← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

﴿قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبّارِينَ وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ﴾ (٢٢) ٢٢ - ﴿قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبّارِينَ﴾ ذوي قوة شديدة وبطش، وهو ما بلغهم عن طريق النقباء المذكورين في الآية (١٢) الذين تجسسوا لهم عن أحوال الأرض المقدسة وعادوا لهم بهذه المعلومات ﴿وَإِنّا لَنْ نَدْخُلَها حَتّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنّا داخِلُونَ﴾ جبنوا عن دخول الأرض المقدسة حين تبيّن لهم أمر الجبّارين وشدة بطشهم، كأنهم أرادوا أن تكون مهمتهم بقوة الخوارق والمعجزات التي اعتادوا عليها، دون عمل ولا تضحيات من جانبهم، ويبدو أنهم اعتادوا العبودية والجبن والضعف طيلة إقامتهم في مصر حتى أن بعضهم أراد العودة إلى العبودية في مصر خوفا من تحمل المسؤولية والتضحية، وقد أشار تعالى لذلك بقوله على لسان موسى: ﴿اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ أي اهبطوا مصر إن شئتم، انظر شرح آية [البقرة: ٢/ ٦١]، ومن جهة ثانية فأي فائدة تكون في إخراج الجبارين من سكان فلسطين - الكنعانيين -، فالمقصود من الرسالة هداية الناس، كما فعل المسلمون في البلاد المفتوحة، وليس إخراجهم من بلادهم، وقد يكون المقصود بالجبارين ملوك كنعان فتكون مهمة بني إسرائيل تحرير السكان من الملوك الطغاة وهدايتهم إلى الدين الجديد. ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢٣) ٢٣ - ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ أي يخافون الله، وقيل هما اثنان من النقباء الاثني عشر ﴿أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا﴾ بالهداية والتوفيق ﴿اُدْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ﴾ أي بمواجهة أمامية دون غدر ﴿فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ﴾ لأن الله وعدكم النصر، الآية (٢١)﴾، ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي إن كنتم مؤمنين يقينا بنبوة موسى وبوعد الله لكم.

стр. 422

﴿قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ أصرّوا أن يكون دخولهم الأرض المقدسة عن طريق الخوارق، وليس عن طريق العمل والتضحية واتباع سنن الله في خلقه، ولم تنفع فيهم موعظة الرجلين، فكان منهم هذا الجواب الخارج عن حدود الأدب حتى أنهم قالوا ﴿رَبُّكَ﴾ ولم يقولوا: ربّنا. ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاّ نَفْسِي وَأَخِي﴾ شكى موسى أمره إلى الله تعالى معتذرا إنه لا يملك إلاّ أمر نفسه وأمر أخيه هارون، ولا يستطيع أن يحمل الباقين على طاعته بمن فيهم النقيبين، إذ يبدو أنّ الأقلية لم تجرؤ على الإقدام بعد أن تخاذل الناس ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ أي فاقض بيني وأخي والأقلية التي معنا من جهة، وباقي القوم الفاسقين من جهة ثانية، وهم الخارجون عن الطاعة. ﴿قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ (٢٦) ٢٦ - ﴿قالَ﴾ تعالى: ﴿فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي إن فلسطين الأرض المقدسة محرمة على هؤلاء القوم الذين معك ﴿أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ فتاهوا في أرض سيناء أربعين سنة حتى فنوا، ونشأ في التيه الجيل الثاني منهم الذي دخل الأرض المقدسة بعدهم، والآية تفيد معنيين: ١) أنها محرمة عليهم تحريما نهائيا إذا تم الوقف بعد كلمة ﴿عَلَيْهِمْ،﴾ والدليل على ذلك الآية (٣٣)﴾، ولا يمنع ذلك أن يقيموا فيها مؤقتا في بعض الأوقات لفترات محدودة،

стр. 423

٢) وهي أيضا محرمة عليهم، في زمن موسى، أربعين سنة إذا تم الوقف بعد كلمة ﴿سَنَةً﴾ ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ أي لا تحزن يا موسى على هؤلاء العصاة. وفي تفسير المنار أن الشعوب التي تنشأ في الاستبداد وتساس بالظلم والاضطهاد، تفسد أخلاقها وتذل نفوسها ويذهب بأسها وتألف الخضوع وتأنس بالمهانة والخنوع، وإذا طال عليها أمد الظلم تصير هذه الأخلاق مكتسبة موروثة حتى تصبح كالغرائز الفطرية والطبائع الخلقية، فإذا أخرج صاحبها من بيئته وجدته ينزع بطبعه إليها، وقد أفسد ظلم الفراعنة في مصر فطرة بني إسرائيل وطبعهم بالذل والمهانة، حتى بعث تعالى موسى فيهم وأراهم الكثير من المعجزات والآيات الدالة على وحدانيته وقدرته وعلى صدق نبوة موسى، وأخرجهم من الذل والعبودية في مصر إلى الحرية والاستقلال والنعيم، ومع كل ذلك كانوا يتململون من موسى ويتطيرون منه ويعصونه ويذكّرونه بمصر، ويلومونه لأنه أخرجهم منها ويحنّون إلى العودة إليها رغم ما فيها من العبودية، انظر آية [البقرة: ٢/ ٦١]، ولما غاب موسى عنهم أياما لمناجاة ربه، اتخذوا عجلا لهم من حليّهم وعبدوه لما رسخ في نفوسهم من إكبار سادتهم المصريين، وإعظام معبودهم العجل، وقد سبق علمه تعالى أنّ نفوسهم الذليلة لا تطيعهم على دخول أرض الجبّارين، وأن الوعد الذي أعطاه لأجدادهم إنما يتم وفق سننه في طبيعة المجتمع البشري، فلزم أن يهلك ذلك الجيل الذي نشأ في العبودية والوثنية، وينشأ بعده جيل جديد في حرية البداوة وعدل الشريعة ونور الآيات الإلهية، وما كان تعالى ليهلك قوما بذنوبهم حتى يبيّن لهم حجته عليهم ليعلموا أنهم أنفسهم يظلمون، انظر آيات [هود: ١١/ ١١٧] و [الأنعام: ٦/ ١٣١]، وقد أمرهم تعالى دخول الأرض المقدسة بعد أن أراهم عجائب تأييده، فأبوا واستكبروا وجبنوا فأخذهم بذنوبهم، وأنشأ من بعدهم قوما آخرين.

стр. 424

﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ اِبْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ﴾ أي على بني إسرائيل، فالكلام لا يزال عنهم ﴿نَبَأَ اِبْنَيْ آدَمَ﴾ أي خبرهما، والخطاب متعلق بالآية (١٥)، وقوله تعالى: ﴿اِبْنَيْ آدَمَ﴾ مجازا، أي هما من بني آدم، وليسا بالضرورة ابني آدم من صلبه، والعرب تقول بني آدم عن جنس البشر، انظر آيات [الحجر: ١٥/ ٢٨ - ٤٢]، ولأن الكلام لا يزال عن بني إسرائيل، فيحتمل أنهما رجلان منهم، بدليل قوله تعالى في آخر القصة: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ (٣٢)﴾. ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي أخبرهم بحقيقة القصة، وبالغرض المقصود منها وهو تقبيح الحسد وعاقبته السيئة، لأن علاقة الآية بما قبلها هو موضوع الحسد بالذات، وأن الحسد قديم في بني آدم كما في بني إسرائيل بالذات، ومن ذلك أن أهل الكتاب من اليهود والنصارى كفروا بالبعثة الإسلامية لحسدهم محمدا ﷺ فيما آتاه الله من الدين الحق، ولأنهم ظنّوا أنّ النبوة لا تكون إلا فيهم ولا تخرج عنهم، فعتوا واستكبروا. ﴿إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ القربان هو ما يتقرّب به إلى الله تعالى، كالأضحية أو الصدقة، ولم تذكر الآية كيف علما أنّ القربان تقبّل من أحدهما ولم يتقبّل من الآخر، ولعلّهما علما ذلك من نبيّ في زمانهما، وأما قول البعض أن النار كانت تنزل من السماء فتأكل الذبيحة أو القربان المقبول فذلك من الإسرائيليات، وأما قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ عَهِدَ إِلَيْنا أَلاّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٨٣]، فلأن اليهود كانوا يحرقون القرابين بالنار بحسب شريعتهم، ولا تزال طائفة السامريين منهم تحرق القرابين في نابلس بفلسطين إلى اليوم. ﴿قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ أي قاله الذي لم يتقبّل قربانه لأخيه متوعّدا إياه، فأجابه: ﴿قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ بيّن له أخوه سبب قبول قربانه: وهو

стр. 425

التقوى، والمعنى: عليك يا أخي بالتقوى، فإنّه تعالى لا يقبل الأضاحي والصدقات إلاّ من المتّقين، ثمّ تابع قوله واعظا أخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ (٢٨) ٢٨ - ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ أي لا يمكن أن أكون قاتلا، فهذا مناف للتقوى ﴿إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ بأن أصبح قاتلا، فهو يعظ أخاه ليثنيه عن محاولة القتل، وليس في الآية ما يفيد عدم دفاعه عن نفسه، وإنما هي موعظة لأخيه وتأكيد عدم إقدامه على القتل، وفي الحديث: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قيل يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال كان حريصا على قتل صاحبه». ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ (٢٩) ٢٩ - ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ وهي تتمة موعظة الرجل لأخيه، وقد ذكر الزجّاج أن تقدير الآية: إني أريد - أن تكفّ عن قتلي كراهة - أن تبوء بإثم قتلي، وإثم فعلك الذي من أجله لم يتقبّل قربانك. وهذا الحذف أو الإضمار - قبل حرف أن - شائع في التنزيل، كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ٤/ ١٧٦]، أي كراهة أن تضلوا أو لئلاّ تضلّوا، وقوله ﴿وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل: ١٦/ ١٥] أي كراهة أن تميد بكم، وغير ذلك من إضمار الجمل أو إضمار المضاف كثير، ﴿فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ المعنى: أخاف عليك يا أخي أن تكون عاقبتك في النار، فهي جزاء الظالمين لا محالة. ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٣٠) ٣٠ - ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ﴾ رغم كل المواعظ من أخيه فإنّ نفسه الأمارة بالسوء ذللت له أمر القتل فأطاعها ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ خسر أخاه، وخسر نفسه في الدنيا والآخرة.

