← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

إنفاقها في سبيل الله ينطبق على أهل الكتاب والمسلمين معا، وهو قول أبي ذر ﵁، ذكره الطبري، فمن جهة أهل الكتاب يلاحظ أن كنائس المسيحية في الغرب قد جمعت وكنزت ثروات خيالية ينفقون منها في الباطل وفي الحملات التبشيرية وفي التنفير عن الإسلام والطعن فيه وتشويه صورته ورسالته، ومن جهة المسلمين فقد كنز الكثير منهم ثروات ضخمة دون أن ينفقوا زكاتها، على فرض أنهم لم يجمعوها بالباطل، فضلا عن سوء استخدامها وتبذيرها وهدرها بلا طائل بمختلف الوسائل، وعدم إنفاقها في الوجوه الصحيحة لمنفعة المسلمين وقضية الإسلام ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ في الآخرة كما سيرد في الآية التالية، ولفظ البشارة يستخدم في الخير وفي الغمّ، لأن بشرة الإنسان تتلوّن وتتغير عند سماع أحد الخبرين، وإن غلب عند الكثيرين استعمالها لأجل البشارة بالخير. ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (٣٥) ٣٥ - ﴿يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ هذه الاستعارة البليغة لبيان عاقبة من يأكل أموال الناس بالباطل، أو يسيئ استعمال الثروة، فقد يكون كيّ الجباه كناية عن عذاب الفكر الذي قاد صاحبه للاعتقاد أن الثروة هدف بذاتها وليست وسيلة، وكيّ الجنوب التي هي جوانب البطن مقر الجشع والطمع لبيان أنّ الجشع لا يصل بصاحبه إلى الرضا والقناعة، وكيّ الظهور لأنها أصل القوة والتوازن لمن كان يظن أن الثروة هي كل ما يحتاج المرء للوصول إلى القوة والسلطة في الدنيا ﴿هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ تظنون النجاة بما كنزتم ﴿فَذُوقُوا﴾ عاقبة ﴿ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ فهي لا تفيد صاحبها الذي أساء استخدامها، أو حصل عليها بالباطل شيئا، سوى أنّه يتعذّب بنتيجتها، راجع آية [آل عمران ١٨٠/ ٣].

стр. 772

﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اِثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٣٦) ٣٦ - بعد أن أوضحت الآيات (١ - ٢٨) سياسة الإسلام تجاه مشركي العرب، ثم أوضحت موقف الإسلام تجاه أهل الكتاب في جزيرة العرب وخارجها بالآيات (٢٩ - ٣٤)، وأظهرت مساوئهم جميعا من مشركين وأهل كتاب، يعود الخطاب لبيان نوع آخر من قبائح المشركين، وهو أنهم كانوا ينتهكون الأشهر الحرم عن طريق التلاعب في توقيتها لتوافق مصالحهم الدنيوية وأهواءهم: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ﴾ أي عدد شهور السنة ﴿عِنْدَ اللهِ﴾ أي في تقديره، لقوله تعالى ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان ٢/ ٢٥]، ولقوله جلّ ثناؤه ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [الأنعام ٩٦/ ٦]، ﴿اِثْنا عَشَرَ شَهْراً﴾ وهي الشهور القمرية المعروفة المعتبرة أساسا للأحكام الشرعية، ولأن حساب الشهور يسهل، على أيّ كان، بالمشاهدة العينية للقمر، وبصورة طبيعية، أكثر من الحساب الاعتباري لشهور السنة الشمسية، ومن حكمة الشهور القمرية أنها تجعل شهر الصيام وشهر الحج يدوران على كل فصول السنة ﴿فِي كِتابِ اللهِ﴾ فيما أوجبه وحكم به، لأن الكتاب في هذا الموضع هو الحكم والإيجاب، كقوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ﴾ [البقرة ٢١٦/ ٢]، ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ منذ بدء الخليقة ﴿مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ وهي ثلاثة شهور متتالية: ذي القعدة وذي الحجة والمحرّم، لأن السفر إلى الحج في الحجاز والعودة منها تكون في هذه الأشهر الثلاثة، وشهر رجب حرّم بمفرده في وسط السنة لتقليل شرور القتال والعدوان، ولتسهيل السفر للعمرة، كما حرّمت مكة وما حولها على مدار العام لتأمين الحج والعمرة ﴿ذلِكَ﴾ أي عدد

стр. 773

شهور السنة، وحرمة أربعة منها ﴿الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي هذا هو الشرع الصحيح، المستقيم، الدائم ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ بانتهاك حرمتها، والمقصود تحريم النسيء، أي تحريم التلاعب بأوقات الشهور كما سيرد في الآية التالية، لأنهم كانوا يجعلون بعض الأشهر الحرم حلالا، وبعض الأشهر الحلال حرما، لكي تناسب أوقات مصالحهم ومواسمهم من تجارة وحج، ولتوافق أهواءهم في العدوان وشن الغارات واستمرار الحروب، والضمير في قوله ﴿فِيهِنَّ﴾ عائد للشهور القمرية الاثني عشر، والأربعة الحرم منها خاصة ﴿وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ وهو تحليل قتال المشركين في الأشهر الحرم إن كانوا البادئين بالقتال، راجع آية [البقرة ٢١٧/ ٢]، ﴿كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ تعاونوا وتناصروا عليهم ولا تتفرّقوا ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتّقون الظلم والعدوان والفساد، ويتّقون التنازع والفرقة والتخاذل، ويتّقون مخالفة سننه تعالى في الأسباب والمسببات. ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ﴾ النسيء هو التأخير، والمقصود به تأخير حرمة شهر إلى آخر، لأن العرب في الجاهلية كانوا إذا جاء شهر حرام، وهم محاربون، أو على أهبة الحرب يريدون الإغارة والعدوان، أحلّوه وحرّموا مكانه شهرا غيره، كأن يحلّوا المحرّم ويحرّموا صفرا، فإن احتاجوا أيضا أحلّوا صفرا وحرّموا ربيعا الأول وهكذا إلى أن ينتهوا من الغرض الذي من أجله لجؤوا إلى النسيء، وقد يدور التحريم على مدار العام، وربّما زادوا في عدد شهور العام بأن يجعلوها ثلاثة عشر أو أربعة عشر ليتسع لهم الوقت ويضمّنوا في سنتهم المصطنعة أربعة أشهر حرم، ولذا قال تعالى ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اِثْنا عَشَرَ شَهْراً﴾، وبنفس الطريقة كانوا يتلاعبون بشهر الحج كي يلائم مواسم التجارة لديهم أو يلائم المناخ ﴿زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ أي إنّما ذلك التأخير زيادة في الكفر الذي هم

стр. 774

عليه، لأنه تحريم ما أحل الله واستحلال ما حرّم، وذلك كفر ضمّوه إلى ما هم عليه من الكفر أصلا ﴿يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إضلالا فوق ضلالهم، والذين يقومون بالإضلال هم الزعماء والرؤساء لأن العوام تأتمر بأمرهم ﴿يُحِلُّونَهُ﴾ أي الشهر المؤخّر ﴿عاماً﴾ من الأعوام، ويحرّمون مكانه شهرا آخر ليس حراما، إذا تطلبت مصلحتهم ﴿وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً﴾ يتركونه على حرمته في عام آخر، حسب هواهم ﴿لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ﴾ وهي الأشهر الأربعة، أي إنهم كلّما أحلّوا شهرا حراما حرّموا مكانه شهرا من الحلال، وكلّما حرّموا شهرا من الحلال أحلّوا مكانه شهرا من الحرام، لأجل أن يبقى عدد الأشهر الحرم أربعة، ولو اضطرهم ذلك إلى زيادة عدد شهور السنة وهذا هو معنى المواطأة، أي أنهم يتواطؤون على ذلك، ويقال تواطأ القوم إذا أجمعوا على شيء، فكأن كلّ منهم يطأ حيث يطأ صاحبه ﴿فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ﴾ من الأشهر الحرم ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ﴾ وهو كقوله تعالى ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ﴾ [الأنفال ٤٨/ ٨]، ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ﴾ لأن الكافرين مصرّون على اتباع أهوائهم ومصالحهم الدنيوية العاجلة وما يزيّنه الشيطان لهم. ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اِثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ (٣٨) ٣٨ - بعد أن أعلنت السورة البراءة من المشركين يوم الحج الأكبر إثر عودة النبي ﷺ والمؤمنين من غزوة تبوك، وبينت موقف الإسلام من مشركي جزيرة العرب وخارجها، وشرحت معايب وجهالات المشركين وأهل الكتاب، أكملت في هذه الآية وما يليها التأكيد على المواقف العملية التي يترتب على المسلمين اتخاذها تجاه ذلك، وضربت مثلا بغزوة تبوك، لأنّ الخطاب من هنا إلى آخر السورة في غزوة تبوك، لبيان ما ظهر خلالها من أصناف المنافقين وقبائحهم وجهالاتهم، ممّا هو عام في المنافقين في كل الأزمنة:

стр. 775

﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ اِنْفِرُوا﴾ للقتال ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ ذلك أنّ النبي ﷺ أراد أن يحبط خطة هرقل إمبراطور بيزنطة لمّا بلغه أنه يعدّ العدّة لغزو الحجاز والمدينة، راجع الخلفية التاريخية، فدعا الناس للخروج إلى قتال الروم ولمّا تنقض ستة شهور بعد عودته إلى المدينة من فتح مكة ووقعة حنين، إذ كان من عادته ﷺ أن يأخذ زمام المبادرة، دفاعا لا عدوانا، وإحباطا لخطة الخصم أن يعتدي، فقد كانت حروبه ﷺ كلّها دفاعية ﴿اِثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ يعني ما لكم تثاقلتم عن الحركة، وتباطأتم عن الإجابة، وملتم إلى الدنيا، ونظيره قوله تعالى ﴿وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف ١٧٦/ ٧]، ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ بدلا ﴿مِنَ الْآخِرَةِ﴾ لأن الناس استثقلوا النفير والخروج من المدينة لعدة أسباب، منها شدة الحر في ذلك الوقت من رجب، الموافق تشرين الأول/أكتوبر من ذلك العام، وأيضا كان قد حان وقت قطاف ثمار المدينة، ومسافة السير إلى الروم بعيدة، يضاف إلى كل ذلك أنهم استعظموا غزو الروم وهابوه ﴿فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي﴾ جنب ﴿الْآخِرَةِ﴾ أي بالمقارنة معها ﴿إِلاّ قَلِيلٌ﴾ التمتع بنعيم الدنيا قليل وتافه بالمقارنة مع نعيم الآخرة. ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً﴾ إلاّ: مركّبة من إن الشرطية و ﴿لا﴾ النافية، والمعنى أنّ المؤمنين إن تقاعسوا وتخاذلوا عن النفير إلى حرب الروم، الذي دعاهم إليه النبي ﷺ ، نزل بهم العذاب الأليم في الدنيا قبل الآخرة، لعصيانهم النبي ﷺ ، وهذه القاعدة عامة أنّ الأمم التي تتخاذل عن الجهاد والدفاع عن حقوقها تتعرض للعذاب في الدنيا على أيدي أعدائها ﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ لأنه تعالى ينصر دينه على كل حال، إن لم يكن بأيديهم فلا بدّ أن يكون بأيدي غيرهم، وقد شرّفهم تعالى بحمل الرسالة، والمغزى العام أيضا لبيان سننه تعالى في خلقه بأن لا بقاء للأمم التي تتثاقل في الدفاع عن نفسها

стр. 776

ومبادئها حتى لو كانت على الحق، وأنه تعالى يجعل رسالته في الأمم الجديرة بحملها، ولأن النصر لو كان حتميا لأصحاب الحق، دون عمل وجهاد منهم، لصار الإيمان قسريّا ولبطل التكليف والاختبار ﴿وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً﴾ لأنه تعالى غنيّ عن العالمين، وهو القاهر فوق عباده، وقيل الضمير يعود للنبي ﷺ أي لا تضرّوا النبي شيئا لأن الله كفل له النصر ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فلا يتحقق شيء إلاّ بمشيئته. ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اِثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٤٠) ٤٠ - ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إن لا تنصروا الرسول، بتقاعسكم عن النفير لقتال الروم، فسينصره من نصره عندما اضطره المشركون للهجرة من مكة، بعد أن قلّبوا احتمالات التخلص منه بالحبس أو القتل أو الإخراج [الأنفال ٣٠/ ٨]، ولم يكن معه وقتئذ جيش ولا أنصار، بل حال كونه ﴿ثانِيَ اِثْنَيْنِ﴾ لم يكن معه إلاّ رجل واحد، وهو أبو بكر الصدّيق، ويقال فلان ثاني اثنين أي هو أحدهما ﴿إِذْ هُما فِي الْغارِ﴾ وهو الغار الذي لجآ إليه في جبل ثور على مقربة من مكة في طريق هجرته إلى المدينة ﴿إِذْ يَقُولُ﴾ النبي ﷺ ﴿لِصاحِبِهِ﴾ أبي بكر ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ بالعصمة والمعونة، فهي معيّة مخصوصة، وإلاّ فهو تعالى مع كل واحد من خلقه، وذلك بعد أن خشي أبو بكر من إدراك المشركين لهما في الغار، فقال له النبي ﷺ : "يا أبا بكر، ما ظنّك باثنين الله تعالى ثالثهما"؟ ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ وهي الطمأنينة التي تسكن بها القلوب، قال الألوسي: أنزلت السكينة على النبي ﷺ لتسكين قلب الصدّيق، فكأنه قيل: أنزل سكينة النبي على صاحبه، فالضمير في ﴿سَكِينَتَهُ﴾ يعود إلى النبي، والضمير في ﴿عَلَيْهِ﴾ يعود إلى الصدّيق ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ إذ خرجت قريش في طلب النبي ﷺ رجالا وركبانا وكانوا على إدراكه قاب قوسين أو أدنى فرجعوا صفر الأكفّ ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهي كلمة

стр. 777

الشرك والكفر ﴿السُّفْلى﴾ بإفشال ما أجمعوا عليه من قتل النبي ﷺ وما كانوا يخططون للقضاء على دعوة الإسلام، وعبارة: ﴿وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيا﴾ إسمية من مبتدأ مرفوع وخبر، قال الألوسي: لأنها تدل على الدوام والثبوت، مع الإشعار بأنّ الجعل لم يتطرق لتلك الكلمة، وأنها بذاتها عالية، بخلاف علوّ غيرها فإنه غير ذاتي بل نتيجة جعل وتكلّف فهو عرض زائل، وقال الشيخ محمد رشيد رضا: غير أن علويّتها قد تخفى على بعض الناس، في بعض الأحيان، بحسب إقامة المكلّفين لها، وبحسب أحوالهم في العلم والإيمان والأخلاق والأعمال، فقد ينظر الغير إليها من خلال صفات المدّعين لها لا في ذاتها ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ﴾ قاهر غالب على أمره، سواء استجبتم للنفير أم لم تستجيبوا ﴿حَكِيمٌ﴾ في اختيار من يشرفهم بحمل الرسالة. ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٤١) ٤١ - بعد أن وبّخ تعالى المؤمنين على تساهلهم في ترك النفير، وتوعّدهم على تركه، وضرب لهم الأمثال في نصرة نبيّه على كل حال، وأنه تعالى غالب على أمره، بهم أو من دونهم، أتبعه بالأمر الجزم، مبيّنا حكم النفير العام الذي هو خير لهم من التقاعس: ﴿اِنْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً﴾ أي على كلّ حال من اليسر أو العسر ﴿وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ بما أمكن لكم منهما، كليهما، أو أحدهما ﴿ذلِكُمْ﴾ النفير والجهاد ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ الخير يعود عليكم وحدكم بنتيجة الجهاد، لأنه تعالى غني عن العالمين ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فضل الجهاد. ﴿لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَوِ اِسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (٤٢) ٤٢ - بعد أن ذكر تعالى فضل الجهاد وحثّ المؤمنين عليه، بيّن أنّ من الناس من يتقاعس عنه كما حدث في غزوة تبوك فقال تعالى مخاطبا نبيّه: ﴿لَوْ كانَ﴾

стр. 778

ما تدعوهم إليه ﴿عَرَضاً قَرِيباً﴾ أي مغنما سهل المنال، لأنّ العرض ما يعرض من منافع الدنيا، وسمّي عرضا لكونه زائلا، وفي الحديث: «الدنيا عرض حاضر يأكل منه البرّ والفاجر»، ﴿وَسَفَراً قاصِداً﴾ أي قاصدا عرض الدنيا بقصد الغنيمة ﴿لاتَّبَعُوكَ﴾ طمعا في الغنيمة ﴿وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ﴾ وهي المسافة التي تقطع بمشقّة ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ وهم المنافقون المتخلّفون عن النفير ﴿لَوِ اِسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ لقتال الروم ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ بالنفاق وبالحلف الكاذب ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في ادّعائهم، فقد كانوا يستطيعون الخروج، لكنهم منافقون طلاّب دنيا ولذّات عاجلة، استثقلوا الخروج، واستعظموا غزو الروم، ويئسوا من الغلبة عليهم، ومن المغنم. ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ لأيّ سبب أذنت لهم بالقعود والتخلّف أيها الرسول؟ فقد كانت تلك مناسبة لغربلة الصادق منهم من الكاذب، ولكشف مواقف المنافقين منهم ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ﴾ حتى تنكشف مواقفهم، لأن الكاذبين لا يخرجون معك لغزو الروم سواء أذنت لهم أم لم تأذن، وقد كان إذن النبي ﷺ لهم بالقعود من قبيل الرفق واللين، وعدم الرغبة أن يرافقه من كان منهم مترددا ضعيف الإيمان، فموقفه ﷺ كان خلاف الأولى، لأنّ الأولى، كما بيّنته الآية، فرز الذين استأذنوا بحيث يتبيّن الصادق من الكاذب، وقد ذكر الشيخ محمد رشيد رضا في تفسير المنار أن علماء الأصول صرّحوا بجواز الخطأ في الاجتهاد على الأنبياء ﵈، لكن الله تعالى لا يقرّهم عليه بل يبيّن لهم الصواب. ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ (٤٤) ٤٤ - وهذه صفة من صفات المؤمنين الحقيقيين: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ المؤمنون بالله واليوم الآخر

стр. 779

لا يستأذنون الرسول ﷺ بخصوص الجهاد بأموالهم وأنفسهم، فلا يستأذنون في القعود، ولا يختلقون الأعذار للتخلف ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ من غيرهم. ﴿إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَاِرْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (٤٥) ٤٥ - وهذه صفة من صفات المنافقين: ﴿إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ﴾ في القعود والتخلف لأعذار مختلقة ﴿الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ لا يؤمنون إيمانا يقينيا، وإنّما إيمانهم لا يتعدّى المظاهر، ولذا يعتبرون التضحية لأجل الجهاد مغرما يفوّت عليهم بعض المنافع الدنيوية ﴿وَاِرْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ داخلها الشك في دعوة الإسلام ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ هم في حيرة من أمرهم بين الدين والدنيا، فقد قبلوا من الإسلام ما يسهل عليهم أداؤه كالعبادات، ثمّ إذا حان وقت العمل والتضحيات المادية وتحمّل المشقة حاولوا التملّص بشتّى الأعذار. ﴿وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ اِنْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ (٤٦) ٤٦ - ﴿وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ﴾ إلى القتال ﴿لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ الدلالة على عدم جدّيتهم أنّهم لم يعدّوا العدّة من البدء، من سلاح وخيل وزاد، فالأعذار الطارئة التي تذرّعوا بها ليست حقيقية ﴿وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ اِنْبِعاثَهُمْ﴾ من المدينة معكم ﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾ كسّلهم وثبّط هممهم للأسباب المذكورة في الآية التالية، والضمير عائد لله تعالى رغم أن ذلك من أعمالهم الاختيارية بسبب ترددهم وميل نفوسهم إلى التخاذل، راجع شرح آية [البقرة ٧/ ٢]، ﴿وَقِيلَ اُقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ مع العجزة والمرضى والنساء والمتخلفين، وهذا القيل يحتمل عدة معان: فقد يكون القائل هو الشيطان على سبيل الوسوسة، وقد يكون أنهم قالوا ذلك لبعضهم البعض حينما أجمعوا على القعود، وقد يكون القائل الرسول ﷺ حينما أذن لهم في القعود، ويحتمل أنّ القائل هو الله تعالى بمعنى أنهم إن اختاروا القعود فالله تعالى لا يجبرهم على الخروج، وهو بيان لسنته

