← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

غير أنه يمكن نقض أقوال المفسرين من حيث أنها لم تقدم أي شرح مقنع للآية (٦٨): ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لأنهم أجمعوا أن المراد بقوله ﴿أَخَذْتُمْ﴾ هو الفداء، كما فهموا أن المسلمين، والنبي ﷺ في مقدمتهم، قد ارتكبوا إثما يترتب عليه عذاب عظيم؟! ممّا لا يكاد يسيغه العقل، أضف إلى ذلك أن الخبر المشار له مبني على روايات آحاد. فلو أخذنا بالاعتبار سبق نزول الوحي في سورة محمد بما يجب عمله في مثل هذه الحالة: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ حَتّى إِذا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً حَتّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها﴾ [محمد ٤/ ٤٧]، يتضح أن الوحي كان قد أحلّ أخذ الأسرى وأخذ الفدية بعد الإثخان في العدو، وبالتالي فإن المسلمين لم يرتكبوا خطأ في بدر لجهة أخذ الأسرى، أو أخذ الفدية، وإنما كان الخطأ في الاهتمام بأخذ الأسرى قبل أن يتم الإثخان في العدو، إذ عندما تقهقر جيش المشركين ثم لاذ بالفرار، انشغل المسلمون بجمع الغنائم وأخذ الأسرى بدلا من متابعة العدو والإجهاز عليه، ولو أنهم لاحقوا العدو وأجهزوا على فلوله لكان محتملا أن يكون في ذلك ضربة قاصمة لقريش، واحتمال ألاّ يعود المشركون للانتقام منهم في أحد بعد عام، ولذلك نزل الوحي بلوم المسلمين على ما ظهر منهم، ومن الواضح أن اللوم موجّه إليهم فقط دون النبي ﷺ ، ومغزى الآية هو التأكيد أن الهدف من حروب النبي ﷺ والمسلمين، ليس جمع الغنائم ولا جمع فداء الأسرى، وإنما القضاء على قوى الكفر، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي انصب اهتمام المسلمين فيها على الغنيمة، فقد سبق أن جادلوا النبي ﷺ قبل الخروج لبدر يريدون سلب قافلة أبي سفيان، ولولا كتاب من الله سبق بحلّ أخذ الأسرى وأخذ الفدية، آية [محمد ٤/ ٤٧]، لمسّهم فيما أخذوا عذاب عظيم انتهى كلام المودودي. غير أنّ محمد أسد فهم من الآية معنى عاما لا يقتصر على بدر ونتائجها، فقوله تعالى ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى﴾ معناه أنه يمتنع على النبي ﷺ ،

стр. 737

ومن ثمّ على كلّ المسلمين، اتخاذ أسرى، أو رقيق، إلاّ بنتيجة الجهاد، وهو معنى قوله ﴿حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي أن الجهاد هو الطريقة الوحيدة التي يمكن أن ينتج عنها امتلاك الأسرى، وبعبارة أخرى فإن اتخاذ الرقيق بوسائل سلمية، عن طريق البيع والشراء والاتّجار، أو الاستيلاء عليهم بنتيجة حروب جائرة، أو حروب اقتصادية، أو حروب دنيوية، غير دفاعية محرّم إطلاقا، فهذه الآية ترقى عنده إلى تحريم نظام الرق، ما لم يكن اتخاذ الرقيق، الأسرى، ناتجا عن حرب عادلة - جهاد -، وحتى في هذه الحالة فإنه يتوجب إطلاق سراح الأسرى، بفدية أو من دون فدية، بعد أن تضع الحرب أوزارها، آية [محمد ٤/ ٤٧]. ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ (٦٨) ٦٨ - ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللهِ سَبَقَ﴾ لولا أن الله تعالى كتب لكم النصر في بدر، منذ الأزل، لقوله: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (الآية ٨)، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ لحاقت بكم الهزيمة وعذابها، أي ﴿فِيما أَخَذْتُمْ﴾ من الغنائم والأسرى واهتمامكم بهم بدلا من مطاردة فلول المشركين والإجهاز عليهم، ثم إن هذا العذاب تحقق بهم بالفعل في وقعة أحد للسبب ذاته، إذ بعد أن لاحت لهم بوادر النصر، ترك الرماة مراكزهم، وانشغل معظم المسلمين بالغنائم حتى فاتهم النصر، انظر آية [آل عمران ١٥٢/ ٣]. ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٦٩) ٦٩ - ﴿فَكُلُوا مِمّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّباً﴾ بعد أن انتصر المسلمون في بدر بتحقق علم الله تعالى الأزلي فيما هو كائن، مع ما ارتكبوه من الانشغال بجمع الغنائم وأخذ الأسرى، وترك فلول العدو، بيّن لهم تعالى حلّ ما جمعوه من الغنائم وما أخذوه من فداء الأسرى ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ انتهوا عن معصيته بعد ذلك، إشارة إلى المستقبل ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لما سبق منكم من الذنب، إشارة إلى الحالة الماضية.

стр. 738

﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٧٠) ٧٠ - ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى﴾ أي أسرى بدر، ولا يمنع انطباق ذلك على جميع الأسارى الذين يأخذهم المسلمون في حروبهم مع المشركين عامة، لما قالوا من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً﴾ إن يجد الله في قلوبكم ميلا إلى التصديق بحقيقة الرسالة ﴿يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ فيوفقكم إلى الهداية والإيمان، ويكون ذلك خيرا ممّا أخذ منكم من الفداء، ومن كل ما خسرتموه في حروبكم ضدّ المسلمين ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ما سبق من ذنوبكم ويصلح آخرتكم ﴿وَاللهُ غَفُورٌ﴾ لمن تاب من كفره ومن ذنوبه ﴿رَحِيمٌ﴾ بالمؤمنين. ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٧١) ٧١ - ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ﴾ بإظهار دخول الإسلام وإبطان الكفر، أو بنقض ما عاهدوك عليه من إعطاء الفدية، أو نقض عهدهم ألاّ يعودوا لمحاربتك ولا إلى دعم المشركين ﴿فَقَدْ خانُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ﴾ باتخاذ الأنداد والشركاء له، وبما أقدموا عليه من مشاقّة النبي ﷺ وإنكار بعثته، ثم محاربة النبي ﷺ يوم بدر ﴿فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ الله تعالى أمكن النبيّ ﷺ منهم، كما حدث في بدر ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ عليم بنياتهم وبواطنهم، وما سيكون من أمرهم ﴿حَكِيمٌ﴾ في نصر المؤمنين ضد عدوهم، وفي جزاء الكفار على أعمالهم، والمغزى أنه على النبي ﷺ ، وعلى المسلمين بالتالي، أن يقبلوا الظاهر من خصومهم إذا ادعوا الإسلام، أو ادعوا الكف عن مناهضة الإسلام، ولا يبنوا أحكامهم على الشك، حتى لو ظهرت الخيانة منهم بعد ذلك فإنّ الله تعالى يمكن المؤمنين منهم.

стр. 739

﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اِسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٧٢) ٧٢ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ﴿وَهاجَرُوا﴾ فارقوا الأوطان هربا من الاضطهاد الديني، وحتى يستطيعوا ممارسة شعائر دينهم بحرية في موطن جديد ﴿وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ضاعت مساكنهم وأملاكهم التي خلّفوها وراءهم، فبقيت في أيدي أعدائهم، ومن جهة ثانية ينفقون أموالهم على الدعوة والجهاد، ويشتركون في الجهاد بأنفسهم، والإشارة الخاصة في هذه الآية للمسلمين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة قبل الفتح، ولا يمنع ذلك من انطباق التعريف على كل من يهاجر في كل زمن من بلاد الاضطهاد إلى بلاد الحرية الدينية ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ الإشارة الخاصة للأنصار في المدينة المنورة الذين آووا ونصروا النبي ﷺ والمهاجرين معه، والإشارة العامة في كل الأزمنة لكل من يؤوي المهاجرين إلى الله من الاضطهاد الديني ﴿أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي يتولّى بعضهم من أمور بعض ما يتولونه من أمور أنفسهم عند الحاجة، من تعاون وتناصر وتكافل ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتّى يُهاجِرُوا﴾ وفي ذلك حثّ لهم على الهجرة إلى بلاد الحرية الدينية، لكي يتخلصوا من الاضطهاد الديني من جهة، ولكي تتحقق الموالاة من تعاضد وتآزر وتعاون بينهم وبين إخوانهم المسلمين في دار الهجرة ﴿وَإِنِ اِسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ إذا قاتلهم الكفار واشتد الاضطهاد الديني عليهم، فعندئذ يتعين على المسلمين في دار الإسلام نصرتهم، وهو الاستثناء الوحيد من قوله ﴿ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، ﴿إِلاّ عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ﴾ فهؤلاء يجب الوفاء بعهدهم، حتى لو اضطهدوا المسلمين الواقعين تحت سلطتهم، لأن الإسلام يحرّم نقض العهود والخيانة والغدر، وفي هذه الحالة يمكن

стр. 740

اللجوء إلى المفاوضات للتوصل إلى حلول مقبولة ﴿وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيحاسبكم بأعمالكم. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلاّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ (٧٣) ٧٣ - ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ لأن الكفر قاسم مشترك بينهم، ويترتب على ذلك أنهم يتآزرون مع بعضهم البعض ضد الإسلام، ولا يودّون الخير للمسلمين، قال تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها﴾ [آل عمران ١٢٠/ ٣]، وهذا بالطبع موقف المجتمعات الكافرة تجاه المسلمين، وليس بالضرورة موقف كل فرد منهم ﴿إِلاّ تَفْعَلُوهُ﴾ من التعاضد والإيواء والنصرة بين المسلمين بعضهم بعضا كما ورد في الآية السابقة، وتجنّب موالاة المسلمين للكفار ضد إخوانهم المسلمين ﴿تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ﴾ أي في هذه الحالة قد يفتن المسلمون عن دينهم لوقوعهم تحت الاضطهاد الشديد، دون أن يكون من ينصرهم من إخوانهم، كما حدث في البوسنة والهرسك وكوسوفو، وقد تضطر مجتمعات كاملة منهم للتحول عن الإسلام كما حدث في الأندلس بعد زوال دولة الإسلام عنها، وكما يحدث الآن في العديد من بقاع العالم تحت وطأة الهجمات الكنسية التبشيرية ﴿وَفَسادٌ كَبِيرٌ﴾ بنتيجة الفتنة، ومن ذلك تفكك المسلمين وضعفهم ووقوعهم تحت هيمنة واضطهاد أعدائهم، ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٧٤) ٧٤ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ في كل الأزمنة، وليس المهاجرين من مكة قبل الفتح فحسب ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا﴾ في كل الأزمنة أيضا ﴿أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ لأنّهم صدّقوا إيمانهم بالعمل، وليس بمجرد الكلام والادّعاء ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ يتجاوز تعالى عن سيئاتهم ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ في نعيم الجنة.

