← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

هذا المنوال، والعبرة بالأكثرية، لأن القليل النادر لا تأثير له في الصلاح أو الفساد العام ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ فيجازيهم عليه، كما في الآية (٣٣)، وأيضا قوله تعالى مخاطبا بني إسرائيل ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ [الإسراء: ١٧/ ٨] أي إن عدتم إلى الإفساد، أو إن عدتم عن التوبة، عدنا إلى عقابكم، وهو مغزى التكرار في قوله تعالى: ﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا﴾. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ (٧٢) ٧٢ - استمرار الخطاب عن بني إسرائيل: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ﴾ وهم أتباع بولس الذي ابتكر هذه العقيدة ابتداء، ثم فرضها قسطنطين الكبير إمبراطور روما بمرسوم إمبراطوري، في المؤتمر المسكوني الأول يوم ٢٠ مايو ٣٢٥ م، الذي انعقد في نيقية - حاليا إزنيق في تركية - على مسافة ١٩٥ كم جنوب بيزنطة - حاليا إستانبول -، انظر شرح الآيات (١٤ و ٤٧)، والنص الإمبراطوري الذي فرضه قسطنطين - الذي كان وثنيا لتاريخه - هو التالي: - أن عيسى المسيح بصفته ابن الله هو الله نفسه، ليس مخلوقا ولكن ناشئا عن الله الأب، ومتحدا معه في الجوهر - وقد تم فرض هذا المبدأ على أنحاء الإمبراطورية بقوة الجيش والاضطهاد. ﴿وَقالَ الْمَسِيحُ يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ الخطاب موجّه إلى بني إسرائيل لسببين: أولا أنه كان مبعوثا إليهم ابتداء، وثانيا أن اليهود هم الذين ابتكروا بعده تأليه المسيح، ونشروا هذه العقيدة المسيحية، وطمسوا تعاليم عيسى ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ وقد بقي قول المسيح بعبادة الله الأحد في أسفار النصارى شاهدا على الحقيقة لم يلحقه الحذف والتشويه (سفر متّى ٤/ ١٠)، (سفر لوقا ٤/ ٨)، (سفر

стр. 457

يوحنا ٢٠/ ١٧)، وقد ذكرت الموسوعة البريطانية Encyclopaedia Britannica ، الطبعة ١٤، ما يلي نصه بقلم الأب شارل أندرسون سكوت: - إنّ كتابات الأسفار الثلاثة الأولى من العهد الجديد تؤكد عقيدة مؤلفيها بأن المسيح لم يكن سوى بشر، ولا يوجد في الأسفار ما يبرر الاعتقاد أن المسيح ابن الله، كما ليس في أقوال المسيح وقت العشاء الأخير ما يبرر المعاني التي استخلصت منها فيما بعد، كما لا يوجد أي تلميح من قريب أو بعيد عن أية علاقة بين وفاة المسيح وبين مفهوم الخطيئة الأصلية أو الفداء -. ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧٣) ٧٣ - ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ تطورت فكرة الثالوث عند أتباع بولس منذ المجمع المسكوني الأول المنعقد في نيقية، وحصل جدل مرير بين فلاسفتهم عن ماهية الشخص الثالث الذي قالوا إنه الروح القدس، ثم في المجمع المسكوني في القسطنطينية عام ٣٨١ م أصدروا قرارا بتعريفه أنه منبثق عن الأب والابن، وهو ما تندد به هذه الآية الكريمة بأنه كفر صريح، ومع أنهم قرروا هذه الفكرة في العام ٣٨١ م إلا أنها لم تعمم في الكنائس حتى القرن الحادي العشر، وقد انتقدها فوتيوس أسقف القسطنطينية بشدة، ولم تقبل الكنيسة الشرقية هذه العقيدة إلا بعد المؤتمر الكنسي الثالث المنعقد في القسطنطينية عام ٦٨٠ م ﴿وَما مِنْ إِلهٍ إِلاّ إِلهٌ واحِدٌ﴾ هو الله وحده، والجميع مخلوقاته ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ عن مثل هذه الافتراءات التي يبتكرونها من عندهم، وليس لهم بها علم من المسيح أو الوحي، وإنما هي من تأثير الثقافة الوثنية اليونانية المحضة التي هيمنت على أفكارهم، وعلى فكر بولس من قبلهم ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ والجدير بالذكر أنه لم يرد في كتاب النصارى، المسمّى بالعهد الجديد، سوى إشارة واحدة فقط عن التثليث، وردت

стр. 458

في رسالة يوحنا الأولى بالفقرة ٧ من الفصل ٥، وقد تم حذف هذه الفقرة من الطبعة المنقحة المعتمدة RSV التي صدرت عام ١٩٧١، والتي شارك بإعدادها ٣٢ عالما من كبار علماء النصارى تدعمهم لجنة استشارية تمثل خمسين من طوائفهم المتعاونة بعضها مع بعض، ويبدو أن عموم النصارى لم يلقوا لذلك اهتماما. ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٧٤) ٧٤ - ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللهِ﴾ فيعودون عن أفكار الكفر، التي جعلوها مبادئ دينية يصدرون بها المراسيم من عندهم، من مؤتمر لآخر، حتى اخترعوا دينا جديدا نسبوه إلى عيسى المسيح ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في حال توبتهم. ﴿مَا الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿مَا الْمَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ ذكرت الموسوعة البريطانية Encyclopaedia Britannica ، الطبعة ١٤، عن هذا الموضوع ما يلي نصه بقلم الأب شارل أندرسون سكوت: - من الواضح أن المسيح صنّف نفسه بين الأنبياء إذ قال: لا يليق بنبي أن يهلك خارجا من القدس (لوقا ١٣/ ٣٣)، وقال عنه بطرس يوم عيد الحصاد: إنه رجل مرسل من الله (أعمال ٢/ ٢٢)، ولم تترك الأسفار أي مجال للشك بأنه كان بشرا يجوع ويشعر بالعطش وبالتعب والنعاس، وينام مثل غيره، ويفاجأ بالأحداث -، ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ اُنْظُرْ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ انظر أيها الرسول، أو أيها القارئ: كيف نبيّن لهم البراهين والعلامات، ومع ذلك ينصرفون عن الحق.

стр. 459

﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٧٦) ٧٦ - ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ كيف تعبدون المسيح وتدعونه، وهو لم يملك أن يدفع الضرر عن نفسه ضد اليهود الذين كانوا يقصدونه بسوء، كما لم يملك إيصال النفع إلى صحابته أو أن يدفع عنهم ضرر الكائدين، فمن باب أولى أنه لا يستطيع إيصال الضرر أو النفع إلى أحد منكم، فكيف يكون إلها يعبد من لا يسمع دعاءكم ولا يعلم حالكم ﴿وَاللهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ولكن الله وحده هو الذي يسمع دعاء المستغيثين، فيرفع عنهم الضرّ إن شاء، لأنه العليم بأحوال عباده. ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ (٧٧) ٧٧ - ﴿قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ لا تبتدعوا في دينكم من العقائد، كتأليه المسيح والتثليث، مما سبق ذكره بالآيات (٧٢ - ٧٣)، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ القوم الذين ضلّوا من قبل، هم اليهود الهلنستيون الذين تبنّوا مسيحية بولس وقد انضبعوا بالفلسفة اليونانية، وأداروا ظهورهم للنصرانية، وعلى رأس هؤلاء بولس الذي كان يهوديا ثم صارت المسيحية الحالية تنسب إليه، فيقولون مسيحية بولس Pauline Christianity لأنه مؤسسها الحقيقي، ولأن المسيحية الحالية لم يعد لها علاقة ببعثة وتعاليم المسيح سوى أنهم جعلوا المسيح رمزا لها، ومن هؤلاء أيضا الإمبراطور قسطنطين الذي كان وثنيا يوناني التفكير هلنستي الثقافة، انظر شرح الآيات (١٤ و ٤٧)، ﴿وَأَضَلُّوا كَثِيراً﴾ من الناس، إما بالأوهام كما فعل بولس، وإما بالاضطهاد وقوة الجيش كما فعل قسطنطين، وهم أيضا يضلون الناس كثيرا بحملات التبشير التي تنفق عليها الكنيسة إلى اليوم مبالغ طائلة في كافة أنحاء العالم ﴿وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ وهذا هو الضلال الثاني، أي بعد أن ضلّ اليهود

