← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

أرادوا إخراج من نهاهم عن هذه الفاحشة، أي لوط والمؤمنين به، للسبب المذكور في تتمة الآية: ﴿إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ وهو إقرار منهم أن هذا العمل ينفي عن صاحبه الطهارة المعنوية والحسية، وأنه على أية حال قد غلبت عليهم شهوتهم دون - البهيمية، ولا يريدون الاستماع للتوبيخ أو النصيحة، ويحتمل أيضا أن يكون قولهم على سبيل التهكم. ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ (٨٣) ٨٣ - ﴿فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ﴾ بعد إصرار القوم على المعصية حقّ عليهم العذاب، انظر آيات [هود ٧٧/-٨٣]، أنجاه تعالى مع المؤمنين به، ﴿إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ لم تؤمن به امرأته، وقررت البقاء مع قومها الشواذ، ولذا كانت من الغابرين، أي من الهالكين معهم. ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٨٤) ٨٤ - ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً﴾ وهو مطر الإهلاك نزل بهم لقوله تعالى ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود ٨٢/ ١١]، وقد تكون الحجارة التي قذفت بها البراكين ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ وهي العبرة من القصة في عاقبة الأمم التي تشيع فيها الفواحش المناقضة للفطرة والشريعة، وقد قال تعالى فيهم: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى﴾ [النجم ٥٣/ ٥٣]. ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٨٥) ٨٥ - ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أي وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا - وهي القصة الخامسة - وأخاهم بمعنى أنه منهم، أمّا منطقة مدين فتمتدّ من شمال غرب الحجاز نحو جنوب فلسطين على شاطئ البحر الأحمر وحتى البحر الميت، وغربا لتشمل جزءا كبيرا من شبه جزيرة سيناء، وقيل إن نفوذهم امتد شرقا في بعض

стр. 632

الأوقات حتى الفرات، ومدين المدينة تقع بين معان وخليج العقبة، وهي على ملتقى طرق القوافل التجارية التي كانت تتنقل بين الحجاز ومصر، وبين العراق ومصر، وقيل إن أهاليها، وهم أصحاب الأيكة، من سلالة مدين وهو ابن إبراهيم ﵇ من زوجته الثالثة قيتورا، ولذا سميت المدينة والقبيلة باسمه، وتجار مدين هم الذين وجدوا يوسف - بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ في البئر ثم باعوه عبدا في مصر (سورة يوسف)، والظاهر من القصص الخمسة السابقة أن نوحا ثم هودا ثم صالحا ثم لوطا ثم شعيبا بعثوا بهذا الترتيب التاريخي، والواضح أيضا أن شعيبا جاء بعد إبراهيم - الذي كان عمّ لوط -، وقد شكّك عبد الله يوسف علي أن يكون شعيب هو حمو موسى ﵇ أو أن يكون معاصرا له كما هو شائع في التراث، فالمعروف أن بين بعثة إبراهيم وبعثة موسى حوالي ثمانية قرون من الزمن، في حين أن بعثة شعيب لم تتأخر بعد إبراهيم ولوط بأكثر من قرن أو قرنين من الزمن، أما الحروب التي قيل إنها نشبت بين قبائل مدين وبين بني إسرائيل، بعد دخول بني إسرائيل إلى سيناء وفلسطين، فيبدو أن الذين اشتركوا فيها من بقايا القبائل الرحل الذين قطنوا مناطق مدين بعد هلاك قوم شعيب بزمن طويل ﴿قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ دعاهم إلى التوحيد ونبذ الشرك ﴿قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهي التي أيّد بها تعالى نبيّه شعيبا، وقد تكون الوحي الذي نزل عليه والدلائل على صحة التوحيد والنبوّة التي جاءهم بها ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ بناء على ما جاءكم من البينة من ربّكم انتهوا عن أكل حقوق الناس، فالإيمان يجب أن يترتب عليه العدالة في المعاملة، والظاهر أن الغش والاحتيال في المعاملات الاقتصادية والتجارية وبخس الحقوق كان فاشيا بينهم، وأن نظامهم الاقتصادي كان قائما على ذلك، مع تغليفه بمسميات قانونية وعملية، فكان أول ما نهاهم شعيب عن ذلك، بعد أن نهاهم عن الشرك ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ لا تفسدوا في الأرض بتخريب الأحوال المعيشية الطبيعية وبالظلم والعدوان ﴿بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ بعد أن بعث الله

стр. 633

الرسل وأمر بمكارم الأخلاق، وسخر لكم الطبيعة وجعلها لكم في أحسن تكوين، وفي عصرنا الحاضر يشمل المعنى أيضا النهي عن تلويث البيئة وتخريبها ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ إشارة إلى كل ما أمرهم به ونهاهم عنه، ويتلخص في أمرين: التوحيد، وحسن المعاملة وترك الإيذاء ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إي إن كنتم مؤمنين حقا كما تدّعون، لأنه سبق بعث الرسل فيهم منذ زمن إبراهيم ﵇، ولأنه مع الكفر والشرك لا ينفع شيء. ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَاُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٨٦) ٨٦ - يلاحظ روعة الإيجاز في الخطاب، فالظاهر أنه بعدما أمر شعيب قومه بالتوحيد وأظهر لهم البيّنة ونهاهم عن أكل الحقوق واستغلال الآخرين وأمرهم بكف الأذى، آمن بعض الناس برسالته، فتآمر الملأ من كبار القوم خوفا على مكاسبهم من الضياع وعلى نظامهم الفاسد من الانهيار، وصاروا يتوعّدون المؤمنين بكل السبل ويصدّون الناس عن شعيب، فوجّه شعيب خطابه إلى الملأ قائلا: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ أي تتوعّدون المؤمنين بالتهديد وتصدّونهم عن شريعة الله ﴿وَتَبْغُونَها عِوَجاً﴾ تخترعون لشريعة الله اعوجاجا بإلقاء الشبهات عليها واختراع العيوب والنواقص، وتشويه الدين في أعين الناس ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ﴾ اذكروا نعم الله عليكم إذ جعلكم كثيري العدد والمال، وزادكم قوة بعد أن نشأتم من ضعف وقلّة ﴿وَاُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ اعتبروا بالأمم البائدة من حولكم كأقوام نوح وعاد وثمود وقوم لوط، وفيه أيضا إشارة لمضمون الآية (٣٤) بمجيء أجال الأمم المفسدة في وقتها. ﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ (٨٧) ٨٧ - ﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا﴾ الكلام استمرار لخطاب شعيب إلى الملأ المستكبرين من قومه، وفي

стр. 634

هذه الحال يكون معنى ﴿فَاصْبِرُوا﴾ أي دعوا المؤمنين على حالهم، ولا تكرهوا غيركم على عقيدتكم، واتركوا الناس أحرارا تختار ما تراه صالحا لأن الأصل في الأمور حرية العقيدة، وإن كنتم تعتقدون أنكم على حق فإنه لا يصح إلا الصحيح. ويحتمل المعنى أيضا أن شعيبا التفت بالخطاب إلى القلة المؤمنين من أتباعه فنصحهم بالصبر وتحمل التضحيات والمشاق حتى يجيء أمر الله ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ وحكم الله قد يجيء في زمانهم، أو بعدهم بجيل أو بأجيال، بتطور منطق الأحداث، وحكمه تعالى يكون بحسب سننه في خلقه بأن ينصر من الناس من هم أقرب إلى العدل والإصلاح في الأرض، وهو خير الحاكمين لأن حكمه الحق. ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ (٨٨) ٨٨ - ﴿قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا﴾ على النقيض من حرية العقيدة التي دعاهم إليها شعيب في الآية السابقة فإنهم مصرّون على الإكراه، والنتيجة أن الدعوة والنصح والنقاش الموضوعي والمنطق الحسن لم ينفع مع المستكبرين من كبار القوم، ولم يقبلوا هذا الأسلوب، فبدلا من الاستجابة لعرض التسامح وحرية الفكر الذي قدّمه شعيب لهم، هدّدوه بإخراجه ومن معه من مجتمعهم إن لم يلتزموا بالملّة التي ورثوها عن آبائهم وهي الشرك ﴿قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ أي كيف يجوز إكراه البشر على ملّة أو عقيدة لا يؤمنون بها؟ فإنّ الله تعالى قد خصّ بني آدم بالتكريم لجهة حرية الفكر والخيار. ﴿قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (٨٩)﴾

стр. 635

٨٩ - ﴿قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ المعنى أن الدخول في ملّتكم يقتضي منّا أن نكذب على أنفسنا ونشرك بالله ما لم ينزّل به سلطانا ﴿بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها﴾ بعد أن أوضح لنا تعالى بطلان ملّتكم، وأنزل علينا الوحي والبيّنات والدلائل ﴿وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها﴾ إن كنّا صادقين مع أنفسنا، بعد كل هذه الدلائل، وفي ذلك إشارة للآية (٣٧)، ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا﴾ بعد النفي القاطع لاحتمال دخوله ومن معه في ملّتهم، ردّ الأمر إلى المشيئة الإلهية وهي في علم الغيب، وليس المعنى أنه تعالى قد يشاء أو يريد ذلك منه، وإنما ذلك تواضع من شعيب وإقرار بضعف الإنسان تجاه المشيئة المطلقة ﴿وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ تمجيد له تعالى لانفراده بعلم الغيب ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾ بعد أن استنفد شعيب كل الأسباب في إقناع قومه، وبعد إصرارهم على الكفر، وتهديدهم له وللمؤمنين معه بالإخراج أو العودة في ملتهم، كان التوكل على الله الملاذ الأخير لشعيب والمؤمنين معه ﴿رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ﴾ إعراض تام عن مفاوضتهم بعدما ظهر له من مكابرتهم وجحودهم، والاستفتاح هو الاستنصار، فهو يرجو الفتح من الله كي يظهر الحق من الباطل ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ تمجيد له تعالى. ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ (٩٠) ٩٠ - ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ بعد أن يئس الملأ من استجابة شعيب لهم، التفتوا بالخطاب إلى المؤمنين من جماعته، فأنذروهم أنهم سيخسرون مكانتهم ومعيشتهم وأرزاقهم في المجتمع إن هم أصرّوا على اتّباع شعيب، والمعنى أنهم لم يكتفوا بإصرارهم على الضلال، بل تجاوزوه لمحاولة إضلال المؤمنين وحرمان شعيب من مؤيديه، وهو السهم الأخير الذي حاولوه، ويفيد انقطاع الرجاء والأمل من إيمانهم بشعيب، وانتهاء فترة الإمهال والتوبة لهم، ويلاحظ روعة الإيجاز وتسلسل الحوار الفكري بين شعيب ومناوئيه.