стр. 780

تعالى في أعمال الناس الاختيارية، ضمن نطاق معيّن، فلا جبر ولا اضطرار للعبد. ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ (٤٧) ٤٧ - هذه الآية تبيّن الأسباب التي من أجلها كره الله انبعاث المنافقين فثبّطهم: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ﴾ أي المنافقون المستأذنون في القعود ﴿ما زادُوكُمْ﴾ في القوة العددية ﴿إِلاّ خَبالاً﴾ ما زادوكم قوة ولا خيرا لكن شرّا وخبالا، والخبال الفساد والشر والاضطراب في الرأي، وأصله مرض عقلي كالجنون، لأنّ الخبل الجنّ، والعرب كانت تنسب الجنون إلى الجنّ، ومنه يسمّى المعتوه مخبول ﴿وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ﴾ لأسرعوا بينكم بالنميمة وإفساد ذات بينكم، وأصل الإيضاع سير الإبل، ويقال أوضعت الناقة إذا أسرعت، والخلال مفردها خلل وهو الفتحة بين شيئين، وفي الخطاب استعارة، حيث شبهت نمائم المنافقين بالإبل في إسراعها وانتقالها بين الناس ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ يبغون لكم الفتنة، لأنهم يبذلون جهدهم في تفريق كلمتكم والتشويش عليكم بالتشكيك في الدين والتثبيط عن القتال ﴿وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ﴾ لأنّ من بين المؤمنين حديثي العهد بالإسلام ضعاف العزم ولديهم استعداد لسماع الإشاعات وقبول الوساوس، ويحتمل المعنى أيضا أنّ ضعاف العزم سمّاعون لأجلهم أي ينقلون الأخبار لهم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ علما محيطا بظاهرهم وباطنهم. ﴿لَقَدِ اِبْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كارِهُونَ﴾ (٤٨) ٤٨ - ﴿لَقَدِ اِبْتَغَوُا الْفِتْنَةَ﴾ عملوا جاهدين على تفريق وتشتيت كلمة المسلمين وبث الشقاق بينهم ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ كان هذا دأبهم من قبل هذه الغزوة، ومن ذلك مثلا ما فعله عبد الله بن أبيّ بن سلول في وقعة أحد إذ انخذل عن النبي ﷺ بثلث الجيش بعد الخروج من المدينة إلى أحد، راجع شرح [آل عمران

стр. 781

١٢١/ ٣ - ١٢٢]، ﴿وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ﴾ أيها النبي، وهي المكائد والمؤامرات قلّبوها من جميع جوانبها للتوصل إلى قصارى ما يستطيعون من الكيد للنبي ﷺ والتحايل عليه، وتقليب الأمور مجاز بمعنى النظر فيها من كل جوانبها لمعرفة أيّها أولى بالخيار ﴿حَتّى جاءَ الْحَقُّ﴾ استمرّوا في كيدهم حتى جاء نصر الله رغم كل مكائدهم ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ﴾ بغلبة الإسلام على الشرك ﴿وَهُمْ كارِهُونَ﴾ لظهور الحق والإسلام، رغما عنهم. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ (٤٩) ٤٩ - وهذا دليل آخر على نفاقهم وشدة استخفافهم بالمسلمين: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي﴾ في القعود عن الجهاد ﴿وَلا تَفْتِنِّي﴾ لا تعرّضني للاختبار الشديد القاسي وما يترتب عليه من التضحيات، أو ما يترتب عليه من الإغواء لأن بعضهم زعم أن سيفتتن ببنات الروم، لمعنى الفتنة راجع شرح آية [الأنفال ٢٥/ ٨]، ﴿أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ سقطوا وفشلوا في الاختبار لمجرّد تهربهم وتملصهم منه، وسقطوا في الغواية والضلال ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ﴾ لأن سوء عملهم أحاط بهم فاستغرقوا فيه. ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ (٥٠) ٥٠ - ﴿إِنْ تُصِبْكَ﴾ في غزوة تبوك أو في بعض الغزوات الأخرى ﴿حَسَنَةٌ﴾ كالنصر والغنيمة ﴿تَسُؤْهُمْ﴾ لما في قلوبهم من الغيظ والحسد والتعلق بالدنيا ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ﴾ في غزوة تبوك - أو كما في أحد - ﴿يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ﴾ أي أخذنا الحيطة في أمرنا، بالحذر بزعمهم، وبالتخلف عن القتال ﴿وَيَتَوَلَّوْا﴾ ينصرفوا عن الرسول ﷺ ﴿وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ بأنهم اتخذوا الاحتياطات في الحالتين حسب ظنّهم، وفي نفس الوقت يفرحون فرح الشماتة بالمسلمين، والخطاب وإن كان في غزوة تبوك فالقاعدة عامة في المنافقين.

стр. 782

﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٥١) ٥١ - ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المنافقين ﴿لَنْ يُصِيبَنا إِلاّ ما كَتَبَ اللهُ لَنا﴾ وهو بمعنى قوله ﷺ : «جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة»، أي في علم الله المسبق ﴿هُوَ مَوْلانا﴾ يتولاّنا وحده بالتوفيق والنصر ﴿وَعَلَى اللهِ﴾ وحده ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ بأن يفوّضوا أمرهم إليه سبحانه، بعد القيام بما أوجبه عليهم شرعه من اتخاذ الأسباب الدنيوية المادية والمعنوية، لأن التوكل يلزم أن يرافقه العمل والتدبير، والمغزى أننا نحن المؤمنين نتخذ الحيطة بالأسباب الدنيوية، ونتوكل على الله، أمّا أنتم فمتهالكون على الدنيا بأي ثمن. ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ (٥٢) ٥٢ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيضا، وهو الجواب الثاني على فرح المنافقين بمصائب المؤمنين ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ التربّص هو الانتظار مع توقّع الشيء، والمعنى أنّ انتظاركم بنا الشر وتوقعكم سينجم عنه أحد أمرين: إما أن نفوز بالظفر، أو بالشهادة، وكلاهما عندنا حسن ﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ فتصيبكم قارعة من السماء كما حدث لعاد وثمود ﴿أَوْ بِأَيْدِينا﴾ لأنه إذا ظهر نفاقكم على الملأ واتضح كونكم في صفّ المشركين، حلّ لنا قتالكم ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ ما يحدث لنا من إحدى الحسنيين، بعد أن أعددنا العدّة وتوكلنا على الله ﴿إِنّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ﴾ عاقبة أمركم السيئة. ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ﴾ (٥٣) ٥٣ - ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المنافقين أيضا، الفرحين بأنهم أخذوا حذرهم بزعمهم، وقد عرضوا إنفاق أموالهم لصالح الجهاد تقية ورثاء الناس: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعاً﴾ لغرض التقية ﴿أَوْ كَرْهاً﴾ خوف العقوبة ﴿لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾ المعنى: إن تنفقوا طوعا أو كرها لن يتقبّل منكم في الحالتين، ما دمتم على الكفر وعلى الشك والنفاق، ولأن إنفاقهم ليس عن إيمان وإنما عن خوف، والمقصود أنه تعالى لا

стр. 783

يثيبهم على نفقاتهم، وليس المقصود أنّ النبي ﷺ لا يقبل منهم ما ينفقونه، لأن الشرع يقتضي أخذ الزكاة والنفقات منهم، فالحكم يبنى على الظاهر والله تعالى يتولّى السرائر ﴿إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ﴾ وهو السبب الذي من أجله لا تقبل صدقاتهم، والمراد بالفسوق الخروج عن دائرة الإيمان الذي هو شرط لقبول الأعمال مع الإخلاص بها، ويتضح هذا التعليل في الآية التالية: ﴿وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كارِهُونَ﴾ (٥٤) ٥٤ - ﴿وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ﴾ فلا يثابوا عليها ﴿إِلاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ﴾ فلم يؤمنوا إيمانا يقينيا ﴿وَبِرَسُولِهِ﴾ كفروا برسالة رسوله ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاّ وَهُمْ كُسالى﴾ لغرض الرياء فقط كي يراهم الناس يصلّون فيغترّون بهم، كما ورد في آية [النساء ١٤٣/ ٤]، ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلاّ وَهُمْ كارِهُونَ﴾ كارهون للإنفاق، لأنّ إنفاقهم هدفه التقية، ولإخفاء كفرهم، فلا يثيبهم تعالى عليه. ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ (٥٥) ٥٥ - ﴿فَلا تُعْجِبْكَ﴾ أيها النبي، أو أيها المؤمن ﴿أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ﴾ أي لا تستحسن كثرة أموال المنافقين وأولادهم، فقد أعمتهم عن الآخرة، واتصال المعنى مع ما قبله أنّ الأموال التي لا تقبل منها الصدقة ليست مدعاة للاستحسان ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ العذاب انعكاس لحالة الخوف والترقب والقلق التي يعيشونها مع تمتعهم بالثروة والأولاد، لكون الدنيا لديهم منتهى الأمل، فهي تسبب لهم الكثير من المتاعب والمنغصات والحسرات لشدة حبهم إياها، وتمسكهم بها، وتهالكهم عليها، وهم في حالة من الخوف والذعر (الآيات ٥٦ - ٥٧) إضافة لأنه ليس عندهم من الاعتقاد بثواب الله تعالى ما يهوّن عليهم ما يجدونه من المصاعب، ومنه قوله ﷺ : «هلك