стр. 426

﴿فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ (٣١) ٣١ - ﴿فَبَعَثَ اللهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ السوأة هي ما يسوء ظهوره أو يسوء مظهره، ورؤية جسد الميت، ولا سيما القتيل ممّا يسوء الناظرين إليه، والمعنى أن القاتل إضافة إلى جريمته ترك جثة أخيه في العراء بلا دفن، حتى بعث الله غرابا يحفر في الأرض بحثا عن الطعام، ممّا أوحى إلى القاتل أن يحفر حفرة لدفن أخيه القتيل: ﴿قالَ يا وَيْلَتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي﴾ قالها متحسرا بعد أن اكتشف فظاعة الواقع الذي انتهى إليه ﴿فَأَصْبَحَ مِنَ النّادِمِينَ﴾ صدمته فكرة دفن جثة أخيه تحت الأرض، وأحسّ بفظاعة الجرم الذي اقترفه. ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ﴾ أي من أجل مثل هذه الجرائم التي يقتل فيها الأبرياء ﴿كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي شرّعه تعالى عليهم، ولا يمنع أن ينطبق هذا التشريع على الناس جميعا في كلّ الأزمنة والأمكنة، وإنّما خصّ بني إسرائيل بالذكر لكون الحديث عنهم، والإفساد فيهم أكثر من غيرهم ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي بغير سبب القصاص الذي شرعه تعالى: ﴿أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ أي لإفساد في الأرض، وقد أضمر حرف الجر ﴿فَكَأَنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعاً﴾ لأن الفوضى تعم ويصبح كل إنسان عندئذ معرضّا للقتل، والإشارة إلى تكافل المجتمع وتضامنه، وهو ما يشار إليه في التعبير الحديث بالحق العام ﴿وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النّاسَ جَمِيعاً﴾ إذا امتنع كل فرد عن القتل يكون الجميع آمنين على أنفسهم في المجتمع ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ﴾ بعث في بني إسرائيل الكثير

стр. 427

من الرسل يبيّنون لهم طريق الحق ﴿ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾ مسرفون في المعاصي، وخاصة القتل، رغم مجيء رسلهم لهم بالبيّنات - وفي الآية التالية بيان جزائهم على ذلك -، وكانوا يقتلون الرسل قبل غيرهم من الناس. وشبيه بذلك قوله تعالى مخاطبا بني إسرائيل: ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: ٣/ ٢١]. ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٣٣) ٣٣ - استمرار الخطاب، فبعد أن ذكر تعالى عصيان بني إسرائيل ونقضهم الميثاق وخيانتهم وتمردهم على موسى ﵇، وحسدهم النبي ﷺ ومحاربتهم له، وإسرافهم في قتل الأنبياء، بيّن تعالى في الآية التالية ما حلّ ويحلّ بهم من التقتيل والتنكيل في الحياة الدنيا جزاء لهم على ذلك، بموجب سننه تعالى في خلقه، فقال جلّ شأنه: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ المقصود الذين يحاربون الله ورسله، لأنّ الرسول في هذه الحالة اسم جنس للرسل ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً﴾ وهم اليهود، لأن الكلام من الآية (٢٠) حتى الآية (٣٤)﴾ متصل، وهو عنهم، ولقوله تعالى في الآية المتقدمة: ﴿أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ،﴾ وجزاؤهم: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الواضح أن الآية لا تهدف إلى تشريع القتل أو الصلب، أو تقطيع الأيدي والأرجل من جهات مختلفة لمن يحاربون الله ورسله، وإنما تكنّي الآية عن واقعهم

стр. 428

الذي يصيرون إليه فعلا في الحياة الدنيا، بموجب نظام الأسباب والمسببات، جزاء على ما ارتكبوه من شرور عبر العصور، وهو معنى قوله ﴿مِنْ خِلافٍ﴾ أي من خلافهم، ومخالفتهم الرسل، حتى صار خلافهم الرسل سمة متأصلة فيهم، وأما الصلب فكناية عن العذاب - قال الألوسي في تفسيره آية [الأعراف: ٧/ ١٢٤]: التصليب مأخوذ من الصلب وشاع في تعليق الشخص بحبل في عنقه ليموت وهو المتعارف اليوم -، كما يحتمل أن تقطيع الأيدي والأرجل كناية عن زوال المقدرة، ﴿ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا﴾ تكررت الإشارة إلى خزي اليهود في الدنيا في آيات [البقرة: ٢/ ١١٤، ٨٥]، وآية [المائدة: ٥/ ٤١]، عدا هذه الآية، ومن هذا الخزي الذي حلّ بهم تاريخيا: أولا: سقوط مملكة إسرائيل بعاصمتها شكّيم (نابلس) بيد ملك آشور سرجون الثاني عام ٧٢١ ق. م ونفي وتشتيت قبائل إسرائيل العشرة إلى غير رجعة، ثم سقوط مملكة يهوذا بعاصمتها القدس بيد ملك الكلدانيين نبو خذنصّر عام ٥٨٦ ق. م. ثمّ نفي ما بقي من اليهود إلى بابل، ثم معاناتهم المريرة والمستمرة مئات السنين تحت حكم الفرس واليونان والرومان بعد عودتهم من النفي، وبعد أن رفضوا آخر أنبيائهم عيسى المسيح ﵇ وحاولوا قتله، تم إجلاؤهم عن فلسطين عام ٧٠ م على يد تيطس إمبراطور روما، ثم تمّ تخريب معالم القدس والهيكل تماما وقتل وتشريد من بقي من اليهود على يد القائد الروماني أدريانوس عام ١٣٥ م، فكان في ذلك نفيهم وشتاتهم نهائيا في أنحاء العالم، ثم كان نفيهم من جزيرة العرب بعدما حاربوا النبي ﷺ وتآمروا عليه، ثم اضطهاد المسيحية لهم في أوروبة منذ ذلك الحين حتى العصر الحديث على يد النازيين، كل هذا الواقع يعتبر أيضا مصداقا لما جاء في آيات [الإسراء: ١٧/ ٤ - ٨]، ومصداقا لقوله تعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ﴾ [المائدة: ٥/ ١٣] أي أبعدهم

стр. 429

تعالى من رحمته، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً﴾ [الأعراف: ٧/ ١٦٧ - ١٦٨]، وقد حلّ فيهم التقتيل والتعذيب والتقطيع، من خلافهم أي مخالفتهم الرسل، كما حلّ فيهم النفي من الأرض أي من فلسطين، وتشتّتوا في أنحاء العالم، ولا عبرة بإنشاء دولتهم ولمّ شمل عدد كبير منهم في فلسطين في العصر الحاضر إذ لا شكّ أنه سيتكرر مصيرهم الذي تشير إليه هذه الآية عند ما يغيّر المسلمون ما بأنفسهم. ومن جهة ثانية: فإنّ لفظ كلمات الآية ﴿يُقَتَّلُوا﴾ بتشديد التاء وليس (يقتلوا)، و ﴿يُصَلَّبُوا﴾ بتشديد اللام وليس (يصلبوا) يدل على التكثير والتدريج، فالتقتيل والتصليب غير القتل والصلب، وهو لذلك ينصرف إلى أعداد كبيرة منهم وليس إلى أفراد محدودي العدد، ويعزّز ذلك أنّ الخطاب في الآية هو بالجمع: ﴿الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ وليس بالمفرد، بالمقارنة مع قوله تعالى في آية حدّ السرقة: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٥/ ٣٨] فاستخدم المفرد. ومن جهة ثالثة: فإن سياق الكلام واتصال الآية بما سبقها يقتضي أن يكون الكلام عن عقاب بني إسرائيل بالذات، فالكلام عنهم وعن محاربتهم الله ورسله ورسوله محمد ﷺ بالذات، والسياق ليس في معرض تشريع العقاب ضد أفراد من الناس. ومن جهة رابعة: فإن الآية تتحدث عن: (١) الذين يحاربون الله ورسوله: وهي المرة الوحيدة في القرآن الكريم التي يرد فيها هذا التعبير، وهو شبيه بقوله تعالى عن اليهود ﴿كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ (٦٤)، بسبب كفرهم المتكرر برسالات الله وبرسله وقتلهم الأنبياء وهم قد كفروا بنبوة عيسى المسيح ثم بنبوة محمد عليهما الصلاة والسلام وتآمروا على قتلهما، وترصّدوا ويترصّدون بالمسلمين شرّا ويكيدون لهم، و (٢) ويسعون في الأرض فسادا:

стр. 430

دأب اليهود على إفساد المجتمعات واستغلال البشرية والتحكم بها، ونشر الشذوذ والأمراض الاجتماعية والعضوية فيها، والدليل أن اليهود بالذات هم المقصودون واضح من الآيات (٥٩ - ٦٤)، وفي الآية (٦٤) تكرّر وصفهم بأنهم ﴿يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً،﴾ وهي المرة الوحيدة في القرآن الكريم التي يرد فيها هذا الوصف حرفيا سوى الآية التي نحن بصددها، وأيضا قوله تعالى في الآية المتقدمة: ﴿مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ (٣٢)، فالكلام في هذه الآية استمرار لما سبقها، وأيضا قوله تعالى لهم على لسان موسى ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: ٢/ ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ١٧/ ٤]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٨]، أي إن عدتم إلى الإفساد عدنا إلى عقابكم، والمعروف أن اليهود يعتقدون منذ القدم أن البشر قسمان: اليهود، والأغيار حسب تعبيرهم، والأغيار من ليسوا على دينهم، وأنه من واجبهم إفساد من ليس على دينهم كي تبقى لهم السيطرة (انظر كتاب إسرائيل شاحاك/تاريخ الديانة اليهودية)، ودينهم دين عنصري لا يريدون من غيرهم الدخول فيه بل هو مختص بهم فقط حسبما يعتقدون. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ كل عذاب الدنيا المذكور آنفا هو بالإضافة لما ينتظرهم من العذاب العظيم في الآخرة، وهذه الآية من درر سورة المائدة وفيها كشف عن الغيب وتشخيص لأحوال اليهود وطبائعهم على المدى القصير والطويل، وهم قد بذلوا قصارى جهدهم لمحاربة الإسلام على المستويين الديني والسياسي، فمن جهة أدخلوا الكثير من الإسرائيليات في التفسير القرآني وفي الحديث الشريف لكي يفسدوا على المسلمين دينهم، كما سبق أن أفسدوا اليهودية والنصرانية، ومن جهة ثانية فإن التحدي اليهودي للإسلام على المستوى الديني والسياسي والعسكري قد بلغ ذروته بتفكيك الدولة العثمانية، ثم باحتلال اليهود لفلسطين والقدس.

