← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

﴿عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ ورد الكثير من البشارات في كتب اليهود والنصارى عن قدوم النبي الأحمد، ومع أن كتبهم التي بين أيدينا مشحونة بالمتناقضات والمغالطات التي أدخلها الأحبار والكهنة والكتبة، فإنها لا تزال تشتمل على شذرات من الحقيقة، ومنها النبوءات الكثيرة عن النبي الخاتم، وقد ورد تفصيل هذه النبوءات في كتاب الأستاذ عبد الأحد داود (محمد في الكتاب المقدس عند اليهود والنصارى)، وإحدى هذه النبوءات الكثيرة ما ورد في سفر (يوحنا ١٩/ ١ - ٢٥) أنّ اليهود كانوا بانتظار قدوم ثلاثة أنبياء وهم: إيليا، والمسيح، والنبي المنتظر، ثم إنّ اليهود رفضوا المسيح والنبي المنتظر معا بعد ظهورهما، ولا يزالون ينتظرون، أما المسيحية فقد أقرّت بالمسيح مجرد رمز لها، ورفضت النبي الأحمد المنتظر، ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي ما تعرف العقول والفطرة السليمة صوابه، كعبادة الله وحده ﴿وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ما تنكره العقول السليمة والفطرة، كالشرك وعبادة الأوثان ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ التي يستطيبها الطبع، لأن الأصل في الطيّبات الحل، إلاّ بدليل منفصل ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ﴾ التي اخترعوا في كتبهم كل المبررات لارتكابها حتى أنهم نسبوها إلى أنبيائهم، والخبائث كل ما يستخبثه الطبع ويكون في تعاطيه المضرّة للنفس وللمجتمع، فالأصل فيه الحرمة، إلا بدليل منفصل ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ يخفف عن اليهود ما كلّفوا به، أو كلّفوا أنفسهم به من التكاليف الشاقة عن طريق الأحبار، انظر شرح آية [آل عمران ٩٣/ ٣]، وأصل الإصر الثقل الذي يأصر صاحبه عن الحراك، والأغلال جمع غلّ وهي القيد الحديدي الذي يجمع يدي الأسير إلى عنقه، واستعمالها في الآية من قبيل الاستعارة لبيان ما كان بنو إسرائيل يرزحون تحته من تعسف الشرع الذي ابتدعه أحبارهم ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ بالنبي محمد ﷺ ﴿وَعَزَّرُوهُ﴾ منعوا العدو منه، حتى لا يقوى عليه عدوّ ﴿وَنَصَرُوهُ﴾ على أعدائه ﴿وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ هو القرآن الكريم، وعبّر عنه بالنور

стр. 667

لظهوره بنفسه في إعجازه وصدقه، فهو أشبه شيء بالنور الظاهر بنفسه، والمظهر لغيره ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الناجون الفائزون. ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ وَاِتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١٥٨) ١٥٨ - ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ بمن فيهم اليهود، وهذا الخطاب المعترض ضمن قصة موسى قصد منه التوضيح ومقارنة بعثة النبي ﷺ مع ما سبق من بعث الأنبياء الذين بعثوا إلى أقوامهم خاصة لمعالجة أوضاع اجتماعية معينة لدى تلك الأقوام، بما في ذلك بعثة موسى وعيسى ﵉، في حين أن النبي ﷺ بعث للناس كافة، ورسالته تتخطى الأقوام والثقافات، إلى كل الشعوب والثقافات في الدنيا، وهي أيضا رسالة صالحة ومقصودة لكل العصور، لكونه ﷺ خاتم الأنبياء والرسل، ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فبعث النبي ﷺ إلى الناس كافة ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ المتفرد والمتصرف بملكه، والمدبّر لخلقه، فلا مستحق للعبادة سواه ﴿يُحيِي وَيُمِيتُ﴾ قادر على الإحياء والإعادة والحشر ثم الحساب ﴿فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ لأنه بعد هذه الحجج لم يبق للعاقل المنصف إلاّ الإيمان بالله وبرسوله، إذ لن يكون بعده رسول، والخطاب موجّه للناس عامة بمن فيهم اليهود ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ تكرار الإشارة لأمّيته تأكيدا على الإعجاز، فالرسول لم يكن على خلفية بأي من الثقافات العالمية التي كانت في زمنه أو قبله، كما لم يتفق له مجالسة أحد من العلماء ولا التعلم منهم، لأن مكة لم تكن بلدا للعلماء، وما غاب الرسول عن مكة غيبة طويلة حتى يقال إنه في تلك المدة تعلم العلوم الكثيرة، فكان ظهور هذه العلوم السماوية عليه من أعظم المعجزات ﴿الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِماتِهِ﴾ تأكيد على وحدة الرسالات والوحي، فهو يؤمن بما أنزل عليه وما أنزل على من سبقه من الرسل ﴿وَاِتَّبِعُوهُ﴾ اتباع تصديق وقبول وإذعان وعمل ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ إلى الحقيقة إذا أعملتم العقل والتفكير.

стр. 668

﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (١٥٩) ١٥٩ - ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ أي يهدون الناس بالحق، وهم الذين يتبعون الرسول النبي الأمي المشار إليه في الآيتين السابقتين ﴿وَبِهِ﴾ أي بالحق ﴿يَعْدِلُونَ﴾ في التعامل مع الناس، وفي آيات [آل عمران ١١٣/ ٣ - ١١٤] توجد إشارة إلى أمثال هؤلاء الناس أيضا، والمقصود أنه مهما كانت الغالبية من القوم على درجة من العصيان والتعصب والضلال، ممّا طبع تاريخ اليهود بشكل خاص على مر العصور، فإنه يوجد دوما من الناس الأتقياء بينهم، مهما قلّ عددهم، من يهتدي بهدي الرسل ويدخل الإسلام، ويعمل بموجبه، وفي الآية إشارة أيضا أنه تعالى يحاسب الناس فرادى، ولا يأخذهم بجريرة قومهم. وفي تفسير (أمّة) هنا خرافات إسرائيلية نقلها الطبري عن ابن جريج، قال هم سبط من بني إسرائيل ساروا في نفق من الأرض فخرجوا من وراء الصين إلخ .. قال الشيخ رشيد رضا: وابن جريج على سعة علمه وروايته وعبادته شر المدلّسين تدليسا، وأئمة الجرح والتعديل لا يعتدّون بشيء يرويه، ونقل هذه الخرافة كثيرون وبحثوا فيها مباحث لا يستحق شيء منها أن يحكى (المنار). ﴿وَقَطَّعْناهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اِسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (١٦٠) ١٦٠ - ﴿وَقَطَّعْناهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً﴾ من نعمه تعالى على بني إسرائيل أن جعلهم فرقا متميّزة بعدد أسباط يعقوب الاثني عشر، لكي ينتظموا ولا تقع فيهم الفوضى والهرج والمرج، انظر شرح آية [المائدة ١٢/ ٥] عن بعث النقباء الاثني عشر فيهم ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى إِذِ اِسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أَنِ اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ انفجرت من الحجر اثنتا عشرة عينا بعدد الأسباط، وهي نعمة ثانية من نعمه تعالى عليهم في الصحراء القاحلة،

стр. 669

وتقدير الخطاب: فضرب فانبجست، وحذف المعطوف عليه للإشارة لسرعة الامتثال، حتى كأنّ الإيحاء وضرب الحجر أمر واحد، وأن الانبجاس بأمره تعالى، كأنّ فعل موسى لا دخل له فيه (الألوسي)، ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ كي لا يقتتلوا على الماء ﴿وَظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الْغَمامَ﴾ وهي نعمة ثالثة، لأن بني إسرائيل قضوا أكثر من أربعين عاما في صحراء سيناء، حيث لا شجر ولا ظل يقيهم أشعة الشمس الحارقة، وقد جاؤوا سيناء بأعداد كبيرة بلا استعداد، فلولا معجزة الماء وتظليل الغمام عليهم لهلكوا ﴿وَأَنْزَلْنا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى﴾ طعاما لهم يقيهم المجاعة في الصحراء، وهي النعمة الرابعة المذكورة في هذه الآية، قال بعضهم إنّ المنّ كان يشبه بذور الكزبرة وكانت تنبت بعد هطول الندى على الأرض ليلا، وبرحمة الله توافرت لهم أيضا السلوى، وهي طيور السمّان بكميات وفيرة أنقذتهم من المجاعة، وقيل إنها كانت طيورا مهاجرة من إفريقية ولا سيّما مصر، تصل إلى سيناء متعبة فتقع على الأرض أو تسفّ فتؤخذ باليد ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ رزقا إلهيا بلا تعب ولا عمل ﴿وَما ظَلَمُونا﴾ بكفران كل هذه النعم المذكورة وغيرها من النعم الكثيرة ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ظلموا أنفسهم بمعصيتهم وذنوبهم، وأنّ عاقبة معصيتهم مقتصرة عليهم لا غير، وضرر الكفر يعود عليهم، راجع أيضا آية [البقرة ٥٧/ ٢]، ويلاحظ الإعجاز في تحقق هذه النعم التنظيمية والمعاشية لبني إسرائيل في ظروف مناخية شديدة الصعوبة، ومن يزور صحراء سيناء اليوم يدرك ضخامة هذا الإعجاز، إذ حتى في ظروف الحضارة الراهنة يعتبر من الصعوبة البالغة تنظيم وتزويد أعداد كبيرة من البشر بالطعام والشراب والمأوى في بيئة سيناء القاسية لسنين طويلة، أضف إلى ذلك أن اليهود جاؤوا إلى سيناء من غير استعداد ولا تحضير مسبق، ثم إنهم كانوا محاطين بالأعداء من كل جانب، فكانوا محط العناية الإلهية، كل ذلك ممّا يزيد من فداحة ظلمهم الذي تشير إليه الآية، بسبب كفرانهم كل هذه النعم الإلهية.