стр. 741

﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ﴾ أي في أي وقت من الأوقات ﴿فَأُولئِكَ مِنْكُمْ﴾ في الموالاة والنصرة والتعاون ﴿وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ في ولاية الرحم والقرابة، فهي مقدّمة على ولاية الإيمان والهجرة، أي إن القريب ذي الرحم أولى من غيره من المؤمنين بولاية قريبه وبرّه ومعونته ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ في حكم الله ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فيحكم بما هو في صالح العباد. ***

стр. 742

سورة التوبة - ٩ - مدنية مقدّمة نزلت سورة التوبة في السنة التاسعة من الهجرة، في المدة التي سبقت حملة تبوك وخلال الحملة وبعدها، واشتقّ اسم السورة من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ (١٠٤)، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١١٧)، وهي أيضا تسمّى سورة براءة لقوله تعالى في مطلع السورة: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ (١)، ويلاحظ بالمقارنة مع بقية سور القرآن الكريم أن هذه السورة لا تبدأ بآية البسملة باسم الله الرحمن الرحيم لأن آية البسملة لم تنزل معها كما نزلت مع غيرها من السور، وقد أمر النبي ﷺ بوضع هذه السورة بعد سورة الأنفال ولم يأمر أن تبدأ بآية البسملة، ثمّ كان هذا سببا لاختلاف بعض الصحابة في حقيقة سورتي الأنفال والتوبة، أهما سورة واحدة أم سورتان؟ فقال بعضهم هما سورة واحدة، لأن كلتيهما نزلت في القتال والعهود، ومجموعهما مئتان وست آيات فتكون هذه السورة السابعة من الطوال - ابتداء من البقرة وانتهاء بمجموع الأنفال والتوبة -، مع العلم أنه انقضت سبع سنوات بين نزول الأنفال ونزول التوبة، ومن الصحابة من قال: بل هما سورتان، واستنتجوا من عدم بداية سورة التوبة بالبسملة دلالة على أن البسملة آية مستقلة بذاتها، لأنّ بعض الناس يتنازعون في كون باسم الله الرحمن الرحيم آية من القرآن أم لا.

стр. 743

الخلفية التاريخية سورة التوبة ذات علاقة بالأحداث التي تلت صلح الحديبية (ذي القعدة العام ٦ هجرية)، فخلال مدة عامين بعد الصلح أخذ الإسلام ينتشر سلما وتزداد قوته في الجزيرة العربية بصورة كبيرة، ممّا أدّى إلى جزع قريش ونفاد صبرها، فنقضت شروط الصلح بأن زودت بالسلاح حلفاءها من بني بكر وظاهرتهم على حلفاء النبي ﷺ من بني خزاعة حتى اعتدوا عليهم، وقتّلوا منهم، فلم يمهل النبي ﷺ قريشا أن تحشد قواها للعدوان فبادرها بفتح مكة (رمضان العام ٨ هجرية)، ثم جمعت الجاهلية فلولها في محاولة أخيرة للقضاء على المسلمين في وقعة حنين (شوال العام ٨ هجرية) فلحقت بها الهزيمة، ومن ثمّ دخلت الجزيرة العربية بكاملها في الإسلام خلال عام واحد بعد وقعة حنين، عدا جيوب محدودة متفرقة منها. وقد ساهم في نجاحات المسلمين الأحداث التي تمت على الجبهة الشمالية في سورية قبل فتح مكة بأربعة شهور، ففي شهر (جمادى الأولى العام ٨ هجرية) بعث النبي ﷺ قوة مكونة من ثلاثة آلاف رجل لمجابهة تحدي بيزنطة وقبائل العرب المتحالفة معها بعد أن قتلوا رسل النبي التي تدعوهم إلى الإسلام، وفي مؤتة كان اللقاء بين قوة المسلمين الصغيرة من جهة، وبين قوة ضخمة من الروم والعرب الغساسنة من جهة ثانية قيل إن عددها بلغ مئة وخمسين ألفا، وحتى لو كان هذا الرقم مبالغا فيه فالنتيجة أن المسلمين تمكنوا من قتال عدوهم ثم الانسحاب من المعركة دون أن يحقق الروم نصرا حاسما عليهم. وكانت بيزنطة قد توجسّت من انتشار الإسلام في جزيرة العرب، وخشيت من توحيد العرب في دولة قوية، فلم يشأ هرقل إمبراطور بيزنطة أن يترك أمر المسلمين يتعاظم، خاصة بعد فتح مكة وانتصار المسلمين في حنين، فاستعدّ مع حلفائه من عرب الشام لغزو المسلمين في المدينة وحشد الجيوش لذلك، ثمّ لم تلبث هذه الأخبار أن وصلت إلى النبي ﷺ ولم تنقض سوى ستة شهور بعد

стр. 744

عودته من حنين، فعزم على الخروج للقاء الروم في سورية كما هي عادته في أخذ زمام المبادرة دفاعا لا عدوانا، ولم تمنعه ظروف الجفاف والحرارة الشديدة التي كانت سائدة وقتئذ في الحجاز، وأنّ وقت الحصاد كان قريبا، وعلى غير عادته في غزواته السابقة من كتمان أمره، وكتمان وجهة سيره، فقد جاهر النبي ﷺ في هذه المرة بالغرض من حملته وبعث في القبائل يدعوها للاشتراك معه في غزو الروم حتى اجتمع لديه في المدينة ثلاثون ألف رجل خرج بنفسه على رأسهم (رجب العام ٩ هجرية)، وكانت أكبر قوة عددية اجتمعت له في تاريخ البعثة، فلمّا وصل بالجيش إلى تبوك تبيّن أن الروم تخلوا عن خطتهم لغزو المدينة، أو أنهم صرفوا النظر عنها مؤقتا، ويبدو أنّ هرقل انسحب ولم يجرؤ على المجابهة عندما علم أنّ النبي ﷺ جاء بنفسه على رأس جيش المسلمين، وفي الحديث: «نصرت بالرعب مسيرة شهر» رواه البخاري وغيره، والتزاما بالموقف الدفاعي الذي اتخذه النبي ﷺ طيلة بعثته، عاد بالجيش إلى المدينة بعد أن مكث في تبوك عشرين يوما عقد خلالها المعاهدات مع قبائل العرب التي كانت متحالفة مع الروم، وبذلك امتدت سلطة المسلمين إلى حدود بلاد الشام. وخلال الإعداد لغزوة تبوك، بدا من ضعاف الإيمان والمنافقين في المدينة ومن بعض الأعراب، تثاقلهم وكراهتهم الاشتراك في حرب الروم مع النبي ﷺ ، وقد فصّلت السورة العبر من ذلك. وبعد العودة من غزوة تبوك بشهور قلائل - أي في شهر (ذي القعدة العام ٩ هجرية) - بعث النبي ﷺ أبا بكر الصديق (ر) إلى مكة أميرا على الحج، ثم أتبعه بعلي ابن أبي طالب (ر) ليقرأ على الناس مطلع سورة براءة إنذارا لمن نقض العهود من المشركين، ذلك أن النبي لمّا خرج إلى غزوة تبوك وتخلف عنه المنافقون من أهل المدينة ومن الأعراب، وأشاعوا الشائعات، جعل المشركون ينقضون عهودهم، فنبذ رسول الله ﷺ العهد إليهم.

стр. 745

ارتباط السورة بما قبلها الفارق الزمني الكبير بين نزول السورتين، مع ترتيبهما القرآني المتتالي، من مظاهر إعجاز القرآن الذي كان نزوله منجما على النبي ﷺ على مدى ٢٣ عاما من بعثته الشريفة ومع ذلك كان يأمر، بحسب الوحي، بترتيبه ترتيبا متماسكا معجزا مغايرا لترتيب النزول، فقد انقضت سبع سنوات بين نزول سورة الأنفال بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة، وبين نزول سورة التوبة قبل غزوة تبوك وخلالها وبعدها في السنة التاسعة من الهجرة، غير أن هنالك ارتباطا واضحا في موضوعهما، إذ اشتملت سورة الأنفال على تحليل كامل لأول مواجهة عسكرية حاسمة بين قوى الإسلام وقوى الكفر، كما وضعت أسس الجهاد الإسلامي التي بموجبها انتشرت دولة المسلمين ودعوتهم - خلال أقل من قرن من الزمان - من أقصى العالم القديم في الصين، إلى أقصاه في الأندلس. ثم بعد غزوة مؤتة (جمادى الأولى ٨ هجرية)، وفتح مكة (رمضان ٨ هجرية)، ووقعة حنين (شوال ٨ هجرية)، وغزوة تبوك (رجب ٩ هجرية) وانسحاب هرقل الروم، ثم نقض المشركين في جزيرة العرب عهودهم، بعد ذلك كله نزلت سورة التوبة تبين سياسة الإسلام تجاه كل من الطرفين: الناس خارج جزيرة العرب، والمشركين داخلها، وفيها عبر ودروس أخلاقية للمسلمين تبين لهم المواقف العملية المترتبة عليهم لتحقيق سياسة الإسلام الداخلية والخارجية، ونلاحظ أن سورة الأنفال تأمر المؤمنين أن يستجيبوا لله وللرسول عندما يدعوهم لما فيه حياتهم من الجهاد: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [٢٤/ ٨]، ثم تحذرهم سورة التوبة من ترك الجهاد والركون إلى الدنيا: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اِثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ [٣٨/ ٩]،