стр. 431

وأما القول إنّ الآية عبارة عن تشريع لعقوبة قطاع الطرق والخارجين على الحكومة الإسلامية، فعدا أنّ هذا المعنى ضيّق وبعيد جدّا ولا يستقيم مع النظم القرآني، فإن أصحاب هذا القول لم يتفقوا على تحديد أي من العقوبات، القتل أم الصلب أم التقطيع أم النفي، تنطبق على المجرمين ولأي ذنب من الذنوب؟ وهم قد حاروا في تحديد معنى النفي من الأرض؟ إذ لا يعقل نفي المجرم من بلد إسلامي إلى بلد إسلامي آخر لينقل جرائمه إليه، كما لا يعقل نفيه إلى بلد غير إسلامي، وفسّر بعضهم ذلك بالسجن في زنزانة تحت الأرض، وهو لا يكاد يفي بالمعنى، عدا كون بعض هذه العقوبات مطابقة لعقوبة فرعون لمخالفيه، قال تعالى على لسان فرعون: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٢٤]، فلا يليق أن تكون عقوبة الطاغية فرعون للمؤمنين كعقوبته تعالى لمن يحاربون الله ورسوله. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ أي تابوا عن محاربة الله ورسله، وتابوا عن الإفساد في الأرض، وكانت توبتهم قبل أن ينتشر الإسلام وقبل أن تصبح السيطرة للدولة الإسلامية وتكون لها اليد العليا، لأن توبتهم بعد ذلك لا يكون لها قيمة حقيقية أو دينية أو أخلاقية، سوى أنها مسايرة للأوضاع السائدة، فلا تكون - على الأغلب - عن قناعة منهم، والمعنى أنه ما لم تكن توبتهم صادقة فإنهم يستمرون في المعاناة من العذاب المشار إليه في الآية السابقة، وقد تاب بعضهم، وأظهر بعضهم الآخر الدخول في الإسلام أيام الدولة الأموية والعباسية وفي الأندلس وفي الدولة العثمانية ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي إنّ الله تعالى يغفر ذنوب الذين يتوبون منهم قبل ذلك، فينجيهم من العذاب العظيم في الآخرة، المشار له في آخر الآية السابقة.

стр. 432

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَاِبْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٣٥) ٣٥ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ﴾ اتصال المعنى بما قبله ذو مغزى، أي لا تكونوا أيها المؤمنون كاليهود الذين يحاربون الله ورسله ويسعون في الأرض فسادا، ويحفزهم الحسد، ويغترّون بدينهم ويزعمون أنهم أبناء الله وأحبّاؤه، فحوّلوا دينهم إلى جنسية عصبية، فاعتبروا بعاقبة اليهود من قبلكم، وعليكم بتقوى الله ﴿وَاِبْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ الوسيلة ما يتوسّل به إلى المقصود، والمعنى توسّلوا إلى مرضاته تعالى بالعلم والعبادة والعمل واتباع مقاصد الشريعة ﴿وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الجهاد من الجهد وهو المشقة والتعب، والمعنى أن التقوى وابتغاء الوسيلة إلى مرضاته تعالى تحتاج أن يجاهد المرء نفسه، عدا عن مجاهدته أعداء الدين بالحجة والإقناع، والدفاع عن دار الإسلام. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣٦) ٣٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الإشارة إلى اليهود وغيرهم ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ بعد أن حثّ تعالى المؤمنين على التقوى وابتغاء الوسيلة إليه والجهاد في سبيله، أوضح لهم في هذه الآية أن لا يغتروا بما عند الكفار من الغنى وأملاك الدنيا، لأنها على كثرتها لن تنفعهم في الآخرة ﴿ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ لأنّ فترة الاختبار والتكليف في الحياة الدنيا قد فاتتهم، بعد أن كان لهم فيها حرية الخيار، فبعد أن تكشف الحجب يوم القيامة، وتظهر الحقيقة جليّة، لا تنفعهم شفاعة الشافعين، ولا ما خلّفوا في دنياهم من المادة ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ النتيجة الطبيعية لمنكري الحقيقة ومعاندي الفطرة. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾.

стр. 433

٣٧ - ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أي أنهم يريدون التوبة بعد أن أيقنوا بالحقيقة التي سبق أن ضلّوا عنها، ويودّون لو أنّ لهم فرصة أخرى للاختبار بعد أن فات الأوان، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾ [الأنعام: ٦/ ١٥٨]. ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣٨) ٣٨ - قد يلاحظ في هذه الآية انتقال - في ظاهره مفاجئ - من آيات الإيمان والكفر والأنبياء، إلى موضوع التشريع العملي، غير أنّ أسلوب القرآن الكريم يتعمّد، في كثير من المواضع، ربط آيات التشريع الاجتماعي والتطبيق الحياتي مع آيات التوحيد والإيمان والأخلاق، والسبب أنّ حياة الإنسان وحدة متكاملة لا تنفصل النواحي الروحية فيها عن النواحي الحياتية المعيشية. ومن جهة ثانية، يحتمل أن يكون ارتباط المعنى بما قبله أنّ أكثر أموال الكفار من اليهود وغيرهم - المشار إليها بالآية ٣٦ - قد جمعوها بالسرقة وبطرق غير شرعية، فبيّن تعالى جزاءهم: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ الخطاب موجّه للإمام أو الحكومة، وقد أجمعوا أنه ليس لآحاد الرعية إقامة الحدود على الجناة، وينظر إلى حدّ السرقة في الإسلام ضمن المبدأ الإسلامي: أن لا تكليف على المسلم - ولا عقوبة - إلاّ أن يكون له حقّ بالمقابل، فمن حقوق أي شخص في المجتمع الإسلامي أن يتمتّع بحماية المجتمع، بكلّ ما في هذه الكلمة من معنى، وعلى المجتمع أيضا أن يضمن لكلّ شخص مستوى أدنى من الحياة المعيشية بما يتناسب مع مقدرة المجتمع وموارده الاقتصادية، لأنّ المجتمع الإسلامي لا يكتفي بتزويد المرء بحاجاته الروحية فقط بل يضمن حاجاته المادية أيضا، ويحقق له فرص العمل

стр. 434

بما يضمن الحد الأدنى من رفاهية الحياة التي من دونها لا يمكن أن يكون هنالك كرامة، ولا حرية فكر، ولا حرية اختيار للمرء، ومن الواضح استحالة وجود مجتمع فاضل ومتناسق وقوي ما دام بعض أفراده محرومين، في حين يتمتع بعضهم الآخر بما يفوق حاجاتهم بكثير، فعندما تكون موارد المجتمع موزّعة على الناس بصورة شاذة بحيث يعيش البعض في تبذير وبحبوحة فاحشة، ويعيش الباقون في ضيق وضنك، ولا يجدون فرصا للعمل، فعندئذ يكون المجتمع بأكمله في خطر، وقد يختل الأمن، وقد يدفع الوضع بالمجتمع إلى أحضان المادية الملحدة، وفي الحديث: «كاد الفقر أن يكون كفرا»، ففي حال ضمن المجتمع الإسلامي العدالة الاقتصادية - الاجتماعية لجميع الناس، ووفّر الحماية والأمن لهم، فعندئذ لا يمكن التساهل مع السارق لأن ضرره لا يقتصر على أفراد محدودين، وإنما يتعداه إلى المجتمع بأكمله. ولو أهمل المجتمع حقوق الأفراد لأصبح الإغراء على السرقة لدى بعض المحرومين لا يقاوم، بسبب الحاجة والفقر المدقع، وعندئذ يمتنع تطبيق حد السرقة حسب النص، لأن المجتمع يجب أن يقوم بواجباته تجاه الأفراد أولا، حتى يمكن بالمقابل تطبيق الحدّ المنصوص على السارق، وفي حال تقصير المجتمع يجب الاكتفاء بعقوبات على السرقة أخف من نصّ الآية، ولعل هذا هو السبب أنّ عمر بن الخطاب ﵁ أوقف حد السرقة في عام المجاعة، لأن الدولة عجزت عن تأمين أسباب العيش الكريم للجميع، ومن العجيب الطريف في هذا العصر أن بعض الدول الإسلامية تظن أن تطبيق الشريعة الإسلامية يبدأ بتطبيق الحدود، في حين أن تطبيقها لا يتأتّى إلا بعد ضمان رفاهية العيش أولا، وفي جميع الأحوال فقد اشترطوا عدة شروط في قطع اليد، منها أن يكون الشيء المسروق في الحرز، أي لا يكون معرّضا، كما اشترطوا حدّا أدنى للقيمة المسروقة وإن اختلفوا فيها، كما اتفقوا أن لا قطع في سرقة الطعام.

