← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

٨٠ - ﴿وَحاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ جادلوه بالحجج الواهية بعد أن أظهر لهم حجته الباهرة، ومجادلة الكفار دوما من قبيل التمسك بالتقليد وعدم ترك ما كان عليه آباؤهم، ومن شأن الكفار غالبا أن يجحدوا الحقيقة ولو استيقنتها أنفسهم ﴿قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ﴾ أي ما قيمة حججكم الباطلة أمام الهدي الإلهي واليقين الناتج عن الدليل ﴿وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ﴾ لأنهم اعتقدوا أن لمعبوداتهم قوى غيبية تقدر على إيصال الضرر أو النفع لهم أو لغيرهم فخوّفوه بها ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ إلا أن يشاء ربي نزول الضرر بي بحسب علمه المحيط القديم، لا بقدرة معبوداتكم ﴿أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ أنّ ما أقوله ثابت في عقولكم، وأنكم مقرّون به ضمنا وإنّما تحتاجون للتذكير، راجع آية [الأعراف: ٧/ ١٧٢]. ﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٨١) ٨١ - ﴿وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ﴾ من معبوداتكم التي لا تضر ولا تنفع ﴿وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ﴾ لأن الشرك هو الأكثر جدارة بأن يكون مصدر خوف لصاحبه ﴿ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً﴾ الشرك ليس عندكم فيه من الله برهان، لا بالوحي ولا بالعقل، فكيف يعقل أن يكون هنالك شركاء له تعالى في الخلق والتدبير، أو في الوساطة أو الشفاعة أو التأثير ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ من أحق بالأمان والاطمئنان؟ فريق الموحّدين الحنفاء الذين يعبدون الله وحده ولا يخافون ولا يرجون غيره، ويعلمون أنه مسبب الأسباب وواضع السنن، أم فريق المشركين الواهمين الذين انضبعوا بتأثير بعض الأسباب والسنن الكونية التي وضعها الله في خلقه فنسبوها إلى الأصنام والكواكب من مخلوقاته ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ إن كنتم تعلمون الحق من الباطل، والصواب من الخطأ، أو إن كنتم من أهل العلم والبصيرة حقّا.

стр. 527

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٨٢) ٨٢ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ جواب على السؤال في الآية السابقة، أي إن الذين يستحقون الأمن هم المؤمنون الذين، من جهة لم يخلطوا إيمانهم بشرك، لقوله تعالى: ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٢/ ١٠٦]، وقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ٣١/ ١٣]، ومن جهة ثانية فإن الظلم تعبير عن المعصية والفسوق، فالإيمان إذا لم يرافقه العمل الصالح لا ينفع صاحبه، والآيات كثيرة في وجوب ارتباط العمل الصالح مع الإيمان، انظر مثلا الآية (١٥٨)، ﴿أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ الأمان والسكينة والاطمئنان ﴿وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ إلى الحق، وغيرهم في ضلال. ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (٨٣) ٨٣ - ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ وهي الحجة المشار لها في الآيات (٧٥ - ٨٢)، حجة البصيرة والعقل، أرشده تعالى إليها ليثني قومه عن الشرك وعن عبادة الكواكب والأصنام ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ بالنبوّة وبالعلم وبالحكمة ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ حكيم بتدبير خلقه وبعث من يشاء من رسله، ومن إنعامه تعالى على إبراهيم أيضا أن جعل من النبوّات في ذريته: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٨٤ - ٨٥). ٨٤ - ٨٥ - ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ﴾ إشارة إلى أن الهداية طالت أجداده وذريته معا ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ﴾ أي هدينا أيضا من ذريته ﴿داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ﴾ وقد ذكر الرازي من ضمن شرحه لذكر الرسل والأنبياء على هذا الترتيب ما يلي: أولا

стр. 528

أنه تعالى بدأ بذكر أنبياء بني إسرائيل - يعقوب - في هذه الآية، ولذا لم يذكر إسماعيل معهم، إذ لم يخرج من صلب إسماعيل من الأنبياء إلاّ محمد ﷺ ، ولأن سلالة النبوة انتقلت من بني إسحاق إلى بني إسماعيل، وأما ذكر نوح فالمقصود منه بيان كرامة إبراهيم من جهة أجداده أيضا، وليس من جهة ذريته فقط ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ من ذريته ﴿وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾. ﴿وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (٨٦) ٨٦ - ﴿وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً﴾ هدينا ﴿وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ﴾ بأن جعلناهم هداة مهتدين. ﴿وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاِجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٨٧) ٨٧ - ﴿وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ﴾ أي وفضّلنا أيضا بعض آبائهم وبعض ذرياتهم وبعض إخوانهم، بأن كانوا أئمة للهداية ﴿وَاِجْتَبَيْناهُمْ﴾ اخترناهم واصطفيناهم بالنبوة والرسالة واخترنا منهم الصدّيقين والشهداء ﴿وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ في القيام بدعوتهم، فاتبعوا أسلوب الحجة والإقناع والحوار والعقلانية والعلم والترغيب، ولم يتبعوا أسلوب القسر والإكراه والتنفير والتعنيف. ﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٨٨) ٨٨ - ﴿ذلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ﴾ الهداية ﴿مِنْ عِبادِهِ﴾ وهو الهدي المشار له في مجمل الآيات (٧١ - ٨٧) ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ فلا ينفع مع الشرك شيء من الأعمال الصالحة مهما بلغ فضل أصحابها.

стр. 529

﴿أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ (٨٩) ٨٩ - ﴿أُولئِكَ﴾ الأنبياء الثمانية عشر الذين تقدّم ذكرهم، مع أممهم، لأنه ذكر مع الأنبياء آبائهم وذرّياتهم وإخوانهم، ثم قال يهدي به من يشاء من عباده، أي أن الأمم أوتيت الكتاب والحكم والنبوّة بظهور الأنبياء فيها ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ الكتاب إسم جنس للوحي الإلهي، والحكم هو الحكمة الناتجة عن معرفة وفهم ما في الوحي من الأحكام والعمل بمقتضاه ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ من كفار قريش، أو غيرهم من العرب، أو أهل الكتاب، أو الكفار في كل العصور والأمكنة ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا بِها﴾ (أي بالرسالة) ﴿قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ وهم المسلمون في كل الأزمنة، لأن الله تعالى يوكّل بالرسالة أقواما آخرين يستحيل أن يكفروا بها، بل يتمسكوا بها ويعملوا بمقتضاها، فهنالك دوما من هو جدير بحمل راية الدين، وهؤلاء الأقوام موجودون في الدنيا على مرّ العصور وليسوا مقتصرين على جنس معين، وقد يتتابعون في حمل راية الإسلام من قوم إلى قوم آخرين فيشرّفهم تعالى بحمل رسالته، وهذه الآية إخبار بالغيب، واستخدام الفعل الماضي للدلالة أنّ نصره تعالى لدينه واقع لا محالة. ويحتمل المعنى أيضا أنه بعد كفر أهل الكتاب من بني إسرائيل، ثم رفضهم آخر أنبيائهم المسيح ﵇، ثم انحراف المسيحية نحو ديانة بولس، فقد وكلّ تعالى الرسالة السماوية إلى المسلمين من ذرية إسماعيل. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اِقْتَدِهْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ (٩٠) ٩٠ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ﴾ هم الموكل إليهم حمل الرسالة والدعوة إليها، المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ لأن الكلام استمرار مباشر لما قبله.

стр. 530

﴿فَبِهُداهُمُ اِقْتَدِهْ﴾ أيها المسلم، أو أيها السامع، اتّبعهم، وليكونوا قدوة لك في الإيمان الصحيح والتوحيد والعمل الصالح ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ لأن تبليغ الدعوة من واجب المسلم لكون القرآن ذكرى للعالمين: ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرى لِلْعالَمِينَ﴾ القرآن تذكير بالحق للناس أجمعين، وليس لقوم أو أقوام دون آخرين. ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٩١) ٩١ - ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وهم منكرو النبوّة - بدليل تتمة الآية - في مقابلة الذين هدى الله المشار إليهم في الآية السابقة، لم يعرفوا الله تعالى حق المعرفة بإنكارهم تسلسل النبوات ونزول الوحي على بني آدم، فاليهود أنكروا نبوة كلّ من عيسى المسيح والنبي عليهما الصلاة والسلام، والمسيحية أنكرت بعثة النبي ﷺ ﴿إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ قالوه تهكّما وإنكارا للوحي الذي نزل على النبي ﷺ ، فهم يزعمون أن الهداية مقتصرة عليهم ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ﴾ إن زعموا استحالة نزول الوحي على بشر فكيف بتصديقهم نزول الوحي على موسى؟ ﴿تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً﴾ بدلا من أن تكون التوراة نورا وهدى في حياتكم العملية، فقد جعلتم منها مجرّد أوراق وشكليات وللتبرك فقط، وجعلتم الدين جنسية وعصبية، ولم يترتّب على التوراة شيء إيجابي في سلوككم، إذ تعملون بالقليل منها، وتظهرون هذا القليل للتستر بالدين، وكذريعة لتبرير مآربكم وأفعالكم، وتتجاهلون وتخفون عن أنفسكم الكثير الباقي ممّا لا يناسب أهواءكم وأطماعكم المادية الدنيوية، عدا عن تلاعبكم بالتوراة وتحريفها