стр. 636

﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (٩١) ٩١ - ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الزلزلة الأرضية، ولا تزال بقايا الحمم البركانية في أراضي الحرّة ماثلة إلى اليوم شاهدة على ذلك، وفي آية [الشعراء ١٨٩/ ٢٦] أنه أخذهم عذاب يوم الظلة ويبدو أن الرماد البركاني انتشر في الجو كالضباب حاجبا عنهم الشمس ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ هامدين موتى بلا حراك. ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾ (٩٢) ٩٢ - ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ اختص الهلاك بالذين كذّبوا شعيبا، ويبدو أن شعيبا والمؤمنين معه غادروا المنطقة قبل وقوع العذاب لقوله في الآية التالية أنه تولّى عنهم ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾ هم وحدهم كانوا الخاسرين، خسروا دنياهم وآخرتهم وهو الخسران العظيم، وتبيّن ضلال زعمهم للمؤمنين عندما قالوا لهم: ﴿لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ (٩٠). ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ (٩٣) ٩٣ - ﴿فَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ قبل هلاكهم بعد أن يئس من استجابتهم ﴿وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي﴾ فقد أمرتكم بالتوحيد ونهيتكم عن الشرك والفساد ﴿وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ ما هو في صالحكم ﴿فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ لأنهم أصروا على الكفر وأهلكوا أنفسهم بالتعامي والاستعلاء عن الرسالة، ولم يستفيدوا من فرصة الإمهال والتوبة قبل نزول العذاب. ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ (٩٤) ٩٤ - بعث الرسل، والتكذيب، تكرر في كثير من الأمم، ولم يقتصر على الأنبياء الذين سبق ذكرهم، وأنه بعد التكذيب، أخذهم تعالى بالبأساء والضراء: ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾ فكذّبوا به، ولا يشترط أن يكون التكذيب مقتصرا على العصر الذي بعث فيه الأنبياء، وإنما قد يحصل التكذيب بعدهم أيضا، أي في الأزمنة التي تلي بعثتهم ﴿إِلاّ أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرّاءِ﴾

стр. 637

البأساء: البؤس والفقر، والضراء: الضرر والمرض، وتقدير الخطاب أنه تعالى ما أرسل من نبيّ، فكذّب به قومه، إلاّ أخذهم بالبأساء والضراء ﴿لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾ أي كان الغرض من أخذهم بالبأساء والضراء أن يتضرعوا لله، بمعنى يبتهلوا ويخشعوا ويتواضعوا ويذعنوا لرسالاته. ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرّاءُ وَالسَّرّاءُ فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٩٥) ٩٥ - ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ السيئة كل ما يسوء صاحبه، والحسنة ما يستحسنه، والمعنى أنه تعالى جعل لهم الرخاء مكان البأساء والضراء، لعلهم يشكرون النعم ﴿حَتّى عَفَوْا﴾ حتى كثروا وتكاثرت أموالهم ﴿وَقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنَا الضَّرّاءُ وَالسَّرّاءُ﴾ اعتبروا تعاقب الشدائد والرخاء أمرا طبيعيا لا علاقة له بعواقب أعمالهم وذكراهم ﴿فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً﴾ بعد أن انقضت مهلتهم ولم تنفع معهم رسالات الرسل، ولم يذكّرهم تعاقب المحن والرخاء بشيء ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ دون أن يخطر ببالهم أي شيء من المكروه، لشدة غفلتهم عمّا جاء به الرسل. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاِتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٩٦) ٩٦ - ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا﴾ بما جاءت به الرسل ﴿وَاِتَّقَوْا﴾ الكفر والشرك وسوء الأخلاق ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ ليسّرنا عليهم الخيرات والرخاء والصحة من كل جانب ﴿وَلكِنْ كَذَّبُوا﴾ الرسل والوحي ﴿فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بسبب ما كانوا يكسبون من أعمال الشر. ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ﴾ (٩٧) ٩٧ - ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ﴾ ماذا يتوقعون بعد تكذيبهم الرسل؟ هل يأمنون مجيء العذاب وهم غافلون عمّا ذكّروا به؟ في إشارة واضحة لمصير الأمم البائدة من قبلهم.

стр. 638

﴿أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (٩٨) ٩٨ - العذاب جهارا وهم منهمكون بالجري وراء الدنيا فيما لا طائل منه؟ أو يلهون بأمور الدنيا لأنها لعب ولهو لأمثالهم؟ وفي ذلك عودة لموضوع الآيات (٤ - ٥)، ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٩٩) ٩٩ - ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ﴾ اطمأنّوا لأنفسهم وأمنوا تدبيره الخفي المؤدّي بهم إلى ما لا يحتسبون ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ﴾ الذين يظنون أنهم في مأمن من التدبير الإلهي والخطة الإلهية التي هي سنة الله في مخلوقاته، فيعتمدون على حولهم وقوتهم لا غير، ويطمئنون لأنفسهم، ولا يعرفون خالقهم، فيترتب على ذلك بالضرورة أن يكونوا من الخاسرين. ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ (١٠٠) ١٠٠ - ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها﴾ هذه هي العبرة من قصص الأقوام السالفة، والمعنى أو لم نبيّن للذين يرثون الأرض، وهم الذين بقوا بعد هلاك من سبقهم من الأمم، واستخدام الفعل المضارع في ﴿يَرِثُونَ﴾ دلالة على التكرار في نمط الأمم السالفة، وهو من السنن الكونية ﴿أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي يصيبهم من العذاب، بسبب ذنوبهم، كما أصاب الأمم من قبلهم ﴿وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ وهي النتيجة الحتمية الطبيعية التي تلحق بهم بسبب إصرارهم على الذنوب، فتشغلهم الدنيا ويغفلون عن الحقيقة ﴿فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ وتكون النتيجة أنهم لا يسمعون القرآن والمواعظ سماع تفهّم وتفكّر واعتبار، انظر الآية (٢٠٤)، والآية التالية تفيد مزيدا من إيضاح ذلك، ﴿تِلْكَ الْقُرى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ (١٠١)﴾

стр. 639

١٠١ - ﴿تِلْكَ الْقُرى﴾ أي تلك الأمم والمجتمعات ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبائِها﴾ وقد قصصنا عليك منها خمسا، قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، ومدين ﴿وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ بآيات واضحات ومعجزات ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ ما كان لديهم الاستعداد للإيمان بما كذّبوا به قبل مجيء الرسل، إذ اعتادت نفوسهم على ما هم عليه من التقليد والعصبية والمعصية ﴿كَذلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ﴾ أي بسبب إصرار الكفار على كفرهم، تغفل عقولهم عن الحقيقة، وتعمى بصيرتهم، وكما هو أسلوب القرآن في العديد من الآيات فإن الله تعالى ينسب الطبع على القلوب إلى ذاته العليّة، مع أن ذلك من كسب الناس أنفسهم وفق سننه تعالى في خلقه. ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ﴾ (١٠٢) ١٠٢ - ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ أكثرهم لا يتّبعون ما جبلت عليه الفطرة من توحيد الخالق وطاعته، ولا ينظرون في الدلائل والحجج والآيات، وقد تكون الإشارة للعهد المشار له في الآية (١٧٢)، ﴿وَإِنْ وَجَدْنا أَكْثَرَهُمْ لَفاسِقِينَ﴾ خارجين عن الطاعة. ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَظَلَمُوا بِها فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١٠٣) ١٠٣ - ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد الأنبياء الذين جرى ذكرهم ﴿مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ﴾ - وهذه القصة السادسة - وفي حين أنّ القصص السابقة ركزت على بعث الرسل لمناهضة الشرك والفساد في أقوامهم، وأن كلّ تلك الأقوام قد بادت، فإن قصة موسى تختلف من حيث أنه بعث لدعوة الفراعنة إلى عبادة الله من جهة، ولتحرير وهداية بني إسرائيل من جهة ثانية، وتتضمن القصة أيضا ضياع بني إسرائيل في صحراء التيه بسيناء، وضياعهم الأسوأ عن تعاليم موسى وعن فحوى بعثته، وفشلهم المتكرر، وإثبات عدم جدارتهم بحمل الرسالة الإلهية، ضياع بني إسرائيل وفسادهم وإفسادهم الذي لا يزال مستمرا

стр. 640

إلى اليوم، بعد أن رفضوا آخر أنبيائهم عيسى المسيح ﵇، ثم رفضوا بعثة خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ ظلموا أنفسهم على علمهم بها، أي بالآيات، أو ظلموا بكفرهم بها، لأن الكفر ليس إلا تخريب للنفس، ولا يضر إلاّ صاحبه ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ انظر أيها القارئ، أو أيها السامع، عاقبة الفراعنة وأمثالهم من المفسدين من بني إسرائيل، والمغزى أن الإفساد والفساد نتيجة حتمية للكفر الذي هو ظلم للنفس، ويلاحظ أنه في آية واحدة تم إجمال بعثة موسى من بدايتها حتى نتيجتها، لبيان العبرة الرئيسية منها قبل الدخول في التفصيل. ويشمل معنى ﴿عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ بني إسرائيل أنفسهم، وليس فرعون فقط، لأن سيرة بني إسرائيل غاصة بأمثلة من عنادهم وإفسادهم، كالتذمر من رسالة موسى (الآية ١٢٩)، وطلبهم منه أن يجعل لهم آلهة أصناما (الآية ١٣٨)، وعبادة العجل الذهبي (الآية ١٤٨)، وطلبهم أن يروا الله جهرة [النساء: ١٥٣/ ٤]، وقولهم لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا﴾ [المائدة ٢٤/ ٥]، وإفسادهم في فلسطين (الآية ١٦٣)، والعدوان على شريعة السبت (الآية ١٦٣)، وافتراء الكذب على الله وإضاعة التوراة الوحي، وتحرير غيرها من عندهم (الآية ١٦٩)، وارتكاسهم المتكرر إلى الوثنية ممّا هو موثّق في كتبهم قبل غيرهم، وعبادتهم آلهة بعل الكنعانية، انظر آية [الصافات ١٢٥/ ٣٧]، ومن عواقب عملهم أنهم صاروا كأمثال القردة الخاسئين (الآية ١٦٦)، والناس تسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة (الآية ١٦٧)، وتشريدهم في الأرض أمما مبعثرة (الآية ١٦٨). ومن المهم ملاحظة الإسهاب في قصة موسى وبني إسرائيل، الآيات (١٠٣ - ١٧١) أي ٦٨ آية، في حين أن قصص الأقوام الخمسة من قبلهم وصفها تعالى جميعا بالآيات (٥٩ - ٩٣) أي ٣٤ آية، والسبب أن الأقوام الخمسة الأولى قد انقرضت، وقد بيّن لنا تعالى العبر من عاقبة سلوكها وهلاكها، في حين أن إفساد بني إسرائيل لا يزال باقيا على مر الأيام حتى عصرنا الحديث، وهذا من

