← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الله ثمانية أزواج -.، وهو تبكيت لهم على تحريم أكل بعض لحومها أو تحريم أكل ما في بطون بعضها من اللبن أو الأجنّة: ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ الواحد إذا كان وحده فهو فرد، فإذا اجتمع معه غيره من جنسه سمّي كل فرد منهما زوجا، فالزوج ضد الفرد، وكلّ واحد من القرينين الذكر والأنثى في الحيوانات المتزاوجة يسمّى زوجا وهما زوجان، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى﴾ [النجم: ٥٣/ ٤٥]، وقوله تعالى: ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ﴾ [هود: ١١/ ٤٠]، وقوله جلّ ثناؤه ﴿ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ﴾ ثم فسّرها بقوله - من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، فالمجموع ثمانية، وقد يطلق الزوج أيضا على مجموع الزوجين ولكنه غير مراد في هذه الآية وإلاّ كانت أربعة أزواج، وعلى هذا تكون كلمة (اثنين) صفة كما في قوله تعالى: ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اِثْنَيْنِ﴾ [النحل: ١٦/ ٥١]، والزوج أيضا القرين لقوله تعالى: ﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٣٧/ ٢٢] أي وقرناءهم. ﴿مِنَ الضَّأْنِ اِثْنَيْنِ﴾ يعني الذكر والأنثى: الكبش والنعجة ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اِثْنَيْنِ﴾ التيس والعنز، ومفردها ماعز ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أي قل لهم أيها الرسول: أحرّم الله الذكرين الكبش والتيس، أم حرّم الأنثيين النعجة والعنز، أم حرّم الأجنّة التي اشتملت عليها أرحام الأنثيين؟ والاستفهام للإنكار، أي إنه تعالى لم يحرم شيئا من هذه الثلاثة، ومغزى الآية إبراز التناقض والغموض في خرافاتهم التي يفرضونها على أنفسهم وعلى غيرهم ﴿نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ﴾ يقيني، وليس بالظن أو التخمين أو التقليد ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم بالتحليل والتحريم، والمعنى أنكم لا تقرّون بشريعة سماوية، فكيف تحكمون بأن هذا حلال وهذا حرام، وشريعة أي نبي هذه التي تحرّمون وتحلّون بموجبها؟ والمغزى من كل ذلك أن الأصل في الأمور الحلّ إلاّ ما حرّمه تعالى بالوحي صراحة.

стр. 562

﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اِثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٤٤) ١٤٤ - ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اِثْنَيْنِ﴾ الجمل والناقة - معطوف على قوله سبحانه ﴿مِنَ الضَّأْنِ اِثْنَيْنِ﴾ - ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اِثْنَيْنِ﴾ الثور والبقرة ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ﴾ الجمل والثور ﴿أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ الناقة والبقرة ﴿أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللهُ بِهذا﴾ أية شريعة سماوية هذه التي تستندون عليها؟ لأن العبرة ليست بقولكم أو قول الرهبان والكهنة والسدنة، وإنما العبرة بالعلم اليقيني الذي تنزّل به الوحي ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ بأن أطلق أحكاما ونسبها إليه تعالى: ﴿لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ فينتج عن إطلاق مثل هذه الأحكام إضلال الناس لأن الأحكام التي أطلقوها، بالتحليل والتحريم وغيره، لا تستند على علم، وإنما هي من الافتراء أو التخمين أو التقليد أو الظن ﴿إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ إلى طريق الحق، لأن الظلم يصد الناس عن استخدام عقولهم فيما يهديهم إلى الصواب. ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٤٥) ١٤٥ - بعد أن بيّن تعالى فساد أحكام الجاهلية في التحليل والتحريم، أتبعه بالبيان الصحيح في هذا الموضوع: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ المعنى أنّ التحريم لا يكون إلا بطريق الوحي الذي نزل على النبيّ ﷺ ، وأن الأصل في الأشياء هو الحلّ، ولا يحرّم على العباد إلاّ ربّهم، ومن يحرّم ويحلل من عنده فهو مفتر معتد على مقام الربوبية، ومن أطاعه فقد اتخذه شريكا لله في ربوبيته ﴿عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ أي على آكل يأكله ﴿إِلاّ أَنْ يَكُونَ﴾ ذلك

стр. 563

الطعام ﴿مَيْتَةً﴾ وهو ما لم يذبح شرعيا ومنه المنخنقة وغيرها المذكورة في آية [المائدة: ٥/ ٣]، ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ مصبوبا سائلا، ثمّ لا بأس بالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ﴾ أي الخنزير ﴿رِجْسٌ﴾ أي نجس - قذر -، ويحتمل أن يعود الضمير في (إنه) إلى جميع الأصناف الثلاثة المذكورة آنفا ﴿أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ وهو ما ذبح على اسم الأوثان أو الأنصاب أو الآلهة أو الشركاء المزعومين، وأصل الفسق الخروج عن أمر الله، وسمّي الذبح لغير الله فسقا لشناعته، والمعنى أن المحرمات من الطعام هي في هذه الأصناف الأربعة حصرا، انظر أيضا آية [النحل: ١٦/ ١١٥] و [البقرة: ٢/ ١٧٣] و [المائدة: ٥/ ٣]، ﴿فَمَنِ اُضْطُرَّ﴾ في مجاعة، أو تفاديا للهلاك ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ لا يبغي الطعام المحرم ولا يشتهيه ولا يستسيغه ﴿وَلا عادٍ﴾ ولا يتعدّى حاجته منه بما يقيه الهلاك ﴿فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ممّا يفيد الرخصة للعباد عند الضرورة، ومنه قولهم: الضرورات تبيح المحظورات، وقد ذكر الشيخ محمد رشيد رضا في المنار أنّ ما صحّ من الأحاديث في النهي عن طعام غير الأنواع الأربعة المذكورة فهو إما للكراهة وإما لعلة مؤقتة. ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (١٤٦) ١٤٦ - ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا﴾ وهم اليهود ﴿حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ وهي الطيور والبهائم من ذوات الأظفار والمخالب حرّمت بكاملها، وهو تحريم مختص باليهود فقط لأن الآية صريحة في ذلك، ولأن المحرمات على المسلمين محصورة في الأصناف الأربعة المذكورة آنفا، وأمّا ما روي من الحديث أنه ﷺ حرّم كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور، فقد ذكر الرازي أنه ضعيف رغم روايته في الصحيحين، لأنه خبر آحاد مخالف لكتاب الله تعالى

стр. 564

فوجب ألاّ يكون مقبولا، أي إنه ضعّفه من جهة المتن، ولأن ما ورد فيه من لفظ التحريم قد يكون مرويّا بالمعنى لا بلفظ الرسول ﷺ ، وقد يكون اللفظ هو الكراهة، وقد قالوا: إن من علامة وضع الحديث مخالفته للقرآن ولكل ما هو قطعي، وخاصة عندما يتعذر الجمع بين الحديث الظني وبين القرآن، وفي هذه الحالة يمكن الجمع بينهما بحمل النهي في الحديث على الكراهة وليس التحريم (المنار)، ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما﴾ لم يحرّم على اليهود من البقر والغنم سوى الشحوم الخالصة التي تنزع منها بسهولة ﴿إِلاّ ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اِخْتَلَطَ بِعَظْمٍ﴾ الشحوم التي تشوب الظهر والأمعاء والعظم استثنيت من التحريم ﴿ذلِكَ﴾ الجزاء أو التحريم ﴿جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ أي هذا الجزاء بنتيجة بغيهم وظلمهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ كَثِيراً﴾ [النساء: ٤/ ١٦٠]، ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ أي صدق الله وحده فيما كتبه على البشر من المحرّمات، وكذب اليهود في افترائهم التحليل والتحريم من عند أنفسهم. ويبدو أن التحريم المذكور في كتب اليهود فرضه الأحبار من عند أنفسهم، انظر سفر (اللاويين ٧/ ٢٣)، لأنهم كانوا ذوي نفوذ كبير على العوام حتى اتّخذوا لأنفسهم حق التشريع والتحليل والتحريم، ودليل ذلك قوله جلّ ثناؤه ﴿كُلُّ الطَّعامِ كانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائِيلَ إِلاّ ما حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٣/ ٩٣]، ثمّ جاء المسيح ﵇ ليحلّ لليهود بعض ما حرّموه على أنفسهم: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ٣/ ٥٠]، لأن اليهود كانوا يتّبعون أحبارهم فيما يدخلون على الشريعة من أحكام وتشريعات حتى صارت عندهم بمنزلة الوحي، قال تعالى: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ [التوبة: ٩/ ٣١]، فكانوا يأخذون بأقوال الأحبار والرهبان فيما يتعلق