стр. 531

والحذف منها والإضافة عليها ﴿وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ﴾ عن طريق الوحي المتتابع ببعث الأنبياء والرسل عبر العصور ﴿قُلِ اللهُ﴾ فما الغرابة في كون منزّل التوراة والإنجيل قد أنزل القرآن على رسوله ﴿ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ دعهم، أيها المسلم، في باطلهم إذا لم تنفع الحجة معهم، والمغزى أن الغاية هو الحوار والإقناع بالحجة والبرهان، وليس بالقسر والإكراه، لأنّ الحساب على الله. ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ (٩٢) ٩٢ - ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ وهو القرآن الكريم، وفي ذلك عودة لموضوع الآية (١٩)﴾، وكون القرآن مباركا لكثرة خيراته ومنافعه وأنه ثابت ومحفوظ لا يتطرق إليه النسخ ولا التحريف ﴿مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مصدّق ما تقدّمه من الوحي الذي نزل على الأنبياء، ولا يصدّق بالضرورة كتب اليهود والنصارى بوضعها الحالي المشوّه والمحرّف، ولا حتى بالوضع الذي كانت عليه وقت نزول القرآن، فمن المعلوم أن كتبهم قد خضعت لكثير من التحريف والتغيير عبر تاريخها، كما أنه ليس المقصود تأكيد تشريعات اليهود والنصارى لأن القرآن قد نسخها [البقرة: ٢/ ١٠٦]، ولكن المقصود تأكيد ما تبقى من الحقائق الأساسية في كتبهم وقت نزول القرآن، وهو معنى تعبير - الذي بين يديه -، انظر شرح آيات [آل عمران: ٣/ ٣] و [المائدة: ٥/ ١٣ - ١٤]. ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى﴾ أي لتنذر أهل أم القرى - بحذف المضاف -، وأم القرى هي مكة المكرمة، سمّيت كذلك لأن فيها الكعبة أول بيت وضع للناس ﴿وَمَنْ حَوْلَها﴾ إشارة للبشرية جمعاء، لأن دعوة الإسلام عالمية من جهة، ومن جهة ثانية فنحن نعلم الآن علم اليقين أن المسلمين في كافة أنحاء العالم يصلّون متوجهين إلى مكة فهذا مصداق حرفي لكونهم من حولها ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ﴾

стр. 532

﴿بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ المؤمنون بالآخرة حقا ويقينا يؤمنون بالضرورة بهذا الكتاب المبارك ﴿وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ يؤدونها بحقها وخشوعها، ملتزمين بمعناها وهدفها الحقيقي وما يترتب عليها من الالتزام، ولا يؤدونها طقوسا شكلية فارغة المحتوى، ولا كالذين هم عن صلاتهم ساهون المشار إليهم بآية [الماعون ١٠٧/ ٥]. ويلاحظ أن هذه الآية قد ذكرت أربعة خصائص للقرآن الكريم: ١) أنه كتاب مبارك. ٢) أنه مصدق ما بقي من الوحي الذي نزل على الأنبياء من قبل. ٣) أنه موجه للبشرية جمعاء. ٤) أن الذين يؤمنون بالآخرة إيمانا يقينيا ويحافظون على الهدف والمغزى من الصلاة لا بد أن يكونوا من المؤمنين به إذا اطلعوا عليه. ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٩٣) ٩٣ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ بأن قال ما أنزل الله على بشر من شيء، وأنكر النبوات ﴿أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾ بادعاء النبوة، كما ادعاها بولس مؤسس المسيحية ﴿وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللهُ﴾ إما مدعيا النبوة، أو معتقدا أن القوانين الوضعية يمكن أن تحل محل الشريعة، أو يكتب من عنده وينسبه إلى الله تعالى، كما هي الحال في كتب اليهود والمسيحية، أو زاعما على سبيل التهكم أن القرآن من عند محمد. ﴿وَلَوْ تَرى إِذِ الظّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ﴾ الخطاب للرسول ﷺ ، ولكل من سمع وقرأ، وغمرات الموت هي سكراته وشدته

стр. 533

واستعيرت من غمر الماء كناية عن الشدة الغالبة ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ من العذاب إن استطعتم، وقيل هي بمعنى أخرجوا أنفسكم من أجسامكم إزهاقا وتشديدا بلا إمهال، قال الرازي: قال المفسرون: إن نفس المؤمن تنشط في الخروج للقاء الله، ونفس الكافر تكره ذلك فيشق عليها الخروج، وهو معنى الحديث: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه»، ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ﴾ العذاب مقترنا بالشعور بالهوان، وهو جزاء الاستكبار كما سيرد: ﴿بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ بإنكار بعثة النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل، وافتراء كتب من عندكم ﴿وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ واستكباركم عن دراسة وتفهم الوحي. ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (٩٤) ٩٤ - ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى﴾ منفردين عن أهلكم وإخوانكم وأنصاركم وأعوانكم ﴿كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ في بطون أمهاتكم ﴿وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ ما خولناكم من المال والجاه والزعامة - لأنكم كنتم مفوضين بها غير مالكين لها - فأصبحتم يوم القيامة عاجزين عن الانتفاع بها لأنكم لم تقدموا منها لآخرتكم ﴿وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ﴾ كالأصنام والأولياء والزعماء وأصحاب القبور والقديسين ورجال الدين ومدعي النبوة الذين كنتم تدعوهم ليشفعوا لكم عند الله بزعمكم ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ تقطع ما كان بينكم من الوصل بزعمكم ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ ضل عنكم الشفعاء المزعومون، وضلت عنكم أوهامكم التي كنتم تركنون إليها، ولم يبق أمامكم إلا مواجهة الحقيقة.

стр. 534

﴿إِنَّ اللهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٩٥) ٩٥ - ﴿إِنَّ اللهَ﴾ وحده ﴿فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى﴾ بخلاف الشركائء الذين زعمتم فلا يستطيعون من ذلك شيئا، والحب والنوى هي حبوب النبات، ونوى الثمار، والخطاب استئناف للآيات (٩١ - ٩٤) لأنهم زعموا الشفعاء والشركائء، والآيات (٩٥ - ١٠٣) تشير للقدرة الإلهية التي لم يقدروها حق قدرها ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ عندما تنشق تحت التربة فيخرج منها النبات الحي بعد أن كانت حبا ونوى ميتا ﴿وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ عطف على فالق الحب والنوى، أي هذا الجسم الحي للبشر أو الحيوان أو النبات يتحول إلى جسد لا حراك فيه إذا فارقته الروح ﴿ذلِكُمُ اللهُ﴾ مصدر الإعجاز في الحياة والموت ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ كيف تصرفون إلى عبادة غيره، أو تشركون معه من لا يستطيع إحياء حبة صغيرة ولا بذرة واحدة، ولا إنبات نبتة ولا وريقة خضراء، ومن لا يستطيع إعادة الروح إلى الجسد الميت. ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ (٩٦) ٩٦ - ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ﴾ وهو انشقاق الصبح من ظلمة الليل، والإصباح بدء الصبح ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً﴾ فلق الإصباح بعد أن جعل الليل سكنا، يحصل فيه السكون للبشر والحيوان ويحصل فيه الاطمئنان والهدوء الجسمي والنفسي بعد دوامة العمل في النهار ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً﴾ جعل فيهما وسيلة لحساب الزمن والأوقات، من دوران الأرض حول الشمس للتقويم الشمسي، ودوران القمر حول الأرض للتقويم القمري الهجري ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ العزيز الذي قدر النجوم والكواكب وفق تواقيت معينة لا تحيد عنها، العليم بخلق النظام الفلكي والكوني وتدبيره.

стр. 535

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٩٧) ٩٧ - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ جعل لكم من علم الفلك وسيلة لمعرفة الاتجاهات في البر، وللملاحة في البحر في ظلمة الليل ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ الإشارة لآيات القرآن الكريم وإلى الآيات الكونية المعجزة، والمعنى أنه لا يقدر الإعجاز فيها إلا أهل العلم. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ (٩٨) ٩٨ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ البشر كلهم مخلوقون من أنفس متماثلة، وشبيه بذلك قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [النساء: ٤/ ١]، وقوله عز من قائل ﴿وَاللهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً﴾ [النحل: ١٦/ ٧٢]، وقوله جل ثناؤه ﴿بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ٣/ ١٦٤]. ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ إلى أن يحين الأجل الذي يصل إليه المرء فيستقر فيه، فهو نهاية المطاف في دنياه، والمستودع يكون في حياته الآخرة لا يستطيع التحول عنه بعد موته، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾ [الأنعام: ٦/ ٦٧] أي وقت حصول لا محالة، وقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ١١/ ٦]، فالله تعالى يرزقها إلى أن يحين أجلها - مستقرها -، ويعلم ما تصير إليه في آخرتها - مستودعها -، ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾ وهو تفصيل الإعجاز في الأنفس، وما تصير إليه، مما لا يدرك معناه ومغزاه إلا المتعمق في الفهم - الفقه -. ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وَجَنّاتٍ﴾

стр. 536

﴿مِنْ أَعْنابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ اُنْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٩٩) ٩٩ - ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ﴾ بالماء ﴿نَباتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من كل الأصناف والأنواع والفصائل، مع أن السبب واحد وهو الماء ﴿فَأَخْرَجْنا مِنْهُ﴾ من النبات - والالتفات في الكلام من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم لبيان أنه تعالى ليس كالبشر وليس كمثله شيء وأن الإشارة إليه بضمائر البشر للتقريب إلى الأذهان، ولهذا فإن تغيير الضمائر عن الله تعالى كثير في التنزيل - ﴿خَضِراً﴾ سوقا خضراء غضة عندما يبدأ الإنبات ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ﴾ من السوق الخضراء ﴿حَبًّا مُتَراكِباً﴾ كما في سنابل القمح والحبوب ﴿وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ﴾ وهي عناقيد الرطب والتمر، ودانية قريبة في متناول يد القاطف ﴿وَجَنّاتٍ مِنْ أَعْنابٍ﴾ أي وأخرجنا جنات من أعناب، وهي كروم العنب ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ﴾ معطوفة على نبات، أي فأخرجنا به نبات كل شيء والزيتون والرمان، وهو عطف الخاص على العام، واختص تعالى هاتين الشجرتين بالذكر لكونها عزيزة عندهم ﴿مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ تشتبه الثمار على الناظر بأنها متماثلة، ومع ذلك فهي مختلفة في الطعم والنكهة، فيكون تقدير الآية: والزيتون مشتبها وغير متشابه، والرمان كذلك مشتبها وغير متشابه، ويحتمل المعنى أيضا أنها مشتبهة لكونها جميعا من عناصر الماء والمواد العضوية، ومع ذلك فالشجر والثمار غير متشابه إطلاقا ﴿اُنْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ﴾ عند تكون الثمار تدريجيا ﴿وَيَنْعِهِ﴾ وانظروا إلى نضوجه ﴿إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ هذا الإعجاز بين لمن عنده استعداد للتفكير الموضوعي والإيمان، أما المكابرين المصرين على الكفر فلهم شأن آخر، ومنهم من سيلي ذكره في الآية التالية: ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾.

