← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٨) ٨ - ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ أي العدل الحقّ يكون يومئذ، فتسوّى مظالم الدنيا يوم الحساب ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ﴾ ثقلت موازين أعماله، بالإيمان والأعمال الصالحة ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون بالنجاة والنعيم المقيم. ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ (٩) ٩ - ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ﴾ خفّت موازين أعماله، لأن الباطل خفيف لا قرار له ﴿فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بتهالكهم على الدنيا والمادة والجاه والزعامة فلم يتورعوا عن شيء في سبيلها ﴿بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ﴾ يظلمون أنفسهم نتيجة كفرهم بالآيات، وإنكارهم الحساب والآخرة، ونظيره قوله تعالى ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام ١٢/ ٦]، وقوله تعالى ﴿فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ [الكهف ١٠٥/ ١٨] أي لا تكون قيمة لأعمالهم. ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾ (١٠) ١٠ - خلاصة الآيات المتقدمة (٢ - ٩) في نزول القرآن والإنذار والتذكير به، ووجوب اتباعه دون غيره، والتذكير بهلاك المجتمعات السابقة التي كفرت بالوحي واطمأنّت إلى الرخاء والدعة، وعدم جدوى ندمها وحسرتها في العاقبة، ومسؤولية الناس عن أعمالهم، وأن العدل يوم الحساب يقتضي محاسبة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولمّا كان افتتان الناس بالرخاء المادّي هو سبب فسادهم وانهماكهم في الشهوات، فهذه الآية تبين قلّة الشاكرين من الناس رغم النعم التي يرفلون بها: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ بأن منحهم تعالى العقول كي يتعلّموا ويعملوا، ويتمكنوا من ثروات الأرض ويسخّروها لمعيشتهم ﴿وَجَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ﴾ فقد جعل تعالى في الأرض وسائل المعيشة ابتداء ﴿قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ﴾

стр. 597

الأكثرية لا تقرّ بالنعم ولا تؤدي حقها، لأنّها تظن أنّما حصلت على هذه النعم باستحقاقها وجدارتها لا غير، والشكر يكون بالعبادة والعمل معا، ومن الشكر استخدام النعم باعتدال وتعقل، بما لا ينعكس سلبا على الإنسان وعلى بيئته. ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ (١١) ١١ - هذه الآية بداية لقصة الخلق تأتي بعد مقدمة الآيات (١ - ١٠)، لبيان استعداد الإنسان للخير والشر، وقد تكررت قصة الخلق في القرآن الكريم في سبع سور هي: (البقرة، الأعراف، الحجر، الإسراء، الكهف، طه، ص)، في كل سورة منها تعرض القصة من زاوية مختلفة، وتبدي حكمة أو حكم معينة، ومغزى جديد أو أكثر، وفي هذه السورة تأتي القصة بعد بيان نعمه تعالى على البشر: كإنزال الوحي، ومسؤولية الإنسان، وجعل أسباب المعيشة والتمكين له في الأرض، ومع ذلك فالأكثرية لا تشكر النعم، لأنّ وساوس الشيطان تحرفها عن الصراط (الآية ١٦)، ومن تمام نعمه تعالى على الإنسان أن علّمه الأسماء كلها [البقرة ٣١/ ٢] وأسجد له الملائكة، وكرّمه بالحرية والعقل، وأمكنه من الخيار بين الخير والشر: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ﴾ يلاحظ الترتيب في الخطاب: الخلق ثم التصوير، يشير من جهة إلى خلق الجنس البشري عامّة وتطوره أولا من سلالة من طين، لقوله جلّ ثناؤه ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر ٢٦/ ١٥] أي من الطين المتولّد من الطين الأسود المتغيّر على مرّ السنين، وقوله عزّ من قائل ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢/ ٢٣]، وثانيا نلاحظ الإشارة إلى تطور خلق الإنسان الفرد، عندما يخلق نطفة في رحم أمّه ثم يتطوّر إلى صورته الكاملة: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ﴾ [المؤمنون ١٤/ ٢٣]،

стр. 598

﴿ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ﴾ تأخير الكلام عن آدم إلى ما بعد الإشارة إلى خلق الجنس البشري دلالة أنّ آدم بهذا المعنى رمز للجنس البشري بأكمله، فالمراد به نوع الإنسان، والسجود ليس لشخص آدم وإنما لجنس البشر، أما مغزى سجود الملائكة فلأن الله تعالى جعل العلم أشرف من العبادة (البيضاوي)، وقد علّم آدم الأسماء كلّها في حين جهلتها الملائكة، وأما استكبار إبليس ومعصيته فكناية عن عجز الإنسان عن إخضاع روح الشر تماما، وعجزه عن إبطال خواطر السوء من أفكاره، انظر شرح آية [البقرة ٣٤/ ٢]. ﴿قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (١٢) ١٢ - (قال) تعالى ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ حسد إبليس آدم على تكريمه بسجود الملائكة له، وظنّ أنه أفضل من آدم بالخلق، في حين لم يقدّر أفضلية الإنسان بالعلم والمعرفة بعد أن تعلّم الأسماء كلّها [البقرة ٣١/ ٢]، وقول الشيطان: أنا خير منه، شائع في دنيا الناس يقولها كثير منهم، ويتجلّى بهذا القول مرض الإعجاب بالنفس، والاستكبار والتكبر، ورفع النفس إلى درجة لا تستحقها، وينتج عنه الحقد على الآخرين، ويصيب العقل بالغفلة. ﴿قالَ فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ (١٣) ١٣ - ﴿قالَ فَاهْبِطْ مِنْها﴾ وهو هبوطه من المنزلة التي كان عليها في الملكوت الأعلى ﴿فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها﴾ لأن أهل السماوات متواضعون خاشعون ﴿فَاخْرُجْ﴾ من الجنة ﴿إِنَّكَ مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ الذليلين، فجعله تعالى على نقيض ما أراد من التكبر، والآية تبين أن الاستكبار سبب للمعصية، وسيرد بيان ذلك بتفصيل في الآيات (١٤٦، ٨٨، ٧٦، ٧٥، ٤٨، ٤٠، ٣٦، ١٣)،

стр. 599

﴿قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١٤) ١٤ - ﴿قالَ أَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ الإنظار هو التأخير، والمعنى أنّ إبليس طلب إمهاله في الحياة إلى يوم البعث، والانظار ليس فقط في الزمن، وإنما في إعطائه الفرصة كي يستمر في تمرده ومحاولته إغواء البشر، والمحصّلة من تمرد إبليس كون الإنسان على استعداد للشر، إلى جانب استعداده للخير. ﴿قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ (١٥) ١٥ - ﴿قالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ أجابه تعالى إلى طلبه، وفي سورة الحجر حدد تعالى المهلة: ﴿إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾ [الحجر ٣٨/ ١٥]، والمغزى من إنظار إبليس أن يكابد الإنسان وساوسه، فيتمكن من حرية اتخاذ القرار، وما في ذلك من تكريم له، ورفعه إلى مستوى المخلوقات الأدبية، ﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (١٦) ١٦ - (قال) إبليس ﴿فَبِما أَغْوَيْتَنِي﴾ بسبب وقوعي في الغيّ لأجتهدنّ في إغوائهم، ونسب الإغواء إليه تعالى لأنّ من سننه أن يكون الغيّ نتيجة لازمة للمعصية، والغيّ هو الخيبة أو الضلال أو الفساد ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ خاب إبليس وأحبط بنتيجة معصيته، انظر الآية (١٣)، وهو في النتيجة سيقعد بالمرصاد لإضلال من يستطيع من الناس، ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ (١٧) ١٧ - ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ﴾ بأساليب واضحة ﴿وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ وبأساليب خفيّة ﴿وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ﴾ لأجتهدنّ في إضلالهم من كل الجهات الممكنة، وهي جهات معنوية، وبجميع الوسائل الممكنة، فمغريات الشر محيطة بالناس من كل جانب ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ أكثرية الناس على الجحود، لا تشكر الله ولا تؤدي حق النعم، وقد أعطى الله تعالى البشر إرادة

стр. 600

واختيارا حرّا يصعدون بهما إلى مصاف الملائكة إن شاؤوا، أو يهبطون بهما إلى درك الشياطين، وذلك مغزى عصيان إبليس ومحاولته غواية الناس، والوسوسة الشيطانية لهم، ﴿قالَ اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١٨) ١٨ - (قال) تعالى ﴿اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً﴾ اخرج من منزلتك محقورا ﴿مَدْحُوراً﴾ مطرودا مبعدا ﴿لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ﴾ وهم الذين يتّبعون وساوس إبليس فيضلّون ويضلّون ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ من الشياطين وتابعيهم. ﴿وَيا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (١٩) ١٩ - ﴿وَيا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون الجنة دار الاختبار المؤقت للإنسان لقوله تعالى ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة ٣٠/ ٢]، فلم تكن سوى مرحلة سبقت هبوط الإنسان إلى الأرض، مجال خلافته، سواء كان الهبوط ماديا أو معنويا، ﴿فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما﴾ لأنّ الأصل في الأمور الحلّ ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ النهي عن الاقتراب من الشجرة كناية عن جعل الإنسان حرّا في الاختيار بين الصواب والخطأ، انظر شرح آية [البقرة ٣٥/ ٢]. ومن جهة ثانية، ليس في القرآن، كما في كتب اليهود، أنه تعالى خلق حواء من ضلع آدم، وما روي في هذا المعنى مأخوذ من الإسرائيليات، وحديث أبي هريرة في الصحيحين «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج» ليس سوى كناية، كقوله تعالى ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء ٣٧/ ٢١]، بدليل تتمة الحديث «فإن ذهبت تقوّمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء» والمغزى لا تحاولوا تقويم النساء بالشدة، انظر تفسير المنار،

