Полный текст (2 031 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ (٦)
٦ - ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ﴾ ألم ير مشركو مكة خاصة، والكفار عموما، كم أهلك تعالى من الأجيال والحضارات من قبلهم، من الذين مكّنهم تعالى في الأرض فجعل لهم فيها ملء التصرف والاستقلال، وسخّر لهم من وسائل العلم والعيش والنعم والرفاه ما لم يعطه تعالى لمشركي مكة وللكفار من غيرهم، وتغيير الخطاب من الغائب إلى المخاطب لأن المعنيين ليسوا كفار قريش فقط بل الكفار في كل عصر ﴿وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ عَلَيْهِمْ مِدْراراً﴾ المطر الغزير ﴿وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ لأن الماء هو أساس حياتهم وحضارتهم ﴿فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ فكان الهلاك عاقبة لذنوبهم، ومترتّبا عليها، ونتيجة طبيعية لها، كما هي سنته تعالى في خلقه، والمغزى فليعتبر المشركون والكفار بهلاك أمثالهم من الأمم قبلهم ولا يغترّوا بمقدرتهم وبعلومهم وبالنعم التي يرفلون فيها، فلكلّ شيء عاقبة ونتيجة ترتبط به ارتباط السبب بالمسبّب ﴿وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ﴾ حلّت مكانهم مجتمعات وحضارات أخرى، التاريخ حافل بأمثلتها.
﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٧)
٧ - ﴿وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ بعد أن بيّن تعالى حقيقة التوحيد (الآية ١)، وبرهان البعث من جديد (الآية ٢)، وأظهر كمال علمه بالباطن والظاهر (الآية ٣)، ونهى عن التقليد، وأوجب النظر في الدلائل (الآية ٤)، وأن الناس مع ذلك بين مكذّب ومستهزئ (الآية ٥)، وحضّ الناس على الاعتبار بمصير الأمم من قبلهم
стр. 492
(الآية ٦)، بيّن تعالى في هذه الآية أن الحجة مهما تكن باهرة، والشبهة مهما تكن واهية، فذلك لا يستلزم إيمان الجميع، إلا من كان من الناس منفتح الذهن،
أما من كان على العكس، منغلق الذهن، معجبا بنفسه وبرأيه، متكبرا معاندا متمسكا بالتقليد، فقد أقفل على نفسه باب النظر والبصيرة، لا تنفع معه المعجزات، حتى لو نزل القرآن على النبي ﷺ مكتوبا في كتاب فلمسوه لمس اليد، والبشرية غاصّة بأمثال هؤلاء المكابرين، وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ [الحجر: ١٥/ ١٤ - ١٥].
﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ (٨)
٨ - ﴿وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ استمرار المعاندة والمكابرة من قبل الكفار الذين لطفولتهم العقلية - أو للتعجيز - يطلبون، كي يؤمنوا، حدوث الخوارق كنزول ملك على النبي ﷺ يشاهدونه عيانا، فأجابهم تعالى أن نزول الملك، يقتضي الإلجاء والإجبار فيزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف ﴿ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ﴾ لا يمهلون بعد ذلك فيكون هلاكهم، بانتهاء فترة الاختبار لهم.
﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ (٩)
٩ - ﴿وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً﴾ لأنهم كانوا يقولون: ﴿وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ [الفرقان: ٢٥/ ٧]، فأجابهم تعالى أن لو جعل رسوله ملكا لأنزله في صورة بشر لاستحالة أن يشاهد الإنسان، أو أن يستوعب رؤية الملائكة ﴿وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ﴾ وحينئذ يلتبس ويختلط الأمر عليهم كما يخلطون على أنفسهم بهذا النوع من التفكير.
﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)﴾.
стр. 493
١٠ - ﴿وَلَقَدِ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ، والمعنى أن استهزاء البعض بالرسل يحيط بهم في النهاية، أي يعود عليهم وبالا، ليس فقط في الحياة الآخرة، وإنما أيضا في الحياة الدنيا، لأن استمرار الأكثرية في تكذيب الوحي يسلب المجتمعات أسسها المعنوية والخلقية، وبالتالي يذهب بسعادتها الدنيوية، وفي النهاية يؤدي إلى هلاكها كما هو واضح من الآية التالية:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ اُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (١١)
١١ - ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ اُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ اعتبروا بما تعلمون من تفسخ وتدهور وانحلال الأمم من المكذّبين قبلكم، ولا تغفلوا عن سبب زوالها، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ * أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٢٢/ ٤٥ - ٤٦]، والمعنى أن سنن الله لا تبدّل لها، والإنسان مكلّف بالبحث عن تلك السنن بدراسة التاريخ والآثار وعلوم الاجتماع والحضارات ومعرفة أسباب نهوض الأمم وزوالها.
﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٢)
١٢ - ﴿قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلّهِ﴾ الله تعالى وحده المتفرّد والمتصرف بخلق السماوات والأرض ﴿كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ كتب على نفسه الرحمة في خلقه، فمن رحمته إفاضة نعمه على مخلوقاته ظاهرة وباطنة، انظر الآية (٥٤)﴾، وأيضا آية الأعراف: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف:
٧/ ١٥٦]، وفي الحديث: «قال الله تعالى: سبقت رحمتي غضبي»، ومن رحمته تعالى أنه يمهل ولا يعاجل بالعقوبة، ويؤخّر إلى يوم الحساب كما في تتمة الآية:
стр. 494
﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ﴾ ومن رحمته تعالى أنه يجمع الناس إلى المحشر يوم القيامة ليقيم الميزان فيثيب المحسن ويجازي المسيء ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ ومن رحمته تعالى أن جعل عباده على بيّنة من الحشر كي لا يرتابوا فيه، ممّا ينفي الظلم والفوضى والإهمال في الحياة الدنيا ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ هم الذين خسروا أنفسهم بخداعها، وبالمكابرة والعناد وبالجحود والعصبية والتقليد وإنكار القرآن، فهم لذلك لا يؤمنون، وأيضا الذين خسروا أنفسهم بالتهالك على الحياة الدنيا فهم لا يؤمنون حقيقة، وإنما إيمانهم مجرد طقوس وعبادات لا يتجاوزونها إلى الأعمال.
﴿وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١٣)
١٣ - ﴿وَلَهُ ما سَكَنَ﴾ من المخلوقات ﴿فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ وهو عطف على الآية السابقة أي له ما في السماوات والأرض، وله ما سكن في الليل والنهار ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ يسمع دعاء عباده، ويعلم أحوالهم، فهو وحده المستحق للعبادة، وفي الحديث: «الدعاء هو العبادة».
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٤)
١٤ - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ أي معبودا - في هذا المعنى - ﴿فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي مبدعهما، والفطر هو الشقّ، فيقال فطره فانفطر أي انشقّ، وتفطّر أي تشقّق، والفطر أيضا الابتداء والابتداع، ونظرية العلماء اليوم أن الكون انفطر من كتلة صغيرة جدا كحجم الذرة، ذات كثافة لا متناهية، فكانت بداية الكون بما يسمونه الانفطار الكبير - الانفجار الكبير - Big Bang الذي لا يزال الكون بنتيجته يتسع حتى الآن ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ المغزى أن الذين تتخذونهم أولياء من دون الله، كالزعماء والطواغيت، يعتمدون عليكم في رزقهم، ومعاشهم من كدّكم وشقائكم، في حين أن خالق السماوات والأرض هو وحده الذي يطعمكم ويرزقكم، ولا يحتاج إليكم.
стр. 495
وفي قراءة ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ فيعود الضمير في كليهما إلى المذكور بقوله ﴿أَغَيْرَ اللهِ﴾.
وفي قراءة أيضا ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾ فيعود الضمير الأول إلى الله تعالى، والضمير الثاني إلى المذكور بقوله ﴿أَغَيْرَ اللهِ﴾، وكل هذه القراءات تؤدي المعنى نفسه.
﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ استمرار الخطاب للنبي ﷺ ، فهو أول من أسلم من أمّته، وهو أيضا أول المسلمين قاطبة لأنه أكملهم إيمانا وعملا، وهو معلّمهم وقدوتهم وسيّدهم ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ المطلوب الجمع بين الإسلام وبين البراءة من الشرك بكافة أشكاله.
﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٥)
١٥ - ﴿قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ لأنه ﷺ أكمل المسلمين وأوّلهم إيمانا وعملا - الآية السابقة -، وهو أيضا قدوتهم، فالخوف من عاقبة المعصية - وهو معصوم عن الذنوب - ومن ثمّ إتقاؤها، موجود عنده كما يجب أن يكون عند كل مؤمن.
﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ (١٦)
١٦ - ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾ أي من يصرف عنه عذاب ذلك اليوم فقد رحمه تعالى الرحمة الكبرى ﴿وَذلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ﴾ وهو النجاة من عذاب الآخرة.
﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١٧)
١٧ - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الضرّ هو سوء الحال، والمعنى أن الله تعالى يكشف
стр. 496
عن عباده الضر الذي توصّلوا إليه بأنفسهم واستحقوه بأعمالهم، كنتيجة طبيعية لسنته تعالى في خلقه، كما هو قادر على إيصال الخير إليهم إذا اتبعوا السبل المؤدية إليه، وذلك بمعنى قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١٣/ ١١].
﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ (١٨)
١٨ - ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ قاهر عباده من المؤمنين والكفار، وكبار القوم وصغارهم على السواء، كلهم خاضع للسنن التي أوجدها تعالى في الكون لا يخرج عنها، ولكلّ منهم أجل لا ينفك منه ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ في خلقه وتدبيره.
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ (١٩)
١٩ - ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ لأن شهادة الله تعالى أكبر الشهادات إطلاقا - وشهادته تعالى من قبيل المجاز - لأنّ ما أنزل من معجزة القرآن ومن الوحي على الرسل مؤيّدا بالبراهين يدلّ على التوحيد، وما أوجد من الدلائل في الخلق وفي الأنفس وفي العقول، وكل ما هو ظاهر من السنن الكونية ودقّتها ونظامها هي من قبيل الدلائل الكونية على الوحدانية، لأنّ وحدة النظام تدلّ على وحدة واضعه ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ أي ومن بلغه هذا القرآن، والمعنى عموم بعثة خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ إلى الناس أجمعين من عرب وعجم في كل الأزمنة والأمكنة، وشبيه بذلك قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٦٢/ ٣].
﴿أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرى﴾ رغم أن هذا القرآن قد بلغكم؟ والخطاب للمشركين عامة ولأهل الكتاب خاصة، بدليل الآية التالية، فكيف
стр. 497
تزعمون أن الله ثالث ثلاثة بعد كل هذه البراهين الساطعة ﴿قُلْ لا أَشْهَدُ﴾ لا أخالف الوحي والعقل والدلائل ﴿قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ﴾ الوحي والدلائل والعقل كلها تفرض هذه الحقيقة ﴿وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ أبرّئ نفسي من أن أشرك بالله ما لم ينزّل به سلطانا من العلم اليقيني والعقل والبرهان والدلائل.
﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٠)
٢٠ - ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ﴾ الخطاب استمرار لما سبق والضمير في (يعرفونه) يعود إلى النبي ﷺ لأن الآية السابقة تشهد على نبوّته بأن الله شهيد بينه وبين الناس، والمعنى أن أهل الكتاب كانوا يتوقعون وينتظرون رسالة خاتم الأنبياء والرسل كما هو مذكور تكرارا في كتبهم، ويعرفونه تمام المعرفة، انظر آية [البقرة: ٢/ ٨٩]، نظر أيضا كتاب عبد الأحد داود: «محمد في الكتاب المقدس» ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الذين خسروا أنفسهم بسبب تمسكهم بالزعامات والمناصب والجاه، وبسبب المكابرة والعناد والعصبية والتقليد، فهم بالتالي لا يؤمنون، وهذا المعنى منطبق على أهل الكتاب زمن البعثة النبوية كما هو منطبق عليهم الآن.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ (٢١)
٢١ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ استمرار الخطاب، والكلام لا يزال عن أهل الكتاب، لأنهم افتروا على الله الكذب فشهدوا أنه ثالث ثلاثة، وأشركوا به المسيح والروح القدس، انظر الآية (٧٣)﴾، ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ كذّبوا بالقرآن والآيات الكونية والدلائل المؤيدة له ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ الذين افتروا الكذب، ويدخل فيهم الذين أدخلوا على التفسير القرآني وعلى الحديث الشريف من الإسرائيليات والخرافات ما تغص به الكتب، انظر كتاب «الإسرائيليات في التفسير والحديث»، محمد الذهبي، ويدخل فيهم من يزيد في دين الله من عنده من التحريم والتحليل والعبادات.
стр. 498
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٢٢)
٢٢ - ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ جميع البشر، بمن فيهم المشركون الذين افتروا على الله الكذب، المشار إليهم في الآيات السابقة ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ﴾ أين آلهتكم، أو أولياؤكم، أو وسطاؤكم، أو شفعاؤكم، أو طواغيتكم، أو قدّيسوكم ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ تزعمونهم شركاء؟ - بحذف المفعولين -.
﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ (٢٣)
٢٣ - ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ﴾ التقدير لم تكن عاقبة فتنتهم - بحذف المضاف وهو شائع في التنزيل - والفتنة هنا بمعنى الغواية والضلال وذهاب العقل، لأن من يشرك بالله يكون فاقد التفكير السليم، والفتنة أيضا الاختبار ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا وَاللهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ تبرؤوا ممّا كانوا عليه من الضلال في الحياة الدنيا.
﴿اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢٤)
٢٤ - ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ﴾ بأن استبعدوا الفهم والعقل وعبدوا أهواءهم ورغباتهم، كما سيرد بقوله تعالى: ﴿بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (٢٨).
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ افتراؤهم في الدنيا لم ينفعهم في الآخرة، وهو كقوله تعالى: ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ [يونس: ١٠/ ٢٨] والمعنى أن الأوهام زالت عنهم في الآخرة بعد كشف الحجب.
﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ﴾ يستمعون إلى النبي ﷺ استماع مكابرة وعناد، أو استماع بلادة وانحطاط في الفكر ﴿وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ﴾
стр. 499
﴿يَفْقَهُوهُ﴾ أي القرآن ﴿وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً﴾ الأكنّة جمع كنان وهي ما تقي الشيء وتستره، والوقر هو الصمم، والمعنى أن الكفار أغلقوا عقولهم عن الفهم، وصمّوا آذانهم عن سماع الحق، وقد نسب تعالى الفعل إلى ذاته العلية لما مضت به سنته في طباع البشر بأن يكون التقليد الذي يختاره المرء لنفسه مانعا له من التفكر والاستدلال والبحث عن الحقيقة، انظر آية [البقرة: ٢/ ٧]، فالمقلّد لا يستمع بهدف الفهم أو البحث عن الحقيقة، بل هو يخشى من تأثير الأفكار الجديدة على عقله، وكذا المكابر والمعاند ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ لأنهم عزموا على التمسك سلفا بما هم عليه من العقائد والأفكار الموروثة، وغير الموروثة ﴿حَتّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ﴾ بفكر منغلق لمجرّد الجدال ﴿يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الذين صمموا على الكفر ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ لا يعقلون من قصص القرآن إلاّ أنها حكايات وخرافات من أساطير الأولين، وهذا شأن من يعالج الأمور بمنظار مسبق، أو ينظر إليها نظرة سطحية، فلا يحاول التعمق في دراسة القرآن، ولا تقويم الرسالة من حيث جدارتها، وهذه الفئة من الناس موجودة في كل الأزمنة والأمكنة.
﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (٢٦)
٢٦ - ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ من جهود الكفار في محاربة الإسلام أنهم ينهون الناس عن الاستماع للقرآن وعن دراسته لكي لا يقفوا على حقيقة الإسلام فيؤمنوا به، وهم أيضا ينأون عنه فكريا إذ يبتعدون عن دراسته بذهن منفتح، وكان هذا شأن مشركي قريش وقت البعثة النبوية، كما هو شأن الكثير من الناس ممّن يسمّون أنفسهم اليوم بالعلمانيين، وهو أيضا شأن بعثات المبشّرين والصليبيين في كل العصور، ومن هؤلاء من يترجم القرآن إلى لغات أخرى بأسلوب الدسّ، ومنهم من يكتب المؤلفات في التهجم على الإسلام بطريقة خفية أو ظاهرة، أو يركّز على سلبيات المسلمين ويلصقها بالإسلام ﴿وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ﴾ غرضهم هو زوال الإسلام، لكنهم في الواقع
стр. 500
يهلكون مجتمعاتهم، لأن البشرية أحوج ما تكون إلى القيم الإسلامية الحقيقية ﴿وَما يَشْعُرُونَ﴾ أن الضرر مقتصر عليهم.
﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢٧)
٢٧ - ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النّارِ﴾ فأيقنوا بالحق ﴿فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ﴾ إلى الحياة الدنيا حتى تكون لنا فرصة أخرى للاختبار ﴿وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا التمنّي بعد كشف الحجب ومعاينة العاقبة.
﴿بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (٢٨)
٢٨ - ﴿بَلْ بَدا لَهُمْ ما كانُوا يُخْفُونَ﴾ على أنفسهم، فظهر لهم ما كانوا ينكرون ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ في حياتهم الدنيا حيث الحقيقة كانت ساطعة أمامهم فعميت عنها بصيرتهم ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ لخبث طينتهم وسوء استعدادهم، ولأن نفوسهم اعتادت على ما كانت عليه فهم يعلمون الحق، ولا يعملون به، وهم قد علموا بعثة النبي ﷺ والقرآن، وتبينت لهم العبر فلم ينتفعوا بها، وأكثر البشر عبيد لعاداتهم على علمهم بضررها ﴿وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ الكذب على أنفسهم متأصّل فيهم، أنكروا البعث والنشور وزعموا أن الحياة مقتصرة على هذه الدنيا فقط كما سيرد في الآية التالية.
﴿وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (٢٩)
٢٩ - ﴿وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة أي لو ردّوا بعد المشاهدة لعادوا لما نهوا عنه وإلى القول بالكفر وعدم النشور، وذلك بعطف (قالوا) على (عادوا)، ويحتمل المعنى أيضا أن ذلك كان قولهم وكذبهم في حياتهم الدنيا.