стр. 537

١٠٠ - ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ﴾ رغم كل الآيات الباهرات المشار إليها في الآيات السابقة (٩٥ - ٩٩) فقد جعلوا الجن شركاء الله، هكذا من عندهم، لمجرد التخمين بلا برهان، وهم نوع آخر من المشركين اعتقدوا بشرك الجن معه تعالى، وإعراب ﴿شُرَكاءَ الْجِنَّ﴾ مفعولان به لجعلوا ﴿وَخَلَقَهُمْ﴾ جعلوهم شركاء رغم أنه تعالى خالق الجن فكيف تعبد المخلوقات، ويحتمل المعنى أيضا عود الضمير في ﴿خَلَقَهُمْ﴾ إلى المشركين، أي أنهم يعلمون أنه تعالى وحده خالقهم، ومع ذلك لم يمنعهم علمهم أن يتخذوا من لا يخلق شريكا للخالق ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ﴾ اخترعوا له بنين وبنات، خرقا لكل منطق وتفكير سليم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بغير علم يقيني، ولا تحقق منه، فمن جهة تقول المسيحية: إن المسيح ابن الله، ومن جهة ثانية كانت العرب في الجاهلية تقول: إن الملائكة بنات الله ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيه له عن كل ما لا يليق به ﴿وَتَعالى﴾ عن كل اعتقاد باطل وقول فاسد، فهو بعيد كل البعد عن النقصان والعيب الذي تضمنه قولهم بنسب الذرية والشركائء إليه، قال الرازي: التسبيح يعود إلى أقوال المسبحين، والتعالي يعود إلى صفاته الذاتية التي لا تحصل لغيره ﴿عَمّا يَصِفُونَ﴾ لأن أي محاولة لوصفه تعالى، أو لتحديد صفاته، ليست سوى استحالة منطقية، وأما صفاته تعالى المذكورة في القرآن الكريم فلا يقصد منها الإحاطة بحقيقته، وإنما بيان أثر هذه الصفات في الخلق وفي الكون من حولنا. ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١٠١) ١٠١ - ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مبدعهما وخالقهما على غير مثال سابق، انظر شرح الآية (١)﴾، ﴿أَنّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ فمن أبدع السماوات والأرض لا يستحيل عليه خلق عيسى المسيح من أم بلا أب، فلا يكون ذلك مبررا لجعل المسيح ابن الله، وقصارى ما في الأمر أن يكون ذلك

стр. 538

إبداعا منه ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ما من شيء إلا هو خالقه والعالم به، وليس الأمر مقتصرا على خلقه المسيح من غير أب. ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (١٠٢) ١٠٢ - ﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ﴾ القادر على كل شيء، كما ورد في الآيات (٩٥ - ١٠١) ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وغيره لا يقدر على شيء من الخلق ﴿فَاعْبُدُوهُ﴾ وحده، لأن من انفرد بهذه الصفات كان وحده الجدير بالعبادة ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ مالك الأرزاق، لا مدبر إلا هو، الموكل بأمور عباده والرقيب عليها، وبيده الآجال، غير أن هذا العالم عالم الأسباب، قال الرازي: لولا الأسباب لما ارتاب مرتاب. ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١٠٣) ١٠٣ - ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ لا تحيط به أبصار عباده ﴿وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾ وهو محيط بأبصارهم وبصائرهم ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ هو وحده اللطيف من حيث أن العقل والفهم والخيال البشري كلها لا تستطيع الإحاطة به، وبالمقابل فهو وحده الخبير المحيط بأمور مخلوقاته. ﴿قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (١٠٤) ١٠٤ - ﴿قَدْ جاءَكُمْ﴾ أيها الناس ﴿بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهي آيات القرآن الكريم، لأنه تحصل بها البصيرة عند من اختار الإيمان، والبصيرة إدراك القلب ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ﴾ من يختار الإبصار يعود بالنفع لنفسه ﴿وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها﴾ ومن اختار عمى القلب يعود بالضرر على نفسه ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ وهو قول الرسول لهم، وقول كل داعية مسلم، أي لا أقوم بحفظ أعمالكم، ولا أحصيها عليكم، ولا أجازيكم بها، إنما أنا نذير، والله هو الحفيظ عليكم.

стр. 539

﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١٠٥) ١٠٥ - ﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾ يوضحاها تعالى من كل الوجوه ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ فيقول الخصوم أن النبي ﷺ أشبعها دراسة كي تظهر بهذا الإعجاز ﴿وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ تصريف الآيات وإيضاحها من كل الوجوه هو لغرض بيان القرآن لأهل العلم من ذوي الذهن المنفتح، الذين لا يعارضون القرآن تقليدا ولا عنادا، ولا قبل أن يقرؤه ويتفكروا في معانيه، وأما زعم البعض أنه ﷺ دارس بالقرآن اليهود وغيرهم من أهل الكتاب فينقضه أن هذه السورة مكية نزلت قبل أن يتصل بهم في المدينة، ولو تلقى عنهم القرآن بالمدارسة لما سكت اليهود عن بيان ذلك للمشركين حين أرسلوا إليهم يسئلونهم أكثر من مرة، وعلى شدة تشوق اليهود لتكذيب النبي ﷺ فإنهم لم يقولوا بهذا الزعم، يضاف إلى ذلك أن القرآن مهيمن على كتبهم، انظر آية [المائدة: ٥/ ٤٨]، وقد نسخ منها ما نسخ [البقرة: ٢/ ١٠٦]، وأظهر تحريف وتلاعب الأحبار بها، وكون أكثرها من تأليفهم، انظر شرح آيات [آل عمران: ٣/ ٣] و [النساء: ٤/ ٤٦] و [المائدة: / ١٣ - ١٤]. ﴿اِتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٠٦) ١٠٦ - ﴿اِتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ لا تبال، أيها الرسول، ولا تلتفت إلى سفاهات الكفار كقولهم درست، فالحق يعلو بنفسه ويظهر بقول وعمل وإخلاص أصحابه ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ بعد إبلاغهم. ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ (١٠٧) ١٠٧ - ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكُوا﴾ فلا يثقل عليك كفرهم أيها النبي، إذ لو شاء الله لخلقهم كالملائكة، فيكونوا طائعين مؤمنين بلا خيار، ولكن مضت سنته تعالى أن يكون للبشر حرية الخيار فلا يجبرهم تعالى على الإيمان والطاعة

стр. 540

﴿وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً﴾ تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ لأن الله تعالى وحده الحفيظ والوكيل على عباده، وهذه الآية وأمثالها تأكيد على حرية الدين والعقيدة. ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٠٨) ١٠٨ - ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ لا تسبوا الكفار أو المشركين الذين يدعون أصناما أو معبودات من دون الله، وأيضا لا تسبوا معبوداتهم التي يدعونها من دون الله - لأن اسم الإشارة يمكن أن يعود على المشركين كما يمكن أن يعود على معبوداتهم - وتعلق المعنى بما قبله أن الله تعالى لم يجعل رسوله حفيظا ولا وكيلا على العباد، فمن باب أولى أن يمتنع المؤمنون عن سب الكفار وسب معبوداتهم ﴿فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً﴾ عدوانا وظلما ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ عن جهالة ﴿كَذلِكَ زَيَّنّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ لأن الأفراد يستحسنون ما اعتادوا عليه في مجتمعاتهم، وما ورثوه عن آبائهم، من عقائد الإيمان أو الكفر أو التسامح أو التعصب، فالغالبية منهم على التقليد أو الجهل، والأقلية فقط تعمل العقل والفكر الموضوعي بحثا عن الحقيقة، والنتيجة أن الكثير من الناس قلما يستفيدون، بشكل إيجابي، من حرية الخيار التي وهبها الله لعباده ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من خير أو شر، وحق أو باطل، فيحاسبهم عليه. ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠٩) ١٠٩ - ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِها﴾ بعد أن صرّف الله تعالى للكفار الآيات الباهرة في القرآن الكريم كالآيات (٩٥ - ١٠٤)، وبعد أن زعموا أن النبي ﷺ أشبع آيات القرآن دراسة كي تبدو بهذا

стр. 541

الإعجاز، وهم قد صمّموا على أية حال أنّ القرآن ليس من جنس المعجزات التي يريدونها، وقد يكون ذلك لطفولتهم العقلية، أو للتعجيز، لذا أقسموا الأيمان المؤكدة أن سيؤمنون لو جاءتهم معجزة خارقة، وفي ذلك عودة لموضوع الآية (٧)، ﴿قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللهِ﴾ قل لهم أيها الرسول: إنّ الآيات الخوارق تتم بقدرته تعالى فقط، وليس لي مقدرة على ما تطلبون، ولا أدّعي ذلك، وعلى أية حال فالله تعالى لا ينزّل الآيات الخوارق ولا يبديها إلاّ لحكمة ومصلحة للعباد، وليس بناء على معاندة الكفار وتعسفهم وتوقيتهم، ويحتمل المعنى أيضا أن آيات الله محيطة بكم من كل جانب، في خلقكم وفي أنفسكم وفي خلق الحياة والكون من حولكم ﴿وَما يُشْعِرُكُمْ أَنَّها إِذا جاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي ما يدريكم أيها الناس كيف يكون سلوك الكفار لو جاءت المعجزات الخوارق التي يطلبون؟ فمن لا يؤمن ولا يتفكّر بكل معجزات الخلق المحيطة به لا ينفعه نزول الخوارق الخاصة، وأمثال هؤلاء الناس لا يؤمنون على أية حال، وتفصيل ذلك بيّنته الآية التالية: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١١٠) ١١٠ - ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصارَهُمْ﴾ فيصبحون محتارين مذهولين، يختلقون مختلف الأعذار، وقد يدّعون أن ما شاهدوه ليس سوى سحر أو خداع، وقد يظنّون أن المسّ أصاب عقولهم، أو أن عيونهم وحواسهم أصابتها آفة، أو يستمرون بالإصرار والمكابرة في جميع الأحوال، وقد نسب تعالى تقليب أفئدتهم وأبصارهم إلى ذاته العلية لأن كل شيء في العالم يجري بحسب سننه في خلقه ﴿كَما لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ كما لم يؤمنوا بالقرآن قبل ذلك، لأن المكابر الذي لا يستخدم عقله لدراسة القرآن ولمعرفة جدارته الذاتية من حيث إنه كتاب منزل، يتشبّث بالمكابرة عند مشاهدة الآيات الحسية، وقد حدث