стр. 641

إعجاز القرآن وكشفه عن الغيب، ومن العبر الكثيرة في قصة بني إسرائيل تعريف المسلمين بطبيعة عدوهم وخبث نفوسهم وغدرهم وحقدهم وافترائهم على الحق، وعدم إقامة أي وزن لعهودهم مع الغير، وهي عبر فائقة القيمة يلزم أن يستوعبها المسلمون في التعامل مع عدوهم اليوم. ﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٠٤) ١٠٤ - ﴿وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ كان المصريون زمن الفراعنة يعبدون الشمس، وكانت في لغتهم تسمّى "رع"، وكانوا يعتبرون فرعون تجسيدا للإله - الشمس، وممثله على الأرض، لأن لقب فرعون يعني ابن الإله - الشمس، وهو لقب كان يطلق على كل ملك من ملوك مصر - كما كان لقب كسرى يطلق على كل من ملوك الفرس -، وقد عاصر موسى فرعونين: الأول هو رمسيس الثاني ويلقّب فرعون الاضطهاد، لشدة اضطهاده اليهود في مصر، وهو الذي كان يقتّل أبناءهم ويستحيي نساءهم (الآية ١٢٧)، وقد ولد موسى في عهده وتربّى في قصره، والثاني: منفتاح ابن رمسيس الثاني الذي بعث موسى في عهده، ويسمى فرعون الخروج، لأنّ بني إسرائيل خرجوا من مصر في عهده، وهو الذي غرق في البحر الأحمر أثناء مطاردته بني إسرائيل، وكان حكم هذين الفرعونين خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وفي هذه الآية (١٠٤) يقول موسى لفرعون أنه رسول من ربّ العالمين، والمعنى أن لهذا الكون ربّا، وهو ربّ العالمين جميعا، بمن فيهم فرعون مدّعي الألوهية، وأن ربّ العالمين وحده يستحق العبادة. ﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (١٠٥) ١٠٥ - ﴿حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ يترتّب على كوني رسول من ربّ العالمين أني لا أقول عنه إلا الحق، فلا أفتري عليه الكذب، ولا مجال للزعم بأني ساحر، ولا طالب زعامة، وهذه مقدمة لإقناع فرعون بما

стр. 642

سوف يقوله: ﴿قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بمعجزة قاهرة برهانا على ما أقول، والخطاب صار بصيغة الجمع لأنه موجّه إلى فرعون ومن معه من الملأ، وهم الوجهاء وكبار القوم ﴿فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وهي النتيجة الثانية التي أراد موسى أن يصل إليها، بعد أن شرح لفرعون أن لهذا الكون ربّا، والمراد إطلاق بني إسرائيل من العبودية حتى يذهبوا مع موسى إلى الأرض المقدسة، وقد كانت الفترة بين دخول يوسف ﵇ مصر ودخول موسى ﵇ حوالي أربعة قرون، لأن يوسف دخلها خلال القرن السابع عشر قبل الميلاد خلال حكم الهكسوس، ودخلها موسى خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد. ﴿قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (١٠٦) ١٠٦ - ﴿قالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ أي بعلامة أو معجزة ﴿فَأْتِ بِها﴾ وهو تشكيك من فرعون بمجيء الآية ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ومزيد من التشكيك في صدق موسى، كما أن هذا القول، في مجمله، ينم عن سخرية فرعون من إدعاء موسى واستخفاف به. ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ (١٠٧) ١٠٧ - ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ثعبان مبين أي ظاهر واضح في كونه ثعبانا حقيقيا تراه الأعين من غير أن يسحرها ساحر فيخيل إليها خيالا، وقد لعب الثعبان دورا كبيرا في أساطير قدامى المصريين، فقد كان عندهم رمزا للظلام والرعب، إذ زعموا أن رع - الشمس الإله - حقق نصرا على الثعبان أبوفيس Apophis ، في إشارة إلى انتصار نور الشمس على الظلام، وهكذا فقد كان لتحول عصا موسى إلى ثعبان تأثيره الكبير في عقلية المشاهدين، لأن موسى تمكن من السيطرة على الثعبان وإعادته عصا، الثعبان الذي بصعوبة تمكن إلههم رع من هزيمته، وقد أورد بعض المفسرين قصصا إسرائيلية غريبة عن حجم الثعبان وضخامته، والألوف الذين قتلهم، وردود فعل فرعون تجاهه، ولا شك أن مثل هذه القصص من روايات الزنادقة أو الإسرائيليات،

стр. 643

﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ (١٠٨) ١٠٨ - ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ﴾ أخرجها من جيبه ﴿فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ أي بيضاء بياضا نورانيا مضيئا ساطعا، وقد تكون رمزا لنور نبوّته، وهي الآية الثانية التي جاءهم بها موسى فأذهلتهم، فلو كان الثعبان قد أثار عندهم أي ريبة أو توجس بالشر أو شعورا بالرعب، فهذا النور قد دحض أط ريبة من هذا القبيل لأنه معاكس لما يرمز إليه الثعبان عندهم. ﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ (١٠٩) ١٠٩ - ﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ كان للآيتين اللتين جاء بهما موسى تأثيرهما الكبير على فرعون وملئه، كما سوف يظهر من تتمة الآيات، ولكنهم مالوا إلى المكابرة وقرروا تفسيرهما من منظار السحر الذي اعتادوا بوساطته أن يتلاعبوا بعقلية الجماهير، ويلاحظ أن هذا القول منسوب إلى الملأ من قوم فرعون، لأن الملأ في مثل هذه الأحوال يداهنون كبيرهم، وقلّما يخلصون له النصيحة، وفي سورة الشعراء أن فرعون قال ذلك أيضا، ويحتمل أنه قاله ابتداء، ثم وافقه عليه كبار القوم كما هي عادة الحاشية من موافقة الطغاة. ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ (١١٠) ١١٠ - أتمّ فرعون كلام الملأ، وادعائهم أن موسى ساحر عليم، بقوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ﴾ بعد أن نسبوا السحر إلى موسى، أضاف فرعون زعمه أن موسى جاء طالبا الملك والزعامة، ولا يوجد سبب واضح لذلك سوى أن موسى ادعى النبوة وطلب منهم تحرير بني إسرائيل وإطلاقهم من مصر، وقد رأى فرعون أنه لو قبل نبوّة موسى لترتّب عليها نسف نظامه الاجتماعي والسياسي من أساسه، لأن فرعون لم يكن حاكما سياسيا فحسب، بل جمع لنفسه ادعاء الألوهية، كما أن تحرير بني إسرائيل قد يزعزع نظام العبودية عنده، وقد يشجع باقي العبيد على التمرد والثورة، وقد تكون النتيجة

стр. 644

إخراج الطبقة الحاكمة من مصر، وهو ما تخوّف منه، والنتيجة أنّ فرعون وملأه لم يحاولوا فهم وتقويم دعوة موسى من حيث جدارتها وقيمتها الحقيقية، بل فكّروا بمنظار الحكم والاستبداد، فلم يروا في دعوة موسى سوى تهديد لزعاماتهم ومراكزهم ﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ فرعون وملأه تشاوروا وقالوا لبعضهم البعض ماذا تشيرون؟ قال الزمخشري: تآمر القوم وأتمروا مثل تشاوروا، ويحتمل أن يكون هذا قول فرعون لحاشيته بمعنى ماذا تشيرون عليّ؟ وبعد أن توصل الجمع إلى الرأي وجهوا اقتراحهم إلى فرعون قائلين: ﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ (١١١) ١١١ - ﴿قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ﴾ أي أرجئه، وأرجئ أخاه، والإرجاء هو التأخير، فالمعنى أخّر أمرهما ولا تفصل به الآن ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ أرسل من أعوانك في مدائن ملكك، يجمعون لك من السحرة. ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (١١٢) ١١٢ - ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ ممّا يدل أن السحرة في ذلك الزمن كانوا كثيرين، وأن فرعون كان يعتمد عليهم في تضليل الجماهير، وقد أراد أن يحشر تجاه موسى كل ساحر عليم بلا استثناء ليضمن أن تكون له الغلبة، وقد ورد الكثير من الإسرائيليات عن عدد السحرة الفعلي مما هو واضح بطلانه، ولا جدوى ولا فائدة من تتبعه ولا معرفته. ﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ﴾ (١١٣) ١١٣ - ﴿وَجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ﴾ بعد أن تم جمعهم وحشرهم عنده ﴿قالُوا إِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنّا نَحْنُ الْغالِبِينَ﴾ وهو دليل أن فرعون وملأه كانوا في حالة من الذعر والارتباك جعلت السحرة يتجرؤون ويفرضون شروطهم في طلب الأجر في حال تمكنوا من التغلب على موسى، وتفيد الآية من جهة ثانية أن السحر ليس سوى تمويه واحتيال ولا ينطوي على أي فعل حقيقي، فلو لم يكن

стр. 645

كذلك لما كان السحرة بحاجة إلى فرعون وأمواله، ولتمكنوا بسحرهم من الحصول على مبتغاهم دونما حاجة للغير. ﴿قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (١١٤) ١١٤ - ﴿قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ لم يكن فرعون في حالة تسمح له بالمساومة والتعجرف، فقد وجد في موسى تهديدا حقيقيا، ولذا أضاف إلى موافقته بإجزال الأجر للسحرة أن وعدهم بمناصب عالية في ملكه، وأن يجعلهم من المقربين إليه إن تغلبوا على موسى، فلما اطمأنوا لذلك خاطبوا موسى قائلين: ﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ (١١٥) ١١٥ - ﴿قالُوا يا مُوسى إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾ تركوا الخيار لموسى، ربّما لشدة ثقتهم بمقدرتهم على التغلب عليه، فقد ظنوا أنه مجرد ساحر مشعوذ على شاكلتهم. ﴿قالَ أَلْقُوا فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ وَاِسْتَرْهَبُوهُمْ وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ (١١٦) ١١٦ - ﴿قالَ أَلْقُوا﴾ أراد موسى منهم أن يبدؤوا بإظهار قصارى مقدرتهم وسحرهم لكي يقوم بإبطاله بعد أن يكون الناس قد انضبعوا لما رأوه من فائق مقدرتهم ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النّاسِ﴾ أي خيّلوا لهم خلاف الحقيقة قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى﴾ [طه ٦٦/ ٢٠]، ﴿وَاِسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ أوقعوا الرهبة في نفوسهم ﴿وَجاؤُ بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ بأن جعلوا الناس تعتقد بصحة ما أرادوه من تحول حبالهم إلى ثعابين. ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ (١١٧) ١١٧ - ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ﴾ أي ألهمناه إلقاء العصا ﴿فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ الإفك اسم لما يؤفك أي يصرف ويحوّل عن شيء إلى غيره، فهو قلب الشيء عن وجهه، ويستعمل في التلبيس وقلب الحقائق، ومنه