стр. 460

من قبل عن تعاليم المسيح، ضلّوا أيضا عن تعاليم البعثة الإسلامية، لأن الإسلام هو سواء السبيل، أي السبيل المعتدل الوسط، الذي لا غلوّ فيه ولا تفريط. ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٧٨) ٧٨ - ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ وهذا اللعن مذكور في كتبهم، انظر مزامير داود (٧٨/ ٢١ - ٢٢، ٣١ - ٣٣)، ﴿وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ﴾ انظر (سفر متّى ١٢/ ٣٤ و ٢٣/ ٣٣ - ٣٥)، والآية استمرار الخطاب لأهل الكتاب، والمعنى: لا تتبعوا أهواء القوم الذين ضلّوا من قبل فهم قد لعنوا على لسان داود وعيسى ﴿ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ سبب لعنهم هو عصيانهم الأنبياء، وعدوانهم على الشريعة بما أدخلوه عليها من الغلوّ، ثم بيّن تعالى ما أدّى بهم إلى المعصية والعدوان بقوله: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٧٩) ٧٩ - ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ كانوا وما زالوا يشهدون الضلال ويسكتون عنه، بل يقرّون به ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فسوف يلحق البؤس بهم، لأن الضلال والفساد في الأمّة يبدأ عادة بأقلية محدودة، فإذا لم يقف الرأي العام في وجه الأقلية المفسدة، واكتفى بموقف المتفرج، سرعان ما يستشري ويلحق ضرره بالمجتمع ككلّ. ﴿تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ﴾ (٨٠) ٨٠ - ﴿تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لأنّ اليهود بعد أن عصوا داود وعيسى ﵉، تحالفوا مع الوثنية اليونانية - الهلنستية - ضد النصرانية، ثم تكرر ذلك منهم وقت البعثة الإسلامية إذ تحالفوا مع مشركي العرب ضدّ خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ ، ولا يزال يتكرر ذلك منهم عبر

стр. 461

التاريخ إلى اليوم حيث يتحالفون مع الكفر ضد الإسلام ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ ساء ما قدّموا لآخرتهم من المعصية والعدوان إذ كانت نتيجته غضب الله عليهم: ﴿أَنْ سَخِطَ اللهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ﴾. ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اِتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ (٨١) ٨١ - ﴿وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اِتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ﴾ لو كان اليهود يؤمنون بالله، وبالنبيّ موسى ﵇، ويؤمنون حقّا بما أنزل على موسى من التوراة، لقبلوا رسالة عيسى ورسالة الإسلام، ولما تحالفوا مع الوثنية والشرك ضدّهما ﴿وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ﴾ لأن مجيء خاتم الأنبياء والرسل مذكور في كتبهم وكانوا بانتظار بعثته، فكان المفروض أن يكونوا أول من يسارع إلى الإيمان به، ولكن بدلا من ذلك أنكروه وتحالفوا مع المشركين ضدّه. ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٨٢) ٨٢ - ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ لأن اليهود يعتقدون أنهم مميّزون من غيرهم من البشر لظنهم أن الله اختصهم بالوحي دون غيرهم من الناس، وهم لذلك يصنّفون البشر قسمين: اليهود، والأغيار حسب تعبيرهم، والأغيار من ليسوا على دينهم، ويعتبرون دينهم عنصريا لا ينبغي للأغيار الدخول فيه، ومن ثمّ كانت شدة عداوتهم لمن ليسوا على دينهم، فلم يدخل منهم في الإسلام منذ البعثة النبوية إلاّ القليل ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ المشركون أيضا شديدو العداوة لمن يعتقد بالتوحيد، ومنهم المسيحية المنشقين عن النصارى وقد ابتدعوا تأليه المسيح وعقيدة الثالوث، وغيرهم ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ﴾

стр. 462

﴿آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنّا نَصارى﴾ والمقصود بهم النصارى على ديانة المسيح فعلا، وليس على ديانة بولس ﴿ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ الذين بقوا منهم على حقيقة النصرانية، ولا يحفزهم الغرور على التكبّر والاعتقاد أن الدين قد ختم بهم، أو أنه مقتصر عليهم دون غيرهم من البشر. ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ (٨٣) ٨٣ - ﴿وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ لأنهم كانوا يترقبون بعثة النبي المنتظر خاتم الأنبياء والرسل المذكور في كتبهم (سفر يوحنا ١/ ٢٠ - ٢١)، فلما جاءهم عرفوه وأيقنوا بالوحي الذي نزل عليه، فكان من شأن أكثرية النصارى، من سكان بلاد الشام والعراق ومصر، أن دخلوا الإسلام طواعية بعد الفتوحات الإسلامية، وهذه الآية من قبيل الإعلام بالغيب إذ تنبأت بدخول النصارى في الإسلام ولمّا تتحقق الفتوحات الإسلامية بعد ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فَاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أي الشاهدين على الحق. ﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ (٨٤) ٨٤ - ﴿وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللهِ وَما جاءَنا مِنَ الْحَقِّ﴾ ليس هنالك مبرر لعدم الإيمان بعد أن جاءنا الحق، أو قد يكون المعنى: كيف نبقى على عدم الإيمان بالله وبالحق الذي جاءنا؟ وفي الوقت نفسه نطمع بدخول الجنة: ﴿وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ الْقَوْمِ الصّالِحِينَ﴾. ﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٨٥)﴾.

стр. 463

٨٥ - ﴿فَأَثابَهُمُ اللهُ بِما قالُوا﴾ أثابهم الله بما اعتقدوا وآمنوا من الإسلام، بعد قولهم المشار إليه آنفا ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (٨٦) ٨٦ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهي آيات الله الدالّة على الوحدانية وعلى صدق نبوّة النبيّ ﷺ ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ كلّ فرد يثاب ويعاقب بحسب ما اختار من التصديق أو التكذيب. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٨٧) ٨٧ - بعد انتهاء الخطاب عن أهل الكتاب الذي استمر من الآية (١٢) حتى الآية (٨٦)، يعود الخطاب بهذه الآية (٨٧) وحتى الآية (١٠٨)﴾ إلى موضوع أول السورة عن العقود والطيبات والمحرمات: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ بعد أن ذكر تعالى إيمان القسيسين والرهبان من المتعمقين في النصرانية، ومدحهم بأنهم لا يستكبرون لأنّ الغرور لا يحفزهم على الاعتقاد أن الدين قد ختم بهم أو أنه مقتصر عليهم دون غيرهم من البشر، ولمّا كان الرهبان قد اشتهروا بالتقشف والزهد ظنّا منهم أنّ ذلك يقربهم إلى الله زلفى، ولكي لا يقع الناس في هذا الالتباس الذي وقع فيه بعض الزهّاد والمتصوّفة، نهى تعالى المؤمنين أن يحرّموا ما أحلّ الله من الطيبات ممّا تتمتع به وتستسيغه الفطرة السليمة المعتدلة، لأن الإسلام ينشد التوازن والاعتدال في متطلبات الروح والجسد، وينشد الوفاء في كل منهما، والمسلمون في ذلك أمة وسط، وقدوة للناس، انظر آية [البقرة: ٢/ ١٤٣]، ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ لا تعتدوا بتجاوز الطيبات الحلال إلى الخبائث المحرّمة، ومن جهة ثانية لا تعتدوا بالإسراف في التمتع بالطيبات واللذّات بحيث يكون ذلك أكبر همّكم.

стр. 464

﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (٨٨) ٨٨ - ﴿وَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالاً طَيِّباً﴾ كلوا من الحلال الذي لم يحرمه الله - كتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، الآية (٣) - وكلوا من المال الذي كسبتموه بالحلال، ولا تأكلوا من مال السحت كالربا أو الغصب أو السرقة ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ فلا تحرّموا الحلال ولا تحلّوا الحرام. ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاِحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٨٩) ٨٩ - علاقة الآية بما قبلها أنه لما كان بعض المبالغين في النسك والزهد قد حلفوا على ترك بعض الطيبات بيّن لهم تعالى كفّارة الأيمان: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾ اللغو هو الكلام الذي لا يعتدّ به، كالحلف في أثناء الكلام دون قصد ولا عمد، فليس له كفّارة [البقرة: ٢/ ٢٢٥]، ﴿وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ﴾ أي بما صمّمتم عليه من اليمين عن قصد ﴿فَكَفّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الحنث باليمين العمد يوجب الكفّارة، والكفّارة صفة مبالغة من الكفر وهو في الأصل: الستر والتغطية، والكافر هو من يغطي الحقيقة وينكرها، والكافر أيضا بمعنى الليل المظلم، لأنه يستر ويغطي كل شيء، وهو أيضا المزارع لأنه يغطي البذور بالتربة كما في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ﴾ [الحديد ٥٧/ ٢٠]، وهنالك أيضا كفران النعمة أي تغطيتها بمعنى إنكارها وجحودها، فيكون معنى الكفّارة أنها تغطي الذنوب وتسترها حتى لا يكون لها أثر في الدنيا والآخرة، فالذي يريد أن يكفّر عقد اليمين عليه إطعام عشرة مساكين من متوسط ما يأكل أهله، أو كسوتهم، أو عتق رقبة