стр. 542

ذلك لليهود وقت بعثة موسى ﵇ فلم تنفعهم الخوارق المذهلة كانفلاق البحر، وتظليل الغمام عليهم في الصحراء، ونزول المن والسلوى، وتفجّر الماء اثنتي عشرة عينا في الصحراء، بل تقننوا في كفرهم وتمردهم على موسى ﵇ ﴿وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يتركهم تعالى لحرية خيارهم فيستمروا في التخبط والطغيان. ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ (١١١) ١١١ - تتمة الخطاب من الآية السابقة: ﴿وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ﴾ لو أنه تعالى لم يقتصر فقط على إنزال ما طلبوه من الخوارق، بل لو نزّل عليهم الملائكة تباعا، وجها لوجه ﴿وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى﴾ فأخبروهم بحقيقة الحياة الآخرة بعد الموت ﴿وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً﴾ كل ما يمكن حشده، وجها لوجه، من براهين الحقيقة ﴿ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ ما كان لديهم الاستعداد أن يؤمنوا ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ لأن كل شيء يجري في الكون بموجب سننه تعالى في خلقه، فمن فقد الاستعداد للإيمان وأصرّ على الضلال لا يؤمن، ولو شاء تعالى لكان غير ذلك ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ يجهلون سننه تعالى في الخلق، ويجهلون كيفية انطباقها على الأفراد والمجتمعات. ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾ (١١٢) ١١٢ - ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ﴾ كما جعلنا هؤلاء الكفار والمشركين والمكابرين - المشار إليهم في الآيات السابقة - أعداء لك أيها النبي، فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك أعداء على شاكلتهم، وهم شياطين الإنس والجن - والشيطان في اللغة هو كل عات متمرد، والعدوّ يطلق على المفرد والجمع - والمعنى أن من سنة الله تعالى في خلقه أن يكون كل عات متمرد

стр. 543

متكبّرا لا ينقاد إلى الحق، يناصب الأنبياء والرسالات السماوية والدعاة وأنصارهم العداء، ويؤذيهم بالقول والفعل، وغالبا ما يكون هؤلاء الشياطين العتاة من الزعماء والمترفين، ومن قساة القلوب المفسدين في الأرض، كالمشار لهم في آيات [البقرة: ٢/ ٦ - ٢٠] ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ﴾ يقول بعضهم لبعض أقوالا معسولة مموّهة مبطّنة، مستخدمين أساليب ونظريات فاسدة خادعة، كزعمهم أن الإيمان غرور، وأن لا حياة بعد الموت، وأن الكون أوجد نفسه بالصدفة، وأن لا خالق ولا وحي، فيغترّون بذلك ﴿غُرُوراً﴾ خداعا وباطلا وأخذا على غرّة، كقوله تعالى: ﴿وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ [الإسراء: ١٧/ ٦٤]. ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ﴾ لأن مشيئته تعالى اقتضت أن يكون لديهم استعداد للخير والشر، وأن يكونوا مختارين في سلوكهم لا مجبرين ﴿فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾ فإنما عليك البلاغ، والحساب على الله. ﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ (١١٣) ١١٣ - ﴿وَلِتَصْغى إِلَيْهِ﴾ تميل إلى زخرف القول والغرور، لأن الصغو في اللغة معناه الميل، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾ [التحريم: ٦٦/ ٤]، ﴿أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ تميل قلوبهم إلى تصديق زخرف القول وتصاب بالغرور ﴿وَلِيَرْضَوْهُ﴾ يقبلون بزخرف القول، ويصبحون راضين عنه دون بحث أو تحقق أو تأكد من صحته ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ فيرتكبوا من الآثام والخطايا بنتيجة رضاهم وقبولهم كلام الخداع والباطل، واغترارهم به. ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾.

стр. 544

١١٤ - قل لهم أيها النبي، أو أيها القارئ، أو أيها السامع: ﴿أَفَغَيْرَ اللهِ أَبْتَغِي حَكَماً﴾ إن كنتم مكابرين ومصدّقين لزخرف القول وراضين به، فالله تعالى يحكم بيني وبينكم ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً﴾ فصّل كل الحجج والبراهين العقلية والعلمية، وفصّل الحق من الباطل، وفصّل الأحكام الشرعية ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ﴾ فهم ﴿الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي القرآن ﴿مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ وهو برهان آخر على صدق نبوته ﷺ ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ لا تكوننّ أيها السامع، أو القارئ، أو من بلغته هذه الرسالة، من الشاكّين. ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (١١٥) ١١٥ - ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ بتنزّل القرآن على خاتم الأنبياء والرسل، الذي أتمّ به الوحي الذي نزل على الأنبياء من قبل، فالكلمة بمعنى الوحي، فيكون إتمام الكلمة هو ختم الوحي، والكلمة أيضا بمعنى القضاء، أي تم قضاؤه تعالى منذ الأزل بما قضى وقدّر، وهي أيضا بمعنى الوعد، وإتمامها تحقيق الوعد المذكور في كتب اليهود والنصارى ﴿صِدْقاً﴾ تصديقا لوعده في التوراة والإنجيل ببعث النبي محمد ﷺ ﴿وَعَدْلاً﴾ لأن القرآن يبشر المؤمنين، وينذر الكافرين، بتحقيق العدالة إن في الدنيا أو في الآخرة ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ مطابقة لما سبق علمه، ولا بدّ من تحقق وعده، والمعنى أيضا أن القرآن محفوظ من كل تحريف وتبديل ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ الجدير بالعبادة لكونه يسمع دعاءكم ويعلم حالكم. ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ (١١٦) ١١٦ - ﴿وَإِنْ تُطِعْ﴾ أيها المؤمن، أو أيها السامع، أو القارئ ﴿أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ لأن أكثرية الناس في غالب الأحوال يتبعون

стр. 545

أهواءهم، ولا عبرة بالأكثرية إن كانت على الضلال ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ فيما يتعلق بحقيقة الخلق، والحياة بعد الموت، والأخلاق، والخير والشر، والعبادات، وقواعد السلوك البشري ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ أي يكذبون بنتيجة الظنّ. ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١١٧) ١١٧ - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الذين يحلّون ويحرّمون من عند أنفسهم، كما سيرد في الآيات التالية ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ بعدما تبيّن الحق من الباطل، وبعد ما قام الرسول والدعاة بواجبهم، فلم يبق إلاّ تفويض أمر الناس إلى الله، لأنه تعالى أعلم بمن يهتدي منهم، ومن يضلّ، وحسابهم عليه. ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ (١١٨) ١١٨ - الجاهلية لم تكن مقتصرة على العرب قبل الإسلام، فهنالك جاهلية تمارس في كل العصور والأمكنة: ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ وحده، لأنّ المشركين في الجاهلية، وفي كل وقت، يتعبدون بتقديم الذبائح إلى أوثانهم وآلهتهم ويذكرون اسم آلهتهم أو أوثانهم عليها، فنهاهم تعالى عن ذلك وأمرهم أن يذكروا اسم الله وحده عليها ﴿إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ لأن الشرك بالله والإيمان لا يجتمعان، والخطاب استمرار للآية (١١٦) بالنهي عن طاعة الأكثرية الضالة. ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاّ مَا اُضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ (١١٩) ١١٩ - ﴿وَما لَكُمْ أَلاّ تَأْكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ الكلام لا يزال في التوحيد ونفي الشرك، وتقدير الخطاب: وأيّ شيء ثبت لكم من الفائدة - أيها المشركون - في ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه وحده؟ أو: ما يمنعكم أن تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وحده؟ والحال أنكم تأكلون من الذبائح ما أهلّ به

стр. 546

لغير الله من أوثانكم وآلهتكم؟ وهو استفهام إنكار ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ لأن المحرّمات قد فصّلها تعالى لكم، فما بال بعضكم يجعل الحلال حراما، وبعضكم يجعل الحرام حلالا؟ - وتفصيل التحريم مذكور في الآية (١٤٥) من هذه السورة - ﴿إِلاّ مَا اُضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ بسبب شدة الجوع، فحينئذ يزول التحريم ويجوز لكم الأكل من الطعام المحرّم، انظر الآية (١٤٥)، وآية [المائدة: ٥/ ٣]، ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ﴾ أي بموجب أهوائهم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يقيني، فيحرّمون الحلال ويحلّون الحرام على هواهم، والإشارة عامة وغير مقتصرة على المأكل والمشرب - وقد استنتج الرازي منها أن القول في الدين بناء على التقليد حرام، لأن التقليد والعصبية عبارة عن اتباع الهوى، ممّا ينفي دور العقل، وقد حرّمته الآية - ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ﴾ الذين يتجاوزون حدود الشرع، ويبتدعون حدودا وتشريعات من عند أنفسهم، ولأن من يحرّم ما أحلّ الله، كمن يحلّ ما حرّمه الله، لا فرق بينهما. ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ (١٢٠) ١٢٠ - ﴿وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ﴾ ما أعلنتم منه وما أسررتم، فلا يكون لديكم مقاييس أخلاقية مزدوجة، مختلفة في العلن عمّا هي في السر، وفي الحديث: «اليسير من الرياء شرك»، وفي الحديث أيضا: «ما تضعضع امرؤ لآخر يريد به عرض الدنيا إلاّ ذهب ثلثا دينه»، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ﴾ بأفعالهم الظاهرة، أو بالدسائس الخافية والمكر السيء والخداع والتمويه ﴿سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ أي بنتيجة ما كانوا يقترفون من الإثم، وهو الارتباط بين السبب والمسبّب، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٩٩/ ٨]. ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾.

