصود تذكير المؤمنين الذين كانوا مستضعفين في بداية الدعوة بأنه تعالى كفّ أيدي الكفار عنهم، ومنعهم من الوصول إلى مبتغاهم إلى أن قوي الإسلام وصارت له السيطرة، والآية من ثمّ تشير إلى ضعف الجماعات الإسلامية في بداية نشوئها، في كل العصور وفي كل المجتمعات، حينما تهمّ قوى الشر بالبطش بها ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ أيها المؤمنون حتى يكون التوفيق الإلهي معكم، وحتى يكفّ تعالى أيدي الكفار عنكم ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أمر تعالى المؤمنين بالتقوى ثم بالتوكل، والتقوى تكون بالطاعة وبذل الجهد في الوقاية من السوء. ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ (١٢) ١٢ - بعد أن أوجبت السورة الوفاء بالعقود إجمالا، الآيات (١ - ١١)، تنتقل هنا إلى بيان ميثاق بني إسرائيل المأخوذ عليهم وعدم وفائهم به، ونقضهم العهود:

стр. 410

﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وهو الميثاق الذي أخذه موسى على قومه، انظر آية [النساء: ٤/ ١٥٤]، نسبه تعالى إلى ذاته العلية كونه أخذ عن طريق رسوله موسى، وهو شبيه بالميثاق المذكور في آية [المائدة: ٥/ ٧]، الذي أخذه تعالى على المسلمين عن طريق نبيّه محمد ﷺ ﴿وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ التغيير في الضمائر من الغائب إلى المتكلم، ثم إلى الغائب، الغرض منه بيان أنه تعالى ليس كالبشر، بل ليس كمثله شيء، فلا يمكن التعبير عنه بضمائر الأشخاص، أمّا النقيب فهو الذي ينقّب عن الأسرار ويتحرّى أحوال الناس ويستخبر عنها، وهو أيضا العريف الذي يرأس الجماعة ويكون مسؤولا عنها وعن مصالحها، والاثنا عشر نقيبا: واحد من كل سبط من أسباط بني إسرائيل الاثني عشر، وهي القبائل التي انحدرت من سلالة يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم ﵈، وقد اختار موسى نقيبا من كل سبط يرعى مصالح قبيلته ويشرف على تربيتها الدينية والتزامها بالشريعة ﴿وَقالَ اللهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ الخطاب موجّه إلى بني إسرائيل، وقد وعدهم تعالى بالنصر والتوفيق بشرط التزامهم بالصلاة والزكاة، والإيمان بالرسل جميعا، بمن فيهم النبي محمد ﷺ المذكور صفته ومجيئه في كتبهم، وعزرتموهم: أي نصرتموهم ﴿وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ اشترط عليهم الإنفاق في سبيل الله والقيام بالعمل الصالح، وهو غير الزكاة التي سبق ذكرها، روى الترمذي عن فاطمة بنت قيس عن النبي ﷺ أنه قال: «إنّ في المال حقا سوى الزكاة» ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ فيزول تأثير سيئاتكم الماضية ﴿وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ ثوابا لكم ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ أي الطريق الصحيح، لأن الكافر يخطيء الهداية الإلهية، وهي طريق الاعتدال والتوازن في حياة الفرد والمجتمع، فيتّبع بدلا منها ما تمليه عليه أهواؤه ورغباته المادية المحضة.

стр. 411

﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٣) ١٣ - ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ﴾ أي بسبب نقضهم الميثاق المذكور في الآية السابقة أخرجهم تعالى من رحمته، ومن نقضهم الميثاق أنهم عاندوا موسى وعصوه، انظر الآيات (٢٢ - ٢٤)، وعبدوا العجل، ودخلوا فلسطين طغاة متجبرين بدلا من الدخول دعاة متواضعين، انظر آية [الأعراف: ٧/ ١٦٢] ونشروا الفساد، وفي العموم فشلوا في حمل الرسالة الإلهية، وكذّبوا الرسل وقتلوا منهم العديد، ثم كفروا ببعثتي عيسى المسيح ومحمد عليهما الصلاة والسلام ﴿وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً﴾ أي صارت قلوبهم بعيدة عن قبول الحق والإذعان للدلائل، وهذه من سنن الله تعالى في الخلق بأنّ الأعمال السيئة والتمسك بالاعتقادات الخاطئة تؤثر في نفوس أصحابها سلبا، وبما أنه تعالى قد سنّ قوانين الطبيعة بأكملها فهو تعالى ينسب «جعل القلوب قاسية» إلى ذاته العلية، مع أنّ القسوة نتيجة خيار حر من بعض البشر، وليست جبرا مفروضا عليهم، ولو كان تعالى قد خلقها في قلوبهم ابتداء لاستحال أن يعاقبهم عليها، ونظيره قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ [البقرة: ٢/ ٧]. ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ الكلم جمع كلمة، والمعنى أن أحبار اليهود تلاعبوا ويتلاعبون بكلام الوحي الذي نزل على موسى، وحرّفوه ويحرّفونه لفظا ومعنى، ويكتبون من عندهم وينسبون كتاباتهم إلى الوحي، وذلك واضح من تاريخ كتبهم المقدسة: يطلق على مجموعة الكتب المقدسة عند اليهود اسم «العهد القديم» وهي مكوّنة من ٣٩ سفرا، كما يطلق على الأسفار الخمسة الأولى منها اسم Pentateuch أي «الأسفار الخمسة» اختصارا، وهم يسمونها التوراة مجازا رغم