стр. 746

وهنالك مقارنة واضحة بين آخر سورة الأنفال في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال ٧٥/ ٨]، وبداية سورة التوبة بقوله: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة ١/ ٩]، أي على النقيض من كون جماعة المؤمنين المهاجرين المجاهدين منكم، فإنّ المشركين الذين نقضوا عهودهم معكم برآء منكم. وفي بداية سورة التوبة قوله تعالى: ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة ١/ ٩]، إشارة أيضا لقوله تعالى في سورة الأنفال المتقدّمة: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ * فَإِمّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال ٥٥/ ٨ - ٥٧]، محور سورة التوبة بيان قاعدة مهمة في الدعوة وطريقتها وأن التقليد غير كاف في الدين، وأن لا بد من النظر والاستدلال والحجة والدليل، ولذا وجب إمهال المشركين لأجل التفكر بعد أن يسمعوا القرآن: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٦)، وأنه لا يمكن المساواة بين الشكليات وبين الجوهر، بين مجرّد القيام بالشعائر مهما كانت فاضلة، كونها مقتصرة على الشكل والمظهر، وبين الإيمان اليقيني والجهاد والتضحية، وعلى أية حال فإنّ سقاية الحاج وعمارة المسجد إنّما توجب الفضيلة إذا صدرت عن المؤمن، أمّا إن صدرت عن غير المؤمن فلا يستفيد منها: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٩)،

стр. 747

ثم تبين أن مجاهدة الكفار والمنافقين إنما تكون بالحجة والفكر والإقناع: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٧٣)، وأما قتالهم فقد يضطر إليه المؤمنون بشروطه، وأنه يحرم التوصل معهم إلى حلول وسط في شؤون العقيدة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١٢٣)، وأن الله تعالى لا يترك الناس على ضلالهم، بعد إذ هداهم بالفطرة، أو يعتبرهم ضالّين فيعاقبهم، إلاّ بعد أن تبلغهم الرسالة، ويبيّن لهم طريق الهداية بيانا واضحا تامّا: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (١١٥). المواضيع الرئيسية في سورة التوبة بعد فتح مكة وما تلاها من غزوة تبوك وانسحاب هرقل الروم، ثم نقض المشركين في جزيرة العرب عهودهم، بينت سورة التوبة سياسة الإسلام تجاه كل من الطرفين: الناس خارج جزيرة العرب، والمشركين داخلها: ١ - الوفاء بالعهود مع المشركين، أو غيرهم، قاعدة إسلامية هامة، فالوفاء بالعهد من أصول البر ومقتضى الإيمان (الآية ٤)، إلا في حال نقضهم العهد أولا (الآيات ١ - ٣)، ٢ - جزيرة العرب يجب أن تكون خالصة للمسلمين دون غيرهم (الآية ٥)، ٣ - إيضاح سياسة الإسلام تجاه مشركي جزيرة العرب (الآيات ٢٨/ ١)، ٤ - إيضاح موقف الإسلام تجاه أهل الكتاب (الآيات ٢٩ - ٣٥)، ٥ - إبطال النسيء (الآيات ٣٦ - ٣٧)، ٦ - غزوة تبوك، وبيان ما ظهر خلالها من أصناف المنافقين وطبائعهم وجهالاتهم، مما هو عام في المنافقين في كل الأزمنة (الآيات ٣٨ - ١٢٩)، بالتفصيل التالي:

стр. 748

أ- الآيات (٣٨ - ٧٠): وصف أحوال المنافقين من أهل المدينة تجاه غزوة تبوك، الحث على النفير، تلكؤ المنافقين في الانضمام لغزوة تبوك، وبخلهم مع غناهم، ب - الآيات (٧١ - ٧٢): موقف المؤمنين بالمقارنة مع المنافقين، وحسن ختامهم، ج - الآيات (٧٣ - ٨٧): وصف أحوال المنافقين، الحث على مجاهدة الكفار والمنافقين، كونهم ماديين مصرّين على الكفر والنفاق، د - الآيات (٨٨ - ٨٩): موقف الرسول ﷺ والمؤمنين معه، وحسن ختامهم، هـ - الآيات (٩٠ - ٩٨): طباع المنافقين من الأعراب بعد المنافقين في المدينة، والرخصة للضعفاء والمرضى والفقراء، و- الآيات (٩٩ - ١٠٠): إخلاص المؤمنين من الأعراب، ومنزلة من هم أعلى منهم درجة من السابقين والتابعين، ز - الآيات (١٠١ - ١١٠): الذين مردوا على النفاق من الأعراب والحضر، وآخرون خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وآخرون مرجون، والذين اتّخذوا مسجد الضرار، ح - الآيات (١١١ - ١١٢): بشرى للمؤمنين العاملين العابدين، ط - الآيات (١١٣ - ١٢٣): تحريم الاستغفار لمن مات على الكفر، أو لمن تبين إصراره على الكفر، والتوبة على المؤمنين، وتوجيههم لما يجب عمله، ي - الآيات: (١٢٤ - ١٢٧): المنافقون الذين في قلوبهم مرض، انظر آيات [البقرة ٦/ ٢ - ٢٠]، ك - الآيات: (١٢٨ - ١٢٩): مخاطبة العرب والناس جميعا بمجيء رسول من أنفسهم حريص عليهم، فإن تولوا فالله تعالى رب الجميع، وهو أعلم بهم وبأعمالهم.

стр. 749

﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١) ١ - ﴿بَراءَةٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ استمرار الخطاب من آية [الأنفال ٧٥/ ٨]، أي على النقيض من كون المؤمنين المهاجرين المجاهدين هم من جماعة المسلمين، فهذه براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فنقضوا عهودهم، ذلك أن النبي لمّا خرج إلى غزوة تبوك وتخلف عنه المنافقون وأشاعوا الشائعات، جعل المشركون ينقضون عهودهم، فنزلت سورة براءة بنبذ العهد إليهم بعد حملة تبوك، والخطاب في قوله ﴿عاهَدْتُمْ﴾ عائد إلى المؤمنين، بمعنى أنّ الله ورسوله قد برئا من عهود المؤمنين مع المشركين الذين نقضوا عهودهم، وهذه البراءة أعلنت لهم في حج عام ٩ للهجرة، الآية (٣)، راجع الخلفية التاريخية أعلاه. ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ﴾ (٢) ٢ - ﴿فَسِيحُوا﴾ أيها المشركين، أي اذهبوا في الأرض حيث شئتم، فأنتم آمنون من القتل والقتال في مهلة أربعة أشهر، وأصل الفعل من السياحة، وهي السفر في الأرض بعيدا مع ما كان يتطلبه ذلك في زمانهم من الإقلال من الطعام والشراب، ولذا قيل للصائم سائح، لأنه يشبه السائح عندهم في تركه الطعام والشراب ﴿فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ وهي مهلة ناقضي العهد من المشركين، أي إن الله تعالى قد أجّلهم تلك المدة، فمن كانت مدة عهده أكثر من أربعة أشهر نقصت إلى الأربعة، ومن كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر زادت إلى الأربعة، وللمشركين خلال هذه المدة أن يتفكروا ويحتاطوا لأمرهم، ولهم بعدها أن يختاروا إمّا الدخول في الإسلام، أو قتال المسلمين، أو مغادرة الجزيرة العربية، لأن جزيرة العرب يجب أن تكون خالصة للمسلمين دون غيرهم، راجع شرح آية [الأنفال ٥٦/ ٨]، والمدة بدأت من عاشر ذي الحجة عام ٩ للهجرة، وقت إعلان البراءة للمشركين في الحج، وانتهت في عاشر ربيع الثاني من عام ١٠

стр. 750

للهجرة، أما الذين حافظوا على العهود من المشركين فقد أمر تعالى المؤمنين إتمام كامل مدة العهد إليهم كما سوف يرد في الآية (٤)، ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ أنتم في ملك الله وسلطانه حيثما كنتم وحيثما ذهبتم، وإن أصررتم على الشرك والعدوان لا تجدون مهربا ﴿وَأَنَّ اللهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ﴾ المصرّين على الكفر منكم تكون عاقبتهم الذل والهوان. ﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣) ٣ - ﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ الأذان في اللغة هو الإعلام والإعلان بالشيء، ومنه الأذان للصلاة، أي إعلان وقتها ﴿إِلَى النّاسِ﴾ المعنى أن هذا الأذان أو الإعلام صادر من الله ورسوله إلى الناس، والمقصود بهم سكان جزيرة العرب ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ ليكن هذا الأذان إلى الناس جميعا، مؤمنين ومشركين، معاهدين وغير معاهدين، يوم الحج الأكبر، وهو يوم عرفة، لقوله ﷺ : «الحج عرفة»، لأن أهم أعمال الحج هو الوقوف بعرفة، وقيل هو يوم الأضحى يوم النحر، وقيل لأنّ العمرة هي الحج الأصغر ﴿أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أي من عهودهم ﴿وَرَسُولِهِ﴾ أيضا بريء من عهودهم، وهو مضمون الأذان بالبراءة المشار إليها في الآية (١)﴾، والخلاصة، التأكيد على إعلان البراءة يوم الحج الأكبر ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ﴾ أيها المشركون عن الشرك والكفر والغدر ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ النفع يعود عليكم وحدكم ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن التوبة والإيمان ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ﴾ فهو قادر على مجازاتكم، وأنتم تحت قهره ومشيئته، ولا تضرّونه شيئا ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ في الآخرة، لأنه إن فاتهم عذاب الدنيا أو زال عنهم فلا يخلصون من عذاب الآخرة، وفي معنى البشارة قال الشيخ محمد رشيد رضا إنها ما يؤثر في البشرة من الأنباء، إمّا بالتهلل وإشراق الوجه من السرور الذي تنبسط به أسارير الجبهة وتتمدد، وإمّا بالعبوس وتقطيب الوجه من الكدر أو الحزن دو الخوف.