стр. 547

١٢١ - ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمّا لَمْ يُذْكَرِ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ كالذبائح التي تذبح للأوثان والأصنام والطواغيت ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والحال أنها - أي الذبائح - فسق، أهلّ بها لغير الله، لقوله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ (١٤٥)، فيكون النهي في الآية مختصّا بالفسق فقط، أي ما أهلّ لغير الله به، ولقوله ﷺ : «ذكر الله على قلب كل مؤمن من سمّى أو لم يسمّ». ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ﴾ من شياطين الإنس والجن ﴿لَيُوحُونَ﴾ يوسوسون ﴿إِلى أَوْلِيائِهِمْ﴾ من المشركين ﴿لِيُجادِلُوكُمْ﴾ في الحلال والحرام ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ﴾ في استحلال الحرام وتحليل الحرام، وفي إحلال القوانين الوضعية محل الشرائع الدينية ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ لأن من يفضل قوانين البشر على شرع الله يثبت حاكما غير الله تعالى فيصير مشركا، كما أنّ من يرضى بالذبائح التي ذبحت على الأصنام والأوثان فقد رضي بزعم ألوهيتها ممّا يوجب الشرك، ومثال ذلك كثير. ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٢٢) ١٢٢ - ﴿أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ﴾ شرح للآية السابقة، وقد شبّه تعالى الكافر بالميت، والهداية بالإحياء، لأن مدارك الكافر محدودة إما بسبب طغيان المادة عليه، أو لضيق أفقه، أو لجهله، أو لإعجابه برأيه، أو لغفلته، أو لكل ذلك معا، فهو أسير هواه، والحقيقة غائبة عن وعيه، لأنه حجر عقله على الجمود والتقليد، فإذا اهتدى صار حيّا، متفتح الذهن، عقلانيا، وصار على بيّنة من حقيقة الدنيا والآخرة ﴿وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ﴾ وهو نور القرآن الكريم، يهتدي به، فتطمئن به نفسه، ويكون واثقا منها، فيهدي به غيره ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها﴾ بالمقارنة مع الذين يتخبطون في ظلمات الجهالة، وقد فسدت فطرتهم، وعقولهم قاصرة عن إدراك الحقيقة

стр. 548

والاقتناع بها، وإذا توصلوا إليها فهم يجحدونها من قبيل التكبر والعصبية والتقليد الأعمى وإتباع الأكثرية المسيطرة وحب الدنيا ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وهي إقرار حقيقة واقعة، بأن عقول أمثال هؤلاء الكافرين بعد أن طغت عليها العصبية والتقليد الأعمى وحب الدنيا، قد زيّن لهم ضلالهم حتى يكون أحدهم من أذكى الناس ثم يبرر لنفسه السفاهة والحماقة والخرافة التي يعتقد بها، ويوجه سلوكه الظاهر والباطن بموجبها. ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ (١٢٣) ١٢٣ - استمرار الخطاب من الآية السابقة ومعطوف على قوله ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾: ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ القرية - بلغة القرآن - هي المجتمع أو الشعب أو الأمّة، أو المدينة الكبرى التي يقيم بها أولو الحل والربط، والمعنى استمرار من الآية السابقة، أي كما زيّن للكافرين عملهم وتخبطهم في ظلمات الجهالة والتقليد والتعصب وحب الدنيا، كذلك فإنه من سنن الاجتماع البشري أن يصبح بعض المجرمين من هؤلاء أكابر في بعض المجتمعات، بحيث يكون إجرامهم سبب كونهم أكابر، أي يبلغون مراتب الزعامة بمكرهم وخداعهم وتدليسهم وغدرهم، ويصدق فيهم قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ * وَإِذا تَوَلّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ [البقرة: ٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥]، وقد ينكرون الوحي والرسل لكي يحكموا الناس على هواهم، وقد يدّعون العلمانية بزعم التحرر، ويكثر ذلك في الأمم التي تنتشر فيها المطامع والتنافس على الزعامات، وتزداد عند ما تكون الشعوب جاهلة ومتخلفة ومغلوبة على أمرها.

стр. 549

ويحتمل أيضا أن الأكابر تحوّلوا إلى مجرمين، لأنهم جعلوا أنفسهم فوق القانون، وفوق المعايير الأخلاقية، وفوق عامة الناس، فصاروا يرفضون الانتقاد الموجّه إليهم، ولا يحاسبون أنفسهم إذ زيّن لهم الشيطان أعمالهم، فيصدق فيهم قوله تعالى: ﴿وَما يَمْكُرُونَ إِلاّ بِأَنْفُسِهِمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ والضمير في أنفسهم يعود لأكابر المجرمين وأشياعهم، لأن المجتمعات التي تمكّن مجرميها من التحكم فيها والسيطرة عليها، سواء كان ذلك نتيجة تخلفها وجهلها، أو سوء أخلاقها وانتشار الفساد فيها، تؤول في نهاية المطاف إلى الدمار مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٣٥/ ٤٣]، وقوله عزّ من قائل ﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٦]، أي إنه تعالى يأمر الأكابر المترفين بالإصلاح والطاعة، فلا يستجيبون، ويكون التفسخ والانحطاط والانهيار عاقبة أمرهم. ﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذابٌ شَدِيدٌ بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ (١٢٤) ١٢٤ - ﴿وَإِذا جاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ وهم الأكابر المشار إليهم سابقا، أي جاءهم وحي من السماء عن طريق الرسول ﷺ ﴿قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ﴾ لا يصدّقون الرسل، ويريدون أن ينزّل الوحي عليهم مباشرة، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتى صُحُفاً مُنَشَّرَةً﴾ [المدثر ٧٤/ ٥٢]. ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ الله أعلم بحكمته من يصطفي من الرسل والأنبياء ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغارٌ عِنْدَ اللهِ﴾ وهم منكرو الوحي سيصيبهم الهوان والذل، بعد التكبر والعظمة ﴿وَعَذابٌ شَدِيدٌ﴾ إن في الدنيا أو في الآخرة أو كلاهما معا ﴿بِما كانُوا يَمْكُرُونَ﴾ بسبب مكرهم، وبنتيجته.

стр. 550

﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٢٥) ١٢٥ - ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ﴾ يشرح الله تعالى صدر من حافظ على سلامة فطرته، وابتعد عن الكبرياء والحسد، وحافظ على استقلال الفكر، ورفض التقليد والعصبية، عندما يدرس الإسلام دراسة موضوعية يجد فيه الحقيقة التي يبحث عنها فينشرح صدره للإسلام، ويشعر بالسرور والقبول تجاهه ويفيض علم القرآن ونوره في قلبه وعقله ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً﴾ وهو الشخص المصر على الكفر، الذي أفسد فطرته بالأفكار الشاذة التي تربّى عليها وقبلها، وضاق تفكيره بما لا يطابق ما اعتاد عليه من عقيدة أهله وقومه، حتى لا يكاد يستطيع الإطلاع على غيرها من العقائد، ناهيك عن دراستها دراسة جدية موضوعية، وهو إلى كل ذلك متكبر معجب برأيه وبما هو عليه من الضلال، وهو في نفس الوقت حسود لأنه يرى نفسه وقومه أحق من الآخرين بالمعرفة الحقيقية، فينفي سلفا إمكانية صواب غيره ﴿كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ﴾ وهو تشبيه علمي، لأن من يرتقي في طبقات الجو العليا يضيق صدره لقلة كثافة الهواء كلما ازداد صعودا، فيصعب تنفسه ويشعر بثقل وضغط كبير على صدره - وهو من إعجاز القرآن العلمي - وذلك مثل الجاحد المصر على الكفر عندما تعرض عليه الرسالة الإسلامية يضيق صدره عنها ويتبرم بها ويعرض عنها ﴿كَذلِكَ﴾ أي على ذلك النحو المذكور ﴿يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ المصرّون على الكفر، فيخلّي بينهم وبين أنفسهم، ويحصل لديهم الخواء والشعور الرهيب بعدم جدوى الحياة وأن لا معنى لها ولا غاية، والرجس الخبث، المعنوي والحسّي، وهو هنا بمعنى العذاب الروحاني، راجع شرح آية [الأعراف: ٧/ ٧١]. ﴿وَهذا صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١٢٦) ١٢٦ - ﴿وَهذا﴾ الذي جاء به القرآن ودين الإسلام ﴿صِراطُ رَبِّكَ﴾ طريقه الذي ارتضاه لعباده، وطريقته التي اقتضتها حكمته ﴿مُسْتَقِيماً﴾ عادلا مطّردا لا