стр. 465

﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيّامٍ﴾ إن لم يستطع إطعام المساكين أو كسوتهم أو أن يعتق رقبة ﴿ذلِكَ كَفّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ﴾ وحنثتم باليمين العمد ﴿وَاِحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ﴾ حفظ الأيمان ذو ثلاثة وجوه: فمن جهة لا تكثروا من حلف الأيمان بلا مبرر، ومن جهة ثانية إذا حلفتم حافظوا على يمينكم ولا تحنثوا، ومن جهة ثالثة إذا حنثتم باليمين العمد فالتزموا بالكفّارة، وفي الحديث: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فكفّر عن يمينك، وأت الذي هو خير»، وأما اليمين الغموس فهي التي يحلف صاحبها وهو يعلم أنه كاذب، قاصدا الخيانة أو الغش أو أكل حقوق الآخرين، فلا يكفّرها شيء، بل لا بد من أداء الحقوق لقوله تعالى في أول السورة: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ ولا بدّ من التوبة والاستقامة، وفي الحديث الشريف: «من حلف على يمين، وهو فيها فاجر، يقتطع بها مال غيره، لقي الله وهو عليه غضبان»، ﴿كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ﴾ من الحكمة والتشريع ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي بأن أحلّكم من الأيمان المعقّدة فجعل لها كفّارة. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٩٠) ٩٠ - بعد أن نهى تعالى عن تحريم الطيبات، ومنعا للالتباس بأن يعتبر البعض الخمر والميسر من الطيبات، فقد بيّن تعالى حرمتها بقوله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ ومن حكمته تعالى أن جعل تحريم الخمر تدريجيا بسبب تعلق الناس بها في الجاهلية، فلو نزل التحريم مرة واحدة لكان صارفا للكثيرين منهم عن الإسلام، وأول ما نزل من تحريم الخمر آية [البقرة: ٢/ ٢١٩] وهو تحريم ظنّي كان متروكا لاجتهاد المجتهدين، ثم نزل في آية [النساء: ٤/ ٤٣] وهو تحريم قطعي في الأوقات القريبة من الصلاة، ثم كان التحريم القطعي في كل الأوقات بهذه

стр. 466

الآية، والخمر ليس مقتصرا على المشروبات الكحولية بل كلّ ما شأنه أن يعطّل الفكر، وفي الحديث: «كلّ مسكر خمر، وكلّ خمر حرام». وأمّا الميسر فهو القمار، والأنصاب هي الحجارة أو الأوثان التي نصبوها للعبادة، وكانوا يذبحون القرابين عندها ظنّا منهم أنها تقربهم إلى الله تعالى، ويدخل في ذلك كل الممارسات الوثنية كتقديس الأضرحة والأولياء ودعاؤهم والاعتقاد بمقدرتهم. والأزلام هي السهام كانوا يقترعون بها تفاؤلا أو تشاؤما كي يختاروا ما عليهم عمله، وكل هذه الأمور رجس، أي إنها عمل شيطاني مستقبح ماديا ومعنويا. ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ أي فاجتنبوا هذا الرجس، وقالوا إن الأمر بالاجتناب أبلغ من الأمر بالترك، لأنّ الاجتناب يفيد بالإضافة إلى الترك، البعد عن المتروك، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ﴾ [النجم: ٥٣/ ٣٢]، ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ وقد أضاف تعالى الفلاح لمن يجتنب هذه الأشياء. ﴿إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٩١) ٩١ - ﴿إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ لأنه عند ما يثمل المرء يفقد عقله وتستولي عليه الشهوة، ويسارع إليه الانفعال، وقد تحصل المشاحنة بينه وبين غيره، وكذلك في الميسر عندما يخسر ماله، فالخمر والميسر سببان من أسباب خراب النظام العائلي والمجتمع ﴿وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ﴾ لأنه في الحالتين يستغرق المرء فيما هو فيه من الثمالة أو الانهماك في الميسر ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وهو استفهام يتضمن الأمر بالانتهاء، قال الزمخشري هو من أبلغ ما ينهى به، لأنه تعالى عدّد ما ينطوي عليه الخمر والميسر من الرجس ومن عمل الشيطان، وقرنها بالأنصاب

стр. 467

والأزلام، وأنها تصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة، فيكون المعنى: ألا تنتهون عنها بعد أن عرفتم لها كل هذه المفاسد؟ ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاِحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٩٢) ٩٢ - ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أطيعوا الله تعالى فيما نهاكم عنه من الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، وأطيعوا الرسول فيما بيّنه لكم عن ذلك ﴿وَاِحْذَرُوا﴾ مخالفة ما نهيتم عنه لما فيها من سوء العاقبة لكم في الدنيا والآخرة ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ إن عصيتم ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ الحجّة قد صارت بيّنة عليكم، والرسول أدّى واجبه من البلاغ، ولن يكون هنالك إكراه، وإنّما يتحمل كل إنسان عاقبة خياره بعد أن صار على بيّنة من الأمر. ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اِتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اِتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٩٣) ٩٣ - ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ أي من المحرّمات عند الضرورة، كما في الآية (٣)، ﴿إِذا مَا اِتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ لأن العبرة بالتقوى والإيمان والعمل الصالح والإحسان، وليست العبرة مجرّد الامتناع الشكلي عن المحرّمات من طعام وشراب فقط ﴿ثُمَّ اِتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ المقصود مداومتهم على التقوى والإيمان والإحسان ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٩٤) ٩٤ - هذه الآية استمرار لبيان المحرّمات، وهي أيضا عودة بالخطاب إلى تحريم الصيد خلال الإحرام (الآية ١)، والإعادة هنا لبيان الجزاء:

стр. 468

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِماحُكُمْ﴾ أي إن الله تعالى يختبر طاعتكم من معصيتكم، في أثناء إحرامكم، بأن يجعل الصيد في متناول أيديكم وأسلحتكم فيكون وفيرا سهل الأخذ ﴿لِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ ليظهر تعالى الذين يخافونه ﴿فَمَنِ اِعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ من اعتدى بالصيد خلال الإحرام، بعد هذا البيان، يلقى عاقبة عمله. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ﴾ (٩٥) ٩٥ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ واتفقوا أنه لا يدخل في ذلك الحيوانات المؤذية أو الضارة أو الضارية ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ الجزاء لمن قتل الصيد متعمدا أن يذبح من النّعم، في المنطقة الحرام - وهو المقصود بالكعبة - ما يكافئ الصيد ويتصدق بلحومه على الفقراء، ويحكم ذوا عدل بتحديد الأضحية المكافئة ﴿أَوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ لمن كان فقيرا لا يستطيع شراء النعم المكافئ للصيد ﴿أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً﴾ لمن كان فقره لا يسمح له بإطعام المساكين ﴿لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ﴾ فيتحمل عاقبة عمله، وهذا الجزاء أو الكفارة هو عن الصيد العمد في المرة الأولى، لأنه قد يكون بسبب الجهل بالتحريم، أو بسبب النسيان ﴿عَفَا اللهُ عَمّا سَلَفَ﴾ في المرة الأولى، فالكفارة في الدنيا تمنع عقاب الآخرة ﴿وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ﴾ في حال الصيد العمد مع التكرار والإصرار، فيستحق صاحبه عقاب الدنيا والآخرة.

стр. 469

﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٩٦) ٩٦ - ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ﴾ تتمتعون به ﴿وَلِلسَّيّارَةِ﴾ السيّارة بهذا المعنى هم المحرمون بدليل تتمة الآية، والمعنى أن صيد البحر وطعامه حلال للمحرم وغير المحرم ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً﴾ بالنسبة إلى المحرم اقتصر التحريم على صيد البر فقط ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فتحاسبون على عملكم. ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ ذلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٩٧) ٩٧ - ﴿جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنّاسِ﴾ تقوم بها حياتهم الروحية والاقتصادية والاجتماعية، فهي فائدة لهم في دينهم ودنياهم ﴿وَالشَّهْرَ الْحَرامَ﴾ ينعمون بالأمن خلال الشهور الحرم، وفي الحرم على مدار العام، والمقصود بالناس عرب الجزيرة، فقد كان اجتماعهم في الحرم كلّ عام سببا لتقاربهم ولنشوء العلاقات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والتهادن بينهم، والشهر الحرام اسم جنس للأشهر الحرم الأربعة ذي القعدة وذي الحجة والمحرم ورجب، وقد تواطأت العرب على تحريم القتال فيها، فيهادن بعضها بعضا على ما قد يكون بينهم من خصومات، يلتقون ويحجّون ويعتمرون ويتاجرون، فيأمن الناس بعضهم بعضا خلال هذه الأشهر كما يأمنون في الحرم، انظر آية [العنكبوت ٢٩/ ٦٧]. ﴿وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ﴾ القلائد كانوا يعلقونها في رقبة الأنعام المهداة إلى الكعبة يعرفها الناس بقلائدها فتمر بسلام مع القوافل، وتنحر في الحرم، وتوزّع لحومها على الفقراء، وتقدير الخطاب: والشهر الحرام والهدي والقلائد أيضا جعلناها قياما للناس، فهي معطوفة على البيت الحرام.