стр. 565

بالتحريم والتحليل ولو كان في أصل الشريعة ما يخالفها، وهو سبب عقوبته تعالى لهم، وهي معنى قوله ﴿جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾ والجزاء من سنن الله في خلقه بأنه من يسلك طريق الضلال يقع في عاقبة عمله، وبما أن الله تعالى سنّ قوانين الطبيعة بأكملها فهو ينسب التحريم وما يترتب عليه من معاناتهم إلى ذاته العليّة، وقد ذكر محمد أسد في (رسالة القرآن) أن تحريم الطيبات على اليهود ليس مقتصرا على الطعام وإنما كناية عن وقوعهم تحت قهر الأمم وتشريدهم في الأرض بعد أن صدّوا عن سبيل الله كثيرا وقتلوا الأنبياء وتآمروا على قتل المسيح، ثم تآمروا على قتل النبي ﷺ . ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١٤٧) ١٤٧ - ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ أي المشركون أو اليهود إن كذّبوك في النبوة، وفي التحليل والتحريم ﴿فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ واسِعَةٍ﴾ فلا يعجل عليكم بالعقوبة، ويمهلكم لحصول التوبة ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ المصرّين على المعصية، فالعذاب واقع بهم لا محالة. ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ (١٤٨) ١٤٨ - ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا﴾ يدّعون الجبرية، وهذه هي الحجة الأخيرة - ذكرها تعالى بصيغة المستقبل - التي يلوذ بها المصرّون على الشرك، والمكابرون في إنكار النبوّة، والذين يحكمون في الدين بغير حجة ولا دليل، ويحرّمون ويحلّون ويبتدعون الشرائع من عند أنفسهم، فإذا تبيّن لهم الحق وأيقنوا أنهم على الباطل لم يذعنوا ولم يقرّوا، بل يزعمون أنهم مجبرون، مسيّرون وفق المشيئة الإلهية، وأنه تعالى لو لم يكن راضيا بما هم عليه من العقيدة لما تركهم على ما هم عليه ﴿وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ﴾ أي لو شاء الله ما

стр. 566

أشركنا ولا أشرك آباؤنا، ولا حرّمنا من الحرث والأنعام ما نحرّم، ولا شرّعنا ما نشرّع، كأنهم غير مخيّرين في استخدام ملكاتهم العقلية، وقد أجابهم تعالى بقوله ﴿كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ أي إن مثل هذا القول كذب، سبقكم إليه أقوام من قبلكم وأصرّوا عليه، حتى استوجبوا لأنفسهم العذاب ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا﴾ أي هل عندكم من علم يقيني فتظهروه لنا؟ بأن الله قد أمركم بتعطيل عقولكم؟ أو للبرهان على ما تدّعونه من الجبرية، وأن ما تقومون به مقدّر ومحتّم عليكم؟ ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ والظن لا يغني عن العلم ﴿وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ أي تكذبون الكذب المبني على الحزر والتخمين. ﴿قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١٤٩) ١٤٩ - ﴿قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ﴾ أي أنّ حجّتكم بالجبرية باطلة، لأن الله تعالى أزال الأعذار والموانع عنكم، وأعطاكم العقول والأفهام، وأمكنكم من حرية الخيار، وأقدركم على الخير والشر، فإن شئتم عملتم صالحا، وإن شئتم عملتم بالمعاصي والمنكرات، وأمّا علم الله القديم بما هو كائن وما سوف يكون، وبالتالي أن لا مفر ممّا هو مقدّر، والذي هو من صفات الألوهية، فليس من الجبرية ولا يناقض الحرية التي منحها تعالى للبشر ﴿فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي لو كان هنالك جبرية لكانت في حملكم على الإيمان والطاعة وليس العكس، ولكن الإجبار على الإيمان، والإكراه على الطاعة يبطلان الحكمة من التكليف ويجرّدان الأخلاق والفضيلة من معناها. ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ (١٥٠) ١٥٠ - ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَ هذا﴾ المطلوب إحضار جماعة من أهل العلم، أو كتب سماوية غير محرّفة، تشهد بصحة ما

стр. 567

يدّعون من التحريم، وفي ذلك عودة واستكمال للآية (١١٨)، ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ لأن الشهداء في هذه الحالة متحاملون متحيّزون، وكتبهم محرّفة طرأ عليها التبديل والتشويه، والخطاب وإن كان للنبي ﷺ فالمراد به عامة المسلمين ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ نهي عن اتباع الكفار، كالذين يسمّون أنفسهم علمانيين، لأن أفكارهم مبنية على: ١) اتباع الهوى وتكذيب الآيات. ٢) إنكار البعث والحساب. ٣) أنهم يعدلون بربّهم قوى غامضة، كادّعائهم أن الكون قد أوجد نفسه بنفسه، أو وجد بطريق الصدفة، وغير ذلك من نظرياتهم «العلمية». ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١٥١) ١٥١ - بعد أن بيّن تعالى فساد ما ابتدعه ويبتدعه المشركون من عند أنفسهم في التحريم والتحليل، وتمسكهم بطقوس شكلية سخيفة كتحريم لحوم بعض الأنعام، وتحريم ركوب بعضها الآخر، وتخصيص ما في بطون بعضها للذكور دون الإناث وغيره، في حين أنهم يتساهلون في أمور جوهرية عظيمة كالشرك بالله، وقتل الأولاد والبنات، أتبع في الآيات التالية بيان الأشياء الجوهرية التي حرّمها الوحي، والتي لا تستقيم حياة الأفراد والمجتمعات إلا بتجنبها ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ عليكم ألاّ تشركوا بالله شيئا، كالأصنام والأوثان والكواكب والجن والأولياء والقبور والشفعاء والبنين والبنات، وبما أنه تعالى غنيّ عن العالمين فإن تحريم الشرك لا يفيد سوى العباد لأنه يحررهم من وهم

стр. 568

الخرافات، ومن العبودية لأشخاص وأشياء لا تضر ولا تنفع، وبذلك يحافظ الإنسان على كرامته. ﴿وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً﴾ حرّم عليكم الإساءة إلى الوالدين، بل أمركم بالإحسان إليهما إحسانا، وقد تكرر في القرآن الأمر بالإحسان للوالدين، بعد الأمر بعبادة الله وحده. ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ أي من فقر، كما كانوا يفعلون في الجاهلية ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ﴾ التحريم غير مقتصر على وأد البنات وقتل الأولاد في الجاهلية، فقد يتعدّاه إلى تحريم الإجهاض، ﴿وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ الفواحش جمع فاحشة، وهي كل ما جاوز الحد مما تستقبحه الفطرة السليمة والعقل الراجح، والمقصود بها المعصية الكبيرة، وكانوا يطلقونها على الزنا واللواط وشدة البخل والربا الفاحش والقذف بالفحشاء والبذاءة المتناهية وغيرها، والآية تنهى عن الفواحش الظاهر منها والباطن، والمعنى لا يكون لديكم مقاييس أخلاقية مزدوجة، إذ لا يخفف من الفاحشة كونها سرّا، بل قد يكون ذلك سببا لانخداع الناس بمرتكبيها، ولا يمنع ذلك أن الجهر بالفواحش في حد ذاته يعد فحشا لأنه يشجع الفساد في المجتمع، ويفسد الأفراد من ذوي الفطرة السليمة. ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾ قتل النفس وإن كان داخلا في جملة الفواحش، فقد أفرده تعالى بالذكر تعظيما له ﴿إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ يجوز قتل النفس لجرم يصدر منها كقتل القاتل عمدا بشرطه، أو القتل دفاعا عن النفس، أو القتل في حرب عادلة دفاعية، والأصل في قتل النفس، مسلم أو غير مسلم، هو الحرمة، وحلّه يحتاج لدليل منفصل. ﴿ذلِكُمْ﴾ إشارة إلى كل المحرّمات المذكورة، ولا يخفى الإعجاز في ترتيبها على هذا النحو ﴿وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ وصّاكم بعدم انتهاك حرمتها، لعلكم تستعملون عقولكم في معرفة فوائد هذه الوصايا وتطبيقها.

стр. 569

﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١٥٢) ١٥٢ - ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ تتمة المحرّمات من الآية السابقة، حرّم تعالى على وليّ اليتيم أن يأخذ من مال مكفوله إلاّ بالتي هي أحسن، كالسعي في تنمية المال لصالح اليتيم، وإن كان الوليّ فقيرا يأكل من المال بالمعروف، وإن كان غنيا يعفّ عنه [النساء: ٤/ ٦]، ﴿حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ أي حافظوا على مال اليتيم حتى يبلغ سن الرشد ثم ادفعوه إليه، انظر [البقرة: ٢/ ٢٢٠] و [النساء: ٤/ ٦]. ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ وهو تحريم الغش والاحتيال، وتشمل جميع المعاملات بين الناس أن تكون بالقسط - العدل -، وليس فقط معاملات البيع والشراء والتجارة ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ وهي قاعدة اليسر ونفي العسر، وحصر التكليف بما في الوسع، ورفع الحرج فيما عدا ذلك، حتى لا يتحمل الناس ما يشق عليهم كالدقة الشديدة في الوزن والحساب. ﴿وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ وهو تحريم شهادة الزور وتحريم النفاق، ووجوب العدل في الشهادة، وفي إبداء الرأي، وفي التحكيم، وعدم محاباة الأقرباء على حساب العدالة. ﴿وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا﴾ وهو تحريم الغدر والنكث بالعقود، ووجوب الوفاء بالعهد الذي قطعه الإنسان مع خالقه [البقرة: ٢/ ٢٧]، والوفاء بالعهد الذي يبرمه الإنسان مع غيره من الناس [الإسراء: ١٧/ ٣٤]، ﴿ذلِكُمْ﴾ وهي المحرّمات المشار إليها في هذه الآية ﴿وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ أمركم بتذكّرها وباجتناب مخالفتها.