стр. 751

﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٤) ٤ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ هذا الاستثناء من قوله تعالى ﴿بَراءَةٌ﴾، وفيه التفات الخطاب إلى المؤمنين، وتقدير الخطاب: براءة من الله ورسوله، إلى المشركين المعاهدين ناقضي العهود، إلاّ الذين لم ينقضوا العهد فأتّموا إليهم عهدهم ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً﴾ من شروط العهد ﴿وَلَمْ يُظاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً﴾ لم يحاربوكم ولم يحرضوا غيرهم على قتالكم ولم ينصروا عدوّكم ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ﴾ المعنى أن الوفاء بالعهد من فرائض الإسلام، وهو من أصول البر ومقتضى الإيمان لقوله تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا﴾ [البقرة ١٧٧/ ٢]، وقوله جلّ شأنه ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلاً﴾ [الإسراء ٣٤/ ١٧]، فلا يجوز نقض العهد إلا بانتهاء وقته ما دام الطرف الآخر محافظا عليه ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ الذي يتقون نقض العهود، ويتقون سائر المفاسد المخلة بالنظام والعدل. ﴿فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاُحْصُرُوهُمْ وَاُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥) ٥ - ﴿فَإِذَا اِنْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ وهي الأشهر الأربعة المشار إليها في الآية (٢)﴾، ومعنى انسلاخ الأشهر انقضاؤها، وهو استعارة، كما يسلخ ويكشط جلد الشاة الذبيحة من مكانه شيئا فشيئا، ويستعمل للمكان وللزمان كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ﴾ [يس ٣٧/ ٣٦]، لأن الزمان ينسلخ شيئا فشيئا كما ينسلخ الضوء عن جانب من الكرة الأرضية فيخلّف الظلام وراءه ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ في الحلّ أو في الحرم، وها هنا تحديد لما يجب على المؤمنين القيام به بعد انسلاخ الأشهر الحرم، وهو قتال المشركين وقتلهم ﴿وَخُذُوهُمْ﴾ أسرى ﴿وَاُحْصُرُوهُمْ﴾ تعبير عن محاصرتهم ﴿وَاُقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ لرصد تحركاتهم، ويلاحظ أنه قد أبيح

стр. 752

لهم أخذ الأسرى بعد أن كان محظورا عليهم بقوله تعالى: ﴿ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال ٦٧/ ٨] لتحقق شرط الإثخان وهو الغلبة والقوة والسيادة في الأرض، أي في جزيرة العرب ﴿فَإِنْ تابُوا﴾ عن الشرك ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ﴾ كما فرضها الإسلام ﴿وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ المفروضة للفقراء ﴿فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ اتركوا قتالهم وأطلقوا أسراهم ودعوهم أحرارا في تحركاتهم ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن تاب وآمن. هذه الآية التي يسمونها آية السيف، وقيل آية السيف هي: ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ (٣٦)، وقيل هما معا، ويزعمون أنها نسخت الكثير من آيات العفو والمسالمة والصلح وحسن معاملة الآخرين وضمان حرية الدين والإعراض عن المشركين والجاهلين، والصواب أنها لم تنسخ شيئا لأن كلام الآية مخصص عن مشركي الجاهلية في جزيرة العرب دون غيرهم، ناهيك أن مبدأ النسخ غير مقطوع به وأقرب إلى البطلان راجع شرح آية [البقرة ١٠٦/ ٢]، وأما حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله»، فالمقصود بالناس سكان جزيرة العرب دون غيرهم، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ﴾ (٣) وقصد بهم أهالي جزيرة العرب، والناس لا يقصد بهم دوما عموم البشر، كما في قوله تعالى: ﴿لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النّاسِ﴾ [الأنفال ٤٨/ ٨] وقصد بهم المهاجرين والأنصار في وقعة بدر، ولأنّ من مقاصد السورة أصلا إيضاح أن تكون جزيرة العرب خالصة للإسلام والمسلمين، فمن لم يرغب من المشركين قبول الإسلام له أن يغادرها، وفي الحديث: «لا يجتمع دينان في جزيرة العرب»، أخرجه مالك في الموطأ وأحمد في مسنده، وكان آخر ما عهد به قوله: «لا يبرك بجزيرة العرب دينان»، لأنّ الجزيرة مهد الإسلام ومصدر قوته، فيخشى من إحياء عبادات المشركين

стр. 753

والكفار ومن انتشار معابدهم وطقوسهم وشركهم إذا هم أقاموا فيها، راجع شرح آية [الأنفال ٥٦/ ٨]، وأما الناس عامة خارج جزيرة العرب فليسوا مقصودين بالآية ولا بالحديث، وينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة ٢٥٦/ ٢]، والآيات عديدة في ضمان حرية العقيدة والنهي عن العدوان وترجيح الصلح كما في آيات [البقرة ١٩٠/ ٢ - ١٩٣]، [النساء ٩١/ ٤]، [الأنفال ٦١/ ٨]، [الممتحنة ٨/ ٦٠ - ٩]، والآيات أيضا كثيرة جدا في أنّ الإسلام مبني على الدلائل والحجج والفكر والنهي عن التقليد، ممّا طبقه المسلمون عمليا في البلاد المفتوحة، وقد ضمنوا حرية الدين لأهل الكتاب، وفي الآية التالية مزيد من التأكيد والشرح عن هذا الموضوع: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٦) ٦ - ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ استجارك مجاز من الجوار، لأن الجار عند العرب يدفع عن جاره أنواع الضرر، والعرب تقول: أنا لك جار، أي أمنع الغير من الوصول إليك بضرر، والمعنى إذا جاءك، أيها الرسول، أحد المشركين طالبا الأمان فاستجب له ﴿حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ وهو استثناء من الآية (٥)﴾، لأنّ الكافر إذا جاء طالبا الحجة أو الدليل مستفهما عن القرآن، فيجب إمهاله ويمتنع قتله وقتاله، حتى يسمع ما يريد من القرآن والدلائل والبينات، فإذا رفض الإسلام بعد ذلك يجب إيصاله إلى قومه أو إلى مكان يأمن فيه على نفسه ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي ذلك الأمر بإجارة من يريد من المشركين، وإتاحة الفرصة لهم لسماع القرآن وفهمه، بسبب أن المشركين جاهلون لا يعلمون القرآن ولا الإسلام حق العلم، والخطاب وإن كان في الأصل موجها للنبي ﷺ فهو من ثمّ موجه للمسلمين للعمل به في كل وقت.

стр. 754

قال الرازي: "هذه الآية تدل على أن التقليد غير كاف في الدين، وأنه لا بد من النظر والاستدلال، لأنه لو كان التقليد كافيا لوجب عدم إمهال الكافر فيقال له إمّا أن تؤمن كما نؤمن وإمّا أن نقتلك، فلما كانت الآية تحرّم ذلك، بل أوجبت إمهال الكافر حتى يسمع كلام الله، كما أوجبت علينا أن نبلغه مأمنه، ممّا يدل أن التقليد في الدين غير كاف، وأن لا بد من الحجة والدليل، والإمهال لأجل التفكر". ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اِسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (٧) ٧ - ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ﴾ استفهام إنكار مع التعجب، والخطاب للمؤمنين الذين جبلوا على الوفاء بالعهود، إذ كان بعضهم عرضة لتشكيك المنافقين في موضوع نبذ عهود المشركين، والمعنى: بأية صفة وأية كيفية يثبت للمشركين، ناقضي العهود، عهد عند الله ورسوله؟! والحال أنهم يتربصون بالمؤمنين كما ستبين الآيات التالية ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أي بجوار المسجد الحرام عند الحديبية، وهم بعض بني بكر من كنانة ممّن لم ينقضوا العهد الذي كان بين النبي ﷺ وبين قريش يوم الحديبية ﴿فَمَا اِسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ تأكيد على المبدأ الإسلامي بوجوب الوفاء بالعهد مع المشركين وغيرهم ما داموا ملتزمين به ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتقون الغدر ونقض العهود. ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ﴾ (٨) ٨ - ﴿كَيْفَ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة بعد عبارة الاستثناء المعترضة، والتقدير: كيف يثبت للمشركين، ناقضي العهود، عهد عند الله ورسوله؟! والحال أنهم يتربصون بكم ﴿وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾ إن تكن لهم الغلبة عليكم ويظفروا بكم ﴿لا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً﴾ الإلّ هو العهد أو الحلف

стр. 755

أو العقد أو الجوار أو القرابة، والذمّة أيضا العهد الذي يترتب على ضياعه مذمّة، والمعنى أن المشركين في حال ظفرهم لا يخافون عواقب سوء عملهم فيكم، ولا يراعون علاقات الجوار والقربى، ولا ما تستوجبه الأحلاف والعهود ﴿يُرْضُونَكُمْ بِأَفْواهِهِمْ﴾ فلا تنخدعوا بمعسول الكلام منهم ﴿وَتَأْبى قُلُوبُهُمْ﴾ يضمرون الشر والأذى إن قدروا عليكم ﴿وَأَكْثَرُهُمْ فاسِقُونَ﴾ أكثرهم خارجون عن مقتضى العهود والمواثيق ناكثون لها، وأقلهم الموفون بعهودهم، لأنّ الفسوق في اللغة هو الخروج والانفصال، ﴿اِشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٩) ٩ - ﴿اِشْتَرَوْا بِآياتِ اللهِ﴾ التي تدعوهم إلى الإسلام والاستقامة والوفاء بالعهود ﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾ أى شيئا حقيرا من حطام الدنيا الزائل، وهو أهواؤهم ونزواتهم، وهذا شرح لسبب فسوقهم المذكور في الآية السابقة، أنهم استبدلوا شهواتهم ونزواتهم بآيات الله التي تحض على الوفاء والاستقامة، والخلاصة أنهم فضّلوا الدنيا على الآخرة ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ﴾ بسبب تهالكهم على الدنيا صدّوا الناس عن سبيل الله - الإسلام - من آمن به فعلا ومن يريد الإيمان أو يتوقّع منه ﴿إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ساء عملهم الذي كانوا يعملونه من نبذ الآيات واتباع الشهوات والصد عن الإسلام. ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ (١٠) ١٠ - ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ﴾ وهذا سلوكهم مع المؤمنين عامّة ﴿إِلاًّ وَلا ذِمَّةً﴾ لا يرعون مع عامة المؤمنين حقوق القربى والعلاقة والذمّة، والمغزى أن المشركين ناقضي العهود لا يرعون حقوق معاهديهم من المؤمنين، فمن باب أولى أنهم لا يرعون حقوق المؤمنين إطلاقا ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ﴾ يعتدون على حقوق الذمة والقربى، ويبدؤون غيرهم بنقض العهود وبالظلم والعدوان.