стр. 784

المكثرون»، ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ يموتون على الكفر، لشدة انشغالهم بالدنيا وغفلتهم عن الآخرة. ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ (٥٦) ٥٦ - وهذه قبيحة أخرى من قبائحهم أنهم لشدة خوفهم على دنياهم يحلفون الأيمان الكاذبة: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ المنافقون يحلفون للمؤمنين ﴿إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ أي على دينكم ﴿وَما هُمْ مِنْكُمْ﴾ ليسوا على دينكم ﴿وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾ شديدي الخوف منكم، لأنّ الفرق الخوف الشديد الذي يمزّق القلب، ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ (٥٧) ٥٧ - ﴿لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ يلجئون إليه ﴿أَوْ مَغاراتٍ﴾ تغور بهم وتخفيهم عنكم ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾ يستترون بالدخول إليه ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾ لانصرفوا إليه ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ يسرعون كالفرس الجموح لا يردّهم شيء، ومنه يقال جمع الفرس، وهو بيان لحالة الذعر أو الحالة النفسية القلقة التي يعيشها المنافق حتى أنه يود الهروب قبل أن ينكشف أمره، أو قبل أن يضطر للالتزام تجاه الغير. وهكذا يبيّن القرآن أن السبب الأعمق للنفاق هو الخوف: الخوف من الالتزام الديني الأخلاقي الأدبي، وما يترتب عليه تجاه المجتمع من عمل وتضحيات، وفي نفس الوقت الخوف من الانشقاق عن المجتمع بشكل سافر، والمنافقون في رغبتهم المادية الصرفة المقتصرة على الدنيا، يرغبون في تجاوز المثل والأخلاق والمقاييس في المجتمع ولذلك فهم ﴿يُخادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء ١٤٢/ ٤]، و ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧/ ٩]، لأن محاولتهم الخداع غير مقتصرة على الغير بل يخدعون أنفسهم أيضا. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨)﴾

стр. 785

٥٨ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ﴾ اللمز العيب، وأصله الإشارة بالعين ونحوها، أي من المنافقين من يعيبك أيها الرسول ويطعن في عدالة توزيعك للصدقات، وهذه قبيحة أخرى منهم أنّ المادة هي مقياسهم الوحيد في الدنيا ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا﴾ إن أعطوا من الصدقات بالقدر الذي يريدون فرحوا ورضوا واستحسنوا صنعك، ممّا يدل أن اللمز والرضا والسخط لطلب الدنيا لا لأجل الدين ﴿وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها﴾ بالمقدار الذي يريدون ﴿إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ يفاجئون بالسخط، والمعنى أن المادة مقياسهم الوحيد للرضا والسخط. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ﴾ (٥٩) ٥٩ - ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ ما أعطاهم رسول الله ﷺ لتأليف قلوبهم، لأن الأصل الرضا بقضاء الله لا اعتراض عليه ﴿وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ﴾ وإن أخذ المال غيرنا، أو كان نصيب الغير أكثر، فإنّ الله كافينا وسيكفينا على كل حال ﴿سَيُؤْتِينَا اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ إمّا في الدنيا أو في الآخرة ﴿إِنّا إِلَى اللهِ راغِبُونَ﴾ ليس غرضنا من الإيمان أخذ الأموال، وإنما المهم سعادة الآخرة، وجواب ﴿لَوْ﴾ محذوف وتقديره: لكان خيرا لهم من الطمع ومن لمز الرسول المعصوم ﷺ . قال الرازي أن الآية دليل على أنّ من طلب الدنيا فقط آل أمره في الدين إلى النفاق، وأما من كان غرضه من طلب الدنيا أن يتوسل بها إلى مصالح الدين فهذا هو الطريق الحق. ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٦٠) ٦٠ - بعد أن لمز المنافقون الرسول ﷺ في توزيع الصدقات، بيّن تعالى في هذه الآية مصارفها، لئلاّ يكون لهم حجّة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ﴾ أي الزكاة المفروضة،

стр. 786

والصدقة تطلق على الفرض وعلى النفل، أمّا الزكاة فلا تطلق إلاّ على الفرض، قال تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة ١٠٣/ ٩] فسمّى الزكاة صدقة، ﴿لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ﴾ اختلفوا في كون الفقير أسوأ حالا من المسكين أم العكس؟ وعلى أية حال هما قسمان لصنف واحد من الناس يختلفان بالوصف لا بالجنس من حيث كونهما يستحقان أخذ الزكاة ﴿وَالْعامِلِينَ عَلَيْها﴾ الذين يقومون بجبايتها، وفي التعبير الحديث هي المصاريف الإدارية المترتبة على جمع الزكاة وتوزيعها من قبل الجمعيات الخيرية على المستحقين ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ ترغيبا لقلوبهم في الإسلام، وفي الحالة العامة لأغراض الدعوة الإسلامية في المناطق التي يؤمل نشر الإسلام فيها، فتصرف على تحسين أحوال السكان المعيشية والصحية والثقافية مع إنشاء المرافق الدينية لهم ﴿وَفِي الرِّقابِ﴾ في الإعتاق من الرقيق ﴿وَالْغارِمِينَ﴾ الذين عليهم دين يشق أداؤه، واشترطوا أن يكون في غير معصية، وأصل الغرم في اللغة ما يشق، والغرام العذاب اللازم [الفرقان ٦٥/ ٢٥]، ومنه سمّي العشق غراما لكونه شاقا ولازما بصاحبه ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾ الإنفاق على الجهاد في سبيل الله بمعناه الواسع، معنويا وحرفيا، وليس مقتصرا على القتال ﴿وَاِبْنِ السَّبِيلِ﴾ الذي انقطعت به السبل المادية في السفر فلا يستطيع العودة إلى بلده، سواء بصورة مؤقتة أو شبه دائمة، بمن فيهم اللاجئين والهاربين من الاضطهاد ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ أي فرض تعالى الزكاة فريضة لهم، واجبة عليكم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بأحوال عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ في إنزال الشرع عليهم وفي تصريف أمورهم. ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦١) ٦١ - استمرار الخطاب عن جهالات المنافقين: ﴿وَمِنْهُمُ﴾ من المنافقين ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ بالطعن والذم ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ يتهمونه بعدم الدقة في تمييز ما يسمع، والاغترار بالكلام وسرعة الانخداع والتسليم لمخاطبيه، وأنه

стр. 787

يصدّق من الناس ما يعقل وما لا يعقل، وكلمة ﴿أُذُنٌ﴾ للمبالغة في الوصف كأنه كله أذن سامعة، كقولهم عن الجاسوس عين ﴿قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ أي إنّ استماعه لكم واكتفاءه بالظاهر من أقوالكم، دون التنقيب عن أحوالكم، هو خير لكم، فهو يقبل أعذاركم، ويتغاضى عن جهالاتكم، ولا يحرجكم بالمبالغة في كشف أستاركم، ولا ينقّب عن بواطنكم، ولا يكشف سوء نواياكم، كل ذلك خير ورحمة لكم، فكيف جعلتم هذه الصفة الحميدة طعنا وذمّا في حقه؟ لعلّهم جهلوا أو تجاهلوا أنّ قاعدة الشريعة الحكم على الظاهر وأنّ الله تعالى يتولى السرائر، فظنّوا أنه يصدّق كل ما يقال له ﴿يُؤْمِنُ بِاللهِ﴾ يقينا ﴿وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لا يكذبهم ﴿وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ الذين أظهروا الإيمان منكم، حيث يقبل كلامهم لا تصديقا لهم، ولكن رحمة بهم وإمهالا لهم ورفقا بهم وسترا لعيوبهم، على أمل أن يتوب منهم من لديه استعداد للإيمان ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللهِ﴾ بالافتراء عليه ﴿لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٦٢) ٦٢ - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ﴾ تنبيه للمؤمنين على سمة أخرى من سمات المنافقين، أنهم يسارعون لحلف الأيمان الكاذبة في محاولة لإرضاء المؤمنين والظهور أمامهم على غير حقيقتهم ﴿وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ بأن يكونوا صادقين في إيمانهم وأقوالهم وأفعالهم ﴿إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ إيمان اليقين، ولكنهم على النقيض من ذلك فإنهم يشترون رضا الناس بسخط الله. ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ (٦٣) ٦٣ - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ آن لهم أن يعلموا بعد طول مكث النبي ﷺ بينهم أنّ عواقب عملهم ستكون وخيمة عليهم: ﴿أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ من يخالف أمر الله ورسوله، لأنّ المحادّة من الحد أو الطرف، ويحادد يكون على الحد