стр. 570

﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٥٣) ١٥٣ - ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ أي وقل لهم أيها النبي: إن هذا صراطي، أي صراط الإسلام، أو هو القرآن الكريم، مستقيما أي قويما لا اعوجاج به عن الحق ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ الأخرى، أي الطرق الأخرى، من ديانات شوّهها أو ابتكرها أصحابها، ومن عقائد وضعية ابتكرها البشر ﴿فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ لأن كل هذه السبل تفرّقكم عن سبيل الإسلام فرقا متشعبة ﴿ذلِكُمْ﴾ التمسك بالإسلام وترك السبل الأخرى ﴿وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لعلكم بالتمسك بطريق الإسلام تتقون تفكك المجتمعات وتدهورها، أي تتقون الضرر العام الذي يلحق بالأمة، والضرر الخاص الذي يلحق بالفرد. ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ (١٥٤) ١٥٤ - استمرار الخطاب من الآية (١٤٦)﴾، فبعد أن ذكر تعالى المحرمات على بني إسرائيل بنتيجة بغيهم، أتبعها بنزول التوراة على موسى إتماما لنعمته عليهم وتفصيلا لشريعتهم، وقالوا أيضا ﴿ثُمَّ﴾ حرف عطف بمعنى الواو، ونظيره كثير في التنزيل، انظر إعراب القرآن للزجاج الباب الثالث، والآية أيضا استمرار الخطاب من الآية السابقة، والمعنى هذا صراط القرآن ومن قبله كتاب موسى، وقد يكون التقدير أيضا: ثم قل أيها النبي للمشركين أنّا ﴿آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ أي آتينا موسى التوراة لإتمام نعمتنا تماما على من أحسن باتباع موسى والاهتداء به ﴿وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ من أمور الشريعة والمعاملات والعبادات في وقته ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةً﴾ هدى لهم من التخبط في الضلال، ورحمة لهم في دنياهم وآخرتهم ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾ أي لعلّ اليهود بعد نزول التوراة يؤمنون بالآخرة، فيشعرون بالمسؤولية ويستعدّون للحساب.

стр. 571

﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاِتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١٥٥) ١٥٥ - ﴿وَهذا كِتابٌ﴾ وهو القرآن الكريم ﴿أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ كثير الخيرات والمنافع، لا يدخل عليه التحريف والتغيير ولا النسخ ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ اتّبعوا ما هداكم إليه ﴿وَاِتَّقُوا﴾ إتّباع غيره ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ لعلكم - باتباعه - ترحمون، بالعيش الرغد في الحياة الدنيا، وبثواب الآخرة، وفي هذه الآية تأكيد واستكمال للآيات (١٩) و (٩٢) و (١١٥). ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ (١٥٦) ١٥٦ - ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا﴾ أي كراهة أن تقولوا، أو لئلاّ تقولوا، أن الوحي نزل من قبلنا على اليهود والنصارى ولم ينزل علينا، والمعنى أنه تعالى لم يترك للناس عذرا بادعاء الجهل بعد بعث النبي محمد ﷺ وبعد إنزال القرآن للعالمين كافة ﴿وَإِنْ كُنّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ﴾ لأنّ موسى وعيسى ﵉ بعثا إلى بني إسرائيل خاصة، فكنّا غافلين عن دراسة رسالتهما. ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ (١٥٧) ١٥٧ - ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنّا أَهْدى مِنْهُمْ﴾ مع أن الخطاب موجّه لمشركي الجزيرة العربية وقت البعثة النبوية، لكنه غير مقتصر عليهم وينطبق على المشركين والكفار، في كل الأوقات، ممّن يرفض الإيمان بالوحي ما لم يكن قد تنزّل عليهم خاصّة ﴿فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ إن كنتم صادقين في دعواكم أنكم طلاّب حقيقة، فقد جاءكم القرآن الكريم يبيّن لكم الحق من الباطل ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللهِ﴾ بعدما

стр. 572

جاءته البيّنة وعرف صحتها وصدقها، أو كانت عنده الإمكانية لمعرفة صحتها وصدقها ﴿وَصَدَفَ عَنْها﴾ أعرض عنها بلا تفكّر، أو أعرض عنها وصرف الناس عنها ﴿سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ﴾ العذاب سيكون نتيجة طبيعية لإعراضهم عن الآيات، وعدم تفكّرهم بها، وصرفهم الناس عنها. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قُلِ اِنْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (١٥٨) ١٥٨ - وهنا تعود السورة لموضوع الآية (١٢٤)﴾: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ﴾ أي ماذا ينتظر هؤلاء المعرضون بعد بعثة النبي ﷺ وبعد نزول القرآن رحمة للعالمين إذا لم يؤمنوا، فليس بعد ذلك إلا أحد ثلاث: ﴿إِلاّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ﴾ ملائكة العذاب ساعة الموت ﴿أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ يوم القيامة، بمعنى يأتي أمر ربّك بالعذاب - بحذف المضاف - ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ أي من آياته القاهرة، أو من علامات الساعة ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً﴾ لأنه بعد ظهور علامات الساعة، وكشف الحجب عن الغيب، يكون فات أوان التكليف والاختبار، ولأن الآيات إذا شوهدت يحصل العلم الاضطراري، وينتفي الإيمان بالغيب، وهو المكلف به الإنسان، فيكون الإيمان وقتها كالإيمان عند الغرغرة، فحينئذ لا ينفع الإيمان نفسا ما آمنت قبل ذلك، وما كسبت في إيمانها خيرا قبل ذلك. وقد أوجب تعالى العمل الصالح مقرونا بالإيمان في الكثير من الآيات، وقد رأى الزمخشري أنه تعالى لم يفرّق بين النفس الكافرة إذا آمنت بعد الفوات، وبين النفس التي آمنت قبل الفوات ولم تكسب خيرا، ليعلم أنّ قوله - الذين آمنوا وعملوا الصالحات - هو جمع بين قرينتين لا ينبغي أن تنفكّ إحداهما عن

стр. 573

الأخرى، وفي الحديث: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها كلمة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». ﴿قُلِ اِنْتَظِرُوا﴾ أوهامكم بلا طائل ﴿إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ تحقق وعد ربّنا لنا ولكم، وهذه الآية نظير قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها فَأَنّى لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ ذِكْراهُمْ﴾ [محمد: ٤٧/ ١٨]. ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (١٥٩) ١٥٩ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً﴾ الذين فرّقوا - أو فارقوا - دينهم فجعلوه فرقا وطوائفا، فلم يكسبوا في إيمانهم خيرا - لأن الخطاب استمرار لما قبله -، كل فرقة تتشيّع لمذهبها، وتبتدع من عندها وعلى هواها ما ليس في الدين، وهذا المعنى ينصرف بشكل رئيسي إلى اليهود والمسيحية لأنهم ابتدعوا لأنفسهم ديانات جديدة منحرفة، ليس لها من بعثة موسى وعيسى ﵉ إلا الإسم، ثم افترقوا مئات الطوائف، انظر تفسير [آل عمران: ٣/ ٣] و [المائدة: ٥/ ١٣ - ١٤، ٤٧]. ومن ناحية أخرى فإنّ هذه الآية متمّمة لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ٦/ ١٥٣]، فهي بالتالي تحذّر المسلمين من البدع والأهواء، ومن التشرذم إلى طوائف متعصبة كل طائفة منها تظنّ وتدّعي أن الدين الصحيح حكر عليها فقط، وتعادي من ليسوا على رأيها. ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أنت منهم ومن بدعهم ومن ادّعاءاتهم ومن ضيق أفقهم ومن تفرّقهم، أيها النبي، بريء ﴿إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ﴾ يتولّى أمر جزائهم بمقتضى سننه في المجتمع البشري من ضعف المتفرقين وإخفاقهم وتسلط الأقوياء عليهم، فيلبسهم شيعا يذيق بعضهم بأس بعض، قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ [محمد ٤٧/ ٢٢].