стр. 470

﴿ذلِكَ﴾ الإشارة إلى نعمه تعالى من جعل الحرم آمنا، زمانا ومكانا، حتى الصيد حرّمه تعالى على المحرمين ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ أي هذه النعم من جعل الحرم آمنا، زمانا ومكانا، وفوائده المذكورة، دليل على علمه تعالى بخفايا الأمور وبمصالح عباده، فقد ألقى في قلوب العرب من التعظيم والمهابة للحرم وللأشهر الحرم بما يقوم من معايشهم ومصالحهم، رغم ما كانوا عليه من طباع الغلظة والحروب الأهلية وحب الاقتتال والإغارة والغزو والسلب والنهب، ولولا هذه الهدنة السنوية التي تمتد على الثلث من كل عام لاستمر اقتتالهم على مدار العام دون هوادة، ولانهارت أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية إلى الحضيض، فمن علمه تعالى بحالهم أن منّ عليهم بالحرم والأشهر الحرم ﴿وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ بالدقائق والتفاصيل والخفايا. ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٩٨) ٩٨ - بعد أن ذكر تعالى من أنواع رحمته بالناس، بيّن هنا أنه شديد العقاب لمن عصاه ﴿اِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ لمن انتهك المحارم ﴿وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن حافظ عليها. ﴿ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ﴾ (٩٩) ٩٩ - ﴿ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ أي إن مهمة الرسول - وبالتالي مهمة كل مسلم كفؤ - محصورة في البلاغ، ويتحمل الناس مسؤولية أعمالهم، انظر آية [فصّلت: ٤١/ ٤٦]، وحسابهم من ثواب وعقاب على الله ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ﴾ محيط بعلانيتكم ونواياكم فيحاسبكم على أعمالكم. ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١٠٠) ١٠٠ - قال الرازي: بعد أن زجر تعالى عن المعصية، ورغّب في الطاعة (الآية ٩٨)، ثم أتبع ذلك بالتكليف، وبأن ما على الرسول إلا البلاغ، وأنه

стр. 471

يحاسب الناس بأعمالهم ولا يخفى عليه شيء منها (الآية ٩٩)، أتبع ذلك بإرشاد الناس أن الخبيث والطيب لا يستويان: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ أي لا يغرّنك أيها السامع كثرة الخبيث، لدى الكثير من الناس، من المال الحرام والسحت، ومن الربا والرشوة والغلول والخيانة وأكل مال الآخرين بلا حق، والجاه الزائف والزعامات الزائلة التي تقوم على الظلم أو الضلال، وظنّ البعض أنّ ذلك دليل على رضا الله عن أصحابها، فلا يغرّنك كل ذلك، لأن عاقبة الخبيث وإن كثر ليست كعاقبة الطيّب من المال الحلال والأعمال الصالحة ﴿فَاتَّقُوا اللهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ تفكّروا في ذلك يا أصحاب العقول الراجحة لتتقوا سوء العاقبة في الدنيا والآخرة. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (١٠١) ١٠١ - هذه الآية تقرأ مع قوله تعالى: ﴿ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ﴾ (٩٩)، فالرسول قد أدى ما عليه من وظيفة البلاغ الذي كمل به الإسلام، لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (٣)﴾: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ لا ينبغي للمؤمنين الإكثار من الأسئلة عن الأحكام الشرعية ودقائق التكاليف ممّا لم يتنزّل به الوحي ولم يخبر عنه الرسول، لئلاّ يكون ذلك سببا لزيادة التكاليف وتشديدها فيشقّ على الأمّة احتمالها، والأولى بالعاقل أن يسكت عمّا لا تكليف فيه، لأنّ الله تعالى أعلم بمصالح العباد من أنفسهم ﴿وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ إن تسألوا عن أشياء نزل بها القرآن ولم تفهموها فالرسول يبديها لكم ويبيّنها لكم، وإن تسألوا عن أمور لم ينزّلها القرآن، فإنّ بيانها قد يسدّ في وجوهكم باب الاجتهاد الذي فوّضه تعالى إليكم، وقد يقيّدكم بقيود

стр. 472

أنتم في غنى عنها، وفي الحديث: «أعظم المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرّم فحرّم من أجل مسألته»، ﴿عَفَا اللهُ عَنْها﴾ من قبيل العفو لم يذكر تعالى هذه الأمور في كتابه، فاسكتوا عنها، وفي الحديث: «لا تشدّدوا على أنفسكم فيشدّد عليكم، فإن قوما شدّدوا على أنفسهم فشدد الله عليهم»، وفي الحديث أيضا أن النبي ﷺ خطب الناس فقال: «أيها الناس إن الله قد فرض عليكم الحج فحجّوا، فقال رجل: أكلّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا، فقال ﷺ : لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه»، ﴿وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ لا يعاجل الناس بالعقوبة، بل يترك لهم فرصة التوبة. ﴿قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ (١٠٢) ١٠٢ - ﴿قَدْ سَأَلَها قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ الذين أكثروا السؤال عن تفصيل الأحكام التشريعية من الأمم قبلكم لم يعملوا بما ظهر لهم منها، بل تركوها استثقالا لها، والخطاب عن الأمور الدينية المحضة، وأما المصالح المدنية والسياسية والحربية فهي شورى. وقد كتب الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار ما يلي: «العبرة من هذه الآية أن كثيرا من الفقهاء وسّعوا بأقيستهم دائرة التكاليف، وأكثروا من استنباط الفروع الكثيرة في العبادات والمعاملات، وانتهوا بها إلى العسر وإلى الحرج المرفوع بالنص القاطع، وقد افتتنت بعض الجماهير بالكتب الفقهية الملأى بالفروع التي نهى الشرع عن الخوض فيها، وأجمع السلف على ذم الاشتغال بها، ثم جمدت بعض الجماهير على التقليد، فكان أن تركت جماهير أخرى من المسلمين - وحكوماتهم - الشريعة جملة، وفتحت لهم أبواب انتقادها والاعتراض عليها، مع أن كل ما في الفقه من التشديد والتقييد هو من اجتهاد الفقهاء، ولا سيّما المصنّفين منهم الذين جاؤوا بعد الصحابة والتابعين».

стр. 473

﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٠٣) ١٠٣ - ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ﴾ وهي أربعة أنواع من البهائم كانوا في الجاهلية يحرّمونها على أنفسهم ويتركونها لطواغيتهم، فالبحيرة هي الناقة إذا أنتجت خمسة أبطن آخرها ذكر، كانوا يشقّون أذنها ثم يمتنعون من الانتفاع بها ويتركونها لآلهتهم بزعمهم، والسائبة بمنزلة البحيرة وهي البهيمة يسيبونها أي يتركونها لأصنامهم، والوصيلة هي الشاة التي تصل أنثى بأنثى في الولادة ثم بعد سبعة أبطن يحرمون على أنفسهم الانتفاع بها، والحامي فحل الإبل يتركونه بعد عشر سنين، وقال المفسرون نحو ذلك في شرح هذه الأنواع الأربعة. ومعنى الآية أنّ الله تعالى لم يشرّع لهم تحريم هذه البهائم، وهو استمرار الخطاب من الآيات السابقة، فبعد أن نهى تعالى عن تحريم الحلال، ونهى المؤمنين أن يكونوا، بكثرة أسئلتهم، سببا في تحريم شيء لم يكن محرّما من قبل، ضرب لهم مثلا في هذه الآية عن ضلال الناس في الجاهلية إذ حرّموا ما لم يحرّمه الله ﴿وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ لأنهم كانوا ينسبون التحريم إلى الله تعالى، ولو بشكل غير مباشر، إذ يقولون ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٤٨]، وهم بقولهم هذا كأنهم يدّعون الجبر مع أنه تعالى أعطى الإنسان حرية الخيار، فعدم إجباره لهم على الفعل أو الترك ليس دليلا على رضاه تعالى عمّا اختاروه لأنفسهم من الضلال، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ﴾ لا يستخدمون العقل - بل يتّبعون التقليد كما سيرد في الآية التالية -، والآية وإن كانت خاصة في ممارسات الجاهلية إلاّ أن مغزاها عام ينطبق على كل الناس في كل العصور، فقد يزعم البعض أنهم يتقربون إلى

стр. 474

الله تعالى بأعمال وممارسات ابتدعوها ما أنزل الله بها سلطانا، في حين أنه تعالى لا يعبد إلاّ بما شرعه في القرآن أو على لسان رسوله ﷺ فلا عبادة ولا تحريم إلاّ بنص، وليس لأحد أن يزيد أو ينقص في العبادات أو في التحريم. ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ (١٠٤) ١٠٤ - استمرار الخطاب من الآية السابقة بأن أكثرهم لا يستخدمون العقل: ﴿وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ هم ملتزمون بتقليد آبائهم، ومغزى الآية واضح في النهي عن التقليد الأعمى، ووجوب إعمال الفكر واستخدام ملكة العقل، وقد وردت آية مشابهة لها في سورة البقرة [البقرة: ٢/ ١٧٠]، ﴿أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ﴾ أي هل يغني تقليد الآباء والأجداد عن اتّباع الحق؟ حتى لو كان الآباء والأجداد لا يعلمون شيئا من الحقيقة ولا يهتدون إليها؟ وقد ذكر الشوكاني في كتابه (إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول) ما يلي: اختلفوا في المسائل الشرعية الفرعية: هل يجوز التقليد فيها أم لا؟ فذهب جماعة من أهل العلم أنه لا يجوز مطلقا، قال القرافي: مذهب مالك وجمهور العلماء وجوب الاجتهاد وإبطال التقليد، وادعى ابن حزم الإجماع على النهي عن التقليد، ونقل عن مالك قوله: «أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي، فما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وما لم يوافق فاتركوه»، وبهذا نعلم أن منع التقليد مذهب الجمهور، ولا خلاف أن رأي المجتهد، عند عدم الدليل، إنما هو رخصة له، يجوز له العمل بها، ولا يجوز لغيره أن يعمل بها بأي حال، ولذلك نهى كبار الأئمة عن تقليدهم وتقليد غيرهم، ومن زعم أنه يجب على الناس التمسك برأي المجتهد والعمل به فقد جعل هذا المجتهد صاحب شرع، ولم يجعل الله ذلك لأحد من الأمة بعد النبي ﷺ ، وأما سؤال الجاهل للعالم فيما