стр. 412

أنه ليس لها علاقة بالتوراة الحقيقية باستثناء نصوص وعبارات مبعثرة بقيت من الأصل، ومن المعروف أن أسفار «العهد القديم» هذه كتبت بعد موسى ﵇ على فترات امتدّت عدّة مئات من السنين، والأسفار الخمسة كتبها الأحبار في أثناء فترة السبي البابلي (٥٨٦ ق م - ٥٣٧ ق م)، وكثير منها عبارة عن تأريخ قومي للشعب اليهودي، أما مؤلفوها فليسوا بالضرورة الأنبياء الذين تنسب إليهم الأسفار فلا يعدو ذلك مجرّد التخمين أو التمنّي، وقد ترجم العهد القديم إلى اليونانية في القرن الثالث قبل الميلاد في الإسكندرية أيام الإسكندر الكبير وبعده، وتسمّى الترجمة اليونانية: السبعينية، وهي الترجمة التي هيمنت فيما بعد على مؤلفي كتب النصارى التي يسمونها «العهد الجديد»، انظر أيضا تفسير آية [آل عمران: ٣/ ٣]، وتعتبر الآية التي نحن بصددها، وغيرها من الآيات التي تشير إلى تحريف - تغيير - اليهود لكتابهم، من معجزات القرآن الكريم، لأن النبي ﷺ لم يكن مطلعا على كتب اليهود، ولم يكن بإمكانه أن يعرف أنها محرفة أو أنه قد طرأ عليها التغيير وأنه ضاع جزء كبير منها، ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ الحظّ في اللغة هو النصيب أي الجزء، وما ذكّروا به هو التوراة، والقرآن يطلق كلمة الذكر على الوحي، لأنه تذكير للبشر بالميثاق الفطري المأخوذ عليهم، انظر [الأعراف: ٧/ ١٧٢]، والمعنى أنهم أضاعوا قسما من توراتهم ولم يعملوا بالقليل الذي بقي عندهم منها، بل غيّروه وفسروه حسب هواهم، والنسيان هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿أَوْ نُنْسِها﴾ [البقرة: ٢/ ١٠٦]. ﴿وَلا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنْهُمْ﴾ خائنة بمعنى خيانة، أي لا تزال أيها الرسول، وأيها المسلم، تطّلع على خيانة منهم، أو على أعمال ذات خيانة منهم، فلا تحسبنّ أنك بمعاهدتهم تأمن مكرهم وخداعهم، فإنهم قوم لا يؤمن جانبهم، لا وفاء لهم ولا عهد ولا أمان، وقد أوصى النبي ﷺ بإجلائهم عن جزيرة