стр. 646

قيل للكذب إفك، لأنه مقلوب عن وجهه، وقوله ﴿ما يَأْفِكُونَ﴾ أي ما يصرفون الأمور عن حقيقتها، وهو أن السحرة جعلوا الناس يتخيلون الحبال والعصيّ أنها تتحرك وتسعى، أما العصا فهي ﴿تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ أي تتناوله وتزيله بسرعة وتظهر بطلانه، وقد ذكر الشيخ رشيد رضا في المنار عن الشيخ محي الدين بن عربي أنه ترتب على إلقاء عصا موسى أن رأى الناس تلك الحبال والعصيّ على حقيقتها لا تسعى ولا تتحرك، ولو أنها ابتلعتها - كما يظن البعض - لبقي الأمر ملتبسا على الناس، ولكان قصارى ما في الأمر أن كلاّ من السحرة وموسى قد أظهر أمرا غريبا كان أحدهما أقوى من الآخر فأخفاه على وجه غير معلوم، ولكن عصا موسى أزالت أحابيل السحرة بسرعة وهو معنى اللقف، والخلاصة أن السحر العظيم الذي جاء به السحرة لم يكن سوى إفكا، أي خيالا وكذبا ليس من الحقيقة في شيء، وقد نصّت الآية أنّ عصا موسى قد لقفت الإفك وأبطلته - ولم تلقف الحبال والعصي -، والدليل قوله تعالى: ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس ٨١/ ١٠]. ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١١٨) ١١٨ - ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ أي ظهر الحق وتبيّن ووقع مكان الباطل فأزاحه ﴿وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من السحر، لأنّ السحر في حقيقته باطل غير ذي فعل حقيقي. ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَاِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ (١١٩) ١١٩ - ﴿فَغُلِبُوا﴾ والكلام عن فرعون والملأ الذين معه، لأن موقف السحرة كان مختلفا كما سوف يرد في الآية التالية، ولم يقل غلبهم موسى، لأن ذلك لم يكن من صنع موسى أو حذاقته وإنما كان من الله تعالى، وقوله ﴿هُنالِكَ﴾ أي في ذلك المجمع العظيم الذي ضمّ كبار القوم وغيرهم من الناس الذين حشروا ضحى في يوم عيد لهم وزينة من مواسمهم، حيث ضرب لهم موسى موعدا في

стр. 647

ذلك اليوم، كما هو مذكور في سورة طه ﴿قالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه ٥٩/ ٢٠]، ﴿وَاِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ أي انقلب فرعون وملؤه من مستكبرين إلى صغار أذلاء في نفوسهم، بعد أن كانوا مستعلين واثقين من أنفسهم. ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ (١٢٠) ١٢٠ - ﴿وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ لأن السحرة كانوا أدرى من غيرهم بحقيقة ما حدث، فقد أيقنوا أن ما شاهدوه لم يكن تخيلا ولا خداعا مما اعتادوا أن يحتالوا به على الناس، وعرفوا أن ما قام به موسى معجزة حقيقية من عند الله لا يقدر السحرة ولا غيرهم على مثلها، ولذلك لم يبق في نفوسهم أدنى مكانة لفرعون ولعظمته الدنيوية، ولم يتمالكوا أنفسهم أن وقعوا ساجدين مؤمنين بنبوّة موسى لما تبين لهم من ظهور الحق بالمقابلة مع تفاهة السحر، وهو مغزى تجهيل الفاعل في قوله ﴿وَأُلْقِيَ﴾. ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٢١) ١٢١ - ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ إشارة لقول موسى في الآية (١٠٤) إنه رسول من ربّ العالمين. ﴿رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ (١٢٢) ١٢٢ - ﴿رَبِّ مُوسى وَهارُونَ﴾ رب العالمين الذي دعا إلى الإيمان به موسى وهارون. ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ (١٢٣) ١٢٣ - ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ بموسى ﴿قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ قبل أن آمركم ﴿إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ﴾ أنتم وموسى تآمرتم وتواطأتم على هذه الخطة وعلى هذه النتيجة سلفا ﴿لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها﴾ وهو ما كانوا اتهموا به

стр. 648

موسى من قبل (الآية ١١٠)، أي إن غرضكم، أنتم وموسى، إخراج المصريين من مصر لكي يكون لكم فيها الملك والحكم مع بني إسرائيل، ويبدو أن اختلاق هذا الاتهام من قبل فرعون كان موجها للاستهلاك المحلي لكي يحشد لنفسه تأييد عامة المصريين ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تهديد بما سوف ينزله في السحرة من العقاب والتعذيب، كما هو مذكور في الآية التالية: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (١٢٤) ١٢٤ - ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يبدو أن عدد السحرة كان كبيرا (الآية ١١٢)، ويحتمل أيضا أنّ عددا كبيرا من المصريين انضم إليهم، لأن تعبير ﴿لَأُقَطِّعَنَّ﴾ بتشديد حرف الطاء و ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ بتشديد حرف اللام يشير لوجود أعداد كبيرة منهم، فالتقتيل غير القتل، والتقطيع غير القطع، والتصليب غير الصلب، إذ تدلّ على التكثير، وقد استخدم التعبير نفسه بالآية (١٢٧)، وقوله ﴿مِنْ خِلافٍ﴾ أي لأجل خلافكم ومعاندتكم رأيي وأمري، انظر آية [المائدة ٣٣/ ٥]. ﴿قالُوا إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ (١٢٥) ١٢٥ - ﴿قالُوا﴾ أي السحرة ﴿إِنّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ المعنى أنهم غير مبالين بما يحل بهم في هذه الحياة الدنيا من انتقام فرعون ما داموا على الحق، كما يحتمل أن يكون ضمير الجمع في قوله ﴿إِنّا﴾ للسحرة وفرعون معا، فيكون معنى قولهم أن الحكم الفصل بينهم وبين فرعون لله وحده، وفي ذلك تعريض بفرعون وادعائه الربوبية. ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ (١٢٦) ١٢٦ - تتمة خطاب السحرة لفرعون: ﴿وَما تَنْقِمُ مِنّا إِلاّ أَنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ ما تعيب علينا، ولا تكره منّا، سوى الإيمان بالله، وهذا هو ذنبنا عندك، ولكن كوننا على الحق لا يوجب النقمة والانتقام، بل يقتضي العكس:

стр. 649

أن يحذو فرعون حذوهم، ولهذا فقد التفتوا، بعد أن يئسوا من استجابة فرعون، إلى التضرع إلى ربهم قائلين: ﴿رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً﴾ وهو تضرّع بإنزال كامل الصبر عليهم استعدادا لما يتوقعونه من المحنة والبلاء، كما لو كان الصبر في إناء فيفرغ بكامله عليهم ﴿وَتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ دعاء بتثبيتهم على الإيمان، مستسلمين لله، مذعنين له وحده دون غيره. ﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ﴾ (١٢٧) ١٢٧ - بعد أن تبيّن للجميع أن السحرة غير عابئين بتهديد فرعون، بادر كبار القوم إلى تحريضه على موسى وعلى أتباعه، نفاقا وخوفا على مراكزهم، فقالوا له: ﴿وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أتتركهم ليفسدوا عليك حكمك في مصر؟ إما بإدخال المصريين في دينهم، أو بجعلهم تحت سلطتهم يأتمرون بأمرهم، وفي الحالتين تكون النتيجة زوال الحكم الفرعوني ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ ويتركك ويترك آلهتك هو وقومه ﴿قالَ سَنُقَتِّلُ أَبْناءَهُمْ﴾ أي سنعمل على إفناء بني إسرائيل بتقتيل أبنائهم، وتعبير التقتيل هنا أيضا يدل على التكثير والتدريج، أي حتى ينقرضوا ﴿وَنَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ﴾ نستبقي نساءهم أحياء يتزوجهنّ المصريون ﴿وَإِنّا فَوْقَهُمْ قاهِرُونَ﴾ بهذه الطريقة نقهرهم ونسيطر عليهم، والواضح أن فرعون قرر ترك موسى وعدم إيذائه تجنبا لاستفزاز من والاه من المصريين. ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اِسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاِصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١٢٨) ١٢٨ - علم موسى بما دار بين فرعون وملئه من الكيد لبني إسرائيل، أو أنه توقع هذا الكيد بعد أن خلّى فرعون سبيله، فقال لقومه: ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اِسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاِصْبِرُوا﴾ على ما يحل بكم من المحن، وما سوف يحل بكم نتيجة الثبات على عقيدتكم ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ وليست

стр. 650

لفرعون فقط، والدنيا دول ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ العاقبة الحسنة تكون للذين يتقون الله بمراعاة سننه في أسباب إرث الأرض، كالاتحاد، والعمل، والعدل، والتزام الحق، والصبر على الشدائد، والاستعانة بالله، وإقامة شرعه، والمغزى إذا سرتم على هذه الأسس وفق نظام سننه تعالى في خلقه كانت العاقبة الحسنى لكم. ﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١٢٩) ١٢٩ - كان توهّم بني إسرائيل أن الظفر على فرعون يتم بلا عمل ومن دون تضحيات، وأنّ مجرّد بعث النبي موسى بينهم يضمن النصر لهم، فقالوا لموسى: ﴿قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ أي لم نستفد شيئا من بعثتك، فقد كنّا نتحمّل أذى فرعون قبل مجيئك، ثمّ تفاقم هذا الأذى بعد مجيئك، وفي هذا القول نوع من الوقاحة من جانب بني إسرائيل، وهو في الوقت نفسه مقدّمة لما سوف يلقاه موسى من العنت والمعاندة منهم، وقد قالوا له بعد ذلك في سيناء: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة ٢٤/ ٥]، انظر أيضا آيات [البقرة ٦١/ ٢، ٢٤]، وآيات [المائدة ١٢/ ٥ - ٣٢]، ﴿قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ أي نرجو الله تعالى أن يهلك عدوكم فرعون، ويجعلكم خلفاء في فلسطين، والمقصود من تعبير ﴿عَسى﴾ إفهامهم أنه يلزمهم التقوى والعمل الجاد وتحمل المشاق كي يصلوا إلى مبتغاهم ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ أي إنه تعالى يحكم عليكم وفق أعمالكم، هل تشكرون النعمة أم تكفرونها؟ وهل تقيمون العدل أم تظلمون؟ وهل تصلحون في الأرض أم تفسدون؟ وهل تكونون صالحين لحمل الرسالة إلى غيركم؟ وهل تكونون قدوة لغيركم؟ والنتيجة أنه تعالى يحكم عليهم وفق ما يعملون، وليس وفق ما يعلمه بالغيب منهم.