стр. 435

﴿جَزاءً بِما كَسَبا﴾ أي ذلك الجزاء على ما اكتسب السارق أو السارقة من الإثم ﴿نَكالاً مِنَ اللهِ﴾ ليكون ردعا أو عبرة للغير ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ عزيز في عقابه، حكيم في شرعه. ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ أي من تاب عن السرقة بعد أن ظلم غيره بسرقة مال الغير، وظلم نفسه بهذه المعصية، ثم أصلح أعماله بعد توبته فإنه تعالى يقبل توبته، وقالوا يسقط عنه قطع اليد إذا تاب قبل أن يصل أمره إلى الحاكم، وفي جميع الأحوال لا يسقط حق صاحب المال فلا بدّ من إعادة المسروقات إلى أصحابها حتى تصحّ التوبة. ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤٠) ٤٠ - ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾ أي بعد كل ما تقدّم، والخطاب موجّه لكل مسلم، أو لكلّ من يقرأ القرآن ﴿أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فتجري الأمور فيهما وفق سنة الخالق في خلقه ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ﴾ من الكفار والعصاة المجرمين، ويمهل الباقين منهم، ولولا ذلك لهلك كل كافر وعاص عقب كفره ومعصيته دون إمهال ﴿وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ﴾ من التائبين ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من ثواب وعقاب. ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾.

стр. 436

٤١ - استمرار الخطاب من الآيات (٢٠ - ٣٧)، والخطاب وإن كان للنبي ﷺ ، غير أنه يخصّ كلّ مؤمن بالقرآن في كل عصر، والآية كما تتحدث عن المنافقين واليهود في زمن البعثة النبوية، فهي تشير أيضا إلى جميع المغرضين والمتحيّزين ضدّ الإسلام في كلّ العصور، الذين لا يبالون أن يأخذوا معلوماتهم عن الإسلام من أي جهة كانت، بدلا من الرجوع إلى القرآن نفسه إن كانوا يريدون الاستنارة حقا: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي لا تحزن إذا ظهر منهم الكيد للإسلام والتآمر مع الكفار، فما عليك إلاّ البلاغ ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ وهم المنافقون ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ هم اليهود وقيل سمّوا يهودا حين تابوا من عبادة العجل فقالوا: ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٥٦]، وقيل لنسبهم إلى يهوّذا ابن يعقوب. ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي يسمعون منك لأجل الكذب عليك، وليس لغرض التعلم منك، فكانوا يمزجون كلام النبي بالزيادة والنقصان والتبديل والتشويه، وهذا الكذب على النبي ﷺ لم يقتصر على زمن البعثة النبوية، بل تعداه إلى قرون متأخرة بعد ذلك، حيث دسّ اليهود القصص الإسرائيلية في التفسير والحديث ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ هم جواسيس لقوم آخرين لم يحضروا إلى عندك، أي أنهم سمّاعون من الرسول لأجل قوم آخرين من اليهود أرسلوهم ليكونوا جواسيس لهم ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ يحرّفون ما يسمعون من الكلام، كما سبق أن حرّف أحبارهم نصوص التوراة، وتقدير الخطاب: يحرفون الكلم من بعد وضعه في مواضعه ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ يريدون إقناع أنفسهم أنهم مؤمنون بالوحي، ومع ذلك فإنهم ينتقون من الوحي ما يلائم أهواءهم ورغباتهم وشهواتهم فقط، ويتركون ما عدا ذلك ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللهُ فِتْنَتَهُ﴾ الفتنة هنا بمعنى الضلال لأن هذا

стр. 437

هو محور الآية ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللهِ شَيْئاً﴾ لأن سنته تعالى في خلقه اقتضت أن يتمتع الإنسان بحرية الخيار ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ لأن من يختار الضلال فإنه تعالى لا يجبره على الهدى، وإلا بطل التكليف وصار الإيمان قسرا ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ وهو المصير الذي يلاقيه المنافقون واليهود في الحياة الدنيا ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ جزاء لهم على ما اختاروه من الضلال، بعد أن بعث لهم تعالى خاتم الأنبياء والرسل ليبين لهم الحقيقة ويصحح معتقداتهم. ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (٤٢) ٤٢ - ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ أي إنهم، من أجل الكيد للإسلام ولتشويه سمعته، مستعدّون لتلقّي الكذب من أي جهة لأجل نشره، ويقال فلان سمع الكذب أي قبله ﴿أَكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ السحت هو المال الحرام، وهو أيضا الاستئصال لأن الحرام يستأصل صاحبه، قال تعالى: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذابٍ﴾ [طه: ٢٠/ ٦١]، ﴿فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ احكم بينهم إن جاؤوك مخلصين في طلب الحكم والقضاء ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إن كان هدفهم مجرّد التشويش والشغب أو البحث عن حكم يطابق هواهم ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً﴾ لأنك على الحق، ولقوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ (٦٧)، ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل وفق المبادئ الإسلامية التي جاء بها القرآن، وليس وفق رغباتهم ونزواتهم ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ الذين يحكّمون العدل. ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٣)﴾.

стр. 438

٤٣ - ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللهِ﴾ كيف يحكّمونك؟ ولم يسبق لهم أن احتكموا إلى التوراة الصحيحة! وفيها أحكام شريعتهم كما نزلت على موسى ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ فقد تولّوا عن التوراة بعد أن نزلت عليهم، فكانوا وأجدادهم يحرّفون الكلم من بعد مواضعه فيما لا يطابق أهواءهم ﴿وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ فلو كانوا مؤمنين حقا لقبلوا التوراة الصحيحة بكاملها، ولكنهم تلاعبوا ويتلاعبون بالوحي الذي نزل عليهم، ويكتبون من عندهم، ويرفضون الوحي الذي نزل على غيرهم، لأنهم لا يريدون الإيمان إلاّ بما يطابق هواهم، فقد اختاروا الضلال على علم منهم، وليس عن جهل. ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاِخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ (٤٤) ٤٤ - ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ﴾ ذكر الرازي أن الهدى هو بيان الأحكام والتكاليف والشريعة الكاملة، والنور هو بيان التوحيد والنبوّات والآخرة ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ هم أنبياء بني إسرائيل ابتداء بموسى ومن بعده من أنبيائهم - وهم كثر - حتى بعثة عيسى المسيح ﵈، وأسلموا بالمعنى العام لأن جميع الأنبياء كانوا مسلمين، أي أسلموا وانقادوا وأذعنوا لله على ملة إبراهيم ﵇، ولأنّ أنبياءهم لم يكونوا موصوفين باليهودية أو المسيحية أصلا، وإنما جاءت هذه الأوصاف بعدهم، انظر شرح الآيات (١٣ - ١٤). ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ وهم اليهود، والمعنى أن أنبياء بني إسرائيل كانوا يحكمون لليهود بما في التوراة، لأن شريعة التوراة خاصة بهم دون غيرهم ﴿وَالرَّبّانِيُّونَ﴾

стр. 439

﴿وَالْأَحْبارُ﴾ ويحكم بالتوراة أيضا الربّانيّون والأحبار، أما الربّانيّون فالمقصود بهم المنسوبون إلى الربّ لأنهم متعمقون في معاني الوحي وملتزمون به، والأحبارهم علماء اليهود ﴿بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ﴾ كتاب الله هو التوراة المفترض أن يحكم بها النبيون والربانيون والأحبار بأحسن فهم لها، لقوله تعالى مخاطبا موسى ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها﴾ [الأعراف: ٧/ ١٤٥]. ﴿وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ المعنى أن أنبياء اليهود والربّانيون والأحبار، وعوا المعنى الحقيقي للكتاب وأيقنوا به، فكأنهم شهود على صحته ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاِخْشَوْنِ﴾ الخطاب موجه إلى الربانيين والأحبار اليهود زمن البعثة الإسلامية، والمعنى احكموا بالصحيح من كتابكم ولا تخشوا قومكم، وخاصة فيما عرفتموه عن مجيء خاتم الأنبياء والرسل ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ الثمن القليل هو الزعامة الدنيوية والدينية التي كان اليهود يخافون فواتها لو تبعوا النبي ﷺ ، فقد رسخ فيهم الوهم أنهم شعب الله المختار، وأن النبوة محصورة فيهم إلى الأبد ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ لأنهم فضّلوا أحكامهم الظنية وأهواءهم على حكم الله. ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٤٥) ٤٥ - ﴿وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أي النفس تقتل بالنفس قصاصا ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ وردت هذه العقوبات المشددة عند اليهود في كتابهم (سفر الخروج ٢١/ ٢٣ - ٢٥)، غير أنّ المقصود منها المماثلة والمساواة في العقوبة، وعدم التجاوز والتعدّي، والنهي عن التشفّي والانتقام، وهو معنى القصاص لغة ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ أي إن العفو، من قبل وليّ المقتول أو من قبل الجريح،

стр. 440

يكفّر من ذنوب القتيل أو الجريح، ويحتمل أن هذا التخفيف كان في شريعة اليهود أيضا فتركوه لشدة تعصبهم وتعنتهم ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ بوجوب التسوية، وتحريم الغلوّ والتعدي في العقاب ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ المغالون في العقوبة يظلمون غيرهم وأنفسهم، راجع أيضا شرح آية [البقرة: ٢/ ١٧٨]. ﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤٦) ٤٦ - ﴿وَقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ﴾ أي أرسلنا عيسى بن مريم على آثار أنبياء بني إسرائيل المشار إليهم في الآية السابقة ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ مصدّقا ما تبقّى بين يديه من صحيح التوراة وقت بعثته، بعد أن حرّف اليهود بعضها وأضاعوا بعضها الآخر وأضافوا إليها ما شاءوا، انظر شرح آيات [المائدة: ٥/ ١٣] و [آل عمران: ٣/ ٣]، ﴿وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ﴾ تصحيحا لانحراف اليهود ﴿وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الإنجيل أيضا، وقت نزوله، كان مصدّقا لما تبقى من صحيح التوراة في ذلك الوقت. ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٤٧) ٤٧ - ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ﴾ أي بموجب الوحي الذي نزل على عيسى المسيح، لأن الواقع أنهم لم يلتزموا برسالة المسيح ولم يحكموا بها، وإنما اتبعوا الديانة التي ابتدعها بعده بولس، ثم أقرها رسميا المجمع المسكوني الأول في نيقية عام ٣٢٥ م برعاية قسطنطين الكبير إمبراطور بيزنطة، ولذلك يسمّون هذه الديانة اليوم مسيحية بولس Pauline Christianity بما اشتملت عليه من إقرار ألوهية المسيح، أو جعله ابن إله، مما لم يكن معروفا للمسيح ولا لأتباعه، وبولس المذكور لم يكن من تلاميذ المسيح كما أنه لم يلتق به في حياته،