стр. 574

﴿ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ﴾ يوم القيامة ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ فيبين لهم الصحيح من الخطأ، ويحاسب عليه كما في الآية التالية: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (١٦٠) ١٦٠ - ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاّ مِثْلَها﴾ تتمة الخطاب من الآية السابقة بأن من يتجنّب الفرقة والبدع والتشيّع والتعصب لطائفة بذاتها ويحافظ على استقلال الفكر وينهل فقط من القرآن والسنة الصحيحة فيكون محسنا ويثاب أضعاف إحسانه، ومن كان ضيق الأفق مبتدعا متعصبا لرأيه معجبا به، تبعا لطائفة معينة يتشيّع لها، ويعتقد أن الحقيقة حكرا عليها، أو طلبا لمطمع دنيوي، فيكون مسيئا ويجزى بسيئته، ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ لأن الله تعالى كتب على نفسه الرحمة، الآية (١٢). ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٦١) ١٦١ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو الإسلام، والآية تتمة المعنى من الآية (١٥٩) والآية (١٥٣) وهو قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١٥٣)، كما فيها عودة لقصة إبراهيم الآية (٧٤)﴾. ﴿دِيناً قِيَماً﴾ فهو منظومة من القيم السامية، قال تعالى: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البيّنة: ٩٨/ ٥]، لا تعقيد فيه ولا عسر ولا شرك، وهو دين العقل والعلم والبرهان. ﴿مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً﴾ حنيفا أي مائلا عن الأديان الباطلة، بعيدا عن البدع والخرافات والشرك، والإشارة إلى ملّة إبراهيم دون غيره من الرسل لأن اليهود

стр. 575

والنصارى ومشركي العرب جميعا كانوا يقرّون بنبوته ويدّعون أنهم أتباعه ﴿وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لأنهم كانوا يدّعون أنهم على ملّته ﵇، وهو لم يكن مشركا. ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٦٢) ١٦٢ - ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وهو بيان إجمالي لتوحيد الألوهية بالعمل، بعد بيان أصل التوحيد المجرّد بالإيمان في الآية السابقة، وأصل النسك العبادة، وقد يخصص ليكون بمعنى ذبيحة الحج أو العمرة أو ذبيحة الفدية كقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ٢/ ١٩٦]، والجمع بين الصلاة والنسك مذكور بقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَاِنْحَرْ﴾ [الكوثر: ٧٤/ ٢]، وقد يكون النسك بمعنى الحج لاشتماله على الهدي. وكون المحيا والممات لله بمعنى أنّ الأعمال الصالحة التي يقوم بها في حياته ويموت عليها وعلى الإيمان، كلّها خالصة لله تعالى، وليست لأغراض دنيوية محضة. ﴿لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١٦٣) ١٦٣ - ﴿لا شَرِيكَ لَهُ﴾ في ربوبيته، ولا في عبادتي، ولا في نسكي له ﴿وَبِذلِكَ أُمِرْتُ﴾ أي بإخلاص العقيدة والعبادة والعمل لوجهه فقط - الآية السابقة - ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ أي إنه ﷺ أكمل المؤمنين إسلاما، في الإيمان والصلاة والنسك والمحيا والممات. ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤)﴾.

стр. 576

١٦٤ - ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فكيف تفوتكم هذه البديهية؟ لأن الله هو ربّ كل شيء، فكيف أتخذ ربّا غيره؟ ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاّ عَلَيْها﴾ الشرك والباطل الذي تؤمنون به يعود بالضرر على صاحبه وحده، ولا يضيرني شيئا ﴿وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ الوزر هو الحمل الثقيل، وهو أيضا الإثم لأنه يثقل صاحبه، والمعنى أنه لا تحمل حاملة حمل أخرى، أو لا تأثم آثمة بإثم أخرى، وهو مبدأ المسؤولية الفردية في الإسلام بأن لا يحمل أحد ذنب غيره، لأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن أوثانهم ترفع عنهم الضرر وتحمل عنهم أوزارهم فلا يعاقبهم الله تعالى عليها، أو أن بعضهم يستطيع أن يحمل إثم بعض، ومن جهة ثانية فقد اخترعت المسيحية فكرة «الخطيئة الأصلية» وابتدعوا أن المسيح افتدى واحتمل خطاياهم سلفا نيابة عنهم ﴿ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ فيحاسبكم كلاّ بعمله، وليس بعمل غيره ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ كتهافت إدعاء حمل الخطيئة نيابة عن الآخرين. ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٦٥) ١٦٥ - ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾ تخلفون بعضكم بعضا في الأرض على مرّ العصور، فلا تدوم أمة على حالها ولا مجتمع ولا فرد، فتكون الأيام بينكم دولا، وترتفع أمم وتهبط أمم، وتندثر أمم ومجتمعات، كل ذلك بحسب السنن التي وضعها تعالى في خلقه ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ﴾ بالرزق والعلم والعقل والجاه وغيرها ﴿لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ الابتلاء هو الاختبار، فتكون مسؤولية كلّ مكلّف بحسب ما آتاه الله من درجات العلم أو الغنى أو المقدرة أو السلطة ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ﴾ لمن كفر النعمة، فيلاقي

стр. 577

كلّ إنسان نتيجة عمله، ووصف العقاب بالسرعة لأن الموت أقرب بعيد، وكل آت قريب ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر الذنوب، ويمهل العباد، ويستر الذنوب. ***

стр. 578

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ * الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ * فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر ٩٠/ ١٥ - ٩٣]

стр. 579

مقدّمة الربع الثاني القرآن الكريم منظومة متسلسلة من أوله حتى آخره، وهذا التسلسل ينطبق على الآيات القرآنية في كل سورة على حدة، كما ينطبق على ترتيب السور جميعا من سورة الفاتحة حتى سورة الناس، وقد بدأ المؤلف في كتابه بيان النظم في القرآن الكريم بالربع الرابع منه، أي من سورة غافر (٤٠)، وحتى سورة الناس (١١٤)، ونشره في كتابه (بيان النظم في القرآن الكريم)، ثم صدر بيان النظم في الربع الأول منه، أي من سورة الفاتحة (١)، حتى سورة الأنعام (٦)، وفي هذا الكتاب بيان النظم في الربع الثاني منه، أي سورة الأعراف (٧)، حتى سورة الكهف (١٨)، وسوف يتبعه صدور الربع الثالث منه، إن شاء الله تعالى. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين جماد أول ١٤٢٥ - تموز/يوليو ٢٠٠٤ محمد فاروق الزين البريد الإلكتروني faruk@zein.org

стр. 580

مراجع الكتاب: ١ - رسالة القرآن - محمد أسد The Message of the Quran،Muhammad Asad ٢ - تفسير المنار - الشيخ محمد رشيد رضا. ٣ - التفسير الكبير - الرازي. ٤ - الكشاف - الزمخشري. ٥ - روح المعاني - الألوسي. ٦ - تفهيم القرآن - سيد أبو الأعلى المودودي. ٧ - جامع أحكام القرآن - القرطبي. ٨ - معاني القرآن الكريم - عبد الله يوسف علي. ٩ - أنوار التنزيل - البيضاوي. ***

стр. 581

مقدّمة الربع الرابع [¬*] ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصّلت ٤٤/ ٤١] تتسم معظم تفاسير القرآن الكريم بأنها تفسر القرآن آية آية بالتجزئة، كما لو كانت كل آية من الآيات مستقلة بذاتها عما قبلها وعما يليها، دون كثير اهتمام بترابط الآيات بعضها مع بعض، ودون التركيز على النظم القرآني المحكم، لدرجة أن البعض، في تجاهل واضح للنظم، قد يعتقد أن ليس هنالك من علاقة بين ترتيب الآيات وبين معانيها، ولا شك أن هذا الأمر وقف عائقا بين بعض المستشرقين وبين فهم القرآن حتى أنهم توصّلوا إلى استنتاجات خاطئة من قبيل أن القرآن كتاب غير مفهوم أو غير منتظم أو غير محكم، وأدّى هذا الأمر ببعضهم إلى محاولة إعادة ترتيب القرآن بحسب ترتيب النزول الزمني في مسعى منهم لمحاولة فهمه، وهذه الصعوبة ليست مقتصرة على المستشرقين وحدهم بل تعم الكثير من المسلمين أنفسهم، ناهيك عن حديثي العهد بالإسلام منهم. والمعروف أن للإعجاز القرآني الكثير من الوجوه اثنان منها على الأقل له علاقة بالنظم، الوجه الأول أن القرآن الكريم نزل على النبي ﷺ على مدى ثلاث وعشرين سنة من البعثة النبوية بحسب الظروف المرحلية للبعثة وطبقا لمتطلباتها في كل مرحلة من مراحلها، وكان الوحي يبيّن للنبيّ ﷺ عند نزول كل آية موضعها الصحيح من السورة الخاصة بها، كما كان يبيّن له ترتيب