стр. 601

﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ (٢٠) ٢٠ - ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطانُ﴾ أصل الوسواس الهمس الخفي، ووسوسة الشيطان للبشر هي ما يجدونه في أنفسهم من الخواطر الرديئة التي تزّين لهم القبيح ﴿لِيُبْدِيَ لَهُما ما وُورِيَ عَنْهُما مِنْ سَوْآتِهِما﴾ أي ليبدي لهما طريق المعصية، لأنه كان موارى عنهما قبل ذلك، والسوأة ما يسوء الإنسان ظهوره، فهي بهذا المعنى نتيجة معصيتهما، وإذا أضيفت السوأة إلى الإنسان فقد يراد بها العورة الفاحشة، لأنه يسوءه ظهورها بالفطرة، ما لم تفسد فطرته، وقد يراد بها المنظر الذي يسوء ناظره كقوله تعالى ﴿لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ﴾ [المائدة ٣١/ ٥] أي منظر أخيه المقتول، وقال الرازي أيضا أن بدوّ السوأة كناية عن سقوط الحرمة وزوال الجاه عن المرء، وقال الألوسي إنها كناية عن إبداء الأمور الرذيلة لدى المرء، المعتبرة عورات عقلا ﴿وَقالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ﴾ تكونا بمنزلة الملائكة ﴿أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ يكون لكما الخلود إن أكلتما من شجرة الخلد والملك، لقوله ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى﴾ [طه ١٢٠/ ٢٠]. ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ (٢١) ٢١ - ﴿وَقاسَمَهُما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ أقسم لهما إنه من الناصحين، وقيل المعنى أنه أقسم لهما بالنصيحة وأقسما له بقبولها، ويلاحظ أن ليس في الآيات ما يشير إلى أن حواء هي التي أغرت آدم بالمعصية بل الواضح من صريح الآية أنّ إبليس أغراهما معا، وما يروج خلاف ذلك فمن الإسرائيليات المذكورة في كتب اليهود بقصد الحطّ من منزلة المرأة. ﴿فَدَلاّهُما بِغُرُورٍ فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (٢٢)﴾

стр. 602

٢٢ - ﴿فَدَلاّهُما﴾ في المعصية، ودلّى الشيء تدلية أي أهبطه شيئا فشيئا، وهو من دلّى الدلو في البئر، والمعنى ما زال إبليس يخدعهما بالوساوس لترغيبهما بالأكل من الشجرة، ثم أقسم إنه ناصح لهما، حتى أسقطهما في المعصية، وحطّهما عمّا كانا عليه من البراءة وسلامة الفطرة ﴿بِغُرُورٍ﴾ الغرور ما يغترّ به، والمعنى أنه خدعهما بالباطل ﴿فَلَمّا ذاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما﴾ بنتيجة المعصية، لأن بدوّ السوأة، أي الخيبة والضلال والفساد والبؤس، نتيجة طبيعية ولازمة للاختيار الخاطئ - المعصية -، والعوام تقول "فلان انكشف" أي انكشفت رذائله ﴿وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ يجعلان ورقة على ورقة لستر السوأة ﴿وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما﴾ بما أودعت في عقولكم من التفكير والمحاكمة وإدراك المعقولات ﴿عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ في روح المعاني أنها شجرة الهوى، ويحتمل أنها رمز للحدود التي وضعها الخالق، ، تجاه شهوات ورغبات الإنسان الجامحة، ممّا يمكّن الإنسان من اختيار طريق الخير أو الشر ﴿وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ بالوساوس السيئة التي يدخلها في عقولكم. ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٢٣) ٢٣ - ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ بطاعة وساوس الشيطان ﴿وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا﴾ بعد أن عرفنا ضعفنا وعجزنا ﴿وَتَرْحَمْنا﴾ بتوفيقنا وهدايتنا والتوبة علينا بعد أن تبنا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ لأنفسنا، والمغزى أن التوبة لبني آدم مفتوحة، وأنّ الإقرار بالذنب والاستغفار وطلب الرحمة من الله والتوبة واجبة كلمّا وقع الإنسان في الذنب. ﴿قالَ اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿قالَ اِهْبِطُوا﴾ إلى الأرض من المنزلة التي كنتم عليها في الجنة، ويلاحظ أنّ الهبوط لم يكن عقابا لأنه تعالى قبل توبة عبده آدم قبل ذلك [البقرة ٣٧/ ٢]، وأنّ سكنى آدم وزوجه في الجنة مؤقت أصلا لقوله ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي﴾

стр. 603

﴿الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة ٣٠/ ٢]، ومن جهة ثانية يلاحظ عودة الخطاب من صيغة المثنّى إلى الجمع، فيتصل الخطاب مع الآية (١٠) وأوّل الآية (١١) من هذه السورة، لكون آدم وزوجه رمز للبشرية جمعاء ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ وهي العداوة في ذرية آدم، وقيل بل العداوة بين الشيطان وبني آدم ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ لكم استقرار في الأرض ومتاع تتمتعون به في حياتكم إلى حين تنتهي أعماركم، وهنالك إشارة ثانية لهذا المعنى بالآية (٣٤). ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ﴾ في الأرض ﴿وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ إلى البعث والحساب يوم القيامة. ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٢٦) ٢٦ - ﴿يا بَنِي آدَمَ﴾ خطاب للناس كافة ﴿قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ﴾ ما يستر العورة، والمراد بالإنزال أنه تعالى خلق لهم مادته من صوف وحرير وقطن وغيره، وعلمهم الزراعة والنسج والخياطة، وفي روح المعاني أنه كناية عن لباس الشريعة، ويواري السوآت بمعنى أنه يمنعهم من ارتكاب القبائح والفواحش ﴿وَرِيشاً﴾ وهو لباس الزينة، وسمّي ريشا استعارة من ريش الطيور، وقيل أيضا أنّ الريش والرياش هو المال والمتاع والخصب والمعاش، ومنه تريّش الرجل أي تموّل ﴿وَلِباسُ التَّقْوى﴾ أي الورع وخشية الله، وسمّاه لباس مجازا ﴿ذلِكَ خَيْرٌ﴾ لباس التقوى خير لصاحبه ﴿ذلِكَ مِنْ آياتِ اللهِ﴾ إنزال اللباس والمتاع ووسائل العيش من ضمن آيات الله الكثيرة ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ لعلهم يذّكرون نعمه تعالى عليهم فيتّعظون، ويشكرون بالقول والعمل. ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾

стр. 604

٢٧ - ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ﴾ لا يوقعنّكم في الفتنة بما يمنعكم من دخول الجنة، والفتنة هنا هي الاستمالة بالشهوات، عن طريق الوساوس والإغراء، والمراد لا تغفلوا عن وساوس الشيطان فتنخدعون وتقعون في المعاصي، والنتيجة أن وساوس الشيطان تمكّن الإنسان أن يكون مختارا لعمله الصالح أو الطالح ﴿كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما﴾ فسّر بعضهم هذا اللباس معنويا بمعنى ينزع عنهما لباس التقوى ليوقعهما في المعاصي، وجعله بعضهم الآخر حسّيا ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ فيوسوس لكم من حيث لا تشعرون، وقبيله بمعنى جماعته ﴿إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي خلّينا بينهم وبين العمل بوساوس الشياطين، كونهم لا يؤمنون إيمانا حقيقيا، إذ يتّبعون الأهواء، ويتمسّكون بالتقليد وبالعصبية، ثم يحاولون إيجاد المبررات لضلالهم، كما سيرد في الآية التالية: ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٢٨) ٢٨ - ﴿وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الكلام عن غير المؤمنين الذين اتخذوا الشياطين أولياء، المشار إليهم في الآية السابقة، والفاحشة الفعلة القبيحة المتناهية في القبح، ممّا تنكره الشرائع والفطرة السليمة، انظر شرح الآية (٣٣)﴾، ﴿قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا﴾ يعتذرون بالتقليد وأنهم نشؤوا على ذلك، مع أنه تعالى نهى عن التقليد، وأمر بالتفكر بالحجج والدلائل واستخدام العقل ﴿وَاللهُ أَمَرَنا بِها﴾ يعتذرون بالجبرية، ويزعمون أن لو شاء الله تعالى ما اقترفوها، وقد تكون الإشارة إلى اليهود، من ضمن غيرهم من الأمم، لأن اليهود يتّبعون كتبهم التي يسمونها مقدسة، ويزعمون أنها وحي، مع أنها من تحرير الأحبار، فهي تحض على القتل والسرقة والغدر وأكل الربا من غير اليهود، وتقرّ بأفظع الفواحش والموبقات والمنكرات وشتى أنواع الزنى والعهر وعمليات الغدر والخداع بالأغيار، أي غير اليهود، وتبرّرها، انظر شرح آية [البقرة ٥٩/ ٢]، وآية [آل عمران ٧٥/ ٣]، ﴿قُلْ﴾ لهم

стр. 605

أيها النبي، أو أيها المسلم: ﴿إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ﴾ وهذا القول تكذيب لاعتقادهم عقلا ونقلا، فالعاقل لا يصح أن يصدق ذلك، ولا ينسبه إلى الوحي ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ تكتبون من عندكم وتنسبونه إلى الله؟ أم تعتذرون بالجبرية، أم تقليد الآباء؟ ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (٢٩) ٢٩ - ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ﴾ قل لهم أيها النبي، أو أيها المؤمن، إنه على النقيض ممّا تدّعون فإنه تعالى قد أمر بالاعتدال والعدل بين الناس كافة بلا تفريق ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ وقل لهم أيضا أن يتوجهوا له تعالى وحده دون غيره، عند كل صلاة وكل دعاء، وليكن التوجه إلى الله تعالى بحضور القلب وصرف الشواغل الدنيوية وطرد وساوس الشيطان، ويحتمل المعنى أيضا تفسير التوجه بشكل حسّي، فيكون الأمر بالتوجه نحو القبلة وقت كل صلاة حيثما كان المرء ﴿وَاُدْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الصلاة في أصل اللغة عبارة عن الدعاء، فيجب أن يكون الدعاء مع الإخلاص ﴿كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ اعلموا، وكونوا على يقين، أنه كما بدأكم بالخلق، فلا بدّ من المعاد إليه للحساب، وهذا أدعى إلى الإخلاص في الدعاء. ﴿فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اِتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (٣٠) ٣٠ - كما بدأكم بالخلق، فلا بد من عودتكم إليه يوم الحشر، وعندئذ تكونون فريقين: ﴿فَرِيقاً هَدى﴾ وهو الفريق الذي تقبل الهدي الإلهي وما جاءت به الرسل، وعمل به ﴿وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ وهو الفريق الذي اختار الضلال وكذّب بالآيات والرسل، أو صدّقها ولم يعمل بها ﴿إِنَّهُمُ اِتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ وهو السبب الذي من أجله حقّ عليهم الضلالة أنهم قبلوا وساوس الشياطين وعملوا بها، فكأنهم ولّوا الشياطين أمورهم من

