← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

﴿كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ [٥٥/ ٨ - ٥٦]. محور سورة الأنفال يدور محور السورة حول قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢٤)، أي إذا دعاكم إلى الجهاد بمعناه الواسع، لأنّ حياة المؤمنين الحقيقية في الجهاد، والمعنى لا تكونوا كالصمّ البكم الذين لا يعقلون، المشار إليهم بالآية (٢٢)، ولأن الله يحول بين المرء وبين ما يتمناه قلبه من طول الأجل وأمنيات الدنيا، فالأجل يحول دون الأمل، والموضوع ملحّ جدا لا يحتمل التأجيل والتسويف، فلتكن استجابتكم أيها المؤمنون، لله وللرسول قبل أن يحول الأجل بينكم وبينها ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فتحاسبون على مقدار استجابتكم، وتنهى السورة المسلمين أن يكون جهادهم لأغراض دنيوية مادية محضة: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [٤٧]، وأن الله تعالى يغير أحوال الأقوام سلبا أو إيجابا بقدر ما يغيّروا ما بنفوسهم من العقيدة والأخلاق والعمل: ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [٥٣]. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) ١ - ﴿يَسْئَلُونَكَ﴾ أيها النبي ﴿عَنِ الْأَنْفالِ﴾ جمع نفل وهي الغنيمة، لمن هي؟ وكيف يكون توزيعها؟ والسؤال كان بعد غزوة بدر، والنفل في أصل اللغة الزيادة عن الواجب، ومنه صلاة النفل، كقوله تعالى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً﴾

стр. 702

﴿لَكَ﴾ [الإسراء ٧٩/ ١٧]، أو الزيادة عن الاستحقاق كقوله تعالى ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً﴾ [الأنبياء ٧٢/ ٢١]، وهنالك مغزى من استعمال تعبير "الأنفال" في هذه الآية بدلا من تعبير "الغنائم" الذي سوف يرد في الآية (٤١)، وهو أن المسلم لا يحارب لأجل الغنائم، وإن حصلت غنيمة فتكون نافلة، أي زيادة عن الغرض الذي تم القتال من أجله، فهي نتيجة للحرب وليست هدفا لها، ولولا تأييده تعالى لعباده بالنصر لما كانت أنفال، والنتيجة أنّ السؤال عن حصصهم من الأنفال لا موجب له أصلا، فما بال هؤلاء الناس يسألون؟ ﴿قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي قل لهم أيها الرسول إن الأنفال لله يقرر حكمها كما سيرد في الآية (٤١)، وللرسول يقسمها بحسب حكمه تعالى، وهي ليست بتصرف المقاتلين، ولم تكن في الأصل هدفا للحرب، وإنّ من يحارب لأجل الغنائم فهو مخطئ ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ اتقوا عقاب الله ولا تختصموا بشأن الأنفال، وليكن قتالكم في سبيل الله فقط دون متاع الدنيا ﴿وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾ أصلحوا حال ما بينكم حتى تعم بينكم الألفة والمحبة والاتفاق، وانتهوا عن الخصومة والشقاق ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إن كنتم كاملي الإيمان ينصبّ هدفكم من الحرب بكامله على إعلاء شأن الدين. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢) ٢ - ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ حقا ﴿الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الوجل الشعور بالخوف والرهبة، والمعنى أن المؤمن إذا ذكر الله في الصلاة أو في القلب وغيره، فإنه يستحضر في نفسه عظمة الله وكبرياءه فيقشعر جلده ويحصل الخشوع في قلبه ﴿وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً﴾ زادتهم يقينا واطمئنانا إذ يدركون بيانها وإعجازها ومدلولاتها ﴿وَعَلى رَبِّهِمْ﴾ وحده دون غيره، ومغزى قوله ﴿رَبِّهِمْ﴾ أنه هو متولي شؤونهم ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾ لا يفوّضون أمورهم إلى غير ربهم، ولا يخشون ولا يرجون إلاّ إيّاه، ولا يبقى لهم اعتماد في أمر من أمور الدنيا، بعد اتخاذ الأسباب، إلاّ على الله.

стр. 703

﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٣) ٣ - قال الرازي بعد أن ذكر تعالى في الآية السابقة ثلاثة من صفات المؤمنين: الخشية، واليقين، والتوكل، وهي من صفات القلوب والبواطن، أتبع في هذه الآية من صفات المؤمنين المتجلية في الأفعال، وهي رأس الطاعات الظاهرة: الصلاة، والزكاة ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ على تمامها، في صورتها وفي أركانها الظاهرة، وفي معناها وروحها من خشوع القلب وحضور معاني التلاوة ﴿وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ينفقون على وجوه البر بعض ما رزقهم تعالى، من زكاة، وصدقات، وصلة أرحام، وإنفاق على الجهاد، لأن تعبير الإنفاق أعم من تعبير الزكاة، ونظير الآيتين (٢ - ٣) قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة ٣/ ٢]. ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٤) ٤ - ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ هم المؤمنون إيمانا حقّا، أو هم المؤمنون بالحقيقة ﴿لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ بحسب استعدادهم وإيمانهم وأعمالهم، فالله تعالى خلق الناس متفاوتين في الاستعداد والعقول والأعمال والإمكانات، فيكون حسابهم وتكون درجاتهم ومكانتهم عند ربّهم وفق ذلك، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ﴾ [الأنعام ١٦٥/ ٦]، ﴿وَمَغْفِرَةٌ﴾ يتجاوز الله عن سيئاتهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في نعيم الجنة. ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ (٥) ٥ - ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ﴾ أي من المدينة لأنها سكن النبي ﷺ فهي بيته ﴿بِالْحَقِّ﴾ الخروج لقتال قريش كان موصوفا بالحق، أي لإحقاق الحق ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ هم الفريق الطامع في سلب قافلة أبي سفيان كرهوا الخروج لقتال قريش، وقد رأى المودودي أن هذه الآية نافية لما ورد في قصص السيرة والمغازي من أن النبي ﷺ وأصحابه خرجوا في الأصل للاستيلاء على قافلة أبي سفيان، مع أنّ الآية في غاية الوضوح أن خروج

стр. 704

النبي ﷺ وأصحابه من المدينة كان لحسم النزاع مع قريش بمجابهة مباشرة مع جيش أبي جهل، والواضح من الآية أنّ الخيار بين الهجوم على القافلة وبين الاشتباك مع جيش المشركين، حسم قبل الخروج من المدينة راجع الخلفية التاريخية، ومن الطريف أن الألوسي في روح المعاني تفادى هذا المعنى بطريقة مصطنعة، إذ قال إن جملة ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ في موضع الحال، وهي حال مقدّرة لأن الكراهية وقعت بعد الخروج! فاضطر نفسه إلى تقدير الحال للمستقبل لكي يطابق التوهّم الشائع أن خروج النبي ﷺ وأصحابه من المدينة كان مستهدفا قافلة أبي سفيان. أمّا معنى التشبيه في قوله ﴿كَما﴾، أي كما جادل فريق منهم النبي ﷺ في قسمة الأنفال المشار إليها آنفا، فقد جادلوه أيضا في الخروج من المدينة، إذ أرادوا سلب قافلة أبي سفيان وهم كارهون لقتال قريش، والمعنى أنّ تفكيرهم في الحالتين كان منصبّا على الغنائم! ﴿يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ (٦) ٦ - ﴿يُجادِلُونَكَ﴾ وهم الفريق الذي كان راغبا في قافلة أبي سفيان ﴿فِي الْحَقِّ﴾ أي في قتال المشركين، وأشارت له الآية بالحق، لأنه كان مقدرا له أن يحق الحق ويبطل الباطل ﴿بَعْدَ ما تَبَيَّنَ﴾ بعدما تبيّن لهم الحق، أي بعد ما تبين لهذا الفريق أن حشد جيش المسلمين كان لغرض قتال المشركين وليس لسلب القافلة ﴿كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ﴾ في خروجهم من المدينة ﴿وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ كانوا يخشون من قلة عددهم وقلة سلاحهم وضعف وسائلهم تجاه قوة قريش وجبروتها واستعدادها، وكانوا بالتالي يرون احتمالات الظفر لصالح قريش، فكأنما يساقون إلى الموت المؤكد. ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ (٧)﴾

стр. 705

٧ - ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللهُ إِحْدَى الطّائِفَتَيْنِ﴾ إحدى الطائفتين: عير أبي سفيان، أو نفير قريش ﴿أَنَّها لَكُمْ﴾ وعدهم تعالى، على لسان نبيّه، الغلبة على الطائفة التي يستقر خيارهم عليها: العير، أو النفير ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ غير ذات الشوكة قافلة أبي سفيان، إذ لم يكن معها سوى حوالي أربعين مسلحا، فهي الطائفة التي لا شوكة لها ولا حدة ولا شدة، وهي ما كان يودّه فريق من المؤمنين عندما استشارهم النبي ﷺ قبل الخروج من المدينة ﴿وَيُرِيدُ اللهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾ بهذه الآية التي أنزلها على نبيّه، ليثبت الإسلام ويظهر كونه حقّا، وهو الهدف الذي من أجله يكون القتال، وليس للمادة الزائلة، أو الفائدة العاجلة التي كان يرجوها فريق من المؤمنين ﴿وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ﴾ يستأصلهم، فكانت هزيمة المشركين في بدر بداية لاستئصالهم. ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٨) ٨ - ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ﴾ وهي الحكمة الداعية لاختيار ذات الشوكة ونصر المؤمنين عليها رغم إرادتهم غيرها ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ المشركون. ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (٩) ٩ - ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ بعد أن استقر العزم على الخروج لملاقاة ذات الشوكة، أي جيش قريش، ثم التقى الجيشان في بدر وجها لوجه، ورأى المسلمون رأي العين تفوق قريش في العدد والعدة، وأصابهم الفزع، استغاث المسلمون ربّهم بدعاء النبي ﷺ ودعائهم ﴿فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ استجاب لهم تعالى على لسان النبي ﷺ أنه يمدّهم بألف من الملائكة متتابعين، ثم قرأ النبي ﷺ على أصحابه قوله تعالى ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر ٤٥/ ٥٤]، وقال لهم "كأني أنظر إلى مصارع القوم". ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾

стр. 706

١٠ - ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ أي إن خبر الإمداد بالملائكة لم يكن سوى بشرى تطمئن بها القلوب، فتشعر بالمدد الإلهي الروحاني ويزول الخوف، وظاهر النص القرآني أن الإمداد بالملائكة فائدته التثبيت المعنوي، ولا يفيد اشتراك الملائكة في القتال ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ فلا تفيد العدو كثرته وعدّته، إذا صحت النية والإخلاص واتخاذ الأسباب لدى المؤمنين ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ عزيز في قمع جبروت الكفار، حكيم في نصر من يستحق النصرة. ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ﴾ (١١) ١١ - ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ وهذا من جملة استجابته تعالى لاستغاثة المسلمين، إذ غشّاهم النعاس فأمنت نفوسهم وسكنت، وزال عنهم شعور الخوف، وذهلوا عن الخطر وتفوق العدو ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ وهي نعمة ثالثة في استجابته تعالى للمؤمنين، فقد سبقهم أبو جهل وجيشه إلى وادي بدر واستولى على موضع الماء، في حين وصل المؤمنون بعده وهم على درجة كبيرة من العطش، وأعوزهم الماء للشرب والوضوء، وأصابهم الخوف على قلّتهم إذا استمر الوضع على تلك الحال والقتال لمّا يبدأ بعد، فأغاثهم تعالى بالمطر دليلا على تأييده لهم، فحفروا في الأرض أحواضا سالت إليها المياه فشربوا واغتسلوا وتوضؤوا للصلاة ﴿وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾ نزول المطر وشربهم واغتسالهم ووضوئهم أذهب عنهم وسواس الشيطان لهم بأنهم الفريق الأضعف ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ فيثبتها ويوطّنها على الصبر ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ﴾ لأن هطول المطر على الرمل جعله أكثر ثباتا لأقدام مشاة المسلمين في مقابلة فرسان المشركين. ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاِضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ (١٢)﴾

стр. 707

١٢ - ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ أوحى تعالى إلى الملائكة أنه مع المؤمنين، والضمير في معكم عائد للمؤمنين، لأنهم الطرف الذي كان يخاف الكفار، أما الملائكة فلا مجال لخوفهم من الكفار أو من غيرهم، وإنما الخائف هم المسلمون، وعبارة ﴿أَنِّي مَعَكُمْ﴾ استمرار الخطاب الموجه إلى المؤمنين الذي بدأ في الآية (٧)، فيكون تقدير الخطاب: إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم - أيها المؤمنون -، أو: إذ يوحي ربك إلى الملائكة - أن ألهموا المؤمنين - أني معكم ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بإعلامهم أنه تعالى معهم ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ وهو مزيد من التثبيت للمؤمنين، فمن جهة، ألقت الملائكة في روع المؤمنين أن الله تعالى معهم، ومن جهة ثانية أنه ألقى الرعب في قلوب الكفار ﴿فَاضْرِبُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿فَوْقَ الْأَعْناقِ وَاِضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ﴾ البنان هي الأصابع، والمعنى اضربوا، الرؤوس والأعناق والأيدي والأرجل، فلا يكون الضرب على الدروع التي كان يلبسها المشركون، وهو استمرار الخطاب للمؤمنين من الآيات السابقة، وقد يكون إلهاما من الملائكة للمؤمنين، لأن الملائكة لم تشترك في القتال كما هو واضح من الآية (١٠)، قال الرازي: "هذا الأمر للمؤمنين، لأنه تعالى ما أنزل الملائكة لأجل المقاتلة والمحاربة، واعلم أنه تعالى لما بيّن أنه حصل في حق المسلمين جميع موجبات النصر والظفر، فعندئذ أمرهم بالقتال". ومغزى الضرب فوق الأعناق وضرب البنان أن الكفار كانوا يرتدون الدروع، فعند هجوم الفارس من الكفار كان على الراجل من المسلمين أن يبادره بقطع يده أو يضربه على العنق أو فوق العنق قبل أن يبتدره الفارس بالضرب. وقد ذكر الشيخ رشيد رضا في المنار في معرض نفيه روايات اشتراك الملائكة في القتال يوم بدر ما يلي "فإذا كان تأييد الله للمؤمنين بالأمور الروحانية التي تضاعف القوة المعنوية، وتسهيله لهم الأسباب الحسية كإنزال المطر وفوائده

стр. 708

العديدة المعنوية والحسية وإلقائه الرعب في قلوب الكفار لم يكن كافيا لنصرهم على المشركين بقتل سبعين منهم وأسر سبعين حتى كان ألف من الملائكة يقاتلون معهم، فأي مزية لأهل بدر فضّلوا بها على سائر المؤمنين، وكيف تعارض البينات النقلية والعقلية؟ وكيف يقال إنّ السبعين الذين قتلوا من المشركين لم يمكن قتلهم إلاّ باجتماع ألف من الملائكة مع المسلمين الذين خصهم الله بأسباب النصر المتعددة؟ إن في هذا تعظيم شأن المشركين وتصغير شأن أفضل الصحابة وأشجعهم بما لا يصدر عن عاقل" (المنار)، وقال الرازي: الملائكة لم تشترك في القتال وإنما كانوا يثبتون المؤمنين، وإلاّ فملك واحد كاف في إهلاك الدنيا كلها، والدليل على صحة أن الملائكة لم تشترك في القتال قوله تعالى ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى﴾ فالضمير عائد إلى الإرداف، والتقدير: ما جعل الله الإرداف بالملائكة إلاّ بشرى، وذلك ينفي إقدامهم على القتال. ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (١٣) ١٣ - ﴿ذلِكَ﴾ ذلك الضرب للكفرة فوق الأعناق، وضرب كل بنان، وهزيمتهم ﴿بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ بسبب أنهم فارقوا أمر الله ورسوله وعصوهما، والشقاق بمعنى أنهم صاروا في شق غير شق المؤمنين، والمشاقة أيضا العداوة، لأن كلاّ من المتعادين يكون في شق غير الآخر ﴿وَمَنْ يُشاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ في الدنيا، كعقاب المشركين يوم بدر، وذلك غير عذاب الآخرة للمصرّين على الكفر، كما سيرد في الآية التالية: ﴿ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ (١٤) ١٤ - ﴿ذلِكُمْ﴾ وهو المعجّل من القتل والأسر والهزيمة والخزي في الدنيا ﴿فَذُوقُوهُ﴾ سمّته الآية ذوقا لكونه يسيرا قياسا بالخزي العظيم في الآخرة ﴿وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ﴾ المصرّين على الكفر ﴿عَذابَ النّارِ﴾ في الآخرة.

стр. 709

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ﴾ (١٥) ١٥ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً﴾ إذا لقيتم الكفار يزحفون زحفا لقتالكم، ومعنى زحف الجيش زحفا أي مشى بثقل لكثرته، والزحف أيضا الجيش الكثيف الذي يرى لكثرته كأنه يزحف، أي يدبّ دبيبا لأنه يرى جسما واحدا متصلا، فتظهر حركته الكلية بطيئة ولو كانت في الواقع في غاية السرعة ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ﴾ المعنى إذا لقيتم الكفار يزحفون لقتالكم، وهم كثر وأنتم قلّة، فلا تفرّوا منهم، والآية استمرار لما قبلها من الآيات، وقد تكون من جملة ما ألقته الملائكة في روع المؤمنين يوم بدر، غير أن حكمها عام لكل الأوقات والأحوال لأنهم قالوا إن "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب"، فهذه هي القاعدة الأولى في القتال، ويفهم من الآية أيضا أنه إذا كان التزاحف من الطرفين، أو كان الزحف من طرف المؤمنين، وهم أكثر عددا وعدّة من الكفار، أو متساوون معهم، فتحريم الهزيمة والفرار أولى، ومغزى التحريم أنه تعالى يهييء للمؤمنين، الذين اتخذوا للأمور عدتها، أسباب النصر والتأييد فلا مبرر للفرار، حتى لو كان الكفار عشرة أمثال المؤمنين كما سيرد في الآية (٦٥)، أو مثليهم على سبيل الرخصة الآية (٦٦)، وهذه القاعدة القرآنية مهّدت السبيل فيما بعد للفتوحات الإسلامية، التي امتدت خلال أقل من قرن من أقصى العالم القديم إلى أقصاه، على قلة أعداد المسلمين الذين انطلقوا من الجزيرة العربية، بالمقارنة مع جيوش فارس والروم وبالمقارنة مع عدد سكان البلاد المفتوحة وجيوشها. ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١٦) ١٦ - ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ تولية الدبر كناية عن الفرار، لأن الفار يدير ظهره للطرف الآخر، ومعنى ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم القتال ﴿إِلاّ مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ﴾ تنفيذا لمناورة عسكرية أو خدعة ﴿أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ﴾ منضمّا إلى

стр. 710

جماعة أخرى من المؤمنين ﴿فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾ أي من ينهزم من القتال إلاّ لأحد الغرضين المذكورين، فإنه يرجع بغضب من الله ﴿وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ بدلا من أن يأوي إلى السلامة والأمان كما يظن، يكون قد أوى إلى جهنم، والآية دليل على أن الفرار من الزحف يعتبر من الكبائر، وقد وردت الأحاديث الشريفة بذلك. ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١٧) ١٧ - بعد أن نهى تعالى المؤمنين عن الفرار من الزحف، بيّن لهم في هذه الآية أنهم إن ثبتوا يؤيّدهم بتوفيقه: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ يوم بدر ﴿وَلكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ﴾ لأن قتل الكفار تيسّر بمعونة الله ونصره وتأييده وتوفيقه، فلا مجال لفخر المؤمنين بذلك، خاصة بعدما ظهر من فريق منهم الفزع وكراهة الخروج للقاء العدو ومجادلتهم النبي ﷺ كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون، فلو بقوا على تلك الحال من ضعف المعنويات على قلة عددهم وعدّتهم لكانت هزيمتهم محققة ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ والخطاب للنبي ﷺ ، ذكرت روايات عديدة أن النبي ﷺ تناول قبل المعركة قبضة من الحصباء أو التراب ورماها تجاه المشركين قائلا "شاهت الوجوه" أي قبحت، فكان ذلك إيذانا ببدء القتال وهزيمة الكفار، قال القرطبي إن تقدير الخطاب: وما رميت الفزع والرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء ولكن الله رمى، فقد كان ذلك بنصر الله وتوفيقه، وقد تكون الإشارة لاشتراك النبي ﷺ في القتال فعليا، ورميه الكفار بالنبال ﴿وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ﴾ تعالى ﴿بَلاءً حَسَناً﴾ أي نعمة عظيمة، لأنّ البلاء هو الاختبار، واختباره تعالى لعباده يكون تارة بالمحن وتارة بالنعم، ففي وقعة بدر ابتلى تعالى المؤمنين بنعمة النصر العظيمة ﴿إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لدعاء المؤمنين ﴿عَلِيمٌ﴾ بحالهم.