стр. 788

الآخر أو الطرف الآخر ﴿فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها﴾ عقاب الغفلة والمعصية ﴿ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ﴾ يتضاءل دونه كل خزي في الحياة الدنيا. ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اِسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ (٦٤) ٦٤ - ﴿يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ﴾ فينكشف نفاقهم، وهذا من طبيعة خوفهم، والحذر قد أوقعهم في حالة من الذعر (الآية ٥٧)، والضمير في قوله ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ يعود للمؤمنين، وفي قوله ﴿قُلُوبِهِمْ﴾ يعود للمنافقين، لأن المنافقين يعيشون حياة الشك والذبذبة، فلا هم موقنون بنبوة محمد ﷺ ، ولا هم متأكدون من العكس، فهم في ريبهم يترددون، وقد أهمّتهم الحياة الدنيا، ووضعوا نصب أعينهم المكاسب الدنيوية والخشية من فواتها ﴿قُلِ اِسْتَهْزِؤُا﴾ لأن النفاق استهزاء ﴿إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ﴾ في نهاية المطاف يكون مدى النفاق قصيرا ومحدودا، وسرعان ما ينكشف على الملأ. ويحتمل المعنى أيضا عود كلّ الضمائر في قوله ﴿عَلَيْهِمْ﴾ و ﴿تُنَبِّئُهُمْ﴾ و ﴿قُلُوبِهِمْ﴾ على المنافقين، لأن السورة تنزّل على النبي ﷺ ، ومن ثمّ على المجتمع بكامله، فتنبيء المنافقين بما في قلوبهم من خداع النفس: ﴿وَما يَخْدَعُونَ إِلاّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة ٩/ ٢]، والمغزى أنهم يخشون من مواجهة خداع أنفسهم. ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٦٥) ٦٥ - ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ أيها النبيّ عن نفاقهم، فواجهتهم بحقيقتهم، وما ينشرون في غيابك من التهكّم، كما في الآية (٦١)﴾، والتثبيط عن غزو الروم، والسخرية من عزم المسلمين على مجابهة دولة كبرى، والنميمة وإشاعة الشائعات ﴿لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ خافوا ولم يستطيعوا الإنكار،

стр. 789

فنسبوا سلوكهم وفساد عملهم إلى المزاح ﴿قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ﴾ لأن الكفر والنفاق بمثابة استهزاء، والخوض واللعب لا يكونان في الكفر والنفاق. ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (٦٦) ٦٦ - ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ أعذارا ليست حقيقية، لأنها كما يقال عذر أقبح من ذنب ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ لأنّ النفاق، والعمل بمقتضاه، يجعل صاحبه بمثابة الكافر المرتد عن الدين ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ من التائبين ومن الضعفاء الذين لم يتوصلوا بعد إلى إيمان اليقين ﴿نُعَذِّبْ طائِفَةً﴾ أخرى منكم من المصرّين على النفاق وعلى الكفر غير نادمين ولا تائبين عنه ﴿بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ﴾ بسبب أنهم أخرجوا كفرهم ونفاقهم إلى حيّز التنفيذ الإجرامي، ممّا يترتب عليه ضرر على المجتمع. ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ (٦٧) ٦٧ - ﴿الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ متكاتفون على الضلال، فكأنهم جسد واحد جمعت خلّة النفاق بين مختلف فرقهم ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾ من الأعمال، أي ما ينكره الشرع والعقل والفطرة السليمة ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ ينهون عن كل ما هو حسن في عرف الشرع والعقل والفطرة السليمة ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ عن أعمال الخير لشدة تعلقهم بالمادة ﴿نَسُوا اللهَ﴾ مجازا، أي جعلوا كلّ همهم الدنيا ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ تركهم تعالى لأنفسهم ولاختيارهم، وحجب عنهم لطفه وتوفيقه ﴿إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ﴾ لأنهم ادّعوا الإيمان ثم خرجوا عنه، وهو معنى الفسوق. ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ (٦٨)﴾

стр. 790

٦٨ - ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ﴾ الذين يبطنون الكفر، لأنّ ضررهم على المجتمع أشد من ضرر المجاهرين بكفرهم ﴿وَالْكُفّارَ﴾ ذوي الكفر السافر، وقد جعل تعالى المنافقين والمنافقات مع الكفار في منزلة واحدة من العقاب ﴿نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها﴾ إن لم يتوبوا قبل فوات الأوان ﴿هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ عقابا في الآخرة ﴿وَلَعَنَهُمُ اللهُ﴾ أبعدهم من رحمته في الدنيا والآخرة ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ لا يتحوّل عنهم. ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اِسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ (٦٩) ٦٩ - ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أنتم أيها المنافقون كالذين من قبلكم من كفار الأزمنة السابقة ﴿كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالاً وَأَوْلاداً﴾ فلم تفدهم شيئا ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ﴾ استمتعوا بنصيبهم من الحياة الدنيا، لأن الخلاق النصيب، وهو ما خلق للإنسان ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ﴾ أيها المنافقون ﴿بِخَلاقِكُمْ كَمَا اِسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ﴾ والمغزى أنّ ما تستمتعون به من نصيبكم في الحياة الدنيا ومن الشهوات الفانية لن يفدكم شيئا، كما لم يفد الذين من قبلكم ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا﴾ في الباطل ﴿أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ فسدت أعمالهم وبطلت، والمعنى سوف تحبط أعمالهم كما حبطت أعمالهم ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ﴾ أنفسهم، لتهالكهم على الدنيا وغفلتهم عن العاقبة، والمعنى سوف تكون عاقبتكم الخسران كما كانت عاقبتهم. ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ وَأَصْحابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٧٠) ٧٠ - بعد أن وعد تعالى المنافقين نار جهنم، وشبّههم بمن سبقوهم من المنافقين والكفار في حبوط الأعمال وفي العاقبة والمصير، ضرب لهم مثلا بعاقبة أقوام معينين، نزل بهم الهلاك بأشكال مختلفة:

стр. 791

﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ﴾ الإشارة لقوم إبراهيم تعود في الأرجح إلى السومريين فيما بين النهرين، وقد انقرضت دولتهم بسيطرة البابليين عليهم حوالي العام ٢٠٠٠ ق. م. ﴿وَأَصْحابِ مَدْيَنَ﴾ وهم قوم شعيب في جنوب فلسطين، راجع شرح آية [الأعراف ٨٥/ ٧]، ﴿وَالْمُؤْتَفِكاتِ﴾ هي قرى لوط ومفردها مؤتفكة، وقد ائتفكت بأهلها أي انقلبت فصار عاليها سافلها، أو أنّ أحوالها انقلبت من الخير إلى الشر، وقد وردت الإشارة لهؤلاء الأقوام في عدّة سور من القرآن الكريم ولخّصت هذه الآية خبرهم والعبرة منه: ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ بالمعجزات وبراهين الحقيقة، فأعرضوا عنها، فعجّل الله هلاكهم ﴿فَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾ بسوء العاقبة التي توصّلوا إليها ﴿وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ بنتيجة العناد والجحود والمكابرة، ونظير هذا المعنى كثير في التنزيل، ومنه قوله تعالى: ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام ١٣١/ ٦]، وقوله جلّ ثناؤه ﴿وَتِلْكَ الْقُرى أَهْلَكْناهُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِداً﴾ [الكهف ٥٩/ ١٨]، راجع أيضا آيات [هود ١١٧/ ١١، ١٠٢] و [الإسراء ٥٨/ ١٧، ١٦، ١٥] و [الشعراء ١٠٨/ ٢٦] و [القصص ٥٩/ ٢٨]. ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٧١) ٧١ - بعد أن وصفت الآيات (٤٢ - ٧٠) طبائع المنافقين وسلوكهم ومساوئهم والمآل الذي ينتهون إليه، تبين هذه الآية والتي تليها صفات المؤمنين، والمقابلة بين مآلهم ومآل المنافقين، عطفا على الآيات (٦٧ - ٧٠): ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ أي في التناصر والأخوّة والمودّة والأثرة، وقد شبّه النبي ﷺ جماعتهم بالجسد الواحد، وبالبنيان المرصوص، يشد بعضه بعضا، في حين أن المنافقين لا ولاية بينهم إلاّ ظاهريا،

стр. 792

بالكلام فقط وبما لا يشقّ من العمل، لأن النفاق شك وأنانية بما ينتج عنهما من جبن وبخل ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ على النقيض من المنافقين، راجع شرح آية [آل عمران ١٠٤/ ٣]، ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ على تمامها من خشوع وبما يترتب عليها من الفضائل، في حين أن المنافقين يصلّون رئاء الناس، (الآية ٥٤)، أما المؤمنون فيؤتون الزكاة: ﴿وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ على عكس المنافقين الذين يقبضون أيديهم عن الإنفاق (الآية ٦٧)، وإذا أنفقوا فللتقية، ولا ينفقون إلاّ وهم كارهون (الآية ٥٤)، والمؤمنون يطيعون الله ورسوله ﴿وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ بعكس المنافقين الفاسقين عن الطاعة، ﴿أُولئِكَ﴾ المؤمنون والمؤمنات ﴿سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ﴾ برحمته الخاصة في الدنيا والآخرة، وهي خلاف رحمته العامة للخلق التي وسعت كل شيء [الأعراف ١٥٦/ ٧]، أما المنافقون فقد نسوا الله فنسيهم (الآية ٦٧)، ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾ في إيصال الثواب والعقاب، لا مردّ لمشيئته ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبير شؤون خلقه. ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٧٢) ٧٢ - ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ﴾ نص في مساواة النساء للرجال في نعيم الآخرة ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها﴾ أي من تحت أشجارها الأنهار ﴿وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ﴾ جنات النعيم الدائم، لأن العدن في اللغة الإقامة والاستقرار ﴿وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ أَكْبَرُ﴾ أكبر من كل ما سلف ذكره من نعيم الجنات، قال الرازي: هذا البرهان القاطع أن النعيم الروحاني أعلى وأشرف من النعيم الجسماني ﴿ذلِكَ﴾ النعيم الروحاني والجسماني ﴿هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ بخلاف ما يلهث وراءه المنافقون والكفار من مادية الدنيا وملذاتها الفانية.