стр. 551

تغيير في سننه، مطابقا للفطرة السليمة، لا إفراط ولا تفريط ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ﴾ أظهرنا الحجج وجعلناها واضحة مفصّلة ﴿لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ لذوي العقول المبصرة والفطرة السليمة، يذّكرون المعارف والحقائق المغروسة في استعدادهم، فتطيب حياتهم بها. ﴿لَهُمْ دارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٢٧) ١٢٧ - ﴿لَهُمْ﴾ أي للمتذكرين الذين اتبعوا الصراط المستقيم ﴿دارُ السَّلامِ﴾ السلام من أسمائه تعالى، ودار السلام الجنة تنسب إليه جلّ شأنه، كما أنهم ينعمون بالسلام الروحاني في حياتهم الدنيا ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ وعدا عليه حقا ﴿وَهُوَ وَلِيُّهُمْ﴾ متولّ أمورهم وكافيهم وموفّقهم في كل ما يعنيهم ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بما أي بسبب أعمالهم الصالحة التي قدّموها في حياتهم الدنيا، وقد ركّزت الآية على ذلك كي لا ينقطع الإنسان عن العمل والجهد، والإيمان وحده لا يكفي، فلا بدّ من العمل لأنّ السنن الكونية قائمة عليه، والآية أيضا نافية للجبر فهي صريحة بربط الجزاء بالعمل. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اِسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اِسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا قالَ النّارُ مَثْواكُمْ خالِدِينَ فِيها إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (١٢٨) ١٢٨ - في هذه الآية عودة لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ (١٢١)﴾: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يا مَعْشَرَ الْجِنِّ﴾ المعشر: الجماعة الذين يعاشر بعضهم بعضا، ومعشر الرجل أهله، والمعنى أنه يقال يوم الحشر للذين كانوا يعاشرون عناصر الشر ﴿قَدِ اِسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي أضللتم وأغويتم كثيرا من الناس وجعلتموهم أتباعا لكم فحشروا معكم ﴿وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ الذين أطاعوهم وكانوا لهم أنصارا وأعوانا ﴿رَبَّنَا اِسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ﴾ استمتع

стр. 552

بعضنا بصحبة بعض، لأن المصالح الدنيوية كانت متبادلة بينهم ﴿وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا﴾ وهو يوم البعث والجزاء، قالوا ذلك معترفين بذنوبهم، مظهرين الحسرة والندامة ﴿قالَ النّارُ مَثْواكُمْ﴾ مقامكم ومصيركم كنتيجة طبيعية لما قدّمتم في حياتكم الدنيا، فلا ينفع الندم بعد الفوات ﴿خالِدِينَ فِيها إِلاّ ما شاءَ اللهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ حكيم بما تتعلق به مشيئته، وعليم بما يستحق المجرمون من عقاب، فمشيئته تعالى مترتبة على الحكمة والعلم. ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٢٩) ١٢٩ - ﴿وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظّالِمِينَ بَعْضاً﴾ وهم الذين كانوا يعاشرون عناصر الشر، يكونون أولياء وأنصارا بعضهم لبعض، لأنهم على شاكلة واحدة في الخبث والفساد ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بنتيجة اشتراكهم في عمل السيئات وهو سبب تقاربهم وتناصرهم. ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ (١٣٠) ١٣٠ - ﴿يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي﴾ يتلون عليكم آياتي التي أوحيتها إلى الرسل ويأمرونكم بالإيمان ومكارم الأخلاق وصالح الأعمال ﴿وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا﴾ وهو يوم البعث والحساب ﴿قالُوا شَهِدْنا عَلى أَنْفُسِنا﴾ بأن الرسل قد بلّغت الرسالة وأن ليس من عذر بالغفلة - الآية التالية -، وإنّما غلبتهم الحياة الدنيا على صالح أمرهم ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ بكثرة المال، واتباع الشهوات، والتطلع إلى الجاه الزائف والتسلط على الناس ﴿وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ أقرّوا أنهم لم يؤمنوا بما جاء به الرسل، أو أنهم لم يعملوا بما يترتب على الإيمان من العمل الصالح والإذعان للرسالة السماوية.

стр. 553

﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ (١٣١) ١٣١ - ﴿ذلِكَ﴾ وهو ما تقدّم من بعثة الرسل وإنذارهم الناس بسوء العاقبة إن لم يؤمنوا ويعملوا صالحا ﴿أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ﴾ أي بظلم منها ﴿وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ عن الحقيقة، فلا يترك لها عذرا بالجهل أو الغفلة، أي الله تعالى لا يهلك المجتمعات الظالمة ولا يعاقبها على ظلمها وإفسادها، قبل أن يبعث إليها الرسل ويبيّن لها الخطأ من الصواب، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: ١٧/ ١٥]. ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ (١٣٢) ١٣٢ - ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمّا عَمِلُوا﴾ فيكون حساب كلّ فرد بحسب عمله الذي قام به واعيا مختارا، لأن الثواب والعقاب مترتّبان على سلوك المرء مختارا في الحياة الدنيا، ودرجات عمله من خير أو شر ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ فيحاسبهم بما يختارون من السلوك والعمل. ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ (١٣٣) ١٣٣ - ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ﴾ غنيّ عن عباده وعن طاعتهم وأعمالهم ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾ وهو في نفس الوقت رحيم في تكليف العباد وفي ثوابهم وعقابهم، وفي إمهالهم على المعاصي إلى ما شاء ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾ كما أهلك الأمم من قبلكم، وهي سنته تعالى بأن تندثر الأمم التي تتفسخ ويستشري فيها الفساد ﴿وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ ما يَشاءُ﴾ من الأمم فيكونوا خيرا منكم ﴿كَما أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ نشأتم على أنقاضهم. ﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (١٣٤) ١٣٤ - ﴿إِنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ الذي توعدونه من البعث والحساب، والثواب والعقاب في الآخرة، واقع لا محالة، وذلك غير الهلاك والعذاب الدنيوي

стр. 554

واستبدال أمم أخرى بهم - الآية السابقة - ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ لا تستطيعون الخروج عن قدرته تعالى، ولا عن سنته في الخلق والعباد. ﴿قُلْ يا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ (١٣٥) ١٣٥ - ﴿قُلْ يا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ الخطاب للرسول ﷺ بمواجهة كفار قومه، وأن يظهر لهم منتهى الثقة بأمره، وعدم المبالاة بهم، فيتحداهم بأن يعملوا غاية ما بإمكانهم واستطاعتهم من المعاندة والعداوة لأن ذلك لن يجديهم شيئا في نهاية المطاف ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ على مكانتي في مصابرتكم وفي الدعوة إلى الإسلام ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ عاقبة دار الحياة الدنيا، والمعنى سوف تعلمون أن الظفر والعاقبة الحسنى ستكون للإسلام لا محالة، وأن الدائرة سوف تدور عليكم ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ فلا يظفروا بغايتهم، وهذا الأمر وإن كان موجها في الأصل إلى النبي ﷺ فهو - كما في كل آيات القرآن الكريم - أمر لكل مسلم وداعية في الثبات على عقيدته في كل زمن. وقد يقول قائل: ما بال المسلمين إذن قد ضعفت شوكتهم واستعلت عليهم الأمم واستهانت بهم وتلاعبت بهم واستغلتهم، ما دام تعالى قد وعدهم بالنصر وأن تكون لهم عاقبة الدار؟ والجواب أنه تعالى لم يعد بنصر الذين يدّعون الإسلام اسما كيفما اتفق، وإنما وعد بنصر من يقيم الإسلام على حقيقته عن فهم، أما عندما يكون حظ المسلمين من دينهم كحظ من سبقهم من اليهود والمسيحية الذين حوّلوا دينهم إلى مجرد جنسية وعصبية لا غير، فعندئذ لا يكون لهم ميزة دينية على غيرهم تستدعي نصر الله لهم، بل تقتصر أسباب النصر في سائر الأسباب المادية والفنية والمعنوية، كإقامة العدل والنظام والشورى والعمل والصبر والثبات.

стр. 555

﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ (١٣٦) ١٣٦ - رغم بعث الرسل الذين أتوهم يقصّون عليهم آيات الله، وينذرونهم لقاء الآخرة، فإنهم استغرقوا في ممارسات الجاهلية مما سيلي وصفه، وفيه عودة إلى موضوع الآيات (١١٨ - ١٢١): ﴿وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ﴾ ممّا خلق - ومنه الذرية - ﴿مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً﴾ الكفار والمشركين جعلوا وكرّسوا لله تعالى نصيبا - فقط - من خلقه كنتاج الزرع والمواشي التي يخصصونها للتبرع، فيتصدقون بهذا النصيب - الجزء - للفقراء والمساكين، والنصيب الآخر ينفقونه على أوثانهم وكهنتهم وسدنة معابدهم ﴿فَقالُوا هذا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ نتقرب لله بنصيبه فقط، حسب زعمهم، والباقي يتقربون به للشركاء المزعومين إذ قالوا: ﴿وَهذا لِشُرَكائِنا﴾ يتقربون به لمن يزعمون أنهم شركاء لله تعالى، كائنين ما كانوا، وإضافة الشركاء إليهم لأنهم اتّخذوها لأنفسهم ﴿فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ﴾ لا يكون له علاقة بالصدقات والمساكين، بل ينصرف إلى الكهنة والسدنة وصيانة الأوثان ومعابدها ﴿وَما كانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ﴾ لأن النصيب الذي يكرّسونه لله تعالى يضر بعقيدتهم إذ يعزز عندهم الاعتقاد بالشرك وبأنصاف الآلهة، أو بقوى وهمية، أو بوسطاء وهميين، فهو بالتالي يصل إلى هؤلاء الشركاء لجهة إفساد عقيدتهم ﴿ساءَ ما يَحْكُمُونَ﴾ كم هو سيئ هذا الحكم الذي يخترع قدرات وهمية وشبه إلهية لمخلوقات لا حول لها ولا قوة، والمغزى غير مقتصر على سلوك المشركين في الجاهلية، بل فيه إشارة إلى سلوك المشركين في كل العصور كونهم يسبغون قدرات شبه إلهية على مخلوقات وأموات وأضرحة ومعبودات عاجزة.