стр. 711

﴿ذلِكُمْ وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ﴾ (١٨) ١٨ - ﴿ذلِكُمْ﴾ البلاء الحسن ﴿وَأَنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ﴾ بالإضافة للبلاء الحسن فإنه تعالى يضعف كيد الكافرين ومكرهم ومحاولتهم القضاء على دعوة الإسلام. ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٩) ١٩ - وهي خلاصة العبرة من معركة بدر، والآية استمرار مباشر لما سبقها: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ أيها المؤمنون بالدعاء وطلب النصرة من الله ﴿فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ بأن استجاب الله لدعائكم ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا﴾ عن التكاسل والقعود وعن معصية النبي ﷺ ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من كل شيء ﴿وَإِنْ تَعُودُوا﴾ إلى التكاسل والمعصية وإلى طلب الدنيا وزخارفها ﴿نَعُدْ﴾ عن نصرتكم، ونخلّي بينكم وبين عدوّكم، لأن الوعد بالنصرة ليس مطلقا، بل مشروطا بالطاعة والعمل وترك الخلاف والمخالفة ﴿وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ﴾ إذا فاتكم تأييد الله ونصره، فالعبرة ليست بكثرة العدد أو قلّته ﴿وَأَنَّ اللهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الذين يرفقون القول بالعمل، فهو يستجيب لدعائهم ويهيئ لهم أسباب النصر والتوفيق، ويلاحظ أن هذا التوجيه الربّاني، وإن كان خاصّا لوقعة بدر، إلا أنّ مغزاه عام لكل الأوقات، وقيل إن الخطاب في الآية للكفار لكنّ ذلك لا يستقيم مع النظم القرآني، فالآيات من الآية ٧ حتى الآية ٢٩ كلها في خطاب المؤمنين. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (٢٠) ٢٠ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهي تتمة العبرة السابقة، وتأكيد على لزوم الطاعة وما يترتب عليها من عمل ﴿وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ عن النبي ﷺ ، والمعنى لا تعرضوا عما جاء به من الإسلام وتعاليمه ﴿وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ دعاءه لكم إلى جهاد عدوّكم، أو، وأنتم تسمعون القرآن وقد صرتم على بيّنة من الأمر، ولم يعد لديكم عذر بالجهل.

стр. 712

﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ (٢١) ٢١ - ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ بمعنى القبول ظاهرا ﴿وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ﴾ لأنهم قبلوا الرسالة بالكلام فقط، دون استيعاب لمعناها، ودون القيام بما يترتب عليها من عمل، أو أنهم قالوا ذلك نفاقا. ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ (٢٢) ٢٢ - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ﴾ شرّ من يدبّ على الأرض عند الله ﴿الصُّمُّ﴾ شبههم تعالى بالصمّ، لأنهم لا يريدون سماع الرسالة سماع فهم وتفكّر، بل يسمعون للشغب والتشويش، وقد اتخذوا منها مواقف مسبقة ﴿الْبُكْمُ﴾ لأنهم لا يقرّون بالحقيقة، أو هم غير قادرين على الإقرار بها ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ فلم تعمل عقولهم للاستفادة من حواسهم، وهو سبب وصفهم بالدواب. ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٢٣) ٢٣ - ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْراً﴾ استعدادا صالحا ﴿لَأَسْمَعَهُمْ﴾ ولكنهم أفسدوا نفوسهم بالبهيمية وسوء القدوة والعصبية والمكابرة والتكبّر، فلم يتركوا لأنفسهم أي إمكانية خير فانتفت إمكانية سماعهم، ولو كان لديهم قليل من الاستعداد للتفكر والنظر، لدخل فهم القرآن في قلوبهم، ولسمعوه سماع تفقّه وتعقّل، ثم سماع اعتبار وعمل ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ وهم في هذه الحال التي جعلوا أنفسهم فيها من انغلاق الفكر ﴿لَتَوَلَّوْا﴾ لارتدّوا ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن القبول، لأنهم اختاروا الإعراض عن الحق، وأداروا ظهورهم للدلائل، فلا يقبلون الحق ولا ينتفعون به البتة مهما عرض عليهم. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ﴾ إذا دعاكم إلى الإسلام، أو إلى الجهاد بمعناه العام، لأنّ فيهما حياتكم الحقيقية،

стр. 713

فلا تكونوا كالصمّ البكم الذين لا يعقلون، المشار لهم آنفا ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ أي ما في قلبه من الأماني، فيحول بين المرء وبين ما يتمناه قلبه من طول الأجل وأمنيات الدنيا، فالأجل يحول دون الأمل، والمعنى: أن الموضوع ملحّ جدا لا يحتمل التأجيل والتسويف، فلتكن استجابتكم أيها المؤمنون، لله وللرسول قبل أن يحول الأجل بينكم وبينها، ولا تتكلوا على ما في قلوبكم من الأماني وتوقع طول البقاء، فذلك غير مؤكّد ﴿وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ فتحاسبون على مقدار استجابتكم. ﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿وَاِتَّقُوا فِتْنَةً﴾ الفتنة الاختبار والامتحان بما يشق على المرء فعله أو تركه، أو قبوله أو إنكاره [البقرة ١٠٢/ ٢]، [التوبة ٤٩/ ٩]، [طه ٤٠/ ٢٠]، ومنها فتنة المال والأولاد [الأنفال ٢٨/ ٨]، والفتنة أيضا المحنة والمعاناة، والاضطهاد الديني [البقرة ١٩٣/ ٢، ١٩١]، [الأنفال ٣٩/ ٨]، وهي أيضا الإغراء والغواية والضلال [آل عمران ٧/ ٣]، وهي الشقاق والنزاع [التوبة ٤٨/ ٩]، ﴿لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ بل الأتقياء أيضا ليسوا بمعزل عنها، فاتقوا الغواية والضلال، والشقاق والنزاع، وما يترتب عليها من المحن والمعاناة، ممّا لا يقع ضحيتها الكفار والظالمون فقط، فالأمّة بكاملها قد تصاب بالضعف والخذلان والانحلال، وقد تزول دولتها، أو يسيطر عليها الكفار، والخطاب استمرار لما قبله من وجوب الاستجابة لله وللرسول، وأنه تعالى يحول بين المرء وأمانيه ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ لمخالفي أمره. ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ فَآواكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢٦) ٢٦ - بعد أن أمرهم تعالى بطاعة الله وطاعة الرسول، وحذّرهم أنه يحول بين المرء وقلبه، ثم حذّرهم من الفتن، ذكّرهم ببعض نعمه عليهم ممّا قلب أوضاعهم من الضعف إلى القوة: ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ قليلي العدد في مكة والمدينة

стр. 714

﴿مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ يستضعفهم مشركو قريش في أرض مكة ﴿تَخافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النّاسُ﴾ شبّه المشركين بالطيور الجارحة تتخطّف فرائسها منهم ﴿فَآواكُمْ﴾ في المدينة ﴿وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ كما في بدر ﴿وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ من رزق المدينة، وغنائم بدر ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ شكرا غير مقتصر على القول، بل يتعداه إلى العمل. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٢٧) ٢٧ - بعد تذكيره تعالى لهم بنعمه عليهم حذّرهم من الخيانة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ بإبداء الإيمان والنصيحة والإخلاص للمؤمنين، وفي الوقت ذاته إبطان الكفر والغش لهم، وإفشاء أسرارهم واستغلالهم لمآرب شخصية ﴿وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ﴾ مع إخوانكم المسلمين ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قبح ذلك، وسوء عاقبته. ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٨) ٢٨ - بعد أن نهاهم تعالى عن خيانة الدين وخيانة الأمانات، بيّن لهم أن الخيانة تكون بسبب فتنة المال والولد: ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ فاحذروا أن تؤدي بكم فتنة الأموال والأولاد، إلى خيانة الله والرسول، والمقصود أن تهالك الناس على المادة، ومحاولة ضمان مستقبل الأولاد، كثيرا ما يؤدي بالبعض إلى الخيانة وتجاوز الحدود، وأكل أموال الناس بالباطل، وإنفاق المال في غير ما يرضاه الشرع ﴿وَأَنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ عند الله أجر أعظم بكثير مما تأملونه في المال والولد. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (٢٩) ٢٩ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ﴾ باتقاء فتنة المال والولد، وباتقاء كل ما يجب بمقتضى الدين والشرع ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً﴾ كما حصل يوم بدر، إذ جعله لكم نصرا يفرق بين أهل الحق وأهل الباطل، وقيل يجعله هداية ونورا

стр. 715

في قلوبكم، فهو ملكة من العلم والحكمة تميّز بين الحق والباطل، فتمكّن من اتخاذ القرار الصحيح ﴿وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ﴾ يسترها في الدنيا ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ذنوبكم فيتجاوز عنها ﴿وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ بأنه يمنّ على المتقين بنعمة الفرقان، وتكفير السيئات وغفران الذنوب. ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ (٣٠) ٣٠ - بدأت السورة بخطاب النبي ﷺ ، من (الآية ١) حتى (الآية ٦)، ثم انتقلت إلى خطاب المؤمنين، من (الآية ٧) حتى (الآية ٢٩)، فذكّرتهم بنعمه تعالى عليهم بنصرهم في بدر، وفي هذه الآية يعود الخطاب إلى النبي ﷺ لتذكير المؤمنين بنعمه تعالى عليهم عندما تآمر كفار مكة على النبي ﷺ قبل الهجرة: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ﴾ أيها النبي ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في مكة قبل الهجرة ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ ليوثقوك ويحبسوك ويأسروك ويمنعوك من نشر الدعوة ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ﴾ تآمرت قريش أن يشترك فتى من كل قبيلة بطعن النبي ﷺ فيتفرق دمه في القبائل كي لا يستطيع بنو عبد المطلب المطالبة بدمه ﴿أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ من مكة، أي إنهم قلّبوا هذه الاحتمالات الثلاثة للتخلص من النبي ﷺ : الحبس أو القتل أو الإخراج ﴿وَيَمْكُرُونَ﴾ المكر السيئ ﴿وَيَمْكُرُ اللهُ﴾ مكر الخير، لأن المكر، منه الحسن ومنه السيئ، لقوله تعالى ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر ٤٣/ ٣٥]، فالمكر هو التخطيط والتدبير الخفي لإيصال المكروه إلى الممكور به من حيث لا يحتسب، وكذلك وقاية الممكور له من السوء، ومنه دعاء النبي ﷺ ربّه: «وامكر لي ولا تمكر عليّ»، ﴿وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ﴾ لأن مكره تعالى كلّه خير، ولا يعتدّ بمكرهم تجاه مكره سبحانه. ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾

стр. 716

٣١ - ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا﴾ وهو قول طواغيت قريش، لم يكتفوا بالمكر بشخص النبي ﷺ ومحاولة حبسه أو قتله أو إخراجه، بل طعنوا في كلام الوحي وتفاخروا أن لو شاؤوا لقالوا مثله، وهذا الزعم والمفاخرة تكرر منهم دون أن يقدروا على تحقيقه، وقد تحدّاهم القرآن في أكثر من سورة، وقرّعهم بالعجز سنين طويلة، فعجزوا عن المعارضة في ميدان كانوا يعتبرون أنفسهم أسياده ﴿إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وهذا الزعم منهم منتهى المكابرة والعناد، بعد العجز، إذ لو استطاعوا أن يقولوا شيئا فما منعهم؟ ومغزى الآية غير مقتصر على كفار قريش في زمنهم، بل ينطبق على منكري الوحي في كل الأزمنة. ﴿وَإِذْ قالُوا اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ اِئْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿وَإِذْ قالُوا﴾ وهو تتمة كلام الكفار منكري الوحي ﴿اللهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ اِئْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ وهو دعاء تهكم وتحدّي، ممّا يدل أن كفرهم عناد وكبرياء وعتوّ واستعلاء واستكبار في الأرض، ولو كانوا طلاب حقيقة لطلبوا الهداية من ربهم ولم يطلبوا العذاب. ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (٣٣) ٣٣ - ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ أيها الرسول، أي إنه تعالى يمهلهم ويعطيهم الفرص للرجوع عن الكفر، ولا يعاجلهم بالعقوبة التي يستحقونها ما دام الرسول ﷺ بينهم يدعوهم إلى الحق، ولم يستنفذ مهمته بينهم ﴿وَما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ لا يعذبهم مع علمه أن فيهم من يتوب ويؤول أمره إلى الإسلام والإستغفار. ﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٤)﴾

стр. 717

٣٤ - ﴿وَما لَهُمْ أَلاّ يُعَذِّبَهُمُ اللهُ﴾ أي وما لهم من الحسنات ما يدفع العذاب عنهم؟ ما داموا مصرّين على الكفر، وقد استنفذوا فرص التوبة، وأحبط الكفر أعمالهم ﴿وَهُمْ يَصُدُّونَ﴾ المسلمين ﴿عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ﴾ مجرّد كونهم من ذرية إبراهيم لا يخوّلهم ولاية البيت الحرام كما يدّعون ﴿إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ﴾ من الشرك دون غيرهم ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أكثرهم لا يعلمون أن التقوى هي المعيار الوحيد، وليس السلالة والنسب والمفاخرة بالأجداد. ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ (٣٥) ٣٥ - وهذا سبب آخر استحقوا به العذاب: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاّ مُكاءً﴾ صفيرا ﴿وَتَصْدِيَةً﴾ تصفيقا يصدر عنه الصدى لغرض التشويش على المصلّين، أو تصفيقا لصدّ النبي ﷺ والمسلمين عن الصلاة، والمغزى أن صلاتهم خالية من كل معنى وروحانية، بل أنهم قصدوا منها الشغب على صلاة غيرهم ﴿فَذُوقُوا الْعَذابَ﴾ عذاب الهزيمة الماحقة التي لحقت بهم في بدر، وقوله ذوقوا لأنها قليل في جنب ما هو أدهى منها وأمرّ ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ بنتيجة كفرهم، وبصدّهم الناس عن المسجد الحرام. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ (٣٦) ٣٦ - لم يكتفوا بصدّ الناس عن المسجد الحرام، ولا بالمكاء والتصدية، بل أنفقوا أموالهم أيضا في سبيل ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ ليصدّوا الناس عن الإسلام، وعن اتباع خاتم الأنبياء والرسل، وفي زمن البعثة أنفق كفار قريش من الأموال على جيوشهم في بدر وفي أحد والخندق، أما اليوم فإن المبشّرين من جند الكنيسة ينفقون الملايين لتنصير ضعاف العقول في إفريقية والهند وغيرهما، وينشئون لهذا الغرض المدارس والمؤسسات

стр. 718

الثقافية و"الخيرية" في بلاد المسلمين ليصدّوا أبناء المسلمين عن دينهم بشكل مباشر وغير مباشر ﴿فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ لأنهم ينفقون المال، ولا يتحقق هدفهم من إضلال البشرية، فلا يتحقق لهم سوى الحسرة والخيبة في الدنيا، عدا عقاب الآخرة ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ الغلبة النهائية تكون للإسلام بانتشاره بالحجة والإقناع والقدوة الحسنة ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ فتكون الحسرة الكبرى لهم في الآخرة. ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ يكون من نتيجة أعمالهم أن يميز الله الخبيث من الطيب، فعندما يتم اتخاذ المواقف، ويصر الكفار على كفرهم، وينفقون الأموال للصد عن سبيل الله، يترتب على ذلك فرزهم عن باقي الناس من المؤمنين ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً﴾ فيصبح الكفار على مختلف طوائفهم وأنواعهم في معسكر واحد ضد المؤمنين ﴿فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ يكون مصير معسكر الكفر إلى جهنم ﴿أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ خسروا أنفسهم بالعناد والمكابرة والعتو والاستعلاء. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٣٨) ٣٨ - ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المصرّين على الكفر ﴿إِنْ يَنْتَهُوا﴾ عن إضلال الناس وعن محاربة الإسلام ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ﴾ مجال التوبة مفتوح أمامهم ﴿وَإِنْ يَعُودُوا﴾ إلى العدوان والصدّ عن سبيل الله وإنفاق الأموال في ذلك ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ بأن يظهر الحق ويزول الباطل، ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٣٩)﴾

стр. 719

٣٩ - ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وهو مبرّر الإذن بالقتال، أي لمنع الاضطهاد الديني إذا عادوا إلى العدوان كما ذكر في الآية السابقة، وحتى لا يفتنوا الناس عن دينهم ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ﴾ يكون الناس أحرارا في الدين لا يعذبون بسبب عقيدتهم، ومن ذلك قوله تعالى ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة ٢٥٦/ ٢]، وقوله تعالى ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود ١١٨/ ١١]، ﴿فَإِنِ اِنْتَهَوْا﴾ عن محاولة فتنة الناس عن دينهم، وتركوا للناس حرية العبادة ﴿فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وحسابهم على الله. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ (٤٠) ٤٠ - ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ ولم ينتهوا عن الاضطهاد الديني، وعن محاولة فتنة الناس عن دينهم ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ﴾ هو ناصركم ومتولّ أموركم، فقاتلوهم ولا تبالوا بهم ولا تخافوهم ﴿نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ لا يضيع من تولاّه، ولا يغلب من نصره. ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤١) ٤١ - هذه الآية تفصل وتفسر ما سبق ذكره بالإجمال في الآية (١)﴾، وهي في آن واحد استمرار الخطاب من الآيات السابقة: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فإذا غنمتم من شيء بنتيجة القتال، فاعلموا أن توزيعه كما يلي: ﴿وَاِعْلَمُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أنّ كل ما غنمتم من الكفار المحاربين ﴿فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ القاعدة أن خمس الغنائم توضع بتصرف الإمام أي القيادة، والباقي يوزع على المحاربين لكونهم من المتطوعين، وليس لهم رواتب أو مخصصات ثابتة، وقد عبّر عن الخمس أنه لله وللرسول أي يصرف للمصالح

стр. 720

العامة ولشؤون الدعوة إلى الإسلام والمساجد والتعليم الديني وللحكومة ولذوي الحاجات من ضعفاء الأمة، والحكمة من ذلك أن الدولة الإسلامية التي تدير سياسة الأمة لا بد لها من مال تستعين به على شؤونها ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ﴾ إيمانا يقتضي منكم التسليم والإذعان لأوامره، أي إيمان عمل وتنفيذ، وليس بالكلام فقط ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا﴾ النبي ﷺ من الآيات، ومن التأييد بالملائكة المثبتين لكم في القتال ﴿يَوْمَ الْفُرْقانِ﴾ ويوم وقعة بدر، وسمّي فرقانا لأنه بنصر المؤمنين قد فرق الحق من الباطل ﴿يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ﴾ جمع القلّة من المؤمنين، وجمع المشركين الأكبر عددا وعدّة ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ بأن ينصر من يشاء من عباده. ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٤٢) ٤٢ - استمرار الخطاب من الآية السابقة، والمعنى: إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان: ﴿إِذْ أَنْتُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا﴾ عندما كنتم مرابطين بجانب الوادي الأقرب إلى المدينة، والعدوة جانب الوادي، والدنيا مؤنث الأدنى، أي الأقرب ﴿وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى﴾ الكفار في الجانب الأبعد من وادي بدر إلى ناحية مكة، والقصوى مؤنث الأقصى، أي الأبعد ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ الركب هم قافلة أبي سفيان القادمة بالتجارة من الشام، وهم أسفل منكم، لأنهم كانوا على شاطيء البحر، والمسلمون في الجبل بوادي بدر، وكان أبو سفيان قد غيّر طريق عودته وسار بحذاء البحر، بعدما وصلته إشاعة استعداد المسلمين للإغارة على قافلته ﴿وَلَوْ تَواعَدْتُمْ﴾ أنتم وأهل مكة على القتال ﴿لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ﴾ لاختلفتم في توقيت مكان وزمان المعركة، فقد كانت هنالك أهداف متغايرة للطرفين، فمن جهة خرجت قريش بجيشها لإنقاذ القافلة وللقضاء على المسلمين قضاء نهائيا، وكان نزولهم في جانب الوادي الذي به الماء وفوق أرض صلبة لا بأس بها، ومن جهة ثانية كان قرار المسلمين