стр. 793

﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٧٣) ٧٣ - بعد أن بيّن تعالى جهالات الكفار والمنافقين ومساوئ صفاتهم (الآيات ٤٢ - ٧٠)، أوضح في هذه الآية طريقة التعامل معهم: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ الأمر للنبي ﷺ ، وهو بالتالي لكل مسلم ﴿جاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنافِقِينَ﴾ المقصود بالجهاد المعنى العام للكلمة، لأن الجهاد عبارة عن بذل الجهد، ومفهومه أوسع من المعنى الضيق للقتال وليس مقتصرا عليه، والآية توجب الجهاد مع فريقي الكفار والمنافقين معا، ولما كان قتال المنافقين غير جائز لأن الحكم يبنى على الظاهر، وهم يظهرون الإسلام وينكرون الكفر، فيكون المقصود أن يكون جهاد الكفار والمنافقين بالحجة والفكر والإقناع، وأما قتال الكفار فقد يضطر إليه المؤمنون بشروطه، كما ذكر في آيات [الأنفال ٥٥/ ٨ - ٥٨]، و [التوبة ٢٩/ ٩، ٥]، ﴿وَاُغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ فلا تتوصّل معهم إلى حلول وسط في أمور العقيدة ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ إن لم يؤمنوا ويتوبوا. ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (٧٤) ٧٤ - ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ ما قالُوا﴾ خطأ ﴿وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ قالوا ما هو بمنزلة الكفر، مثل طعنهم في الرسول ﷺ وقولهم هو أذن (الآية ٦١)، ولمزهم له (الآية ٥٨)، ﴿وَكَفَرُوا﴾ بالتشكيك في النبوّة، وبالحلف الكاذب (الآية ٤٢)، ﴿بَعْدَ إِسْلامِهِمْ﴾ بعد ادّعائهم الإسلام ﴿وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا﴾ من الإيقاع بالنبي ﷺ وبالمسلمين، حتى تآمروا على اغتيال النبي ﷺ في طريق عودته من تبوك، ويحتمل المعنى أيضا أنّهم بدخولهم الإسلام وهم في شك من النبوّة وفي ريبهم يترددون بين الإسلام وبين إنكار الوحي (الآية ٤٥)، فلم ينالوا

стр. 794

اليقين والاطمئنان والسلام الداخلي، ممّا يناله ذوو الإيمان اليقيني، وبسبب أنّ الحياة عندهم ليس لها مغزى ولا غاية سوى التهالك على المادة والدنيا، ﴿وَما نَقَمُوا إِلاّ أَنْ أَغْناهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ المعنى أن طعنهم في النبوّة لم يكن سببه أنهم وجدوا تناقضا أو اختلافا في الرسالة، وإنما السبب جحودهم نعمة الهداية، وجحودهم النعم المادية والمعنوية التي تمتعوا بها وتمتعت بها المدينة بعد نشوء دولة الإسلام بها، وهذ المعنى في الجحود غير مقتصر على المنافقين في زمن البعثة والنبوّة، بل يتعداه إلى أمثالهم في كل الأزمنة ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ﴾ لأن فضل التوبة والهداية يعود عليهم ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ عن التوبة والهداية ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ انظر شرح الآية (٥٥) ﴿وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ التي جعلوها قصارى همّهم ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يتولى أمورهم ﴿وَلا نَصِيرٍ﴾ يحقق لهم النصر، وقد تحقق ذلك بزوال شوكتهم وغلبة الإسلام عليهم. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿وَمِنْهُمْ﴾ من المنافقين، وهو صنف آخر منهم ﴿مَنْ عاهَدَ اللهَ﴾ نذر نذرا أو أقسم قسما، سرّا في نفسه، أو جهرا أمام الناس ﴿لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ﴾ من الأموال والأرزاق ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ صدقة المال، وهي الزكاة الواجبة، وغيرها من صدقة النفل ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ في الاستعانة بهذا المال على الاستقامة والصلاح. ﴿فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ (٧٦) ٧٦ - ﴿فَلَمّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بأن رزقهم تعالى ما طلبوه من المال وسعة الرزق ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ ظهرت ماديتهم وتغلبت عليهم أنانيتهم، فلم يدفعوا الزكاة الواجبة، ولم يتصدّقوا بشيء ﴿وَتَوَلَّوْا﴾ انصرفوا عن العهد الذي قطعوه أمام الله ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ عن العمل الصالح وعن الصدقة، وجملة ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ حاليّة أي إن بخلهم وانصرافهم عن العهد لم يكن عرضا مؤقتا، بل

стр. 795

إنّ حالة الإعراض راسخة في نفوسهم مهيمنة على قلوبهم، لا يزيحهم عنها تذكير الآخرين وإلحاحهم. ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (٧٧) ٧٧ - ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ كان عاقبة أمرهم نفاقا في قلوبهم راسخا فيها، متمكنا منها، والضمير في قوله ﴿فَأَعْقَبَهُمْ﴾ عائد إلى البخل، وإخلاف الوعد، المشار إليهما بالآية المتقدّمة، لأن كلاّ منها سمة متأصلة فيهم، ويحتمل أيضا عود الضمير إليه تعالى، لأنّ هذه العاقبة في المنافقين تكون بمقتضى سننه تعالى في خلقه، وهو السبب في إسناد الفعل إلى ذاته العليّة، لأن العمل بما يقتضيه النفاق من البخل، والخيانة ونقض العهد والكذب، من شأن كل ذلك تمكين النفاق وتقويته في قلب صاحبه ﴿إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ تعالى للحساب في الآخرة ﴿بِما أَخْلَفُوا اللهَ ما وَعَدُوهُ﴾ بنتيجة عدم وفائهم الوعد الذي قطعوه أمام الله ﴿وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ على أنفسهم لاختلاق الأعذار، وهو شأن المنافقين الدائم أنهم مضطرون للكذب باستمرار، بسبب أن ظاهرهم مخالف لبواطنهم، وفي الحديث: «آية المنافق ثلاث، إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان». ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وَأَنَّ اللهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ (٧٨) ٧٨ - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾ الكامن في صدورهم ﴿وَنَجْواهُمْ﴾ ويعلم كلامهم الخفي الذي يسرّونه فيما بينهم، طعنا في الدين، فكيف يتجرؤون على النفاق؟ ﴿وَأَنَّ اللهَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾ يعلم ما في صدورهم، وما يتناجون به من الأسرار، ويعلم ما غاب عن جميع الخلق. ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾

стр. 796

٧٩ - لم يكتف المنافقون أن بخلوا عن الإنفاق، بل تجاوزوه إلى لمز المتصدقين في غزوة تبوك بعد أن حثّهم النبي ﷺ على الاشتراك فيها: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المنافقون يلمزون المطّوعين الذين جاؤوا بالنافلة من الصدقات، واللمز العيب، وأصله الإشارة بالعين كما ورد في الآية (٥٨)، والسبب أنهم ماديون يرون في المال غاية المنى، فلا يستطيعون أن يفهموا كيف يتصدق غيرهم بالمال دون مقابل دنيوي فوري؟ ﴿فِي الصَّدَقاتِ﴾ أي في شأن الصدقات، لأنهم يعتقدون أنّ المؤمنين جاؤوا بها للرياء والسمعة ﴿وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلاّ جُهْدَهُمْ﴾ ويلمزون أيضا الفقراء الذين يطّوعون بجهدهم، وهو جهد المقلّ، كأن يقولوا: جاؤوا بالصدقات القليلة كي يذكروا مع الأكابر ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ يسقطون مفاهيمهم وقناعاتهم المادية والدنيوية على غيرهم، وقد يعتبرونهم من البلهاء ﴿سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ﴾ بأن جعل عاقبة سخريتهم ترتد عليهم بأن ظهر لهم في نهاية المطاف أن المادة لم تكن هدفا بذاتها كما هي قناعتهم ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ نتيجة العاقبة التي توصلوا إليها، وبأنّه تعالى لن يغفر لهم: ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ (٨٠) ٨٠ - ﴿اِسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أيها النبي ﴿أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يستوي الاستغفار وعدمه بالنسبة إلى هؤلاء الماديين المصرّين على النفاق، لأن الله تعالى لن يغفر لهم، فقد جمعوا إلى ماديتهم النفاق والسخرية والتهكم من صادقي الإيمان، وتثبيط المؤمنين عن النفير في الحر (الآية ٨١)، ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ عدد السبعين في الكلام العربي يراد به التكثير وليس التحديد، والمعنى مهما تكثر من الاستغفار لهم، فلن يغفر الله لهم ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ﴾ وهو سبب عدم المغفرة لهم أنهم أصروا على الكفر، ولم يكن لديهم أي استعداد للتوبة، وفقدوا شرط المغفرة التي وعد بها التائبون

стр. 797

المستغفرون، وهذه الآية من قبيل إعلام النبي ﷺ بالغيب بأنّ هؤلاء لن يتوبوا ويموتون على الكفر، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد ١/ ١١١] لأن الآية إخبار بموته على الكفر، وفي الآية (١١٣) سوف يرد النهي عن الاستغفار لمن تبين أنهم من أصحاب الجحيم، أي المصرّين على الكفر بلا رجعة، والذين ماتوا على الشرك ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ﴾ الذين فقدوا الاستعداد للتوبة والهداية فلا يجدون إليهما سبيلا، وتلك سنته تعالى في خلقه أنه لا يهدي المصرّين على التمرد والنفاق. ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (٨١) ٨١ - استمرار الخطاب الذي بدأ في الآية (٣٨)﴾ بدعوة الناس إلى النفير مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، وقد تخلف المنافقون عن الخروج معه، وفيه المزيد من وصف مساوئهم وسلوكهم: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾ الذين تخلفوا عن اللحاق بالنبي ﷺ في غزوة تبوك ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ فرحوا بقعودهم في المدينة، لأنهم غير مؤمنين بما في الخروج مع النبي ﷺ من الأجر العظيم الذي لا يقارن معه شيء من راحة القعود في البيوت ولا غيره ﴿خِلافَ رَسُولِ اللهِ﴾ قعدوا مخالفة لأمر رسول الله في النفير، وهم من ثمّ قعدوا خلافه، أي خلفه، والنتيجة أنهم فرحوا بالقبيح من عملهم المتضمن خلاف رسول الله ﷺ ، لأنهم كرهوا الجهاد في سبيل الله: ﴿وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ لكونهم يقيسون الأمور بمعيار الفوائد الدنيوية المادية الفورية البحتة، وهم غير مؤمنين بالثواب العظيم المترتب على الجهاد ﴿وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ قالوه لأمثالهم من المنافقين، أو قالوه للمؤمنين تثبيطا لهم ﴿قُلْ﴾ لهؤلاء المنافقين ﴿نارُ جَهَنَّمَ﴾ وهي عاقبة الكفار والعصاة ﴿أَشَدُّ حَرًّا﴾ من حر الصيف الذي ترونه مانعا لكم من الجهاد ﴿لَوْ﴾