стр. 441

وكان قد قاوم بعثة المسيح وأنصاره مقاومة مريرة واستعدى الرومان عليهم، ثم بعد رفع المسيح ﵇، ادّعى بولس النصرانية بعد أن كان في طريقه إلى والي دمشق للوشاية ببعض النصارى. كان بولس متشربا للثقافة اليونانية «الهلنستية» الغاصة بقصص آلهة اليونان وسلالاتها الخرافية فاستساغ إدخالها على عقيدة المسيح، وأكثر كتابات العهد الجديد من تأليفه، وقد لاقت أفكاره هوى لدى قسطنطين الكبير إمبراطور بيزنطة لأنه كان هو نفسه وثنيا هلنستيا يوناني الثقافة، وكان يخشى وقوع الحروب الأهلية بين الطوائف المسيحية في بلاده، فادّعى النصرانية وقرر جمع مملكته على مبدأ بولس، ولهذا الغرض عقد مؤتمر نيقية تحت إشرافه عام ٣٢٥ م وجمع فيه مختلف رجال الدين المسيحي من كل الفئات، وأصدر مرسوما إمبراطوريا بإعلان ديانة بولس ديانة رسمية للدولة، ولم يوافقه على ذلك سوى أقلية من رجال الدين المجتمعين في نيقية، ثم حدثت الاضطهادات الرهيبة في الإمبراطورية ضد الموحدين بزعامة أريوس أسقف الإسكندرية الذي رفض ألوهية المسيح واعتبره بشرا كباقي الناس، وأريوس هو الذي وردت الإشارة إليه في رسالة النبي ﷺ إلى هرقل إمبراطور بيزنطة عند ما كتب له: «أسلم تسلم فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيين»، انظر أيضا شرح آيات [آل عمران: ٣/ ٣]، [النساء: ٤/ ١٧١]، [المائدة: ٥/ ١٣]. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ المعنى أن أهل الإنجيل لم يحكموا بالإنجيل، وإنما حكموا ويحكتمون إلى أفكار ومبادئ بولس الدخيلة ممّا لم ينزل به الوحي، فاؤلئك هم الفاسقون بالمعصية والخروج عن أصل الشريعة. ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨)﴾.

стр. 442

٤٨ - هذه الآية استمرار الخطاب، الذي بدأ بالآية (٤١)، للرسول ﷺ ، فبعد أن وجّهت الرسول لكيفية التعامل مع اليهود والمنافقين، وذكرت نزول التوراة على بني إسرائيل وأنهم لم يحافظوا عليها ولم يقوموا بمقصدها، ثم نزل الإنجيل على عيسى المسيح ﵇ كي يرشد اليهود من ضلالهم إلى جادة الصواب فكفروا به، ثمّ إنّ النصارى أنفسهم لم يتمسّكوا بإنجيل عيسى ولم يحافظوا عليه، وإنما ضلّوا عنه إلى ديانة بولس، وفي هذه الآية يكمل تعالى الخطاب لرسوله، فقال جلّ ثناؤه: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ﴾ الكتاب هنا بمثابة اسم علم للقرآن لأنه تعالى ذكره تخصيصا بعد التوراة والإنجيل، والمعنى: أنزلنا، إليك أيها الرسول، القرآن متضمنا ومبيّنا الحق في كل الأمور التي ضلّ عنها أتباع الرسالات السابقة بعد أن حرّفوا وبدّلوا وأضافوا في كتبهم ﴿مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ﴾ الكتاب هنا اسم جنس للكتب السابقة التي نزلت على الأنبياء، والمعنى أن القرآن يصدّق الصحيح مما تبقّى في كتبهم - وهو معنى قوله ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي ما بقي من الكتاب الصحيح، وليس ما أضافوه أو حرّفوه ﴿وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ لأن القرآن ختم الرسالات السابقة فأتى بشرائع وتكاليف جديدة، ونسخ من التكاليف والشرائع السابقة، انظر آية [البقرة: ٢/ ١٠٦]، وهو أيضا المعيار الذي به يعرف صدق، ما تبقى من الوحي السابق من زيفه، بعد أن اختلط كلام البشر بالكتب المنزلة ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ﴾ أي احكم في أمور العقيدة لديهم بموجب هذا المعيار - وهو القرآن - ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾ التي أضلتهم، فقالوا بالتثليث، ونسبوا الألوهية إلى المسيح، أو جعلوه ابن إله ﴿عَمّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ لا تميل عما جاءك من الحق، لأنه تصحيح لانحرافاتهم. ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً﴾ الشرعة هي ما يشرع به أو يبدأ به، والمنهاج هو الطريق الواضح السهل الموصل إلى الهدف، والمعنى أنه تعالى جعل

стр. 443

لكل أمة، عبر العصور، مبدأ وطريقا يوصلها إلى السلامة الدنيوية والروحية، ومتناسبا مع ظروفها وعصرها ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً﴾ بأن أجبركم على مبدأ وطريق واحد منذ بدء الخليقة ﴿وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ فمنحكم حرية الخيار تكريما لبني آدم، حتى يكون اختياركم الحق من الضلال عن طريق الاقتناع، باستعمال الفكر والعقل، وليس بالقسر والإكراه ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ﴾ أي تنافسوا باستخدام العقل والفكر للوصول إلى الخير والتفاهم، وليس العداوات ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾ في الآخرة ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي يخبركم يوم القيامة ما كنتم عليه من الحق أو الضلال، فيجازيكم عليه من ثواب أو عقاب. ﴿وَأَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاِحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ (٤٩) ٤٩ - ﴿وَأَنِ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ﴾ التكرار في التوجيه الإلهي تمهيد للتحذير الذي يليه، وهو في نفس الوقت ذو دلالة عامة، أي إن الحكم بين الناس يجب أن يكون بموجب الشرع الذي قرره الوحي وليس بموجب الأهواء، أي الأحكام الوضعية ﴿وَاِحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ احذرهم أيها النبي، والدلالة احذرهم أيها المسلم في كل الأزمنة والعصور، أن يفتنوك أي يذهبوا بعقلك، لأن الفتنة بهذا المعنى ذهاب العقل، والمعنى أنّ من يميل إلى تصديقهم في بعض ما يقولون كالتثليث وتأليه المسيح وغيره من الضلالات، فكأنما ذهب عقله ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ إن تولّوا عن الحكم بمعيار القرآن في أمور عقيدتهم ﴿فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ وليس بجميع ذنوبهم، لأنه لو أصابهم بها جميعا لهلكوا على الفور، والمعنى العام أيضا أن التولي المتعمّد عن تعاليم القرآن يحمل في طياته بذور

стр. 444

النزاعات الداخلية وتفسخ وهلاك المجتمعات ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ لَفاسِقُونَ﴾ عاصون، خارجون عن الشرعة التي جعلها الله لهم. ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٥٠) ٥٠ - ﴿أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ اليهود والمسيحية يريدون حكم الجاهلية، بعد أن تولّوا عن القرآن ولم يقبلوا بحكمه، وليس المقصود الجاهلية بمعناها الضيق التي سبقت الإسلام في الجزيرة العربية، وإنما هي تعبير عن كل مجتمع في أي مكان وأي عصر يبني نظامه على أحكام وضعيّة مخالفة للشريعة، طبقا لما يراه الناس أو الأفراد مناسبا لهم، أو مطابقا للذّاتهم، أو مفيدا لمصالحهم الاقتصادية، ولو على المدى القصير، بغض النظر عن دواعي العقل والأخلاق والدين، وفي الآية أيضا تحذير ضمني للمسلمين في كل العصور من تحويل مجتمعاتهم إلى مجتمعات جاهلية - الآية ٥٤ - ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ الذين لديهم إيمان بالله يوقنون أنّ الشرع الذي أنزله الوحي أفضل لمصالح البشر من الأحكام الوضعية. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (٥١) ٥١ - بعد أن ذكر تعالى أنه أنزل التوراة على بني إسرائيل فلم يعملوا بها، ثم أنزل الإنجيل فلم يعمل به النصارى، فقد أنزل القرآن مهيمنا على كتبهم جميعا، معيارا مبينا الصحيح من الزيف، فيما تبقى منها، ثمّ حذّر المؤمنين أن يفتتنوا بهم، وهنا ينتقل الخطاب إلى النهي الصريح عن التحالف معهم ضد باقي المؤمنين: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ﴾ الكلام عن اليهود والنصارى كمجتمعات ودول، وليس كأفراد، وفيه نهي صريح عن اتخاذ اليهود والنصارى أنصارا وحلفاء ضد أهل الإسلام، كما هو نهي صريح عن تقليدهم

стр. 445

كمجتمعات جاهلية لأن الخطاب استمرار للآية المتقدمة ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي أن اليهود أولياء بعضهم البعض، والنصارى أيضا أنصار لبعضهم البعض، كما أن مجتمعات اليهود والنصارى قد تتحالف معا ضد الإسلام، وفي ذلك إخبار بالغيب لأن اليهود والنصارى كانوا أعداء بعضهم لبعض، قبل الإسلام وحتى عهد قريب، ولم يتحالفوا معا ضد المسلمين إلا بعد ثورة البروتستانت ونشوء التحالف البروتستانتي - اليهودي واستمراره إلى اليوم، وما صار يعرف بالمسيحية الغربية المتصهينة، أو الأصولية المسيحية، أو اليمين المسيحي المتطرف، ومغزى الآية أيضا أن يكون المسلمون أنصارا وحلفاء بعضهم لبعض ضد التحالف المسيحي - اليهودي ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ من يكون من المسلمين حليفا معهم ضد إخوانه، يكون كالخارج عن دينه، ولا يمنع ذلك مودة المسالمين منهم والإحسان إليهم، انظر آيات [الممتحنة ٦٠/ ٨ - ٩]، ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ المسلمون الذين يخالفون التوجيه الإلهي المذكور في هذه الآية فيتحالفون مع مجتمعات اليهود أو النصارى ضد بني دينهم، ويقيمون مجتمعاتهم على الجاهلية اليهودية أو النصرانية، أمثال هؤلاء يختارون طريق الضلال فيحرمهم تعالى من توفيقه وهديه. ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾ (٥٢) ٥٢ - ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هم المنافقون ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ يسارعون في التحالف مع دول اليهود والنصارى، وتقليدهم، حرصا على مصالحهم المادية، خاصة عند ما يكون اليهود والنصارى ذوي قوة عسكرية، وهيمنة اقتصادية وسياسية ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ المنافقون يخافون أن تدور الدائرة في المستقبل، لصالح دول اليهود والنصارى ضد المسلمين، فهم يريدون اتخاذ الحيطة سلفا، حفاظا على مصالحهم الآنيّة ﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَ﴾