стр. 582

السور على النحو الذي نعرفه اليوم مما لا يطابق الترتيب الزمني للنزول، وبالتأكيد فإنّ ذلك لم يكن اعتباطا، لأن القرآن لم ينزل فقط كي يوافق المتطلبات المرحلية للبعثة النبوية وحدها، وإنما نزل كي يلائم كل العصور والأمم وليس لوقت أو أمة بعينها، ومن هنا نفهم قوله تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً﴾ [الإسراء ١٠٦/ ١٧]، وما يدل أن ترتيب الآيات والسور في المصحف ذو مغزى لا يمكن التغاضي عنه في تفسير القرآن الكريم، وقد أقر غالبية الفقهاء بإعجاز القرآن من هذه الزاوية لكنهم لم يتجاوزوا هذا الإقرار إلى الاستفادة منه في التفسير، بل إن غالبية المفسرين لم يركزوا على هذه النقطة. فالوجه الثاني من هذا الإعجاز المذهل أن النبي الذي لم يكن يمتلك أي وسيلة من وسائل التحرير والتعديل والتنقيح، ولا أدنى وسيلة من وسائل التقانة المتاحة اليوم في هذا المضمار، وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما من بعثته، ما يجعل من المستحيل أن يستطيع من تلقاء نفسه ترتيب القرآن على النحو المحكم الذي نعرفه، والمغاير لترتيب النزول الزمني، وبحيث يكون القرآن مناسبا لكل العصور، ممّا يدل على أن ترتيب المصحف الذي نعرفه توقيفي من الله تعالى، فهنالك إذن نقطتان لا يمكن التغاضي عنهما: الأولى أن تعريف السورة بهذه الكلمة: (سورة) يعني أنها بمثابة سور يحيط بموضوع معين أو مواضيع مترابطة، وبمعنى أن كل سورة ذات محور يدور حوله موضوعها أو مواضيعها، ولولا ذلك لما كان هنالك مبرر لتقسيم القرآن إلى سور، ولكان كله سورة واحدة من أوله إلى آخره، ولا بد لكل قارئ للقرآن أن يلاحظ أن لكل سورة قرآنية شخصيتها المختلفة عن الأخرى، وهذا الأمر يبدو شديد الوضوح عندما ينتهي المرء من قراءة إحدى السور وينتقل إلى الأخرى، ومن هنا يبدو أحد جوانب التحدي القرآني للكفار أن يأتوا بسورة من مثله، والنقطة الثانية أن ترتيب

стр. 583

السور التوقيفي يقتضي أن لهذا الترتيب مغزى لطيفا لا علاقة له بطول السورة أو قصرها، وهو ما اجتهد الكاتب في بيان ارتباط السور المتتالية بعضها ببعض. وإذا قرأ أحدهم القرآن دون محاولة التركيز على النظم فقد تبدو له الآيات مفككة المعاني، غير أن وضع كل آية في نصابها الصحيح من السورة ودراسة تعلقها بما قبلها وما بعدها يلقي المزيد من الضوء على معناها بما لا يقبل الخطأ. وليس من شك أن بعض المفسرين فطن لهذا الموضوع، ولكن تصديهم له كان جزئيا كما هي الحال في التفسير الكبير للرازي (المتوفّى ٦٠٤ هـ ١٢٠٨ / م) الذي حاول أن يجد العلاقة أحيانا بين بعض الآيات وبعضها الآخر أو العلاقة بين نهاية بعض السور وبداية السورة التي تليها، كما بذل الألوسي (المتوفّى ١٢٧٠ هـ ١٨٥٤ / م) في تفسيره (روح المعاني) ذات المحاولة الجزئية، غير أنهما معا لم يستفيدا من إحكام النظم في تفسيرهما للسور القرآنية كل على حدة، ولا للقرآن بمجمله، وقد وردت هذه المحاولة الجزئية أيضا في تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضا، وقد لفت الإمام الزركشي (المتوفّى ٧٩٤ هـ ١٣٩٢ / م) في كتابه (البرهان في علوم القرآن) النظر لهذا الموضوع، إذ عرّف النظم بعبارة: «معرفة المناسبات بين الآيات» فكتب: ? «وهذا النوع - من معرفة المناسبات بين الآيات - يهمله بعض المفسّرين أو كثير منهم، وفوائده كثيرة»، وكتب أيضا: «قال بعض مشايخنا: قد وهم من قال لا يطلب للآي الكريمة مناسبة، لأنها على حسب الوقائع تنزيلا، وعلى حسب الحكمة ترتيبا، فالمصحف مرتّبة سوره كلها وآياته بالتوقيف، والذي ينبغي في كل آية أن يبحث أوّل شيء عن كونها مكمّلة لما قبلها أو مستقلّة، ثم المستقلّة ما وجه مناسبتها لما قبلها؟ ففي ذلك علم جمّ، وهكذا في السور يطلب وجه اتصالها بما قبلها وما سيقت له»، ونقل عن الشيخ أبي الحسن الشهرباني قوله: «أوّل من أظهر ببغداد علم المناسبة ولم نكن سمعناه

стр. 584

من غيره هو الشيخ الإمام أبو بكر النيسابوري (المتوفّى ٣٢٤ هـ ٩٣٦ / م) وكان غزير العلم في الشريعة والأدب، وكان يقول إذا قريء عليه: لم جعلت هذه الآية إلى جنب هذه؟ وما الحكمة في جعل هذه السورة إلى جنب هذه السورة؟ وكان يزري على علماء بغداد لعدم علمهم بالمناسبة» انتهى. وقد بذل محاولة متكاملة في هذا الصدد الإمام برهان الدين إبراهيم ابن عمر البقاعي (المتوفّى ٨٨٥ هـ ١٤٨٠ / م) في تفسيره الذي سمّاه: (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) وذكر في مقدمته: «هذا كتاب عجاب، رفيع الجناب، في فنّ ما رأيت من سبقني إليه» فلم يخل من التصنّع والتكلّف. ومن جهة أخرى لا بد أن يلاحظ المرء أن القرآن الكريم قد لا يستنفد موضوعا من المواضيع في مكان واحد أو في سورة واحدة، بل يعود إليه في أكثر من سورة بما قد يعطي الانطباع أن هنالك تكرارا في المواضيع، غير أن التمعن في ذلك يبين أن الموضوع يتم بحثه في كل مرة من زاوية مختلفة عن الأخرى أو متممة لها وبما قد يتناسب مع محور السورة موضوع البحث، وهو ما يشير إليه القرآن الكريم بتصريف الآيات كما في قوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ﴾ [الأنعام ٤٦/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿اُنْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام ٦٥/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام ١٠٥/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَما يَزِيدُهُمْ إِلاّ نُفُوراً﴾ [الإسراء ٤١/ ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ [الإسراء ٨٩/ ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾ [الكهف ٥٤/ ١٨]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النّاسِ إِلاّ كُفُوراً﴾ [الفرقان ٥٠/ ٢٥].

стр. 585

وهنالك أيضا آيات الأحكام التي لا يسردها القرآن في موقع واحد أو سورة واحدة، بل نرى هذه الآيات متداخلة مع النص القرآني في مواضع مختلفة، فالنصوص القرآنية ليست مجرد أحكام، والقرآن كتاب دعوة للإسلام، وهو أيضا كتاب دين ودنيا مما يفسر هذا التداخل، فحياة الإنسان وحدة متكاملة لا يمكن فصل النواحي الروحية فيها عن النواحي الحياتية المعيشية. وتبدو مبالغة بعض المفسرين في الاعتماد على (أسباب النزول) سببا مهما، من جملة أسباب أخرى، في تفكيك النص القرآني أو توهم تفككه، والانصراف عن نظمه المحكم وبالتالي عن معانيه، فغالبا ما تعطي أسباب النزول الانطباع بتفكك النص مع أن واقع السور يشهد بعكس ذلك. معظم أسباب النزول جمعت في مؤلّفين، الأول كتبه أبو الحسن الواحدي النيسابوري (المتوفى ٤٦٧ هـ ١٠٧٥ / م)، والثاني كتبه جلال الدين السيوطي (المتوفى ٩١٠ هـ ١٥٠٥ / م) - وهي مدوّنة كملاحظات بأسفل صفحات تفسير الجلالين -، علما أن بعض هذه الأسباب - القصص - مذكور في كتب السيرة والمغازي، كما هي مذكورة أيضا في كتب التفاسير المأثورة، ويعطي الواحدي النيسابوري أسبابا للنزول لبعض الآيات الواردة في ٨٣ سورة من مجموع سور القرآن الكريم، في حين أن السيوطي يعطي أسبابا للنزول لبعض الآيات في كافة سور القرآن الكريم - عدا الفاتحة -، فالأسباب في مجموعها لا تغطي سوى قسم قليل من القرآن، وقد أحصيت الآيات التي لها أسباب نزول عند الواحدي النيسابوري فوجد عددها/ ٥٩٩ /آية من مجموع آي القرآن الكريم البالغ عددها/ ٦٢٣٦ /آية أي بنسبة مئوية من المجموع أقل من عشرة بالمئة، ومع ذلك يعتبرها البعض ضرورة لا بد منها لتفسير القرآن!. واليوم يرى بعض العلماء أن أسباب النزول ضعيفة الإسناد في معظمها، وحتى ما كان منها ذا إسناد جيد - وهو أقل القليل - فإن البعض منها قد يناقض