стр. 413

العرب، أخرج مالك في الموطّأ عن مالك عن ابن شهاب أنه ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب»، وأخرج أحمد في مسنده أنّ آخر ما عهد به النبي ﷺ أن قال: «لا يترك بجزيرة العرب دينان»، ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾ أقلية مؤمنة منهم ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاِصْفَحْ﴾ الإشارة إلى الأقلية المؤمنة منهم، أو الباقية على العهد فلا يؤخذوا بذنوب غيرهم ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ لأنّ الذي يعفو يكون محسنا فيكون قريبا من الله. ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (١٤) ١٤ - ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى﴾ اشتقت كلمة النصارى في القرآن الكريم من النصرة، وقد جاء على لسان عيسى المسيح قوله تعالى: ﴿قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ [آل عمران: ٣/ ٥٢]، أجابه الحواريون أنهم أنصار الدعوة إلى دين الله، وقد شرّفهم القرآن بهذه الصفة التي ادّعاها الحواريون لأنفسهم فسمّاهم نصارى، وإن كان من بعدهم - من أتباع كنيسة بولس - لم يلتزموا بنصرة دين المسيح، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى﴾ أي نسبوا أنفسهم إلى نصرة المسيح، حسب قولهم، وتكرر هذا الوصف في الآية (٨٢)﴾. ومن المعروف أن عيسى المسيح لم يفوض أتباعه أن يسموا أنفسهم مسيحيين - نسبة إليه - كما لم يبتدع اسما خاصا لهم، ولا للتعاليم التي جاء بها، لأنه لم يأت ليؤسس دينا جديدا مخالفا لشريعة موسى، وإنما جاء لإصلاح اليهود وإحياء شريعة موسى الأصلية، وهو نفسه كان يهوديا يحترم الشريعة الموسوية ويتقيد بها، باستثناء ما وضعه عن اليهود من الأمور التي ابتدعوها وجعلوها عبئا على الدين، لقوله تعالى على لسان عيسى: ﴿وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٣/ ٥٠]، وقد نقلوا عنه في

стр. 414

الأسفار قوله إنه لم يأت لينقض الناموس أي شريعة موسى لكن ليتممه، وكان أتباعه الأوائل يصلّون جنبا إلى جنب مع اليهود في معبد القدس لأنهم لم يعتبروا أنفسهم طائفة مستقلة عنهم (سفر أعمال الرسل ٣/ ١ - ١٠، ٢١/ ١٤ - ٢١)، غير أن التباعد والانفصال بين الطرفين جاء تدريجيا بعد عيسى، فمن جهة أعلن بولس، الذي كان قبل ذلك عدوا لدودا للمسيح، انفصاله عن اليهودية وادعى أن مجرّد الإيمان بعيسى كاف للخلاص، ومن جهة ثانية أعلن أحبار اليهود أن أتباع المسيح هراطقة مرتدّون، وكان يطلق عليهم لقب النصارى Nazarenes (أعمال الرسل ٢٤/ ٥). ومن معجزات القرآن الكريم أنه استخدم كلمة (النصارى) من جديد بعد أن كانت قد اضمحلّت وطغت عليها تسمية «المسيحية»، ولم يكن بوسع النبي ﷺ أن يعلم ذلك، لأن لقب النصارى كان قد اضمحل منذ القرن الأول بعد المسيح، ثم استعمل لقب «المسيحيين» للمرة الأولى سنة ٤٣ - ٤٤ م في أنطاكية خلال زيارة بولس لها حيث كان يدعو الناس إلى دينه (أعمال الرسل ١١/ ٢٦) وكان معه الحواري برنابا قبل أن يختصما في حقيقة تعاليم المسيح وقبل أن ينفك أحدهما عن الآخر، وهكذا فإن المسيح ﵇ لم يكن المسيحي الأول بمعنى المسيحية الحالية، وإنما كان «النصراني» الأول، أما «المسيحي» الأول فهو بولس، بلا جدال. ﴿أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ﴾ وهو كالميثاق الذي أخذه تعالى على المسلمين عن طريق نبيه محمد ﷺ الآية ٧ - ، وكالميثاق الذي أخذه على بني إسرائيل عن طريق موسى ﵇ الآية ١٢ - ، ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ الحظ في اللغة هو النصيب أي الجزء، وما ذكّروا به الإنجيل، والقرآن يطلق كلمة الذكر على الوحي لأنه تذكير للبشر بالميثاق الفطري المأخوذ عليهم، [الأعراف: ٧/ ١٧٢]، والمعنى أنهم أضاعوا قسما من إنجيلهم ولم يعملوا بالقليل الذي بقي عندهم منه،