стр. 606

دون الله، فلم يتأملوا في التمييز بين الحق والباطل، وفي ذلك إشارة للآية (٣) في قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ﴾، ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ هم فوق ذلك معجبون بأنفسهم، ويحسبون أنهم مهتدون بالتقليد لأقوامهم، وبما توسوس لهم الشياطين، كما يحسب أتباع الديانات السابقة أنهم مهتدون دونما حاجة لبعثة النبي الأحمد خاتم الأنبياء والرسل. ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٣١) ٣١ - بعد أن أوجزت الآيات (١١ - ٣٠) قصة الخلق وبيان ما يترتب على الإنسان من الضلال والغواية بنتيجة قبوله وساوس إبليس في التقليد وارتكاب الفواحش، تنتقل السورة لبيان أن الأصل في الأمور الحلّ إلا ما خصّه الدليل من المحرّمات: ﴿يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أي وقت كل صلاة، وأخذ الزينة ستر العورة واللبس اللائق والنظافة، على النقيض من الفواحش المشار لها بالآية (٢٨)، ﴿وَكُلُوا وَاِشْرَبُوا﴾ من الطيبات المباحة بقدر الحاجة ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ نهي عن تناول مقدار كثير يضر المرء ولا يحتاج إليه، ونهي عن الإسراف في الإنفاق، وحضّ على الاعتدال ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ لا يحب المسرفين في كل شيء، لأن الإسراف يخالف الفطرة، ويجلب الضرر في الأبدان والنفوس والأموال. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ لأنّ الأصل في المنافع الحلّ، وجميع أنواع الزينة والطيبات من الرزق مباحة إلا ما خصّه الدليل، وقالوا إن المراد بالزينة جميع أنواعها، ويدخل تحتها اللباس والنظافة، وما يشتهى من أنواع المأكل والمشرب، والطيب والحليّ والمركب

стр. 607

والمسكن، بلا إسراف ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ تكون لهم وحدهم يوم القيامة دون غيرهم، أما في الحياة الدنيا فتكون لهم ولغيرهم من الناس، لقوله تعالى ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة ١٢٦/ ٢]، ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ لقوم يعلمون الحكمة منها، ويعلمون طبائع البشر، ومصالحهم، والفطرة التي فطر الناس عليها. ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٣٣) ٣٣ - ﴿قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ﴾ على النقيض ممّا يزعمون من تحريم الزينة والطيبات التي أخرج لعباده، فإن المحرّم حقّا هو الفواحش من أعمال الناس الكسبية، لا من هباته ونعمه تعالى الخلقية عليهم، وفي ذلك عودة لموضوع الآية (٢٨)﴾، والفواحش جمع فاحشة، وهي كل ما جاوز الحد مما تستقبحه الفطرة السليمة والعقل الراجح، والمقصود بها المعاصي الكبيرة، ومنها الزنا واللواط وشدة البخل والربا الفاحش والقذف بالفحشاء والبذاءة المتناهية والغش وأكل مال الآخرين والصد عن سبيل الله، والآية تنهى عن الفواحش الظاهر منها والباطن، والمعنى لا يكون لديكم مقاييس أخلاقية مزدوجة، فلا يخفف من الفاحشة كونها سرّا، بل قد يكون ذلك سببا لانخداع الناس بمرتكبيها، كما أنّ الجهر بالفواحش في حد ذاته يعد فحشا لأنه يشجع الفساد في المجتمع، ويفسد الأفراد من ذوي الفطرة السليمة، ﴿وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ﴾ حرّمهما، والإثم المعصية التي تضر بصاحبها، والبغي ما يضر بحقوق غيره ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ مما لا يبرره الحق، ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً﴾ كأن يجعلوا له شركاء من الأوثان أو الأنبياء أو الأولياء، وكابتداع التثليث عند المسيحية، مما لا تقوم عليه حجة بينة من الوحي، ولا من العقل السليم،

стр. 608

﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ كابتداع البدع، والقول في الدين بالرأي والظن، وإسناد الرأي الاجتهادي إلى الله تعالى وادّعاء أنه حكم الله، وافتراء الكذب على الله، وعلى أنبيائه، كما فعل أحبار اليهود في كتبهم بالعهد القديم، المحشوة بمختلف أنواع الفواحش والمنكرات التي ينسبونها إلى أنبيائهم لكي يبرروا لأنفسهم ارتكابها، ويسمون كتبهم مقدسة، ويوهمون الناس أنها كلام الله، انظر شرح آيات [الأعراف ١٦٩/ ٧] و [آل عمران ٧٥/ ٣، ٣]. ثمّ ذكر تعالى في الآية التالية النتيجة التي تؤول إليها الأمم التي ترتكب هذه المحرّمات، وهي مجيء أجلها بغتة أو خفية. ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ فمن الأمم السالفة مثلا من انتهى أجلها وهلكت بغتة بتكذيبها ومعاندتها الرسل، كهلاك أقوام نوح وعاد وثمود ولوط ومدين وغيرهم، وكان هلاكها بعد مهلة محددة نتيجة إصرارها على المكابرة والجحود، والاستهزاء بالرسل والتحدي، وطلب الآيات الخارقة، وهذا النوع من الإهلاك انتهى ببعثة النبي الأحمد ﷺ الذي لم يبعث لقومه خاصة وإنّما بعث رحمة للعالمين، وهنالك من الأمم الأخرى من ينتهي أجلها بدخول عوامل التفسخ والانحطاط فيها، وانتشار الظلم والشرور والموبقات والاغترار بالترف والمادة، والتاريخ مليء بنهوض وارتفاع أمثال هذه الأمم ثم انهيارها ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ بالنسبة للنوع الأول من الأمم البائدة فقد جاءها أجلها بغتة، دون تقديم ولا تأخير، بعد انتهاء مهلتها كما هو مذكور من قصصهم في القرآن الكريم، والنوع الثاني منها يجيء أجلها وفقا لسنن الاجتماع البشري، فالأمم تمر بمراحل النمو والرشد والشيخوخة، حتى إذا نخرتها الأمراض الاجتماعية، وفق سنن الأسباب والمسببات، حان أجلها وانهارت كما حدث للاتحاد السوفيتي وغيره في العصر الحديث،

стр. 609

ومعنى ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ أنه عندما يستشري الفساد والضعف والتفسخ، ويفوت أوان الإصلاح، تصبح النهاية محتومة فلا يمكن تأخيرها، ومعنى ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ أن النهاية لا تجيء مبكرة طالما هنالك أمل يرجى في الأمّة، وفي الصلاح والإصلاح، أما الساعة المذكورة في الآية فلا يقصد بها الساعة المعروفة بمعنى جزء من أربعة وعشرين من اليوم، وإنما هي إشارة إلى جزء صغير من الزمن المطلق، ﴿يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اِتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣٥) ٣٥ - ﴿يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ اتصال الخطاب مع الآية (٢٤)، والمعنى أن الله تعالى بعد أن جعل خليفة في الأرض من ذرية آدم، بعث لهم الرسل من أنفسهم ليكون ذلك أدعى لاستجابتهم، والخطاب أيضا متصل مع الآية السابقة لكونه وعظ في اتباع الرسل قبل مجيء الأجل بغتة أو خفية ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي﴾ يبلّغون الناس الوحي الذي نزل عليهم ﴿فَمَنِ اِتَّقى وَأَصْلَحَ﴾ اتّقى المعصية وقام بصالح الأعمال ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ سعادة الدنيا - والآخرة - مرتبطة بالاهتداء بالدين وبالعمل به، انظر آيات [طه ١٢٣/ ٢٠ - ١٢٤]، وأما كون الدنيا للكفار أيضا - في بعض الأزمنة - فلأنه تعالى جعل فيها سننا وأسبابا ومسببات من أخذ بها وصل إلى مبتغاه منها، ولو مؤقتا، كافرا كان أو مؤمنا، ولو جعلها للمؤمنين خالصة دون غيرهم لبطل التكليف والاختيار والاختبار، ولصار الإيمان قسرا. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٣٦) ٣٦ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ الذين كذّبوا بالآيات المنزلة على الأنبياء والرسل، أو كذّبوا بعض الرسل أو أحدهم، واستكبروا عن اتباع الآيات التي جاءت الرسل بها، وعن اتباع النبي ﷺ ، حسدا له على الرئاسة - كما يفعل اليهود - وتفضيلا لأنفسهم

стр. 610

عليه وعلى قومه، فأولئك أصحاب النار يخلدون فيها، ولا نزال نرى اليوم الكثير من الشعوب تأبى الاهتداء بالإسلام استكبارا وعلوّا، كما استكبر اليهود وأحبارهم عن اتباع النبي ﷺ لأنه عربي، ولأنهم يرون أن النبوة يجب أن تكون محصورة بهم، والاستكبار متكرر عند المكذّبين منذ معصية إبليس وتكبره، الآية (١٣)، وكما سوف تبين الآيات (٢٠٦، ١٤٦، ٨٨، ٧٦، ٧٥، ٤٨، ٤٠). ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ قالُوا ضَلُّوا عَنّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ إشارة إلى الذين كذّبوا بالآيات واستكبروا عنها راجع أيضا شرح آيات [الأنعام ٢١/-٢٤]، ﴿أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب، والمغزى أنهم ينالون نصيبهم المكتوب لهم في الحياة الدنيا من الأرزاق والأعمار، كما في الآية (٣٢)، رغم ظلمهم وافترائهم، لا يحرمون منها، تفضّلا منه تعالى، ولإعطائهم الفرصة كي يتوبوا ويصلحوا ﴿حَتّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾ وهم ملائكة الموت الموكّلون بقبض أرواحهم ﴿قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ لم يتوبوا ولم يصلحوا في حياتهم، رغم الفرص التي أتيحت لهم، والنعم التي أغدقت عليهم، فيقال لهم توبيخا وتقريعا: أين الذين كنتم تدعونهم غير الله لقضاء الحاجات ودفع المضرّات؟ ادعوهم لينجوكم الآن ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا﴾ أي غابوا عنّا ولا نرجو منهم أي منفعة ﴿وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ﴾ اعترفوا على أنفسهم أنهم كانوا يعبدون المادة، ويلهثون وراء الدنيا، ويدعون ما لا يستحق الدعاء، من شركاء وآلهة مزعومين وزعماء وأوثان وقدّيسين وأموات وأضرحة. ﴿قالَ اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتّى إِذَا اِدّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾

стр. 611

٣٨ - ﴿قالَ اُدْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النّارِ﴾ يقول لهم تعالى ادخلوا في النار مع الأمم التي بادت من قبلكم بنتيجة تكذيبها الآيات واستكبارها عن الحق وافترائها الكذب على الله ﴿كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها﴾ التي ضلّت بسبب الاقتداء بها، فيلعن الأتباع قادتهم الذين أضلّوهم، واللعن الدعاء بالإبعاد من الرحمة ﴿حَتّى إِذَا اِدّارَكُوا فِيها جَمِيعاً﴾ أي أدرك بعضهم بعضا في النار واستقرّوا بها جميعا ﴿قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ﴾ المتأخرين منهم منزلة، وهم الأتباع والرعاع، قالوا عن أولاهم منزلة، وهم القادة والزعماء والرؤوس، ويحتمل المعنى أيضا أنّ أولاهم الذين تقدّموهم في الزمن، فاقتدى بهم أخراهم الذين جاؤوا في أزمان لاحقة، واتّبعوا سنن من سبقوهم في الضلال ﴿رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا﴾ دعونا إلى الضلال وأمرونا به، والمعنى أنهم اعتذروا بالانصياع لغيرهم وبالتقليد، مع أن التقليد وإهمال دور العقل باطل، وقد نهى عنه القرآن في آيات كثيرة، أمّا الانصياع لأوامر الرؤوس في معصية الله فليس سوى عبودية وإذلال وتحقير للإنسان الذي كرّمه تعالى بحرية الخيار ﴿فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ لكلّ منهم عذاب مضاعف بسبب ضلالهم، وإضلال غيرهم من الناس، من حيث كانوا قدوة لغيرهم. ﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ يتنصّل القادة والزعماء من الذين قلّدوهم واتّبعوهم، كما يتنصّل السابقون من اللاحقين، فيقولون لهم ضللتم، كما ضللنا، بمحض اختياركم فتحملون المسؤولية كما نحملها ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ لأن العذاب هو النتيجة الحتمية لما كسبتم من الأعمال، فهو من كسب أيديكم، والمسؤولية فردية، ولا يعذركم أنكم ضللتم بسبب غيركم، ولا يحملون المسؤولية عنكم.

стр. 612

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ (٤٠) ٤٠ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاِسْتَكْبَرُوا عَنْها﴾ استكبروا عن الإيمان بها، وهم المشار إليهم في الآية (٣٦)، ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ﴾ لا تقبل أعمالهم الصالحة ولا ترفع، ولا يقبل دعاؤهم، لأن التكذيب والاستكبار قد أحبطاها ﴿وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ﴾ كناية عن استحالة دخولهم الجنة، وقرئت الجمّل، أي الحبل الغليظ، لاستحالة دخوله ثقب الإبرة ﴿وَكَذلِكَ﴾ ومثل ذلك الجزاء الفظيع ﴿نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ﴾ إذ توصلوا لهذه النتيجة بإجرامهم. ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ (٤١) ٤١ - ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ﴾ فراش من تحتهم ﴿وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ﴾ جمع غاشية وهي ما يغشى الشيء أي يغطّيه، والمعنى أنّ جهنم محيطة بهم، وهي كقوله تعالى ﴿إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة ٨/ ١٠٤]، ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ لأنهم جمعوا بين التكذيب بالآيات والاستكبار عنها. ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٤٢) ٤٢ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الذين قرنوا إيمانهم بالعمل الصالح ﴿لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها﴾ تأكيد على يسر الدين وسهولته، لأن الوسع ما يقدر عليه الإنسان في حال السعة والسهولة، وأما أقصى الطاقة فيسمّى جهدا لا وسعا، قال الرازي: "غلط من ظنّ أنّ الوسع بذل المجهود" ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ النتيجة الطبيعية لمن آمن وعمل صالحا بما في الوسع بلا جهد.

стр. 613

﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ وهم أصحاب الجنة المشار إليهم آنفا، والغلّ هو الحقد والحسد، لأنه يتغلغل في القلب، وإزالة الأحقاد من قلوبهم من تمام السعادة الروحية والراحة النفسية وصفاء القلوب في الجنة، لأن السعادة مع الحقد والحسد لا يجتمعان ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ﴾ تكون كل النعم في متناولهم ﴿وَقالُوا الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ﴾ الحمد لله الذي هدانا ببعث رسله، ووفّقنا لهديه، والمعنى أن الإنسان لا يمكنه التوصل إلى الهداية إلا باتباع الرسل والوحي ﴿لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ﴾ والحقيقة لا يمكن التوصل إليها إلاّ عن طريقهم ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ بنتيجة ما كنتم تعملون من العمل الصالح في الحياة الدنيا. ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ (٤٤) ٤٤ - ﴿وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النّارِ﴾ التعبير عن المستقبل بصيغة الماضي لجعل المستقبل في تأكيد وقوعه كالذي وقع بالفعل ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ لأنّ ربّنا وعدنا الجنة فوجدناها حقّا، فهل وجدتم وعد ربّكم للناس حقّا؟ ﴿قالُوا نَعَمْ﴾ أقرّ أهل النار بالحق بعد فوات الأوان ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ التأذين في اللغة النداء بالإعلام، والأذان للصلاة إعلام بها وبوقتها، والمعنى أن أعقب ذلك الحوار إعلام بأن الظالمين مبعدون من رحمة الله، وهم الموصوفون في الآية التالية:

стр. 614

﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ (٤٥) ٤٥ - الظالمون كانوا في الحياة الدنيا على ثلاثة أنواع: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ يصدّون الناس عن قبول الدين الحق، ويحاولون صرفهم عنه، سواء بالقسر والإكراه، أو بالترغيب والإضلال بالدعاية الباطلة والوسائل المقنّعة، وهي أكبر المحرّمات، لأنها أول ما وصف بها تعالى أصحاب النار، فهؤلاء الناس لا يكتفون أنهم ضالّون بل يعملون جاهدين على إضلال غيرهم ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجاً﴾ يبغون سبيل الله، أي الطريق إليه، معوجّة، لأنهم يريدون إفساد الدين الصحيح بالشرك، وبالتشكيك، وبالتضليل بالوسائل السافرة والباطنية ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ﴾ ومن هؤلاء الظالمين، الضالين المضلّين، من يكون كافرا بالآخرة، ينكر البعث والحساب، ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ (٤٦) ٤٦ - ﴿وَبَيْنَهُما حِجابٌ﴾ بين أصحاب الجنة وأصحاب النار حجاب، والحجاب قد يكون حسّيا أو معنويا، وأمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا ﴿وَعَلَى الْأَعْرافِ رِجالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيماهُمْ﴾ الأعراف، بصيغة الجمع، تطلق على أعالي الأشياء، ومفردها عرف، ومنه عرف الديك وعرف الفرس، ويسمّى المرتفع من الأرض عرفا لأن الواقف عليه يستطلع ما دونه فيصير على معرفة به، أو لأنه يمكن تمييز المرتفع ومعرفته من بعد، ومنه المعرفة، والعرف ضدّ النكر، والمعرفة هي منبت العرف، فيقال فلان على معرفة أي على علم، ورجال على الأعراف يعرفون كلاّ بسيماهم، أي أنهم على معرفة وبصيرة وحسن تمييز بين أهل الجنة وأهل النار، - وهو قول الحسن البصري والزجّاج، ذكره الرازي - والواضح أنهم فريق ثالث غير أصحاب الجنة، وأصحاب النار، فهؤلاء الناس كانوا في حياتهم على مستوى عال من المعرفة، يستطيعون التمييز جيدا بين الحق والباطل، والخطأ والصواب، والإيمان والكفر، ومع ذلك كانوا غير مكترثين، لم

стр. 615

يميلوا بشكل جازم نحو الحق أو نحو الباطل، ولكنهم في الوقت نفسه لم يصدّوا عن سبيل الله، ولم يقفوا في طريق الخير، فاستوت حسناتهم وسيئاتهم ﴿وَنادَوْا أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوها وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾ لأن أصحاب الأعراف، رغم معرفتهم مسبقا بالنعيم الذي يؤول إليه أصحاب الجنة فإنهم لم يعملوا بالعمل المؤدي إليها، لكنهم يطمعون بدخولها رغم تقصيرهم السابق، والمقصود من قوله تعالى ﴿رِجالٌ﴾ أنهم أشخاص قد يكونوا من الجنسين، وليسوا رجالا بالتحديد دون النساء، بدليل قوله سبحانه في الآية (٤٨): ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً﴾ أي أشخاصا من أصحاب النار. ﴿وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٤٧) ٤٧ - ﴿وَإِذا صُرِفَتْ أَبْصارُهُمْ تِلْقاءَ أَصْحابِ النّارِ﴾ لكي يعاينوا مصير أصحاب النار ﴿قالُوا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ بعد أن فاتتهم الأعمال التي تبعد العذاب عنهم. ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٤٨) ٤٨ - ﴿وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالاً يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ﴾ أصحاب الأعراف ينادون أفرادا من أصحاب النار يعرفونهم بسيماهم، أي يعرفون أنهم قاموا بالأعمال التي أدّت بهم إلى النار، فيقولون لهم: ﴿قالُوا ما أَغْنى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ﴾ أي ما أغنى عنكم جمعكم للمال، ولا أغنى عنكم جمعكم الكبير وكثرتكم ﴿وَما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ وما أفادكم استكباركم عن قبول الحق، ولا استكباركم على الناس. ﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ (٤٩) ٤٩ - ﴿أَهؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ﴾ تتمة كلام أصحاب الأعراف إلى أصحاب النار، وهم يشيرون إلى أصحاب الجنة ممّن كان أصحاب