стр. 670

﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اُسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٦١) ١٦١ - ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اُسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ القرية هي المدينة أو المجتمع أو البلد، والعرب تسمّي المدينة أو المجتمع قرية، قال تعالى: ﴿وَقالُوا لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١/ ٤٣] أي مكة والطائف، أو فارس والروم، وفي هذه الآية يبدو أن الإشارة لفلسطين، والسكن من السكون، فيكون الأمر بالسكنى متضمنا معنى المسالمة والموادعة والمساكنة مع باقي الناس ﴿وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ﴾ أي تمتّعوا من خيراتها، وهي نعمة خامسة بعد النعم الأربعة المذكورة في الآية السابقة ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أي استغفروا ربّكم، وادعوه أن يحطّ عنكم خطاياكم، وتقدير الخطاب: حاجتنا حطّة ﴿وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً﴾ ادخلوا فلسطين متواضعين خاشعين لله تعالى، مستغفرين تائبين، وكونوا قدوة لغيركم من الناس حتى يدخلوا في الدين أفواجا، مثلما دخل النبي ﷺ مكة وقت الفتح، ومثلما فعل المسلمون عندما دخلوا البلدان المفتوحة بعد فجر الإسلام ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ﴾ نتجاوز عنها ﴿سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي نزيدهم إحسانا وأجرا وثوابا. ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ (١٦٢) ١٦٢ - بعد تعداد بعض نعمه تعالى عليهم في الآيتين السابقتين، تبيّن الآيات (١٦٢ - ١٦٩) جحود بني إسرائيل بالإنعام وعقوبتهم عليه ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ عصوا ما أمروا به قولا وفعلا، فبدلا من دخول فلسطين متواضعين مستغفرين تائبين جديرين بحمل الرسالة الإلهية، انظر آيات [البقرة ٥٨/ ٢ - ٥٩]، فقد عاثوا فيها الفساد، وأعملوا في أهلها التقتيل، وارتكبوا من الفظائع والأعمال الوحشية واستخدموا من فنون الغدر والإرهاب في ترويع السكان الآمنين، كل ذلك ممّا هو مدوّن في كتبهم التي سطّرها أحبارهم،

стр. 671

وأطلقوا عليها اسم العهد القديم، ومن ضمنها ما يزعمون أنه التوراة، بعد أن درسوا ما فيها أي تعلّموه ثم درسوه أي محوه (الآية: ١٦٩)، ﴿فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ﴾ عقابا لهم، والرجز هو العذاب، وهو التشريد والتقتيل والاضطهاد الذي لحق بهم على مر العصور انظر [المائدة ٣٣/ ٥]، ﴿بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أي بسبب ظلمهم، لأنه تعالى شرّفهم بحمل الرسالة الإلهية فطغوا وتجبّروا. ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١٦٣) ١٦٣ - ﴿وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ والخطاب للنبي ﷺ ، أي واسأل اليهود المعاصرين لك سؤال تقريع وتقرير أنّه سبق لأجدادهم تجاوز شريعتهم، وهم قد درجوا على طريقة أسلافهم في المعصية، والقرية حاضرة البحر بمعنى الواقعة على شاطئه، وقيل إنها أيلة - العقبة اليوم - أو طبريّة ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ يعتدون أيام السبت بالقيام بصيد الأسماك، وكانت الشريعة الموسوية متشددة في تحريم العمل يوم السبت ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً﴾ الحيتان هي الأسماك، كبيرة كانت أم صغيرة، وأكثر ما تستعمل العرب الحوت في معنى السمكة، ويبدو أن الأسماك اعتادت ألاّ يتعرض أحد لصيدها أيام السبت فأمنت وصارت تبدو فيها بشكل ظاهر، فلمّا رأوا ظهورها وكثرتها أيام السبت أغراهم ذلك بصيدها ﴿وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ﴾ لا تأتيهم يوم ينتهكون حرمة السبت ﴿كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ نختبرهم لتظهر معصيتهم ظهور فعل ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ كي يكون الجزاء مترتّبا على ظهور معصيتهم وأفعالهم. ﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾

стр. 672

١٦٤ - ﴿وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ﴾ وهي طائفة منهم يبدو أنها لم تشترك في انتهاك حرمة السبت، ولكنها في نفس الوقت لم تعترض ولم تلم الآخرين عليه، وخطابها موجّه إلى طائفة أخرى من الصالحين الذين ألزموا أنفسهم بالوقوف في وجه الخطأ والوعظ ضدّه، وقد سبقت الإشارة إلى أمثال هؤلاء في الآية (١٥٩)، ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ أي ما الجدوى من الوعظ لأمثال هؤلاء الناس المصمّمين على المعصية، فإن مصيرهم الهلاك، والوعظ لا ينفع فيهم ﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً﴾ لتماديهم في الشرّ ﴿قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ﴾ أي حتى نعتذر إلى ربّنا بأننا لم نسكت على المنكر، وهو جواب الطائفة الأخرى، والسكوت على المنكر يقارب القبول به، ويلحظ أنه في إضافة الرب إلى ضمير المخاطبين نوع من التعريض بالسائلين ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ سوء العاقبة، أي لعلّ الذكرى تفيدهم أو تفيد بعضهم، فإنّنا نطمع في ذلك ولا نقطع الأمل منه، وهذه الآية ذات مغزى خاص لكل المؤمنين في كل الأزمنة. ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (١٦٥) ١٦٥ - ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ تركوا ما ذكّرهم به صلحاؤهم، لأن النسيان بهذا المعنى مجاز عن الترك ويشمل عدم المبالاة ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ أي أنجينا الذين ينهون عن العمل الذي تسوء عاقبته ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ شديد يسبب البؤس ﴿بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ بسبب فسقهم المستمر، ولم تذكر الآية مصير الذين تساءلوا عن جدوى الوعظ والتذكير والنهي عن السوء، وسكتوا عن الخطأ، ولعلهم من أصحاب الأعراف المشار إليهم في الآية (٤٦)﴾، إذ كانوا على معرفة بالحق والباطل فلم يفعلوا شيئا للنهي عن الفساد.

стр. 673

﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ (١٦٦) ١٦٦ - ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ لمّا تكبروا عن ترك ما نهوا عنه، رغم العذاب الشديد الذي نزل بهم، ولم يزدهم العذاب إلاّ إصرارا على الكفر والفسوق ﴿قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً﴾ وردت الإشارة لذلك أيضا في آية [البقرة ٦٥/ ٢]، قال بعض المفسرين إن أشكالهم صارت تشبه القردة، وقيل بل التحول إلى قردة بالمعنى المجازي، أي صاروا كالقرود مجرّدين من السمو الروحي الذي يتمتع به البشر، وأنه تعالى مسخ قلوبهم بمعنى الطبع والختم، فلم يوفّقوا لفهم الحق، وليس أنه مسخ صورهم، وهو شبيه بقوله تعالى ﴿كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً﴾ [الجمعة ٥/ ٦٢]، ولأنّ الإنسان إذا أصر على جهالته بعد ظهور البينات فالعرب تقول عنه مجازا أنه حمار أو قرد ﴿خاسِئِينَ﴾ أي ذليلين مطرودين، وهذا العقاب ليس لانتهاكم حرمة السبت فقط وإنما بنتيجة معاصيهم المستمرة، والدليل على كونهم قردة خاسئين أنّ سلوكهم عبر التاريخ وتجاه غيرهم من الأمم لا يخلو من السمو الروحي فحسب، بل هو سلوك العنصرية المقيتة المحضة، فهم يسمّون باقي البشر أغيارا ويعتبرونهم صنفا دونيّا من الناس، ونصّوا على استعبادهم واستغلالهم في كتبهم التلمودية وفي توراتهم وفي كتب العهد القديم التي يسمّونها مقدسة والتي حرّرها أحبارهم. ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٦٧) ١٦٧ - ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾ تأذّن أي جعل معلوما، وذلك بعد نزول العذاب البئيس بالذين ظلموا منهم، وبعد مسخهم قردة خاسئين ﴿لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ﴾ أي ليسلطنّ على الذين بقوا مصرّين على المعصية منهم، من يعذّبهم في الدنيا إلى يوم القيامة، وقد تكررت الإشارة إلى ذلك في آية [المائدة ٣٣/ ٥]، وهذه الآية من قبيل الإخبار بالماضي والمستقبل، ومن سوء العذاب الذي حلّ باليهود تاريخيا: أولا: سقوط مملكة إسرائيل بعاصمتها

стр. 674

شكّيم (نابلس) بيد ملك آشور سرجون الثاني عام ٧٢١ ق. م، ثم سقوط مملكة يهوذا بعاصمتها القدس بيد ملك الكلدانيين نبوخذ نصّر عام ٥٨٦ ق. م، ثمّ نفي اليهود إلى بابل الذي استمر قرابة خمسين عاما، ثم معاناتهم المريرة مئات السنين تحت حكم الفرس واليونان والرومان بعد عودتهم من النفي، ثم بعد أن رفضوا آخر أنبيائهم عيسى المسيح ﵇ وحاولوا قتله تمّ إجلائهم عن فلسطين عام ٧٠ م على يد القائد الروماني تيطس قبل أن يصبح إمبراطورا، ثم تمّ تخريب معالم القدس والهيكل تماما وقتل وشرد من بقي من اليهود على يد إمبراطور روما هادريان عام ١٣٥ م، فكان ذلك بداية نفيهم وشتاتهم في أنحاء العالم، ثم كان نفيهم من جزيرة العرب بعدما حاربوا النبي ﷺ وتآمروا عليه، ثم كانت معاناتهم قهر الأمم واضطهاد المسيحية لهم في أوروبة منذ ذلك الحين حتى العصر الحديث على يد النازيين، كل هذا الواقع يعتبر أيضا مصداقا لما جاء في [آيات [الإسراء ٤/ ١٧ - ٨]، ومصداقا لقوله تعالى ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنّاهُمْ﴾ [المائدة ١٣/ ٥] أي أبعدهم تعالى من رحمته، ولا عبرة بإنشاء دولتهم ولّم شمل عدد كبير منهم في فلسطين في العصر الحاضر فإن عذاب الله محيط بهم ما داموا على كفرهم ومعصيتهم، والعبرة أن يغير المسلمون ما بأنفسهم ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ﴾ للأمم التي تفسق عن أمره وتفسد في الأرض ﴿وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن تاب وآمن وعمل صالحا. ﴿وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١٦٨) ١٦٨ - ﴿وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً﴾ أي فرقّناهم تفريقا شديدا، فهم مبعثرون في أنحاء الدنيا ﴿مِنْهُمُ الصّالِحُونَ﴾ كالمشار لهم في الآية (١٥٩)﴾ فلا يأخذهم تعالى بجريرة قومهم ﴿وَمِنْهُمْ دُونَ ذلِكَ﴾ دون منزلة الصلاح، ومنهم المغالون في الكفر بالأنبياء وفي الضلال والتعصب ﴿وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ﴾ أي إنه تعالى اختبرهم بالحسنات من مختلف النعم ترغيبا لهم، وبالسيئات من الشدائد للترهيب ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ إلى الصواب فيتوبون.