стр. 651

﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١٣٠) ١٣٠ - ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ السنين جمع سنة، وهي السنة التي يحصل فيها القحط، وهي أيضا بمعنى السنة الزمنية، وآل فرعون المقصود بهم قومه بمن فيهم كبار القوم وعامتهم، أي أهل مصر في عهده، وهم مؤاخذون بظلمه وطغيانه لأن قوته المالية والعسكرية منهم، وقد خلقهم تعالى أحرارا وكرمهم بالعقل والفطرة التي تميل بالغريزة إلى الحرية والكرامة، فكان حقا عليهم ألاّ يقبلوا استعباده لهم، وأن يرفضوا جعلهم آلة لطغيانه ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ كناية عن شدة الضيق، أي إنّ القحط الذي أخذهم به تعالى لم يقتصر على الحبوب فقط ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ لعلهم يذّكرون ضعفهم واعتمادهم على القدرة الإلهية، ويذكرون عجز فرعون وعجز آلهتهم الوهمية. ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٣١) ١٣١ - ﴿فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ﴾ وهو قول آل فرعون، أي هي نتيجة استحقاقنا لا غير، ونحن جديرون بها ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ﴾ يتشاءموا بموسى ومن معه، لأن التطيّر هو التشاؤم، فيقولون أصابتنا هذه السيئة بسببه، لأنهم قوم اعتادوا الخرافات ﴿أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ أي حظهم عند الله، وعبّر عنه بالطائر لأن العرب كانت تتوقع الخير والشر مما تراه من حركة الطير، فإذا طارت من جهة اليمين تيمّنت وتوقعت الخير، وإذا طارت من جهة الشمال تشاءمت وتوقعت الشر، ثم إنهم سمّوا الشؤم طيرا وطائرا، وسمّوا التشاؤم تطيّرا، ولذا قال تعالى في دحض خرافتهم أنّ طائرهم عند الله، أي إنه تعالى جعل لكل شيء قدرا، بمعنى أنه وضع للكون سننا وقوانين تكون فيها المسبّبات على قدر الأسباب ونتيجة لها، وقد بيّن ﷺ أن طيرتهم باطلة فقال: «لا طيرة ولا هام»، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أكثرهم لا يعلمون أن

стр. 652

التشاؤم والطيرة باطلة، وأن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله تعالى وبتقديره. ﴿وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١٣٢) ١٣٢ - ﴿وَقالُوا﴾ وهو قول آل فرعون لموسى ﴿مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ إن تجئنا بكل نوع من أنواع المعجزات فلن نصدقك، ولن نتبع رسالتك، وقولهم لتسحرنا بها من قبيل المكابرة والمعاندة، والمعنى أنهم مصرون على اعتبار الآيات القاهرة نوعا فائقا من أنواع السحر. ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾ (١٣٣) ١٣٣ - ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ﴾ عقوبة لكفرهم وذنوبهم ﴿الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ﴾ طوفان النيل، ثم الجراد يأكل محاصيلهم، ثم القمّل وهو السوس يأكل الحنطة والحبوب، ثم الضفادع بكثرة طاغية، ثم الدم وفسّره بعضهم بالرعاف، وقال آخرون بل انتشر الدم في مياه الأنهار والينابيع ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ أي مبيّنات ظاهرات، ومفصّلات أيضا بمعنى وجود فاصل زمني فيما بينها الواحدة تلو الأخرى، لإعطائهم الفرصة لقبول الحجة والدلائل والإعراض عن الخلاف والتقليد، وفي ذلك عودة لما هو مذكور بالآية (٩٤)، ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن الإذعان للحق ﴿وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾ مصرّين على الإجرام والذنوب، ﴿وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسَى اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ (١٣٤) ١٣٤ - ﴿وَلَمّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ شعر آل فرعون بشدة العذاب ﴿قالُوا يا مُوسَى اُدْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ من النبوّة ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي في كلّ مرة يقع عليهم نوع من

стр. 653

أنواع العذاب يستنجدون بموسى، ويطلبون منه الدعاء لكشف العذاب عنهم، ويؤكدون له أنهم سوف يؤمنون برسالته من جهة، وسوف يطلقون بني إسرائيل من جهة أخرى. ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ (١٣٥) ١٣٥ - ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ﴾ مرّة بعد مرّة ﴿إِلى أَجَلٍ هُمْ بالِغُوهُ﴾ أي إلى أجل يمكنّهم من الوفاء بوعودهم بالإيمان وإطلاق بني إسرائيل ﴿إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ بوعودهم في كلّ مرة، وهذا دأب الخاطئين في كل الأزمنة. ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ (١٣٦) ١٣٦ - ﴿فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ بعد إعطائهم كل الفرص لرؤية الحقيقة وإمهالهم للتوبة ﴿فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ وهو غرق فرعون وجنوده في البحر الأحمر، في أثناء مطاردتهم موسى وبني إسرائيل ﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ بسبب تكذيبهم بالآيات وكفرهم برسالة موسى ﴿وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ قبل بعثة موسى وبعده، غفلوا عنها إطلاقا قبل بعثته، ثم غفلوا عن صحتها وعن معناها بعمى قلوبهم رغم تذكيرهم بها. ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ (١٣٧) ١٣٧ - ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ وهم بنو إسرائيل، كانوا مستضعفين في عبودية فرعون لهم، ولأن فرعون كان يقتّل أبناءهم ويستحيي نساءهم ﴿مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ وهي أرض فلسطين، بارك تعالى فيها بكثرة بعث الأنبياء بها، أورثهم مشارقها ومغاربها، وليس معنى ذلك أنها صارت ميراثا أبديا لهم فذلك مخالف للواقع التاريخي، وللمذكور في تتمة هذه السورة (الآيات ١٦٦ - ١٦٨)، راجع أيضا شرح آية [المائدة ٢١/ ٥]، وقد عاقبهم تعالى بالنفي من فلسطين بعد أن عاثوا فيها الفساد، ولم يدم ملكهم

стр. 654

فيها سوى أربعة قرون، من بداية ملك طالوت حتى سقوط القدس بيد نبو خذنصرّ، راجع شرح آية [المائدة ٣٣/ ٥]، وقوله ﴿الْأَرْضِ﴾ لا يعني أكثر من فلسطين، وهو شبيه بقوله تعالى على لسان يوسف ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ﴾ [يوسف ٥٥/ ١٢] وقصد بها مصر، وقوله تعالى مخاطبا نبيّه ﴿وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها﴾ [الإسراء ١٣٧/ ١٧] وقصد بها مكة، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ وهي تحريرهم من فرعون بعد بعث موسى فيهم ونزول الرسالة السماوية عليهم ﴿بِما صَبَرُوا﴾ أي بنتيجة صبرهم، والمغزى تذكير بفائدة الصبر ﴿وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ كان الدمار في مصر لكثرة المصائب التي حلت بهم (الآية ١٣٣)، وبنتيجة تحرير بني إسرائيل من عبوديتهم، ثم غرق فرعون وجيشه في البحر. ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (١٣٨) تسرد الآيات (١٣٨) وحتى الآية (١٧١) قصة موسى وبني إسرائيل في صحراء التيه: ١٣٨ - ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ﴾ وهو البحر الأحمر عند خليج السويس، ما بين السويس والإسماعيلية، جاوزوه إلى شبه جزيرة سيناء، وقيل إنّ العبور كان عند البحيرات المرّة، والملاحظ أن موسى بعد عبور البحر لم يتجه مباشرة نحو فلسطين، وإنما اتخذ مع قومه مسارا نحو الجنوب محاذيا شاطئ خليج السويس، لأن موسى كان يعرف حق المعرفة أن قومه لم يكونوا وقتئذ على مستوى من النضوج الفكري، والإيمان اليقيني، والاستعداد النفسي، والسمو الروحي، ما يمكنّهم من دخول الأرض المقدسة، وذلك واضح من خطابهم له في الآية (١٢٩)﴾، فأراد أن تنقضي عليهم مدة من الزمن في سيناء قبل بلوغ هدفهم

стр. 655

﴿فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ﴾ يعكفون من الاعتكاف، أي كانوا مواظبين على عبادة أصنامهم، وقيل أن هؤلاء القوم من المصريين العاملين في مناجم النحاس، وقيل إنهم العماليق المذكورين في كتب اليهود العنصرية "المقدسة" التي ابتكروها والتي تحضّهم على إبادة الأغيار، كزعمهم أن الرب قال لهم "امحوا ذكرى العماليق من تحت السماء" (سفر التثنية ١٩/ ٢٥)، وزعمهم أنه قال لهم أيضا "اذهبوا وابطشوا بالعماليق ودمّروا تدميرا تاما كل ما يملكون، ولا تبقوا منهم أحياء، بل اذبحوا الرجال والنساء والأطفال والرضّع والبقر والخراف والجمال والحمير" (سفر صموئيل الأول ٣/ ١٥)، ﴿قالُوا يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ تاقت نفوس بني إسرائيل إلى تقليدهم، لشدة ما اعتادوا على وثنية المصريين خلال مدة عبوديتهم حتى انحطّ مستواهم الفكري، وهذه بادرة الارتكاس الثانية منهم بعدما قالوا لموسى أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا بالآية (١٢٩)، ﴿قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ جئتكم بالحقيقة وبرسالة التوحيد والآيات البيّنات، وتصرّون على الزيف والوهم، ﴿إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٣٩) ١٣٩ - ﴿إِنَّ هؤُلاءِ﴾ العاكفين على الأصنام ﴿مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ﴾ التبار الهلاك، والتتبير الإهلاك، والمعنى أن طريقة هؤلاء مقضي عليها بالهلاك، وسوف تقودهم إليه لا محالة ﴿وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ كانوا وما زالوا، عملهم زائف لا يمت إلى الحقيقة، فهو أيضا زائل ومضمحل تماما، وهذه الآية تبين قاعدة عامة عن مآل جميع المشركين والمبطلين في كل العصور. ﴿قالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ (١٤٠) ١٤٠ - ﴿قالَ﴾ لهم موسى ﴿أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلهاً﴾ أطلب لكم معبودا غير الله تعالى؟ وهو رب العالمين! ﴿وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ بأن أنزل عليكم هدايته، واختاركم لحمل رسالته، والواضح أن التفضيل لم يكن مطلقا، وإنما بتحميلهم مسؤولية أثبتوا عدم جدارتهم بها.