стр. 798

﴿كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ المغزى أنهم لم يكونوا من أهل الفقه والفطنة، فلو كانوا من أهل الفقه والفطنة لما اختاروا القعود خلاف رسول الله ﷺ . ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيراً جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٨٢) ٨٢ - ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً﴾ بنتيجة فرحهم المشار إليه آنفا، لأنّ فرحهم يكون قصير الأمد، فسرعان ما فضحتهم هذه السورة ﴿وَلْيَبْكُوا كَثِيراً﴾ ندما على ما قدّموه، ويحتمل المعنى أيضا أنّ الأجدر بهم أن يكون ضحكهم قليلا وبكاؤهم كثيرا، بالنظر لسوء الحال التي هم فيها من النفاق والكفر وما يترتب على ذلك من سوء العاقبة ﴿جَزاءً﴾ الجزاء من جنس العمل ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ من النفاق. ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ (٨٣) ٨٣ - ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللهُ﴾ من غزوة تبوك ﴿إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ من المخلّفين المنافقين، لأن من المخلّفين من لم يكن منافقا، قال الألوسي إنّ قوله تعالى ﴿فَإِنْ﴾ إشارة إلى أن الغزوة لما فيها من الخطر يحتاج الرجوع منها إلى التأييد الإلهي ﴿فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ﴾ معك إلى غزوة أخرى ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً﴾ دلالة على إصرارهم على النفاق والكفر حتى النهاية، فيكون خروجهم معه ﷺ إلى القتال، لو سمح لهم، سببا لأنواع من الفساد، كما في الآية (٤٧)، ﴿وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ لا بالخروج والسفر إلى العدو، ولا في المدينة إن هوجمنا ﴿إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وهو القعود عن غزوة تبوك، فكان ذلك دلالة على معدنكم وسوء مقصدكم ﴿فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ﴾ مع المعتادين على الخلاف والمخالفة أمثالكم، ومع المتخلفين من العجزة والنساء والأولاد. ﴿وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ (٨٤)﴾

стр. 799

٨٤ - ﴿وَلا تُصَلِّ﴾ صلاة الجنازة ﴿عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً﴾ لأنهم ماتوا على الكفر ﴿وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ بالدعاء ﴿إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ﴾ أصروا على كفرهم حتى الموت، وهو السبب في تحريم الصلاة عليهم، بخلاف التائبين منهم. ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ (٨٥) ٨٥ - ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا﴾ فتكون وبالا عليهم ﴿وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ﴾ الآية معطوفة على ما قبلها، فالآية المتقدمة تأمر النبي، والمؤمنين، أن لا يصلّوا عليهم، وتضيف هذه الآية ألاّ يعجبوا بكثرة أموالهم وأولادهم لأنهم مصرّون على الكفر ويموتون عليه، فكيف يمكن أن تعجب أموالهم وأولادهم؟ والفرق بين هذه الآية والآية (٥٥) من حيث المغزى وسياق المعنى، فالآية (٥٥) والآيات (٥٦ - ٥٧) التي تليها توضح أنّ ثروة المنافقين وأولادهم لم توفر لهم السعادة الدنيوية والروحية المرجوّة، بل تصف حالة القلق والذعر والترقب التي يعيشونها، وفوق ذلك فإنّ الصدقات من أموالهم لا يثابون عليها، الآية (٥٤). ﴿وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ (٨٦) ٨٦ - ﴿وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ تأمرهم بالإيمان والجهاد: ﴿أَنْ آمِنُوا بِاللهِ﴾ إيمان اليقين ﴿وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ﴾ أي صدّقوا الإيمان بالعمل في أقوى حالاته، وهو الجهاد بالأموال والأنفس ﴿اِسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ﴾ بالقعود والتخلف عن الجهاد، وأولوا الطول أصحاب السعة في الرزق والأموال، أو الرؤساء والأكابر المعتبرون، فهم أولى وأقدر من غيرهم على الجهاد والبذل، ومع ذلك يستأذنون في القعود ﴿وَقالُوا ذَرْنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ﴾ رغم أن الوحي نزل يأمرهم بالجهاد.

стр. 800

﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٨٧) ٨٧ - ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ﴾ مع المتخلفين بأعذار فاسدة، أو مع النساء والأولاد ﴿وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ الطبع والختم على القلوب بمعنى أنها لا تتقبل شيئا من العلم الجديد، أو الفهم الصحيح، وتصر على ما استقر فيها من المفاهيم المتوارثة بالتقليد، المنحازة والمغلوطة، ﴿فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ أي فلهذا السبب، لكونهم طبع على قلوبهم، لا يفقهون القرآن ولا يتدبرون معانيه. ﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٨٨) ٨٨ - يلاحظ أن الآيتين (٧١ - ٧٢) وصفت سلوك المؤمنين وحسن المآل الذي ينتظرهم، بالمقابلة مع سلوك المنافقين وما ينتظرهم من سوء العاقبة، ثم في هذه الآية والتي تليها بيان للموقف العملي للرسول ﷺ والمؤمنين معه وما ينتظرهم من حسن الختام: ﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ﴾ المعنى أنه إن تخلّف المنافقون عن الغزو فقد توجه إليه من هو خير منهم، فكان الأجدر بالمنافقين أن يكون الرسول والمؤمنون قدوة لهم ﴿وَأُولئِكَ﴾ المجاهدون بأموالهم وأنفسهم ﴿لَهُمُ الْخَيْراتُ﴾ في الدنيا والآخرة ﴿وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ الفائزون الناجون من العقاب. ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٨٩) ٨٩ - ﴿أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ استئناف وبيان لمآل المفلحين المشار إليهم آنفا، بالمقابلة مع المصير الذي ينتظر المنافقين ذوي الأموال والأولاد (الآية ٨٥)، ﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (٩٠)﴾

стр. 801

٩٠ - الأعراب سكان البادية، بالمقارنة مع العرب الذين هم سكان المدن والقرى، فبعد أن فصّلت السورة من الآية (٣٨ - ٨٩) موقف أهل المدينة تجاه النفير إلى غزوة تبوك، لكون أهل المدينة في حينه مركز الدولة الإسلامية وعمودها الفقري، وركّزت على موقف المنافقين منهم، تنتقل هنا إلى بيان موقف الأعراب، كونهم غالبية السكان في جزيرة العرب وقتئذ، فمن الطبيعي أن يكون لموقفهم تجاه البعثة الإسلامية أهمية كبرى، فمنهم من خرج مع النبي ﷺ إلى تبوك، ومنهم من تخلّف تثاقلا عن تحمّل مشقة الغزو لبعد المسافة، حيث لم يبد للغزوة بالنسبة إلى المتخلفين منهم مساس مباشر بمصالحهم الشخصية الفورية: ﴿وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ﴾ أي المعتذرون وقد أدغمت التاء في الذال فصارت ذالا مشدّدة ﴿مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ﴾ في القعود والتخلّف عن الخروج لغزوة تبوك، سواء منهم بأعذار حقيقية أو وهمية ﴿وَقَعَدَ﴾ منهم عن المجيء والاعتذار ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ فهؤلاء ما جاؤوا وما اعتذروا ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ وهم المصرّون على الكفر، وقوله تعالى ﴿مِنْهُمْ﴾ للتبعيض، لعلمه تعالى أنّ بعضهم سيؤمن (الآية ٩٩)، فلا يصيبه العذاب الأليم. ويلاحظ الإعجاز في الآية، إذ بيّنت بإيجاز شديد موقف الأعراب، فقد جاء بعضهم للاعتذار بأعذار حقيقية أو وهمية، وقعد آخرون عن المجيء أو عن الاعتذار، ثم أوجزت مآل المصرّين منهم على الكفر. ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٩١) ٩١ - بعد بيان استئذان بعض الناس من أهل المدينة، ومن الأعراب، في القعود عن النفير إلى غزوة تبوك عن عذر صحيح، وغير صحيح، تبين هذه الآية أصحاب الأعذار الذين يحق لهم القعود عن الغزو:

стр. 802

﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ﴾ من ضعاف البنية، وكبار السن من الشيوخ ﴿وَلا عَلَى الْمَرْضى﴾ ويدخل فيهم الأعمى والأعرج وكل ذي عاهة، أو ذي مرض يمنعه من القتال ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ﴾ على أنفسهم من الزاد والراحلة، لأن اشتراكهم في الغزو لا يكون مفيدا إلاّ إن كان عندهم قدرة على الإنفاق على أنفسهم، من مالهم، أو من مال آخرين يعينونهم في المؤن والركوب خلال السفر، وإلاّ كانوا وبالا على المقاتلين وعبئا عليهم ومعوّقا لهم، ولأنه لم يكن لدولة المسلمين وقتئذ بيت مال ينفق عليهم ﴿حَرَجٌ﴾ أصل الحرج الضيق، كما في آية [الأعراف ٢/ ٧] و [الأنعام ١٢٥/ ٦]، والمعنى أنّ التكليف بالغزو والجهاد ساقط عن هذه الأصناف الثلاثة من الناس، فلا ضيق ولا حرج عليهم في حكم الشرع، بشرط إخلاصهم في النية والعمل، لقوله: ﴿إِذا نَصَحُوا لِلّهِ وَرَسُولِهِ﴾ بالإيمان والطاعة والقيام بدور إيجابي إذا قعدوا في البلد، فيمتنعوا عن نقل الشائعات وعن إثارة الفتن، ويعملوا ما في وسعهم لمساعدة أهالي المقاتلين، فالنصح إخلاص العمل من الغش، وفي الحديث: «الدين النصيحة "قيل لمن يا رسول الله قال:" لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، فالنصح لله إخلاص العقيدة في الوحدانية، والنصح لرسوله التصديق بنبوته وطاعته والعمل بسنته، والنصح لكتابه تعالى قراءته والعلم والتفقه فيه والعمل به، والنصح للأئمة طاعتهم وعدم الخروج عليهم وإرشادهم، والنصح للعامة ترك معاداتهم وإرشادهم ومحبة الصالحين منهم ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ وهو تعليل رفع الحرج عنهم، لأن كل ناصح لله ورسوله ينتظم في سلك المحسنين، فلا سبيل إلى مؤاخذة أمثالهم، ولا سبيل إلى إيقاعهم في الحرج ﴿وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لهم. ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ (٩٢) ٩٢ - ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ﴾ أيها النبي ﴿لِتَحْمِلَهُمْ﴾ وهم صنف آخر من المعذورين الذين ليس عليهم من حرج في القعود، ولا سبيل إلى