стр. 586

بعضها الآخر، وفي الأغلب يجب النظر إلى الأسباب كتطبيقات لما نزل من القرآن الكريم، وليس كأسباب نزول، وفي ذلك كتب الإمام الزركشي في (البرهان، الجزء الأول ص ١٢٦): «وقد عرف من عادة الصحابة والتابعين أن أحدهم إذا قال: "نزلت هذه الآية في كذا فإنه يريد بذلك أن هذه الآية تتضمن هذا الحكم، لا أن هذا كان السبب في نزولها». والنتيجة أنّ أسباب النزول يمكن أن تؤخذ في الاعتبار فقط عندما تشير الآية أو الآيات إلى أحداث تاريخية معينة، انظر الملحق (أ) - في نهاية الربع الرابع - الذي يبين المناسبات التاريخية لنزول بعض النصوص القرآنية، وفيما عدا ذلك يلزم التمحيص بها والتعامل معها بحذر شديد. كما يبين الملحق (ب) - في نهاية الربع الرابع - أسماء الأعلام من مؤرخي السيرة والفقهاء وكتّاب الحديث والتفاسير وأسباب النزول، وأسماء الخلفاء المعاصرين لهم، لإعطاء فكرة عن بعد الفترة الزمنية - أو قربها - لهؤلاء الأعلام من البعثة النبوية الشريفة بما يتناسب مع العمل الذي كانوا بصدده. وقد كتب أبو حامد الغزالي في مؤلّفه «إحياء علوم الدين» أن حجب فهم القرآن أربعة، أي التي تحجب فهم القرآن الكريم عن قارئه، أولا: حين ينصرف همّ القارئ إلى تحقيق الحروف ومخارجها، وهذا يتولّى حفظه شيطان يصرفه عن معاني كلام الله، فلا يزال يحمله على ترديد الحروف يخيل إليه أن لم تخرج من مخارجها، فيكون تأمّله مقتصرا على مخارج الحروف، فأنّى تنكشف له المعاني؟. ثانيا: حين يكون القارئ مقلّدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عقله عليه وتعصّب له. ثالثا: حين يكون مصرّا على ذنب، أو متّصفا بكبر، أو مبتلى بهوى في الدنيا.

стр. 587

رابعا: أن يكون قد قرأ تفسيرا ظاهرا واعتقد أن لا معنى لكلمات القرآن إلاّ ما تناوله النقل عن ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وأنّ ما وراء ذلك تفسير بالرأي، وأنّ من فسّر القرآن برأيه فقد تبوّأ مقعده من النار، فهذا أيضا من الحجب العظيمة. ومن كل ذلك تنطلق محاولة هذا الكتاب لبيان النظم القرآني وبالتالي المعاني القرآنية، وقد بدأ الكاتب بالربع الأخير من القرآن الكريم، ويتضح الغرض من الكتاب في ثلاث مواضيع: ١ - بيان ارتباط السور القرآنية بعضها مع بعض. ٢ - بيان موضوع كل سورة أو ما اصطلح على تسميته محور السورة الذي تدور حوله. ٣ - بيان النظم في الآيات لكل سورة على حدة. وفي العصر الحديث، وفي الباكستان تحديدا، قام أحد علمائها وهو مولانا أمين احسان إصلاحي (١٩٠٤ - ١٩٩٧) بمجهود كبير بهذا الصدد في مؤلفه الضخم المكون من ستة آلاف صفحة والذي سمّاه (تدبّر القرآن)، غير أنّه كتبه بلغة الأوردو، ولم يترجم حتى الآن إلى أية لغة أخرى فلم يصل إلينا. وقد لفت نظري الأخ الكريم المهندس نزار الكردي، الذي تضاهي معارفه الفقهية علومه الهندسية، أنّ كون ترتيب السور والآيات القرآنية توقيفي من الله تعالى، أي الترتيب إلزامي غير معلّل، مما يعفي المرء من البحث عن علّة مصطنعة عندما تنتقل السورة من موضوع لآخر قد لا يبدو هنالك رابط بينهما، وهو ما اصطنعه الشيخ برهان الدين البقاعي في كتابه "نظم الدرر" في كثير من الحالات، وكما هي الحال مثلا عندما يتم الخلط بين واو العطف وواو الاستئناف بين بعض الآيات كما في قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً﴾ [الكهف ٩٩/ ١٨]، فالواو في قوله:

стр. 588

(وتركنا) واو الاستئناف وليست واو العطف إذ هي ابتداء لموضوع جديد بعد انتهاء قصة ذي القرنين. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. شوال ١٤٢٣ هـ - كانون الأول (ديسمبر) ٢٠٠٢ م محمد فاروق الزين البريد الإلكتروني faruk@zein.org ***

стр. 589

سورة الأعراف - ٧ - مكية يعود اسم هذه السورة لعبارة - الأعراف - التي وردت في الآيتين (٤٦) و (٤٨)، وهنالك شبه إجماع أن السورة مكية بكاملها، وقد نزلت الأعراف قبل سورة الأنعام مباشرة، أي في السنة الأخيرة من إقامة النبي ﷺ في مكة، قبل هجرته إلى المدينة، وأما سبب تأخير نزول الأنعام فهو مبني على ما هو معلوم من التدريج في تلقين الدين ومراعاة استعداد المخاطبين فيه، وفي الأعراف قصص النبيين الذين بعثوا إلى الأمم البائدة، وقصة موسى مع قومه، وإظهار العبر منها بما يدور حول محور السورة، والفرق ظاهر بين ما يراعى من الترتيب في دعوة المشركين وقت البعثة، وما يراعى في تلاوة المؤمنين للقرآن بعد ذلك. ارتباط السورة بما قبلها في أواخر سورة الأنعام المتقدمة قرأنا قوله تعالى: ﴿وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاِتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام ١٥٥/ ٦]، وتفتتح سورة الأعراف أن القرآن ذكرى للمؤمنين، وإنذار للكفار: ﴿المص * كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف ١/ ٧ - ٢]، وفيه تفصيل كل ما يحتاج إليه الإنسان من أمور الدين والعقائد، ومشتمل على العلم اليقيني لعالم الشهادة والغيب: ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف ٥٢/ ٧]، وقد ختمت سورة الأنعام أن الله تعالى رفع بعض الناس فوق بعضهم درجات ليختبرهم فيما آتاهم من العلم أو الغنى أو المقدرة أو السلطة: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ [الأنعام ١٦٥/ ٦]، وتبدأ سورة

стр. 590

الأعراف بأنهم مسؤولون عن ذلك: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف ٦/ ٧]، وفي سورة الأنعام قرأنا نفي الجبرية وذم التقليد بقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَخْرُصُونَ﴾ [الأنعام ١٤٨/ ٦]، وفي هذه السورة أنهم يعتذرون عن ارتكاب الفواحش بالتقليد: ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٢٨/ ٧]، وفي سورة الأنعام بيان ما يحرم أكله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ فَمَنِ اُضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ١٤٥/ ٦]، وفي هذه السورة تحريم الفواحش عموما: ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٣/ ٧]، محور سورة الأعراف تركيز السورة على موضوع الدعوة إلى الإسلام وطريقتها وأسلوبها ومسؤوليتها، وخاصة لمن هم على معرفة - أصحاب الأعراف -، وأن حرية الفكر والقدوة الحسنة تمهد الطريق لها، وأن الإيمان مغروس في بني آدم بالفطرة، سوى أن الاستكبار والإعجاب بالنفس يفسد الفطرة، ويؤدي إلى التكذيب، انظر الآيات (٢٠٦، ١٤٦، ٨٨، ٧٦، ٧٥، ٤٨، ٤٠، ٣٦، ١٣) في ذمّ الاستكبار.