стр. 475

يعرض له من مسائل فهو سؤال عن الشرع، وليس سؤالا عن رأي خاص أو اجتهاد محض، (المنار). ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٠٥) ١٠٥ - استمرار الخطاب لما قبله: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اِهْتَدَيْتُمْ﴾ أي لا عليكم أيها المؤمنون من هؤلاء المقلّدين - المذكورين في الآية السابقة - إذا قمتم بواجباتكم من العبادات والعمل، وقمتم بواجبكم في الدعوة إلى الإسلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا تؤاخذون بضلال غيركم، حتى لو أصر الآخرون على المعصية، وليس عليكم إكراه الآخرين على الهدى ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً﴾ مصيركم إلى الله أنتم ومن خالفكم ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيجازي كل إنسان بعمله. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اِثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ اِرْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ (١٠٦) ١٠٦ - انتقال الخطاب إلى التشريع: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ أي شهادة ما بينكم من المنازعة أو الخصومة التي قد تنشأ عن الوصية ﴿إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إذا شارف أحدكم على الموت، بظهور إمارات قربه من الموت، كالعجز أو المرض أو غيره ﴿حِينَ الْوَصِيَّةِ اِثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يشهد على وصيته اثنان من الشهود العدول أي المعروفين بالعدل والاستقامة، وهذا المعنى دليل على وجوب الوصية وتأكيد أهميتها، انظر آية [البقرة: ٢/ ١٨٠]، وضرورة الإشهاد عليها، وقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ معناه شاهدان من دينكم ﴿أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ من غير دينكم، إذا كان أحدكم على سفر ولم يجد

стр. 476

شاهدين مسلمين ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ كنتم على سفر ﴿فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ شارف أحدكم على الموت بالمرض أو غيره ﴿تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إِنِ اِرْتَبْتُمْ﴾ إن كان لديكم شك في شهادة الشاهدين فتوقفوهما بعد الصلاة حتى يقسمان على صحة ما شهدا به ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ وهو فحوى قسم الشاهدين ومعناه: لا نشتري بيمين الله ثمنا دنيويا، ولو كان المستفيد من أقاربنا ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ إِنّا إِذاً لَمِنَ الْآثِمِينَ﴾ وهو تتمة قسم الشاهدين، أي لا يكتمان الشهادة التي أمر الله أن تذكر على حقيقتها، فهما يشهدان على نفسيهما بالإثم إن قالا زورا، وهذه العبارة نظير قوله تعالى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٨٣]. ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اِسْتَحَقّا إِثْماً فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما مِنَ الَّذِينَ اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما وَمَا اِعْتَدَيْنا إِنّا إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (١٠٧) ١٠٧ - ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلى أَنَّهُمَا اِسْتَحَقّا إِثْماً﴾ لأنّ الإثم يترتب على شهادة الزور، فإن ظهر لدى أولياء الميت كذب الشاهدين بعد أن أقسما ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ بدلا ﴿مِنَ الَّذِينَ اِسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيانِ﴾ الأوليان الشاهدان اللذان حلفا اليمين أولا، استحقّ عليهم الإثم فتردّ أيمانهم لأنهما استحقّا أموال المتوفّى ظلما، فيقوم مقامهما اثنان من أولياء الميت أو ورثته يقسمان بردّ يمين الشاهدين ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما﴾ وهو مضمون اليمين الثانية بأن يمين الشاهدين باطلة، وبأنهما كاذبان، وبأن الميت ما كان ليوصي بذلك، فيردّان بأيمانهما اليمين الأولى، ويشهدان على أنفسهما بعدم الظلم والتعدّي: ﴿وَمَا اِعْتَدَيْنا إِنّا إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾. ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِسْمَعُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨)﴾.

стр. 477

١٠٨ - ﴿ذلِكَ أَدْنى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وَجْهِها﴾ ذلك أقرب أن يأتوا بالشهادة على وجهها الصحيح، لأنه إذا علم الشاهدان سلفا احتمال ردّ كذبهما، بيمين أولياء الميت، كانا أحرص على قول الحقيقة ﴿أَوْ يَخافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمانٌ بَعْدَ أَيْمانِهِمْ﴾ في هذه الحالة يخافان أن تردّ الأيمان التي يحلفوها، بأيمان أولياء الميت، والضمير في ﴿أَيْمانِهِمْ﴾ عائد إلى أولياء الميت ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ وَاِسْمَعُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ اتقوا معصية الله واستجيبوا له طواعية، لأن سنته تعالى قد مضت بأن الهداية تكون بحرية الاختيار، وأنه تعالى لا يقسر العصاة على الهداية، وشبيه به قوله تعالى: ﴿وَاِحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ (٩٢). ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (١٠٩) ١٠٩ - بعد أن فصّلت الآيات (١ - ١١) والآيات (٨٧ - ١٠٨) مواضيع العقود والطيبات والمحرمات والأحكام، كما بيّنت الآيات (١٢ - ٨٦) أحوال أهل الكتاب، وعدم استجابتهم للوحي، وهيمنة القرآن على كتبهم، تختم السورة بشهادة الرسل عليهم، وبالذات شهادة عيسى المسيح ﵇: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ المغزى أن الناس سوف يحاسبون بحسب استجابتهم للرسل، فما على الرسل إلاّ البلاغ، والحساب على الله وحده، وأن الإحاطة بالعلوم من الظاهر والباطن والغيب خاص بعلاّم الغيوب، وذلك مغزى قول الرسل: ﴿لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ،﴾ ونظيره الآية (١١٧)، ومن مغزى الآية أيضا توبيخ الكفار بسؤال الرسل عن استجابة الكفرة لهم، لأن الرسالة وصلتهم فلم يستجيبوا. ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي﴾

стр. 478

﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (١١٠) ١١٠ - ﴿إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ اُذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ انظر التأييد بروح القدس أيضا في آية [البقرة: ٢/ ٨٧]، وقيل إنّ روح القدس هو جبريل ﵇، الروح جبريل، والقدس هو الله تعالى، كأنه أضافه تعالى إلى نفسه تعظيما له ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً﴾ كلام عيسى في المهد هو قوله ﴿قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم ١٩/ ٣٠]، ثمّ تكلم في الكهولة بما نزل عليه من الوحي بعد بعثه نبيا، والمعنى أن كلامه في المهد وفي الكهولة كلاهما معجز. ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ تقدير الخطاب: علّمتك الكتاب بما اشتمل من الحكمة والتوراة والإنجيل، لأن المقصود بالكتاب جنس الكتب التي نزلت على الأنبياء، والحكمة هي العلم الصحيح الذي يبعث على العمل النافع، وقد بعث عيسى ﵇ إلى بني إسرائيل خاصة فأوتي الفقه في التوراة، والإنجيل الوحي الذي نزل عليه ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي﴾ وردت هذه المعجزة أيضا في آية [آل عمران: ٣/ ٤٩] ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ الأكمه المولود أعمى ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي﴾ ويلاحظ تكرار كلمة بإذني، للتأكيد على أن ذلك يتم بقدرته تعالى، وليس بمقدرة عيسى ﵇ ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ أي بعد أن جئت بني إسرائيل بالبينات من الوحي، ومن المعجزات الحسية التي اعتاد بنو إسرائيل وقوعها منذ بعثة موسى ﵇، فمنعتهم من الوصول إليك بأذى ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ فسّروا معجزات عيسى بالسحر، بسبب تصميمهم على الكفر وانغلاق فكرهم سلفا.

стр. 479

﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ (١١١) ١١١ - ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ المعنى أنه تعالى ألهم الحواريين أن يؤمنوا بالمسيح بعد ما طلبوا منه معجزة خارقة، وهي إنزال مائدة من السماء - الآية التالية - وذلك من تتمة نعمه تعالى على عيسى ﵇ المذكورة في الآية السابقة، والإيحاء إلى الحواريين بمعنى الإلهام كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ١٦/ ٦٨]، والحواريون مفردها حواري وهو من خلص لصاحبه، وأصله في اللغة الأبيض خالص النقاء والبياض. ﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١١٢) ١١٢ - ﴿إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ هذا السؤال من الحواريين لعيسى ﵇ يبيّن بوضوح إيمان الحواريين بأن عيسى مجرد بشر، وأن عيسى نفسه لم يدّع غير ذلك، وأن لم تكن عنده أي مقدرة على عمل الخوارق من تلقاء نفسه، وأن الخوارق إذا حصلت فمن الله ﴿قالَ اِتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي كيف تطلبون المعجزات الخارقة، وأنتم مؤمنون؟ والمغزى أن المؤمن يجب أن يتقي عاقبة مثل هذا الطلب، لأنه بعد نزول المعجزة الخارقة يتضاءل ثواب الإيمان بالغيب، أو ينتفي بالكامل، فمن جهة، يكون نزول المعجزة نوعا من الإجبار على الإيمان، ولا يليق ذلك إلاّ بمن هم في طفولة عقلية - كمثل بني إسرائيل - إذ فشلوا في استخدام ملكاتهم العقلية للوصول إلى الإيمان، ومن جهة ثانية قد يتعرض طالب المعجزة للعقاب الشديد لأقل هفوة يرتكبها بعد أن يكون قد لمس خوارق الإعجاز لمس اليد، فلم يعد لديه عذر في المعصية والانحراف عن الطريق السوي.