стр. 756

﴿فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (١١) ١١ - ﴿فَإِنْ تابُوا﴾ عن الكفر والغدر وعن الصد عن سبيل الله من آمن به، ومن يريد الإيمان، أو يتوقّع منه ﴿وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ﴾ كما سائر المسلمين ﴿فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، وقد أمرت الآية (٥) بإخلاء سبيلهم في حال توبتهم، وها هنا تبين أنهم يصبحون إخوانا في الدين ﴿وَنُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ نبيّنها ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ الذين يتأملون ويتفكرون حتى يعلموا وجوه الحجج والبراهين كما فصلتها الآيات، بخلاف الجاهلين والمقلدين من الناس. ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ (١٢) ١٢ - ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ من بعد عهدهم الذي عقدوه معكم، والآية تأكيد على البراءة، ويحتمل أن يشمل المعنى أيضا الذين ارتدوا عن الإسلام بعد الدخول فيه ﴿وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ﴾ صاروا يعيبون الدين ويستهزئون به ﴿فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ الأمر بالقتال ينطبق على ناقضي العهود دون غيرهم، لأنه لا ينفع مع أمثالهم سوى القتال بعد أن كشفوا ما في ضمائرهم من الشر، وأخرجوه من حيز النوايا إلى حيز التنفيذ، وهم لشدة إصرارهم على الكفر صاروا كأنهم أئمّة له يقتدي الكفار بهم، فهم قادة الكفر وحملة لوائه ﴿إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ لا أيمان حقيقية لهم يلتزمون بها، وهو سبب الأمر بقتالهم أنّه لا يعتدّ بأيمانهم ولا بعهودهم ﴿لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾ وهي النتيجة المرجوّة من قتالهم، أن ينتهوا عن العدوان وعن الطعن في الدين، وليس مجرد إيذائهم، والكلام لا يزال في مشركي الجاهلية بجزيرة العرب، بدليل الآية التالية، راجع شرح الآية (٥)﴾،

стр. 757

﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَؤُكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٣) ١٣ - ﴿أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ﴾ تحريض للمؤمنين على قتال المشركين ناقضي العهد ﴿وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ﴾ من مكة، راجع آية [الأنفال ٣٠/ ٨]، ﴿وَهُمْ بَدَؤُكُمْ﴾ بالعدوان ﴿أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ لأنّ النبي ﷺ جاءهم أولا بالكتاب المنير، وألزمهم الحجة والبرهان، فقاتلوه لعجزهم عن معارضة القرآن، فهم البادئون بالقتال والبادئ أظلم ﴿أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ﴾ المؤمن ينبغي أن يخشى الله، ولا يخشى أحدا سواه ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إيمان يقين وإذعان. ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (١٤) ١٤ - ﴿قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ لأن النصر يحتاج إلى مجهود وعمل وتضحية من قبل المؤمنين، وليس مجرد الدعاء والتمنّي ﴿وَيُخْزِهِمْ﴾ ينزل بهم الذل والهوان ﴿وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ فيكون تحقيق النصر على أيديكم بتوفيق من الله ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ بنتيجة إعزاز الإسلام وهزيمة الكفر، بعد أن كان المسلمون تحت القهر والاضطهاد. ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١٥) ١٥ - ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾ لما لقوا من الغدر والمكروه على يد المشركين ﴿وَيَتُوبُ اللهُ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ من المشركين، لأن منهم من أسلم بعد ذلك وحسن إسلامه، فقبل تعالى توبتهم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ أحاط علمه تعالى بشؤون خلقه، وما غاب عنهم ﴿حَكِيمٌ﴾ كل شيء يسير وفق حكمته البالغة في السنن التي وضعها في الخليقة. ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٦)﴾

стр. 758

١٦ - ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ المعنى أنّ الله تعالى لا يحاسب الناس بحسب علمه بالغيب منهم، وإنما بتحقق وظهور أفعالهم إلى حيز الوجود، ويلاحظ قوله ﴿الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ ولم يقل الذين آمنوا منكم، لأنّ الإيمان بمجرد الكلام لا يكفي، بل يجب أن يصدّقه العمل، ولأنّه تعالى يبتلي العباد بالمحن، وعليهم العمل والجهاد بالأموال وبالأنفس، راجع آية [البقرة ٢١٤/ ٢] و [آل عمران ١٤٢/ ٣]، ﴿وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ لم يتخذوا وليجة، أي بطانة، من الذين يضادّون رسول الله ﷺ ويضادّون المؤمنين، والوليجة مشتقة من الولوج أي الدخول، فالداخل في القوم وليس منهم: وليجة، والمعنى نهي المؤمنين عن اتخاذ المشركين بطانة وحلفاء لهم ضد إخوانهم المؤمنين ﴿وَاللهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فيحاسبكم على أعمالكم. ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ﴾ (١٧) ١٧ - قال الرازي في علاقة هذه الآية بما قبلها أنه تعالى بعد أن بدأ السورة بذكر البراءة من الكفار وفصّلها، ثم حكى عنهم شبها احتجّوا بها على المؤمنين في أن هذه البراءة غير جائزة، وأجابهم عليها، ثم في هذه الآية أجاب على زعمهم أنهم ذوو صفات حميدة من حيث كونهم عامرين للمسجد الحرام ويخدمون زوّاره، فقال جلّ شأنه: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللهِ﴾ ليس ذلك من شأنهم ما داموا على الكفر، لأنّه كمن يجمع بين المتناقضات، ومعنى عمارة المسجد التردد عليه وزيارته والإعتكاف فيه للعبادة، أو القيام عليه بالتنظيف والترميم والخدمة والصيانة، ومنه قوله تعالى ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور ٤/ ٥٢] أي بزوّاره، وكذا يقال لساكن الدار: عامر، أي بأهله، ومنه العمرة لأنّ المعتمرين يعمرون البيت الحرام بزيارتهم ﴿شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ لأنّ أعمال الكفار وسلوكهم وعبادتهم الأوثان كلها تشهد عليهم بالكفر ﴿أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ﴾ بطل ثوابها بنتيجة شركهم، وهي

стр. 759

الأعمال التي كانوا يتبجحون بها كعمارة المسجد الحرام، وحجابة الكعبة، وسقاية الحاج ﴿وَفِي النّارِ هُمْ خالِدُونَ﴾ لأنّه إن كان قد صدر عنهم بعض أعمال البر فإنّ ثوابها قد حبط، وبقي عقاب الكفر، ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (١٨) ١٨ - ﴿إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ﴾ فلا يعتدّ بعمارة المسجد الحرام من زيارة وعبادة وخدمة وصيانة وترميم إلاّ من قبل كاملي الإسلام الذين توافرت لهم الصفات الخمس المذكورة ﴿فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ عسى بهذا المعنى تفيد الرجاء من قبل العباد الذين يأتون بالطاعات المذكورة ويأملون الفوز بالهداية والثواب، والمعنى إن كان حال هؤلاء معلقا بين الأمل والرجاء، فما بال المشركين يجزمون أنهم مهتدون فائزون بالخير من عند الله، لمجرّد أنهم قاموا بحجابة الكعبة وسقاية الحاج. ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٩) ١٩ - ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ﴾ أجعلتم من يقوم بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ﴿كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ فكيف تساوون بين عمارة المسجد الحرام وخدمة حجّاجه، وبين الإيمان اليقيني، وما يترتب عليه من الجهاد بالأموال والأنفس، وبعبارة أخرى: لا يمكن المساواة بين الشكليات وبين الجوهر؟ ﴿لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ﴾ لأن الأول من السهولة بمكان، ولا يتطلب من التضحيات والمشقة ما يتطلبه الثاني من الجهاد بالمال والأنفس والهجرة، كما أنّ سقاية الحاج وعمارة المسجد إنّما توجب الفضيلة إذا صدرت عن المؤمن، أمّا إن صدرت عن غير المؤمن فلا يستفيد منها، وعلى أيّة حال فإنّه لا يمكن المساواة بين مجرّد القيام بالشعائر،

стр. 760

مهما كانت فاضلة، لكونها مقتصرة على الشكل والمظهر، وبين الإيمان والجهاد ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ الذين اختاروا الظلم، واكتفوا من الدين بالشعائر والمظهر. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ (٢٠) ٢٠ - ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ﴾ من الذين يقومون بسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، ومن غيرهم ممّن لا يتصف بهذه الصفات الأربعة ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ المتصفون بالإيمان، وبالهجرة، وبالجهاد بالمال، وبالجهاد بالنفس، هم الفائزون بالدرجات العلى، كما سيرد في الآية التالية، لأنّ إيمانهم إيمان يقين وإذعان، يقومون بما يترتب عليه من العمل الجادّ وتحمّل التضحيات: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ (٢١) ٢١ - ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ﴾ في كتابه المنزل، أو على لسان نبيّه ﴿بِرَحْمَةٍ مِنْهُ﴾ تنفي عنهم العذاب، وهي الرحمة الخاصة تشملهم باللطف والإحسان في الدنيا والآخرة، ممّا هو فوق رحمته العامة لكل الخلق التي وسعت كلّ شيء [الأعراف ١٥٦/ ٧] ﴿وَرِضْوانٍ﴾ منه لهم، أنه قد رضي عنهم بطاعتهم إياه وأدائهم ما كلّفهم، والرضوان اسم لكمال الرضا، وهو فوق نعيم الجنة لقوله تعالى ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ (٧٢)، فإن الله يرحم من رضي عنه ومن لم يرض عنه، وإن كانت رحمته لمن رضي عنه أعلى وأعظم ﴿وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ دائم لا ينقطع. ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٢٢) ٢٢ - ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَداً﴾ في الجنّات ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ثواب عظيم لا يقدّر بمقاييس الدنيا.