стр. 675

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٦٩) ١٦٩ - ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ من الأجيال التي جاءت بعدهم ﴿وَرِثُوا الْكِتابَ﴾ أي التوراة، يعلمونها على حقيقتها ولا يعملون بها ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى﴾ يفضّلون حطام الدنيا مهما خالفوا الشريعة في سبيل الوصول إليها، والأدنى هي الدنيا لدنوّها أي قربها منهم ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا﴾ المعنى سيغفر لنا ما نرتكبه من الشرور والآثام والخطايا، مهما تهالكنا على الحياة الدنيا ومتاعها، وهذا القول ناتج عن اعتقادهم أنهم الشعب المختار وأنهم العرق المتفوق المستعلي على البشر، وأن المغفرة مضمونة لهم لمجرد كونهم من سلالة إبراهيم ﵇ ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ يصرّون على الذنوب ويعودون إلى مثلها غير تائبين عنها في الوقت الذي يرجون المغفرة ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ ليس في التوراة ما يؤيد اعتقادهم أن ذنوبهم مغفورة مهما بالغوا في المعاصي، فكيف يتخذون من معتقداتهم التي ابتكرها الأحبار مبررا شرعيا لتصنيف البشر إلى يهود وأغيار؟ ويبتدعون معايير أخلاقية - غير أخلاقية - مزدوجة، واحدة لهم والأخرى للأغيار؟ ﴿وَدَرَسُوا ما فِيهِ﴾ درسوا كتاب التوراة وعلموا ما فيه ولم يعملوا به، وأيضا درسوا ما فيه أي محوه وأضاعوه حتى اندرس، كقولهم درسته الريح أي محته، وقولهم درس الأثر أي زال، وهذا المعنى أقرب لواقع اليهود الفعلي، فالموجود من كتبهم بين أيدينا اليوم معظمه من تحرير الأحبار وافترائهم، وهو غاص بروايات الفحش والمنكرات والتعصب والاستخفاف بالقيم والأخلاق من كتاباتهم، انظر شرح [الأعراف ١٢٩/ ٧] و [آل عمران ٣/ ٣] و [المائدة ١٣/ ٥]، والخلاصة أنهم في آن واحد درسوا ما في الكتاب أي تعلموه، ثم درسوه أي محوه وكتبوا غيره ﴿وَالدّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أي إنهم قد علموا أن ما أعدّه تعالى

стр. 676

من النعيم في الدار الآخرة، للذين يتقون المعاصي، خير من حطام الدنيا الذي يحصلون عليه بالغش والخداع والباطل والربا والرشوة ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ حث على استخدام العقل، لأن العاقل لا يخدع نفسه بظنّ التوفيق بين الكفر والمعاصي وبين المغفرة، كما لا يرجّح الحطام العاجل الزائل على النعيم الدائم. ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ (١٧٠) ١٧٠ - ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ﴾ الذين يتمسّكون بالعمل بما في حقيقة التوراة، وليس كتابات الأحبار، ولا يتمسكون بأوهامهم وتمنياتهم التي تخوّل لهم عمل ما يريدون من الباطل ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ يقيمون العبادات بالإضافة للعمل الصالح المذكور آنفا ﴿إِنّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ فهؤلاء يلقون ثواب أعمالهم ولا تذهب أعمالهم سدى، وهم المشار إليهم في الآية (١٥٩). ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١٧١) ١٧١ - ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ النتق هو الزعزعة، فيكون المعنى أن الجبل تزلزل بهم، انظر آيتي [البقرة ٩٣/ ٢، ٦٣]، وآية [النساء ١٥٤/ ٤]، ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ﴾ لشدة زلزلته واضطرابه ﴿خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ أي متمسكين بالكتاب عازمين على تحمل ما فيه من التكاليف ﴿وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ من الحكمة والعلم والثواب والعقاب ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ الضلال والمعاصي وعواقبها، والدلالة المستفادة من هذه الآية هي عتو بني إسرائيل وتمردهم على موسى حتى أنه لزمهم معجزة نتق الجبل، وغيرها من المعجزات الحسية كثير، حتى آمنوا. وبهذه الآية تنتهي قصة بني إسرائيل في هذه السورة، ويلاحظ أن العبر المستخلصة منها تنطبق على بني إسرائيل إلى يومنا هذا، من حيث سلوكهم وإفسادهم، رغم كل المعجزات المادية والبينات الفكرية التي جاءتهم، ولذا فإن

стр. 677

المقطع التالي من السورة ينتقل من العهد الخاص المأخوذ على بني إسرائيل، إلى العهد العام المأخوذ على البشرية قاطبة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ (١٧٢) ١٧٢ - ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي واذكر أيها الرسول ما أخذه الله تعالى من ميثاق الفطرة على الناس عامة، إذ يأخذ الذريّة من الأصلاب قبل ولادتها ويودع فيها فطرة الإسلام وغريزة الإيمان، فجعل ذلك من المدارك الضرورية في عقول البشر ابتداء ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا﴾ المعنى أنه تعالى أوجد في النفوس فطرة الإيمان، وأنّ الإقرار لله تعالى بالربوبية وبالتوحيد مغروس في الاستعداد والفطرة مسبقا ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنّا كُنّا عَنْ هذا غافِلِينَ﴾ أي أوجدنا فيكم هذا الاستعداد المسبق للتوحيد، منعا لاعتذاركم يوم القيامة أنكم كنتم غافلين عن التوحيد وعن الربوبية، والمعنى أن الاعتذار بالجهل لا يكون مقبولا يوم القيامة، وفي الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة» وهو مطابق لهذه الآية، والآية أيضا تفيد حرية الخيار لبني آدم في اتباع الفطرة أو مخالفتها. وفي ذلك يقول الكاتب السويسري الشهير فريذهوف شون Frithhof Schuon " إن الحقيقة منقوشة منذ الأزل في ذواتنا، وما يفعله الوحي أنه يبلور أو ينشّط بدرجات متفاوتة حسب الحالة، نواة من المفاهيم اليقينية الكامنة في جوهر الفرد، كما هي كامنة في كل مجموعة عرقية، وفي كل مجتمع في التاريخ، وفي الجنس البشري ككل". ولهذا السبب سمّي القرآن ذكرا لأنه يذكّر الإنسان بالعهد الفطري المأخوذ عليه، ومنه قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧/ ٥٤]، وكذا كل وحي نزل على الأنبياء كما في الآيات (٦٣ و ٦٩).

стр. 678

﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (١٧٣) ١٧٣ - ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ﴾ كي لا تقولوا إنّا كنّا جاهلين أن شرك الآباء والأجداد باطل ﴿وَكُنّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ وكي لا تقولوا نشأنا على ما كانوا عليه وقلّدناهم ﴿أَفَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ الاعتذار بالجهل، وبتقليد الآباء والأجداد لا يقبل، بعدما أقام تعالى عليهم حجة الفطرة ونعمة العقل والبصائر، فعلى الإنسان إدراك التوحيد بعقله، والآية نص واضح ببطلان التقليد. ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١٧٤) ١٧٤ - ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ أي مثل هذا التفصيل والإيضاح البليغ، نبيّن لهم الحقيقة ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ لعلّهم يستعملون عقولهم فيرجعون عن الانقياد للجهل، وعن تقليد ما توارثوه من معتقدات خاطئة، والآيات (١٧٢ - ١٧٤) دالّة على أنّ من لم تبلغه بعثة رسول لا يعذر يوم القيامة إن كان مشركا، أو مرتكبا للفواحش التي تنبذها الفطرة السليمة وتدرك العقول فسادها، وإنما يعذر بترك ما جاء به الرسل فيما شأنه ألاّ يعرف إلاّ منهم، وهو أكثر العبادات التفصيلية (المنار). ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ (١٧٥) ١٧٥ - ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها﴾ هذه الآية تضرب مثلا على ما سبق من أخذ الميثاق على ذرية آدم وإقرارهم بالربوبية والتوحيد سلفا، والمعنى أتل عليهم أيها النبي مثل من أوتي الفطرة السليمة والبصيرة النافذة والعقل، وكانت لديه القناعة الداخلية والمعرفة التامة بصحة الآيات والكتب والوحي، ومع ذلك انسلخ عنها، أي أنكرها لشدة تعلقه بالعصبية والتقليد، أو قبلها ولم يعمل بموجبها، بل كان عمله مخالفا لعلمه، بسبب خداع النفس

стр. 679

والتهالك على الدنيا ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ﴾ كان من نتيجة انسلاخه عن العلم واليقين الذي هو عليه أنّ أدركه الشيطان بالوسواس السيئ (الآية ١٧) ﴿فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ من الضالين المفسدين الخائبين، والواضح أن الآية لا تشير لشخص معين من الناس، وإنما لكلّ من يتجاهل الآيات وينسلخ عنها. ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاِتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (١٧٦) ١٧٦ - ﴿وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها﴾ أي لرفعناه بالآيات التي علمها واستوعبها، بأن ألزمناه اتباعها طوعا أو كرها، ولكن ذلك مخالف لسنتنا في أن يكون لبني آدم حرية الخيار ﴿وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ اختار أن يميل إلى الدنيا وإلى المادة ﴿وَاِتَّبَعَ هَواهُ﴾ مفضّلا الدنيا والهوى على الالتزام، وعلى تحقيق الذات والسمو الروحي، أو مفضّلا العصبية والتقليد على الإقرار بالحقيقة ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ سواء عليه إن جاءته الآيات فصار عالما موقنا بها، أم لم تأته الآيات فبقي جاهلا، فالنتيجة العملية واحدة بالنسبة إلى أمثاله، لأنه في جميع الأحوال يلهث جريا وراء المادة ووراء نزواته ورغباته الدنيوية المباشرة، مثل الكلب الذي يلهث في حالة الراحة أو التعب، أو في حالة الشبع أو الجوع، أو في حالة الشرب أو العطش ﴿ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ وهم بنو إسرائيل، جاءتهم الرسالة الإلهية والآيات المعجزات فلم يستفيدوا منها ولم يعتبروا بها، سواء عليهم جاءتهم أم لم تجئهم ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي فاقصص، أيها الرسول للناس مثل هذه القصص البليغة لعلهم يأخذون العبر منها، ولعلهم يراجعون الفكر والعقل فيما ينبغي أن يختاروا من سبيل في حياتهم، ولعلهم يتفكّرون فيما فطروا عليه من الفطرة السليمة، وترجيح الفكر السليم على الهوى، ولعلهم يتفكّرون في التعامل مع بني إسرائيل، ولعلّ بني إسرائيل يرجعون عن غيّهم.