стр. 721

إخلاء سبيل القافلة أصلا، ومجابهة قريش قبل أن يلتقوا بهم في بدر، وقبل أن يتبين لهم الفارق الكبير بين قوة وأعداد الطرفين، وأيضا كان نزول المسلمين في جانب من الوادي لا ماء به، وأرضه رملية تغرز فيها أرجل المشاة ﴿وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ أي أنه تعالى جمع المسلمين مع عدوهم في مكان واحد، على غير ميعاد، ليحق الحق ويبطل الباطل، وليصير الأمر ظاهرا والبراهين واضحة للطرفين، ولا يبقى لأحد من الكفار ولا المؤمنين حجة ولا شبهة ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ الهلاك والحياة على المعنى المجازي، أي يستمر في الكفر من استمر فيه وهو على بصيرة من أمره أنه على الباطل، فهو هالك بالمعنى المجازي، لظهور الحجة أمامه ﴿وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ لأن الإيمان هو حياة النفوس، انظر آية [الأنعام ١٢٢/ ٦]، فيستمر المؤمن في إيمانه عن حجّة وبصيرة ﴿وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيعٌ﴾ لدعائكم واستغاثتكم ﴿عَلِيمٌ﴾ بحالكم وضعفكم وأنكم تستحقون النصر. ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلاً﴾ يبدو أنّ هذه الرؤية كانت وقت خروج النبي ﷺ مع أصحابه من المدينة، أو بعد خروجهم وهم في الطريق إلى بدر، ولم يكن لدى المسلمين أي معلومات محددة عن قوة المشركين، وقد رآهم النبي ﷺ في منامه قليلا، ويحتمل من مفاد الرؤيا أن بلاء العدو وبأسهم سيكون قليلا، وليس أنهم قليلون في العدد، فأخبر أصحابه بذلك ممّا شجعهم ورفع معنوياتهم ﴿وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً لَفَشِلْتُمْ﴾ لأحجمتم وجبنتم عن اللقاء ﴿وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ لوقع بينكم النزاع، فمنكم من يقول نطيع الله ورسوله ونمضي للقتال، ومنكم الضعيف الذي تثبط همته بمثل الأعذار التي جادلوا بها النبي ﷺ كما تقدم في الآية (٦)﴾، ﴿وَلكِنَّ اللهَ سَلَّمَ﴾ سلّمكم من الفشل والتنازع ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ عليم بما يصيبها من الجزع والقلق الذي

стр. 722

يثبطها عن الإقدام والقتال، أو ما فيها من شعور الإيمان والتوكل والطمأنينة ممّا يحملها على الشجاعة والإقدام، ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ اِلْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ (٤٤) ٤٤ - ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ اِلْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً﴾ حيث أنه وقت اللقاء لم يعد هنالك شك في عدد الكفار الحقيقي الذي رآه المسلمون، ولمّا كان المسلمون في أول اللقاء بغاية الخوف والضعف والقلق وأنهم استغاثوا ربّهم حتى غشّاهم النعاس أمنة منه، الآية (١١)، وذهلوا عن الخطر المحدق بهم، فيكون مغزى تقليل عدد الكفار في أعين المسلمين مجازا، أي إن المسلمين بعد ذلك لم يكترثوا لكثرة عدوهم، بعد أن استغاثوا ربهم واطمأنّوا لمدده، وفي الوقت نفسه كان ذلك تصديقا لرؤيا النبي ﷺ ، الآية السابقة، بأن كيد الكفار وبأسهم سيكون قليلا ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ من جهة ثانية فقد ازدرى الكفار قوة المسلمين الصغيرة لمّا شاهدوها، رغم أنهم رأوها مثليهم رأي العين [آل عمران ١٣/ ٣]، وخالط نفوسهم الكبرياء والخيلاء والاستعلاء والزهوّ والغرور ﴿لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولاً﴾ بنصر الإسلام ومحق الكفر ﴿وَإِلَى اللهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ فلا ينفذ شيء في العالم إلا بقضائه وتقدير أسبابه. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاُذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤٥) ٤٥ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً﴾ من أعدائكم الكفار، في القتال ﴿فَاثْبُتُوا﴾ ولا تحدثوا أنفسكم بالفرار، لأن الله تعالى يؤيّد المؤمنين بنصره ﴿وَاُذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً﴾ أثناء القتال ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الثبات في القتال، مع الإكثار من ذكر الله تعالى، هما السببان المعنويان للفلاح والفوز في الدنيا والآخرة. ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاِصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ (٤٦)﴾

стр. 723

٤٦ - ﴿وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ باتباع تعاليم الإسلام في كل الأزمنة ﴿وَلا تَنازَعُوا﴾ على الدنيا ﴿فَتَفْشَلُوا﴾ لأن التنازع والفرقة مدعاة للفشل ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ تذهب قوتكم وتزول دولتكم ﴿وَاِصْبِرُوا﴾ على ما تلاقون من المصاعب والشدّة، وما تلاقون من بأس عدوكم ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ بالمعونة والتأييد، والله غالب على أمره. ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٤٧) ٤٧ - ﴿وَلا تَكُونُوا﴾ أيها المؤمنون ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ وهم كفار قريش خرجوا بجيشهم من مكة بقيادة أبي جهل يريدون البطش بالمسلمين، أو التفاخر بقوتهم أمام العرب، بعد أن علموا بنجاة قافلة أبي سفيان ﴿بَطَراً﴾ البطر الطغيان في النعمة والغطرسة بها ﴿وَرِئاءَ النّاسِ﴾ كي يرى الناس قوتهم وبأسهم وكثرتهم فيثنوا عليهم، أي لأجل الثناء والإعجاب والتلبيس على الحقيقة ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ يصدّون عن الإسلام بحمل الناس على عداوة المسلمين من جهة، وبحرب المسلمين ومحاولة طمس دعوتهم من جهة ﴿وَاللهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ محيط بهم علما وسلطانا فيجازيهم على أعمالهم في الدنيا بمقتضى سننه في الخلق، وفي الآخرة. والقاعدة العامة التي تفيدها الآية نهي المسلمين، في كل الأوقات، عن الخروج للحرب بطرا ومفاخرة، أو بهدف تحقيق أمجاد فارغة. ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٤٨) ٤٨ - ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ بوساوسه للمشركين ﴿وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾ جرّأهم بوساوسه على المسلمين وعلى حلفائهم، حتى خرج أبو جهل بجيشه متبجحا يريد أن يري العرب قوة وجبروت قريش

стр. 724

﴿وَإِنِّي جارٌ لَكُمْ﴾ وهو مجاز، لأن الجار عند العرب يدفع عن جاره أنواع الضرر، والعرب تقول أنا لك جار، أي أمنع الغير من الوصول إليك بضرر ﴿فَلَمّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ﴾ رأوا بعضهم بعضا والتقوا ﴿نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ تراجع، والنكوص على العقبين مجاز، والمعنى أن وساوسه في حثّ المشركين وتحريضهم لم تعد ذات أثر وقت اللقاء، لأن الله تعالى ألقى في قلوب الذين كفروا الرعب، الآية (١٢)، ﴿وَقالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللهَ وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ هذا التعبير الرمزي لوساوس الشيطان، وخذلانه أتباعه، كما هي عادته، مذكور بعمومه في آية [الحشر ١٦/ ٥٩]. ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤٩) ٤٩ - ﴿إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وهذا القول أيضا بنتيجة وساوس الشيطان للمنافقين والذين في قلوبهم مرض، فمن جهة زيّن الشيطان لكفار مكة أعمالهم، وحثّهم على الخروج للقاء المسلمين وألقى في روعهم أن النصر سيكون لهم، ومن جهة ثانية ثبّط المنافقين وضعاف النفوس في المدينة من مسلمي الأوس والخزرج حتى تخلفوا عن الانضمام لجيش النبي ﷺ بغير عذر وقالوا: ﴿غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ﴾ استخفّوا بالمسلمين وسخروا منهم لخروجهم قليلي العدد والعدّة في مجابهة جبروت قريش وقوتها الكبيرة، واعتبر المنافقون ذلك من قبيل خفة العقل والاغترار بالدين، ولا شك أن هذا القول كان في المدينة قبل الخروج للقتال، ولم يكن عند التلاقي لأن المنافقين لم يشهدوا قتال بدر، وهذه الآية من جملة الأدلة أن المسلمين كانوا قد حسموا أمرهم على لقاء جيش المشركين قبل خروجهم من المدينة، وأنهم لم يخرجوا للهجوم على قافلة أبي سفيان - راجع الخلفية التاريخية - ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَإِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ لا يغلبه شيء ﴿حَكِيمٌ﴾ في نصر عباده المستحقين الذين اتخذوا للأمور أسبابها ثم توكلوا عليه، وذلك ما لا يعرفه المنافقون ومرضى القلوب.

стр. 725

﴿وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ (٥٠) ٥٠ - بعد أن ذكرت الآيات الثلاث السابقة حال الكفار الذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس، وأن الشيطان زين لهم أعمالهم، وذكرت قول المنافقين ومرضى القلوب الذين سخروا من خروج المسلمين للقتال، تبين هذه الآية كيف تكون حال هؤلاء وأمثالهم من المتكالبين على الدنيا عند الوفاة، وما يعرض لهم من العذاب في أول دخولهم بعالم الغيب: ﴿وَلَوْ تَرى﴾ أيها الرسول، أو أيها القارئ، أو السامع ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ﴾ أي لرأيت أمرا فظيعا، وهو من عالم الغيب الحاصل بأيدي الملائكة الذين يتوفّون الكفار، ولا يقتضي أن يراه الناس الذين يحضرون الوفاة، وقد ذكر الرازي أن روح الكافر إذا خرجت من جسده فهو لكفره لا يشاهد في عالم الآخرة إلاّ الظلمات، ولشدة حبه للدنيا وتمسكه بها لا ينال من مفارقته لها سوى الآلام والحسرات، فهاتان الجهتان هما المراد من قوله: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ﴾ لأن الكفار يفزعون لما هم مقبلون عليه من عذاب الآخرة، وهم أيضا في أشد الحزن والحسرة على دنياهم التي يفارقونها ﴿وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ﴾ وهو قول الملائكة لهم في الآخرة، ولا يلزم أن تقتصر الإشارة في هذه الآية على قتلى بدر من كفار قريش، إذ لا يمنع انطباقها على وفاة الكفار في كل وقت، خاصة أن الآيات التالية حتى الآية (٥٥) تشير إليهم. ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٥١) ٥١ - ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أي ذلك العذاب الذي ذقتم، وتذوقون، وكراهتكم لقاء الآخرة، وشدة تعلقكم بالدنيا، سببه ما قدمت أيديكم من المعاصي، أي ما كسبته أيديكم في الدنيا فقدمتموه إلى آخرتكم ﴿وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ فلا يظلم أحدا من خلقه، لقوله ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾

стр. 726

﴿خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧/ ٩٩ - ٨]، ولأن عاقبة المرء في الآخرة ليست سوى نتيجة طبيعية لما كان عليه في دنياه، ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٥٢) ٥٢ - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الدأب هو العادة والمواظبة على الشيء، والمعنى أن دأب هؤلاء الكفار من مشركي قريش وغيرهم، مثل دأب آل فرعون ومثل دأب الأقوام الكافرة من قبلهم ﴿كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ كان دأبهم جميعا هو الكفر بآيات الله لمّا جاءتهم ﴿فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ وتلك سنّته تعالى في خلقه، أن يأخذ الكفار بسبب ذنوبهم، وينصر رسله وعباده المؤمنين ﴿إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ فلا يفوته ظالم، ولكل شيء أجل، وفي الحديث: «إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته». ﴿ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٥٣) ٥٣ - ﴿ذلِكَ﴾ إشارة إلى سنته تعالى التي لا تبديل لها، أن يأخذ الكفار بذنوبهم ﴿بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ﴾ وهي نعمه تعالى عليهم ببعث الرسل، وبالهداية، وبالعقل، والنعم المادية، وتمكينهم في الأرض، فإن كفروا تلك النعم بأن لم يستفيدوا منها، ولم يستخدموها بالطريق الصحيح، كان ذلك سببا لانحطاطهم أو هلاكهم ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ من اتباع العقائد الفاسدة، وما يترتب على فساد العقيدة من تدهور الأخلاق وضلال العمل، وهذه السنّة مطّردة في الأمم فهي قانون اجتماعي، وهي أيضا في الأفراد، سوى أنها قد لا تكون مطردة فيهم لقصر أعمارهم عن بلوغ أثر التغيير غايته ﴿وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ﴾ لما يقوله المكذّبون ﴿عَلِيمٌ﴾ بما يفعلون وما يستحقون. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ (٥٤)﴾

стр. 727

٥٤ - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي إن دأب تلك الأقوام الذين لم يغيّروا ما بأنفسهم، مثل دأب آل فرعون، ومثل دأب الأقوام الذين كانوا قبلهم ممّن كذّبوا بالآيات بعدما جاءتهم، فكان الهلاك مصيرهم ﴿كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ كفروا نعمه تعالى فحلّ بهم الهلاك، كما هي سنة الله المطردة في الخليقة ﴿وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ كما أهلكنا قبلهم من الأمم بذنوبهم ﴿وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ﴾ كلّ منهم كانوا ظالمين: كفار مكة، وآل فرعون، والأقوام من قبلهم، جميعهم ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، وظلموا غيرهم بالأذى والتجبر، وقد وصفتهم الآية التالية أنهم من شر الدواب: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٥٥) ٥٥ - ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ استخدام الفعل الماضي يفيد أنهم مصرّون على الكفر، والتعبير عنهم بالدواب كونهم لا يستفيدون من ملكاتهم العقلية في التوصل إلى الحقيقة، وليس عندهم الاستعداد للإقرار بها رغم الدلائل والبراهين، وذلك سبب عدم إيمانهم، وهم شرّ من الدواب لأن الدواب لا تملك العقل مثلهم ﴿فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ بسبب اتخاذهم مواقف مسبقة وجمودهم على التقليد، ومن ثمّ عدم تقويمهم الرسالة الإسلامية من حيث جدارتها وصحتها، وقد وصفتهم الآية (٢٢) بأنهم لا يعقلون، أي لا يستخدمون عقولهم، ثم بيّن تعالى في الآية الآتية أنهم اليهود خاصة: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ (٥٦) ٥٦ - استمرار الخطاب من الآية السابقة، إن شر الدواب عند الله الذين كفروا، ومنهم على سبيل المثال الذين عاهدت من اليهود: ﴿الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ﴾ أيها النبي، وهم يهود الحجاز من بني قينقاع، وبني النضير، وبني قريظة، ويهود خيبر، عقد معهم النبي ﷺ بعد هجرته إلى المدينة عهودا أقرهم فيها على دينهم، وأمّنهم على أنفسهم وأموالهم ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ بدأ بنو قينقاع بنقض العهد بعد عودة الرسول ﷺ من

стр. 728

بدر، وهددوه وأظهروا له العداوة والبغي والحسد، وبعثوا إلى حليفهم من الخزرج عبد الله بن أبيّ كبير المنافقين يطلبون منه النصرة والخروج على النبي ﷺ ، فبادرهم النبي ﷺ بالحصار وأجلاهم عن حصونهم إلى بلاد الشام، ثم نقض العهد من بعدهم بنو النضير، بعد وقعة أحد، وحاولوا قتل النبي ﷺ ، فأمرهم بالجلاء عن المدينة وأن لا يساكنوه فيها، فلمّا أبوا وأعلنوا العصيان وطمعوا بنجدة كبير المنافقين عبد الله بن أبيّ حاصرهم المسلمون وأجلوهم عن حصونهم وارتحل قسم منهم إلى خيبر وسكن الباقون في أريحا بفلسطين، انظر سورة [الحشر ٢/ ٥٩ - ١٧]، وأما بنو قريظة، فكانوا أشد اليهود عداوة للنبي ﷺ وقد نقضوا العهد وغدروا بالمسلمين إذ حالفوا قريش والأحزاب، أثناء وقعة الخندق، انظر سورة [الأحزاب ٩/ ٣٣ - ٢٧]، وفي رواية ابن إسحاق أن النبي ﷺ حاصرهم بعد ذهاب الأحزاب حتى استسلموا وقبلوا أن يحكم فيهم حليفهم السابق سيد الأوس سعد بن معاذ، فحكم أن تقتل الرجال منهم وتسبى الذرية وتقسم الأموال، فقتل منهم ٦٠٠ - ٧٠٠ رجل، غير أن رواية ابن إسحاق هذه لا يمكن الوثوق بإسنادها، رغم أن الواقدي وابن سعد نقلاها عنه فيما بعد، إذ لاحظ العالم بركات أحمد في كتابه "محمد واليهود" أن أبا بكر بن شهاب الزهري، الذي سبق ابن إسحاق في كتابة السيرة، لم يذكر هذه الحادثة، كما لاحظ أيضا أن اليهود أنفسهم لم يذكروها في تاريخهم، ومن غير الطبيعي وغير المعتاد عند اليهود، ألاّ يكتبوا عن أحزانهم، ناهيك عن تضخيمها في حال حدوثها، ومن الجدير بالذكر أن مجموع قتلى المسلمين وغير المسلمين في جميع حروب النبي ﷺ لم يكد يبلغ الخمس مئة. وأما يهود خيبر فكان من أمرهم السعي لتأليف الأحزاب، وكانوا سبب وقعة الخندق، فغزاهم النبي ﷺ بعد صلح الحديبية، وظفر بهم بعد حصار شديد لحصونهم، وبذلك زالت قوة اليهود من بلاد الحجاز كلها،

стр. 729

﴿وَهُمْ لا يَتَّقُونَ﴾ أي لا يتّقون عواقب غدرهم ونقضهم العهود، ولا يتقون عواقب إصرارهم على الكفر. ويلاحظ أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ﴾ دليل على أن الخيانة ونقض العهود سمة متأصلة عند اليهود عامة، وغير مقتصرة على يهود المدينة والحجاز وقت البعثة الإسلامية، ولا تزال فيهم إلى يومنا هذا، راجع شرح آية [البقرة ٤٤/ ٢]، ولذلك وبعد إصرار الكفار من أهل الكتاب على الكفر، بل على محاربة الإسلام، أمر النبي ﷺ بإجلاء اليهود والنصارى عن جزيرة العرب، إذ يخشى من إحياء عباداتهم ومعابدهم وطقوسهم وشركهم إذا هم أقاموا فيها، روى أحمد من حديث أبي عبيدة عامر بن الجراح قال آخر ما تكلم به النبي ﷺ : «أخرجوا يهود الحجاز ونجران من جزيرة العرب»، وروى أحمد ومسلم والترمذي عن عمر أنه سمع النبي ﷺ يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع فيها إلا مسلما»، وروى أحمد والشيخان من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ أوصى عند موته بقوله: «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب»، وأخرج مالك في الموطّأ عن ابن شهاب، وأخرج أحمد في مسنده عن عائشة، أنه ﷺ قال: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب»، وروى أحمد من حديث عائشة قالت: آخر ما عهد به رسول الله ﷺ أن قال: «لا يبرك بجزيرة العرب دينان». ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (٥٧) ٥٧ - ﴿فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾ إذا أخذتهم في الحرب وظفرت بهم، بعد خيانتهم ونقضهم العهود كما سبق ذكره، وهو السبب المبرر لحربهم، لأنّ حروبه ﷺ كانت كلها دفاعية ﴿فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ اجعلهم عبرة لغيرهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ لعلّ من خلفهم يذّكرون العبرة من عاقبة نقض العهود، وفي ذلك إشارة أنّ اللجوء إلى الحرب يكون لضرورة اجتماعية بهدف دفع المضار ولمنع البغي والعدوان، وأنها ليست مرغوبة لذاتها أو لأمجاد الدنيا.

стр. 730

﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ (٥٨) ٥٨ - ﴿وَإِمّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ﴾ بينك وبينهم عهد ﴿خِيانَةً﴾ إذا خفت منهم نقض العهد بأن ظهرت منهم مؤشرات واضحة على الخيانة ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ﴾ أظهر لهم، لقاء خيانتهم، نبذ العهد بشكل واضح ومكشوف، ولا تبدأهم بالحرب وهم يتوهمون بقاء العهد، كي لا يكون من جانبك شائبة خيانة ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ في العهود، ولو في حق الكفار. ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ (٥٩) ٥٩ - ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ممّن ينقضون العهود، لا يحسبنّ أنّهم ﴿سَبَقُوا﴾ أي لا يحسبون أنهم سبقونا ونجوا من عقابنا، بنتيجة نقضهم العهود وكفرهم وشركهم وحشدهم القوى ضد المسلمين ﴿إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ﴾ لا يعجزون الله تعالى أي لا يفوتونه، فسوف يجزيهم وسوف يلقون عاقبة كيدهم وغدرهم. ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ (٦٠) ٦٠ - ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ بعد أن بيّنت الآيات السابقة مشروعية عقد المعاهدات مع غير المسلمين، وأمرت بنبذ العهد إليهم على سواء في حال خيانتهم، وأنهم لا يعجزون الله، أمرت هذه الآية المسلمين بالاستعداد وحشد القوى في كل وقت لردع العدو الذي لا يرعى العهود ما دام المسلمون ضعفاء ﴿وَمِنْ رِباطِ الْخَيْلِ﴾ كناية عن المرابطة أي البقاء في حالة استعداد، أي أعدّوا لهم من القوى ما يلزم للمرابطة ﴿تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ وهو الهدف من حشد القوى والمرابطة، أي لردع العدوان، لأنّ المعاهدة مع الآخرين يجب أن يكون من موقف قوة، وليس من موقف ضعف، حتى يرتدع العدو ويستتب السلام ﴿وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ من الأعداء