стр. 501
﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٣٠)
٣٠ - ﴿وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ يوم الحساب، فيقول لهم تعالى:
﴿قالَ أَلَيْسَ هذا بِالْحَقِّ﴾ إشارة إلى البعث والحياة الآخرة، لأنهم زعموا أن الحياة الآخرة ليست سوى وهما، وكانوا يقولون ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ الآية السابقة ﴿قالُوا بَلى وَرَبِّنا﴾ شهدوا على أنفسهم أن الحياة الآخرة هي الحق ﴿قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ أي بنتيجة كفركم، وهي النتيجة الطبيعية لارتباط العلاقة بين إنكار البعث وعذاب الآخرة.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ (٣١)
٣١ - ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ استمر تكذيبهم بالبعث والحساب إلى أن فاجأتهم ساعة الموت، فخسروا، والسبب أنهم لم يغتنموا فرصة التوبة والصلاح قبل الفوات، فأفنوا دنياهم في العبث، وانحصر همّهم في تحصيل اللذات المؤقتة والسعادة الفانية، ولم يعملوا في دنياهم على تحصيل المعارف الحقيقية والأعمال الصالحة ﴿قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها﴾ نداء للحسرة وهي شدة الندم على ما قصّروا وضيّعوا في حياتهم الدنيا من البحث عن الحقيقة والإيمان والأعمال الصالحة ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ جاؤوا بأثقال ذنوبهم بها من حياتهم الدنيا، لأن الوزر هو الثقل، وحمله على الظهر مجازا، لأن الذنوب ترهق النفوس كما الأثقال ترهق الأجساد التي تحملها ﴿أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ لأن أسوأ الأثقال أثقال الذنوب، فما أسوأ هذه الأثقال التي جاؤوا يحملونها.
﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٣٢)
٣٢ - ﴿وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ هي لعب ولهو لمنكري البعث لقولهم إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين (الآية ٢٩)، لأنهم لا يعقلون أن
стр. 502
الدنيا ليست سوى دار مرور وليست دار قرار، وهي أيضا لعب ولهو بالنسبة إلى الغافلين الذي يهدرون أوقاتهم بلا طائل ولا فائدة، أو يهدرونها في أعمال باطلة، كمن يجعل همّه محصورا في الدنيا فقط، وفي الجري وراء الجاه والرئاسة والعلو في الأرض ولو بالباطل، أو الاستغراق في الملذات الجسمية كالبهائم، أو تلبية الأهواء النفسية الشريرة كالشياطين في الكيد والترصد والإيقاع بالآخرين ﴿وَلَلدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الذين يتقون العبث واللهو في دنياهم، ويدركون أنّ الدنيا ليست غاية في ذاتها ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ حث على استخدام العقل لاستيعاب هذه الحقيقة.
﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٣٣)
٣٣ - ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وهو قول الكفار بإنكار البعث والحساب، أو قولهم بتكذيب الوحي القرآني ممّا كان يسبب الحزن للنبي ﷺ ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ﴾ التكذيب في الحقيقة لم يكن للنبي ﷺ ، ولا للدعاة من بعده، وإنما كان جحودا للحقيقة، لأن مشركي قريش كانوا يعلمون أمانة وصدق النبي ﷺ ولكنهم كانوا يكابرون فيزعمون أنه ساحر أو كاهن أو شاعر أو مجنون ﴿وَلكِنَّ الظّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ الجحود هو الإنكار مع العلم، والمعنى أن الكفار ينكرون من آيات الله ما أيقنت به قلوبهم، وهو كقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ٢٧/ ١٤]، فسبب الجحود هو المكابرة والاستكبار والاستعلاء، والتمسك بالنظم الاجتماعية القائمة والمناصب، وإنكار المسؤولية.
﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣٤)
٣٤ - ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ كان هذا دأب البشر في تكذيب الرسل منذ القدم ﴿فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتّى أَتاهُمْ نَصْرُنا﴾ وهو
стр. 503
أيضا دأب الرسل في الصبر على التكذيب والأذى حتى يأتي نصر الله ﴿وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ وعد الله بنصر رسله لا يمكن أن يتطرق إليه الخلف والتبديل، وهو كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ [الصافات: ٣٧/ ١٧١ - ١٧٢]، وقوله عزّ شأنه ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [المجادلة: ٥٨/ ٢١].
﴿وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي ولقد جاءك يا محمد بعض أنباء المرسلين في هذا القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٤٠/ ٧٨]، وقوله عزّ شأنه ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٣٥/ ٢٤]، وهو تأكيد لسنته تعالى في نصر الرسل، والعبرة أيضا أن الله تعالى وعد المؤمنين، في كل زمن، ما وعد المرسلين به من النصر.
﴿وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٣٥)
٣٥ - ﴿وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ﴾ أيها الرسول - وينطبق على كل داعية - إن عظم عندك وشقّ عليك رفضهم الرسالة ﴿فَإِنِ اِسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ أي معجزة خارقة - غير القرآن - لكي يؤمنوا، والمعنى أنك لن تستطيع وما اقتضت مشيئة الله ذلك، وأي آية أكبر من القرآن؟ ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ لألجأهم إلى الإيمان إلجاء، أو لجعلهم كالملائكة لا يعصون الله ما أمرهم، ولكن ذلك ينافي التكليف المبني على حرية الخيار ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ بسنّته تعالى في خلقه.
﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾.
стр. 504
٣٦ - بعد أن ذكر تعالى في الآيات السابقة إصرار المكذّبين على الكفر، بيّن السبب الذي من أجله يجحدون: ﴿إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ وهم منفتحو الذهن الذين يستخدمون العقل استخداما سليما فيكون سماعهم للقرآن ولحقائق الإسلام سماع تفكّر وتأمّل، وهو سماع من ينشد الحقيقة، لا سماع المكابرة والمكر السيئ ﴿وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ﴾ وهم الكفار المصرّون على التقليد والجحود والمكابرة، شبّههم تعالى بالموتى لأنهم عطّلوا عقولهم عن التفكير السليم، والمعنى أن موتى القلوب - الكفار - عندما يبعثهم الله في الآخرة، فحينئذ يسمعون، أما قبل ذلك فلا سبيل إلى سماعهم، وهو كقوله عزّ شأنه ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل:
٢٧/ ٨٠]، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ للحساب، أي الحساب على الله وحده.
﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٧)
٣٧ - ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ طلب الكفار إنزال معجزة على النبي ﷺ شرطا لإيمانهم، لأنّهم لا يعملون عقولهم، وإنّما يتصرفون بطفولة فكرية يريدون مشاهدة الخوارق العجيبة ﴿قُلْ إِنَّ اللهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ المعنى أنّ طلبهم من قبيل المكابرة أو الجهل، لأنّ الآيات موجودة حولهم ولكنّهم لا يعلمون، فمن جهة معجزة القرآن التي تحدّاهم بها، ومن جهة معجزات الخلق التي لا حصر لها، كما سيرد في الآية التالية:
﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ (٣٨)
٣٨ - ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، فالكفار يطلبون الخوارق مع أنّ عجائب
стр. 505
الخلق، مما يبهر العقول، محيطة بهم، وضرب تعالى مثلا بخلق الدواب والطيور، فلو لم يكن الكفار من المكابرين أو الجاهلين لتوصّلوا إلى الإيمان ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ كلّ شيء مكتوب ومشمول بالعلم الإلهي منذ خلق الله السماوات والأرض، ومنه قوله ﷺ : «جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة»، فيكون الكتاب هو المشار إليه بالآية (٥٩).
ويحتمل المعنى أيضا أنّ الكتاب هو القرآن، لأن الله تعالى ضمّنه كل ما هو ضروري لهداية البشر، ومن ثمّ صارت الحجة بيّنة على الناس ولا عذر لهم بالجهل أو الغفلة ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ ليوم الحساب، والضمير عائد للكفار الذين قالوا لولا نزّل عليه آية من ربه، وقال بعضهم بل يعود إلى الأقرب وهي أمم الدواب والطيور.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٣٩)
٣٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُماتِ﴾ رغم كل ما سبق بيانه من معجزات الخلق والأكوان ترى الكفار مصرين على التكذيب، فهم كمن يتخبط في الظلمات لأنه أغمض عينيه عن الحق، والظلمات هي ظلمات الكفر، وظلمات الجهل، وظلمة العناد، وظلمة التقليد في الباطل، وهم أيضا كالصم، لأنهم لا يسمعون الآيات سماع تفهم وتفكر لتوهمهم أنهم بغنى عنها سلفا، وكالبكم لأنهم لا ينطقون بما استيقتنه قلوبهم من الحق بل يتكتموا عليه ويجحدوه ﴿مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ﴾ أي يتركه لما اختار من الضلال بحسب استعداده، ولا يمنعه من الضلال قهرا وجبرا، والآيات في ذلك كثيرة ومنها قوله عزّ شأنه ﴿وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٦] أي الذين اختاروا الفسوق وأصروا عليه ﴿وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ من يختار الهداية يوفقه تعالى لاستخدام عقله استخداما يعرف به الحق ويقرّ به ويعمل بموجبه.