стр. 616

النار يستكبرون عليهم في الدنيا، ويأنفون من مشاركتهم في الدين، وربما هزئوا بهم، ممّا ينمّ عن منتهى الضلال الذي كانوا فيه ﴿اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فقد قيل لهؤلاء الناس ادخلوا الجنة، والمراد أنه تعالى يحث أصحاب الأعراف في الدنيا على العمل بعمل أصحاب الجنة واللحاق بمنزلتهم، وأن الجزاء على قدر الأعمال، والتقدم والتأخر على حسبها، وأن أحدا لا يسبق أحدا عند الله إلاّ بسبقه في العمل، ولا يتخلف إلاّ بتخلفه في العمل. ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾ (٥٠) ٥٠ - ﴿وَنادى أَصْحابُ النّارِ أَصْحابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الْماءِ أَوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ الإفاضة من الفيض أو من الفائض، أو من فيضان النعيم الذي يعيش فيه أصحاب الجنة، وفيه معنى الكثرة ﴿قالُوا إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُما عَلَى الْكافِرِينَ﴾ لإفادة الخيبة التامة لأمثالهم في الآخرة، ثم إنه تعالى وصف هؤلاء الكافرين بقوله: ﴿الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ (٥١) ٥١ - ﴿الَّذِينَ اِتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً﴾ جعلوا اللهو واللعب دينا لهم، لكثرة ما أضاعوا الأوقات فيما لا طائل منه ولا فائدة، ويحتمل المعنى أيضا أنهم جعلوا من الدين أضحوكة فيلهون ويلعبون بالهزء منه وبالسخرية من معتنقيه ﴿وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا﴾ طمعا في كثرة المال ورغد العيش وعلوّ الجاه وطول العمر، حتى صاروا محجوبين عن الدين، مستغرقين في طلب الدنيا ﴿فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ﴾ كان من عاقبة نسيانهم اليوم الآخر، وجحودهم الآيات، ألاّ يستجيب تعالى لدعائهم في الآخرة، والجحود هو الإنكار مع العلم، فكأنهم، بغلبة الدنيا عليهم، أنكروا الدين والآيات مع علمهم بصحتها.

стр. 617

﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٢) ٥٢ - ﴿وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ﴾ وهو القرآن ﴿فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ﴾ فيه تفصيل كل ما يحتاج إليه الإنسان من أمور الدين والعقائد، والكتاب على علم، أي مشتمل على العلم اليقيني لعالم الشهادة والغيب، وليس علم الظن والتخمين ﴿هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فهو هدى ورحمة للذين لديهم استعداد للإيمان، وفي ذلك عودة الخطاب لأول السورة. ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٥٣) ٥٣ - ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاّ تَأْوِيلَهُ﴾ ينظرون أي ينتظرون، والتأويل هو المآل أو عاقبة الأمر، والمعنى ماذا ينتظرون حتى يؤمنوا بالقرآن؟ هل ينتظرون ما تؤول إليه الأمور؟ أي تحقق ما وعدوا به، والمآل يكون تدريجيا في تحقق ما أخبر به القرآن عن الغيب، وقد يكون موتهم، ثم يكون التأويل النهائي يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ أي ما يؤول إليه الأمر يوم القيامة ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ﴾ يومئذ تزول كل شبهة لدى الذين نسوه أي لم يلقوا إليه اهتماما، وما اهتدوا به ﴿فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا﴾ يتمنّون شفاعة الشفعاء لأن ضلالهم في الدنيا زيّن لهم شفاعة من يعبدون من دون الله ﴿أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنّا نَعْمَلُ﴾ أيقنوا بعد فوات الأوان أنّ النجاة والسعادة لا يكونان إلا بالإيمان المقترن بالعمل الصالح، وليس بالاعتماد على شفاعة الشفعاء ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وأي شيء أكبر من خسارة النفس ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ تبيّن لهم ضلال ما كانوا يفترون من شفاعة من يعتقدون من الشفعاء، كالأولياء والأحبار والقديسين وكبار رجال الدين، والمسيح الذي افتدى خطاياهم سلفا بزعمهم، فركنوا إلى ذلك في حياتهم الدنيا.

стр. 618

﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ (٥٤) ٥٤ - بعد أن ذكر تعالى حال الكفرة وشركهم، احتجّ عليهم بقدرته بلا حدود وبمخلوقاته، ودلّهم بذلك على أن لا معبود سواه، فقال عزّ شأنه: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ السماوات بصيغة الجمع لأنها إشارة إلى الكون بكامله شاملا بلايين المجرّات والنجوم والكواكب ممّا لا حصر له، والأرض بصيغة المفرد وهي الكرة الأرضية التي نعيش عليها، ولا يمنع ذلك أنّ الأرضين كثيرة بدليل قوله تعالى ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢/ ٦٥]، وسبب ذكر الأرض بالمفرد لأن باقي الأرضين مشمولة في تعبير السماوات، انظر آية [الأنعام ١/ ٦]، ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ الأيام بمعنى الحقب الزمنية، وليست أيام أرضنا المكونة من ٢٤ ساعة، وفي العربية يشير تعبير اليوم لحقبة زمنية طالت أم قصرت، كقوله تعالى ﴿فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج ٤/ ٧٠]، ﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كناية عن مقدرته تعالى المطلقة في الخليقة، وحرف ﴿ثُمَّ﴾ لا يعني الترتيب الزمني بالضرورة، فقد يفيد معنى العطف، راجع إعراب القرآن للزجاج، ونلاحظ أن الاستواء على العرش تكرر في القرآن سبع مرات في كل مرة يذكر فيها خلق الكون، وهي [الأعراف ٥٤/ ٧]، [يونس ٣/ ١٠]، [الرعد ٢/ ١٣]، [طه ٥/ ٢٠]، [الفرقان ٥٩/ ٢٥]، [السجدة ٤/ ٣٢]، [الحديد ٤/ ٥٧]، ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ الإغشاء والتغشية إلباس الشيء بالشيء، والمعنى أن الليل يزحف على النهار فيغطيه تدريجيا في إحدى جهات الكرة الأرضية، في الوقت الذي يكون النهار زاحفا على الليل فيغطيه تدريجيا في الجهات الأخرى، واللفظ يحتمل الحالتين معا، وفيه دليل على كروية الأرض ﴿يَطْلُبُهُ حَثِيثاً﴾ الحث هو الإعجال، والمعنى أن الليل والنهار يتابع أحدهما الآخر باستمرار وعجلة، حتى يعود أحدهما إلى موقعه السابق كل ٢٤ ساعة ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾

стр. 619

﴿وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ﴾ خلق جميع الأكوان منقادة خاضعة لأمره ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ فهو تعالى الخالق، والمدبّر المتصرّف بخلقه ﴿تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ قال الرازي: للبركة تفسيران: أحدهما البقاء والثبات، والثاني كثرة الخيرات والآثار الفاضلة، وكلاهما لا يليق إلاّ بالحق سبحانه. ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٥٥) ٥٥ - بعد أن بيّن تعالى التوحيد، وأنه المتفرّد بالخلق والأمر، أمر عباده أن يدعوه مخلصين متذللين فقال عزّ شأنه: ﴿اُدْعُوا رَبَّكُمْ﴾ المراد من الدعاء السؤال والطلب، والدعاء العبادة لقوله ﷺ : «الدعاء هو العبادة»، أي هو الركن الأعظم في العبادة، على نحو "الحج عرفة"، لأن الداعي يكون مدركا ضعفه وعجزه ونقصه، ويعلم أنه تعالى متصف بالقدرة والكمال وأنه يسمع الدعاء ويستجيب، فالدعاء لذلك من أعظم العبادات ﴿تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ التضرّع الابتهال وقيل هو الخشوع والاستكانة، وخفية أي في السر، والمعنى ادعوا ربّكم متضرعين مبتهلين، ومسرّين في الخفاء، والأولى بالعبادة إخفاؤها صونا لصاحبها عن الرياء، وحفظا لعمله من البطلان، وقيل إذا بلغ صاحبها درجة من الصفاء وقوة اليقين بحيث يأمن على نفسه من الرياء كان الأولى إظهارها لتحصل فائدة إقتداء الغير به ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ في الدعاء، والمعنى تحريم دعاء غير الله تعالى، ومن دعا غير الله فقد أشرك، وقالوا أيضا إن رفع الصوت بالدعاء وترك التضرع، من الاعتداء المنهي عنه في الآية. ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَاُدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥٦) ٥٦ - ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ أي بعد أن كانت صالحة كما خلقها تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة ٧/ ٣٢]، وإصلاحها الأعظم كان ببعث الرسل وختمهم بالنبي ﷺ لهداية الناس وإصلاح عقائدهم وأخلاقهم وانحرافاتهم، فلا تفسدوا في الأرض بالتخريب وبالظلم وبالخروج

стр. 620

والانحراف عن الدين، وابتكار الشرائع الوضعية ﴿وَاُدْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً﴾ ليكن دعاؤكم بين الخوف والرجاء، ولا تقطعوا أنكم إذا اجتهدتم فقد أدّيتم حق ربّكم، ويحتمل المعنى أيضا أن من لا يدعو ربّه تضرّعا وخفية، وخوفا وطمعا، يكون أقرب إلى الإفساد منه إلى الإصلاح ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي إنّ أثر رحمة الله - بحذف المضاف - قريب من الذين يدعون ربهم، وهم محسنون في عبادتهم وأعمالهم. ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٥٧) ٥٧ - تتمة الخطاب من الآية (٥٤)، والمعنى إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي يرسل الرياح: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ قالوا إنّ الرحمة بهذا المعنى هي المطر، لأنه تعالى جعل من الماء كل شيء حي، فالرياح تسوق السحاب وتبشر بهطول المطر ﴿حَتّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالاً﴾ عندما تحمل الرياح السحاب المثقل بالرطوبة - لأنّ الإقلال حمل الشيء، واشتقاقه من القلة لأن الحامل يستقل ما يحمله أي يعدّه قليلا، ومنه قولهم: جهد المقلّ أي الحامل - ﴿سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ لأجل بلد ميت من شدة العطش، أو إلى بلد ميت، والبلد كل موضع من الأرض عامر أو غير عامر ﴿فَأَنْزَلْنا بِهِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ من كل أنواعها ﴿كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتى﴾ وهو مغزى الآية، لأنّ القادر على إحياء الأرض الميتة وإخراج النبات والثمار منها، قادر أيضا على إحياء الموتى يوم الحساب ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ التشابه بين الحالتين، والمعنى كيف تذهلون عن معجزة إحياء الأرض الميتة؟ وأنتم تنكرون البعث؟ ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾

стр. 621

٥٨ - ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، والمعنى أن المطر إذا نزل على الأرض الطيبة نبتت فيها الخيرات ﴿وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلاّ نَكِداً﴾ البلد الذي خبثت أرضه، كالأرض السبخة، لا يخرج نباته إلا نكدا، أي شحيحا عسرا قليل الخير، وقد لا يخرج إلا الأشواك والأعشاب الضارة ﴿كَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ بمثل هذا الشرح وضرب الأمثال نبيّن الآيات للناس الذين يقدّرون نعمة الهداية حق قدرها، وقيل إن هذا مثل ضربه تعالى للمؤمن والكافر، وقد شبّه نزول القرآن على البشرية بنزول المطر، وشبّه ذوي العقول المنفتحة والصدور التي تتقبل الحق، بالأرض الخصبة، وشبّه ذوي الأفق الضيق والعصبية بالأرض القاحلة السبخة، لأنهم صممّوا على التقليد والكفر، ولا يرغبون البحث الجدّي والموضوعي عن الحقيقة، فالهدي الإلهي لا يفيدهم مثلما لا تفيد المطر الأرض السبخة. والآيات التالية (٥٩ - ١٧١) توضح هذه النقطة بقصص تاريخية من النبوّات التي نزلت على خمس من الأمم البائدة وهم قوم نوح، وعاد، وثمود، ولوط، وشعيب، بالإضافة لبني إسرائيل، وهي في الوقت ذاته تأكيد على موضوع الآيات السابقة لجهة التكليف وتوحيد الألوهية، ووجوب النظر في الدلائل، كما هي تأكيد على موضوع الآيات (٤ - ٥) و (٣٤ - ٣٦) إن آجال الأمم، بغتة أو جهرة، مرتبطة باتّباع هدي الرسل: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (٥٩) ٥٩ - ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ كلّفهم بالعبادة وأمرهم بالتوحيد، ويحتمل من الخطاب أن قوم نوح لم يكونوا منكرين لوجود الله ولا جاهلين به، ولا معارضين لفكرة عبادة الله، ولكنهم ابتلوا بالشرك، فنشأ عندهم العديد من الآلهة المزيفة اعتبروها إما مستحقة للعبادة بذاتها كما يعبدون الله، أو أن هذه الآلهة وسطاء وشفعاء لهم

стр. 622

عند الله ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ما ينتظرهم من عذاب يوم القيامة، وما يسبقه من عذاب يوم الطوفان. ﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٦٠) ٦٠ - ﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ﴾ الملأ هم كبار القوم، قيل لأنهم يملؤون صدور المجالس، وتمتلئ العيون من تكرار رؤيتهم، كما قد تمتلئ القلوب منهم هيبة ﴿إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ كما هي العادة، يرى الملأ في الأنبياء خطرا على زعاماتهم ومصالحهم الاقتصادية والسياسية، إضافة أنهم نشأؤوا على التقليد، فاتهموا نوحا بالضلال المبين، ثمّ عابوا عليه أن جميع من تبعوه من ضعاف القوم وصغارهم، انظر آيات [هود ٢٧/ ١١] و [الشعراء ١١١/ ٢٦]، ويحتمل أنهم اتهموه بالضلال المبين بعد أن رأوه يعمل في إعداد سفينته على اليابسة، مع عدم وجود أي أثر للماء في المنطقة. ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٦١) ٦١ - ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي على النقيض من كوني ضالاّ فإني على الطريق الصحيح، لأني رسول من ربّ العالمين، والمعنى أن الضلال بكم، ووظيفتي هدايتكم. ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦٢) ٦٢ - ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي﴾ وما على الرسول إلاّ البلاغ ﴿وَأَنْصَحُ لَكُمْ﴾ ما هو في صالحكم، ولا أكرهكم على شيء، ولست عليكم بحفيظ ولا وكيل ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ لأن الإنسان لا يتوصّل إلى العلم الصحيح فيما يتعلق بالدين، وعالم الغيب، والآخرة، إلا عن طريق الوحي الإلهي، لا عن طريق الظن والتخمين والنظريات. ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)﴾

стр. 623

٦٣ - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾ ما وجه العجب أن يأتيكم الوحي والعلم على لسان رجل منكم، مع معرفتكم مسبقا بصدقي وأمانتي منذ زمن طويل؟ وقد لبثت معكم ألف سنة إلاّ خمسين عاما [العنكبوت ١٤/ ٢٩]، وسمّى الوحي ذكرا لأنه تذكير للناس بالعهد الذي أخذه تعالى على بني آدم عندما أخذهم من ظهور آبائهم وأشهدهم على ربوبيته، انظر الآية (١٧٢)، ﴿لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا﴾ لينذركم حساب يوم القيامة وعاقبة الكفر والشرك، ولتتقوا عذاب الدنيا والآخرة ﴿وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فتعرفون طريق السعادة وتنالون رحمة الله بدخول الجنة. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ﴾ (٦٤) ٦٤ - ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ كان من نتيجة تكذيبهم أن أغرقهم تعالى بالطوفان، وأنجى نوحا والمؤمنين معه، والواضح من الآية - خلافا لكتب اليهود - أن الطوفان لم يكن عاما بل اقتصر على الذين أصروا على التكذيب بالآيات ﴿إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ﴾ وهو سبب تكذيبهم: أنّ التقليد وحب الدنيا أعميا بصائرهم عن رؤية الحقيقة، ثم حقّ عليهم العذاب لما انقطع منهم الرجاء. يلاحظ أن قصة نوح - وغيره من قصص الأنبياء - تكررت في القرآن بعدّة مواضع، والسبب أنّ القصص القرآنية ليست مقصودة لذاتها، فهي ليست لمجرّد التأريخ وسرد الحوادث، ولكن القصد منها العظة والحكمة، ومن ثمّ عندما تتكرر القصة في عدة سور فإنها في كل مرة ترد ضمن سياق ومغزى جديد يتناسب مع موضوع السورة، فيظهر جانب جديد منها، وتبدي حكمة أو حكما معينة لم تكن في باقي السور، وفي كل مرة يكون التركيز على الجانب من القصة ذي العلاقة بمحور السورة مع إيجاز جوانبها الأخرى وترك بعضها الآخر، فمثلا في قصة نوح المذكورة أعلاه نلاحظ الإيجاز الشديد في بيان

стр. 624

مراحل بعثة نوح: فالآية (٥٩) تلخص بعثة نوح ودعوته، والآية (٦٠) تبيّن رأي قومه في الدعوة وتكذيبهم إياه، والآيات (٦١ - ٦٣) تلخص حجج نوح على قومه، وأخيرا تبين الآية (٦٤) إصرار الكفار على موقفهم وعاقبة تكذيبهم، وهو المغزى المقصود، أما معاناة نوح الطويلة مع قومه فقد وردت في سورة هود، ويلاحظ التشابه الكبير بين بعث الرسل ﵈ وبين بعثة النبي ﷺ ، فالرسل جميعا تلقوا الرفض والاضطهاد، وتحمّلوا المعاناة من أقوامهم، كما تشابهت الاعتراضات ضدّهم، وصبروا جميعا حتى كانت العاقبة بهلاك الكفار ونصر الرسل على أعدائهم. ﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (٦٥) ٦٥ - ﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً﴾ أي وأرسلنا إلى قوم عاد نبيّهم هود - وهذه القصة الثانية - والمقصود من كونه أخاهم أنه منهم، والعرب تسمّي رجل القوم أخاهم، كقولهم أخا العرب، وقوم عاد سكنوا الأحقاف وهي الواقعة بين حضرموت وعمان، وانتشر سلطانهم على البلاد من حولهم حتى بلغ الخليج الفارسي شرقا والبحر الأحمر غربا، وقيل امتد سلطانهم شمالا حتى الشام، وقيل حتى العراق، وبلغت حضارتهم في وقتها مبلغا عظيما حتى وصفها تعالى بقوله: ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر ٨/ ٨٩]، ﴿قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ كلّفهم بالعبادة وأمرهم بالتوحيد، وهي كدعوة نوح وبقية الرسل لأقوامهم ﴿أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ عواقب الشرك والفساد، وهي الهلاك العاجل أو الآجل. ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ وَإِنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٦٦) ٦٦ - ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي المصرّون على الكفر منهم، وسيرد في الآية (٧١)﴾ أنهم لن يؤمنوا في المستقبل ﴿إِنّا لَنَراكَ فِي سَفاهَةٍ﴾ اتهموه بضعف العقل لأنه نهاهم عن عبادة آلهتهم وأوثانهم ﴿وَإِنّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ وأضافوا عليه ظنّ الكذب لادعائه أنه رسول من الله.

стр. 625

﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٦٧) ٦٧ - ﴿قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي على النقيض مما تظنون بي من ضعف العقل وضحالة الفكر، فإن الموضوع في منتهى الجدية لأني رسول من ربّ العالمين. ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ﴾ (٦٨) ٦٨ - ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ أَمِينٌ﴾ مهمة الرسول هي البلاغ، وهو مجرّد ناصح أمين لهم، غير مسيطر. ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٦٩) ٦٩ - ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ سمّى الوحي ذكرا لأنه تذكير لهم بالميثاق الفطري المأخوذ عليهم، راجع [الأعراف ١٧٢/ ٧]، ﴿عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ﴾ ما وجه العجب أن يبعث تعالى رجلا منكم ليدعوكم إلى عبادته وحده؟ ولينذركم عواقب الضلال ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ فاعتبروا بعاقبة تكذيب الرسل ﴿وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ﴾ بسطة وقد زادكم تعالى من بين مخلوقاته قوة ومنعة ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ﴾ فاذكروا نعم الله بالشكر والطاعة والعمل الصالح ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الفلاح هو الفوز والبقاء والنجاة، والتوصل إلى الفلاح يكون عن طريق الشكر والعمل. ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٧٠) ٧٠ - ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ ما كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ وهو تأكيد أنهم مؤمنون بالله، ولكن يعتقدون أن له شركاء يشفعون لهم عنده، وهم أيضا مصرون على التمسك بالشركاء المزعومين تقليدا لآبائهم، والنتيجة أنهم يفضّلون التقليد على المعقول ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ رفضوا