стр. 415

وسبب ذلك أن الإنجيل الحقيقي الذي نزل على المسيح ﵇ لم يدوّن في زمنه، ولذا ظهر بعده عدد كبير من الأسفار يزيد عن العشرين وقيل أكثر من ذلك بكثير، كلّ منها يروي سيرة حياة المسيح وأقواله حسبما وصل إلى علم الكاتب أو المؤلف كما سمعه شفاهة من غيره، بلا تحقيق، والملاحظ أن هذه الأسفار كتبت باللغة اليونانية، وليس بالآرامية التي نطق بها عيسى المسيح وحواريّوه ﵈، ورغم أن هذه الأسفار بدأت كتابتها خلال فترة تتراوح ما بين ٤٥ - ٩٥ عاما بعد المسيح فإن أقدم المخطوطات اليونانية عن هذه الكتابات الموجودة بين أيدينا اليوم يعود تاريخها إلى العام ٢٠٠ بعد الميلاد، ثمّ في عام ٣٢٥ للميلاد انعقد في نيقية في آسية الصغرى المجمع المسكوني الأول برعاية إمبراطور روما قسطنطين الكبير الذي دخل المسيحية وجعلها الدين الرسمي للدولة، وأدخل فيها من العقائد الإغريقية الوثنية التي كانت مهيمنة على فكره، وعلى فكر بولس من قبله، وقد تقرّر في ذلك المجمع اعتماد أربعة أسفار فقط من مجموع الأسفار الكثيرة التي كانت متداولة وقتئذ، وأطلقوا عليها لقب الأسفار القانونية أو المعتمدة Canonical Gospels وأحرقت الأسفار الباقية واضطهد أتباعها، ﴿فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ كان نسيان حظ كبير من كتابهم سببا لاتباعهم الهوى، وتفرقهم طوائف كثيرة جدا يعادي ويبغض بعضها بعضا، حتى سفكت دماء كثيرة في الحروب الدينية بينهم، ومن ذلك أيضا انقسامهم إلى طوائف وكنائس كثيرة لا يزال يتزايد عددها إلى اليوم تزايدا هندسيا، وقد أسند تعالى إغراء العداوة والبغضاء بينهم إلى ذاته العلية مع كونه من أعمالهم الاختيارية بمقتضى سننه في خلقه من أسباب ومسببات ﴿وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ينبئهم يوم القيامة بحقيقة ضلالهم، ويحاسبهم عليه.

стр. 416

﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ﴾ (١٥) ١٥ - بعد بيان ضلال اليهود والنصارى عن كتبهم، تدعوهم هذه الآية إلى الإسلام: ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾ وهم اليهود والنصارى، والكتاب اسم جنس للوحي ﴿قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا﴾ محمد خاتم الأنبياء والرسل ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ﴾ إخفاء الكتاب أنهم أضاعوا الجزء الأكبر منه، وتعاموا عن الباقي الذي يخالف أهواءهم، واتبعوا دعوة بولس ونسبوها إلى المسيح في حين أهملوا رسالة المسيح، فجاء القرآن يبيّن لهم الشريعة على حقيقتها ﴿وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ يترك الرسول الكثير ممّا نسخ من شرائعهم، كما يقال عفا عليها الزمن، ويعفيهم من الكثير الذي أضافه الكتبة والكهنة على كتبهم، ويعفيهم من الرهبانية، ومن الكثير من التحريم الذي ابتدعوه ولم يكتبه الله عليهم ﴿قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ﴾ النور الذي جاءهم من الله هو نور الإسلام أضاء لهم الحقيقة وميّزها عن الضلال الذي هاموا ويهيمون فيه، والكتاب المبين هو القرآن، لأنه ظاهر الإعجاز لغير المكابر. ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (١٦) ١٦ - ﴿يَهْدِي بِهِ اللهُ﴾ أي بالقرآن ﴿مَنِ اِتَّبَعَ رِضْوانَهُ﴾ أي من كان مبتغاه من طلب الدين التوصل إلى الدين الذي يرضاه الله تعالى فيهديه إلى سبل السلام ﴿سُبُلَ السَّلامِ﴾ أي الطرق المؤدية إلى الإسلام وما يرافق ذلك من السلام الذي هو السكينة والاطمئنان الروحي والمادي ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ﴾ من ظلمات الكفر والخرافات والأوهام، والعبودية للرؤساء والزعماء،