стр. 480

﴿قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ (١١٣) ١١٣ - ﴿قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ وهو شبيه بقول إبراهيم ﵇ ﴿وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢/ ٢٦٠]، ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ نريد أن نضيف إلى إيماننا بالغيب علم مشاهدة المعجزة رأي العين. ﴿قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَاُرْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ (١١٤) ١١٤ - ﴿قالَ عِيسَى اِبْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا﴾ استجاب عيسى ﵇ لطلب الحواريين، فدعا ربّه بأن تكون هذه المعجزة الخارقة عيدا للفرح والسرور والعبادة، عيدا خاصا بالمؤمنين أوّلهم الحواريون، وآخرهم كل من آمن بعدهم على مرّ الزمن ﴿وَآيَةً مِنْكَ﴾ أي تكون علامة منه تعالى لكي يزداد الحواريون طمأنينة ﴿وَاُرْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾ دعاء بطلب الرزق عامة، المادي منه، وغير المادي. ﴿قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (١١٥) ١١٥ - ﴿قالَ اللهُ إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ ليس في الآية ما يفيد أن المعجزة التي طلبها الحواريون قد حدثت بالفعل، ولذا اختلف المفسّرون فمنهم من قال إن الحواريين تراجعوا عن طلبهم بعد هذا الوعيد الشديد، ومنهم من قال بنزول المائدة فعلا، والذي يؤيد أن المائدة لم تنزل قوله تعالى في معرض تعداد نعمه على عيسى ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي﴾ أي آمنوا إطلاقا بلا معجزة خارقة ﴿قالُوا آمَنّا وَاِشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١)﴾، وقد ذكروا أن المائدة بلغة العرب معناها عطيّة، وهي أيضا معطية، والعرب تقول

стр. 481

مادني فلان أي أحسن إليّ (الرازي)، فإذا أخذنا بالاعتبار أنّ لفظ ﴿مُنَزِّلُها﴾ بالتشديد - كما هي قراءة الجمهور - ممّا يفيد التكرار والكثرة، فيحتمل المعنى أنه تعالى أجابهم بأنّه ينزّل الرزق على عباده دوما وباستمرار، سواء كان رزقا ماديا كالطعام والشراب، أو رزقا معنويا كالوحي الذي يتنزّل على جملة الأنبياء والرسل، وهذه كلّها دلائل عقلانية كافية بحد ذاتها، لغير المكابر ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ﴾ فمن يكفر بعد ذلك بالوحي الذي يتنزّل على الأنبياء والرسل، أو يكفر نعمه تعالى التي لا تحصى من طعام وشراب وغيره، فهو معرّض لعذاب شديد لا يتعرّض لمثله أحد غيره. ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (١١٦) ١١٦ - ﴿وَإِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى اِبْنَ مَرْيَمَ﴾ وهو خطابه تعالى لعيسى يوم يجمع الله الرسل (الآية ١٠٩) أو بعد رفعه كما سيرد في (الآية ١١٧). ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اِتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ أي معبودين كائنين من دون الله، سواء كانت هذه العبادة على اعتقاد الألوهية بعيسى ووالدته، أو على اعتقاد وساطتهما عند الله، لقوله تعالى على لسان المشركين ﴿ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣٩/ ٣]، وهذا الاستفهام منه تعالى لتثبيت النفي والإنكار ﴿قالَ سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ بدأ عيسى جوابه بالتسبيح، تنزيها لله تعالى عما لا يليق به من الشرك، وأضاف أن لم يكن له أدنى حق أن يقول ما قالت المسيحية عنه ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ فوّض عيسى الجواب بالكلّية إلى علم الله تعالى المحيط بكل شيء، وذلك مبالغة منه في إظهار الأدب، كي لا يقول: كلا لم أقله ﴿تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ﴾ أي تعلم ما في غيبي، ولا أعلم ما عندك من

стр. 482

الغيب ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ المغزى أن عيسى لم يسمع بادعاء الألوهية له ولوالدته أثناء وجوده على الأرض، وأن المسيحية ابتكرت هذا الاختلاق بعد رفع المسيح، وأن علاّم الغيوب يعلم ذلك، في حين لم يعلمه عيسى، بدليل تتمة الخطاب بالآية (١١٧). والملاحظ أنه لا يوجد في الكتاب المقدس The Bible عند النصارى أي إشارة إلى تأليه أو تقديس السيدة مريم، كما أنه خلال ثلاثة قرون بعد المسيح كانت فكرة تأليه أو تقديس السيدة مريم غريبة على المعتقد المسيحي، ولكن نحو نهاية القرن الثالث الميلادي بدأ رجال الكهنوت في الإسكندرية يستخدمون تعبير - والدة الإله - كناية عن مريم، ومن ثم بدأت تنتشر فكرة تقديسها، رغم أن الكنيسة في ذلك الوقت كانت تصم بالهرطقة كل من ينسب أي طابع قدسي أو إلهي للسيدة مريم، واستمر الأمر على هذا النحو حتى انعقاد المجمع الكنسي في إفسس Ephesus - غرب تركية - عام ٤٣١ م حيث تقرر رسميا إضفاء لقب - والدة الإله - على السيدة مريم، وبعدها انتشرت فكرة تقديسها لدى الكنائس حتى طغت أحيانا على - الأب - فكثرت تماثيلها وصاروا يصلّون لها، واعتقدوا أنها تستجيب لدعائهم وتهبّ لنجدتهم ومساعدتهم، وقد أعلن الإمبراطور جستينيان في مقدمة دستوره أن مريم هي حامية الإمبراطورية، وكان قواده يطلبون معونتها في ساحات القتال، وكان هرقل الذي عاصر النبي ﷺ يرفع صورة السيدة مريم على رايته، وكان واثقا أنه لن يخذل ما استعان بها، ولكن البروتستنت - في حركة الإصلاح الديني - نبذوا فكرة عبادة مريم أو تقديسها، في حين أن الكاثوليك استمروا في هذا المعتقد إلى اليوم - يقول البروفسور روبرت فنك - مؤلف كتاب «الأسفار الخمسة»، The five Gospels ومؤسس «ندوة عيسى» الشهيرة - يقول في كتابه «الأمانة تجاه عيسى Honest to Jesus،Harper،San Francisco ٦٩٩١» :

стр. 483

أنظر حولي وأشعر بالأسى على الذين استعبدتهم شخصية مسيح مبتكرة فرضت عليهم بنتيجة تراث ضيق وصارم (ص ١٩)، نحن نسعى للتوصل إلى إنجيل عيسى ذاته، نبحث عن المسيحية الحقيقية في شكلها البسيط النقي (ص ٢٠)، نسعى إلى تحرير المسيح من القيود التي فرضت على شخصه، وعندئذ قد نكتشف المسيح الذي ينسف مفاهيمنا المتوارثة، ثم نقع في حرج ممّا اكتشفناه، وممّا نحن عليه الآن من العقائد، فلو أطلقنا المسيح من زنزانة عقائدنا الحالية فقد يحتج على الألقاب التي ألصقناها به، وعلى الكنيسة التي أسّسناها باسمه، ويحتج على البابا ورجال الدين والوعّاظ، ويحتمل حينئذ أننا لن نقبل بالمسيح الحقيقي في نطاق مسيحيتنا الحالية (ص ٢٢)، إن المسيحية الحالية لم تبدأ بعيسى، وهو لم يكن المسيحي الأول، فعندما نتكلم عن مؤسس المسيحية الحالية يجب أن نلتفت إلى بولس، لقد رأى بولس، اليهودي المثقف الذي لم يلتق عيسى قط، رأي في شخص عيسى الإله المخلّص من الطراز الهلنستي الأسطوري، الإله الذي يموت ثم ينهض من الموت، لقد رفعوا عيسى تدريجيا خلال القرنين الثاني والثالث الميلادي إلى مرتبة الألوهية، إلى أن بدأت المسيحية تأخذ شكلها المحدد بقرارات إمبراطورية وكنسية (ص ٣١ - ٣٥)، إنها عقلية العالم الروماني/اليوناني في ذلك الوقت، فبالنسبة للثقافة اليونانية كانت عقيدة الآلهة المتعددة وحكاياتها الأسطورية مرافقة للحياة اليومية، وفي ذلك الوسط نشأت المسيحية الهلنستية، لقد تحوّل عيسى محطّم الرموز إلى مجرّد رمز (ص ٤٤). ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (١١٧) ١١٧ - ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ إِلاّ ما أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اُعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وهي رسالة التوحيد خالية من الشرك ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ فقط

стр. 484

﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ أي استوفيت مدة بقائي على الأرض ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ المعنى أنه تعالى وحده الرقيب على عباده، في حين أن مهمة الرسل هي البلاغ فقط. ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١١٨) ١١٨ - ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ إقرار من عيسى ﵇ بأنه لا يملك لمن عبدوه في الحياة الدنيا ضرّا ولا نفعا، وأن الحساب على الله وحده. ﴿قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١١٩) ١١٩ - ﴿قالَ اللهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ قال الله بصيغة الماضي، والمقصود المستقبل، لتأكيد أنّ ذلك واقع لا محالة، فكأنه وقع فعلا، واليوم المشار إليه هو يوم القيامة، حيث لا ينجو فيه إلاّ من كان صادقا مع نفسه في الحياة الدنيا ﴿لَهُمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ثواب الصادقين. ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٢٠) ١٢٠ - ﴿لِلّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ﴾ أي له وحده، دون غيره، ممّن اتخذوهم آلهة للعبادة ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فيحاسب العباد بأعمالهم يوم القيامة. ***