стр. 680

﴿ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ (١٧٧) ١٧٧ - ﴿ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي ساء مثلا مثل المكذّبين بالآيات، لأن من أسوأ الأمور التكذيب بالآيات بعد أن استيقنتها النفوس، انظر [آية النمل ١٤/ ٢٧]، ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ أسوأ ما في الأمر أنهم بالتكذيب بالآيات يظلمون أنفسهم قبل غيرهم، والأسوأ أنهم على علم بصحتها، أو لديهم المقدرة على إدراك صحتها. ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (١٧٨) ١٧٨ - ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ هذه الآية نتيجة منطقية لما سبق من الآيات (١٧٢ - ١٧٧)، بأن من يختار اتباع الفطرة والآيات فهو المستفيد من الهدي الإلهي، وأما من يختار مناقضة الفطرة والمكابرة وتجاهل الآيات، كما هو مبين في الآية التالية، فيضلّ عن السبيل وتؤول عاقبته إلى الخسران في الدنيا والآخرة. ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ (١٧٩) ١٧٩ - ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ﴾ أي نشرنا لجهنم لأن معنى الذرء: النشر والبث، ومنه الذاريات أي الرياح، انظر آية [الكهف ٤٥/ ١٨]، ﴿كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ أي بنتيجة انسلاخهم عن الآيات (١٧٥)﴾، اختاروا ظلم أنفسهم بالتكذيب بها، مصيرهم إلى جهنم، وهم ذوو الصفات التالية: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها﴾ لا يستفيدون من ملكة الفكر في فهم الحقيقة والدلائل والآيات وسنن الله تعالى في خلقه، فهم لا يفقهون ما تصلح به نفوسهم من التوحيد والابتعاد عن الخرافات والأوهام، ولا يفقهون ترك الشرور والمنكرات والحرص على الفضائل وأعمال الخير، ولا يفقهون أسباب النصر على الأعداء من معنوية وأخلاقية واجتماعية ومادية ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها﴾ لا يبصرون إبصار

стр. 681

اعتبار ﴿وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها﴾ لا يسمعون الآيات والمواعظ سماع تأمّل وتفكّر موضوعي، بل يسمعون سماع جهل أو تعصب وتحيز مسبق، أو يسمعون مجرّد سماع حسّي بلا فهم، والخلاصة أنهم لا يستخدمون ملكاتهم العقلية فيما يفيدهم ﴿أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ﴾ لأن الأنعام تجري وراء الغرائز والحاجات الطبيعية فقط، وليست في خيار أخلاقي بين الخير والشر، والصواب والخطأ ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ لأن لدى الإنسان من المقدرة على التفكير المجرد، والتمييز بين الخير والشر، ما ليس للحيوانات ﴿أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ الكاملون في الغفلة، أو المستحقون حقّا لصفة الغفلة، لأنهم غافلون عن الحقيقة رغم مقدرتهم على الإحاطة بها والعمل بموجبها، وغافلون عن ذكر الله تعالى وعن دعائه بأسمائه الحسنى، وذلك من فساد الفطرة وإهمال مواهبها من العقل والحواس، بل إن بعضهم يلحد في أسمائه تعالى كما سيرد في الآية التالية: ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٨٠) ١٨٠ - ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ الحسنى مؤنث أحسن، ومعنى الآية يفيد الحصر، أي إن الأسماء الحسنى ليست إلا لله تعالى فقط وليست لغيره، وهي جميع الأسماء الدالّة على الكمال وأحسن المعاني والصفات، وروى الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إن لله تسعة وتسعين إسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة"، وفي سرد الأسماء اختلاف في الروايات، وقد اختلف في هذا العدد هل المراد به حصر الأسماء الحسنى أو أنها أكثر من ذلك، والجمهور على أنه ليس في الحديث ما يدل على أنه ليس لله تعالى إلا هذه الأسماء، وإنما معنى الحديث أن من أحصاها دخل الجنة، والمتبادر أن ليس المقصود مجرد الإحصاء العددي لها، وإنما التفكر بمدلولاتها وعدم الغفلة عنها بما يؤدي إلى الإيمان والعمل ﴿فَادْعُوهُ بِها﴾ نادوه بها، في الذكر والثناء والدعاء، كي لا تكونوا من الغافلين المذكورين آنفا ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ دعوهم ولا تبالوا بهم، ومعنى الإلحاد في اللغة الميل والانحراف عن

стр. 682

الحق والاستقامة، ومن ذلك إطلاق أسماء الله تعالى على الأوثان مثل اللات والعزى ومناة، اشتقوها من الله والعزيز والمنّان، ومن ذلك أيضا تسميته تعالى بما لا يجوز كزعمهم أنه الأب أو الإبن ﴿سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ دعوا الذين يلحدون في أسماء الله فإنهم سوف يلقون جزاءهم إن في الدنيا أو في الآخرة. ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (١٨١) ١٨١ - ﴿وَمِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ يهدون الناس بالحق ﴿وَبِهِ﴾ بالحق ﴿يَعْدِلُونَ﴾ في التعامل مع الناس، وهذه الآية عطف على آية: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، وكلتاهما تفصيل لقوله تعالى ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (١٧٨)، وقد تقدم مثل هذه الآية في الكلام على قوم موسى (الآية ١٥٩)، وهذه الآية أعمّ إذ تشمل الناس قاطبة في كل الأزمنة والمجتمعات، وبعد البعثة الإسلامية تشمل الذين استجابوا لدعوة الإسلام وعملوا بموجبها. ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٨٢) ١٨٢ - بعد أن ذكر تعالى حال الأمّة الهادية العادلة، أعاد ذكر المكذّبين المذكورين آنفا في الآيات (١٧٦ - ١٧٧) لتفصيل كيفية إصرارهم على التكذيب: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ ولم تنفعهم هداية الهادين ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ﴾ لا يعلمون عاقبة أمرهم، والمعنى أنه تعالى يمهلهم لكي يتوبوا، ولا يعاجلهم بالعقوبة، وقد يغدق عليهم نعم الدنيا فيغترّوا بها وتلهيهم عن شكر المنعم، مع أن النعم مدعاة لشكره تعالى، ولكنهم يغفلون ويظنّون أن النعم محض استحقاق لهم بجدارتهم لا غير، ويسترسلون في ضلالهم من حيث لا يدرون عاقبة أمرهم، بسبب جهلهم سنن الله تعالى التي مضت في خلقه أن الحق يدمغ الباطل، والاستدراج بمعنى النزول درجة درجة، حتى إذا أخلدت الأمة، أو المرء، إلى الأرض واستغرقت في المعاصي صارت أسفل سافلين فيزول

стр. 683

سلطانها ودولتها، وأما الأفراد فقد يتأخر عذابهم ويرجأ إلى الآخرة، وقد ينالهم في الدنيا قبل الآخرة. ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ (١٨٣) ١٨٣ - ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ أي أبقيهم مع إصرارهم على التكذيب، ولا أعاجلهم بالعقوبة، وأطيل مدّة أعمارهم لعلّهم يعودون بالتوبة، لأن الإملاء في اللغة هو الإمهال وإطالة الأمد، ونقيضه الإعجال، والمليّ زمان طويل من الدهر، ومنه قوله تعالى ﴿وَاُهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم ٤٦/ ١٩]، أي طويلا ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ الكيد كالمكر وهو التدبير الذي يقصد به غير ظاهره، ممّا يخدع المكيد له إن لم يكن فطنا، فلا يقلع عن المعاصي، وأكثر الكيد احتيال مذموم، ومنه المحمود الذي يقصد به المصلحة، وفي الحديث: «إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته». ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (١٨٤) ١٨٤ - بعد أن ذكر تعالى الميثاق الذي أخذه على ذرية آدم وما أودعهم من الفطرة، وهيّأ لهم سبل الهداية، ورغم ذلك فإن بعضهم أخلد إلى الأرض وكذّب بالآيات، وأنه تعالى يستدرجهم ويملي لهم ويمهلهم، عاد إلى الجواب على شبهاتهم: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا ما بِصاحِبِهِمْ﴾ والكلام عن مشركي مكة أولا، وعن الكفار عامة، والمعنى ما عليهم سوى أن يتفكّروا بصورة موضوعية في سيرة النبي ﷺ حتى يوقنوا أن دعوته الناس إلى الإسلام لا تنطوي على أي نوع من أنواع الجنون، وأن مخالفة أسلوب تفكيرهم وعباداتهم ليست جنونا، وقوله ﴿مِنْ جِنَّةٍ﴾ يوجب ألاّ يكون به أي نوع من أنواع الجنون كما زعموا، وصاحبهم هو النبي ﷺ ، والتأكيد على كونه صاحبهم لأنه معروف منذ نشأته في قومه وعرفوا أخلاقه وطباعه وأمانته ممّا يستحيل أن يكون موضع شك، وهو في الوقت نفسه تأكيد على كونه بشرا لئلا ينزلق أتباعه في رفعه فوق منزلة البشر كما سيرد تأكيده في الآية (١٨٨)﴾، ﴿إِنْ هُوَ إِلاّ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ نذير لهم

стр. 684

عما كانوا غافلين عنه، مبيّنا لهم بالآيات ما عميت بصائرهم أو تعامت عن رؤيته. ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اِقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ (١٨٥) ١٨٥ - ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ ليتفكّروا في معجزة العوا لم والأفلاك التي لا نهاية لها، مع أن العقل لا يدرك منها إلا الشيء المحدود ﴿وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ وليتفكّروا في مخلوقات الله على اختلاف أنواعها والإعجاز فيها، فكل هذه الأفلاك والمخلوقات لها مسبّب، وكان لها بداية، ومن ثمّ لا بد أن يكون لها نهاية، فهي ليست أزلية، ويستحيل أن تكون أوجدت نفسها من العدم، لأن فكرة العدم لا تنطوي على حقيقة، ولا بدّ أن يكون هنالك خالق ﴿وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اِقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ لعلّ آجالهم اقتربت فيموتون على الكفر والتكذيب، وينتهون إلى الحساب والعذاب، فلينظروا في ذلك ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ لا عذر لهم بعدم الإيمان، بعد هذا القرآن المعجز، فالضمير في ﴿بَعْدَهُ﴾ يعود إلى القرآن، وقد يعود الضمير في ﴿بَعْدَهُ﴾ إلى أجلهم فيكون المعنى أن إيمانهم بالقرآن لا ينفعهم بعد حلول الأجل. ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١٨٦) ١٨٦ - ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلا هادِيَ لَهُ﴾ أي إنّ من يختر الضلال ويصر عليه بعد الإمهال وطول العمر، ولا ينظر في آيات الوحي المعجزة، ولا يتفكّر في دلائل ملكوت السماوات والأفلاك والمخلوقات، ولا يستفيد من ملكة الفكر والعقل، فقد أضلّه الله، لأن سنته تعالى في خلقه اقتضت ارتباط المسبّبات بالأسباب، فإذا كان الأمر كذلك، فمن يهديه بعد الله؟ والنتيجة أن الإضلال ليس جبرا، وإنّما سببه الخيار الحر لمن يتعمد إهمال دواعي فطرته ومقدرته المعرفية، راجع شرح الآية (١٧٨)﴾ وآية [البقرة ٦/ ٢ - ٧]، ﴿وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ يتركهم تعالى لخيارهم ولا يجبرهم على الهداية جبرا، ومعنى يعمهون