стр. 417

إلى نور الإيمان، والتوحيد الخالص، والتحرر من عبودية الدنيا ﴿وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ يوفّقهم ويثبّتهم على طريق الإسلام. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٧) ١٧ - بعد أن بيّن تعالى أخذ ميثاق الذين قالوا إنهم نصارى، ونسيانهم حظّا من ذكرهم، وتفرقهم طوائف كثيرة، تبين هذه الآية سبب انحرافهم عن النصرانية: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ﴾ وهم أتباع كنيسة بولس، والكفر في اللغة هو تغطية الشيء، كقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد: ٥٧/ ٢٠]، فقد زعم بعضهم أن المسيح هو الإله المتجسد، وزعم بعضهم الآخر أنه ابن الله، وأنه الشخص الثالث في ثالوثهم الذي ابتدعته المجمّعات المسكونية، وهم في كل هذه الأقوال ينكرون الحقيقة. ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ أي من يقدر أن يدفع عنهم قضاء الله وقدره إن أراد هلاكهم ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ يحكم فيها ما يريد بحكمته ﴿يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي إن معجزات عيسى العديدة، وخلقه من غير أب، ليس موجبا لتأليهه، لأن خالق الكون والسنن والأسباب والمسببات يخلق ما يشاء ولا يستعصي على قدرته شيء. ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (١٨) ١٨ - ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبّاؤُهُ﴾ إدعاء اليهود بذلك مذكور في أسفارهم، انظر (سفر الخروج ٤/ ٢٢) و (سفر جرميا

стр. 418

٣١/ ٩)، وتكرّر ادعاء النصارى به في بعض أسفار العهد الجديد، وقد استخدم اليهود تعبير أبناء الله مجازا، بمعنى أحبائه، غير أنّ النصارى استخدموا التعبير على أنه حقيقة بالنسبة للمسيح ﵇ تعالى الله عمّا يقولون علوّا كبيرا - ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ إن كنتم أبناء الله كما تدّعون فلم يعذّبكم بذنوبكم؟ فانظروا ما حدث لكم من العذاب والقتل والتشريد والفتن في تاريخكم، وكيف يتكرر هذا العذاب في كل زمان عندما يحصل سببه، فلستم معصومين منه في الدنيا، عدا ما ينتظركم من عذاب الآخرة ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ تنطبق عليكم سننه تعالى وتتحملون عواقب أعمالكم كغيركم من البشر ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ يغفر ذنوب من يشاء من أهل طاعته ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ يعذّب من يشاء تعذيبه من أهل معصيته ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما﴾ يحكم فيها ما يريد بحكمته ﴿وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ تؤول إليه أمور خلقه دون غيره، فيعذبهم في الآخرة على كفرهم وغرورهم، وعلى ادعائهم الباطل أنهم أبناء الله وأحباؤه. ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٩) ١٩ - ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ﴾ من اليهود والنصارى ﴿قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا﴾ النبي المنتظر المذكور في كتبكم، والذي كنتم تتطلعون إلى قدومه، انظر مثلا (سفر متّى ١١/ ٣) و (سفر يوحنا ١/ ١٩ - ٢٥)، ﴿يُبَيِّنُ لَكُمْ﴾ يبين لكم الشرائع والدين الصحيح، ويبين التغيير ويصحح التحريف الذي طرأ على كتبكم منذ بعث أنبيائكم، ويحرركم من الوهم بأنكم شعب الله المختار أبد الدهر، أو أنكم أبناء الله وأحباؤه، ويحرركم من العقائد الفاسدة، التي دخلت على دينكم ممّا لم يأت بها موسى ولا عيسى المسيح ﵉ ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ بعد انقطاع من الرسل، يقال فتر الشيء فتورا إذا نقصت حدّته، وسميت المدة التي بين الأنبياء فترة لفتور العمل بشرائعهم، وقد جاءت بعثة خاتم الأنبياء والرسل

стр. 419

بعد بعثة المسيح آخر أنبياء بني إسرائيل بأكثر من ستة قرون، وكانت الرسل قبله تترى في بني إسرائيل ﴿أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ أي كراهة أن تعتذروا فتقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير يعيدنا إلى الطريق القويم، لأنهم كانوا بانتظار قدوم النبي المنتظر، المخلّص من الضلال، فلمّا جاءهم لم يؤمنوا به ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ ليبين لكم أن الأمر ليس منوطا بالأماني والأوهام، ولكن بالإيمان والعمل، فبطلت حجّتكم ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو قادر على الاستجابة لحاجات خلقه ونصرة دينه بأن بعث فيهم خاتم الأنبياء والرسل. ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (٢٠) ٢٠ - في هذه الآية يعود الخطاب لموضوع الآيات (١٢ - ١٣) عن بني إسرائيل خاصة، وما يليها عن النصارى وأهل الكتاب عامة: ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ﴾ المعنى اذكر أيها النبي لبني إسرائيل ولغيرهم من الناس، ما قاله موسى لهم مذكّرا إيّاهم بنعم الله عليهم ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ﴾ بعث في بني إسرائيل الكثير من الأنبياء المذكورين في كتبهم، فمن جهة شرّفهم تعالى بكثرة بعث الأنبياء فيهم، وهو من جهة ثانية دليل على ارتكاسهم المتكرر نحو الوثنية والضلال ممّا استدعى تقويمهم باستمرار، إلى أن بعث فيهم آخر أنبيائهم عيسى المسيح ﵇ فرفضوه، ثمّ رفضوا خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ ، وما زالوا إلى اليوم ينتظرون قدوم المسيح وقدوم النبي المنتظر ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ لأنّ بني إسرائيل، بعد تحررهم من عبودية فرعون، صاروا ملوك أنفسهم، وقضى تعالى أن يكون منهم الملوك الأنبياء كداود وسليمان ﴿وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ أي في زمانهم، آتاهم تعالى الوحي الذي نزل على موسى ﵇، كما آتاهم الكثير من المعجزات في زمن موسى كانفلاق البحر، ونزول المن والسلوى،