стр. 485

سورة الأنعام - ٦ - مكية مقدمة نزلت هذه السورة في أواخر فترة إقامة النبي ﷺ في مكة، وعلى الأغلب في السنة الأخيرة التي سبقت هجرته إلى المدينة، بعد أن كان قد أمضى حوالي اثني عشر عاما وهو يدعو الناس إلى الإسلام في مكة، وقد اشتق اسم السورة من الإشارة في الآية (١٣٦)، والآيات التي تليها، إلى عادة مشركي العرب في الجاهلية تكريس بعض الأنعام لأصنامهم، والتوسل بها إلى الله تعالى، وهذا المغزى غير مقتصر على مشركي الجاهلية، بل فيه إشارة إلى ميل بعض البشر، في كل العصور، إلى التوسل بأموات وبأضرحة، وإلى إسباغ قدرات شبه إلهية على مخلوقات ومعبودات وأولياء، وتكريس الذبائح لها، وأحيانا طاعة بعض المخلوقات في الباطل وفي التشريع والتحليل والتحريم. ارتباط السورة بما قبلها اختتمت سورة المائدة بالإشارة لشرك النصارى وتأليههم عيسى المسيح وأمّه، ثم افتتحت سورة الأنعام بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ١]، إذ رغم المعجزات الباهرة من خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، فالكفار يعدلون بالله غيره، أي يجعلون غيره عدلا له مساويا له في العبادة.

стр. 486

وفي سورة المائدة أن القرآن الكريم يصدّق فقط ما تبقى من الوحي الصحيح في كتب اليهود والنصارى ويهيمن عليها فيغربل الصحيح منها من الزائف: ﴿وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٥/ ٤٨]، وفي هذه السورة أن لا شيء أكبر من شهادة القرآن: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٩]، وأن رسالته عالمية للناس كافة: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ٩٢]، مما يوجب اتباعه لكثرة خيراته: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاِتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٥٥]. وفي سورة المائدة أن اليهود يحرفون التوراة: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ [المائدة: ٥/ ٤١]، وفي سورة الأنعام أنهم جعلوا التوراة مجرد أوراق يتلاعبون بها: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ [الأنعام: ٦/ ٩١]. وقد فصّلت سورة المائدة في الآيات [٥/ ١٢ - ٨٦] والآيات [٥/ ١١٠ - ١٢٠] بعض أحوال أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ثم تشير هذه السورة إليهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٥٩]. محور سورة الأنعام إن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة في الخلق، ولكن فريقا خسروا أنفسهم بالتهالك على الحياة الدنيا، فهم لذلك لا يؤمنون: ﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ﴾

стр. 487

﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٢)، وإن أهل الكتاب يعرفون النبي محمد ﷺ الموصوف في كتبهم - كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم خسروا أنفسهم بسبب خوفهم فوات الزعامة والمكاسب الدنيوية: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٠)، وتضرب مثالا ببعثة إبراهيم، ﵇، وطريقة حواره مع قومه وتسلسل النبوات من بعده، وأنه تعالى يوكل بالرسالة من الأمم، على مرّ العصور، من هي جديرة بحملها: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ (٨٩). وأن المطلوب من الإنسان الإيمان باستخدام العقل والدلائل: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠٩). وأنّ من سنن الاجتماع البشري أن يصبح بعض المجرمين أكابر في بعض المجتمعات، بحيث يكون إجرامهم سبب كونهم أكابر، أي يبلغون مراتب الزعامة بالمكر والخداع والغدر: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (١٢٣)، وأنه تعالى لا يهلك المجتمعات الظالمة ولا يعاقبها على ظلمها قبل أن يبعث الرسل ويبين الحق من الباطل: ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ (١٣١). وإن القول بالجبرية باطل، وعلم الله القديم هو من صفات الألوهية، ولا يناقض الحرية التي منحها تعالى للبشر: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ (١٤٨)، وأن مجرّد الإيمان بلا عمل صالح لا ينفع صاحبه: ﴿هَلْ﴾

стр. 488

﴿يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ اِنْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (١٥٨)، وأن مسؤولية كلّ مكلّف من الناس متناسبة مع ما آتاه الله من درجات العلم والعقل والرزق والزعامة والجاه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٦٥). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (١) ١ - ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ﴾ العبارة مذكورة بصيغة الخبر، فهي تفيد أنه تعالى مستحق الحمد سواء حمده حامد أم لم يحمد، وهي أيضا تنحو منحى الأمر ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ السماوات بصيغة الجمع لأنها إشارة إلى الكون بكامله شاملا بلايين المجرّات والنجوم والكواكب ممّا لا حصر له، والأرض بصيغة المفرد وهي الكرة الأرضية التي نعيش عليها، ولا يمنع ذلك أنّ الأرضين كثيرة بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ٦٥/ ١٢]، وسبب ذكرها بالمفرد لأن باقي الأرضين مشمولة في تعبير السماوات ﴿وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ﴾ وتحتمل معنيين الأول على ظاهره، والثاني مجازي بدليل الآية (١٢٢)﴾، فالظلمات قد تكون كناية عن ظلمات الجهل والهوى والشرك والنفاق والضلال والكفر، والنور قد يكون كناية عن نور الهداية والإيمان، وقد وردت الظلمات بصيغة الجمع، والنور بصيغة المفرد، لأن الباطل كثير والحق واحد، ويرجّح المعنى المجازي لأن موضوع السورة بأكملها يدور حول الهداية والضلال ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ أي رغم هذه المعجزات الباهرة من خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، فإن الكفار يعدلون بالله غيره، أي يجعلون

стр. 489

غيره عدلا له مساويا له في العبادة، - وفي هذه الحالة يكون تعلق الجار والمجرور بفعل يعدلون، أي يعدلون بربهم. ومعنى يعدلون أيضا ينحرفون، فيضلّون عن الحق - فيكون تعلق الجار والمجرور بفعل كفروا -، ومغزى الآية تأكيد لحقيقة التوحيد لأن الله وحده - لا شريك له - خالق السماوات والأرض، وجاعل الظلمات والنور. ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ (٢) ٢ - ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ قال الرازي: المشهور أن المراد منه أنه تعالى خلقهم من آدم وأن آدم كان مخلوقا من طين، وعندي - والكلام للرازي - أن الإنسان مخلوق من الأغذية التي تعود في منشئها إلى النبات، والنبات أصله من الطين، فثبت أن كل إنسان متولد من الطين - انتهى - وكلام الرازي قريب من النظريات العلمية الحديثة التي تقول بنشأة الإنسان من الطين، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ٢٣/ ١٢]، ﴿ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ الأجل هو الوقت المضروب لانقضاء الأمد، والمقصود به أجل الموت أو القيامة أو كلاهما، فيكون تقدير الآية: ثم قضى أجلا، وهو أجل معروف عنده فقط ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ الامتراء هو الشك، والخطاب للكفار، أي بعد هذه البراهين الباهرة من خلق الإنسان من طين كيف تشكّون في البعث والخلق من جديد، ومن مغزى الآية تأكيد على حقيقة البعث، لأن الله الذي خلق الإنسان من سلالة من طين قادر على أن يبعث الإنسان من الطين مرة أخرى. ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ (٣) ٣ - ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ أي هو الله - وحده - ربّ السماوات والأرض ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ متّصف بكمال العلم الباطن والظاهر ﴿وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ﴾ يعلم ما تستحقون من الثواب أو العقاب على أعمالكم.

стр. 490

﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ (٤) ٤ - رغم الآيات الباهرات المذكورة آنفا كخلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، وخلق الإنسان من الطين، فالكفار ما زالوا معرضين عن الإيمان وعن التفكّر: ﴿وَما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ﴾ قد تكون الآيات بالمعنى العام وهي الرسالات السماوية التي نزلت على الأنبياء، أو قد تكون بمعنى الآيات القرآنية، أو قد تكون بمعنى المعجزات والدلائل الكونية، راجع شرح آية [البقرة: ٢/ ٣٩]، ﴿إِلاّ كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ﴾ صمّم الكفار على الإعراض عما يأتيهم من آيات الوحي عن طريق الرسل، كما دأبوا على الإعراض عن التفكر في المعجزات الكونية والدلائل التي توجب الإيمان والتوحيد، وقد رأى الرازي أنّ في هذه الآية دلالة على بطلان التقليد، وتأكيد أن التأمل والتفكر في الدلائل واجب، لأن الإسلام مبني على أساس الدليل والبرهان، وقد تكررت الإشارة لذلك في آيات [البقرة: ٢/ ١٧٠] و [المائدة: ٥/ ١٠٤]. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٥) ٥ - ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمّا جاءَهُمْ﴾ لم يكتف الكفار بالإعراض عن التفكّر بالآيات والدلائل، أو كونهم غافلين عنها، بل تجاوزوا ذلك إلى تكذيب الرسل والوحي والقرآن لمّا جاءهم ﴿فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْباءُ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ ولم يكتفوا بالتكذيب بل تجاوزوه إلى الاستهزاء، فهذا تأكيد على أنهم سوف يعلمون عواقب تكذيبهم واستهزائهم، إن في الحياة الدنيا بظهور معجزات القرآن لهم، أو بالبعث بعد الموت، هذا في المعنى العام. أما في المعنى الخاص فقد تكون الإشارة إلى الهجرة النبوية - التي حدثت بعد نزول هذه السورة مباشرة - ثم الانتصارات الباهرة للإسلام التي تلت ذلك ممّا لم يكن يتوقعه أحد من كفار مكة.