стр. 506
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٠)
٤٠ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ﴾ بمعنى أخبروني ﴿إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ﴾ في الدنيا، كالمرض والشدائد ﴿أَوْ أَتَتْكُمُ السّاعَةُ﴾ أتتكم ساعة الموت أو ساعة القيامة ﴿أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إن كنتم صادقين في جحودكم وكفركم؟ أو إن كنتم صادقين أنّ الشركاء أو الآلهة التي تدعونها قادرة على جلب المنفعة ودفع الضرر؟ فهل تخصّون تلك الشركاء والآلهة بالدعاء عند الشدائد؟
﴿بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ (٤١)
٤١ - ﴿بَلْ إِيّاهُ تَدْعُونَ﴾ لأن المعتاد في الشدائد أن يلهج الإنسان بدعاء الله تعالى فقط ﴿فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ﴾ جعل الاستجابة متعلقة بالمشيئة الإلهية ﴿وَتَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ﴾ من الشركاء المزعومين.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٤٢)
٤٢ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ فكفرت الأمم بالرسل وبالرسالات ﴿فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ﴾ عالجهم تعالى بالبؤس والضر ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ لعلهم يثوبون إلى رشدهم فيخشعوا ويستقيموا، والخطاب استئناف لما قبله لبيان أنّ من الكفار والمشركين، بسبب تماديهم في الضلال، من لا يدعو الله تعالى حتى عند مجيء العذاب، فهم لا يتأثرون بزواجر العذاب الدنيوي، كما لم تنفعهم زواجر الوحي من قبل.
﴿فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤٣)
٤٣ - ﴿فَلَوْلا إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا تَضَرَّعُوا﴾ ثابوا إلى رشدهم فآمنوا وابتهلوا ﴿وَلكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قساوة القلوب منعتهم من الإيمان والدعاء والتضرع ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهو سبب قساوة القلوب لأنّ
стр. 507
الشيطان زيّن لهم ما كانوا يعملون من الكفر والفسوق، فغاب عنهم أن العقاب الذي حلّ بهم كان بنتيجة كفرهم.
﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (٤٤)
٤٤ - ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أصرّوا على تجاهل دعوة الرسل والوحي - الذكر -، ولم يتّعظوا بما أصابهم من البأساء والضرّاء، وانهمكوا في الدنيا ﴿فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من الرخاء والخيرات والرزق ﴿حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا﴾ اغترّوا وبطروا وظنّوا أن ذلك باستحقاقهم وجدارتهم وذكائهم، فلم يتوبوا ولم يشكروا النعم ﴿أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً﴾ بالعقاب ﴿فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ يائسون، والإبلاس الحسرة والإنكسار واليأس الذي يأتي بعد فوات الفرص.
﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٤٥)
٤٥ - ﴿فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ تم استئصال شأفتهم ﴿وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ بأن أراح الناس من شرورهم وعقائدهم الفاسدة، وهي ظاهرة تاريخية تكررت وتتكرر في الأمم التي تفقد البعد الروحي من حياتها، وتنغمس في المادة والترف، فيؤول أمرها إلى المادية والطغيان والتفسخ والإنحطاط ثم إلى الزوال.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ (٤٦)
٤٦ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ﴾ السمع والبصر بالمعنى الحرفي وبالمعنى المجازي ﴿وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ فأصبحتم كالبهائم [البقرة: ٢/ ٧]، كما حصل للأمم التي قطع دابرها من قبل، نتيجة قساوة قلوبها وإصرارها على الكفر ﴿مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ ما يكون شأنكم مع آلهتكم التي تشركون؟
стр. 508
هل تعيد لكم شيئا منها؟ والضمير في (به) راجع إلى أحد المذكورات، أي لا أحد غيره تعالى يستطيع أن يأتيكم حتى بواحد منها ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ كيف ننوّع الحجج والبيّنات ونكررها على وجوه عديدة ﴿ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ يعرضون عنها، ويتجنّبون التأمل فيها.
﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ (٤٧)
٤٧ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللهِ بَغْتَةً﴾ فجأة ﴿أَوْ جَهْرَةً﴾ شيئا فشيئا بحيث يكون واضحا لكم غير خفيّ ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظّالِمُونَ﴾ من أمثالكم وأمثال الأمم التي قطع دابرها من قبل، ثم تكون العاقبة للمتقين، لقوله تعالى: ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ٧/ ١٢٨]، [القصص: ٢٨/ ٨٣]، وحتى لو عانى بعض المتّقين من العذاب الجسدي فإنهم في حقيقتهم وعاقبتهم ينعمون بالصفاء والنعيم الروحاني.
﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٤٨)
٤٨ - ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاّ مُبَشِّرِينَ﴾ بالنجاة ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ من عصاهم بمصير الأمم التي قطع دابرها قبلهم، أي إن مهمة الرسل مقتصرة على البلاغ، وليس عليهم الإكراه ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ﴾ كان إيمانه مقترنا بالعمل الصالح ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ لا خوف عليهم من العذاب الذي أنذر به الرسل، ولا يحزنون لأنهم ينالون البشرى التي جاء بها الرسل.
﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٤٩)
٤٩ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بما أي نتيجة طبيعية ولازمة ومرتبطة بالتكذيب والفسوق كارتباط السبب بالمسبب، والإشارة إلى نموذج الأمم المشار إليها بالآيات (٤٢ - ٤٥).
стр. 509
﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (٥٠)
٥٠ - ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ لأن ضعاف العقول من أهل مكة، وغيرهم من الكفار والمشاغبين في كلّ وقت، توهّموا أن الرجل من البشر لا يكون رسولا إلاّ أن تكون له من خصائص الألوهية أو تكون له قدرات خارقة لا يستطيعها البشر، ويحتمل أنهم تكلموا على سبيل التعجيز، فأجابهم أن التصرف المطلق في الأمور هو لله القادر على كل شيء، فليس من موضوع النبوة أن يكون الرسول قادرا على التصرف بالمخلوقات وتغيير الأسباب والمسببات، ولا أن يكون مطّلعا على مطلق الغيب مما اختص به تعالى في علمه ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ بل أنا بشر مثلكم، والحاصل أن النبي ﷺ لم يدّع من صفات الألوهية، كما لم يدّع كونه ملكا، فكيف يطلب منه ما هو في قدرته تعالى وفي قدرة الملائكة فقط؟ وهو لم يقل سوى أنه عبد الله ورسوله؟ ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ وظيفتي ليست سوى طاعة الله، والبلاغ عن الوحي ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ﴾ شبّه الضال بالأعمى إذ عميت بصيرته، والمعنى أن من يتوقع مثل هذه الأمور من الرسول فهو أعمى البصيرة، فهل يستطيع أعمى البصيرة أن يسلك طريقه في الحياة الدنيا بالمقارنة مع الذي يتمتع بالرؤية الذهنية الروحية الحقة؟ ﴿أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ لأن الذي يفكّر ويستخدم العقل يقوّم رسالة النبي من حيث جدارتها، وليس بحسب ما يطلبون من خوارق.
والمغزى في هذه الآية أيضا النهي عن تأليه الرسول، وإيضاح أن جميع الرسل من قبله كانوا رجالا بشرا.
﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٥١)
٥١ - ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ أي بالقرآن، والخطاب للنبي ﷺ ومن ثمّ لكل داعية في كل زمن - ﴿الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾ الذين يتوقع أن يكون
стр. 510
لديهم أدنى خوف من الحشر يوم القيامة ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ لكي يعلموا أنّ نجاة الإنسان إنّما تكون بإيمانه وعمله الصالح، وليس بالاعتماد على الشفاعة، أو توهّم الانتفاع بصلاح الغير ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ سوء العاقبة في الدنيا والآخرة.
﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٥٢)
٥٢ - ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ أي إنهم مواظبون على الصلاة، يريدون وجه الله فقط لا لغرض دنيوي، والإشارة إلى نوعين من الناس:
أولا: ضعاف المؤمنين وفقرائهم، والمعنى لا تطردهم أيها الرسول - أو أيها المسلم - ولو كره المترفون، ولو كان وجهاء المشركين يحتقرون الفقراء وينظرون إلى ضعاف الناس الذين سبقوهم إلى الإيمان نظرة دونيّة، فالوجهاء يعتبرون أنفسهم معذورين في التولّي عن الرسول، لأنهم لا يريدون مساواة أنفسهم بالفقراء، ظنّا منهم أنهم أعلى قدرا وأسمى فكرا، فعندما دعاهم الرسول إلى الإيمان: ﴿قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ﴾ [البقرة: ٢/ ١٣]، وقد كان هذا دأب المترفين مع رسلهم من قبل، قال تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [سبأ: ٣٤/ ٣٤].
ثانيا: بما أن الآية استمرار لما قبلها، والكلام على الذين لديهم أدنى خوف من الحشر إلى ربهم من مسلمين وغير مسلمين، فيكون معنى الآية أيضا النهي عن إقصاء أي مؤمن بالله مواظب على الدعاء - حتى لو لم تكن عقائده وأفكاره مطابقة للقرآن تماما - بل على العكس من ذلك يجب استيعاب أمثال هؤلاء والحوار معهم، ومساعدتهم وشرح الحقائق القرآنية لهم بدلا من نبذهم واستعدائهم، وهذا المعنى يصح بغض النظر عمّا يقال من مناسبة النزول، لأن
стр. 511
التوجيهات والتعاليم القرآنية عامّة وصالحة لكل العصور وليست خاصة بالأحداث التي رافقت نزول الوحي فقط، ويؤيد ذلك ما ذكره الرازي عند تفسيره للآية (٥٤) إذ قال: إن الناس اتفقوا على أن هذه السورة نزلت دفعة واحدة، وإذا كان الأمر كذلك فكيف يمكن أن يقال في كل واحدة من آيات هذه السورة أن سبب نزولها هو الأمر الفلاني بعينه؟ وقد ذكر الطبري أيضا في تفسيره للآية (١٤١) أن الآية كانت تنزل على الرسول ﷺ بسبب خاص من الأمور، ثم يكون الحكم بها على العام، بل عامّة آي القرآن كذلك:
﴿ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ لأن حساب الجميع على الله، وقد استدل الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار أن مغزى الآية نفي الرئاسة الدينية المعهودة في الملل الأخرى كأن يكون لرؤساء الدين حق محاسبة الناس على عقائدهم، أو أن يكون لهم حق حرمان بعضهم من المغفرة بزعمهم، وحق طردهم من الدين كما تفعل الكنيسة، وإذا كان تعالى لم يجعل لنبيه حق محاسبة الآخرين على عقائدهم وعلى عباداتهم - ناهيك عن طردهم من الدين - فمن باب أولى أن لا يحق ذلك لأحد غيره من الناس، وهذا المعنى ينطبق اليوم بين طوائف المسلمين من سنة وشيعة ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ من يطرد أمثال هؤلاء أو يقصيهم يكون من الظالمين، وعلى العكس من ذلك فقد كان من هدي النبي ﷺ تألّف قلوب ضعاف الإيمان واستيعابهم وإرشادهم، كما كان يعامل المنافقين بما يقتضيه ظاهر إسلامهم فالأحكام تبنى على الظاهر، والله تعالى يتولّى السرائر.
﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ (٥٣)
٥٣ - ﴿وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الأغنياء بالفقراء، والكفار بالمؤمنين، ومعنى الفتنة الاختبار والمعنى أنه تعالى اختبر بني آدم بأن أعطاهم المقدرة على
стр. 512
التفكير والاختيار والمنطق، مما أدى بهم إلى تنوع العقائد والأفكار ﴿لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا﴾ أي بالإيمان وفهم القرآن، وهو قول الساخرين منهم، والمتعالين على غيرهم، يستبعدون أن يكون تعالى قد أنزل هدايته على من هم دونهم منزلة بزعمهم، وهذا القول لا يزال يصدر إلى اليوم عن كثير من غير المسلمين من المتحاملين المغرضين، الذين بسبب هيمنة خلفيتهم الثقافية والتاريخية عليهم، يتهكمون على المسلمين، ويرفضون الإقرار بنزول الهداية القرآنية على غيرهم ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ﴾ لإحاطة علمه تعالى بالحكمة على أكمل وجه.
﴿وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥٤)
٥٤ - ﴿وَإِذا جاءَكَ﴾ أيها النبي ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا﴾ الذين يؤمنون بآيات القرآن، يستوضحون منك عن حسابهم وذنوبهم وهل تقبل توبتهم - بدليل تتمة الآية - ﴿فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ وهو إخبار منه تعالى بسلامتهم وأمنهم من عقابه ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ بشارة لهم بالمغفرة وبالرحمة ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ﴾ من عمل السوء منساقا مع الأماني واللذات العاجلة، واغترارا منه بتأوّل النصوص، يكون جاهلا، قال المفسّرون إن كل من عصى الله يسمّى جاهلا ويسمّى فعله جهالة، كما في قوله تعالى على لسان يوسف ﵇ ﴿وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ [يوسف: ١٢/ ٣٣]، وقد ورد هذا المعنى في آية [النساء: ٤/ ١٧]، ﴿ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ﴾ أتبع التوبة بالعمل الصالح ﴿فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ غفور بإزالة العقاب، ورحيم بإيصال الثواب الذي هو الرحمة.
﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٥٥)
٥٥ - ﴿وَكَذلِكَ﴾ إشارة للخطاب من الآية (٣٧) حتى الآية (٥٤)﴾، لأنهم قالوا: لولا نزّل عليه آية من ربه ﴿نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ أي نفصّل الرسالات لبيان الحق
стр. 513
﴿وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ ليظهر طريق وسلوك المجرمين - المصرّين على المعصية - واضحا للجميع، بالمقارنة طريق وسلوك المؤمنين التائبين المذكورين في الآية السابقة.
﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (٥٦)
٥٦ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي - وأيها المسلم -: ﴿إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ﴾ المعنى: إنكم تعبدون ما تعبدون من دون الله، لأنكم تتّبعون الأهواء وتقلّدون الآباء والأجداد والزعماء، وليس بناء على الحجة والبرهان والعقل ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ إن اتّبعت أهواءكم أكون ضالا مثلكم ولا أكون من المهتدين، والمعنى إنكم ضالّون غير مهتدين.
﴿قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ﴾ (٥٧)
٥٧ - ﴿قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ لأنني اتّبعت البيّنة والبرهان وليس الأهواء والتقليد ﴿وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ أي كذّبتم بالقرآن الذي هو البيّنة الكبرى ﴿ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من العذاب فذلك ليس بطاقتي ولا أقدر عليه، لأن الكفار يعتقدون أن عدم نزول العذاب الفوري بهم دليل على صواب عباداتهم وشركهم وضلالهم، فكانوا يقولون ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ اِئْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٨/ ٣٢]، والمراد أن الله ينزل العذاب في الوقت الذي يريد، بناء على حكمته المحيطة بكل شيء، كإمهال العباد وإعطائهم فرصة للتوبة، وليس بناء على استعجال الكفار أو تحدّيهم ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ النبي يتبرّأ من أي مقدرة له على تقديم العذاب أو تأخيره ﴿يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ تقدير الخطاب: يقصّ الحكم الحق، فيفصل به بين الحق والباطل ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ﴾ بين الحق والباطل.
стр. 514
﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ (٥٨)
٥٨ - ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي﴾ في قدرتي وإمكاني ﴿ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ من الغيب - كما سيرد في الآية التالية -، أو من العذاب الذي تستعجلون، كالأمراض والشدائد والمصائب تنزل بكم حتى توقنوا ﴿لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي لأقررتم أنني رسول الله حقا، ولكن إقراركم سيكون إلجاء فلا تكون له قيمة حقيقية، وطلبكم جدير بمن هم في طفولة عقلية، في حين أن الإسلام مبني على الحجة والبرهان والعقل، والقرآن معجزة الإسلام الخالدة لكل الناس بكل العصور، فما الفائدة من معجزة مؤقتة تقتنع بها قريش في وقت من الأوقات؟ ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِالظّالِمِينَ﴾ من حيث إمهالهم لما فيه من الحكمة ومصلحة العباد، أو من حيث توقيت العقاب الذي ينزل بهم بحسب سننه تعالى في خلقه.
﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٥٩)
٥٩ - ﴿وَعِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلاّ هُوَ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي: ما عندي ما تستعجلون به والله أعلم بالظالمين، وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاّ هو، أي إنّ النبي وغيره من البشر لا يعلمون الغيب من حيث عقاب الظالمين وتوقيت العقاب والحكمة من إمهال الكفار وما يترتب عليها، والغيب لا يعلمه إلاّ الله أما الإنسان فلا يستطيع إدراكه ولا إدراك كنهه ولا الحكمة من الكثير من الأمور ﴿وَيَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ من علم الشهادة - المقابل لعلم الغيب المذكور آنفا - ولو أن الكثير من عالم الشهادة غائب عن علم أكثر الخلق ﴿وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ كناية عن علمه القديم المحيط بالمجملات وبالدقائق.
стр. 515
﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٦٠)
٦٠ - ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ أطلق التوفّي على النوم مجازا، لأن النائم تذهب معظم حواسه فهو كالميت، قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها﴾ [الزمر: ٣٩/ ٤٢]، وذكر الليل لأن النوم غالبا ما يكون بالليل ﴿وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ﴾ أي ما كسبتم من الأعمال في النهار الذي سبق الليل، وذكر النهار لأن العمل غالبا يكون فيه، وجرحتم نسبة إلى الجوارح وهي الأعضاء العاملة ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ أي في النهار الذي يلي الليل، والبعث هنا اليقظة، والمغزى أن القادر على بعثكم من توفّي النوم قادر على بعثكم من توفي الموت ﴿لِيُقْضى أَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يوقظكم ويرسلكم في أعمالكم إلى أن يقضى وينتهي الأجل المسمى في علمه لكل فرد منكم، وهو أجل الموت ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ يكون رجوعكم إليه وحده عند انتهاء آجالكم ﴿ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فيحاسبكم عليه.
﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ (٦١)
٦١ - ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ﴾ فلا يعجزه أحد منهم ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ من الملائكة ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ عندما يحين الأجل ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ﴾ فلا يفوتهم أحد من الخلق، كلّ في أجله.
﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ﴾ (٦٢)
٦٢ - ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ﴾ أي ردّوا إلى قضاء الله وحكمه وجزائه، واستخدام الفعل الماضي لإفادة تحقق الوقوع لا محالة ﴿مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ سيّدهم الحق، وقد زال ما كان من ولاية غيره الباطلة الواهمة - من الزعماء والرؤساء - بزوال عالم الدنيا، وبقي المولى الحق، والحق في اللغة هو الثابت المتحقق، بعكس
стр. 516
الوهم الزائل ﴿أَلا لَهُ الْحُكْمُ﴾ حصرا وليس لأحد غيره، ولا شريك له ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ﴾ لأن حساب الإنسان يجيء معه، قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً * اِقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٣ - ١٤].
﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (٦٣)
٦٣ - ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ أي من الأهوال والمخاطر والشدائد، وسمّيت ظلمات مجازا، و ﴿يُنَجِّيكُمْ﴾ بالتشديد لتكرار ذلك المرة بعد المرة ﴿تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ خلال الشدّة تدعون الله تضرّعا أي مبالغين في الدعاء والخضوع والذل لله تعالى، تارة جهرا وتارة سرّا بعيدا عن الرياء ﴿لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ عند الشدائد تقرّ الفطرة السليمة بأنه لا ملجأ إلاّ الله.
﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ (٦٤)
٦٤ - ﴿قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْها وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ﴾ من كل شدّة ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ﴾ لأن الإنسان بعد سلامته ونجاته إلى الأمن والرفاهية يحيل أسباب ذلك إلى مهارته وإلى حوله وقوّته، أو إلى الظروف والصدف.
﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ (٦٥)
٦٥ - ﴿قُلْ هُوَ الْقادِرُ﴾ وحده ﴿عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ أي بأي وسيلة من الوسائل كالأعاصير والزلازل، وإبهام العذاب مراد لأجل الشمول، وحكمته أنه ينطبق على كل الظروف والحالات التي قد تكون خافية على الناس في وقت من الأوقات، وفي هذا العصر يأتي
стр. 517
العذاب مثلا من القصف الجوي والقنابل الذرية والغازات السامة والألغام، وفسروه أيضا على المجاز بأن العذاب الذي يأتي من فوق هو من ظلم وقهر السلطان ومن تحت أنه من الرعاع وأراذل الناس ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً﴾ الشيع هي الفرق كل منها تجتمع على أمر معين، والمعنى يجعلكم فرقا يكيد بعضها لبعض، فتلتبس الأمور وتختلط عليكم وتظن كل شيعة أنها على الحق ﴿وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ فتصل الأمور بينهم إلى درجة الاقتتال، ويسود الخوف والعنف والطغيان بنتيجة تخلّي المجتمع عن القيم الروحية ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ أي انظر أيها النبي - وبالتالي كل مخاطب بالقرآن - كيف نقلّب الدلائل لهم من جميع الوجوه لعلهم يفقهون الحقيقة ولا يغترّون بالأوهام.
﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (٦٦)
٦٦ - ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾ كذّب معظمهم بالقرآن - في أول البعثة -، وكذّبوا بالعذاب ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ لا بد من تحققه ﴿قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ المعنى أن الرسول ليس سوى منذر، ليس موكولا بإجبارهم على الهدى، ولا يستطيع أن يمنعهم من التكذيب، والله تعالى هو الوكيل [الأنعام: ٦/ ١٠٢] والمسيطر والمجازي.
﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (٦٧)
٦٧ - ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ﴾ من أنباء الله تعالى بالبشارات والثواب والعقاب ﴿مُسْتَقَرٌّ﴾ وقت استقرار وحصول لا محالة، فيثبت لكم عندئذ حقّه ﴿وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عند حصول كل نبأ من أنباء القرآن الكريم وتحققه وثبوته، ومنها نصر الله لرسوله ودينه وتحقق معجزات القرآن في الدنيا، وعند كشف الحجب في الآخرة.
﴿وَإِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ (٦٨)﴾.
стр. 518
٦٨ - ﴿وَإِذا رَأَيْتَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ وهو أيضا لكل مسلم - ﴿الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا﴾ يندفعون في الحديث عنها بالطعن والعبث واللعب، وانتصارا للمذاهب والطوائف واتباعا للأهواء، ويلاحظ قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ﴾ ولم يقل سمعت، والمعنى وجوب اجتناب مجالس الخائضين أصلا لمجرد رؤيتها ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ انصرف عنهم حتى لا يكون جلوسك معهم بمثابة إقرار لهم على الخوض أو رضا عنه، أو مشاركة به، أو إغراء لهم على التمادي فيه ﴿حَتّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ لأن القرآن أجلّ وأسمى من أن يخوض فيه الخائضون، وإن كان دأبهم الخوض في الأحاديث فليكن في غير القرآن، حتى إذا امتنعوا عن الطعن والعبث والتهجم فيمكن عندئذ الجلوس إليهم للنقاش والحوار العقلاني ﴿وَإِمّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطانُ﴾ بوسوسته ﴿فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرى﴾ أي بعد التذكّر ﴿مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ الذين وضعوا التكذيب والطعن والتهكم موضع التصديق والدراسة الجدّية.
﴿وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٦٩)
٦٩ - ﴿وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ المطلوب من المتقين الإعراض عن الخائضين في آيات الله، وليس حسابهم، لأن الحساب على الله ﴿وَلكِنْ ذِكْرى﴾ على المتقين تذكيرهم بالصواب قبل الإعراض عنهم، أو قد يكون الإعراض في حد ذاته بمثابة تذكير لهم بقبح أقوالهم وأفعالهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ لعل الخائضين يجتنبون الخوض والعبث، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٨٨/ ٢١ - ٢٢].
﴿وَذَرِ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾.
стр. 519
٧٠ - ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً﴾ دع معاشرتهم وملاطفتهم، ولا تبال بتكذيبهم واستهزائهم، ولا تقم لهم وزنا، وليس المراد ترك تذكيرهم ومحاجّتهم، بدليل قوله ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ في تتمة الآية، ومعنى اتخذوا دينهم لعبا ولهوا أنهم يستغلون الدين أو يتسترون به للتوصل إلى مآربهم الدنيوية من مال وجاه وزعامة، أو كأن اللعب واللهو صار دينا لهم ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ وذلك سبب إعراضهم عن حقيقة الدين، بل اتخاذه وسيلة للوصول إلى مآربهم الدنيوية ﴿وَذَكِّرْ بِهِ﴾ أي بالدين أو بالقرآن، أو بالميثاق الفطري [الأعراف:
٧/ ١٧٢]، ﴿أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ﴾ كراهة أن تصبح النفس في الآخرة، رهينة بما كسبت من الإثم في الدنيا ﴿لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ يوم الحساب ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها﴾ مهما تابت بعد فوات الأوان لا تقبل منها توبتها، أو تودّ لو تعود إلى الدنيا فتفتدي لخلاصها بكل ما يمكن، فلا يقبل منها ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا﴾ صاروا رهينة لما كسبوا من الآثام، فصارت سبل الخلاص مسدودة عليهم ﴿لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ «بما» تفيد التلازم والارتباط بين الكفر وعذاب الآخرة.
﴿قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ كَالَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اِئْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٧١)
٧١ - الآيات (٧١ - ٧٣) تشرح كيف يكون التذكير المشار إليه في الآية السابقة:
﴿قُلْ﴾ أيها النبي - وأيها المسلم - للمشركين والكفار الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا - المشار إليهم آنفا - ﴿أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا﴾ كالأصنام والأولياء والأضرحة والزعماء والرؤساء، وحيث الدعاء هو العبادة،
стр. 520
فالمعنى كيف يمكن أن نعبد هذه الأشياء التي ليس لها مقدرة على شيء ﴿وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللهُ﴾ كيف نرتد إلى الجهل والجاهلية والشرك وعبادة الزعماء بعد أن ظهر العلم الحقيقي، وهدانا الله بالقرآن والرسول ﴿كَالَّذِي اِسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ﴾ كمثل من هوت به الشياطين من قمم الهداية إلى حضيض الجهالة بسبب اتّباعه الأهواء والوساوس، وأيضا استهوته بمعنى ذهبت بهواه وعقله، أو زيّنت له هواه، وتشمل شياطين الإنس من الزعماء ورفاق السوء ﴿حَيْرانَ﴾ متردّد ﴿لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى اِئْتِنا﴾ هو ممزّق بين وساوس الشيطان ورفاق السوء، وبين فكر الهداية ودعوة أصحابه المهتدين يقولون: له تعال معنا، فلا يبتّ بقبول الهداية، ولا يتخلّص من الضلال والجري وراء المادة، بل يبقى هائما مضطربا في حيرته ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدى﴾ وما غيره من الأفكار والنظم الوضعية هو الضلال ﴿وَأُمِرْنا﴾ نحن وأنتم ﴿لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فنتبع هديه وحده، ولا نسلم أنفسنا لغيره، ولا نشرك معه غيره في الدعاء، فاقتدوا بنا أيها المشركون والمادّيون.
﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاِتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٧٢)
٧٢ - ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاِتَّقُوهُ﴾ بعد المحاجّة الفكرية مع المشركين ودعوتهم إلى الإسلام في الآية السابقة، أمرهم أن يقتدوا بالمسلمين لجهة إقامة الصلاة والالتزام بالتقوى، لأن الإيمان والإسلام ليس مجرد قناعة فكرية، بل يترتب عليه عبادات وممارسات عملية حياتية في نطاق التقوى ﴿وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ ليوم الحساب، فالحساب على الله، وليس على العباد، وما علينا إلا البلاغ.
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (٧٣)﴾.
стр. 521
٧٣ - بعد الدعوة الفكرية والعملية في الآيتين (٧٠ - ٧١) ختمها ببيان أن الخلق ليس عبثا:
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ أي لتحقيق غرض محدد متوافق مع آياته وسننه المطّردة وحكمته البالغة، فكل شيء في الخلق ذو مغزى ومعنى، ولا يوجد شيء عبثا أو نتيجة الصدفة، ونظيره قوله تعالى: ﴿رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٩١]، ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ﴾ أي قوله الحق يوم يقول للشيء كن فيكون، لا مردّ لقوله وأمره، فتتحقق مشيئته على أحسن نظام وعدل، فلا يكون في الإمكان أبدع ممّا كان ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ فيحاسب الناس بأعمالهم، حيث يكون له الملك وحده دون غيره يوم القيامة، ويزول ملك الناس الباطل الذي كان في الدنيا ﴿عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ عالم بما غاب عن حس البشر وأذهانهم، كما هو عالم بما هو ضمن المشاهد والمدركات ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ حكيم فيما خلق، خبير فيه.
﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٧٤)
٧٤ - بعد أن أمرت الآية (٧٠)﴾ النبي ﷺ خاصة - والمسلمين عموما - تذكير الكفار والمشركين، وبيّنت لهم كيف يكون ذلك: (الآيات ٧١ - ٧٣)، ضرب تعالى مثلا بطريقة إبراهيم في تذكير أبيه وتذكير قومه ومحاجتهم:
﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ولد إبراهيم في مدينة أور في بابل - منتصف المسافة تقريبا بين بغداد والبصرة اليوم - وبدأت بعثته على الأغلب خلال الفترة ما بين عامي ٢١٠٠ - ٢٠٠٠ ق. م. وهي الحقبة الأخيرة من حكم السومريين في بلاد ما بين النهرين، أي قبل بداية عصر حمورابي والحكم البابلي بحوالي ٣٠٠ عام، وقد دخل إبراهيم المعبد ذات مرة وحطم الأصنام، وبذلك كان النموذج الأول لحفيده
стр. 522
محمد ﷺ ، ثم اضطر بعد ذلك إلى مغادرة أور مع ابن أخيه لوط هربا من اضطهاد قومه، وبوحي من الله انطلق برحلة طويلة نحو كنعان ثم إلى مصر ثم إلى شبه الجزيرة العربية، كان يدعو خلالها الناس إلى نبذ الشرك وعبادة الله الواحد، وقد ولد له ابنه البكر إسماعيل ﵇ من زوجته المصرية هاجر وهو في السادسة والثمانين من عمره، ثم ابنه اسحاق من زوجته سارة وكان عمره مئة عام، انظر (هود/ ٧١ - ٧٢)، واستوطن ابنه إسماعيل مكة المكرمة وتزوج فيها، وكان بذلك جدّا للعرب المستعربة، وبنى مع أبيه الكعبة المشرفة، انظر آية [البقرة: ٢/ ١٢٧].
وفي الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى ورد اسم أبي إبراهيم على أنه تارح Tarah ، وذكر محمد أسد في تفسيره «رسالة القرآن» أن الاسم ورد في التلمود اليهودي على أنه زاره Zarah ، غير أن مؤرخ الكنيسة يوزيبيوس Eusebius (٢٦٠ - ٣٣٩ م) أورد الإسم على أنه آذر Athar ، ومع أن كل هذه المصادر لا يعتدّ بها في تفسير القرآن الكريم، غير أنه يحتمل أن كان لآزر اسمان كما لكثير من الناس، أو قد يكون أحد الاسمين لقبا له، وفي قراءة:
﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً﴾ أي أتتخذهم عضدا وقوّة؟
﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (٧٥)
٧٥ - ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ الملكوت هو الملك العظيم، والمعنى كما أرينا إبراهيم ضلال من يتخذ الأصنام آلهة، كذلك أريناه، رؤية البصيرة والعقل، دلائل وبراهين وحجج ملكوت السماوات والأرض - بدليل الحوار الذي سيلي مع قومه - ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ بنتيجة إبصاره الدلائل ليصبح من الراسخين في اليقين.
ظهر من التنقيب عن آثار مدينة أور في أوائل القرن العشرين أنه كان لدولة سومر، التي استمرّ حكمها بين النهرين حتى حوالي العام ٢٠٠٠ ق. م، ما لا
стр. 523
يقل عن خمسة آلاف من الآلهة، كما كان لكل مدينة من المدن ما يسمّونه كبير الآلهة، وكان كبير الآلهة في مدينة أور يدعى نانّر Nannar أي إله القمر، وهو السبب الذي من أجله سمّيت مدينة أور أيضا، قمرينا Kamarina نسبة لإله القمر، وأما مدينة لارسا كبرى المدن المنافسة لزعامة أور فكانت تدين لكبير الآلهة المسمّى، شمش Shamash أي إله الشمس، وكبيري الآلهة هذين هما اللذين تشير لهما الآيات التالية (٧٧ - ٧٨) في حوار إبراهيم مع قومه، ويلاحظ تشابه ألفاظ القمر والشمس مع نفس المسميات في اللغة العربية كونها جميعا منبثقة من الأصل السامي، وتحت إلهي القمر والشمس كان لديهم مئات الآلهة الأخرى التي ترمز للكواكب والنجوم، وكانوا ينحتون لها أشكالا وأصناما، ولا شك أن الآيتين (٧٧ - ٧٨) من معجزات القرآن الكريم الباهرة، إذ لم يكن بوسع النبي ﷺ أن يعلم في حينه عن آلهة سومر وعبادة السومريين للقمر والشمس بالذات، الأمر الذي لم يتم اكتشافه إلا من تنقيبات الآثار في أوائل هذا القرن، ويبدو أيضا أن كبير الآلهة في أور المسمّى نانّر، إله القمر، هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٢١/ ٦٣].
وقد تعرضت الدولة السومرية - ومدينة أور بالذات - للعديد من الكوارث بعد بعثة إبراهيم ﵇ بحوالي قرن من الزمن، إذ استولى عليها الإلميون Elamites وأخذوا ملكها أسيرا ودمّروا المدينة تدميرا تامّا، ثم أعيد بناؤها مرة ثانية إلى أن استولى البابليون عليها بقيادة حمورابي وأنهوا حكم السومريين لبلاد ما بين النهرين إلى غير رجعة، وهذا من مصداق قوله تعالى: ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٦]، غير أن التراث السومري بقي واضحا لدى البابليين، إذ تصوّر إحدى الرسوم، التي تم اكتشافها في موقع أور، الملك حمورابي وهو يتلقّى قانونه
стр. 524
الشهير، المسمى بإسمه، من إله الشمس «شمس»، ويبدو أن بعثة إبراهيم ﵇ عاصرت حكم ملك السومريين المسمّى أور - نّمو Ur-Nammu ومنه اشتق اسم النمرود في اللغة العربية.
وقد بلغت أور ذروة ازدهارها وقت بعثة إبراهيم ﵇ حتى أصبحت أغنى مدن ما بين النهرين، وكان نظام الحياة الدينية فيها وتعدد الآلهة ذا ارتباط وثيق بالنظام السياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، ثم كانت بعثة التوحيد التي جاء بها إبراهيم ﵇ ذات أبعاد كثيرة لم تقتصر على الدين، إذ شكلت تهديدا لطبقة الحكام والكهنة وزعزعت مكانتهم تجاه العوام، وكانت تنذر بالقضاء على النظام الاقتصادي الذي كانت طبقة الكهنة والحكام المستفيد الأول منه، مما يفسر العداوة الشديدة التي قوبل بها إبراهيم واضطهاده ثم طرده.
﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ (٧٦)
٧٦ - ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ﴾ أي ستره الليل بظلامه، لأن أصل الجن الستر عن الحواس، وقيل سمّيت الجنّ بذلك لأنها لا ترى ﴿رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي﴾ قاله على سبيل المناظرة والمحاجّة مع قومه، أو على سبيل الاستنكار أو التهكم مثل: أهذا ربّي بزعمكم؟ لأن قومه كانوا يعبدون الكواكب وينحتون أصناما لها، والخطاب موجّه لقومه بدليل قوله ﴿يا قَوْمِ﴾ في الآية (٧٨)، ﴿فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ قاله لمّا غرب الكوكب واختفى، ويقال فلان أفل نجمه أي زال سلطانه، والمعنى أن الكوكب غير جدير بالربوبية، لأن الرب موجود لا يحتجب ولا يغيب ولا يزول سلطانه.
﴿فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ﴾ (٧٧)
٧٧ - ﴿فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً﴾ أي مشرقا، وقاله تعريضا بإله القمر عندهم المسمّى نانّر Nannar ، انظر شرح الآية (٧٥)﴾، ﴿قالَ هذا رَبِّي﴾ لتكرار حجّته
стр. 525
على قومه ﴿فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ﴾ قاله على مسمع من قومه، وفي ذلك تعريض بضلالهم أشد من التلميح في الآية السابقة، وأضاف إليه أن هداية البشر متوقفة على الوحي الإلهي لا غير.
﴿فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ (٧٨)
٧٨ - ﴿فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ﴾ قاله أيضا مخاطبا قومه ليقيم الحجة عليهم، أي إن الشمس تظهر أكبر من غيرها فيجب أن تكون أكثر جدارة بالربوبية بزعمكم، وهو بذلك يعرّض بإله الشمس عندهم المسمّى شمش Shamash ، انظر شرح الآية (٧٥)، ﴿فَلَمّا أَفَلَتْ﴾ أي غابت واختفت ﴿قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ انتقل إبراهيم من التلميح بضلال قومه (الآية ٧٦)، إلى التعريض بهم (الآية ٧٧)، إلى التبرؤ من شركهم بعبادة الكواكب والأصنام.
﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٧٩)
٧٩ - ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ قلبي وعقلي ﴿لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ وهو كقوله تعالى مخاطبا النبي ﷺ ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١٤).