стр. 656

﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ (١٤١) ١٤١ - ﴿وَإِذْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ واذكروا إذ أنجيناكم من آل فرعون، فكيف تنكصون إلى الوثنية؟ ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ عذاب العبودية ﴿يُقَتِّلُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ تقتيل الأبناء الذكور وترك الإناث، تمهيدا لإفنائهم ﴿وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ البلاء هو النعمة أو المحنة، وأصله الاختبار، ولمّا كان اختبار الله تعالى لعباده تارة بالمحنة، وتارة بالمنحة أطلق عليهما معا. ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (١٤٢) ١٤٢ - ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ المراد بالليلة في كلام العرب ما يشمل الليل والنهار معا، فهي بمعنى يوم وليلة، ويحتمل أن تفصيل الميقات بثلاثين ليلة مضافا إليها عشرا، أن موسى أمضى الثلاثين يوما الأولى في التهيؤ الروحي بالاعتكاف والصيام والتعبّد بحيث كان مستعدّا لتلقي الوحي في الأيام العشرة التي تلتها ﴿وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ لأنه سبق لموسى أن رأى ميلا من قومه إلى عبادة الأصنام، راجع الآية (١٣٨). ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٤٣) ١٤٣ - ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ رأى

стр. 657

موسى ما حلّ بالجبل فخرّ صعقا، والصعق بمعنى الغشيّ وليس الموت، لأنه بعد ذلك أفاق ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ تأكيد على أن طلبه الرؤية لم يكن نابعا من عدم إيمانه وقوله ﴿أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بمعنى أكثرهم إيمانا وأولهم من قومه. ﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (١٤٤) ١٤٤ - ﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي﴾ اختاره الله تعالى وفضله على الناس، لأن الصفوة هي النخبة، وقد اختصّه تعالى من دون الناس بأمرين: الرسالة، والتكليم بلا واسطة ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ من الوحي، أي تمسّك به واعمل به ﴿وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ بالقيام بما يتطلبه ذلك، من العلم والعمل. ﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ (١٤٥) ١٤٥ - ﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ موعظة من كل ما يحتاج إليه موسى وقومه في أمور دينهم، من المواعظ من جهة، وتفصيل أحكام الشريعة من جهة ثانية، ولعل الحكمة من كتابة الوحي في الألواح أن بني إسرائيل كانوا قوما بدائيين لا يؤمنون إلا بمشاهدة العين، ولم يكونوا ذوي رقيّ فكري أو روحاني، ولذلك كانت المعجزات المادية العديدة على يد موسى كفلق البحر وغيره مما تلمسه الحواس، ورغم ذلك فقد لقي موسى ﵇ منهم أشد العنت ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ تمسّك بما كتبنا فيها، واعمل بها بعزيمة ونية صادقة ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها﴾ بعد أن ذكر تعالى أنه كتب لهم في الألواح من كل شيء، أمرهم أن يأخذوا ويعملوا بأحسن ما يستطيعون فهمه من معناها البديهي، بحسن نية وبلا تنطع، ولا تتبع للدقائق الصغيرة مما اشتهر به بنو إسرائيل، وبما يمنع المخادعة والفتاوى الملتوية واستخدام الحيل الشرعية مما اشتهر به أحبارهم وذوو النوايا السيئة منهم إلى اليوم، فإن الله

стр. 658

لا يكلف نفسا إلا وسعها ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ سوف تشاهدون عاقبة العصاة الذين لا يتّبعون الوحي ولا يعملون به، بل يكذّبونه ويتكبرون عنه، كما سوف يلي تفصيله في الآية التالية، وقد يكون في ذلك كشف عن الغيب، أي إنه تعالى سوف يريهم المآل الذي ينتهون إليه بسبب فسوقهم، ويحتمل المعنى أيضا أنه تعالى سيكشف لهم أحوال الفاسقين الداخلية، والتعاسة والمصاعب التي يعيشونها، والمآل الذي ينتهون إليه، فلا ينبغي أن يغترّ المؤمنون بظواهرهم الخارجية من الترف والرفاه. ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ (١٤٦) ١٤٦ - تتمة الخطاب من الآية السابقة، بعد نزول الوحي على موسى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ كالذين يظنّون أنهم الشعب المختار، وقد طغت عليهم مشاعر العرق المتفوق والعنصرية المنغلقة والاستعلاء على بقية البشر، وتصنيف الناس إلى صنفين: يهود وأغيار أي غير يهود، ويبيحون لأنفسهم استعباد الأغيار أبد الدهر، انظر (سفر لاويين ٣٩/ ٢٥ - ٤٦)، ويأمرون بتقتيلهم وإبادتهم، انظر (سفر صموئيل ٣/ ١٥) و (سفر التثنية ٢٠/ ٢٥، ١٦/ ١٩)، والحاخامات يقولون: أفضل الأغيار اقتله، ويعتبرون كل نساء الأغيار بغايا، ولحومهم كلحوم الحمير، وعقوبة الاتصال الجنسي معهم كعقوبة خطيئة الوصال مع الحيوانات، وشهادة الأغيار غير مقبولة في المحاكم الحاخامية لأنهم كذبة بالفطرة، ويعتبرون أنّ تقاضي أكبر قدر من الربا منهم واجب ملزم، ويبيحون الغش والخداع والاحتيال في التعامل معهم، بل وسلب ممتلكاتهم، ويحرّمون إقامة الأغيار في أرضهم أو مد يد العون لهم، وغير ذلك كثير (الموسوعة التلمودية، ميشناه توراة، انظر إسرائيل شاحاك)، وهذه الوصايا من ضمن ٦١٣ واجبا دينيا ملزما عندهم صدرت في كتاب سمّوه: "كتاب التربية" طبع مرات عديدة بدعم مالي من

стр. 659

الحكومة الإسرائيلية، وهو الكتاب الأكثر شعبية في إسرائيل من هذا النوع في الوقت الحاضر. فمن سننه تعالى في خلقه أنّ من شأن مثل هذا الكبر والضلال، بل أقل منه بكثير، أن يصرف أصحابه عن النظر في الحق والآيات، ولمّا كان تعالى قد سنّ قوانين الكون بكاملها فإنه ينسب الصرف عن الآيات إلى ذاته العلية، وإن كان ذلك نتيجة طبيعية لسلوك الإنسان وخياره الحر، وذلك مكرر في العديد من آيات القرآن الكريم، انظر شرح آية [البقرة ٧/ ٢]، والآية استمرار لما سبقها بمعنى أن مآل الفاسقين الموصوفين في الآية السابقة، هو الضلال عن الآيات ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ تعمى بصائرهم عن الحقيقة، وقد رأى بنو إسرائيل منذ خروجهم من مصر الكثير من الآيات، كفلق البحر، وتظليل الغمام عليهم في سيناء، ونزول المن والسلوى ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ وهو ما جاءهم به موسى ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ كاتباع ما يزعم أحبارهم أنه وحي، والإشارة أيضا عامة لمن يعتقدون أن الفكر هو المقياس الوحيد للحق والباطل، وللخير والشر، وللصحيح والخطأ، ويرفضون الخضوع للمقياس الأخلاقي المطلق، وهو مقياس الوحي ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ ذلك الصرف عن الآيات وعدم الإيمان بها، وعدم اتخاذ سبيل الرشد، واتخاذ سبيل الغيّ، كل ذلك بسبب اختيارهم التكذيب بالآيات على التصديق بها، وبسبب كونهم غافلين عن حقيقتها، وتركيزهم على المادة والأهواء والشهوات، فاجتمع عندهم التكذيب والغفلة معا، وهذه الآية قاعدة اجتماعية عامة ليست مقتصرة على بني إسرائيل، ثم بيّن تعالى في الآية التالية عاقبة أمثالهم: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٤٧) ١٤٧ - ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾ الملاحظ أن كتب اليهود، أي العهد القديم ومن ضمنه ما يزعم أنه التوراة التي حررها

стр. 660

أحبارهم ليس بها أي ذكر للآخرة باستثناء سفر دانيال، ومن شأن هذا الإنكار أن تحبط أعمالهم، أي يبطل ثوابها، فهي بلا جدوى ولا يستفيدون منها ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ جزاؤهم مرتبط بأعمالهم. ﴿وَاِتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اِتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ﴾ (١٤٨) ١٤٨ - ﴿وَاِتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد ذهاب موسى لميقات ربّه ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ﴾ وردت الإشارة لعبادة العجل الذهبي في آية [البقرة ٥١/ ٢]، كما وردت بمزيد من التفصيل في سورة طه [٨٣/ ٢٠ - ٩٧]، ويلاحظ أنه في كل مرة تذكر فيها القصة لا يتم إيراد سوى النقطة أو النقاط الملائمة للموضوع، ولإظهار العبرة أو العبر المناسبة للسياق، وهو ما يلاحظ في جميع القصص في القرآن، لأنّ القصص في القرآن الكريم لا ترد لمجرد التأريخ أو الرواية، وفي هذه الآية نلاحظ المفارقة الحادة بين اعتكاف موسى على الجبل وروحانيته المتناهية وابتهاله إلى الله، وبين فساد قومه وماديتهم وعبادتهم العجل الذهبي في غيابه، وقد كانوا صهروا بعض الحليّ التي أحضروها معهم من مصر وصنعوا منها عجلا ذهبيا اتّخذوه معبودا، ويبدو أن الخوار، وهو صوت العجل، كان يصدر عند هبوب الرياح من خلال جسد العجل المفرّغ، وقد حاولوا بذلك تقليد العجل إبيس Apis في معبد الإله المصري عزيريس Osiris في العاصمة المصرية ممفيس، لشدة تأثرهم بالوثنية المصرية، وقد رأى الألوسي في روح المعاني أنّ كثيرا من الناس اليوم عبيد للذهب والدينار والدرهم، فهي العجل المعنوي لهم، وإن لم يسجدوا لها ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ فلا يستجيب العجل لعبادتهم، ولا يبيّن لهم الحق من الباطل ﴿اِتَّخَذُوهُ﴾ معبودا ﴿وَكانُوا ظالِمِينَ﴾ لأنفسهم، لأن عاقبة الضلال تعود عليهم لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ [الإسراء ١٥/ ١٧]. ﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (١٤٩)﴾

стр. 661

١٤٩ - ﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا﴾ أي لمّا اشتد ندمهم على ما فعلوا، وهي النتيجة الطبيعية للضلال، ويقال للنادم المتحير سقط في يده مجازا، بمعنى سقط الندم في يده ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ اعتراف منهم بأنه لا يسعهم بعد الضلال سوى رحمة ربهم. ﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ اِبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (١٥٠) ١٥٠ - ﴿وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً﴾ غضبان على أخيه هارون لما رأى من ضعفه مع قومه وعدم ضبطه لهم، وأسفا حزينا على ما بدر من قومه من الكفر والشرك ﴿قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ الخطاب بالجمع: لأخيه هارون لضعفه مع القوم، ولقومه بسبب كفرهم ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ يحتمل معنيين: الأول: أجعلتم من أمر ربّكم عجلا يعبد؟ والثاني: استعجلتم وأشركتم ولمّا يأتكم أمر ربّكم؟ أو استعجلتم وأشركتم بعدما لقّنتكم التوحيد ونهيتكم عن الشرك؟ أو استعجلتم واستوجبتم غضب ربّكم بهذا الكفر؟ ومنه قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الأنبياء ٣٧/ ٢١]، ﴿وَأَلْقَى الْأَلْواحَ﴾ ذهل عنها من شدة الغضب، وعمّا فيها من الأمر بالحلم عند الغضب ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ من شدة غضبه وحزنه، ظنّا منه أنه قصّر في كفّ القوم عن عبادة العجل ﴿قالَ اِبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ اعتذر هارون بالضعف وخوف القتل، وفي آية أخرى اعتذر بالخشية من وقوع النزاع والفرقة بين قومه [طه ٩٤/ ٢٠]، ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ﴾ فيزداد موقفي سوءا ﴿وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ لا تسوّيني بهم، لأن ما فعلوه كان رغما عني ولم أقبل به.