стр. 626

مهلة التوبة التي منحها تعالى لهم كي ينظروا في العلم والدلائل قبل انقضاء الأجل. ﴿قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (٧١) ٧١ - ﴿قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ﴾ الرجس هو القبيح المستقذر حسّيا أو معنويا، والمعنى أن عبادتكم الآلهة المزعومة وإصراركم على الشرك قد لوّث نفوسكم بالخبث والقذارة الروحية، وقوله ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ﴾ يفيد تحقق الرجس على أصحابه نتيجة حتمية للإصرار على الشرك وتحدي الرسول، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ [التوبة ٩٥/ ٩]، وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس ١٠٠/ ١٠] أي الذين لا يستخدمون عقولهم، وقوله تعالى: ﴿كَذلِكَ يَجْعَلُ اللهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام ١٢٥/ ٦]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة ٢٨/ ٩]، فيكون الرجس والنجس بمعنى واحد، غير أن الزمخشري فسّر الرجس بالعذاب، لأنهم رفضوا الإمهال الذي يمنحه تعالى لعباده للتوبة فلم يبق إلا وقوع العذاب بهم ﴿وَغَضَبٌ﴾ أي ما يترتب على غضبه تعالى من العذاب، واستخدام الفعل الماضي في وقوع الرجس والغضب يفيد أن لا مردّ له بانتهاء مهلة التوبة ﴿أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ﴾ هذه الأسماء والمسمّيات من الأوثان والآلهة التي ابتكرها آباؤكم وقلدتموهم فيها، كيف تجادلون بصحتها مع أن معنى الإلهية فيها معدوم ﴿ما نَزَّلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ ما أنزل الله عليكم فيها حجة ولا برهان بل هي من اختراعكم، وما جعل تعالى بها من حول ولا قوة وليس فيها أي معنى للألوهية ﴿فَانْتَظِرُوا﴾ ما يحصل لكم من عبادة هذه الأصنام والآلهة المزعومة ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ ننتظر معا عدم استمهالكم ونتيجة طلبكم وقوع العذاب بكم بقولكم ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾.

стр. 627

﴿فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٧٢) ٧٢ - ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ أي لمّا جاء أمره تعالى أنجى برحمته هودا ومن كان معه من المؤمنين ﴿وَقَطَعْنا دابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ قطع دابرهم، هو استئصالهم عن آخرهم، لأن دابر الشيء آخره، قال جلّ شأنه: ﴿وَأَمّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ * سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ﴾ [الحاقة ٦/ ٦٩ - ٧]، ﴿وَما كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ معطوفة على قوله ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ والمعنى أنهم كذّبوا بآياته تعالى وما كانوا ليؤمنوا لو بقوا، وذلك من شدة إصرارهم على الضلال، ونظير ذلك قوله عزّ شأنه: ﴿وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ﴾ [الكافرون ٥/ ١٠٩] أي في المستقبل. ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٧٣) ٧٣ - ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً﴾ أي وأرسلنا إلى ثمود نبيّهم صالحا - وهذه القصة الثالثة - وتعبير أخاهم لكونه منهم ﴿قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ أمرهم بعبادة الله وحده كما هي دعوة جميع الرسل لأقوامهم ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ليتبيّن لكم الحق من الباطل، والبيّنة هي الوحي الذي نزل عليه والدلائل على صحة التوحيد والنبوّة التي جاءهم بها، والمعنى أن التقليد ليس عذرا ﴿هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ آية بمعنى علامة أو معجزة، وقوله ناقة الله بمعنى أن الخلق كله لله كما يقال عبد الله وأرض الله، وقيل لأنه لم يكن للناقة مالك من الناس ﴿فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ وهي الآية أو العلامة التي أشار إليها: أن يتركوا ناقة الله تأكل من أرض الله الواسعة ولا يتعرضوا لها بسوء، وأن يكون شرب الماء قسمة بينهم وبينها، انظر آية [القمر ٢٨/ ٥٤]، وأنذرهم العذاب الأليم في حال خلافهم.

стр. 628

﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٧٤) ٧٤ - ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفاءَ مِنْ بَعْدِ عادٍ﴾ خلفتم عاد في الحضارة والعمران والقوة، وكانت العرب تطلق على ثمود اسم عاد الثانية، وكانت في زمنها من أعظم البلاد وأكثرها تقدّما وحضارة، وامتدت أراضيها من شمال الحجاز - الحجر - حتى الشام، وقد اكتشفت نقوش آشورية تعود إلى عهد سرجون الثاني ملك آشور (٧١٥ ق. م) تذكر أنهم خضعوا لسلطة الآشوريين لفترة من الزمن، ويبدو أن مدينة البتراء الصخرية المكتشفة في الأردن منذ عهد قريب تعود إليهم، أي إنهم النبطيون الذين اصطدموا مع أنتيجوني الأول أحد خلفاء الاسكندر عام ٣١٢ ق. م، ثمّ في عام ٨٥ ق. م. وصلت دولتهم إلى دمشق تحت حكم ملكهم الحارثة، وتكرر ذلك عام ٣٦ ميلادية أيام ملكهم الحارثة الرابع، ثم هزمتهم روما في عهد الإمبراطور تراجان عام ١٠٥ ميلادية ﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ سكنتم وتمكنتم فيها ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِها قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبالَ بُيُوتاً﴾ كانوا يبنون القلاع في السهول وينحتون البيوت في الجبال، ولا تزال بيوتهم المنحوتة في الجبال في مدائن صالح - شمال الحجاز - وفي البتراء في الأردن موجودة إلى اليوم مزينة بالنقوش والكتابات شاهدة لهم على مستوى الحضارة التي وصلوها ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللهِ﴾ اذكروا نعم الله عليكم أن وصلتم إلى هذه المرحلة من الحضارة والتمكن في الأرض، والذكر يكون بقبول الهداية الإلهية والعمل بمقتضاها ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ لأن الإفساد في الأرض نقيض ذكر النعم الإلهية. ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ بعض المستضعفين آمن بالنبي صالح، في حين أن الملأ من ثمود استكبروا، وهذه الظاهرة تكررت في تاريخ بعث الرسل، لأن كبار القوم ينظرون عادة إلى

стр. 629

بعثة الرسول على أنها تهديد لزعاماتهم ولمصالحهم السياسية والاقتصادية ولعاداتهم الاجتماعية كالرقيق واستعباد الناس، وحتى لو أيقنت نفوسهم ضمنيا برسالة النبي فإنهم يجحدونها خوفا على مراكزهم ودنياهم ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ قالوها تهكما، أي هل تعلمون ذلك علم اليقين؟ والمغزى أنهم لا يقوّمون دعوة صالح من حيث صلاحها وسموّ أهدافها، ممّا لا يستطيعون إنكاره، ولكنهم يطلبون البرهان المادي على تلقيه الوحي؟ وهذه الحجة يلجأ إليها الماديّون في كل الأزمنة ﴿قالُوا إِنّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ بما معناه أن العقل والدلائل - لغير المكابر - كافية للإيمان. ﴿قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ (٧٦) ٧٦ - ﴿قالَ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا إِنّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ تعبير عن إصرارهم وإغلاق بصيرتهم، وأنهم يعملون بما يمليه عليهم الإصرار على الكفر، وهو عقر الناقة كما سيرد في الآية التالية: ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقالُوا يا صالِحُ اِئْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٧٧) ٧٧ - ﴿فَعَقَرُوا النّاقَةَ﴾ كناية عن ذبحها، لأن العقر هو قطع قوائمها، وكانوا قبل الإسلام يتبعون هذا الأسلوب الوحشي في نحر الناقة فيقطعون قوائمها قبل نحرها لتموت في مكانها ﴿وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ العتوّ هو التمرد، والمعنى تحدّيهم الآية التي جاءهم بها نبيهم ﴿وَقالُوا يا صالِحُ اِئْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ رفضوا مهلة التوبة والنظر في الرسالة والعلم والدلائل. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (٧٨) ٧٨ - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ يبدو أن الرجفة التي أخذتهم كانت زلزلة أرضية، ويحتمل أنه تبعها انفجار البراكين وسيلان الحمم البركانية فطغت على ديارهم، ولا تزال بقايا الحمم - اللافا - منتشرة شمال الحجاز إلى اليوم ولا سيما على مقربة من مدائن صالح، ويطلقون عليها اليوم اسم الحرّة، وهي الأراضي

стр. 630

المغطاة بالحمم البركانية المتصلبة ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ خامدين موتى بلا حراك. ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ (٧٩) ٧٩ - ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ وهي العبرة من القصة أن ما على الرسول إلاّ البلاغ والنصيحة، وهم لا يحبون الناصحين وليسوا طلاب حقيقة، بل يغلقون بصائرهم عنها ولو أتتهم. ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ (٨٠) ٨٠ - ﴿وَلُوطاً﴾ أي وأرسلنا لوطا - وهذه القصة الرابعة - وقد وردت بمزيد من التفصيل في سورة هود الآيات [هود ٦٩/ ١١ - ٨٣]، ولوط ابن أخي إبراهيم ﵇، ولد مثله في أور كلدان، أنظر شرح [الأنعام ٧٤/ ٦]، ثم استقر لوط بعد هجرته في شرق الأردن وبعث فيها ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ﴾ والفاحشة هي اللواط اشتق العرب لها اسما من لوط، ﵇، لأنه نها قومه عنها، وكانوا يقطنون شرق الأردن على مقربة من البحر الميت، ويسمى أيضا بحيرة لوط، والخطاب مرتبط بالآيات (٢٨ - ٣٣)، ﴿ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ﴾ لأنها منافية للفطرة التي فطر الناس عليها. ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ (٨١) ٨١ - ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أي تجاوزتم حدود الفطرة وحدود الشريعة، وحتى البهائم لا تقوم بهذا العمل، فالإسراف هنا بمعنى الهبوط تحت البهيمية. ﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (٨٢) ٨٢ - ﴿وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ قالوا ذلك تكبرا وتعنتا، أي أخرجوهم من مجتمعكم، لأن القرية بمعنى المجتمع، وقد