стр. 731

غير المكشوفين ﴿وَما تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ﴾ من المال والموارد والجهد ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ للإعداد للقوة وردع العدوان ﴿يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ ثوابه من الله تعالى ﴿وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ فلا يلحق بكم ظلم، ولا اضطهاد من العدو، ولا إخراج من الديار. ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦١) ٦١ - ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها﴾ إن مالوا عن الحرب إلى السلم والصلح، بعد أن وقعت الرهبة في قلوبهم من قوة المسلمين ومرابطتهم واستعدادهم، فاجنح لها أيها الرسول ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ فوّض أمرك إلى الله، ولا تخف من مكرهم وخداعهم، والمعنى أن المسلمين أولى بقبول السلم من غيرهم، لمنع سفك الدماء، ولإعطاء السلم فرصة كي تنمو ثماره، ولينتشر الإسلام بالقناعة والقدوة، وقد كان ذلك دأب المسلمين في جميع فتوحاتهم يقبلون من خصومهم أول بادرة للسلم والصلح، ويبرمون معهم المعاهدات بأكرم الشروط وأشدها تسامحا وقد كانت لهم اليد العليا، ولم يعرف التاريخ فاتحا أرحم من العرب ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لما يقولون ﴿الْعَلِيمُ﴾ عليم بنيّاتهم، فيجازيهم بما يستحقونه ويرد كيدهم. ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٢) ٦٢ - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ﴾ بجنوحهم للسلم ﴿فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ يكفيك شرّ خداعهم، والمعنى أنهم إن صالحوا على سبيل المخادعة وجب قبول الصلح، لأن الحكم فيه يبنى على الظاهر، والصلح لا يكون أقوى حالا من الإيمان، فإذا كان قبول الإيمان يبنى على الظاهر لا على الباطن، فهاهنا أولى الرازي، ولأنه في النتيجة يكون مكرهم السيئ وبالا عليهم، لقوله تعالى ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاّ بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر ٤٣/ ٣٥]، والخلاصة أن عرض السلام لا يرفض بلا دليل ولمجرد شبهة أو شك، خاصة بعد أن يعدّ المسلمون من القوة ومن الرباط ما يستطيعون به ردع العدو (الآية ٦٠) فيأمنون غدره ﴿هُوَ الَّذِي﴾

стр. 732

﴿أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ ليس فقط في بدر، بل كان ﷺ مؤيدا في سائر أموره حتى ظهر أمر الإسلام ﴿وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ أي بتسخير المؤمنين لنصرته، ثم بيّن تعالى في الآية التالية كيف أيّد نبيّه بالمؤمنين: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٦٣) ٦٣ - ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ بين قلوب المؤمنين بعد أن كانوا كفارا يقتل بعضهم بعضا ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ وتلك من الآيات الباهرات، لأن قلوب العرب قبل البعثة جبلت على الحمية والعصبية والانطواء على الضغينة والانتقام، ثم إنّ قلوبهم ائتلفت على اتباع النبي ﷺ ، ونشأت بينهم المحبة والمودة، وزالت عنهم العصبية، وحلّ محلها الحب في الله، والبغض في الله ﴿إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ عزيز في كفاية رسوله والمؤمنين شر خداع الأعداء، حكيم في تأييده المؤمنين بالنصر. ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٦٤) ٦٤ - بعد أن وعد تعالى نبيّه بالنصر عند مخادعة الأعداء، وعده بالنصر والظفر مطلقا في كل الأحوال: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ﴾ وحده يكفيك ﴿وَمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ حسبهم الله أيضا هو كافيهم، وهو غير ما سبق في الآية (٦٢)﴾ بقوله ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللهُ﴾ فذلك معناه: إن أرادوا خداعك كفاك الله أمرهم، أما معنى هذه الآية فهو: الله كافيك وكافي أتباعك من المؤمنين في كل الأحوال، فالمعنى في هذه الآية عام، وهو كفاية عامة في كل ما يحتاج إليه النبي ﷺ ويحتاج إليه أتباعه في الدين والدنيا، ويمتنع أن يكون معنى الآية: الله والمؤمنون يكفونك، لأن من كان الله كافيه وناصره فلا يزيد حاله أو ينقص بسبب نصرة غير الله، ثم بيّن أنه تعالى وإن كان يكفي نبيّه والمؤمنين بالنصر فلا يجب أن يتّكل النبي على ذلك إلاّ بشرط

стр. 733

تحريض المؤمنين على القتال، وبشرط أن يحصل منهم بذل النفس والمال في المجاهدة: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٦٥) ٦٥ - ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتالِ﴾ التحريض في اللغة أن يحثّ الإنسان على شيء حتى يعلم أنه مقارب للهلاك إن لم يفعله، والمعنى: حثّهم أيها النبي على القتال ورغّبهم فيه لدفع العدوان عنهم، حتى لا يكونوا حرضا، أو يكونوا من الهالكين بعدوان الكفار عليهم، إذا رأوهم ضعفاء مستسلمين، والنتيجة أنهم لو تخلفوا عن القتال بعد حثّ النبي ﷺ لهم كانوا حارضين، أي هالكين ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المراد أن يصمد المسلمون للعدو ولو كانوا عشرة أضعافهم، وأن الغلبة تكون للمؤمنين بشرط الصبر والاجتهاد في القتال، وبشرط الفقه كما سيرد: ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ الغلبة تكون للمؤمنين الصابرين على الكفار، ولو كانوا عشرة أضعاف المؤمنين، لأن الكفار لا يفقهون الحقيقة، من حيث إن الحياة الدنيا عندهم هي منتهى الأمل وغاية السعي، فهم لا يؤمنون بالبعث والآخرة، أمّا إن كانوا يهودا أو مسيحية فهم مغرورون بنسبهم وبشفاعة أنبيائهم ولو لم يسعوا للآخرة سعيها، أما المؤمنون فيفقهون حقيقة الدنيا والآخرة، وأن الدنيا زائلة ويقدّمون للآخرة، كما يفقهون سنن الله تعالى في الخلق فيعدّون لأمور الحرب عدتّها ويتخذون الأسباب الدنيوية سلفا بإعداد القوة والمرابطة (الآية ٦٠)، وهذه القاعدة القرآنية، بأن يغلب المؤمنون عشرة أمثالهم، بالإضافة إلى تحريم الفرار من الزحف، الآيات (١٥ - ١٦) مهّدت السبيل فيما بعد للفتوحات الإسلامية التي امتدت خلال أقل من قرن من أقصى العالم القديم إلى أقصاه، على قلة أعداد المسلمين الذين انطلقوا من الجزيرة العربية بالمقارنة مع أعداد

стр. 734

جيوش فارس والروم وعدّتهم، وبالمقارنة مع عدد سكان البلاد المفتوحة وجيوشها. وقد حقق المسلمون الغلبة على عدوهم عندما حاربوا الفرس والروم في فتوحات العراق وخراسان والشام ومصر وشمال إفريقية والأندلس وكانوا قلة، وكان يتفوق عليهم العدو أحيانا بأكثر من عشرة أضعاف، ففي وقعة مؤتة كانوا ثلاثة آلاف مقابل مئة وخمسين ألفا، وفي وقعة اليرموك كان جيش الروم مئتي ألف مقابل أربعة وعشرين ألفا من المؤمنين. ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ (٦٦) ٦٦ - ﴿الْآنَ﴾ أي في الظروف الراهنة لوقعة بدر، التي نزلت فيها هذه السورة، وهي ظروف مرحلية ﴿خَفَّفَ اللهُ عَنْكُمْ﴾ فرخّص لكم ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ بسبب قلة السلاح وقلة العتاد التي كان يعاني منها المسلمون وقتئذ ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ﴾ رخّص لهم تعالى أن يصمدوا أمام ضعفيهم عددا، بدلا من عشرة أضعاف، واشترط فيهم الصبر، وهذه الرخصة مؤقتة وخاصة بالمرحلة التي كان فيها مجتمع المسلمين في أوائل قوته، وقد صمد المسلمون في بدر وكانت لهم الغلبة أمام قوة تفوقهم ثلاثة أضعاف ﴿وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ تأكيد على شرط الصبر لكي يكون تأييد الله وتوفيقه معهم، والواضح أن زعم البعض نسخ هذه الآية لما قبلها ليس له ما يبرره. ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٦٧) ٦٧ - بعد أن أمر تعالى نبيّه أن يحرّض المؤمنين على القتال وألاّ ينهزموا أمام المشركين، ولو كانوا عشرة أمثالهم في الحالة العامة، أو مثليهم في حالة ضعف المؤمنين، على سبيل الرخصة، تعود هذه الآية إلى تذكير المؤمنين بمغزى بداية

стр. 735

السورة ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ﴾ بأن الهدف من القتال هو إعلاء شأن الدين وليس جمع الغنائم ولا جمع فداء الأسرى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى﴾ والكلام، في الحالة الخاصة، عن أسرى المشركين الذين أخذهم المسلمون في بدر، والواضح أنّ الخطاب موجّه للمؤمنين لأنهم هم الذين سعوا لأخذ الأسرى، بدلا من مطاردة فلول العدو، وليس النبي ﷺ ﴿حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ يجوز أخذ الأسرى بعد الإثخان في الأرض، ويقال أثخنته الجراح أوهنته، والمراد بالإثخان إضعاف العدو حتى تصبح السيطرة والقوة والسيادة للمسلمين، وأصل معنى الثخانة الغلظة، ثم استعير للمبالغة في الإجهاز والإضعاف ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ العرض ما لا ثبات له، وفي الحديث: «الدنيا عرض حاضر»، وسمّيت منافع الدنيا ومتاعها عرضا لكونها زائلة فكأنها تعرض ثم تزول، والخطاب في الآية لمقاتلي بدر بدليل قوله ﴿تُرِيدُونَ﴾، ولو قصد به النبي ﷺ لقال: تريد، ولأن إرادة عرض الدنيا صدرت منهم لا منه ﷺ ، ولأن النبي ﷺ لم يرد عرض الحياة الدنيا، ومغزى الآية توبيخ المسلمين، لأنهم بعد أن تحقق النصر لهم انشغلوا بطلب الغنائم وأخذ الأسرى بدلا من مطاردة فلول المشركين والإجهاز عليهم ﴿وَاللهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ أي يريد لكم حسن ثواب الآخرة ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فاقتضت حكمته تعالى أنكم إن طلبتم الآخرة لم يغلبكم عدوّكم، وإن شغلتكم الدنيا ضعفت شوكتكم. ذكر المودودي أن بعض المفسرين، في محاولتهم لشرح هذه الآية، يعودون للحوار الذي جرى بين النبي ﷺ وبين كل من أبي بكر وعمر، ﵄، لبحث مصير أسرى بدر من المشركين وعددهم سبعون، إذ كان رأي أبي بكر إطلاق سراح الأسرى مقابل فدية تؤخذ من كل منهم، يستعين بها المسلمون على حوائجهم، وكان رأي عمر أن تضرب أعناق الأسرى لما سبق لهم من الكيد للإسلام ومشاقة النبي ﷺ ، وقد أخذ النبي ﷺ برأي أبي بكر، وأن الوحي بعد ذلك نزل مغايرا لهذا الرأي،