стр. 685

أنهم يترددون في الضلال والحيرة ويبتكرون لأنفسهم من النظريات وأفكار الضلال، وتفيد الآية أيضا أن هذه النتيجة مترتّبة على طغيانهم في الباطل وفي الكفر والشرور. ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ أَيّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (١٨٧) ١٨٧ - ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ السّاعَةِ﴾ وهذا من جملة طغيانهم المشار إليه آنفا أنهم يسألون عن موعد قيام الساعة، ضلالا أو تشكيكا بها ﴿أَيّانَ مُرْساها﴾ أي متى تثبت القيامة وتحدث؟ لأن الإرساء هو الثبات، ومنه إرساء السفينة ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلاّ هُوَ﴾ علمها لا ينال الرسل والمخلوقات، ولا يقدر على إظهار وقتها المحدد إلاّ الله تعالى ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ وقعها ثقيل على أهل السماوات والأرض لأن فيها هلاكهم وحسابهم، وهو ثقيل على القلوب، ولو علموا موعدها سلفا لاضطربت أمورهم ولكان علمها ثقيلا عليهم ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلاّ بَغْتَةً﴾ فلا تمهل، ويفوت أوان التوبة والإصلاح ﴿يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها﴾ كأنك أكثرت السؤال عنها وبالغت في طلب علمها، لأن الإحفاء هو الإلحاح والإلحاف في السؤال ﴿قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللهِ﴾ وحده، لاقتضاء الحكمة ذلك ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ لا يعلمون الحكمة من إخفائها، أو يتخبطون في طلب موعدها، أو حسابه بزعمهم. وهذه الآية نافية للروايات عن الفتن وأشراط الساعة وإماراتها، وما في تلك الروايات من المشكلات والتعارض، فالآية تحدد أن الساعة لا تأتي إلاّ بغتة، وأنهم يسألون الرسول كأنه حفيّ عنها، في حين أن الأشراط الكبرى الخارقة للعادة المذكورة في الروايات تضع الناس في مأمن من قيام الساعة بغتة قبل حدوث الأشراط كلها، فهم ينتظرون قبلها ظهور المسيح الدجال، والمهدي،

стр. 686

ويأجوج ومأجوج، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج الدابة إلخ .. ، وهذا الاعتقاد لا يفيد الناس موعظة ولا خشية، ولا استعدادا لذلك اليوم فما فائدة العلم به إذن؟ وهل كان النبي ﷺ يريد بالإخبار بها تأمين الناس من قيام الساعة قرون عديدة إلى أن تظهر هذه الأشراط؟ أم كان يتوقع ظهورها في قرنه أو ما يقرب منه بدليل ما زعموا من تجويزه ظهور الدجال في زمنه؟ (المنار). وفي قوله تعالى ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها﴾ [محمد ١٨/ ٤٧]، ﴿فَقَدْ﴾ للتحقيق قبل الفعل الماضي، ما يفيد أن أشراط الساعة قد جاءت وانتهت بنزول القرآن الكريم وببعث خاتم الأنبياء والرسل محمد ﷺ وهي الأشراط المقصودة، لأن الساعة لا تقوم قبل بعث الرسول إلى البشرية كافة وهو مغزى بعثته ﷺ ، فلم يبق بعد البعثة الإسلامية إلا انتظار الساعة أن تأتي بغتة وهو معنى الآية بدليل قوله تعالى بعدها: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاِسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ﴾ [محمد ١٩/ ٤٧]، فلا نبيّ بعده ﷺ ، وقد تكرر معنى مجيء الساعة بغتة ثماني مرات في القرآن الكريم. ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١٨٨) ١٨٨ - ﴿قُلْ﴾ أيها النبي لمن يسألونك عن الساعة ﴿لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ تأكيد على أن النبي ﷺ بشر، وأن النفع والضرر يكون بمشيئة الله، وليس بمشيئة البشر من رسل وغيرهم ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ علم الغيب عند الله وحده، وليس لمخلوق أن يكون له نصيب مهما كان في الصفات والمقدرة التي اختص بها الخالق ﴿إِنْ أَنَا إِلاّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ وهي وظيفة الرسول الوحيدة أن يكون نذيرا بالعواقب وبشيرا لمن لديه استعداد للإيمان، وليس من شأنه معرفة الغيب، ولا جلب المنافع ودفع الضرر إلا بموجب ما تقتضيه سنن الله في خلقه.

стр. 687

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (١٨٩) ١٨٩ - وهنا تعود السورة للموضوع الذي بدأت منه بالآيات (١١ - ٣٠) عن خلق البشر واستعدادهم للخير والشر: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ خلق تعالى البشر كلّ هم من أنفس متماثلة فهي من ثمّ نفس واحدة، أي من جنس واحد ﴿وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها﴾ الزوج في اللغة يطلق على الجنسين فالمرأة زوج الرجل، والرجل زوج المرأة، والمعنى أنه تعالى خلق زوجها من جنسها، فالزوجين من جنس واحد، انظر شرح الآية (١٩) وآية [النساء ١/ ٤] ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْها﴾ سكونا زوجيا، ينتج عنه الاطمئنان والميل والمحبة والأنس ﴿فَلَمّا تَغَشّاها﴾ كناية نزيهة عن أداء الوظيفة الزوجية، أي لمّا تغشى الزوج الذي هو الذكر، الزوج التي هي الأنثى ﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ﴾ في أول الحمل لا تكاد المرأة تشعر به ﴿فَلَمّا أَثْقَلَتْ﴾ ثقل حملها وقارب وقت الوضع ﴿دَعَوَا اللهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً﴾ أي ولدا صالحا تام الخلق والخلق ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ إن آتيتنا ولدا صالحا نقوم لك بحق الشكر قولا وعملا واعتقادا وإخلاصا، والكلام عام عن جنس الرجل والمرأة، وليس مختصا بآدم وحواء، وذلك واضح من الآية التالية بأنهما جعلا لله شركاء فيما آتاهما، ومن الآيات التي تليها عن إصرار أمثال هؤلاء على الشرك. ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (١٩٠) ١٩٠ - ﴿فَلَمّا آتاهُما صالِحاً﴾ فلمّا آتاهما ولدا صالحا ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما﴾ جعلا لله شركاء فيما آتاهما من الذرية الصالحة، إذ سرعان ما ينسى الأبوان هذه الهبة والمعجزة الإلهية الباهرة التي نتج عنها خلق الحياة في المولود الجديد، وبدلا من التفكر في هذا الإعجاز الإلهي وشكره تعالى قولا وعملا على هذه النعمة، فإنهما يعتادان على المولود الجديد، ويعتبران خلقه أمرا عاديا بديهيا مسلّما به، وبدلا من اعتبار هذه المعجزة دليلا آخر على وحدانية

стр. 688

الخالق فإنهما ينصّران الولد أو يهوّدانه أو يمجسّانه، كما ورد في الحديث، أو يؤمنان ببعض الخرافات والطقوس، أو ينسبان صحة المولود والولادة لأنفسهما وجدارتهما، أو ينسبان ذلك لبعض الأولياء والصالحين أو القديسين، أو يسميان الولد أسماء مثل: عبد الرسول، أو عبد اللات، أو عبد شمس، أو عبد المسيح .. ﴿فَتَعالَى اللهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزّه شأنه تعالى، وارتفع مجده، عمّا يشركون شركا ظاهرا بيّنا، أو شركا باطنا خفيّا، واستخدام ضمير الجمع هنا بعد ضمير التثنية في الأفعال قبله دليل على أنّ المراد بالزوجين جنس الرجل والمرأة، وليس فردين بعينهما. ﴿أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (١٩١) ١٩١ - ﴿أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ بعد أن استجاب تعالى لدعائهم وخلق لهم الذرية الصالحة، فكيف يشركون به ما يعجز عن الخلق، بل لا يملك لنفسه جلب المنفعة ودفع الضرر، وهو تنبيه على سخافة تفكيرهم. ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (١٩٢) ١٩٢ - ﴿وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً﴾ لا يستطيعون نصر عبدتهم، ممّن يستنصرون بهم، لأنهم من اختلاقهم أصلا فهم أعجز منهم ﴿وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ ولا يستطيعون نصر أنفسهم ضد أعدائهم، بل إن عبدتهم هم الذين يدافعون عن المعبودين ويحاولون حمايتهم، سواء كانوا من الأفراد المؤلهين، أو الأولياء والأضرحة أو القديسين أو الأوثان. ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ﴾ (١٩٣) ١٩٣ - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى﴾ إن تطلبوا منهم الهداية والرشاد، وتقدير الخطاب: إن تدعوهم ليهدوكم إلى الهدى ﴿لا يَتَّبِعُوكُمْ﴾ إلى مرادكم، ولا يستجيبوا لكم، ولا يهدوكم إلى شيء ﴿سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ﴾

стр. 689

﴿صامِتُونَ﴾ الأمر يستوي، سواء طلبتم منهم الهداية، أم بقيتم على صمتكم دون أي دعاء لهم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٩٤) ١٩٤ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ﴾ ذلك قصارى ما في الأمر أنهم عباد أمثالكم، خاضعون لسننه تعالى في الخلق مثلكم، سواء كانوا من الآلهة المزيفة، أو من الأفراد المؤلهين، أو قد يكونوا أقل من ذلك: جمادات أو أوثانا وأصناما تزعمون فيهم المقدرة على جلب المنافع ودفع المضار ﴿فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ إن كنتم صادقين في زعمكم أنّ لهم مقدرة على ما لا تقدرون عليه بقواكم البشرية. ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها قُلِ اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ (١٩٥) ١٩٥ - ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها﴾ إشارة إلى الأوثان أو الأضرحة والأموات الذين يدعونهم ويظنّون فيهم من خواص الألوهية ﴿قُلِ اُدْعُوا شُرَكاءَكُمْ﴾ قل لهم أليها الرسول، ادعوا شركاءكم الذين تزعمون أنهم شركاء في الألوهية ﴿ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ﴾ تعاونوا جميعا على الكيد لي، ولا تمهلوني، والمعنى أنّ الذين تزعمون أنهم شركاء في الألوهية لا يقدرون على شيء، وفي ذلك إشارة أيضا إلى الذين اتخذوا العجل معبودا (الآية ١٥٢). ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ (١٩٦) ١٩٦ - تتمة خطاب النبي ﷺ : ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ﴾ وحده لا أشرك به شيئا، فهو المتصرف في الأمور والقادر على كل شيء، وأما الذين تدعون من دونه فلا يقدرون على شيء ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ﴾ فبيّن به الحق الذي أنا عليه، من