стр. 761

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اِسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ (٢٣) ٢٣ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اِسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ﴾ تأكيد على البراءة من المشركين ولو كانوا ذوي قربى، ويلاحظ في الآية (١٦) وصف المؤمنين بأنهم لا يتخذون من دون الله ولا الرسول ولا المؤمنين وليجة، وفي هذه الآية نهي عن اتخاذ الوليجة أو البطانة حتى من بين الآباء والإخوان إن كانوا على الكفر ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ من يجعلهم بطانة وحلفاء له ضد إخوانه المؤمنين ﴿فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ يظلمون أنفسهم وإخوانهم المؤمنين، والواضح أن النهي ليس عن برّ الوالدين، ولا عن صلة الرحم، وإنّما النهي عن ولاية الحرب والنصرة للكفار النشطين في عداوة المؤمنين، انظر آيات [الممتحنة ٨/ ٦٠ - ٩]. ﴿قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اِقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ﴾ تفصيل للآية السابقة، أي مهما كانت أواصر القربى معهم ﴿وَعَشِيرَتُكُمْ﴾ كناية عن الروابط العصبية والقومية ﴿وَأَمْوالٌ اِقْتَرَفْتُمُوها﴾ اكتسبتموها ﴿وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها﴾ مكاسبكم المادية ﴿وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها﴾ رفاهتكم، والمعنى أنّ البراءة من عهود المشركين يجب أن تتم مع كل هذه الاعتبارات ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ إن كانت أواصر القربى الشديدة، والعصبية والقومية، والمصالح المادية والرفاهية الشخصية، هي التي ترجّح سلوككم وعلاقاتكم الاجتماعية، وهي عندكم فوق المبادئ والعقيدة والعمل ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ انتظروا يوم الجزاء في الآخرة، أو في الدنيا، لأن المجتمعات

стр. 762

التي يرجّح أفرادها مصالحهم الشخصية الضيقة على الإيمان والعمل، يؤول مصيرها إلى الانحطاط والانحلال والزوال ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ الذين اختاروا الخروج عن دائرة الإيمان، لأن سنته تعالى في أمثالهم أن يكونوا محرومين من هداية الفطرة التي يستطيعون التوصل إليها بالعقل السليم. ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (٢٥) ٢٥ - بعد الآية السابقة، ضرب تعالى مثلا بوقعة حنين حيث لم تنفع المؤمنين كثرتهم ولا عشيرتهم ولا أموالهم، لولا نصر الله لهم، وكانت تلك المرة الأولى التي تفوّق فيها المسلمون على عدوهم بكثرة العدد، ولكن هذه الميزة في ذاتها كانت وبالا عليهم، قال الرازي إن في ذلك دليلا على أنّ الإنسان متى اعتمد على الدنيا فقط فاته الدين والدنيا: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ المواطن جمع موطن، والمقصود بها مواقع الحرب التي انتصر فيها المسلمون، قيل إن عددها بلغ حينئذ ثمانين غزوة وسريّة، منها سبع وعشرون غزوة كان النبيّ ﷺ على رأسها ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ ونصركم يوم حنين أيضا، وهو إسم واد بين مكة والطائف، ذلك أنّ النبي ﷺ بعد أن فتح مكة دون قتال في رمضان من العام ٨ للهجرة، وأقام بها نحو نصف شهر، بلغه أن قبائل هوازن وبني ثقيف جمعت قواها في أربعة آلاف رجل يريدون قتاله، وقد خرجوا إليه وأحضروا معهم نساءهم وأبناءهم ومواشيهم وأموالهم لأجل أن يثبتوا في القتال ولا يفرّوا، فتوجّه إليهم النبي ﷺ من مكة في أواخر رمضان وقيل بل في أوائل شوال، ومعه من العسكر اثنا عشر ألفا، عشرة آلاف من الذين حضروا معه فتح مكة، وألفان من الطلقاء حديثي العهد بالإسلام ثم كان وجود هذين الألفين سببا في اختلال صفوف المسلمين ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ أعجب المسلمون بكثرتهم العددية واستخفّهم شعور الثقة حتى جانبوا الحذر، فوقعوا في كمين نصبه لهم المشركون في شعاب الوادي

стр. 763

الضيقة فاضطربت صفوفهم وانهزموا ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ﴾ كثرتكم ﴿شَيْئاً﴾ المغزى أن المسلمين لا ينالون النصر إذا وثقوا بالكثرة العددية فقط، إن لم يعتمدوا على الله واتخاذ الأسباب، قال الألوسي: من احتجب بشيء - عن ذكر الله والتوكل عليه - وكل إليه ﴿وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ لشدة ما لحقهم من الذعر لم يكادوا يجدون موضعا يفرّون إليه ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ لاذوا بالفرار، وهم أكثرية جيش المسلمين، ولم يثبت في مكانه إلاّ النبيّ ﷺ ومعه قلّة من المؤمنين. ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ (٢٦) ٢٦ - ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ﴾ أنزل السكون والطمأنينة ﴿عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ بقي النبي ﷺ وحده ثابتا في مركزه لا يتزحزح، وظهر منه من الشجاعة في تلك الوقعة ما أبهر العقول، ولم يكن معه من الناس إلاّ قليل من المهاجرين والأنصار، وكان الشجاع منهم إذا اشتد القتال يتّقي بالنبيّ ﷺ ، فلا يقبل نحوه أحد إلاّ قتل، قال الزمخشري: "وناهيك بهذه الواحدة شهادة صدق على تناهي شجاعته ورباطة جأشه ﷺ ، وما هي إلا آية من آيات النبوّة" ﴿وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها﴾ بأبصاركم، وهم الملائكة كما في وقعة بدر ألقت في روع المؤمنين أنه تعالى معهم فثبّتتهم، وقد أمر النبي ﷺ عمه العباس، وكان ممسكا بلجام بغلته، أن ينادي المهاجرين والأنصار أن يثبتوا، فعادت جموعهم إلى المواجهة بعد أن شاهدوا ثبات النبي ﷺ وأصحابه، فما لبثت الهزيمة أن تحولّت إلى نصر باهر ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقتل والأسر والسبي ﴿وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ﴾ في الدنيا، عدا ما ينتظرهم من عذاب الآخرة. ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ﴾ ثم يتوب الله بعد هذا التعذيب في الدنيا، على من يشاء من الكافرين الذين تحققت الغلبة عليهم،

стр. 764

فيهديهم إلى الإسلام، وهم الذين لم يختم على قلوبهم نتيجة إصرارهم على الجحود والتكذيب، أو نتيجة جمودهم على ما ألفوه من التقليد ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لمن يتوب عن الشرك والمعاصي، ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢٨) ٢٨ - هذه الآية تعطي المزيد من التفصيل عن البراءة إذ تحرّم على المشركين الاقتراب من الحرم وبها إيضاح للآية (١٧)﴾: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ أي ذوو نجس، وهو نجس معنوي بالمعنى اللغوي المعروف عند العرب، وهو مغاير للنجس العرفي عند الفقهاء، والمقصود فساد عقائد المشركين وبواطنهم، وأنّ مجتمعاتهم تضمر الشر والأذى والكيد للمسلمين، راجع شرح آية [الأعراف ٧١/ ٧]، ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ﴾ وهو جميع الحرم المحيط بمكة، حرّم عليهم الاقتراب منه، إذ يخشى من إحياء عباداتهم وطقوسهم وشركهم إذا هم أقاموا في الحرم، ثم توسّع هذا المنع في الحديث الشريف بأن منعهم من الإقامة الدائمة في جزيرة العرب، راجع شرح [الأنفال ٥٦/ ٨]، ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هذا﴾ بعد العام الذي حصل فيه النداء بالبراءة، وهو السنة التاسعة من الهجرة ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ أي فقرا، لأنّ منع المشركين من العيش في مكة أو زيارتها قد يؤدي لتدهور مركزها التجاري والفكري، ومن ثمّ إلى فقر أهلها ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ للدلالة على أن هذا الوعد يكون أكثره في المستقبل ﴿إِنْ شاءَ﴾ علّقه تعالى على مشيئته، لأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وللدلالة على أنّ سنته تعالى اقتضت أن يكون الكسب بأسباب من سعي البشر لا بد من القيام بها، وبتوفيق منه تعالى، وكلا الأمرين مجهول عندهم، وهي الحكمة من إبهامه، ولكي لا يتكلوا فيتركوا الأسباب ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ جميع الأمور تجري بمقتضى علمه وحكمته وسننه.

стр. 765

﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ (٢٩) ٢٩ - بعد أن ذكرت السورة حكم البراءة من مشركي جزيرة العرب، وأوجبت قتالهم حتى يتوبوا، وفصّلت الأحكام فيهم، وضربت مثلا بوقعة حنين، تذكر هنا (الآيات ٢٩ - ٣٥) حكم أهل الكتاب، لأنّ سياسة الإسلام في عرب الجزيرة خاصة بهم وحدهم، دون غيرهم من الناس خارج جزيرة العرب: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الكلام عن أهل الكتاب، وكونهم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، أي لا يؤمنون على الوجه الصحيح بعد أن أدخلوا في دينهم وابتدعوا فيه وفي كتبهم المقدسة الشيء الكثير من عندهم، راجع شرح آية [آل عمران ٣/ ٣]، كما أن طائفة هامة من اليهود وهم السدوقيون لا يؤمنون بالآخرة، وليس في كتب اليهود التي يسمونها مقدسة أي "العهد القديم" سوى إشارة واحدة للآخرة في سفر دانيال ﴿وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ ليس المقصود أنهم لم يحرّموا على أنفسهم ما حرّمه الله ورسوله محمد ﷺ على المسلمين، فذلك لا يعقل لكونهم لم يسلموا، وإنّما لم يحرّموا على أنفسهم ما حرّمه الله ورسلهم عليهم فقد بدّلوا شريعتهم وأحلّوا وحرّموا فيها من عند أنفسهم ﴿وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ فمن جهة لا يتّبعون شريعة الإسلام، ومن جهة ثانية لا يتبعون شريعتهم الصحيحة ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ إذا لم يقبلوا الدخول في الإسلام، والأمر بقتال أهل الكتاب يجب أن ينظر إليه ضمن الشريعة القرآنية المتكاملة، وهي أن القتال يجب أن يكون لمنع الفتنة في الدين فلا يضطهد الناس لأجل دينهم ولا يكرهوا على تركه ولا يطردوا من ديارهم، لقوله تعالى ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّهِ فَإِنِ اِنْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال ٣٩/ ٨]، وقوله تعالى: ﴿لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة ٢٥٦/ ٢]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود

стр. 766

١١٨/ ١١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ [الأنفال ٦١/ ٨]، وقوله تعالى: ﴿لا يَنْهاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة ٨/ ٦٠]، فالحروب لمحض البغي والعدوان والعصبية ولحظوظ الدنيا وشهواتها، أو لغرض الانتقام والأحقاد الدينية كالحروب الصليبية، أو لأجل الاستيلاء على ثروات الشعوب وتسخيرهم كحروب الاستعمار، كل هذه الحروب محرمة في الإسلام، وإنّما شرع القتال في الإسلام للدفاع عن الحق وأهله ولحماية الدعوة، ويلاحظ في سيرة النبي ﷺ أنه ما قاتل المشركين إلاّ دفاعا، ﴿عَنْ يَدٍ﴾ اليد رمز السلطة، فيكون المعنى أن دفع الجزية رمز لقبولهم سلطة المسلمين، ومبلغ الجزية لم يكن محددا ولا ثابتا، بل كان رمزيا وتعبيرا عن قبولهم سلطة الإسلام ﴿وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ غير متكبّرين، راضون بحكم الإسلام، لأنّ الصغر ضد الكبر، قال تعالى عن فرعون والملأ ممّن معه بعد أن أفحمهم موسى بمعجزاته: ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَاِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ [الأعراف ١١٩/ ٧]، ومن مقاصد الجزية أيضا مساواة أهل الكتاب مع المسلمين في واجب الدفاع عن الدولة، ففي حين كون المسلم مكلفا بالقتال مع جيوش المسلمين لا يمكن توقع ذلك من غير المسلم لأن الدولة دينية، والقتال يتم عن عقيدة وإيمان، فالدولة تعفي غير المسلم من الاشتراك في الدفاع عنها مقابل الجزية، وهذا هو معنى الكلمة، لأنّ الجزية مشتقة من الجزاء أي المقابل، والمعنى أن غير المسلمين يدفعون الجزية للمسلمين جزاء الحماية لهم أي مقابل إعفاءهم من التجنيد، فهي بالتعبير المعاصر "بدل التجنيد"، ولذلك كانوا لا يطبقونها إلا على الأفراد الذين يصح تكليفهم العسكري، فتعفى منها النساء، كما يعفى الذكور الذين لم يبلغوا الرشد، ويعفى العجائز والمرضى والمعاقون، والكهنة والأحبار، كما أنه بنتيجة دفع الجزية يصبح غير المسلم ذمّيا أي يكون في ذمّة المسلمين، أي في أمانهم،