стр. 556

﴿وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾ (١٣٧) ١٣٧ - ﴿وَكَذلِكَ﴾ عطف على ما قبله، أي كما قسموا القرابين بين الله تعالى وبين الشركاء المزعومين، وكان ذلك مستحسنا في عقولهم، كذلك استحسنوا قتل أولادهم ﴿زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ﴾ الشركاء المزعومون زيّنوا للمشركين قتل أولادهم حتى صار ذلك مستحسنا عندهم، والشركاء هم الكهنة وسدنة المعابد الوثنية، وقيل هم الجن والشياطين يوسوسون لهم، وسمّوا شركاء لأنهم أطاعوهم في معصية الله تعالى، وكانوا في الجاهلية يدفنون البنات على قيد الحياة، خشية أن تسبى في الغزوات وخشية العار، أو يقتلون الأولاد خشية الفقر، أو يقتلونهم نذرا لبعض آلهتهم ﴿لِيُرْدُوهُمْ﴾ الشركاء زيّنوا لهم هذه المنكرات ليردوهم، أي ليهلكوهم عن طريق إغوائهم وإفساد فطرتهم وجعل قلوبهم قاسية خالية من عاطفة الأبوّة والرأفة والرحمة، ويكون الهلاك بهذا المعنى معنويا بالإضافة للإرداء الحسّي وهو قتل الأولاد ﴿وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ﴾ ليخلطوا عليهم حقيقة الدين، وهو دين آبائهم ملّة إبراهيم وإسماعيل، حتى اعتقدوا أن ما يقومون به ضروري للتقرب للآلهة، وفي الآية معنى عام لا يقتصر على عادات الجاهلية قبل الإسلام، بل يشمل عادات بعض البشر - في كل الأزمنة - الذين ينسبون صفات شبه إلهية لمخلوقات عاجزة أو لقوى وهمية، يسترضونها ويستعطفونها بارتكاب أفعال وطقوس وحشية وقاسية، عدا كونها سخيفة ومنافية للعقل، والنتيجة هي الإرداء - الهلاك - المعنوي، لما فيه من العبودية لهذه القوى الوهمية وبالتالي فقدان الحرية الروحانية والتفكير السليم ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ ما فَعَلُوهُ﴾ الله تعالى أراد منهم استخدام عقولهم وفطرتهم ومنطقهم السليم، وأراد منهم استخدام حرية الخيار - التي منحها لهم - استخداما صحيحا بعد أن بيّن لهم الحق من الباطل، والصواب

стр. 557

من الخطأ، ولو شاء لغيّر سننه في بني آدم بأن جعلهم مجبرين غير مختارين، كجنس الملائكة، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ﴿فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ﴾ دعهم وما يختلقون من الكذب على أنفسهم، وما عليك أيها الرسول إلا البلاغ، ولله تعالى سنن في الهداية لا تتغير، وحسابهم على الله. ﴿وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اِسْمَ اللهِ عَلَيْهَا اِفْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (١٣٨) ١٣٨ - ﴿وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ وهذا نوع ثالث من أحكامهم الفاسدة، أولها أن جعلوا لغير الله نصيبا من الحرث والأنعام (الآية ١٣٦)، وثانيها أنهم كانوا يقتلون أولادهم (الآية ١٣٧)، والثالث أن حرّموا على البعض أكل بعض الأنعام والزروع التي خصّصوها لآلهتهم بزعمهم، والحجر بمعنى المحجور أي الممنوع أو المحرّم التصرف به ﴿لا يَطْعَمُها إِلاّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ لا يأكلها - أي الأنعام والحرث التي حجروها - إلاّ خدم الأوثان، والرجال منهم فقط دون النساء، حسب زعمهم ﴿وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾ أي حرّموا ركوبها ﴿وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اِسْمَ اللهِ عَلَيْهَا﴾ بل يذكرون عليها أسماء أوثانهم وآلهتهم عند التضحية بها ﴿اِفْتِراءً عَلَيْهِ﴾ كذبا على الله تعالى، لأنه لم يأمرهم بذلك ﴿سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ سوف يلاقوا جزاءهم بما كانوا يفترون الكذب على الله. ﴿وَقالُوا ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (١٣٩) ١٣٩ - ﴿وَقالُوا﴾ وهو نوع رابع من فنون كفرهم، وأحكامهم السخيفة في التحريم والتحليل ﴿ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ﴾ التي حرّموها ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا﴾ ما في بطون الأنعام من اللبن أو الأجنّة خصّصوه للذكور

стр. 558

منهم فقط، وحرّموه على الإناث ﴿وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ﴾ إن ولد الجنين ميتا يأكلون منه جميعا، الذكور منهم والإناث ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ سيجزيهم وصفهم الكذب على الله تعالى، أي التحريم والتحليل من عندهم، وهو كقوله جلّ ثناؤه ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١٦/ ٦٢]، أي في إطلاق الأحكام بغير علم ﴿إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ حكيم وحده في تشريع الحلال والحرام، فلا يجوز لغيره أن يتخذ لنفسه هذه السلطة، وهو عليم بصالحهم. وقد ذكر الألوسي في روح المعاني استدلال البعض من الآية أنه لا يجوز الوقف على الأولاد الذكور دون الإناث، وأن مثل ذلك الوقف يفسخ ولو بعد موت الواقف لأنه من فعل الجاهلية، واستدل بعض المالكية على مثل ذلك في الهبة، وعن عائشة ﵂ أنّها قالت: يعمد أحدكم إلى المال فيجعله للذكور من ولده، إن هذا إلا كما قال تعالى: ﴿خالِصَةٌ لِذُكُورِنا وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا﴾. ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ اِفْتِراءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (١٤٠) ١٤٠ - هذه الآية تبين نتيجة من يحلّون ويحرّمون من عندهم، ويقتلون أولادهم، والنتيجة هي الخسران، والضلال، وعدم إمكان الاهتداء: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ﴾ كانوا يقتلون الأولاد ويئدون البنات (الآية ١٣٧) خوف السبي والعار أو الفقر، والخسارة كبيرة فهي تشمل خسارة الأولاد أنفسهم، وخسارة لعاطفة الأبوة والأمومة، وخسارة الدين وسوء العاقبة ﴿سَفَهاً﴾ لخفة عقلهم ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ بغير علم يقيني يبرر فعلتهم ﴿وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللهُ﴾ من الأنعام المذكورة آنفا ﴿اِفْتِراءً عَلَى اللهِ﴾ ابتدعوا التحريم من عندهم ونسبوه إلى الله ﴿قَدْ ضَلُّوا﴾ عن الطريق السوي، في الدين والدنيا ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى الحق والصواب، وما كان لهم أن يهتدوا إلى الصواب ما بقوا على هذه الحال من التمسّك بالجهالة، ومبتدعين للأحكام الفاسدة ومعجبين بها.

стр. 559

﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (١٤١) ١٤١ - افترى المشركون الكذب على الله، بالشرك، وقتل الأولاد والبنات، وفي التشريع والتحليل والتحريم سفها بغير علم، زاعمين أن الله تعالى أمرهم بها، كل ذلك رغم معجزات ودلائل الخلق حولهم والنظام الكوني البديع الذي يبهر ذوي العقول، مما يدلّ على وحدانية الخالق، ومنها نشوء الزروع والبساتين - الجنّات -: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ﴾ المعروشات نباتات الأرياف والعمران من زراعة الإنسان، وغير معروشات من النباتات التي تنمو في البراري، والمعروشات أيضا التي تحتاج للتسلق على العرائش أو على غيرها من النباتات، وغير المعروشات ممّا ينبت على سوقه دون التسلق على غيره ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ﴾ وأنشأ أيضا النخل والزرع مختلفا في الهيئة والكيفية وفي الثمار ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمّانَ﴾ أنشأهما أيضا، وخصّهما تعالى مع النخل بالذكر لكونها عزيزة عندهم ﴿مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ﴾ أي أن أكله، وهو الثمار، قد يكون متشابها في المنظر وغير متشابه في الطعم والنكهة، أو أن الزرع متشابه في أصله لكونه من مواد عضوية واحدة، أو متشابه لنشوئه من الماء والبذور المتشابهة، أو متشابه في شكله عندما ينبت صغيرا، وغير متشابه عندما يكبر ويثمر ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ﴾ وهو زكاة الزروع، فصّلتها السنة الشريفة بأنّ ما سقته السماء، أو العين السائحة، أو سقاه الطلّ - الندى -، أو كان بعلا، ففيه العشر، وما سقته القرب، أي بمجهود كالضخّ، ففيه نصف العشر، ويوم حصاده أي يوم كيله، وقيل إن زكاة الزروع صدقة غير الزكاة المفروضة ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ لا تسرفوا في

стр. 560

الصدقة لدرجة الإجحاف بصاحب المال، وأيضا لا تمنعوا الصدقة، فالمراد من الإسراف هو مجاوزة الحدّ سواء في كثرة الإنفاق، أو كثرة التقتير والبخل، لأنه تعالى لا يحبّ المسرفين. ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١٤٢) ١٤٢ - ﴿وَمِنَ الْأَنْعامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً﴾ تتمة الخطاب من الآية السابقة، والتقدير: وهو الذي أنشأ جنّات، وأنشأ من الأنعام ما يحمل الأثقال، وما يفرش للذبح، أو يركب، أو ما ينسج الفرش من وبره وصوفه، والحمولة أيضا الأنعام التي صارت في سن الحمل، والفرش صغارها التي لصغر أجسامها تمشي دانية من الأرض، - وأمّا الحمولة بضمّ الحاء فهي الأحمال، وهي غير الحمولة أي التي تحمل - ﴿كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ من لحوم الأنعام ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ في التحريم والتحليل من عند أنفسكم، تارة تحرّمون ظهورها للركوب أو الحمل، وتارة تحرّمون أكل لحومها أو ما في بطونها من الحمل ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ عداوته بيّنة لبني آدم، لقوله ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلاً﴾ [الإسراء: ١٧/ ٦٢]. ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٤٣) ١٤٣ - استمرار الخطاب ممّا قبله، والكلام ما زال في عادات الجاهلية، وتحريمهم ركوب بعض الأنعام وأكل لحوم بعضها، وتقدير الخطاب: وأنشأ من الأنعام حمولة وفرشا ثمانية أزواج، فيكون ﴿ثَمانِيَةَ﴾ بدل من قوله ﴿حَمُولَةً وَفَرْشاً،﴾ والمقصود تبكيت لهم على تحريم ركوب بعضها، أو الحمل عليها، أو تحريم الحمل الذي في بطونها، وقد يكون تقدير الخطاب أيضا: كلوا ممّا رزقكم