стр. 662

﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (١٥١) ١٥١ - ﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي﴾ إلقاء الألواح، وما بدر منّي في غضبي ﴿وَلِأَخِي﴾ لضعفه وعدم ضبطه قومه ﴿وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ﴾ التي وسعت كلّ شيء ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾. ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ (١٥٢) ١٥٢ - تتمة الخطاب من الآيات (١٤٦ - ١٤٧): ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ معبودا، وأصرّوا عليه، أو أصرّوا على الضلال، لأن حكم التائبين مذكور في الآية التالية (١٥٣)، ﴿سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة ﴿وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بالقهر والتشتت ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ الذين يفترون على الله الكذب بإضفاء الألوهية على مخلوقات مادية أو أشياء وهمية، أو بابتداع أفكار ومبادئ ينسبونها إلى الله تعالى، والإشارة في الآية غير مقتصرة على قوم موسى وقتئذ، وإنما تشمل بني إسرائيل من بعده لقوله تعالى ﴿سَيَنالُهُمْ﴾ للمستقبل، ولأن الأحبار افتروا الكذب على الله بتأليف كتب من عند أنفسهم وزعموا أنها التوراة ونسبوها إلى الله تعالى، وافتروا فيها أبشع أنواع الكذب على أنبيائهم، ثم افتروا بعدها الكذب على عيسى المسيح، وعلى النبي عليهما الصلاة والسلام، ولا يزالون يفترون جميع أنواع الكذب حتى عصرنا هذا، وقد نالهم من الذلة في الحياة الدنيا عبر العصور ما هو معروف، وقد نصّت آية [المائدة ٣٣/ ٥] على جزائهم. ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٥٣) ١٥٣ - ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا﴾ تابوا وآمنوا بعد عمل السيئات ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها﴾ من بعد التوبة والإيمان ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ فالإيمان والتوبة عن السيئات يستوجبان المغفرة.

стр. 663

﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ (١٥٤) ١٥٤ - ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ زال عنه الغضب وعاد ساكنا ﴿أَخَذَ الْأَلْواحَ﴾ يزعم اليهود في كتبهم المقدسة التي ابتدعوها أن الألواح تكسّرت عندما ألقاها موسى في غضبه (سفر الخروج ١٩/ ٣٢)، وقد يكون في هذا الزعم محاولة تبرير من قبلهم لكونهم أضاعوا التوراة وتلاعبوا بها، والقرآن لا يذكر شيئا عن تكسّر الألواح، والمعنى أنّها بقيت سالمة ﴿وَفِي نُسْخَتِها﴾ أي في الكتابة المنسوخة عليها، والنسخ بمعنى الكتابة ﴿هُدىً وَرَحْمَةٌ﴾ هدى من الضلال، ورحمة من الشقاء ﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ أي إنّ الهدى والرحمة مختصة بالذين يخافون ربهم يقينا. ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ﴾ (١٥٥) ١٥٥ - ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا﴾ أي اختار من قومه سبعين رجلا، - بحذف حرف الجرّ وهو شائع في القرآن، انظر إعراب القرآن للزجاج، الباب الرابع - ويحتمل أيضا أن يكون تقدير الكلام: اختار موسى قومه لميقاتنا، بأن يكون المراد من قومه المعتبرين منهم فقط، فيكون قوله ﴿سَبْعِينَ رَجُلاً﴾ بيانا لعددهم، أي اختارهم من نجباء القوم، أهل الاستعداد والصفاء والإرادة، والمعنى أنّ موسى خرج بهؤلاء السبعين لميقات ربّه، ويبدو أنه الميقات المشار إليه في آية [البقرة ٥٥/ ٢]، ﴿فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ وفي سورة البقرة أن الصاعقة أصابتهم عندما طلبوا أن يروا الله جهرة، ويحتمل أنها أصابتهم بالرجفة حتى أغمي عليهم، وقال الألوسي إنها رجفة البدن واقشعرار الجسد وارتعاده لشدة الرهبة ﴿قالَ﴾ بمعنى الدعاء ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ﴾ من قبل، أي عندما وافقوا قومهم على عبادة العجل، أو عندما تحدّوا موسى وطلبوا أن يروا الله جهرة ﴿أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ ما فعلوه من عبادة العجل

стр. 664

والمعاندة ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ الفتنة هي الاختبار المقصود منه إظهار حقيقة المفتونين أو لتصفيتهم وتمحيصهم، والخطاب اعتذار من موسى عمّا وقع من قومه، بمعنى أنّ الحياة الدنيا اختبار وابتلاء للعباد ﴿تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ﴾ بنتيجة الفتنة يضلّ تعالى من خلقه من يشاء الضلال، فيتركه لخياره ولنفسه، ويهدي منهم من يشاء الهداية، فيحيطه بتوفيقه ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا﴾ القائم بأمورنا في الدنيا والآخرة، لا أحد غيرك ﴿فَاغْفِرْ لَنا﴾ ذنوبنا، لا تؤاخذنا عليها ﴿وَاِرْحَمْنا﴾ بفضلك وإحسانك ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ﴾ لأنه تعالى يغفر لعباده بمحض الكرم والتفضّل. ﴿وَاُكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٥٦) ١٥٦ - ﴿وَاُكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ وهو تتمة دعاء موسى ﵇، فبعد الإقرار أنه تعالى وحده القائم بأمور خلقه، طلب موسى المغفرة والرحمة، ثم أضاف عليها طلب حياة حسنة في هذه الدنيا، من العافية وبسط الرزق، والتوفيق للطاعة، وعز الاستقلال والملك، ومثوبة حسنة في الآخرة بدخول الجنة ونيل الرضوان ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ وقد يكون أنهم سمّوا يهودا لهذا السبب، أي تبنا ورجعنا إليك، بعد تفريط سفهائنا من طلب الآلهة وعبادة العجل، وتقصير خيارنا في الإنكار عليهم، وطلب الرؤية، وتمرد المغرورين ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ﴾ أي كان من سبق رحمتي غضبي أن أجعل عذابي خاصا أصيب به من أشاء من الكفار والعصاة المجرمين ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ رحمتي فقد وسعت كل شيء في العالمين، فهي من صفاتي القديمة الأزلية التي قام بها أمر الكون، والعذاب ليس من صفاتي بل من أفعالي المرتبة على صفة العدل، ورحمتي عامة لكل مخلوق، ولولاها لهلك كل كافر وعاص عقب كفره ومعصيته دون إمهال ﴿فَسَأَكْتُبُها﴾ خاصة ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الكفر والمعاصي والفجور والفساد والتمرد ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ لأنها دلالة على

стр. 665

عدم استيلاء الدنيا عليهم، وهي أيضا دلالة على ترجمة عقيدتهم إلى أعمال، وفي الآية تعريض بشدة حب اليهود للدنيا، وتهالكهم على جمع المال بشتى الوسائل ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ لأنه من دون الإيمان تحبط الأعمال ولا تنفع صاحبها شيئا، والإيمان لا يكون مقتصرا على الإيمان بالوحي الذي نزل على رسول دون غيره، وإنما الإيمان بكامل الوحي الذي نزل على الأنبياء والرسل، وخاصة الإيمان بالآيات التي نزلت على خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ بالنسبة إلى من أدرك بعثته، كما هو مبيّن في الآية التالية، وفي الآيات (١٥٧ - ١٥٨) إحدى العبر الرئيسة في هذه السورة من قصة موسى مع بني إسرائيل: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٥٧) ١٥٧ - ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ﴾ استئناف الخطاب من الآية السابقة، والمعنى سأكتب رحمتي للذين يتقون، ويؤتون الزكاة، والذين يؤمنون بالآيات، وهم المتصفون باتباع هدي خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ ، وفي ذلك حث لبني إسرائيل على اتباعه شرطا لقبول توبتهم المشار إليها بقول موسى ﴿إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾، ﴿النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ الذي لا يقرأ ولا يكتب، وقيل هذه الصفة نسبة إلى العرب، لأن الأميّة كانت غالبة فيهم، وفي هذا الوصف تنبيه على إعجاز الرسالة، لأن الوحي نزل مشتملا على المعجز من علوم الدنيا والآخرة، وعلى الأخبار الصحيحة عن الرسل والأقوام الغابرة التي كانت قبل الرسول ﷺ ، في حين لم يكن بمقدوره ﷺ أن يطّلع على كتب اليهود والنصارى ولا غيرها، بل إنّ الوحي نزل بتصحيح ما ورد فيها من انحرافات ومتناقضات، فهذه الصفة هي صفة مديح بالنسبة إليه ﷺ ، وأما بالنسبة إلى غيره فلا ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً﴾