стр. 767

ولذلك سمّوا أهل الذمّة، وفي جميع الأحوال يلاحظ أن مقدار الجزية رمزي وهو أقل بكثير من نسبة الزكاة التي يدفعها المسلمون. قال الرازي: وإنّما خصّهم تعالى بقبول الجزية لأنهم في الظاهر ألصقوا أنفسهم بموسى وعيسى، وادعوا أنهم يعملون بالتوراة والإنجيل، فلأجل تعظيم هذين الرسولين المعظمين وكتابيهما، حكم تعالى بقبول الجزية منهم، وإلا ففي الحقيقة لا فرق بينهم وبين المشركين. ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ اِبْنُ اللهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ (٣٠) ٣٠ - الآيات (٣٠ - ٣٤) شرح وتفصيل لقوله تعالى عن أهل الكتاب في الآية السابقة أنهم لا يدينون دين الحق: ﴿وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ﴾ عزير هو عزيريس أو أوزيريس Osiris وهو إبن الشمس الإله "رع" عند قدامى المصريين، وقد انتقلت عبادته إلى سورية تحت اسم أدونيس، وعند الإغريق صار اسمه ديونيسس، وعند الرومان باكوس، والخلاصة أنه كان من تأثر اليهود بديانة قدامى المصريين أن انتكسوا للوثنية مرات عديدة وقدّسوا عزيريس وزعموا أنه ابن الله كما هي عقيدة الفراعنة. وقيل أيضا إنّ عزير هو أحد أنبياء اليهود Ezra ويحتل مكانة عليّة جدا ومبجّلة عندهم وينسبون إليه إعادة كتابة التوراة بعد ضياعها، وقد استخدم محرّرو العهد القديم تعبير ابن الله أو أبناء الله بكثير من الخفة والحرية، وحتى لو كان هذا التعبير عندهم رمزيا مجازيّا فقد أدانه القرآن الكريم لما ينشأ عنه من الانحراف نحو تفسيره حرفيا كما فعل النصارى: ﴿وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ اِبْنُ اللهِ﴾ وهي العقيدة التي ابتدعها بولس وأدخلها في النصرانية، راجع شرح آية [آل عمران ٧٨/ ٣] ﴿ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ﴾ هو مجرّد كلام من عندهم، لا يعضده برهان، وليس كل ما يقال يعتدّ به ﴿يُضاهِؤُنَ﴾ أي يضاهي قولهم في الكفر والشناعة ﴿قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ﴾

стр. 768

﴿قَبْلُ﴾ الذين كفروا من قبلهم هم اليونان الذين عبدوا آلهة وسلالة آلهة من ابتداعهم، وقد أثّرت الثقافة اليونانية الهلنستية في اليهودية والمسيحية تأثيرا كبيرا وأدخلت فيهما الكثير من الأفكار الوثنية، وكان شائعا عندهم تأليه القادة والأباطرة بمن فيهم الإسكندر الكبير وقد عبدوه بعد موته، كما جعل الرومان من يوليوس قيصر إلها وجعلوا خليفته الإمبراطور أغسطس ابن الإله، فلم يكن مستغربا لمثل هذه العقلية أن تؤلّه المسيح ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾ بالمعنى المجازي، ومعناه لعنهم الله ﴿أَنّى يُؤْفَكُونَ﴾ كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل بعد وضوح الدلائل والبراهين. ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (٣١) ٣١ - الآية شرح لقوله تعالى عن أهل الكتاب إنهم لا يحرّمون ما حرّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق: ﴿اِتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللهِ﴾ الأحبار والرهبان هم رجال الدين عند اليهود والنصارى، اتخذهم اليهود والنصارى أربابا من حيث طاعتهم لهم في التحليل والتحريم، ويقال من حيث المجاز إن فلانا يعبد فلانا إذا أطاعه طاعة مطلقة في الأوامر والنواهي، وليس المقصود أنه يعتقده إلها، وهو التفسير المأثور عن النبي ﷺ ، ولأن الأحبار والرهبان اتخذوا القرارات الوضعية بتأليه المسيح ﵇ ﴿وَالْمَسِيحَ اِبْنَ مَرْيَمَ﴾ اتخذوه إلها، وابن إله، كما قررته مجمعاتهم الكنسية المسكونية وكان أولها مجمع نيقية عام ٣٢٥ م في آسيا الصغرى، راجع شرح آية [آل عمران ٦٤/ ٣]، والنتيجة أنهم يقبلون بقرارات وأقوال الأحبار والرهبان الوضعية في حين لا يقبلون أصل الوحي، وقد نعى الرازي ما يشبه ذلك على بعض فقهاء المسلمين أيضا، فقال: قال شيخنا ومولانا خاتمة المحققين والمجتهدين ﵁، ويحتمل أنه يقصد بشيخه والده عمر ضياء الدين، أو شيخه البغوي: "قد شاهدت جماعة

стр. 769

من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض المسائل، وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات، فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها وبقوا ينظرون إلي كالمتعجب، يعني كيف يمكن العمل بظواهر الآيات مع أن الرواية عن السلف على خلافها! ولو تأملت حق التأمل وجدت هذا الداء ساريا في عروق الأكثرين من أهل الدنيا"، انتهى، والمغزى أن هؤلاء الناس درجوا على التقليد الذي ذمّه القرآن في آيات عديدة، في حين أن الإسلام مبني على العلم اليقيني، دون التقليد، ﴿وَما أُمِرُوا﴾ أي هؤلاء الذين اتخذوهم أربابا من الأحبار والرهبان، والذين اتبعوهم ﴿إِلاّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً﴾ كما نصّت عليه كتبهم، قبل أن يحرفوها ويعيدوا كتابتها من عند أنفسهم ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيها له تعالى عمّا أدخلوا في كتبهم وعقائدهم من الشرك. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿يُرِيدُونَ﴾ وهم الأحبار والرهبان وأشياعهم ﴿أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ﴾ يطفئوا الهداية التي أنزلها تعالى على الرسول ﷺ ، بالطعن في الإسلام والصدّ عنه بالباطل، وتجاهل الدلائل الدالة على التوحيد وصحة نبوّته ﷺ ﴿بِأَفْواهِهِمْ﴾ بأقاويلهم الباطلة التي ليس لها سند أو أصل، وبما ابتدعه رؤساؤهم من التشريع ونسبوه وينسبونه إلى الوحي، وإدخال الإسرائيليات في التفسير والحديث ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ بأن تكون الهداية الصحيحة في مقدور كل من يريد من الذين يعملون العقل والفكر والتأمل وينتهون عن التقليد ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ﴾ إتمام نوره تعالى. ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾

стр. 770

٣٣ - ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى﴾ لهداية الناس عامة ﴿وَدِينِ الْحَقِّ﴾ الإسلام ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ على سائر الأديان فينسخها كما ذكر في آية [البقرة ١٠٦/ ٢]، ويظهر عليها بالحجج والبراهين، ويبيّن بطلان ما دخل فيها من الخرافات، ويتغلب على الوثنية في جزيرة العرب، وينطلق منها إلى الناس كافة، ويحتمل عود الضمير في يظهره على الرسول ﷺ أو على دين الحق، وفي الحالتين يكون المعنى عالمية رسالة الإسلام إلى الناس أجمعين، بخلاف الرسالات السابقة التي جاءت لأقوام بعينهم ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ رغم جهودهم في محاولة إطفاء نور الله. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣٤) ٣٤ - بعد أن بيّن تعالى في الآية (٣١) أن الأحبار والرهبان يدّعون الربوبية، ويريدون أن يطفئوا نور الله (الآية ٣٢)، وصفهم في هذه الآية بالطمع والحرص على أكل أموال الناس بالباطل لغرضين: الأول أطماعهم ومصالحهم الشخصية، والثاني الصد عن الإسلام: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ وما نراه اليوم، في العالم الغربي خاصة، من الثروات الهائلة التي جمعتها الكنيسة المسيحية، وتستخدمها في جهود التبشير، وفي الصدّ عن الإسلام، وفي رفاهية زعماء الكنيسة، كأنّ الآية ما نزلت إلاّ فيهم، هذا على النطاق العالمي، وقد كانوا قبل ذلك في القرون الوسطى يبيعون صكوك الغفران للمغفلين من الناس، وقوله تعالى ﴿كَثِيراً﴾ تنبيه على استثناء بعضهم، فلا يخلوا أن يكون البعض منهم على شيء من الاستقامة، إذ يندر إجماع الكل على الباطل ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ في هذه الآية انتقال تدريجي في الخطاب عن أهل الكتاب الذي بدأ في الآية (٢٩)﴾، لأن اكتناز الذهب والفضة، أي الثروات الضخمة، وعدم

стр. 771

إنفاقها في سبيل الله ينطبق على أهل الكتاب والمسلمين معا، وهو قول أبي ذر ﵁، ذكره الطبري، فمن جهة أهل الكتاب يلاحظ أن كنائس المسيحية في الغرب قد جمعت وكنزت ثروات خيالية ينفقون منها في الباطل وفي الحملات التبشيرية وفي التنفير عن الإسلام والطعن فيه وتشويه صورته ورسالته، ومن جهة المسلمين فقد كنز الكثير منهم ثروات ضخمة دون أن ينفقوا زكاتها، على فرض أنهم لم يجمعوها بالباطل، فضلا عن سوء استخدامها وتبذيرها وهدرها بلا طائل بمختلف الوسائل، وعدم إنفاقها في الوجوه الصحيحة لمنفعة المسلمين وقضية الإسلام ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ في الآخرة كما سيرد في الآية التالية، ولفظ البشارة يستخدم في الخير وفي الغمّ، لأن بشرة الإنسان تتلوّن وتتغير عند سماع أحد الخبرين، وإن غلب عند الكثيرين استعمالها لأجل البشارة بالخير. ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٣٥) ٣٥ - ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ هذه الاستعارة البليغة لبيان عاقبة من يأكل أموال الناس بالباطل، أو يسيئ استعمال الثروة، فقد يكون كيّ الجباه كناية عن عذاب الفكر الذي قاد صاحبه للاعتقاد أن الثروة هدف بذاتها وليست وسيلة، وكيّ الجنوب التي هي جوانب البطن مقر الجشع والطمع لبيان أنّ الجشع لا يصل بصاحبه إلى الرضا والقناعة، وكيّ الظهور لأنها أصل القوة والتوازن لمن كان يظن أن الثروة هي كل ما يحتاج المرء للوصول إلى القوة والسلطة في الدنيا ﴿هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ تظنون النجاة بما كنزتم ﴿فَذُوقُوا﴾ عاقبة ﴿ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ فهي لا تفيد صاحبها الذي أساء استخدامها، أو حصل عليها بالباطل شيئا، سوى أنّه يتعذّب بنتيجتها، راجع آية [آل عمران ١٨٠/ ٣].