стр. 690

الباطل الذي أنتم عليه ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾ المؤمنين العاملين بموجب كتابه، فيتولّى أمورهم ويهديهم ويستجيب لدعائهم. ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ (١٩٧) ١٩٧ - ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ استمرار الخطاب، والمعنى أنّ وليّ الله الذي نزّل القرآن، فلا أبالي بشركائكم الذين تدعون من دونه، فهم لا يستطيعون نصر أنفسهم، فضلا عن نصركم. ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ (١٩٨) ١٩٨ - ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَسْمَعُوا﴾ إن تدعوهم ليهدوكم إلى الهدى لا يسمعوا دعاءكم ﴿وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ لأنهم جمادات من أصنام وتماثيل، أو هم بمثابتها إن كانوا أفرادا مؤلّهين، والمعنى كيف يهدونكم وهم غير مهتدين؟ فإنّ فاقد الشيء لا يعطيه، فإنهم أقرب إلى الإضلال واستغلال الآخرين. ويحتمل المعنى أيضا أن يكون ضمير الغائب عائدا على المشركين والكفار الذين صممّوا على الكفر، أي إن تعرض عليهم الهداية لا يقبلوا، وترى المشركين والكفار ناظرين إليك في الوقت الذي فقدوا بصيرتهم، فلا يفقهون الحجج، غير أن هذا الاحتمال لا يستقيم مع النظم. ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ (١٩٩) ١٩٩ - هذه هي الخلاصة في طريقة الدعوة، والتعامل مع الناس، وهي جامعة لمكارم الأخلاق: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ أي خذ الميسور من أخلاق الناس ولا تستقص منهم، قال الزمخشري العفو ضد الجهد، والأخذ مجاز عن القبول والرضا، أي إرض من الناس ما تيسّر من أفعالهم وأخلاقهم، وما أتى منهم، وتسهّل من غير كلفة ولا تداقّهم، ولا تطلب منهم الجهد وما يشق عليهم، حتى لا ينفروا،

стр. 691

كقوله ﷺ : «يسّروا ولا تعسّروا»، والمقصود ترك التشدد ونفي الحرج في التكليف، والرفق واللطف في الدعوة وفي المعاملة، والتخلق مع الناس بالخلق الحسن، والتسامح وترك الغلظة والفظاظة ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ وهو المعروف الجميل من الأفعال الذي تعارفه الناس من الخير، أي ما يستحسن في العقل فعله ولا تنكره العقول الصحيحة، وهو العرف غير المعارض بالنص، ويختلف باختلاف الشعوب والبلاد والأزمنة ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ فلا تقابل السفهاء بمثل سفاهتهم، وكن حليما معهم وغضّ ما يسوؤك منهم، وارتباط الآية بما قبلها يفيد أنه يجب معاملة الناس بأسلوب العفو واليسر والإعراض عن الجاهلين، بمن في ذلك المشركين. ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢٠٠) ٢٠٠ - ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ﴾ النزغ تملّك الغضب بالإنسان إذا استفزّه الجاهلون، المشار إليهم آنفا، بما يثير الغيظ والغضب، وفي تلك الحالة ينزغه الشيطان ويحثّه على فعل ما لا ينبغي، والنزغ في الأصل إدخال الإبرة أو طرف العصا أو ما شابه في الجلد، وهو مجاز أطلق على وسوسة الشيطان، حيث شبّه الوسوسة والإغراء بغرز السائق في جلد من يسوقه، كأنه الحث على الجهل والمعاصي ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللهِ﴾ وهو علاج نزغ الشيطان، بأن يلجأ المرء إلى الله تعالى ويستجير به، فيقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، مستحضرا معناها في قلبه، وفي معنى الآية تحذير من الغضب، ولذا كرر ﷺ النهي عن الغضب كما جاء في الحديث أنه ﷺ قال لرجل طلب أن يوصيه: "لا تغضب" فردّد مرارا، فقال "لا تغضب" ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الله تعالى يسمع الاستعاذة ويعلم ما في الضمير، وهو دليل على أن الاستعاذة باللسان لا تفيد إلاّ إذا استحضر المرء معناها الحقيقي في القلب.

стр. 692

﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٢٠١) ٢٠١ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقَوْا﴾ الجهالة والغضب ﴿إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ﴾ مسّتهم وسوسة من الشيطان تغريهم بالحمية الجاهلية وبالغضب وبالمعصية، - والطائف اسم فاعل من طاف بالشيء إذا دار حوله - والآية جعلت الوسوسة طائفا للإشعار بأنها وإن مسّت المتقين فإنها لا تؤثر فيهم، فكأنها طافت حولهم ولم تصل إليهم، وفي ذلك عودة إلى موضوع الآية (١٧)، ﴿تَذَكَّرُوا﴾ تذكّروا ما أمر الله به وما نهى عنه، أو تذكّروا أنّ الطائف من وسوسة الشيطان، أو تذكّروا الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم ﴿فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ مبصرون لمواقع الخطأ، مبصرون غير غافلين، يحاسبون أنفسهم، فتزول عنهم وساوس الشيطان، وقد ذكر الرازي أن الطائف من الشيطان يطلق أيضا على الغضب، وقالوا إن الطيف في كلام العرب الجنون، ثم قيل للغضب طيف، لأن الغضبان يشبه المجنون، وأنه إذا تذكّر الاستعاذة يحصل له الاستبصار والانكشاف والتجلّي، ويتخلّص من وسوسة الشيطان، فيعمل بما أمر الله به من ترك إمضاء الغضب، وترك الإيذاء والانتقام، واختيار العفو، ﴿وَإِخْوانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ (٢٠٢) ٢٠٢ - ﴿وَإِخْوانُهُمْ﴾ أي إخوان الشياطين، وهم غير المتقين، بالمقابلة مع المتقين المذكورين آنفا، وتسميتهم إخوان الشياطين مجاز لأنهم مثلهم ﴿يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ﴾ الشياطين يمدّون غير المتقين، أي يكونون مددا لهم بتقوية الوسواس والحض على الجهالة ﴿ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾ الشياطين لا يكفّون عن الوسوسة وإضلال غير المتقين حتى يصرّوا ولا يرجعوا، وفي الوقت نفسه فإن غير المتقين لا يكفّون عن العمل بالمعاصي، أي يزداد المغوي إضلالا، ويزداد الغاوي ضلالا. ويحتمل أيضا أن يكون معنى إخوانهم: الإخوان الجاهلين غير المتقين، فهم يريدون الدخول مع المتقين في جدل ومناقشات عقيمة، وقد يستفزونهم إلى الغضب ولعمل ما لا ينبغي، ويحاولون استدراجهم إلى الخطأ والمعصية، فالذين

стр. 693

اتقوا، إذا مسّهم مثل هذا الطائف من شياطين الإنس والجن، تذكّروا فإذا هم مبصرون غير غافلين عن مواطن الخطأ، فلا يستجيبون للاستفزاز ولا يغضبون، ولا يقصرون عن عمل الخير في كل الأحوال، وهذا واجب المسلمين عامة والدعاة خاصة، فيكون تقدير الخطاب: ومع أن إخوانهم يمدونهم في الغي فهم لا يقصرون في عمل الخير، وقوله ﴿ثُمَّ﴾ أي بعد أن صاروا مبصرين. ﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قالُوا لَوْلا اِجْتَبَيْتَها قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢٠٣) ٢٠٣ - ﴿وَإِذا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ﴾ إن لم تأت لهم، أيها الرسول، بالمعجزات المادية الخارقة التي يطلبون، أو لم تأت لهم بآيات من الوحي، حسبما يقترحون، وفي الوقت الذي يريدون ﴿قالُوا لَوْلا اِجْتَبَيْتَها﴾ قالوا لم لا يجيء بها إن كان رسولا حقّا، وهو قول المشكّكين في الرسالة، وقد يكون هذا قولهم مدة فتور الوحي الذي استمر ثلاث سنوات، وهذا من جملة إمداد الشياطين لهم بالغيّ كما هو مذكور آنفا ﴿قُلْ إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾ أي أنني مجرد بشر عاجز مثلكم، وإنّما أبلّغكم الوحي عن ربّي، وليس لي أن أبدّله أو أجتبيه من تلقاء نفسي ﴿هذا بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هذا القرآن المعجز بمنزلة بصائر للعقول، وحجج بيّنة لمن يستخدم ملكة الفكر والعقل، وفي الآية إشارة أنّ ذوي العقلية البدائية في جميع الأزمنة - يصرّون لإثبات النبوّة على مشاهدة معجزات مادية يلمسونها بحواسّهم، عوضا عن تقويم الرسالة من حيث مضمونها وجدارتها ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ القرآن هدى ورحمة للذين يختارون الإيمان. ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤) ٢٠٤ - ﴿وَإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي بما أن القرآن بصائر للعقول، وهدى ورحمة للمؤمنين، فاستمعوا لما فيه من الحجج البيّنات، استماع تفهّم وتفكّر، واعملوا بموجبها، فالاستماع بهذا المعنى يكون مجازا، أي ليس مجرّد السماع الحسّي بالأذنين، والخطاب

стр. 694

موجّه للذين يطلبون المعجزات المذكورين آنفا كما هو موجه للمؤمنين ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ لكي تمعنوا الفكر بمعانيه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي لعلكم تعملون بما يوجب الرحمة، إذا كان استماعكم عن تفهم واستيعاب وتفكّر وقبول وعمل، وفي تفسير المنار أن قوة الدين وكمال الإيمان واليقين لا يحصلان إلاّ بكثرة قراءة القرآن واستماعه، وأنه ما آمن أكثر العرب في أول البعثة إلاّ بكثرة الاستماع إليه وفهمه. وقد ذكر الرازي أن ليس المقصود حمل الآية على ظاهرها بمعنى وجوب الاستماع والإنصات في أي موضع قرئ القرآن، لما في ذلك من حرج كبير للمكلّفين، وفي روح المعاني أنه إذا كان رجل يكتب الفقه وبجنبه رجل يقرأ القرآن فلا يمكنه استماع القرآن فالإثم على القارئ، ولو قرأ على السطح في الليل جهرا والناس نيام يأثم، وهذا ينطبق على القراءة من المآذن في هذه الأيام، والنتيجة أنّ الأمر بالاستماع والإنصات لغرض التفكر والتدبّر وإعمال العقل، بعدما جاءت الآية السابقة تقرر أن القرآن بصائر للعقول، وفي هذه الآية أيضا عودة إلى أول السورة (الآية ٣). ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ﴾ (٢٠٥) ٢٠٥ - ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ﴾ وهو عطف على الاستماع للقرآن بغرض الفهم، والمراد أن يكون الذاكر عارفا بمعاني الأذكار التي يقولها بلسانه، مستحضرا إياها في قلبه، لأن الذكر باللسان وحده بمعزل عن استحضار المعاني يكون عديم الفائدة، مثل سماع القرآن دون التفكّر بمعانيه، وقالوا أيضا إن الذكر اللساني الساذج لا ثواب فيه أصلا ﴿تَضَرُّعاً﴾ أي متضرّعا، والتضرّع الابتهال ﴿وَخِيفَةً﴾ يكون المتضرّع بين الرجاء والخوف ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ الجهر رفع الصوت المفرط، ودون الجهر أن يكون التضرع بين الجهر والمخافتة، وقيل بقدر ما يسمع المتضرّع نفسه ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ صباحا مساء ﴿وَلا﴾