стр. 666

﴿عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ ورد الكثير من البشارات في كتب اليهود والنصارى عن قدوم النبي الأحمد، ومع أن كتبهم التي بين أيدينا مشحونة بالمتناقضات والمغالطات التي أدخلها الأحبار والكهنة والكتبة، فإنها لا تزال تشتمل على شذرات من الحقيقة، ومنها النبوءات الكثيرة عن النبي الخاتم، وقد ورد تفصيل هذه النبوءات في كتاب الأستاذ عبد الأحد داود (محمد في الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى)، وإحدى هذه النبوءات الكثيرة ما ورد في سفر (يوحنا ١٩/ ١ - ٢٥) أنّ اليهود كانوا بانتظار قدوم ثلاثة أنبياء وهم: إيليا، والمسيح، والنبي المنتظر، ثم إنّ اليهود رفضوا المسيح والنبي المنتظر معا بعد ظهورهما، ولا يزالون ينتظرون، أما المسيحية فقد أقرّت بالمسيح مجرد رمز لها، ورفضت النبي الأحمد المنتظر، ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي ما تعرف العقول والفطرة السليمة صوابه، كعبادة الله وحده ﴿وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ما تنكره العقول السليمة والفطرة، كالشرك وعبادة الأوثان ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ التي يستطيبها الطبع، لأن الأصل في الطيّبات الحل، إلاّ بدليل منفصل ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾ التي اخترعوا في كتبهم كل المبررات لارتكابها حتى أنهم نسبوها إلى أنبيائهم، والخبائث كل ما يستخبثه الطبع ويكون في تعاطيه المضرّة للنفس وللمجتمع، فالأصل فيه الحرمة، إلا بدليل منفصل ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ يخفف عن اليهود ما كلّفوا به، أو كلّفوا أنفسهم به من التكاليف الشاقة عن طريق الأحبار، انظر شرح آية [آل عمران ٩٣/ ٣]، وأصل الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه عن الحراك، والأغلال جمع غلّ وهي القيد الحديدي الذي يجمع يدي الأسير إلى عنقه، واستعمالها في الآية من قبيل الاستعارة لبيان ما كان بنو إسرائيل يرزحون تحته من تعسف الشرع الذي ابتدعه أحبارهم ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ بالنبي محمد ﷺ ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ منعوا العدو منه، حتى لا يقوى عليه عدوّ ﴿وَنَصَرُوهُ﴾ على أعدائه ﴿وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ هو القرآن الكريم، وعبّر عنه بالنور

стр. 667

لظهوره بنفسه في إعجازه وصدقه، فهو أشبه شيء بالنور الظاهر بنفسه، والمظهر لغيره ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الناجون الفائزون. ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاِتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٥٨) ١٥٨ - ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ بمن فيهم اليهود، وهذا الخطاب المعترض ضمن قصة موسى قصد منه التوضيح ومقارنة بعثة النبي ﷺ مع ما سبق من بعث الأنبياء الذين بعثوا إلى أقوامهم خاصة لمعالجة أوضاع اجتماعية معينة لدى تلك الأقوام، بما في ذلك بعثة موسى وعيسى ﵉، في حين أن النبي ﷺ بعث للناس كافة، ورسالته تتخطى الأقوام والثقافات، إلى كل الشعوب والثقافات في الدنيا، وهي أيضا رسالة صالحة ومقصودة لكل العصور، لكونه ﷺ خاتم الأنبياء والرسل، ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فبعث النبي ﷺ إلى الناس كافة ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ المتفرد والمتصرف بملكه، والمدبّر لخلقه، فلا مستحق للعبادة سواه ﴿يُحيِي وَيُمِيتُ﴾ قادر على الإحياء والإعادة والحشر ثم الحساب ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ لأنه بعد هذه الحجج لم يبق للعاقل المنصف إلاّ الإيمان بالله وبرسوله، إذ لن يكون بعده رسول، والخطاب موجّه للناس عامة بمن فيهم اليهود ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ تكرار الإشارة لأمّيته تأكيدا على الإعجاز، فالرسول لم يكن على خلفية بأي من الثقافات العالمية التي كانت في زمنه أو قبله، كما لم يتفق له مجالسة أحد من العلماء ولا التعلم منهم، لأن مكة لم تكن بلدا للعلماء، وما غاب الرسول عن مكة غيبة طويلة حتى يقال إنه في تلك المدة تعلم العلوم الكثيرة، فكان ظهور هذه العلوم السماوية عليه من أعظم المعجزات ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ﴾ تأكيد على وحدة الرسالات والوحي، فهو يؤمن بما أنزل عليه وما أنزل على من سبقه من الرسل ﴿وَاِتَّبِعُوهُ﴾ اتباع تصديق وقبول وإذعان وعمل ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إلى الحقيقة إذا أعملتم العقل والتفكير.

стр. 668

﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (١٥٩) ١٥٩ - ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ أي يهدون الناس بالحق، وهم الذين يتبعون الرسول النبي الأمي المشار إليه في الآيتين السابقتين ﴿وَبِهِ﴾ أي بالحق ﴿يَعْدِلُونَ﴾ في التعامل مع الناس، وفي آيات [آل عمران ١١٣/ ٣ - ١١٤] توجد إشارة إلى أمثال هؤلاء الناس أيضا، والمقصود أنه مهما كانت الغالبية من القوم على درجة من العصيان والتعصب والضلال، ممّا طبع تاريخ اليهود بشكل خاص على مر العصور، فإنه يوجد دوما من الناس الأتقياء بينهم، مهما قلّ عددهم، من يهتدي بهدي الرسل ويدخل الإسلام، ويعمل بموجبه، وفي الآية إشارة أيضا أنه تعالى يحاسب الناس فرادى، ولا يأخذهم بجريرة قومهم. وفي تفسير (أمّة) هنا خرافات إسرائيلية نقلها الطبري عن ابن جريج، قال هم سبط من بني إسرائيل ساروا في نفق من الأرض فخرجوا من وراء الصين إلخ .. قال الشيخ رشيد رضا: وابن جريج على سعة علمه وروايته وعبادته شر المدلّسين تدليسا، وأئمة الجرح والتعديل لا يعتدّون بشيء يرويه، ونقل هذه الخرافة كثيرون وبحثوا فيها مباحث لا يستحق شيء منها أن يحكى (المنار). ﴿وَقَطَّعْناهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اِسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١٦٠) ١٦٠ - ﴿وَقَطَّعْناهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً﴾ من نعمه تعالى على بني إسرائيل أن جعلهم فرقا متميّزة بعدد أسباط يعقوب الاثني عشر، لكي ينتظموا ولا تقع فيهم الفوضى والهرج والمرج، انظر شرح آية [المائدة ١٢/ ٥] عن بعث النقباء الاثني عشر فيهم ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اِسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ انفجرت من الحجر اثنتا عشرة عينا بعدد الأسباط، وهي نعمة ثانية من نعمه تعالى عليهم في الصحراء القاحلة،

стр. 669

وتقدير الخطاب: فضرب فانبجست، وحذف المعطوف عليه للإشارة لسرعة الامتثال، حتى كأنّ الإيحاء وضرب الحجر أمر واحد، وأن الانبجاس بأمره تعالى، كأنّ فعل موسى لا دخل له فيه (الألوسي)، ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ كي لا يقتتلوا على الماء ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ﴾ وهي نعمة ثالثة، لأن بني إسرائيل قضوا أكثر من أربعين عاما في صحراء سيناء، حيث لا شجر ولا ظل يقيهم أشعة الشمس الحارقة، وقد جاؤوا سيناء بأعداد كبيرة بلا استعداد، فلولا معجزة الماء وتظليل الغمام عليهم لهلكوا ﴿وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى﴾ طعاما لهم يقيهم المجاعة في الصحراء، وهي النعمة الرابعة المذكورة في هذه الآية، قال بعضهم إنّ المنّ كان يشبه بذور الكزبرة وكانت تنبت بعد هطول الندى على الأرض ليلا، وبرحمة الله توافرت لهم أيضا السلوى، وهي طيور السمّان بكميات وفيرة أنقذتهم من المجاعة، وقيل إنها كانت طيورا مهاجرة من إفريقية ولا سيّما مصر، تصل إلى سيناء متعبة فتقع على الأرض أو تسفّ فتؤخذ باليد ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ رزقا إلهيا بلا تعب ولا عمل ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ بكفران كل هذه النعم المذكورة وغيرها من النعم الكثيرة ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ظلموا أنفسهم بمعصيتهم وذنوبهم، وأنّ عاقبة معصيتهم مقتصرة عليهم لا غير، وضرر الكفر يعود عليهم، راجع أيضا آية [البقرة ٥٧/ ٢]، ويلاحظ الإعجاز في تحقق هذه النعم التنظيمية والمعاشية لبني إسرائيل في ظروف مناخية شديدة الصعوبة، ومن يزور صحراء سيناء اليوم يدرك ضخامة هذا الإعجاز، إذ حتى في ظروف الحضارة الراهنة يعتبر من الصعوبة البالغة تنظيم وتزويد أعداد كبيرة من البشر بالطعام والشراب والمأوى في بيئة سيناء القاسية لسنين طويلة، أضف إلى ذلك أن اليهود جاؤوا إلى سيناء من غير استعداد ولا تحضير مسبق، ثم إنهم كانوا محاطين بالأعداء من كل جانب، فكانوا محط العناية الإلهية، كل ذلك ممّا يزيد من فداحة ظلمهم الذي تشير إليه الآية، بسبب كفرانهم كل هذه النعم الإلهية.

стр. 670

﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اُسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٦١) ١٦١ - ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اُسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ القرية هي المدينة أو المجتمع أو البلد، والعرب تسمّي المدينة أو المجتمع قرية، قال تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١/ ٤٣] أي مكة والطائف، أو فارس والروم، وفي هذه الآية يبدو أن الإشارة لفلسطين، والسكن من السكون، فيكون الأمر بالسكنى متضمنا معنى المسالمة والموادعة والمساكنة مع باقي الناس ﴿وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أي تمتّعوا من خيراتها، وهي نعمة خامسة بعد النعم الأربعة المذكورة في الآية السابقة ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي استغفروا ربّكم، وادعوه أن يحطّ عنكم خطاياكم، وتقدير الخطاب: حاجتنا حطّة ﴿وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً﴾ ادخلوا فلسطين متواضعين خاشعين لله تعالى، مستغفرين تائبين، وكونوا قدوة لغيركم من الناس حتى يدخلوا في الدين أفواجا، مثلما دخل النبي ﷺ مكة وقت الفتح، ومثلما فعل المسلمون عندما دخلوا البلدان المفتوحة بعد فجر الإسلام ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ﴾ نتجاوز عنها ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي نزيدهم إحسانا وأجرا وثوابا. ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ (١٦٢) ١٦٢ - بعد تعداد بعض نعمه تعالى عليهم في الآيتين السابقتين، تبيّن الآيات (١٦٢ - ١٦٩) جحود بني إسرائيل بالإنعام وعقوبتهم عليه ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ عصوا ما أمروا به قولا وفعلا، فبدلا من دخول فلسطين متواضعين مستغفرين تائبين جديرين بحمل الرسالة الإلهية، انظر آيات [البقرة ٥٨/ ٢ - ٥٩]، فقد عاثوا فيها الفساد، وأعملوا في أهلها التقتيل، وارتكبوا من الفظائع والأعمال الوحشية واستخدموا من فنون الغدر والإرهاب في ترويع السكان الآمنين، كل ذلك ممّا هو مدوّن في كتبهم التي سطّرها أحبارهم،
следующие страницы →