стр. 772

﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اِثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣٦) ٣٦ - بعد أن أوضحت الآيات (١ - ٢٨) سياسة الإسلام تجاه مشركي العرب، ثم أوضحت موقف الإسلام تجاه أهل الكتاب في جزيرة العرب وخارجها بالآيات (٢٩ - ٣٤)، وأظهرت مساوئهم جميعا من مشركين وأهل كتاب، يعود الخطاب لبيان نوع آخر من قبائح المشركين، وهو أنهم كانوا ينتهكون الأشهر الحرم عن طريق التلاعب في توقيتها لتوافق مصالحهم الدنيوية وأهواءهم: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أي عدد شهور السنة ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أي في تقديره، لقوله تعالى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان ٢/ ٢٥]، ولقوله جلّ ثناؤه ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام ٩٦/ ٦]، ﴿اِثْنا عَشَرَ شَهْراً﴾ وهي الشهور القمرية المعروفة المعتبرة أساسا للأحكام الشرعية، ولأن حساب الشهور يسهل، على أيّ كان، بالمشاهدة العينية للقمر، وبصورة طبيعية، أكثر من الحساب الاعتباري لشهور السنة الشمسية، ومن حكمة الشهور القمرية أنها تجعل شهر الصيام وشهر الحج يدوران على كل فصول السنة ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ فيما أوجبه وحكم به، لأن الكتاب في هذا الموضع هو الحكم والإيجاب، كقوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ﴾ [البقرة ٢١٦/ ٢]، ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ منذ بدء الخليقة ﴿مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ وهي ثلاثة شهور متتالية: ذي القعدة وذي الحجة والمحرّم، لأن السفر إلى الحج في الحجاز والعودة منها تكون في هذه الأشهر الثلاثة، وشهر رجب حرّم بمفرده في وسط السنة لتقليل شرور القتال والعدوان، ولتسهيل السفر للعمرة، كما حرّمت مكة وما حولها على مدار العام لتأمين الحج والعمرة ﴿ذلِكَ﴾ أي عدد

стр. 773

شهور السنة، وحرمة أربعة منها ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي هذا هو الشرع الصحيح، المستقيم، الدائم ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ بانتهاك حرمتها، والمقصود تحريم النسيء، أي تحريم التلاعب بأوقات الشهور كما سيرد في الآية التالية، لأنهم كانوا يجعلون بعض الأشهر الحرم حلالا، وبعض الأشهر الحلال حرما، لكي تناسب أوقات مصالحهم ومواسمهم من تجارة وحج، ولتوافق أهواءهم في العدوان وشن الغارات واستمرار الحروب، والضمير في قوله ﴿فِيهِنَّ﴾ عائد للشهور القمرية الاثني عشر، والأربعة الحرم منها خاصة ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ وهو تحليل قتال المشركين في الأشهر الحرم إن كانوا البادئين بالقتال، راجع آية [البقرة ٢١٧/ ٢]، ﴿كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ تعاونوا وتناصروا عليهم ولا تتفرّقوا ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتّقون الظلم والعدوان والفساد، ويتّقون التنازع والفرقة والتخاذل، ويتّقون مخالفة سننه تعالى في الأسباب والمسببات. ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ النسيء هو التأخير، والمقصود به تأخير حرمة شهر إلى آخر، لأن العرب في الجاهلية كانوا إذا جاء شهر حرام، وهم محاربون، أو على أهبة الحرب يريدون الإغارة والعدوان، أحلّوه وحرّموا مكانه شهرا غيره، كأن يحلّوا المحرّم ويحرّموا صفرا، فإن احتاجوا أيضا أحلّوا صفرا وحرّموا ربيعا الأول وهكذا إلى أن ينتهوا من الغرض الذي من أجله لجؤوا إلى النسيء، وقد يدور التحريم على مدار العام، وربّما زادوا في عدد شهور العام بأن يجعلوها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت ويضمّنوا في سنتهم المصطنعة أربعة أشهر حرم، ولذا قال تعالى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اِثْنا عَشَرَ شَهْراً﴾، وبنفس الطريقة كانوا يتلاعبون بشهر الحج كي يلائم مواسم التجارة لديهم أو يلائم المناخ ﴿زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ أي إنّما ذلك التأخير زيادة في الكفر الذي هم

стр. 774

عليه، لأنه تحريم ما أحل الله واستحلال ما حرّم، وذلك كفر ضمّوه إلى ما هم عليه من الكفر أصلا ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إضلالا فوق ضلالهم، والذين يقومون بالإضلال هم الزعماء والرؤساء لأن العوام تأتمر بأمرهم ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ أي الشهر المؤخّر ﴿عاماً﴾ من الأعوام، ويحرّمون مكانه شهرا آخر ليس حراما، إذا تطلبت مصلحتهم ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً﴾ يتركونه على حرمته في عام آخر، حسب هواهم ﴿لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ وهي الأشهر الأربعة، أي إنهم كلّما أحلّوا شهرا حراما حرّموا مكانه شهرا من الحلال، وكلّما حرّموا شهرا من الحلال أحلّوا مكانه شهرا من الحرام، لأجل أن يبقى عدد الأشهر الحرم أربعة، ولو اضطرهم ذلك إلى زيادة عدد شهور السنة وهذا هو معنى المواطأة، أي أنهم يتواطؤون على ذلك، ويقال تواطأ القوم إذا أجمعوا على شيء، فكأن كلّ منهم يطأ حيث يطأ صاحبه ﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ﴾ من الأشهر الحرم ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ﴾ وهو كقوله تعالى ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال ٤٨/ ٨]، ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ لأن الكافرين مصرّون على اتباع أهوائهم ومصالحهم الدنيوية العاجلة وما يزيّنه الشيطان لهم. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اِثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ (٣٨) ٣٨ - بعد أن أعلنت السورة البراءة من المشركين يوم الحج الأكبر إثر عودة النبي ﷺ والمؤمنين من غزوة تبوك، وبينت موقف الإسلام من مشركي جزيرة العرب وخارجها، وشرحت معايب وجهالات المشركين وأهل الكتاب، أكملت في هذه الآية وما يليها التأكيد على المواقف العملية التي يترتب على المسلمين اتخاذها تجاه ذلك، وضربت مثلا بغزوة تبوك، لأنّ الخطاب من هنا إلى آخر السورة في غزوة تبوك، لبيان ما ظهر خلالها من أصناف المنافقين وقبائحهم وجهالاتهم، ممّا هو عام في المنافقين في كل الأزمنة:

стр. 775

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا﴾ للقتال ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ذلك أنّ النبي ﷺ أراد أن يحبط خطة هرقل إمبراطور بيزنطة لمّا بلغه أنه يعدّ العدّة لغزو الحجاز والمدينة، راجع الخلفية التاريخية، فدعا الناس للخروج إلى قتال الروم ولمّا تنقض ستة شهور بعد عودته إلى المدينة من فتح مكة ووقعة حنين، إذ كان من عادته ﷺ أن يأخذ زمام المبادرة، دفاعا لا عدوانا، وإحباطا لخطة الخصم أن يعتدي، فقد كانت حروبه ﷺ كلّها دفاعية ﴿اِثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ يعني ما لكم تثاقلتم عن الحركة، وتباطأتم عن الإجابة، وملتم إلى الدنيا، ونظيره قوله تعالى ﴿وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف ١٧٦/ ٧]، ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بدلا ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾ لأن الناس استثقلوا النفير والخروج من المدينة لعدة أسباب، منها شدة الحر في ذلك الوقت من رجب، الموافق تشرين الأول/أكتوبر من ذلك العام، وأيضا كان قد حان وقت قطاف ثمار المدينة، ومسافة السير إلى الروم بعيدة، يضاف إلى كل ذلك أنهم استعظموا غزو الروم وهابوه ﴿فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي﴾ جنب ﴿الْآخِرَةِ﴾ أي بالمقارنة معها ﴿إِلاّ قَلِيلٌ﴾ التمتع بنعيم الدنيا قليل وتافه بالمقارنة مع نعيم الآخرة. ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ إلاّ: مركّبة من إن الشرطية و ﴿لا﴾ النافية، والمعنى أنّ المؤمنين إن تقاعسوا وتخاذلوا عن النفير إلى حرب الروم، الذي دعاهم إليه النبي ﷺ ، نزل بهم العذاب الأليم في الدنيا قبل الآخرة، لعصيانهم النبي ﷺ ، وهذه القاعدة عامة أنّ الأمم التي تتخاذل عن الجهاد والدفاع عن حقوقها تتعرض للعذاب في الدنيا على أيدي أعدائها ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ لأنه تعالى ينصر دينه على كل حال، إن لم يكن بأيديهم فلا بدّ أن يكون بأيدي غيرهم، وقد شرّفهم تعالى بحمل الرسالة، والمغزى العام أيضا لبيان سننه تعالى في خلقه بأن لا بقاء للأمم التي تتثاقل في الدفاع عن نفسها
следующие страницы →