стр. 446

﴿بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ قد يفتح الله تعالى على المسلمين بالنصر المباشر، أو غير المباشر ممّا لم يكن في الحسبان، فيكون ذلك مدعاة لحسرة وندم المنافقين ﴿فَيُصْبِحُوا عَلى ما أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ﴾. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ (٥٣) ٥٣ - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بعضهم لبعض، تعجبا من أمر المنافقين: ﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ﴾ لأنّ المنافقين سبق أن أقسموا أغلظ الأيمان أنهم مع المؤمنين، ثم تبيّن كذبهم بانكشاف حلفهم مع اليهود والنصارى ﴿حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ وهو مغزى الآيات (٥١ - ٥٣) لأنّ أعمال المنافقين بنتيجة تحالفهم مع مجتمعات اليهود والنصارى ضد المؤمنين، وتقليدهم، لا تعود عليهم إلا بالفضيحة والخذلان، فيخسرون دنياهم وآخرتهم. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (٥٤) ٥٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الخطاب استمرار لما سبقه، والمعنى أنّ المسلمين الذين يريدون إنشاء مجتمعات جاهلية، الآية (٥٠)، أو الذين يتخذون اليهود والنصارى أولياء فيتحالفون معهم ضد إخوانهم المسلمين، الآية (٥١)﴾، في أي عصر من العصور، وفي أي مجتمع من المجتمعات، يكونون كمن ارتدّ عن دينه، وبالتالي فإنّ مصير دولتهم إلى الزوال كما هو مذكور في تتمة الآية: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ فتزول دولة المرتدين - المتحالفين مع دول اليهود والنصارى ضد إخوانهم المسلمين، أو المقيمين مجتمعاتهم على أسس جاهلية - ويحل محلّهم أقوام يقيمون مجتمعهم على

стр. 447

الإسلام ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ يتحمّلون التضحيات، على النقيض ممّن في قلوبهم مرض - الآية ٥٢ - ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ﴾ وهو الجهاد وصفاء القلوب من النفاق ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ الله تعالى واسع المقدرة، غالب على أمره، عليم بالعواقب. ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ﴾ (٥٥) ٥٥ - ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ﴾ الخطاب استمرار لما سبق، والولاية بمعنى النصرة، والمغزى أن لا فائدة من المسارعة باتخاذ مجتمعات اليهود والنصارى أنصارا لبعضكم ضدّ بعض، لأن ذلك كالردّة عن الدين، وإنّما الذي ينصر المؤمنين فعلا هو الله، باتباعكم كتابه ﴿وَرَسُولُهُ﴾ باتباعكم سنّته، واتّباع الذين آمنوا المتصفين بالخشوع: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ﴾ المراد من الركوع هو الخضوع والخشوع، والمعنى أن المسلمين المقيمين لأركان الإسلام، عن خضوع وخشوع لله تعالى، هم الذين يرجو منهم المسلم أن يكونوا أنصارا له. ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ (٥٦) ٥٦ - ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ بعد أن نهى تعالى المؤمنين أن يتولّوا مجتمعات اليهود والنصارى، وأخبرهم أنّ أولياءهم الحقيقيين هو الله، ورسوله، والمؤمنون الخاشعون، فهذه الآية تؤكد لهم أن الذين يعتمدون في نصرتهم على الله ورسوله، وعلى المؤمنين الخاشعين، فإن الغلبة النهائية تكون لهم، وقد شرّفهم تعالى بلقب حزب الله. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾.

стр. 448

٥٧ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفّارَ أَوْلِياءَ﴾ أعاد تعالى النهي عن اتخاذ أهل الكتاب والكفار أولياء للمؤمنين، وعلّل هذا النهي بأن أهل الكتاب والكفار قد جعلوا من دين الإسلام هزوا ولعبا، فكيف يجوز التحالف معهم؟ وكيف يؤمن جانبهم؟ فإنهم إن تحالفوا مع طرف من المسلمين فهو للكيد للإسلام وأهله، وليس حبا بهم أو حرصا على صالحهم ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي من تقوى الله أن لا تتخذوا مجتمعات اليهود والنصارى والكفار أولياء لكم، ومن لا يتّق الله في ذلك، لا يكون مؤمنا، بل يكون كمن ارتدّ عن دينه (الآية ٥٤). ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اِتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٥٨) ٥٨ - ﴿وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اِتَّخَذُوها هُزُواً وَلَعِباً﴾ يسخرون من الأذان ومن الصلاة، ويحاولون إظهار الإسلام على غير حقيقته السامية، بقصد التأثير سلبا في ضعاف العقول، وهو ما يسمى في عصرنا الحاضر تسخير وسائل الإعلام لإضلال البشر ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي إن سبب سلوكهم ذلك، هو أن ملكة العقل لديهم أضلّتهم، بدلا من أن تدلّهم على الطريق الصحيح. ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ (٥٩) ٥٩ - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ﴾ المعنى ما مبرر نقمتكم علينا يا أهل الكتاب؟ وما مبرر تآمركم علينا؟ وما مبرر محاولاتكم إظهار الإسلام على غير حقيقته؟ فنحن نؤمن بالله، ونؤمن بالقرآن، ونؤمن بالكتب السماوية التي نزلت قبله، والعقل يدلّ أنها جميعا من مصدر واحد هو الله تعالى، فكيف تنقمون منّا الإيمان بالله وحده الذي أنزل الكتب على عباده، فهذا أمر لا يستحق النقمة

стр. 449

وإنما يستحق التأييد والمديح، ولكن السبب ليس فقط قلّة إنصافكم، بل كون أكثركم فاسقين، أي خارجين عن أديانكم أصلا، اليهود عاندوا موسى وعصوه وعاندوا غيره من أنبيائهم وقتلوهم، وتلاعبوا بالتوراة، والنصارى أيضا تخلوا عن دين المسيح واتبعوا ديانة بولس، وأضاعوا الإنجيل، وكتبوا أسفارا من عندهم، فلا غرابة أن أكثرهم لا يؤمنون بالقرآن، انظر شرح الآيات (١٣، ١٤، ٣٣، ٤٣، ٤٧، ٤٨). ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطّاغُوتَ أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ (٦٠) ٦٠ - ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللهِ مَنْ لَعَنَهُ اللهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ﴾ الأدهى من نقمتكم علينا، التي ليس لها مبرر، هو الجزاء الذي سوف تلقونه من الله تعالى، فهو قد أبعدكم من رحمته، وغضب عليكم، وجعلكم بمثابة القردة في نزواتكم، وكالخنازير في اتباع غرائزكم وشهواتكم ﴿وَعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾ وقد عبدتم الطاغوت، أي من يطغى عن الحد وهو كلّ رأس في الضلال، والعبادة بمعنى الطاعة المطلقة، فقد ارتكس اليهود إلى عبادة آلهة الوثنية مرارا وتكرارا في تاريخهم ﴿أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً﴾ في الدنيا والآخرة ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ بعيدين جدا عن الطريق الصحيح. ﴿وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ (٦١) ٦١ - ﴿وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنّا﴾ وهم أهل الكتاب، قد يدّعون الإيمان نفاقا، أو اعتقادا منهم أن ما يؤمنون به من الضلال هو الإيمان الصحيح ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ جاؤوكم بنيّة سيئة سلفا، وبفكر منغلق من البداية، لا بفكر منفتح باحث عن الحقيقة، ومن يجيء بهذه العقلية لا يستفيد من الحوار، ولا يستنير بالهدي ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ لا تعلمون ما جاءوا به من المكر والخداع والكيد والنفاق.

стр. 450

﴿وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦٢) ٦٢ - ﴿وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ﴾ الكيد للمسلمين شغلهم الشاغل، فيعطونه الأولوية في نشاطهم وأهدافهم، وقد كان هذا دأبهم عبر التاريخ كما تشهد بذلك الحروب الصليبية التي أشعلوها ولا تزال مستمرة بشكل أو بآخر بعد أن أقاموا إسرائيل ودعموها ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ وهو المال الحرام، وسمّي سحتا لأنه يستأصل صاحبه ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ تقبيح لحربهم ضد الإسلام، أي هو عمل يعود عليهم بالبؤس في الدنيا والآخرة، وقد يسبب البؤس لغيرهم في الدنيا. ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٦٣) ٦٣ - ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ كان الأجدر بالربانيين، أو الذين يظنون أنفسهم ربانيين، وهم كبار رجال الدين عندهم، وجدير بأحبارهم، أن يرشدوهم ويبيّنوا لهم ما هم عليه من الضلال، وبالتالي أن يأمروهم بالكف عن التآمر والكيد للمسلمين ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ وهو المال الحرام الذي يبتزّونه وينهبونه من الناس ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ الصنع إتقان العمل، والمغزى: تقبيح ما يتقنه الربانيون والأحبار، من تزيين الباطل لأتباعهم حفاظا على مؤسساتهم الدينية ومناصبهم ومصالحهم. ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٦٤) ٦٤ - ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ﴾ وهو تعبير مجازي قصد منه اليهود تعبير المسلمين في بداية البعثة النبوية والانتقاص من مصداقيتهم، والمعنى: إن كنتم تدّعون نزول الوحي الإلهي عليكم، فكيف يترككم الله ضعافا فقراء