стр. 420

وتظليل الغمام عليهم في صحراء التيه، وانفجار الماء من الصخر باثنتي عشرة عينا. ﴿يا قَوْمِ اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ (٢١) ٢١ - ﴿يا قَوْمِ﴾ استمرار خطاب موسى لهم ﴿اُدْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ وهي فلسطين، وسمّيت مقدسة لكثرة ما بعث فيها من الأنبياء ﴿الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ أي كتب الله لكم دخولها والدعوة إلى دين الله فيها، وليس في الآية ما يدل على اختصاص فلسطين بهم وحدهم دون غيرهم من الناس، ولا امتلاكها أبد الدهر فذلك مخالف للواقع التاريخي، كما أن وعد فلسطين لهم مرتبط ومشروط بحمل الدعوة والرسالة الإلهية لغيرهم من الأمم، وفشلوا في ذلك أشدّ الفشل، وقد ساكنهم في فلسطين، منذ أن دخلوها، غيرهم من الأمم كالكنعانيين والآشور والكلدان واليونان والرومان، ولم تحصل لليهود الدولة الدنيوية في جزء من فلسطين سوى حوالي أربع مئة عام وهي ما بين ملك طالوت (شاؤل) عام ١٠٢٠ ق. م وحتى سقوط القدس بيد نبو خذنصّر عام ٥٨٦ ق. م.، فقد حكمهم الفرس ثم اليونان ثم الرومان، إلى أن أجلاهم الرومان عن فلسطين نهائيا عام ٧٠ م فكان بداية عصر الشتات لهم الذي استمر قرابة ألفي عام، وقد دخل المسلمون القدس عام ٦٣٨ م في خلافة عمر، وكان من شروط الفتح التي وضعها بطرك القدس أن لا يدخلها اليهود كما هو مدوّن في العهدة العمرية، انظر شرح الآية (٣٣)﴾ حيث عاقبهم تعالى بالنفي من أرض فلسطين نهائيا، وأن إقامتهم فيها لا تكون دائمة ﴿وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ﴾ أي لا تنكصوا إلى الوثنية والضلال، كما كان دأبكم، فتخسروا دينكم ودنياكم.

стр. 421

﴿قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبّارِينَ وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ﴾ (٢٢) ٢٢ - ﴿قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبّارِينَ﴾ ذوي قوة شديدة وبطش، وهو ما بلغهم عن طريق النقباء المذكورين في الآية (١٢) الذين تجسسوا لهم عن أحوال الأرض المقدسة وعادوا لهم بهذه المعلومات ﴿وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ﴾ جبنوا عن دخول الأرض المقدسة حين تبيّن لهم أمر الجبّارين وشدة بطشهم، كأنهم أرادوا أن تكون مهمتهم بقوة الخوارق والمعجزات التي اعتادوا عليها، دون عمل ولا تضحيات من جانبهم، ويبدو أنهم اعتادوا العبودية والجبن والضعف طيلة إقامتهم في مصر حتى أن بعضهم أراد العودة إلى العبودية في مصر خوفا من تحمل المسؤولية والتضحية، وقد أشار تعالى لذلك بقوله على لسان موسى: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ أي اهبطوا مصر إن شئتم، انظر شرح آية [البقرة: ٢/ ٦١]، ومن جهة ثانية فأي فائدة تكون في إخراج الجبارين من سكان فلسطين - الكنعانيين -، فالمقصود من الرسالة هداية الناس، كما فعل المسلمون في البلاد المفتوحة، وليس إخراجهم من بلادهم، وقد يكون المقصود بالجبارين ملوك كنعان فتكون مهمة بني إسرائيل تحرير السكان من الملوك الطغاة وهدايتهم إلى الدين الجديد. ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢٣) ٢٣ - ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ أي يخافون الله، وقيل هما اثنان من النقباء الاثني عشر ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ بالهداية والتوفيق ﴿اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ﴾ أي بمواجهة أمامية دون غدر ﴿فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ﴾ لأن الله وعدكم النصر، الآية (٢١)﴾، ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي إن كنتم مؤمنين يقينا بنبوة موسى وبوعد الله لكم.