стр. 695

﴿تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ﴾ عن ذكر الله تعالى، ولا مستغرقا في أمور الدنيا فتلهيك عن ذكر الله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ (٢٠٦) ٢٠٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ المقربون منه، وقيل هم الملائكة ﴿لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ مقرّون له بالعبودية بكل ما في معناها، لا يستكبرون عن عبادته على نقيض الكفار والمشركين، لأنّ الاستكبار يصرف عن الآيات ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ﴾ تنزيها لله تعالى عمّا لا يليق به ﴿وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ يسجدون له وحده، لا يدعون غيره، وفي ذلك عودة لموضوع الآيات (١٣ و ٣٦ و ٤٠ و ٤٨ و ٧٥ و ٧٦ و ٨٨ و ١٤٦). ***

стр. 696

سورة الأنفال - ٨ - مدنية نزلت سورة الأنفال في السنة الثانية من الهجرة بعد وقعة بدر، روي عن ابن عباس قوله إنها نزلت في بدر، وفي لفظ: تلك سورة بدر، فقد اشتملت على تحليل كامل لأول مواجهة عسكرية حاسمة بين قوى الإسلام وقوى الكفر، كما وضعت أسس الجهاد الإسلامي التي بموجبها انتشرت دولة المسلمين ودعوتهم - خلال أقل من قرن من الزمن - من أقصى العالم القديم في الصين، إلى أقصاه في الأندلس. الخلفية التاريخية خلال شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة وصل إلى علم المسلمين في المدينة أن القافلة التجارية الكبرى التي سبق أن توجهت إلى الشام بقيادة أبي سفيان سوف تبدأ رحلة العودة، وأنها بالتالي سوف تمر بمنطقة المدينة خلال أسابيع، وبالنظر لحالة الحرب التي كانت قائمة بين قريش وبين المسلمين، فقد أخبر النبي ﷺ أتباعه أنه ينوي مهاجمة القافلة لدى اقترابها من منطقة المدينة، ومن ثمّ تسربت إشاعات هذه الخطة فوصلت أبا سفيان، وهو لم يزل في الشام، فاستفاد من ذلك بأن بعث مراسلا سريعا إلى مكة يطلب النجدة من قريش، إذ كانت قافلته المكونة من حوالي ألف جمل محملة بأنفس البضائع لا يرافقها سوى حراسة خفيفة من حوالي أربعين رجلا، فلمّا أحيطت قريش بالخبر حشدت جيشا كبيرا قاده أبو جهل، ألد أعداء النبي ﷺ وانطلق بالجيش شمالا يريد حماية القافلة من جهة، ومن جهة ثانية يريد ضرب مسلمي المدينة ضربة قاصمة بزعمه، ومن جهة ثالثة يرهب قبائل العرب بخروجه بهذا الجيش ويظهر أمامها هيبة قريش

стр. 697

وبأسها، وكان أبو سفيان في هذه الأثناء قد أخذ جانب الحيطة فاتخذ مسارا لقافلته عائدا بحذاء ساحل البحر، على أبعد مسافة ممكنة من المدينة. ولما كانت عادة النبي ﷺ في جميع غزواته وسراياه كتمان خططه المسبقة حتى ساعة التنفيذ، وحتى بعد الخروج بأصحابه من المدينة، وأنه كان أحيانا يخرج بأصحابه من المدينة في اتجاه مغاير لهدفه الحقيقي إمعانا في تضليل الجواسيس من الكفار والمنافقين، فإن إعلانه العزم على مهاجمة القافلة، وهي لم تزل في الشام، وقبل عدة أسابيع من اقترابها المدينة، ممّا يدل أن كلام الهجوم على القافلة لم يكن سوى تغطية، وأن الهدف الحقيقي من بث الخبر كان استدراج قريش إلى مواجهة عسكرية حاسمة تنهي حالة الخوف والترقب التي كان يعيشها المجتمع الإسلامي في المدينة. كان المسلمون بعد الهجرة يشعرون بتهديد قريش المستمر لهم ويخشون من احتمال اجتياحها المدينة بمساعدة بعض قبائل العرب، وكانت قريش تبعث الحملات للإغارة على المسلمين من وقت لآخر، ومن ضمن ذلك غارة المشركين بقيادة كرز بن جابر الفهري التي وصل بها أطراف المدينة وسلب بنتيجتها من مواشي المسلمين ومتاعهم، ومن جهة أخرى كانت قريش تحرض القبائل المتحالفة مع النبي ﷺ على النكوص ونقض العهود، فلم يكن بوسع النبي ﷺ أن يتخذ موقفا سلبيا، ولا أن يقف موقف المستضعف تجاه هذا الوضع القلق، وكان يرد على تحدي قريش بتهديد قوافلها التجارية والتعرض لها، ليس بغرض السلب أو النهب ولا بغرض إهراق الدماء، وإنما لإنذار قريش أنه بإمكان المسلمين إلحاق الضرر بتجارتها واقتصادها، وكان يخشى لو اتخذ موقفا سلبيا أن يتعاظم أمر قريش بتكتل القبائل معها، وتأليب القبائل المتحالفة معه، فأراد أخذ زمام المبادرة بين يديه.

стр. 698

ولو كان النبي ﷺ يريد مهاجمة قافلة أبي سفيان ونهبها، كما قد يظنّ، لكان كمن لها فجاءة بطريق عودتها من الشام، دون إعلان مسبق، فلا تكون لأبي سفيان الفرصة في طلب النجدة من مكة، ولا في تغيير مسيره نحو ساحل البحر، ولكن إعلان النبي قبل أسابيع من وصول أبي سفيان لمنطقة المدينة أعطاه الفرصة لطلب النجدة من كفار مكة ومن ثمّ حشد قوة كبيرة من قريش. وفيما كان أبو سفيان مسرعا بقافلته جنوبا، كان أبو جهل يتجه شمالا بجيش مؤلف من حوالي ألف رجل كاملي الدروع والسلاح، يمتطون حوالي سبعمئة ناقة وأكثر من مئة فرس، حتى وصل بهم إلى وادي بدر، على قرابة مئة وخمسين كيلومترا غرب المدينة جنوبا، متوقعا لقاء أبي سفيان على طريقه المعتاد، ولم يكن يعلم أن أبا سفيان قد اتخذ مسارا بحذاء البحر. وكان النبي ﷺ يتقصّى الأخبار كعادته، فلما علم بخروج جيش قريش، كما كان يتوقع، جمع الناس واستشارهم، وحثّهم على الخروج للقاء عدوهم، وأخبرهم أن الله تعالى قد وعدهم إحدى الطائفتين (الآية ٧): العير أو النفير: أي قافلة أبي سفيان، أو جيش المشركين، فأبدى عدد منهم رغبتهم في الهجوم على القافلة، فتأثّر النبي ﷺ من رغبتهم لأن خطته كانت غير ذلك، فردّد عليهم وقال لهم: إن العير قد مضت على ساحل البحر وهذا أبو جهل قد أقبل، فقالوا: يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو، فظهر الغضب على وجه النبي ﷺ ، وقام أبو بكر وعمر يحثّان الناس على مجابهة قريش، ثم تكلم سعد بن عبادة عن الأنصار، والمقداد بن عمرو عن المهاجرين، وسعد بن معاذ عن الأنصار أيضا، كلّ منهم مبديا استعداد أصحابه للمضي فيما يراه النبي ﷺ ، فسرّ النبي ﷺ بكلامهم ودعا لهم بخير، وخرج بالناس من المدينة وفريق منهم كاره لذلك لا يريد القتال (الآية ٥)، وقد جادلوا النبي ﷺ كأنما يساقون إلى الموت وهم ناظرون إليه (الآية ٦)، وتخلف عن الانضمام إلى المسلمين منافقو المدينة والذين في قلوبهم مرض من الأوس والخزرج قائلين: ﴿غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ (الآية ٤٩)

стр. 699

ساخرين من خروج المسلمين لمجابهة جبروت قريش، ومستخفّين بهم لقلّة عددهم وضعف عدّتهم. كان خروج النبي ﷺ من المدينة على رأس حوالي ثلاثمئة وثلاثة عشر رجلا، خفيفي السلاح، قليلي العدة، ستون منهم فقط يحملون دروعا، ومعهم ما لا يزيد عن سبعين ناقة وفرسان فقط يتناوبون الركوب عليها، واتجه بهم نحو الجنوب الغربي، ولو كان خروج النبي ﷺ بهم لغزو قافلة أبي سفيان، كما ظن البعض، لما احتاج إلى هذا العدد من المحاربين وهو يعلم أن حامية القافلة لا تزيد عن أربعين رجلا، ولو كان يريد القافلة لاتجه نحو الشمال الغربي ولم يتجه نحو الجنوب الغربي لملاقاة قريش، وفي يوم ١٧ رمضان وصل النبي ﷺ ومن معه إلى بدر ليفاجؤوا بجيش المشركين يفوقهم في العدّة كثيرا، ويفوقهم في العدد ثلاثة أضعاف، ولو تواعدوا لاختلفوا في الميعاد (الآية ٤٢)، وتلت ذلك اللقاء المواجهة العسكرية الكبرى الأولى بين مسلمي المدينة ومشركي قريش وبنتيجتها انهزم المشركون هزيمة ساحقة، وقتل سبعون من أكابرهم من بينهم قائدهم أبو جهل، واستولى المسلمون على غنائمهم. كان من أثر هذه النتيجة الحاسمة أن أيقن المشركون بعدها أن بعثة النبي ﷺ لم تكن حلما عابرا سرعان ما يزول، وإنما هي بداية لقوة سياسية جديدة، وعصر جديد لم تعرفه الجزيرة العربية من قبل، فقد تحققت مخاوف قريش على نحو حاسم لم يكونوا يتوقعونه، ومع أن وقعة بدر لم تقض نهائيا على قوى الشرك في جزيرة العرب إلاّ أنها شكّلت تحوّلا مهمّا جدّا في مجريات الأمور، إذ اتضح بعدها أن قوى الشرك في جزيرة العرب سائرة إلى زوال لا محالة. كما شكلت بدر نقطة تحول هامة في تفكير المسلمين أيضا، فيبدو أنه حتى ذلك الوقت لم يكن سوى القليل منهم يدرك المغزى والمضمون السياسي للنظام الإسلامي الجديد، أما بعد معركة بدر فصار بيّنا حتى لدى بسطاء المسلمين