стр. 631

أرادوا إخراج من نهاهم عن هذه الفاحشة، أي لوط والمؤمنين به، للسبب المذكور في تتمة الآية: ﴿إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ وهو إقرار منهم أن هذا العمل ينفي عن صاحبه الطهارة المعنوية والحسية، وأنه على أية حال قد غلبت عليهم شهوتهم دون - البهيمية، ولا يريدون الاستماع للتوبيخ أو النصيحة، ويحتمل أيضا أن يكون قولهم على سبيل التهكم. ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٨٣) ٨٣ - ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ﴾ بعد إصرار القوم على المعصية حقّ عليهم العذاب، انظر آيات [هود ٧٧/-٨٣]، أنجاه تعالى مع المؤمنين به، ﴿إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ لم تؤمن به امرأته، وقررت البقاء مع قومها الشواذ، ولذا كانت من الغابرين، أي من الهالكين معهم. ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٨٤) ٨٤ - ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً﴾ وهو مطر الإهلاك نزل بهم لقوله تعالى ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢/ ١١]، وقد تكون الحجارة التي قذفت بها البراكين ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ وهي العبرة من القصة في عاقبة الأمم التي تشيع فيها الفواحش المناقضة للفطرة والشريعة، وقد قال تعالى فيهم: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ [النجم ٥٣/ ٥٣]. ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٨٥) ٨٥ - ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا - وهي القصة الخامسة - وأخاهم بمعنى أنه منهم، أمّا منطقة مدين فتمتدّ من شمال غرب الحجاز نحو جنوب فلسطين على شاطئ البحر الأحمر وحتى البحر الميت، وغربا لتشمل جزءا كبيرا من شبه جزيرة سيناء، وقيل إن نفوذهم امتد شرقا في بعض

стр. 632

الأوقات حتى الفرات، ومدين المدينة تقع بين معان وخليج العقبة، وهي على ملتقى طرق القوافل التجارية التي كانت تتنقل بين الحجاز ومصر، وبين العراق ومصر، وقيل إن أهاليها، وهم أصحاب الأيكة، من سلالة مدين وهو ابن إبراهيم ﵇ من زوجته الثالثة قيتورا، ولذا سميت المدينة والقبيلة باسمه، وتجار مدين هم الذين وجدوا يوسف - بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ في البئر ثم باعوه عبدا في مصر (سورة يوسف)، والظاهر من القصص الخمسة السابقة أن نوحا ثم هودا ثم صالحا ثم لوطا ثم شعيبا بعثوا بهذا الترتيب التاريخي، والواضح أيضا أن شعيبا جاء بعد إبراهيم - الذي كان عمّ لوط -، وقد شكّك عبد الله يوسف علي أن يكون شعيب هو حمو موسى ﵇ أو أن يكون معاصرا له كما هو شائع في التراث، فالمعروف أن بين بعثة إبراهيم وبعثة موسى حوالي ثمانية قرون من الزمن، في حين أن بعثة شعيب لم تتأخر بعد إبراهيم ولوط بأكثر من قرن أو قرنين من الزمن، أما الحروب التي قيل إنها نشبت بين قبائل مدين وبين بني إسرائيل، بعد دخول بني إسرائيل إلى سيناء وفلسطين، فيبدو أن الذين اشتركوا فيها من بقايا القبائل الرحل الذين قطنوا مناطق مدين بعد هلاك قوم شعيب بزمن طويل ﴿قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ دعاهم إلى التوحيد ونبذ الشرك ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهي التي أيّد بها تعالى نبيّه شعيبا، وقد تكون الوحي الذي نزل عليه والدلائل على صحة التوحيد والنبوّة التي جاءهم بها ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ بناء على ما جاءكم من البينة من ربّكم انتهوا عن أكل حقوق الناس، فالإيمان يجب أن يترتب عليه العدالة في المعاملة، والظاهر أن الغش والاحتيال في المعاملات الاقتصادية والتجارية وبخس الحقوق كان فاشيا بينهم، وأن نظامهم الاقتصادي كان قائما على ذلك، مع تغليفه بمسميات قانونية وعملية، فكان أول ما نهاهم شعيب عن ذلك، بعد أن نهاهم عن الشرك ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ لا تفسدوا في الأرض بتخريب الأحوال المعيشية الطبيعية وبالظلم والعدوان ﴿بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ بعد أن بعث الله

стр. 633

الرسل وأمر بمكارم الأخلاق، وسخر لكم الطبيعة وجعلها لكم في أحسن تكوين، وفي عصرنا الحاضر يشمل المعنى أيضا النهي عن تلويث البيئة وتخريبها ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ إشارة إلى كل ما أمرهم به ونهاهم عنه، ويتلخص في أمرين: التوحيد، وحسن المعاملة وترك الإيذاء ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إي إن كنتم مؤمنين حقا كما تدّعون، لأنه سبق بعث الرسل فيهم منذ زمن إبراهيم ﵇، ولأنه مع الكفر والشرك لا ينفع شيء. ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَاُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٨٦) ٨٦ - يلاحظ روعة الإيجاز في الخطاب، فالظاهر أنه بعدما أمر شعيب قومه بالتوحيد وأظهر لهم البيّنة ونهاهم عن أكل الحقوق واستغلال الآخرين وأمرهم بكف الأذى، آمن بعض الناس برسالته، فتآمر الملأ من كبار القوم خوفا على مكاسبهم من الضياع وعلى نظامهم الفاسد من الانهيار، وصاروا يتوعّدون المؤمنين بكل السبل ويصدّون الناس عن شعيب، فوجّه شعيب خطابه إلى الملأ قائلا: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي تتوعّدون المؤمنين بالتهديد وتصدّونهم عن شريعة الله ﴿وَتَبْغُونَها عِوَجاً﴾ تخترعون لشريعة الله اعوجاجا بإلقاء الشبهات عليها واختراع العيوب والنواقص، وتشويه الدين في أعين الناس ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾ اذكروا نعم الله عليكم إذ جعلكم كثيري العدد والمال، وزادكم قوة بعد أن نشأتم من ضعف وقلّة ﴿وَاُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ اعتبروا بالأمم البائدة من حولكم كأقوام نوح وعاد وثمود وقوم لوط، وفيه أيضا إشارة لمضمون الآية (٣٤) بمجيء أجال الأمم المفسدة في وقتها. ﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ (٨٧) ٨٧ - ﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا﴾ الكلام استمرار لخطاب شعيب إلى الملأ المستكبرين من قومه، وفي

стр. 634

هذه الحال يكون معنى ﴿فَاصْبِرُوا﴾ أي دعوا المؤمنين على حالهم، ولا تكرهوا غيركم على عقيدتكم، واتركوا الناس أحرارا تختار ما تراه صالحا لأن الأصل في الأمور حرية العقيدة، وإن كنتم تعتقدون أنكم على حق فإنه لا يصح إلا الصحيح. ويحتمل المعنى أيضا أن شعيبا التفت بالخطاب إلى القلة المؤمنين من أتباعه فنصحهم بالصبر وتحمل التضحيات والمشاق حتى يجيء أمر الله ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ وحكم الله قد يجيء في زمانهم، أو بعدهم بجيل أو بأجيال، بتطور منطق الأحداث، وحكمه تعالى يكون بحسب سننه في خلقه بأن ينصر من الناس من هم أقرب إلى العدل والإصلاح في الأرض، وهو خير الحاكمين لأن حكمه الحق. ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ (٨٨) ٨٨ - ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾ على النقيض من حرية العقيدة التي دعاهم إليها شعيب في الآية السابقة فإنهم مصرّون على الإكراه، والنتيجة أن الدعوة والنصح والنقاش الموضوعي والمنطق الحسن لم ينفع مع المستكبرين من كبار القوم، ولم يقبلوا هذا الأسلوب، فبدلا من الاستجابة لعرض التسامح وحرية الفكر الذي قدّمه شعيب لهم، هدّدوه بإخراجه ومن معه من مجتمعهم إن لم يلتزموا بالملّة التي ورثوها عن آبائهم وهي الشرك ﴿قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ أي كيف يجوز إكراه البشر على ملّة أو عقيدة لا يؤمنون بها؟ فإنّ الله تعالى قد خصّ بني آدم بالتكريم لجهة حرية الفكر والخيار. ﴿قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)﴾

стр. 635

٨٩ - ﴿قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ المعنى أن الدخول في ملّتكم يقتضي منّا أن نكذب على أنفسنا ونشرك بالله ما لم ينزّل به سلطانا ﴿بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها﴾ بعد أن أوضح لنا تعالى بطلان ملّتكم، وأنزل علينا الوحي والبيّنات والدلائل ﴿وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها﴾ إن كنّا صادقين مع أنفسنا، بعد كل هذه الدلائل، وفي ذلك إشارة للآية (٣٧)، ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا﴾ بعد النفي القاطع لاحتمال دخوله ومن معه في ملّتهم، ردّ الأمر إلى المشيئة الإلهية وهي في علم الغيب، وليس المعنى أنه تعالى قد يشاء أو يريد ذلك منه، وإنما ذلك تواضع من شعيب وإقرار بضعف الإنسان تجاه المشيئة المطلقة ﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ تمجيد له تعالى لانفراده بعلم الغيب ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾ بعد أن استنفد شعيب كل الأسباب في إقناع قومه، وبعد إصرارهم على الكفر، وتهديدهم له وللمؤمنين معه بالإخراج أو العودة في ملتهم، كان التوكل على الله الملاذ الأخير لشعيب والمؤمنين معه ﴿رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ﴾ إعراض تام عن مفاوضتهم بعدما ظهر له من مكابرتهم وجحودهم، والاستفتاح هو الاستنصار، فهو يرجو الفتح من الله كي يظهر الحق من الباطل ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ تمجيد له تعالى. ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ (٩٠) ٩٠ - ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ بعد أن يئس الملأ من استجابة شعيب لهم، التفتوا بالخطاب إلى المؤمنين من جماعته، فأنذروهم أنهم سيخسرون مكانتهم ومعيشتهم وأرزاقهم في المجتمع إن هم أصرّوا على اتّباع شعيب، والمعنى أنهم لم يكتفوا بإصرارهم على الضلال، بل تجاوزوه لمحاولة إضلال المؤمنين وحرمان شعيب من مؤيديه، وهو السهم الأخير الذي حاولوه، ويفيد انقطاع الرجاء والأمل من إيمانهم بشعيب، وانتهاء فترة الإمهال والتوبة لهم، ويلاحظ روعة الإيجاز وتسلسل الحوار الفكري بين شعيب ومناوئيه.
следующие страницы →