стр. 422

﴿قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ أصرّوا أن يكون دخولهم الأرض المقدسة عن طريق الخوارق، وليس عن طريق العمل والتضحية واتباع سنن الله في خلقه، ولم تنفع فيهم موعظة الرجلين، فكان منهم هذا الجواب الخارج عن حدود الأدب حتى أنهم قالوا ﴿رَبُّكَ﴾ ولم يقولوا: ربّنا. ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي﴾ شكى موسى أمره إلى الله تعالى معتذرا إنه لا يملك إلاّ أمر نفسه وأمر أخيه هارون، ولا يستطيع أن يحمل الباقين على طاعته بمن فيهم النقيبين، إذ يبدو أنّ الأقلية لم تجرؤ على الإقدام بعد أن تخاذل الناس ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ أي فاقض بيني وأخي والأقلية التي معنا من جهة، وباقي القوم الفاسقين من جهة ثانية، وهم الخارجون عن الطاعة. ﴿قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ (٢٦) ٢٦ - ﴿قالَ﴾ تعالى: ﴿فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي إن فلسطين الأرض المقدسة محرمة على هؤلاء القوم الذين معك ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فتاهوا في أرض سيناء أربعين سنة حتى فنوا، ونشأ في التيه الجيل الثاني منهم الذي دخل الأرض المقدسة بعدهم، والآية تفيد معنيين: ١) أنها محرمة عليهم تحريما نهائيا إذا تم الوقف بعد كلمة ﴿عَلَيْهِمْ،﴾ والدليل على ذلك الآية (٣٣)﴾، ولا يمنع ذلك أن يقيموا فيها مؤقتا في بعض الأوقات لفترات محدودة،

стр. 423

٢) وهي أيضا محرمة عليهم، في زمن موسى، أربعين سنة إذا تم الوقف بعد كلمة ﴿سَنَةً﴾ ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ أي لا تحزن يا موسى على هؤلاء العصاة. وفي تفسير المنار أن الشعوب التي تنشأ في الاستبداد وتساس بالظلم والاضطهاد، تفسد أخلاقها وتذل نفوسها ويذهب بأسها وتألف الخضوع وتأنس بالمهانة والخنوع، وإذا طال عليها أمد الظلم تصير هذه الأخلاق مكتسبة موروثة حتى تصبح كالغرائز الفطرية والطبائع الخلقية، فإذا أخرج صاحبها من بيئته وجدته ينزع بطبعه إليها، وقد أفسد ظلم الفراعنة في مصر فطرة بني إسرائيل وطبعهم بالذل والمهانة، حتى بعث تعالى موسى فيهم وأراهم الكثير من المعجزات والآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وعلى صدق نبوة موسى، وأخرجهم من الذل والعبودية في مصر إلى الحرية والاستقلال والنعيم، ومع كل ذلك كانوا يتململون من موسى ويتطيرون منه ويعصونه ويذكّرونه بمصر، ويلومونه لأنه أخرجهم منها ويحنّون إلى العودة إليها رغم ما فيها من العبودية، انظر آية [البقرة: ٢/ ٦١]، ولما غاب موسى عنهم أياما لمناجاة ربه، اتخذوا عجلا لهم من حليّهم وعبدوه لما رسخ في نفوسهم من إكبار سادتهم المصريين، وإعظام معبودهم العجل، وقد سبق علمه تعالى أنّ نفوسهم الذليلة لا تطيعهم على دخول أرض الجبّارين، وأن الوعد الذي أعطاه لأجدادهم إنما يتم وفق سننه في طبيعة المجتمع البشري، فلزم أن يهلك ذلك الجيل الذي نشأ في العبودية والوثنية، وينشأ بعده جيل جديد في حرية البداوة وعدل الشريعة ونور الآيات الإلهية، وما كان تعالى ليهلك قوما بذنوبهم حتى يبيّن لهم حجته عليهم ليعلموا أنهم أنفسهم يظلمون، انظر آيات [هود: ١١/ ١١٧] و [الأنعام: ٦/ ١٣١]، وقد أمرهم تعالى دخول الأرض المقدسة بعد أن أراهم عجائب تأييده، فأبوا واستكبروا وجبنوا فأخذهم بذنوبهم، وأنشأ من بعدهم قوما آخرين.