стр. 561

الله ثمانية أزواج -.، وهو تبكيت لهم على تحريم أكل بعض لحومها أو تحريم أكل ما في بطون بعضها من اللبن أو الأجنّة: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ الواحد إذا كان وحده فهو فرد، فإذا اجتمع معه غيره من جنسه سمّي كل فرد منهما زوجا، فالزوج ضد الفرد، وكلّ واحد من القرينين الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة يسمّى زوجا وهما زوجان، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ [النجم: ٥٣/ ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ﴾ [هود: ١١/ ٤٠]، وقوله جلّ ثناؤه ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ ثم فسّرها بقوله - من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، فالمجموع ثمانية، وقد يطلق الزوج أيضا على مجموع الزوجين ولكنه غير مراد في هذه الآية وإلاّ كانت أربعة أزواج، وعلى هذا تكون كلمة (اثنين) صفة كما في قوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ﴾ [النحل: ١٦/ ٥١]، والزوج أيضا القرين لقوله تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٣٧/ ٢٢] أي وقرناءهم. ﴿مِنَ الضَّأْنِ اِثْنَيْنِ﴾ يعني الذكر والأنثى: الكبش والنعجة ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اِثْنَيْنِ﴾ التيس والعنز، ومفردها ماعز ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أي قل لهم أيها الرسول: أحرّم الله الذكرين الكبش والتيس، أم حرّم الأنثيين النعجة والعنز، أم حرّم الأجنّة التي اشتملت عليها أرحام الأنثيين؟ والاستفهام للإنكار، أي إنه تعالى لم يحرم شيئا من هذه الثلاثة، ومغزى الآية إبراز التناقض والغموض في خرافاتهم التي يفرضونها على أنفسهم وعلى غيرهم ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ يقيني، وليس بالظن أو التخمين أو التقليد ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم بالتحليل والتحريم، والمعنى أنكم لا تقرّون بشريعة سماوية، فكيف تحكمون بأن هذا حلال وهذا حرام، وشريعة أي نبي هذه التي تحرّمون وتحلّون بموجبها؟ والمغزى من كل ذلك أن الأصل في الأمور الحلّ إلاّ ما حرّمه تعالى بالوحي صراحة.

стр. 562

﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٤٤) ١٤٤ - ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اِثْنَيْنِ﴾ الجمل والناقة - معطوف على قوله سبحانه ﴿مِنَ الضَّأْنِ اِثْنَيْنِ﴾ - ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اِثْنَيْنِ﴾ الثور والبقرة ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ الجمل والثور ﴿أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الناقة والبقرة ﴿أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا﴾ أية شريعة سماوية هذه التي تستندون عليها؟ لأن العبرة ليست بقولكم أو قول الرهبان والكهنة والسدنة، وإنما العبرة بالعلم اليقيني الذي تنزّل به الوحي ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ بأن أطلق أحكاما ونسبها إليه تعالى: ﴿لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فينتج عن إطلاق مثل هذه الأحكام إضلال الناس لأن الأحكام التي أطلقوها، بالتحليل والتحريم وغيره، لا تستند على علم، وإنما هي من الافتراء أو التخمين أو التقليد أو الظن ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ إلى طريق الحق، لأن الظلم يصد الناس عن استخدام عقولهم فيما يهديهم إلى الصواب. ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٤٥) ١٤٥ - بعد أن بيّن تعالى فساد أحكام الجاهلية في التحليل والتحريم، أتبعه بالبيان الصحيح في هذا الموضوع: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ المعنى أنّ التحريم لا يكون إلا بطريق الوحي الذي نزل على النبيّ ﷺ ، وأن الأصل في الأشياء هو الحلّ، ولا يحرّم على العباد إلاّ ربّهم، ومن يحرّم ويحلل من عنده فهو مفتر معتد على مقام الربوبية، ومن أطاعه فقد اتخذه شريكا لله في ربوبيته ﴿عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ أي على آكل يأكله ﴿إِلاّ أَنْ يَكُونَ﴾ ذلك

стр. 563

الطعام ﴿مَيْتَةً﴾ وهو ما لم يذبح شرعيا ومنه المنخنقة وغيرها المذكورة في آية [المائدة: ٥/ ٣]، ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ مصبوبا سائلا، ثمّ لا بأس بالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ﴾ أي الخنزير ﴿رِجْسٌ﴾ أي نجس - قذر -، ويحتمل أن يعود الضمير في (إنه) إلى جميع الأصناف الثلاثة المذكورة آنفا ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ وهو ما ذبح على اسم الأوثان أو الأنصاب أو الآلهة أو الشركاء المزعومين، وأصل الفسق الخروج عن أمر الله، وسمّي الذبح لغير الله فسقا لشناعته، والمعنى أن المحرمات من الطعام هي في هذه الأصناف الأربعة حصرا، انظر أيضا آية [النحل: ١٦/ ١١٥] و [البقرة: ٢/ ١٧٣] و [المائدة: ٥/ ٣]، ﴿فَمَنِ اُضْطُرَّ﴾ في مجاعة، أو تفاديا للهلاك ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ لا يبغي الطعام المحرم ولا يشتهيه ولا يستسيغه ﴿وَلا عادٍ﴾ ولا يتعدّى حاجته منه بما يقيه الهلاك ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ممّا يفيد الرخصة للعباد عند الضرورة، ومنه قولهم: الضرورات تبيح المحظورات، وقد ذكر الشيخ محمد رشيد رضا في المنار أنّ ما صحّ من الأحاديث في النهي عن طعام غير الأنواع الأربعة المذكورة فهو إما للكراهة وإما لعلة مؤقتة. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (١٤٦) ١٤٦ - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا﴾ وهم اليهود ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وهي الطيور والبهائم من ذوات الأظفار والمخالب حرّمت بكاملها، وهو تحريم مختص باليهود فقط لأن الآية صريحة في ذلك، ولأن المحرمات على المسلمين محصورة في الأصناف الأربعة المذكورة آنفا، وأمّا ما روي من الحديث أنه ﷺ حرّم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور، فقد ذكر الرازي أنه ضعيف رغم روايته في الصحيحين، لأنه خبر آحاد مخالف لكتاب الله تعالى

стр. 564

فوجب ألاّ يكون مقبولا، أي إنه ضعّفه من جهة المتن، ولأن ما ورد فيه من لفظ التحريم قد يكون مرويّا بالمعنى لا بلفظ الرسول ﷺ ، وقد يكون اللفظ هو الكراهة، وقد قالوا: إن من علامة وضع الحديث مخالفته للقرآن ولكل ما هو قطعي، وخاصة عندما يتعذر الجمع بين الحديث الظني وبين القرآن، وفي هذه الحالة يمكن الجمع بينهما بحمل النهي في الحديث على الكراهة وليس التحريم (المنار)، ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ لم يحرّم على اليهود من البقر والغنم سوى الشحوم الخالصة التي تنزع منها بسهولة ﴿إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ الشحوم التي تشوب الظهر والأمعاء والعظم استثنيت من التحريم ﴿ذلِكَ﴾ الجزاء أو التحريم ﴿جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ أي هذا الجزاء بنتيجة بغيهم وظلمهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً﴾ [النساء: ٤/ ١٦٠]، ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ أي صدق الله وحده فيما كتبه على البشر من المحرّمات، وكذب اليهود في افترائهم التحليل والتحريم من عند أنفسهم. ويبدو أن التحريم المذكور في كتب اليهود فرضه الأحبار من عند أنفسهم، انظر سفر (اللاويين ٧/ ٢٣)، لأنهم كانوا ذوي نفوذ كبير على العوام حتى اتّخذوا لأنفسهم حق التشريع والتحليل والتحريم، ودليل ذلك قوله جلّ ثناؤه ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٣/ ٩٣]، ثمّ جاء المسيح ﵇ ليحلّ لليهود بعض ما حرّموه على أنفسهم: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٣/ ٥٠]، لأن اليهود كانوا يتّبعون أحبارهم فيما يدخلون على الشريعة من أحكام وتشريعات حتى صارت عندهم بمنزلة الوحي، قال تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٩/ ٣١]، فكانوا يأخذون بأقوال الأحبار والرهبان فيما يتعلق

стр. 565

بالتحريم والتحليل ولو كان في أصل الشريعة ما يخالفها، وهو سبب عقوبته تعالى لهم، وهي معنى قوله ﴿جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ والجزاء من سنن الله في خلقه بأنه من يسلك طريق الضلال يقع في عاقبة عمله، وبما أن الله تعالى سنّ قوانين الطبيعة بأكملها فهو ينسب التحريم وما يترتب عليه من معاناتهم إلى ذاته العليّة، وقد ذكر محمد أسد في (رسالة القرآن) أن تحريم الطيبات على اليهود ليس مقتصرا على الطعام وإنما كناية عن وقوعهم تحت قهر الأمم وتشريدهم في الأرض بعد أن صدّوا عن سبيل الله كثيرا وقتلوا الأنبياء وتآمروا على قتل المسيح، ثم تآمروا على قتل النبي ﷺ . ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١٤٧) ١٤٧ - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ أي المشركون أو اليهود إن كذّبوك في النبوة، وفي التحليل والتحريم ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ فلا يعجل عليكم بالعقوبة، ويمهلكم لحصول التوبة ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ المصرّين على المعصية، فالعذاب واقع بهم لا محالة. ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ (١٤٨) ١٤٨ - ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا﴾ يدّعون الجبرية، وهذه هي الحجة الأخيرة - ذكرها تعالى بصيغة المستقبل - التي يلوذ بها المصرّون على الشرك، والمكابرون في إنكار النبوّة، والذين يحكمون في الدين بغير حجة ولا دليل، ويحرّمون ويحلّون ويبتدعون الشرائع من عند أنفسهم، فإذا تبيّن لهم الحق وأيقنوا أنهم على الباطل لم يذعنوا ولم يقرّوا، بل يزعمون أنهم مجبرون، مسيّرون وفق المشيئة الإلهية، وأنه تعالى لو لم يكن راضيا بما هم عليه من العقيدة لما تركهم على ما هم عليه ﴿وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ﴾ أي لو شاء الله ما
следующие страницы →