стр. 491

﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ (٦) ٦ - ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ألم ير مشركو مكة خاصة، والكفار عموما، كم أهلك تعالى من الأجيال والحضارات من قبلهم، من الذين مكّنهم تعالى في الأرض فجعل لهم فيها ملء التصرف والاستقلال، وسخّر لهم من وسائل العلم والعيش والنعم والرفاه ما لم يعطه تعالى لمشركي مكة وللكفار من غيرهم، وتغيير الخطاب من الغائب إلى المخاطب لأن المعنيين ليسوا كفار قريش فقط بل الكفار في كل عصر ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً﴾ المطر الغزير ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ لأن الماء هو أساس حياتهم وحضارتهم ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ فكان الهلاك عاقبة لذنوبهم، ومترتّبا عليها، ونتيجة طبيعية لها، كما هي سنته تعالى في خلقه، والمغزى فليعتبر المشركون والكفار بهلاك أمثالهم من الأمم قبلهم ولا يغترّوا بمقدرتهم وبعلومهم وبالنعم التي يرفلون فيها، فلكلّ شيء عاقبة ونتيجة ترتبط به ارتباط السبب بالمسبّب ﴿وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ حلّت مكانهم مجتمعات وحضارات أخرى، التاريخ حافل بأمثلتها. ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٧) ٧ - ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ بعد أن بيّن تعالى حقيقة التوحيد (الآية ١)، وبرهان البعث من جديد (الآية ٢)، وأظهر كمال علمه بالباطن والظاهر (الآية ٣)، ونهى عن التقليد، وأوجب النظر في الدلائل (الآية ٤)، وأن الناس مع ذلك بين مكذّب ومستهزئ (الآية ٥)، وحضّ الناس على الاعتبار بمصير الأمم من قبلهم

стр. 492

(الآية ٦)، بيّن تعالى في هذه الآية أن الحجة مهما تكن باهرة، والشبهة مهما تكن واهية، فذلك لا يستلزم إيمان الجميع، إلا من كان من الناس منفتح الذهن، أما من كان على العكس، منغلق الذهن، معجبا بنفسه وبرأيه، متكبرا معاندا متمسكا بالتقليد، فقد أقفل على نفسه باب النظر والبصيرة، لا تنفع معه المعجزات، حتى لو نزل القرآن على النبي ﷺ مكتوبا في كتاب فلمسوه لمس اليد، والبشرية غاصّة بأمثال هؤلاء المكابرين، وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥/ ١٤ - ١٥]. ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ (٨) ٨ - ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ استمرار المعاندة والمكابرة من قبل الكفار الذين لطفولتهم العقلية - أو للتعجيز - يطلبون، كي يؤمنوا، حدوث الخوارق كنزول ملك على النبي ﷺ يشاهدونه عيانا، فأجابهم تعالى أن نزول الملك، يقتضي الإلجاء والإجبار فيزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يمهلون بعد ذلك فيكون هلاكهم، بانتهاء فترة الاختبار لهم. ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ (٩) ٩ - ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً﴾ لأنهم كانوا يقولون: ﴿وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ [الفرقان: ٢٥/ ٧]، فأجابهم تعالى أن لو جعل رسوله ملكا لأنزله في صورة بشر لاستحالة أن يشاهد الإنسان، أو أن يستوعب رؤية الملائكة ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ وحينئذ يلتبس ويختلط الأمر عليهم كما يخلطون على أنفسهم بهذا النوع من التفكير. ﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)﴾.

стр. 493

١٠ - ﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمعنى أن استهزاء البعض بالرسل يحيط بهم في النهاية، أي يعود عليهم وبالا، ليس فقط في الحياة الآخرة، وإنما أيضا في الحياة الدنيا، لأن استمرار الأكثرية في تكذيب الوحي يسلب المجتمعات أسسها المعنوية والخلقية، وبالتالي يذهب بسعادتها الدنيوية، وفي النهاية يؤدي إلى هلاكها كما هو واضح من الآية التالية: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ اُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (١١) ١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ اُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ اعتبروا بما تعلمون من تفسخ وتدهور وانحلال الأمم من المكذّبين قبلكم، ولا تغفلوا عن سبب زوالها، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٢٢/ ٤٥ - ٤٦]، والمعنى أن سنن الله لا تبدّل لها، والإنسان مكلّف بالبحث عن تلك السنن بدراسة التاريخ والآثار وعلوم الاجتماع والحضارات ومعرفة أسباب نهوض الأمم وزوالها. ﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٢) ١٢ - ﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ﴾ الله تعالى وحده المتفرّد والمتصرف بخلق السماوات والأرض ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ كتب على نفسه الرحمة في خلقه، فمن رحمته إفاضة نعمه على مخلوقاته ظاهرة وباطنة، انظر الآية (٥٤)﴾، وأيضا آية الأعراف: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٥٦]، وفي الحديث: «قال الله تعالى: سبقت رحمتي غضبي»، ومن رحمته تعالى أنه يمهل ولا يعاجل بالعقوبة، ويؤخّر إلى يوم الحساب كما في تتمة الآية:

стр. 494

﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ ومن رحمته تعالى أنه يجمع الناس إلى المحشر يوم القيامة ليقيم الميزان فيثيب المحسن ويجازي المسيء ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ومن رحمته تعالى أن جعل عباده على بيّنة من الحشر كي لا يرتابوا فيه، ممّا ينفي الظلم والفوضى والإهمال في الحياة الدنيا ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ هم الذين خسروا أنفسهم بخداعها، وبالمكابرة والعناد وبالجحود والعصبية والتقليد وإنكار القرآن، فهم لذلك لا يؤمنون، وأيضا الذين خسروا أنفسهم بالتهالك على الحياة الدنيا فهم لا يؤمنون حقيقة، وإنما إيمانهم مجرد طقوس وعبادات لا يتجاوزونها إلى الأعمال. ﴿وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١٣) ١٣ - ﴿وَلَهُ ما سَكَنَ﴾ من المخلوقات ﴿فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ وهو عطف على الآية السابقة أي له ما في السماوات والأرض، وله ما سكن في الليل والنهار ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يسمع دعاء عباده، ويعلم أحوالهم، فهو وحده المستحق للعبادة، وفي الحديث: «الدعاء هو العبادة». ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٤) ١٤ - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ أي معبودا - في هذا المعنى - ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي مبدعهما، والفطر هو الشقّ، فيقال فطره فانفطر أي انشقّ، وتفطّر أي تشقّق، والفطر أيضا الابتداء والابتداع، ونظرية العلماء اليوم أن الكون انفطر من كتلة صغيرة جدا كحجم الذرة، ذات كثافة لا متناهية، فكانت بداية الكون بما يسمونه الانفطار الكبير - الانفجار الكبير - Big Bang الذي لا يزال الكون بنتيجته يتسع حتى الآن ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ المغزى أن الذين تتخذونهم أولياء من دون الله، كالزعماء والطواغيت، يعتمدون عليكم في رزقهم، ومعاشهم من كدّكم وشقائكم، في حين أن خالق السماوات والأرض هو وحده الذي يطعمكم ويرزقكم، ولا يحتاج إليكم.

стр. 495

وفي قراءة ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ فيعود الضمير في كليهما إلى المذكور بقوله ﴿أَغَيْرَ اللهِ﴾. وفي قراءة أيضا ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ فيعود الضمير الأول إلى الله تعالى، والضمير الثاني إلى المذكور بقوله ﴿أَغَيْرَ اللهِ﴾، وكل هذه القراءات تؤدي المعنى نفسه. ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ استمرار الخطاب للنبي ﷺ ، فهو أول من أسلم من أمّته، وهو أيضا أول المسلمين قاطبة لأنه أكملهم إيمانا وعملا، وهو معلّمهم وقدوتهم وسيّدهم ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ المطلوب الجمع بين الإسلام وبين البراءة من الشرك بكافة أشكاله. ﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٥) ١٥ - ﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لأنه ﷺ أكمل المسلمين وأوّلهم إيمانا وعملا - الآية السابقة -، وهو أيضا قدوتهم، فالخوف من عاقبة المعصية - وهو معصوم عن الذنوب - ومن ثمّ إتقاؤها، موجود عنده كما يجب أن يكون عند كل مؤمن. ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ (١٦) ١٦ - ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أي من يصرف عنه عذاب ذلك اليوم فقد رحمه تعالى الرحمة الكبرى ﴿وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ وهو النجاة من عذاب الآخرة. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٧) ١٧ - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الضرّ هو سوء الحال، والمعنى أن الله تعالى يكشف
следующие страницы →