стр. 451

مضطهدين من قبل الناس؟ وهذا القول يعبّر عن عقلية منتشرة لدى الكثير من الناس في كلّ العصور ممّن يظنون أن الغنى الدنيوي دليل على كون صاحبه على الطريق الصحيح، وهذا الاعتقاد تنفيه الآية في تتمة الخطاب ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا﴾ وهو دعاء على اليهود تحقّق فيهم، لأنهم أكثر أقوام الدنيا حبّا للمادة وتهالكا على تحصيلها، بشتى الوسائل غير الشرعية، ليس أقلها الربا الفاحش والفساد والإفساد ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ اليدان تعبير مجازي عن السلطة والغنى، والمعنى أن إغداق المال على الأفراد أو المجتمعات، في وقت من الأوقات، لا يفيد بالضرورة كونهم على الصراط المستقيم، أو أنهم مؤيّدون من الله ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً﴾ اليهود ازدادوا طغيانا وكفرا بسبب نزول الوحي على النبي ﷺ ، لأنهم كانوا - وما زالوا - يظنّون أن النبوات يجب أن تكون محصورة فيهم، وأن النبي الموعود يجب أن يكون من بني إسحاق وليس من بني إسماعيل، انظر آية [البقرة: ٢/ ١٠٥]، فكانت محاربتهم النبي ﷺ من قبيل الحسد والعصبية وخوف زوال امتياز الزعامة الذي كان لهم بين عرب الحجاز الذين كانوا ينظرون إليهم على أنهم أهل كتاب وعلم. ﴿وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ بعث عيسى المسيح ﵇ إلى بني إسرائيل فرفضه أكثرهم، وتبعته أقلية منهم، فالعداوة والبغضاء هي بين اليهود وبين الذين اتبعوا عيسى، وقد تكون أيضا العداوة والبغضاء بينهم وبين باقي الناس ﴿كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٨]، والخطاب عن اليهود، دأبوا على محاربة الرسل عبر تاريخهم، انظر شرح آية [آل عمران: ٣/ ٢١]، فقد عاندوا موسى ﵇ وعصوه وعبدوا العجل، ثمّ عصوا من جاء بعده من أنبياء بني إسرائيل وحاربوهم، ثم كفروا ببعثة عيسى المسيح ﵇ وحاولوا قتله، وأخيرا كفروا ببعثة خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ وتآمروا عليه وحاربوه،

стр. 452

ولذلك قال تعالى عنهم ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٥/ ٣٣]. ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً﴾ كما في آية [المائدة: ٥/ ٣٣]، ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ فلا يصلون إلى مبتغاهم من السعادة الدنيوية، وينالهم عقاب الآخرة. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٦٥) ٦٥ - ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا﴾ برسالة خاتم الأنبياء والرسل ﴿وَاِتَّقَوْا﴾ أتبعوا إيمانهم بالعمل الصالح ممّا فيه تقوى الله ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ﴾ نتيجة إيمانهم ﴿وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ بنتيجة تقواهم. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ (٦٦) ٦٦ - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ على صورتها الصحيحة التي نزلت بها، ولم يحرّفوها ويضيفوا إليها ويحذفوا منها ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ وهو القرآن ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ أي لنعموا بخيرات السماء الروحية ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ وخيرات الأرض المادية ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ معتدلة في أمور الدين بلا مغالاة ولا تطرف ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ الكثير منهم يضمرون الحقد ضد الإسلام والمسلمين ويكيدون لهم. ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (٦٧) ٦٧ - بعد أن ذكرت الآية المتقدمة أنّ أهل الكتاب لم يقيموا التوراة والإنجيل، تبيّن هذه الآية أنّ رسالة القرآن نزلت لهدايتهم، بدليل تتمة الخطاب في الآية (٦٨)﴾ الذي ينص أن عليهم إقامة التوراة والإنجيل والقرآن: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ لأهل الكتاب، وللبشرية قاطبة، والمعنى جميع ما أنزل إليك، والخطاب وإن كان في الأصل للرسول فهو

стр. 453

بالتالي تكليف لجميع المسلمين بنشر الدعوة الإسلامية، وضرورته واضحة من ضلال أهل الكتاب الذي سبق تفصيله ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ إن لم تبلّغ جميع ما أنزل إليك للناس عامة فلا تكون قد بلّغت الرسالة، لأن الرسالة عامة ومتكاملة لا تتجزّأ ﴿وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فيمنع أذاهم عنك، وقيل هي العصمة من القتل، وفيه تنبيه أنه يجب عليه أن يحتمل كل ما دون النفس من أنواع البلاء، لشدة تكليف الأنبياء ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ أي ما على الرسول إلا البلاغ، أما ما صمّموا على الكفر فالله لا يجبرهم على الهدى. ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ (٦٨) ٦٨ - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ أي لستم على شيء يعتدّ به من الإيمان ﴿حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ على أصلها، وعلى وجهها الصحيح، وفيها الكثير من النبوءات عن مبعث النبي الأحمد ﴿وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهو القرآن - بدليل تتمة الآية - لأنّ فيه تصحيح معتقدات اليهود والنصارى ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً﴾ إذ حوّلوا دينهم إلى جنسية عصبية، وابتكروا من المعتقدات ما ألصقوه بدينهم، وهذا ممّا يزيد في طغيانهم وكفرهم بالوحي الذي نزل على النبي ﷺ ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ لأن المطلوب منك هو البلاغ فقط، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ (٤١). ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦٩) ٦٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي الذين آمنوا برسالة النبي محمد ﷺ ﴿وَالَّذِينَ هادُوا﴾ أي اليهود وقيل سمّوا يهودا حين تابوا من عبادة العجل فقالوا ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٥٦]، وقيل لنسبهم إلى يهوّذا ابن يعقوب ﴿وَالصّابِئُونَ﴾

стр. 454

وفي اللغة الآرامية الصابغون، وهم طائفة موحّدة بين اليهود والنصارى اشتق اسمهم من الكلمة الآرامية: صبغة، لأنهم كانوا يعمّدون أي يصبغون المعتنق الجديد لدينهم في نهر الأردن، فصاروا يدعون الصابغة، وهذا شبيه بقوله تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ١٣٨]، وكانت العرب في إحدى لهجاتها تلفظ الغين همزة فصارت الصابئة، وهم أتباع يحيى ﵇ (انظر عبد الأحد داود)، ويجب عدم الخلط بينهم وبين صابئة حرّان الذين انتحلوا الاسم لأنفسهم للاستفادة من تسامح الدولة الإسلامية مع أهل الكتاب ومع طوائف الموحّدين، وقد ذكر تعالى الصابئين قبل النصارى لأن بعثة يحيى سبقت بعثة عيسى ﵉ (والنّصارى) اشتق اسمهم من النصرة، لأنهم نصروا عيسى ﵇، كما في قوله تعالى على لسان عيسى ﴿قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللهِ﴾ [آل عمران: ٣/ ٥٢]. ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ وحده لا شريك له ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ آمن بالبعث والحساب ﴿وَعَمِلَ صالِحاً﴾ اقترن إيمانه بالعمل الصالح ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ يجب قراءة هذه الآية ضمن سياقها، فالآية التي قبلها تؤكد أن أهل الكتاب ليسوا على شيء من الحق ما لم يقيموا التوراة والإنجيل - على وجههما الصحيح - وما أنزل إليهم من ربهم وهو القرآن، والآيات التي بعدها تبيّن إصرار اليهود على المعصية وتقرر كفر من ألّهوا المسيح واعتنقوا التثليث، فهذه الآية تستثني من أهل الكتاب من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، لأن كل إنسان يحاسب بعمله، ولا يسأل عن غيره، والواضح أن هذه الآية لا تهدف إلى تفصيل جميع أسس الإيمان والعبادات فذلك مفصّل في آيات أخرى من القرآن الكريم. وقد تكرر ورود هذا المعنى في آية [البقرة: ٢/ ٦٢]، غير أنه في هذه الآية وردت كلمة ﴿وَالصّابِئُونَ﴾ بالرفع، ومن وجوه إعرابها أنها مبتدأ خبره محذوف، وتقدير الكلام - والصابئون كذلك -.

стр. 455

﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾ (٧٠) ٧٠ - ﴿لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وهو الميثاق المذكور في الآية (١٢)، ﴿وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلاً كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾ بعث لهم تعالى الكثير من الرسل بعد موسى ﵇، وتلك حجة عليهم لكثرة ارتكاسهم إلى الوثنية والمادية، وتكرر الحاجة إلى إعادة تقويمهم، فقتلوا الكثير من الرسل، انظر آية [آل عمران: ٣/ ٢١]، وقتلوا يحيى ﵇، ولما جاءهم المسيح المنتظر عيسى ﵇ حاولوا قتله، وكذلك عندما جاءهم النبي المنتظر خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ المذكور بشارته في كتبهم (سفر التكوين ٤٩/ ١٠، سفر التثنية ١٨/ ١٨، سفر حجّي ٢/ ٧) كفروا به وتآمروا على قتله، ويلاحظ الانتقال في التعبير من الفعل الماضي ﴿كَذَّبُوا﴾ إلى الفعل المضارع ﴿يَقْتُلُونَ﴾ لإيضاح استمرارية النية المبيّتة لدى اليهود بتكرار قتل بعض الأنبياء أو محاولة قتل بعضهم الآخر. وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اِسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٢/ ٨٧]. ﴿وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ (٧١) ٧١ - ﴿وَحَسِبُوا أَلاّ تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي إن تكذيبهم وقتلهم الرسل كان بناء على حسبانهم أن لن يقع عليهم عقاب، لظنهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، الآية (١٨)﴾، ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ عميت بصيرتهم عن الحقيقة، وصمّوا آذانهم عن سماع الحق، فأصابهم الله بذنوبهم ﴿ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ بتوبتهم، فأمهلهم ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾ تكرر ارتكاسهم إلى الوثنية، وتكرر بعث الرسل إليهم وعصيانهم، ونزول الكوارث بهم ثمّ توبتهم ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ الأكثرية منهم على