стр. 591

وأنه بعد نزول القرآن الكريم صار المسلمون في موقع المسؤولية للعمل بالقرآن: ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٦)، كما صار العلماء والدعاة في موقع المسؤولية ليس فقط للعمل بالقرآن، بل أيضا لإنذار المشركين وتذكير المؤمنين (الآية ١ - ٢)، وأنّ أصل معصية بني آدم تكمن في الاستكبار والاعتداد بالنفس كما هي حال إبليس: ﴿قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ في حين الاستكبار يؤدي بصاحبه إلى نقيضه من الذلّ والصّغار: ﴿فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ (١٣)، وأن وساوس إبليس من هذا القبيل تعمل في بني آدم بكل وسيلة: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ (١٧)، فإذا اجتمع التكذيب بالآيات مع الاستكبار كانت النتيجة حبوط العمل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ (٤٠)، وأن هنالك من الناس من هم على مستوى عال من المعرفة - على الأعراف -، يستطيعون التمييز جيدا بين الحق والباطل، والخطأ والصواب، والإيمان والكفر، ولكنهم غير ملتزمين ولا مكترثين للعمل الصالح فلم يتحمّلوا مسؤولياتهم، غير أنهم في الوقت نفسه لم يصدّوا عن سبيل الله: ﴿وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ (٤٦)، وأن دأب المؤمنين الحرص على حرية الرأي بما يهيئ المناخ الفكري لانتشار الدعوة بالقناعة وبالقدوة الحسنة: ﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ (٨٧)، على النقيض من الكفار الذين يخشون الحرية الفكرية خوفا من انتشار الدعوة: ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ (٨٨)،

стр. 592

وأن حمل الرسالة السماوية مسؤولية تتطلب من التضحيات (٦)، لكن بني إسرائيل ظنّوا الرسالة استعلاء وتمييزا لهم على غيرهم من الأمم فاستكبروا حتى لاقى موسى منهم أشد العنت: ﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١٢٩)، فمن شأن الاستكبار أن يصرف أصحابه عن بلوغ الحقيقة وسلوك الرشد: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ (١٤٦)، ولكن الله تعالى يمهل الناس لأنّ رحمته وسعت كل شيء وهي تنال خاصة من اتّبع رسالة خاتم الأنبياء والرسل: ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٥٦ - ١٥٧)، وأن الإيمان مغروس في بني آدم بالفطرة، فمن تفسد فطرته بالركون إلى الدنيا يغفل وينحرف: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١٧٢ - ١٧٤)، وأن الوحي الذي نزل على الأنبياء ليس سوى تذكرة بهذا الميثاق الفطري، ولذا سمّي الوحي ذكرا، انظر الآيات (٦٣) و (٦٩)،

стр. 593

ثم تبين السورة خلاصة جامعة لمكارم الأخلاق في طريقة الدعوة، وفي حسن التعامل مع الناس وفي التيسير وترك التشدد ونفي الحرج والرفق واللطف والتسامح وترك الغلظة: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ (١٩٩)، ومن آداب الدعوة، الاستماع لما في القرآن من الحجج البيّنات، استماع تفهّم وتفكّر واستيعاب، وفي ذلك عودة إلى الآية (٣) من السورة: ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤)، ثم تعود للتذكير أن الاستكبار والإيمان لا يجتمعان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (٢٠٦)، ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿المص﴾ (١) ١ - الله أعلم بمراده، راجع شرح آية [البقرة ١/ ٢]. ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) ٢ - ﴿كِتابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾ الكتاب هو القرآن، والحرج هو ضيق الصدر، وأصله من الحرج ذي الشجر الكثيف الذي يضيق المرور فيه، والمعنى لا يضيق صدرك - أيها النبي، أو أيها الداعية - عن إنذار الكافرين بالقرآن، وتذكير المؤمنين، والذين لديهم قابلية للإيمان، وقالوا أيضا إن الحرج هو الشك، لأن الشاكّ يكون ضيّق الصدر، والخطاب وإن كان للنبي ﷺ فهو أيضا عام لجميع المؤمنين في كل العصور، والواضح أنّ الحرج أو الشك ليس في كون القرآن منزلا منه تعالى، فذلك ليس موضع حرج ولا شك من النبي ﷺ ولا من المؤمنين، فالضمير في ﴿مِنْهُ﴾ غير عائد للكتاب، وإنما الحرج المنهي عنه هو في الإنذار والتذكير، لأنّ الهدف الذي تنص عليه الآية ذو شقّين.

стр. 594

أولا: بلاغ وإنذار الكفار الذين يرفضون الوحي القرآني، لقوله ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ أي بالكتاب المنزل. وثانيا: تذكير المؤمنين كي يهتدوا بهداه، لقوله ﴿وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ليكون القرآن ذكرى للمؤمنين، وهكذا يعود الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ إلى الإنذار والتذكير، فيكون تقدير الخطاب: كتاب أنزل إليك لتنذر به، وليكون ذكرى للمؤمنين، فلا يكن في صدرك حرج من الإنذار والتذكير، أما سبب تقديم النهي عن الحرج، على الإنذار والتذكير، فقد ذكر الرازي أن الإنذار والتذكير لا يتم إلا إذا انتفى الحرج من الصدر أوّلا، والمعنى لا يضيق صدرك من تكذيب المكذبين، ومن المهم ملاحظة وصف القرآن بأنه ذكرى، من حيث إنه تذكير بالميثاق المأخوذ على بني آدم، المذكور في الآية (١٧٢) من هذه السورة، ﴿اِتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ (٣) ٣ - انتقال الخطاب من الرسول والدعاة، إلى الناس عامة: ﴿اِتَّبِعُوا﴾ أيها الناس ﴿ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ من الوحي القرآني ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾ من البشر فتولّوهم أموركم وتطيعوهم بحسب هواهم، وفي التحليل والتحريم وفي الابتداع، ولا تتخذوا من البشر آلهة ولا قدّيسين ولا باباوات كما فعل النصارى، ولا تتخذوا منهم أولياء متوهمين أنهم بصلاحهم يقربونكم إلى الله زلفى، ولا تعتقدوا، أيها المؤمنون، أنّ آراء العلماء ملزمة للناس فتلتزموا بها كما لو كانت قرآنا منزلا أو سنّة نبوية، فالعلماء والأمراء لا يتّبعون لذواتهم وآرائهم، ولكنّ الاتّباع هو للقرآن والسنة حسب علمهم وتفسيرهم وشرحهم، وما على العلماء إلاّ بيان ما أنزل الله وتبليغه وإرشاد الناس لفهمه ﴿قَلِيلاً ما تَذَكَّرُونَ﴾ أي ما أقل تذكّركم لهذه الحقيقة، وما أكثر اتخاذكم أولياء من دون الله، ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ﴾ (٤) ٤ - فعندما تغفل المجتمعات عن الوحي الإلهي، وتغتر بالرخاء المادي، وبالأمن

стр. 595

والسلطة التي قد تتمتع بها، وتظن أن ذلك علامة على استحقاقها، وتشعر أنها في منتهى الاطمئنان والتحكم في دنياها، مستبعدة العاقبة والحساب، تكون نتيجتها الطبيعية إلى زوال: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ﴾ القرية في عرف القرآن هي المجتمع، ومجيء البأس بياتا بمعنى ليلا والناس نائمون مطمئنون، أو هم قائلون أي خلال فترة القيلولة، والمغزى أنهم في منتهى الغفلة، والأمثلة على ذلك كثيرة كما سوف يرد بالتفصيل بالآيات (٥٩ - ١٧١)، ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاّ أَنْ قالُوا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ (٥) ٥ - ﴿فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلاّ أَنْ قالُوا إِنّا كُنّا ظالِمِينَ﴾ ما كان قولهم إلاّ الندم والحسرة والمعذرة بعد فوات الأوان، وهي الأمم والمجتمعات التي غفلت، ثم تدهورت وأصابها الانحلال والفساد والاضمحلال، والأمم قلّما تشعر بعاقبة ذنوبها قبل وقوع العقوبة، ولا ينفعها بعد ذلك قول العارفين أنّهم كانوا ظالمين، ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٦) ٦ - ﴿فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ المسؤولية متحققة بعد نزول الرسالات السماوية، ولا يفيد الأمم والمجتمعات الندم أو ادّعاء الجهل، فهي مسؤولة عن أعمالها بعد أن جاءتها الأنبياء والرسل بالنذر والذكرى ﴿وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ فما على الرسل إلاّ البلاغ، انظر شرح آية [المائدة ١٠٩/ ٥]. ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ (٧) ٧ - ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ أصل القصّ تتبع الأثر، والمقصود يعرض على الناس سجل أعمالهم المحفوظ عليهم، يحاسبون به وقت البعث ﴿وَما كُنّا غائِبِينَ﴾ عمّا كانوا يعملون في الحياة الدنيا، انظر آية [الإسراء ١٣/ ١٧ - ١٤]، وآية [القيامة ١٤/ ٧٥ - ١٥]،