стр. 700

أنهم مقبلون على نظام اجتماعي جديد، وأن مبدأ المقاومة السلبية الذي ميّز السنين الأولى للدعوة قد حلّ محلّه مبدأ أخذ زمام المبادرة والعمل، هذا المبدأ الذي ميّز التاريخ الإسلامي فيما بعد وكان له أكبر الأثر في انتشار الدعوة. ارتباط السورة بما قبلها بعد أن بينت سورة الأعراف الطريقة المثلى في الدعوة إلى الإسلام بقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾ [١٩٩/ ٧]، تبين سورة الأنفال أن الدعوة تستدعي الجهاد، بمعناه الشامل، للدفاع عن العقيدة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [٢٤/ ٨] أي إذا دعاكم إلى الجهاد بمعناه الأشمل. وفي سورة الأعراف المتقدمة أنّ من يغلق عقله سلفا بالتقليد ينسلخ عن الآيات ويتّبع وساوس الشيطان: ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ [١٧٥/ ٧]، ثم في سورة الأنفال أنّ أمثاله كالدواب: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [٢٢/ ٨]، وفي سورة الأعراف أن الشيطان يوسوس لبني آدم بشتى الوسائل [١٧/ ٧]، حتى يصير وليا للكفار: ﴿إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [٢٧/ ٧]، فيحسب الضالون أنهم مهتدون: ﴿إِنَّهُمُ اِتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [٣٠/ ٧]، ثم في سورة الأنفال أن الشيطان زيّن لكفار قريش أعمالهم: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ [٤٨/ ٨]، وفي سورة الأعراف أنّ اليهود سينالهم غضب من ربهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [١٥٢/ ٧]، وكذا في آية الأعراف [١٦٧/ ٧]، ثم في سورة الأنفال أن اليهود كالدواب، وأنهم لا يحفظون عهودهم: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ﴾

стр. 701

﴿كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ [٥٥/ ٨ - ٥٦]. محور سورة الأنفال يدور محور السورة حول قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢٤)، أي إذا دعاكم إلى الجهاد بمعناه الواسع، لأنّ حياة المؤمنين الحقيقية في الجهاد، والمعنى لا تكونوا كالصمّ البكم الذين لا يعقلون، المشار إليهم بالآية (٢٢)، ولأن الله يحول بين المرء وبين ما يتمناه قلبه من طول الأجل وأمنيات الدنيا، فالأجل يحول دون الأمل، والموضوع ملحّ جدا لا يحتمل التأجيل والتسويف، فلتكن استجابتكم أيها المؤمنون، لله وللرسول قبل أن يحول الأجل بينكم وبينها ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فتحاسبون على مقدار استجابتكم، وتنهى السورة المسلمين أن يكون جهادهم لأغراض دنيوية مادية محضة: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [٤٧]، وأن الله تعالى يغير أحوال الأقوام سلبا أو إيجابا بقدر ما يغيّروا ما بنفوسهم من العقيدة والأخلاق والعمل: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [٥٣]. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) ١ - ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ أيها النبي ﴿عَنِ الْأَنْفالِ﴾ جمع نفل وهي الغنيمة، لمن هي؟ وكيف يكون توزيعها؟ والسؤال كان بعد غزوة بدر، والنفل في أصل اللغة الزيادة عن الواجب، ومنه صلاة النفل، كقوله تعالى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً﴾

стр. 702

﴿لَكَ﴾ [الإسراء ٧٩/ ١٧]، أو الزيادة عن الاستحقاق كقوله تعالى ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ [الأنبياء ٧٢/ ٢١]، وهنالك مغزى من استعمال تعبير "الأنفال" في هذه الآية بدلا من تعبير "الغنائم" الذي سوف يرد في الآية (٤١)، وهو أن المسلم لا يحارب لأجل الغنائم، وإن حصلت غنيمة فتكون نافلة، أي زيادة عن الغرض الذي تم القتال من أجله، فهي نتيجة للحرب وليست هدفا لها، ولولا تأييده تعالى لعباده بالنصر لما كانت أنفال، والنتيجة أنّ السؤال عن حصصهم من الأنفال لا موجب له أصلا، فما بال هؤلاء الناس يسألون؟ ﴿قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي قل لهم أيها الرسول إن الأنفال لله يقرر حكمها كما سيرد في الآية (٤١)، وللرسول يقسمها بحسب حكمه تعالى، وهي ليست بتصرف المقاتلين، ولم تكن في الأصل هدفا للحرب، وإنّ من يحارب لأجل الغنائم فهو مخطئ ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ اتقوا عقاب الله ولا تختصموا بشأن الأنفال، وليكن قتالكم في سبيل الله فقط دون متاع الدنيا ﴿وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أصلحوا حال ما بينكم حتى تعم بينكم الألفة والمحبة والاتفاق، وانتهوا عن الخصومة والشقاق ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن كنتم كاملي الإيمان ينصبّ هدفكم من الحرب بكامله على إعلاء شأن الدين. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢) ٢ - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ حقا ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الوجل الشعور بالخوف والرهبة، والمعنى أن المؤمن إذا ذكر الله في الصلاة أو في القلب وغيره، فإنه يستحضر في نفسه عظمة الله وكبرياءه فيقشعر جلده ويحصل الخشوع في قلبه ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً﴾ زادتهم يقينا واطمئنانا إذ يدركون بيانها وإعجازها ومدلولاتها ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ﴾ وحده دون غيره، ومغزى قوله ﴿رَبِّهِمْ﴾ أنه هو متولي شؤونهم ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ لا يفوّضون أمورهم إلى غير ربهم، ولا يخشون ولا يرجون إلاّ إيّاه، ولا يبقى لهم اعتماد في أمر من أمور الدنيا، بعد اتخاذ الأسباب، إلاّ على الله.

стр. 703

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣) ٣ - قال الرازي بعد أن ذكر تعالى في الآية السابقة ثلاثة من صفات المؤمنين: الخشية، واليقين، والتوكل، وهي من صفات القلوب والبواطن، أتبع في هذه الآية من صفات المؤمنين المتجلية في الأفعال، وهي رأس الطاعات الظاهرة: الصلاة، والزكاة ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ على تمامها، في صورتها وفي أركانها الظاهرة، وفي معناها وروحها من خشوع القلب وحضور معاني التلاوة ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ينفقون على وجوه البر بعض ما رزقهم تعالى، من زكاة، وصدقات، وصلة أرحام، وإنفاق على الجهاد، لأن تعبير الإنفاق أعم من تعبير الزكاة، ونظير الآيتين (٢ - ٣) قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة ٣/ ٢]. ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٤) ٤ - ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ هم المؤمنون إيمانا حقّا، أو هم المؤمنون بالحقيقة ﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بحسب استعدادهم وإيمانهم وأعمالهم، فالله تعالى خلق الناس متفاوتين في الاستعداد والعقول والأعمال والإمكانات، فيكون حسابهم وتكون درجاتهم ومكانتهم عند ربّهم وفق ذلك، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ [الأنعام ١٦٥/ ٦]، ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ يتجاوز الله عن سيئاتهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في نعيم الجنة. ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ (٥) ٥ - ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾ أي من المدينة لأنها سكن النبي ﷺ فهي بيته ﴿بِالْحَقِّ﴾ الخروج لقتال قريش كان موصوفا بالحق، أي لإحقاق الحق ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ هم الفريق الطامع في سلب قافلة أبي سفيان كرهوا الخروج لقتال قريش، وقد رأى المودودي أن هذه الآية نافية لما ورد في قصص السيرة والمغازي من أن النبي ﷺ وأصحابه خرجوا في الأصل للاستيلاء على قافلة أبي سفيان، مع أنّ الآية في غاية الوضوح أن خروج

стр. 704

النبي ﷺ وأصحابه من المدينة كان لحسم النزاع مع قريش بمجابهة مباشرة مع جيش أبي جهل، والواضح من الآية أنّ الخيار بين الهجوم على القافلة وبين الاشتباك مع جيش المشركين، حسم قبل الخروج من المدينة راجع الخلفية التاريخية، ومن الطريف أن الألوسي في روح المعاني تفادى هذا المعنى بطريقة مصطنعة، إذ قال إن جملة ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ في موضع الحال، وهي حال مقدّرة لأن الكراهية وقعت بعد الخروج! فاضطر نفسه إلى تقدير الحال للمستقبل لكي يطابق التوهّم الشائع أن خروج النبي ﷺ وأصحابه من المدينة كان مستهدفا قافلة أبي سفيان. أمّا معنى التشبيه في قوله ﴿كَما﴾، أي كما جادل فريق منهم النبي ﷺ في قسمة الأنفال المشار إليها آنفا، فقد جادلوه أيضا في الخروج من المدينة، إذ أرادوا سلب قافلة أبي سفيان وهم كارهون لقتال قريش، والمعنى أنّ تفكيرهم في الحالتين كان منصبّا على الغنائم! ﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (٦) ٦ - ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ وهم الفريق الذي كان راغبا في قافلة أبي سفيان ﴿فِي الْحَقِّ﴾ أي في قتال المشركين، وأشارت له الآية بالحق، لأنه كان مقدرا له أن يحق الحق ويبطل الباطل ﴿بَعْدَ ما تَبَيَّنَ﴾ بعدما تبيّن لهم الحق، أي بعد ما تبين لهذا الفريق أن حشد جيش المسلمين كان لغرض قتال المشركين وليس لسلب القافلة ﴿كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ في خروجهم من المدينة ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ كانوا يخشون من قلة عددهم وقلة سلاحهم وضعف وسائلهم تجاه قوة قريش وجبروتها واستعدادها، وكانوا بالتالي يرون احتمالات الظفر لصالح قريش، فكأنما يساقون إلى الموت المؤكد. ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧)﴾

стр. 705

٧ - ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ﴾ إحدى الطائفتين: عير أبي سفيان، أو نفير قريش ﴿أَنَّها لَكُمْ﴾ وعدهم تعالى، على لسان نبيّه، الغلبة على الطائفة التي يستقر خيارهم عليها: العير، أو النفير ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ غير ذات الشوكة قافلة أبي سفيان، إذ لم يكن معها سوى حوالي أربعين مسلحا، فهي الطائفة التي لا شوكة لها ولا حدة ولا شدة، وهي ما كان يودّه فريق من المؤمنين عندما استشارهم النبي ﷺ قبل الخروج من المدينة ﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ بهذه الآية التي أنزلها على نبيّه، ليثبت الإسلام ويظهر كونه حقّا، وهو الهدف الذي من أجله يكون القتال، وليس للمادة الزائلة، أو الفائدة العاجلة التي كان يرجوها فريق من المؤمنين ﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ﴾ يستأصلهم، فكانت هزيمة المشركين في بدر بداية لاستئصالهم. ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٨) ٨ - ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ﴾ وهي الحكمة الداعية لاختيار ذات الشوكة ونصر المؤمنين عليها رغم إرادتهم غيرها ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون. ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٩) ٩ - ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ بعد أن استقر العزم على الخروج لملاقاة ذات الشوكة، أي جيش قريش، ثم التقى الجيشان في بدر وجها لوجه، ورأى المسلمون رأي العين تفوق قريش في العدد والعدة، وأصابهم الفزع، استغاث المسلمون ربّهم بدعاء النبي ﷺ ودعائهم ﴿فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ استجاب لهم تعالى على لسان النبي ﷺ أنه يمدّهم بألف من الملائكة متتابعين، ثم قرأ النبي ﷺ على أصحابه قوله تعالى ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر ٤٥/ ٥٤]، وقال لهم "كأني أنظر إلى مصارع القوم". ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾
следующие страницы →