стр. 736

غير أنه يمكن نقض أقوال المفسرين من حيث أنها لم تقدم أي شرح مقنع للآية (٦٨): ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لأنهم أجمعوا أن المراد بقوله ﴿أَخَذْتُمْ﴾ هو الفداء، كما فهموا أن المسلمين، والنبي ﷺ في مقدمتهم، قد ارتكبوا إثما يترتب عليه عذاب عظيم؟! ممّا لا يكاد يسيغه العقل، أضف إلى ذلك أن الخبر المشار له مبني على روايات آحاد. فلو أخذنا بالاعتبار سبق نزول الوحي في سورة محمد بما يجب عمله في مثل هذه الحالة: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ [محمد ٤/ ٤٧]، يتضح أن الوحي كان قد أحلّ أخذ الأسرى وأخذ الفدية بعد الإثخان في العدو، وبالتالي فإن المسلمين لم يرتكبوا خطأ في بدر لجهة أخذ الأسرى، أو أخذ الفدية، وإنما كان الخطأ في الاهتمام بأخذ الأسرى قبل أن يتم الإثخان في العدو، إذ عندما تقهقر جيش المشركين ثم لاذ بالفرار، انشغل المسلمون بجمع الغنائم وأخذ الأسرى بدلا من متابعة العدو والإجهاز عليه، ولو أنهم لاحقوا العدو وأجهزوا على فلوله لكان محتملا أن يكون في ذلك ضربة قاصمة لقريش، واحتمال ألاّ يعود المشركون للانتقام منهم في أحد بعد عام، ولذلك نزل الوحي بلوم المسلمين على ما ظهر منهم، ومن الواضح أن اللوم موجّه إليهم فقط دون النبي ﷺ ، ومغزى الآية هو التأكيد أن الهدف من حروب النبي ﷺ والمسلمين، ليس جمع الغنائم ولا جمع فداء الأسرى، وإنما القضاء على قوى الكفر، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي انصب اهتمام المسلمين فيها على الغنيمة، فقد سبق أن جادلوا النبي ﷺ قبل الخروج لبدر يريدون سلب قافلة أبي سفيان، ولولا كتاب من الله سبق بحلّ أخذ الأسرى وأخذ الفدية، آية [محمد ٤/ ٤٧]، لمسّهم فيما أخذوا عذاب عظيم انتهى كلام المودودي. غير أنّ محمد أسد فهم من الآية معنى عاما لا يقتصر على بدر ونتائجها، فقوله تعالى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى﴾ معناه أنه يمتنع على النبي ﷺ ،

стр. 737

ومن ثمّ على كلّ المسلمين، اتخاذ أسرى، أو رقيق، إلاّ بنتيجة الجهاد، وهو معنى قوله ﴿حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي أن الجهاد هو الطريقة الوحيدة التي يمكن أن ينتج عنها امتلاك الأسرى، وبعبارة أخرى فإن اتخاذ الرقيق بوسائل سلمية، عن طريق البيع والشراء والاتّجار، أو الاستيلاء عليهم بنتيجة حروب جائرة، أو حروب اقتصادية، أو حروب دنيوية، غير دفاعية محرّم إطلاقا، فهذه الآية ترقى عنده إلى تحريم نظام الرق، ما لم يكن اتخاذ الرقيق، الأسرى، ناتجا عن حرب عادلة - جهاد -، وحتى في هذه الحالة فإنه يتوجب إطلاق سراح الأسرى، بفدية أو من دون فدية، بعد أن تضع الحرب أوزارها، آية [محمد ٤/ ٤٧]. ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٦٨) ٦٨ - ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ لولا أن الله تعالى كتب لكم النصر في بدر، منذ الأزل، لقوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الآية ٨)، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لحاقت بكم الهزيمة وعذابها، أي ﴿فِيما أَخَذْتُمْ﴾ من الغنائم والأسرى واهتمامكم بهم بدلا من مطاردة فلول المشركين والإجهاز عليهم، ثم إن هذا العذاب تحقق بهم بالفعل في وقعة أحد للسبب ذاته، إذ بعد أن لاحت لهم بوادر النصر، ترك الرماة مراكزهم، وانشغل معظم المسلمين بالغنائم حتى فاتهم النصر، انظر آية [آل عمران ١٥٢/ ٣]. ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦٩) ٦٩ - ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ بعد أن انتصر المسلمون في بدر بتحقق علم الله تعالى الأزلي فيما هو كائن، مع ما ارتكبوه من الانشغال بجمع الغنائم وأخذ الأسرى، وترك فلول العدو، بيّن لهم تعالى حلّ ما جمعوه من الغنائم وما أخذوه من فداء الأسرى ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ انتهوا عن معصيته بعد ذلك، إشارة إلى المستقبل ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لما سبق منكم من الذنب، إشارة إلى الحالة الماضية.

стр. 738

﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٧٠) ٧٠ - ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى﴾ أي أسرى بدر، ولا يمنع انطباق ذلك على جميع الأسارى الذين يأخذهم المسلمون في حروبهم مع المشركين عامة، لما قالوا من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ إن يجد الله في قلوبكم ميلا إلى التصديق بحقيقة الرسالة ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ فيوفقكم إلى الهداية والإيمان، ويكون ذلك خيرا ممّا أخذ منكم من الفداء، ومن كل ما خسرتموه في حروبكم ضدّ المسلمين ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما سبق من ذنوبكم ويصلح آخرتكم ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ لمن تاب من كفره ومن ذنوبه ﴿رَحِيمٌ﴾ بالمؤمنين. ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٧١) ٧١ - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ بإظهار دخول الإسلام وإبطان الكفر، أو بنقض ما عاهدوك عليه من إعطاء الفدية، أو نقض عهدهم ألاّ يعودوا لمحاربتك ولا إلى دعم المشركين ﴿فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ﴾ باتخاذ الأنداد والشركاء له، وبما أقدموا عليه من مشاقّة النبي ﷺ وإنكار بعثته، ثم محاربة النبي ﷺ يوم بدر ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ الله تعالى أمكن النبيّ ﷺ منهم، كما حدث في بدر ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ عليم بنياتهم وبواطنهم، وما سيكون من أمرهم ﴿حَكِيمٌ﴾ في نصر المؤمنين ضد عدوهم، وفي جزاء الكفار على أعمالهم، والمغزى أنه على النبي ﷺ ، وعلى المسلمين بالتالي، أن يقبلوا الظاهر من خصومهم إذا ادعوا الإسلام، أو ادعوا الكف عن مناهضة الإسلام، ولا يبنوا أحكامهم على الشك، حتى لو ظهرت الخيانة منهم بعد ذلك فإنّ الله تعالى يمكن المؤمنين منهم.

стр. 739

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اِسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٧٢) ٧٢ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ﴿وَهاجَرُوا﴾ فارقوا الأوطان هربا من الاضطهاد الديني، وحتى يستطيعوا ممارسة شعائر دينهم بحرية في موطن جديد ﴿وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ضاعت مساكنهم وأملاكهم التي خلّفوها وراءهم، فبقيت في أيدي أعدائهم، ومن جهة ثانية ينفقون أموالهم على الدعوة والجهاد، ويشتركون في الجهاد بأنفسهم، والإشارة الخاصة في هذه الآية للمسلمين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة قبل الفتح، ولا يمنع ذلك من انطباق التعريف على كل من يهاجر في كل زمن من بلاد الاضطهاد إلى بلاد الحرية الدينية ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ الإشارة الخاصة للأنصار في المدينة المنورة الذين آووا ونصروا النبي ﷺ والمهاجرين معه، والإشارة العامة في كل الأزمنة لكل من يؤوي المهاجرين إلى الله من الاضطهاد الديني ﴿أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي يتولّى بعضهم من أمور بعض ما يتولونه من أمور أنفسهم عند الحاجة، من تعاون وتناصر وتكافل ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ وفي ذلك حثّ لهم على الهجرة إلى بلاد الحرية الدينية، لكي يتخلصوا من الاضطهاد الديني من جهة، ولكي تتحقق الموالاة من تعاضد وتآزر وتعاون بينهم وبين إخوانهم المسلمين في دار الهجرة ﴿وَإِنِ اِسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ إذا قاتلهم الكفار واشتد الاضطهاد الديني عليهم، فعندئذ يتعين على المسلمين في دار الإسلام نصرتهم، وهو الاستثناء الوحيد من قوله ﴿ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، ﴿إِلاّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ فهؤلاء يجب الوفاء بعهدهم، حتى لو اضطهدوا المسلمين الواقعين تحت سلطتهم، لأن الإسلام يحرّم نقض العهود والخيانة والغدر، وفي هذه الحالة يمكن

стр. 740

اللجوء إلى المفاوضات للتوصل إلى حلول مقبولة ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيحاسبكم بأعمالكم. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ (٧٣) ٧٣ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ لأن الكفر قاسم مشترك بينهم، ويترتب على ذلك أنهم يتآزرون مع بعضهم البعض ضد الإسلام، ولا يودّون الخير للمسلمين، قال تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ [آل عمران ١٢٠/ ٣]، وهذا بالطبع موقف المجتمعات الكافرة تجاه المسلمين، وليس بالضرورة موقف كل فرد منهم ﴿إِلاّ تَفْعَلُوهُ﴾ من التعاضد والإيواء والنصرة بين المسلمين بعضهم بعضا كما ورد في الآية السابقة، وتجنّب موالاة المسلمين للكفار ضد إخوانهم المسلمين ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾ أي في هذه الحالة قد يفتن المسلمون عن دينهم لوقوعهم تحت الاضطهاد الشديد، دون أن يكون من ينصرهم من إخوانهم، كما حدث في البوسنة والهرسك وكوسوفو، وقد تضطر مجتمعات كاملة منهم للتحول عن الإسلام كما حدث في الأندلس بعد زوال دولة الإسلام عنها، وكما يحدث الآن في العديد من بقاع العالم تحت وطأة الهجمات الكنسية التبشيرية ﴿وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ بنتيجة الفتنة، ومن ذلك تفكك المسلمين وضعفهم ووقوعهم تحت هيمنة واضطهاد أعدائهم، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٧٤) ٧٤ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ في كل الأزمنة، وليس المهاجرين من مكة قبل الفتح فحسب ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ في كل الأزمنة أيضا ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لأنّهم صدّقوا إيمانهم بالعمل، وليس بمجرد الكلام والادّعاء ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ يتجاوز تعالى عن سيئاتهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في نعيم الجنة.
следующие страницы →