стр. 596

﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٨) ٨ - ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ أي العدل الحقّ يكون يومئذ، فتسوّى مظالم الدنيا يوم الحساب ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ثقلت موازين أعماله، بالإيمان والأعمال الصالحة ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بالنجاة والنعيم المقيم. ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ (٩) ٩ - ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ خفّت موازين أعماله، لأن الباطل خفيف لا قرار له ﴿فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بتهالكهم على الدنيا والمادة والجاه والزعامة فلم يتورعوا عن شيء في سبيلها ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ يظلمون أنفسهم نتيجة كفرهم بالآيات، وإنكارهم الحساب والآخرة، ونظيره قوله تعالى ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام ١٢/ ٦]، وقوله تعالى ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف ١٠٥/ ١٨] أي لا تكون قيمة لأعمالهم. ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ (١٠) ١٠ - خلاصة الآيات المتقدمة (٢ - ٩) في نزول القرآن والإنذار والتذكير به، ووجوب اتباعه دون غيره، والتذكير بهلاك المجتمعات السابقة التي كفرت بالوحي واطمأنّت إلى الرخاء والدعة، وعدم جدوى ندمها وحسرتها في العاقبة، ومسؤولية الناس عن أعمالهم، وأن العدل يوم الحساب يقتضي محاسبة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولمّا كان افتتان الناس بالرخاء المادّي هو سبب فسادهم وانهماكهم في الشهوات، فهذه الآية تبين قلّة الشاكرين من الناس رغم النعم التي يرفلون بها: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ بأن منحهم تعالى العقول كي يتعلّموا ويعملوا، ويتمكنوا من ثروات الأرض ويسخّروها لمعيشتهم ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ﴾ فقد جعل تعالى في الأرض وسائل المعيشة ابتداء ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾

стр. 597

الأكثرية لا تقرّ بالنعم ولا تؤدي حقها، لأنّها تظن أنّما حصلت على هذه النعم باستحقاقها وجدارتها لا غير، والشكر يكون بالعبادة والعمل معا، ومن الشكر استخدام النعم باعتدال وتعقل، بما لا ينعكس سلبا على الإنسان وعلى بيئته. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ (١١) ١١ - هذه الآية بداية لقصة الخلق تأتي بعد مقدمة الآيات (١ - ١٠)، لبيان استعداد الإنسان للخير والشر، وقد تكررت قصة الخلق في القرآن الكريم في سبع سور هي: (البقرة، الأعراف، الحجر، الإسراء، الكهف، طه، ص)، في كل سورة منها تعرض القصة من زاوية مختلفة، وتبدي حكمة أو حكم معينة، ومغزى جديد أو أكثر، وفي هذه السورة تأتي القصة بعد بيان نعمه تعالى على البشر: كإنزال الوحي، ومسؤولية الإنسان، وجعل أسباب المعيشة والتمكين له في الأرض، ومع ذلك فالأكثرية لا تشكر النعم، لأنّ وساوس الشيطان تحرفها عن الصراط (الآية ١٦)، ومن تمام نعمه تعالى على الإنسان أن علّمه الأسماء كلها [البقرة ٣١/ ٢] وأسجد له الملائكة، وكرّمه بالحرية والعقل، وأمكنه من الخيار بين الخير والشر: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ يلاحظ الترتيب في الخطاب: الخلق ثم التصوير، يشير من جهة إلى خلق الجنس البشري عامّة وتطوره أولا من سلالة من طين، لقوله جلّ ثناؤه ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر ٢٦/ ١٥] أي من الطين المتولّد من الطين الأسود المتغيّر على مرّ السنين، وقوله عزّ من قائل ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢/ ٢٣]، وثانيا نلاحظ الإشارة إلى تطور خلق الإنسان الفرد، عندما يخلق نطفة في رحم أمّه ثم يتطوّر إلى صورته الكاملة: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤/ ٢٣]،

стр. 598

﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ تأخير الكلام عن آدم إلى ما بعد الإشارة إلى خلق الجنس البشري دلالة أنّ آدم بهذا المعنى رمز للجنس البشري بأكمله، فالمراد به نوع الإنسان، والسجود ليس لشخص آدم وإنما لجنس البشر، أما مغزى سجود الملائكة فلأن الله تعالى جعل العلم أشرف من العبادة (البيضاوي)، وقد علّم آدم الأسماء كلّها في حين جهلتها الملائكة، وأما استكبار إبليس ومعصيته فكناية عن عجز الإنسان عن إخضاع روح الشر تماما، وعجزه عن إبطال خواطر السوء من أفكاره، انظر شرح آية [البقرة ٣٤/ ٢]. ﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (١٢) ١٢ - (قال) تعالى ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ حسد إبليس آدم على تكريمه بسجود الملائكة له، وظنّ أنه أفضل من آدم بالخلق، في حين لم يقدّر أفضلية الإنسان بالعلم والمعرفة بعد أن تعلّم الأسماء كلّها [البقرة ٣١/ ٢]، وقول الشيطان: أنا خير منه، شائع في دنيا الناس يقولها كثير منهم، ويتجلّى بهذا القول مرض الإعجاب بالنفس، والاستكبار والتكبر، ورفع النفس إلى درجة لا تستحقها، وينتج عنه الحقد على الآخرين، ويصيب العقل بالغفلة. ﴿قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ (١٣) ١٣ - ﴿قالَ فَاهْبِطْ مِنْها﴾ وهو هبوطه من المنزلة التي كان عليها في الملكوت الأعلى ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ لأن أهل السماوات متواضعون خاشعون ﴿فَاخْرُجْ﴾ من الجنة ﴿إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ الذليلين، فجعله تعالى على نقيض ما أراد من التكبر، والآية تبين أن الاستكبار سبب للمعصية، وسيرد بيان ذلك بتفصيل في الآيات (١٤٦، ٨٨، ٧٦، ٧٥، ٤٨، ٤٠، ٣٦، ١٣)،

стр. 599

﴿قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١٤) ١٤ - ﴿قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ الإنظار هو التأخير، والمعنى أنّ إبليس طلب إمهاله في الحياة إلى يوم البعث، والانظار ليس فقط في الزمن، وإنما في إعطائه الفرصة كي يستمر في تمرده ومحاولته إغواء البشر، والمحصّلة من تمرد إبليس كون الإنسان على استعداد للشر، إلى جانب استعداده للخير. ﴿قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ (١٥) ١٥ - ﴿قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ أجابه تعالى إلى طلبه، وفي سورة الحجر حدد تعالى المهلة: ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر ٣٨/ ١٥]، والمغزى من إنظار إبليس أن يكابد الإنسان وساوسه، فيتمكن من حرية اتخاذ القرار، وما في ذلك من تكريم له، ورفعه إلى مستوى المخلوقات الأدبية، ﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١٦) ١٦ - (قال) إبليس ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي﴾ بسبب وقوعي في الغيّ لأجتهدنّ في إغوائهم، ونسب الإغواء إليه تعالى لأنّ من سننه أن يكون الغيّ نتيجة لازمة للمعصية، والغيّ هو الخيبة أو الضلال أو الفساد ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ خاب إبليس وأحبط بنتيجة معصيته، انظر الآية (١٣)، وهو في النتيجة سيقعد بالمرصاد لإضلال من يستطيع من الناس، ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ (١٧) ١٧ - ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ بأساليب واضحة ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ وبأساليب خفيّة ﴿وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ لأجتهدنّ في إضلالهم من كل الجهات الممكنة، وهي جهات معنوية، وبجميع الوسائل الممكنة، فمغريات الشر محيطة بالناس من كل جانب ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ أكثرية الناس على الجحود، لا تشكر الله ولا تؤدي حق النعم، وقد أعطى الله تعالى البشر إرادة

стр. 600

واختيارا حرّا يصعدون بهما إلى مصاف الملائكة إن شاؤوا، أو يهبطون بهما إلى درك الشياطين، وذلك مغزى عصيان إبليس ومحاولته غواية الناس، والوسوسة الشيطانية لهم، ﴿قالَ اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١٨) ١٨ - (قال) تعالى ﴿اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً﴾ اخرج من منزلتك محقورا ﴿مَدْحُوراً﴾ مطرودا مبعدا ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ وهم الذين يتّبعون وساوس إبليس فيضلّون ويضلّون ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ من الشياطين وتابعيهم. ﴿وَيا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (١٩) ١٩ - ﴿وَيا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون الجنة دار الاختبار المؤقت للإنسان لقوله تعالى ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة ٣٠/ ٢]، فلم تكن سوى مرحلة سبقت هبوط الإنسان إلى الأرض، مجال خلافته، سواء كان الهبوط ماديا أو معنويا، ﴿فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما﴾ لأنّ الأصل في الأمور الحلّ ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ النهي عن الاقتراب من الشجرة كناية عن جعل الإنسان حرّا في الاختيار بين الصواب والخطأ، انظر شرح آية [البقرة ٣٥/ ٢]. ومن جهة ثانية، ليس في القرآن، كما في كتب اليهود، أنه تعالى خلق حواء من ضلع آدم، وما روي في هذا المعنى مأخوذ من الإسرائيليات، وحديث أبي هريرة في الصحيحين «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج» ليس سوى كناية، كقوله تعالى ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء ٣٧/ ٢١]، بدليل تتمة الحديث «فإن ذهبت تقوّمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء» والمغزى لا تحاولوا تقويم النساء بالشدة، انظر تفسير المنار،
следующие страницы →