стр. 424

﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اِبْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي على بني إسرائيل، فالكلام لا يزال عنهم ﴿نَبَأَ اِبْنَيْ آدَمَ﴾ أي خبرهما، والخطاب متعلق بالآية (١٥)، وقوله تعالى: ﴿اِبْنَيْ آدَمَ﴾ مجازا، أي هما من بني آدم، وليسا بالضرورة ابني آدم من صلبه، والعرب تقول بني آدم عن جنس البشر، انظر آيات [الحجر: ١٥/ ٢٨ - ٤٢]، ولأن الكلام لا يزال عن بني إسرائيل، فيحتمل أنهما رجلان منهم، بدليل قوله تعالى في آخر القصة: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ (٣٢)﴾. ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي أخبرهم بحقيقة القصة، وبالغرض المقصود منها وهو تقبيح الحسد وعاقبته السيئة، لأن علاقة الآية بما قبلها هو موضوع الحسد بالذات، وأن الحسد قديم في بني آدم كما في بني إسرائيل بالذات، ومن ذلك أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى كفروا بالبعثة الإسلامية لحسدهم محمدا ﷺ فيما آتاه الله من الدين الحق، ولأنهم ظنّوا أنّ النبوة لا تكون إلا فيهم ولا تخرج عنهم، فعتوا واستكبروا. ﴿إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ القربان هو ما يتقرّب به إلى الله تعالى، كالأضحية أو الصدقة، ولم تذكر الآية كيف علما أنّ القربان تقبّل من أحدهما ولم يتقبّل من الآخر، ولعلّهما علما ذلك من نبيّ في زمانهما، وأما قول البعض أن النار كانت تنزل من السماء فتأكل الذبيحة أو القربان المقبول فذلك من الإسرائيليات، وأما قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٨٣]، فلأن اليهود كانوا يحرقون القرابين بالنار بحسب شريعتهم، ولا تزال طائفة السامريين منهم تحرق القرابين في نابلس بفلسطين إلى اليوم. ﴿قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ أي قاله الذي لم يتقبّل قربانه لأخيه متوعّدا إياه، فأجابه: ﴿قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ بيّن له أخوه سبب قبول قربانه: وهو

стр. 425

التقوى، والمعنى: عليك يا أخي بالتقوى، فإنّه تعالى لا يقبل الأضاحي والصدقات إلاّ من المتّقين، ثمّ تابع قوله واعظا أخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ (٢٨) ٢٨ - ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ أي لا يمكن أن أكون قاتلا، فهذا مناف للتقوى ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ بأن أصبح قاتلا، فهو يعظ أخاه ليثنيه عن محاولة القتل، وليس في الآية ما يفيد عدم دفاعه عن نفسه، وإنما هي موعظة لأخيه وتأكيد عدم إقدامه على القتل، وفي الحديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال كان حريصا على قتل صاحبه». ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ (٢٩) ٢٩ - ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ وهي تتمة موعظة الرجل لأخيه، وقد ذكر الزجّاج أن تقدير الآية: إني أريد - أن تكفّ عن قتلي كراهة - أن تبوء بإثم قتلي، وإثم فعلك الذي من أجله لم يتقبّل قربانك. وهذا الحذف أو الإضمار - قبل حرف أن - شائع في التنزيل، كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ٤/ ١٧٦]، أي كراهة أن تضلوا أو لئلاّ تضلّوا، وقوله ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٦/ ١٥] أي كراهة أن تميد بكم، وغير ذلك من إضمار الجمل أو إضمار المضاف كثير، ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ المعنى: أخاف عليك يا أخي أن تكون عاقبتك في النار، فهي جزاء الظالمين لا محالة. ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٣٠) ٣٠ - ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ رغم كل المواعظ من أخيه فإنّ نفسه الأمارة بالسوء ذللت له أمر القتل فأطاعها ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ خسر أخاه، وخسر نفسه في الدنيا والآخرة.
следующие страницы →