﴿حَنِيفاً﴾ أي مائلا عن كل ما أنتم عليه من الضلال والعوج، ومائلا عن معبوداتكم الباطلة إلى الاستقامة وإلى عبادة المعبود الحقيقي فاطر السماوات والأرض ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي وإضافة إلى ذلك فأنا أعبد الخالق وحده، ولا أشرك بعبادته المخلوقات من كواكب وأصنام وغيرها ممّا يظنّ أنها تقرب إلى الله زلفى.
﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٨٠)﴾.
стр. 526
٨٠ - ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ جادلوه بالحجج الواهية بعد أن أظهر لهم حجته الباهرة، ومجادلة الكفار دوما من قبيل التمسك بالتقليد وعدم ترك ما كان عليه آباؤهم، ومن شأن الكفار غالبا أن يجحدوا الحقيقة ولو استيقنتها أنفسهم ﴿قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ﴾ أي ما قيمة حججكم الباطلة أمام الهدي الإلهي واليقين الناتج عن الدليل ﴿وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ لأنهم اعتقدوا أن لمعبوداتهم قوى غيبية تقدر على إيصال الضرر أو النفع لهم أو لغيرهم فخوّفوه بها ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ إلا أن يشاء ربي نزول الضرر بي بحسب علمه المحيط القديم، لا بقدرة معبوداتكم ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أنّ ما أقوله ثابت في عقولكم، وأنكم مقرّون به ضمنا وإنّما تحتاجون للتذكير، راجع آية [الأعراف: ٧/ ١٧٢].
﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٨١)
٨١ - ﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ﴾ من معبوداتكم التي لا تضر ولا تنفع ﴿وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ﴾ لأن الشرك هو الأكثر جدارة بأن يكون مصدر خوف لصاحبه ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً﴾ الشرك ليس عندكم فيه من الله برهان، لا بالوحي ولا بالعقل، فكيف يعقل أن يكون هنالك شركاء له تعالى في الخلق والتدبير، أو في الوساطة أو الشفاعة أو التأثير ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ من أحق بالأمان والاطمئنان؟ فريق الموحّدين الحنفاء الذين يعبدون الله وحده ولا يخافون ولا يرجون غيره، ويعلمون أنه مسبب الأسباب وواضع السنن، أم فريق المشركين الواهمين الذين انضبعوا بتأثير بعض الأسباب والسنن الكونية التي وضعها الله في خلقه فنسبوها إلى الأصنام والكواكب من مخلوقاته ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إن كنتم تعلمون الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، أو إن كنتم من أهل العلم والبصيرة حقّا.
стр. 527
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٨٢)
٨٢ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ جواب على السؤال في الآية السابقة، أي إن الذين يستحقون الأمن هم المؤمنون الذين، من جهة لم يخلطوا إيمانهم بشرك، لقوله تعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٢/ ١٠٦]، وقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ٣١/ ١٣]، ومن جهة ثانية فإن الظلم تعبير عن المعصية والفسوق، فالإيمان إذا لم يرافقه العمل الصالح لا ينفع صاحبه، والآيات كثيرة في وجوب ارتباط العمل الصالح مع الإيمان، انظر مثلا الآية (١٥٨)، ﴿أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ الأمان والسكينة والاطمئنان ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحق، وغيرهم في ضلال.
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٨٣)
٨٣ - ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ وهي الحجة المشار لها في الآيات (٧٥ - ٨٢)، حجة البصيرة والعقل، أرشده تعالى إليها ليثني قومه عن الشرك وعن عبادة الكواكب والأصنام ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ بالنبوّة وبالعلم وبالحكمة ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ حكيم بتدبير خلقه وبعث من يشاء من رسله، ومن إنعامه تعالى على إبراهيم أيضا أن جعل من النبوّات في ذريته:
﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٨٤ - ٨٥).
٨٤ - ٨٥ - ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ﴾ إشارة إلى أن الهداية طالت أجداده وذريته معا ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ أي هدينا أيضا من ذريته ﴿داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ﴾ وقد ذكر الرازي من ضمن شرحه لذكر الرسل والأنبياء على هذا الترتيب ما يلي: أولا
стр. 528
أنه تعالى بدأ بذكر أنبياء بني إسرائيل - يعقوب - في هذه الآية، ولذا لم يذكر إسماعيل معهم، إذ لم يخرج من صلب إسماعيل من الأنبياء إلاّ محمد ﷺ ، ولأن سلالة النبوة انتقلت من بني إسحاق إلى بني إسماعيل، وأما ذكر نوح فالمقصود منه بيان كرامة إبراهيم من جهة أجداده أيضا، وليس من جهة ذريته فقط ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ من ذريته ﴿وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾.
﴿وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٨٦)
٨٦ - ﴿وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً﴾ هدينا ﴿وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ﴾ بأن جعلناهم هداة مهتدين.
﴿وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاِجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٨٧)
٨٧ - ﴿وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ﴾ أي وفضّلنا أيضا بعض آبائهم وبعض ذرياتهم وبعض إخوانهم، بأن كانوا أئمة للهداية ﴿وَاِجْتَبَيْناهُمْ﴾ اخترناهم واصطفيناهم بالنبوة والرسالة واخترنا منهم الصدّيقين والشهداء ﴿وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في القيام بدعوتهم، فاتبعوا أسلوب الحجة والإقناع والحوار والعقلانية والعلم والترغيب، ولم يتبعوا أسلوب القسر والإكراه والتنفير والتعنيف.
﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٨٨)
٨٨ - ﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ الهداية ﴿مِنْ عِبادِهِ﴾ وهو الهدي المشار له في مجمل الآيات (٧١ - ٨٧) ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فلا ينفع مع الشرك شيء من الأعمال الصالحة مهما بلغ فضل أصحابها.
стр. 529
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ (٨٩)
٨٩ - ﴿أُولئِكَ﴾ الأنبياء الثمانية عشر الذين تقدّم ذكرهم، مع أممهم، لأنه ذكر مع الأنبياء آبائهم وذرّياتهم وإخوانهم، ثم قال يهدي به من يشاء من عباده، أي أن الأمم أوتيت الكتاب والحكم والنبوّة بظهور الأنبياء فيها ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ الكتاب إسم جنس للوحي الإلهي، والحكم هو الحكمة الناتجة عن معرفة وفهم ما في الوحي من الأحكام والعمل بمقتضاه ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ من كفار قريش، أو غيرهم من العرب، أو أهل الكتاب، أو الكفار في كل العصور والأمكنة ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا بِها﴾ (أي بالرسالة) ﴿قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وهم المسلمون في كل الأزمنة، لأن الله تعالى يوكّل بالرسالة أقواما آخرين يستحيل أن يكفروا بها، بل يتمسكوا بها ويعملوا بمقتضاها، فهنالك دوما من هو جدير بحمل راية الدين، وهؤلاء الأقوام موجودون في الدنيا على مرّ العصور وليسوا مقتصرين على جنس معين، وقد يتتابعون في حمل راية الإسلام من قوم إلى قوم آخرين فيشرّفهم تعالى بحمل رسالته، وهذه الآية إخبار بالغيب، واستخدام الفعل الماضي للدلالة أنّ نصره تعالى لدينه واقع لا محالة.
ويحتمل المعنى أيضا أنه بعد كفر أهل الكتاب من بني إسرائيل، ثم رفضهم آخر أنبيائهم المسيح ﵇، ثم انحراف المسيحية نحو ديانة بولس، فقد وكلّ تعالى الرسالة السماوية إلى المسلمين من ذرية إسماعيل.
﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اِقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ (٩٠)
٩٠ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ هم الموكل إليهم حمل الرسالة والدعوة إليها، المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ لأن الكلام استمرار مباشر لما قبله.
стр. 530
﴿فَبِهُداهُمُ اِقْتَدِهْ﴾ أيها المسلم، أو أيها السامع، اتّبعهم، وليكونوا قدوة لك في الإيمان الصحيح والتوحيد والعمل الصالح ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ لأن تبليغ الدعوة من واجب المسلم لكون القرآن ذكرى للعالمين: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ القرآن تذكير بالحق للناس أجمعين، وليس لقوم أو أقوام دون آخرين.
﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٩١)
٩١ - ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وهم منكرو النبوّة - بدليل تتمة الآية - في مقابلة الذين هدى الله المشار إليهم في الآية السابقة، لم يعرفوا الله تعالى حق المعرفة بإنكارهم تسلسل النبوات ونزول الوحي على بني آدم، فاليهود أنكروا نبوة كلّ من عيسى المسيح والنبي عليهما الصلاة والسلام، والمسيحية أنكرت بعثة النبي ﷺ ﴿إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ قالوه تهكّما وإنكارا للوحي الذي نزل على النبي ﷺ ، فهم يزعمون أن الهداية مقتصرة عليهم ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ﴾ إن زعموا استحالة نزول الوحي على بشر فكيف بتصديقهم نزول الوحي على موسى؟ ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ بدلا من أن تكون التوراة نورا وهدى في حياتكم العملية، فقد جعلتم منها مجرّد أوراق وشكليات وللتبرك فقط، وجعلتم الدين جنسية وعصبية، ولم يترتّب على التوراة شيء إيجابي في سلوككم، إذ تعملون بالقليل منها، وتظهرون هذا القليل للتستر بالدين، وكذريعة لتبرير مآربكم وأفعالكم، وتتجاهلون وتخفون عن أنفسكم الكثير الباقي ممّا لا يناسب أهواءكم وأطماعكم المادية الدنيوية، عدا عن تلاعبكم بالتوراة وتحريفها
следующие страницы →