стр. 456

هذا المنوال، والعبرة بالأكثرية، لأن القليل النادر لا تأثير له في الصلاح أو الفساد العام ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ فيجازيهم عليه، كما في الآية (٣٣)، وأيضا قوله تعالى مخاطبا بني إسرائيل ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٨] أي إن عدتم إلى الإفساد، أو إن عدتم عن التوبة، عدنا إلى عقابكم، وهو مغزى التكرار في قوله تعالى: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ (٧٢) ٧٢ - استمرار الخطاب عن بني إسرائيل: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ﴾ وهم أتباع بولس الذي ابتكر هذه العقيدة ابتداء، ثم فرضها قسطنطين الكبير إمبراطور روما بمرسوم إمبراطوري، في المؤتمر المسكوني الأول يوم ٢٠ مايو ٣٢٥ م، الذي انعقد في نيقية - حاليا إزنيق في تركية - على مسافة ١٩٥ كم جنوب بيزنطة - حاليا إستانبول -، انظر شرح الآيات (١٤ و ٤٧)، والنص الإمبراطوري الذي فرضه قسطنطين - الذي كان وثنيا لتاريخه - هو التالي: - أن عيسى المسيح بصفته ابن الله هو الله نفسه، ليس مخلوقا ولكن ناشئا عن الله الأب، ومتحدا معه في الجوهر - وقد تم فرض هذا المبدأ على أنحاء الإمبراطورية بقوة الجيش والاضطهاد. ﴿وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ الخطاب موجّه إلى بني إسرائيل لسببين: أولا أنه كان مبعوثا إليهم ابتداء، وثانيا أن اليهود هم الذين ابتكروا بعده تأليه المسيح، ونشروا هذه العقيدة المسيحية، وطمسوا تعاليم عيسى ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ وقد بقي قول المسيح بعبادة الله الأحد في أسفار النصارى شاهدا على الحقيقة لم يلحقه الحذف والتشويه (سفر متّى ٤/ ١٠)، (سفر لوقا ٤/ ٨)، (سفر

стр. 457

يوحنا ٢٠/ ١٧)، وقد ذكرت الموسوعة البريطانية Encyclopaedia Britannica ، الطبعة ١٤، ما يلي نصه بقلم الأب شارل أندرسون سكوت: - إنّ كتابات الأسفار الثلاثة الأولى من العهد الجديد تؤكد عقيدة مؤلفيها بأن المسيح لم يكن سوى بشر، ولا يوجد في الأسفار ما يبرر الاعتقاد أن المسيح ابن الله، كما ليس في أقوال المسيح وقت العشاء الأخير ما يبرر المعاني التي استخلصت منها فيما بعد، كما لا يوجد أي تلميح من قريب أو بعيد عن أية علاقة بين وفاة المسيح وبين مفهوم الخطيئة الأصلية أو الفداء -. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧٣) ٧٣ - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ تطورت فكرة الثالوث عند أتباع بولس منذ المجمع المسكوني الأول المنعقد في نيقية، وحصل جدل مرير بين فلاسفتهم عن ماهية الشخص الثالث الذي قالوا إنه الروح القدس، ثم في المجمع المسكوني في القسطنطينية عام ٣٨١ م أصدروا قرارا بتعريفه أنه منبثق عن الأب والابن، وهو ما تندد به هذه الآية الكريمة بأنه كفر صريح، ومع أنهم قرروا هذه الفكرة في العام ٣٨١ م إلا أنها لم تعمم في الكنائس حتى القرن الحادي العشر، وقد انتقدها فوتيوس أسقف القسطنطينية بشدة، ولم تقبل الكنيسة الشرقية هذه العقيدة إلا بعد المؤتمر الكنسي الثالث المنعقد في القسطنطينية عام ٦٨٠ م ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ﴾ هو الله وحده، والجميع مخلوقاته ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ عن مثل هذه الافتراءات التي يبتكرونها من عندهم، وليس لهم بها علم من المسيح أو الوحي، وإنما هي من تأثير الثقافة الوثنية اليونانية المحضة التي هيمنت على أفكارهم، وعلى فكر بولس من قبلهم ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ والجدير بالذكر أنه لم يرد في كتاب النصارى، المسمّى بالعهد الجديد، سوى إشارة واحدة فقط عن التثليث، وردت

стр. 458

في رسالة يوحنا الأولى بالفقرة ٧ من الفصل ٥، وقد تم حذف هذه الفقرة من الطبعة المنقحة المعتمدة RSV التي صدرت عام ١٩٧١، والتي شارك بإعدادها ٣٢ عالما من كبار علماء النصارى تدعمهم لجنة استشارية تمثل خمسين من طوائفهم المتعاونة بعضها مع بعض، ويبدو أن عموم النصارى لم يلقوا لذلك اهتماما. ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٧٤) ٧٤ - ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ﴾ فيعودون عن أفكار الكفر، التي جعلوها مبادئ دينية يصدرون بها المراسيم من عندهم، من مؤتمر لآخر، حتى اخترعوا دينا جديدا نسبوه إلى عيسى المسيح ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في حال توبتهم. ﴿مَا الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿مَا الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ ذكرت الموسوعة البريطانية Encyclopaedia Britannica ، الطبعة ١٤، عن هذا الموضوع ما يلي نصه بقلم الأب شارل أندرسون سكوت: - من الواضح أن المسيح صنّف نفسه بين الأنبياء إذ قال: لا يليق بنبي أن يهلك خارجا من القدس (لوقا ١٣/ ٣٣)، وقال عنه بطرس يوم عيد الحصاد: إنه رجل مرسل من الله (أعمال ٢/ ٢٢)، ولم تترك الأسفار أي مجال للشك بأنه كان بشرا يجوع ويشعر بالعطش وبالتعب والنعاس، وينام مثل غيره، ويفاجأ بالأحداث -، ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ انظر أيها الرسول، أو أيها القارئ: كيف نبيّن لهم البراهين والعلامات، ومع ذلك ينصرفون عن الحق.

стр. 459

﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٧٦) ٧٦ - ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ كيف تعبدون المسيح وتدعونه، وهو لم يملك أن يدفع الضرر عن نفسه ضد اليهود الذين كانوا يقصدونه بسوء، كما لم يملك إيصال النفع إلى صحابته أو أن يدفع عنهم ضرر الكائدين، فمن باب أولى أنه لا يستطيع إيصال الضرر أو النفع إلى أحد منكم، فكيف يكون إلها يعبد من لا يسمع دعاءكم ولا يعلم حالكم ﴿وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ولكن الله وحده هو الذي يسمع دعاء المستغيثين، فيرفع عنهم الضرّ إن شاء، لأنه العليم بأحوال عباده. ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ (٧٧) ٧٧ - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ لا تبتدعوا في دينكم من العقائد، كتأليه المسيح والتثليث، مما سبق ذكره بالآيات (٧٢ - ٧٣)، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ القوم الذين ضلّوا من قبل، هم اليهود الهلنستيون الذين تبنّوا مسيحية بولس وقد انضبعوا بالفلسفة اليونانية، وأداروا ظهورهم للنصرانية، وعلى رأس هؤلاء بولس الذي كان يهوديا ثم صارت المسيحية الحالية تنسب إليه، فيقولون مسيحية بولس Pauline Christianity لأنه مؤسسها الحقيقي، ولأن المسيحية الحالية لم يعد لها علاقة ببعثة وتعاليم المسيح سوى أنهم جعلوا المسيح رمزا لها، ومن هؤلاء أيضا الإمبراطور قسطنطين الذي كان وثنيا يوناني التفكير هلنستي الثقافة، انظر شرح الآيات (١٤ و ٤٧)، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيراً﴾ من الناس، إما بالأوهام كما فعل بولس، وإما بالاضطهاد وقوة الجيش كما فعل قسطنطين، وهم أيضا يضلون الناس كثيرا بحملات التبشير التي تنفق عليها الكنيسة إلى اليوم مبالغ طائلة في كافة أنحاء العالم ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ وهذا هو الضلال الثاني، أي بعد أن ضلّ اليهود

стр. 460

من قبل عن تعاليم المسيح، ضلّوا أيضا عن تعاليم البعثة الإسلامية، لأن الإسلام هو سواء السبيل، أي السبيل المعتدل الوسط، الذي لا غلوّ فيه ولا تفريط. ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٧٨) ٧٨ - ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ وهذا اللعن مذكور في كتبهم، انظر مزامير داود (٧٨/ ٢١ - ٢٢، ٣١ - ٣٣)، ﴿وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ﴾ انظر (سفر متّى ١٢/ ٣٤ و ٢٣/ ٣٣ - ٣٥)، والآية استمرار الخطاب لأهل الكتاب، والمعنى: لا تتبعوا أهواء القوم الذين ضلّوا من قبل فهم قد لعنوا على لسان داود وعيسى ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ سبب لعنهم هو عصيانهم الأنبياء، وعدوانهم على الشريعة بما أدخلوه عليها من الغلوّ، ثم بيّن تعالى ما أدّى بهم إلى المعصية والعدوان بقوله: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٧٩) ٧٩ - ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ كانوا وما زالوا يشهدون الضلال ويسكتون عنه، بل يقرّون به ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فسوف يلحق البؤس بهم، لأن الضلال والفساد في الأمّة يبدأ عادة بأقلية محدودة، فإذا لم يقف الرأي العام في وجه الأقلية المفسدة، واكتفى بموقف المتفرج، سرعان ما يستشري ويلحق ضرره بالمجتمع ككلّ. ﴿تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ﴾ (٨٠) ٨٠ - ﴿تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لأنّ اليهود بعد أن عصوا داود وعيسى ﵉، تحالفوا مع الوثنية اليونانية - الهلنستية - ضد النصرانية، ثم تكرر ذلك منهم وقت البعثة الإسلامية إذ تحالفوا مع مشركي العرب ضدّ خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ ، ولا يزال يتكرر ذلك منهم عبر
следующие страницы →