стр. 803

مؤاخذتهم، وهم الذين يملكون نفقة سفرهم ولكن لا يملكون الراحلة التي تحملهم، فأتوا الرسول ﷺ يطلبون منه تزويدهم بالراحلة كي يشتركوا معه في الغزو ﴿قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ من الخيل أو الجمال أو البغال ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاّ يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ﴾ في شراء راحلة للركوب. ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٩٣) ٩٣ - ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِياءُ﴾ فهؤلاء لا سبيل لرفع الحرج عنهم في التخلف، وهم المشار إليهم في الآية (٨٦)، ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ﴾ مع المتخلفين بدون أعذار، أو مع النساء والأولاد ﴿وَطَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ نسب الطبع على قلوبهم إلى ذاته العلية مع أنه بنتيجة عملهم كما في آية [البقرة ٧/ ٢]، وفي الآية (٨٧) أسند الطبع إلى المفعول، والمراد واحد وفق سنته تعالى في الخلق ﴿فَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ فلهذا السبب، وهو الطبع على القلوب، لا يعلمون ما في الجهاد من منافع الدنيا والآخرة. ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٩٤) ٩٤ - تتمة الخطاب من الآية السابقة عن الأغنياء الذين لا سبيل لرفع الحرج عنهم في التخلف، فقد استأذنوا في القعود قبل الغزوة، ثم يعتذرون بأعذار واهية أيضا بعد عودة الرسول ﷺ من الغزوة: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ من غزوة تبوك ﴿قُلْ لا تَعْتَذِرُوا﴾ أعذارا غير مقبولة، فإنّ العبرة بالتوبة الصادقة وبالعمل بما تقتضيه، كما سيرد في تتمة الآية ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لن نصدقكم ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ﴾ بما نزل من الوحي على النبي ﷺ ، فصرنا نعلم أنّ ظاهركم غير باطنكم ﴿وَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ في المستقبل، فيظهر لنا من أعمالكم، وليس من أقوالكم، إن

стр. 804

كانت توبتكم صحيحة ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ بعد الموت ﴿إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ الذي يعلم ما تكتمون وما تعلنون ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ويحاسبكم على عملكم وفق ما تستحقّون. ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ إِذَا اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٩٥) ٩٥ - ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللهِ لَكُمْ﴾ بعد اعتذارهم لكم بالأعذار الواهية، وعدم تصديقكم لهم (الآية ٩٤)، فسوف يؤكدون أعذارهم بالأيمان الكاذبة ﴿إِذَا اِنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ من سفركم ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ عن عقابهم، وهو سبب اعتذارهم وحلفهم الأيمان الكاذبة، إذ كانوا يخشون العقاب ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ وهكذا فإنّ النبي ﷺ لم يعاقبهم بعد عودته من الغزوة، فقد جاءه المخلفون وطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، فقبل منهم علانيتهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ دلالة على خبث باطنهم، راجع شرح آية [الأعراف ٧١/ ٧]، ﴿وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ في دنياهم من السيئات. ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ (٩٦) ٩٦ - ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ وهو الغرض الثاني من حلفهم الأيمان الكاذبة أن يرضى عنهم الرسول والمؤمنون ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾ لا ينفعهم رضاكم، لأن الله لا يرضى عنهم: ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ﴾ المراد نهي المؤمنين عن الاغترار بأعذارهم الكاذبة. ﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٩٧) ٩٧ - استمرار الخطاب عن الأعراب الذي بدأ في الآية (٩٠)﴾، حيث ذكرت الآية أنّ بعضهم ما جاء وما اعتذر عن القعود: ﴿الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً﴾

стр. 805

من كفّار أهل الحضر ومنافقيهم، بسبب بيئة البداوة والحياة الوحشية التي يعيشونها، وقلة احتكاكهم مع أهل الحكمة والعلم من الناس، قال الألوسي: الحكم على الأعراب بما ذكر من باب وصف الجنس ببعض أفراده كما في قوله تعالى ﴿وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً﴾ [الإسراء ٦٧/ ١٧]، إذ ليس كلهم كذلك بدليل الآية (٩٩)، ﴿وَأَجْدَرُ أَلاّ يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ هم أولى وأحقّ أن لا يعلموا التكاليف والأحكام الشرعية، بسبب طبيعة معيشتهم وعزلتهم وبعدهم عن العلماء ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بخلقه ﴿حَكِيمٌ﴾ في شرعه. ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٩٨) ٩٨ - بعد أن ذكرت الآية (٩٠) أن بعض الأعراب اعتذر عن النفير مع النبي ﷺ ، بل إنّ بعضهم قعد عن المجيء وعن الاعتذار، وبيّنت الآية (٩٧) أنهم أشد كفرا ونفاقا من الكفار والمنافقين في المدن، تبيّن هذه الآية نوعا معينا من نفاق بعضهم: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً﴾ ينفقون بعض أموالهم خوفا من المؤمنين رياء وتقية، ويعتبرون نفقتهم غرامة وخسارة لأنهم غير مؤمنين بالرسالة ولا بثواب الآخرة ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ التربّص الانتظار، والدوائر هي دوائر الزمن وتقلب أحواله، والمعنى أنهم بسبب جهلهم وخبث نفوسهم ينتظرون ويتوقعون أن تنقلب الأمور على المسلمين بظهور اليهود أو المشركين عليهم، فيستريحوا من أداء هذه المغارم بزعمهم ﴿عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ﴾ دوائر الزمن ستنقلب عليهم، وهو إخبار بالمآل السيئ الذي ينتظرهم، على عكس ما يريدون بالمسلمين ﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ لأقوالهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنواياهم. ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾

стр. 806

٩٩ - في الآيتين (٧١ - ٧٢)، ثم الآيتين (٨٨ - ٨٩)، يلاحظ التناظر وإعجاز النظم القرآني في وصف مواقف المؤمنين إيمان اليقين وحسن ختامهم، بعد بيان أنواع سلوك المنافقين وسوء عاقبتهم، ثم في هاتين الآيتين (٩٩ - ١٠٠) تبين السورة موقف الأعراب المؤمنين وحسن عاقبتهم، ومنزلة من هم أعلى منهم درجة من السابقين والتابعين وعلوّ منزلتهم. فعلى الرغم من طبيعة الأعراب وكونهم أشد كفرا ونفاقا من أهل الحضر، فمنهم المؤمنون الصادقون: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إيمانا صادقا يقينيا ﴿وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ﴾ ينفقون في سبيل الله ويعدّون نفقتهم تقرّبا وزلفى إلى الله تعالى، وقربات مفردها قربة من القرب والدنو، أي في المنزلة والمكانة ﴿وَصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ عطف على ﴿قُرُباتٍ﴾، أي ويتّخذون ما ينفقون سببا لدعائه لهم ﵊، لأنه كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم، والصلوات مفردها صلاة، وهي في أصل اللغة الدعاء، لأنه مخ العبادة ﴿أَلا إِنَّها﴾ أي النفقات ﴿قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ تأكيد وتصديق لما اعتقدوه ورجوه من كون نفقاتهم تقربهم عند الله زلفى ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ تفسير لهذه القربة، ودلالة على رضا الله تعالى عن المتصدقين إذا كانت نياتهم خالصة ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ عن سيئاتهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم. ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٠٠) ١٠٠ - تتمة الخطاب من الآية السابقة، لبيان فضل من هم أعلى منزلة من جميع المذكورين آنفا، سواء منهم الأعراب المؤمنون وغيرهم من المسلمين، وهم أصناف ثلاثة: ﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ﴾ الذين بادروا بالهجرة قبل غيرهم، زهدوا في دار الكفر فهجروا موطنهم وأملاكهم، وتحملوا المشاق والمخاطر،

стр. 807

وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، يوم لم يكن للهجرة داع سوى اليقين في الإيمان، والإخلاص للإسلام، والشوق لحرية العبادة والعقيدة، والسابقون تاريخيا هم الذين هاجروا قبل الهجرة النبوية أو بعدها بسنوات قلائل حتى صلح الحديبية، راجع الخلفية التاريخية، وقبل أن يكون للمسلمين قوة أو دولة ترتجى، أو يخشى منها، فلم يكن للمصلحة وللنفاق في حينه مقتضى ولا سبب ﴿وَالْأَنْصارِ﴾ السابقون الأولون من الأنصار من أهل المدينة، الذين نصروا إخوانهم المسلمين المهاجرين إليهم واستقبلوهم وأعانوهم، وفي مقدمتهم الذين بايعوا النبي ﷺ في العقبة قرب مكة، بيعة العقبة الأولى قبل الهجرة النبوية بسنة وبضعة شهور، ثم بيعة العقبة الثانية قبل الهجرة النبوية ببضعة شهور ﴿وَالَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ﴾ الذين اتبعوا السابقين من المهاجرين والأنصار، فجعلوهم قدوة لهم في الهجرة من دار الكفر، وفي نصرة من يهاجر إليهم ﴿بِإِحْسانٍ﴾ بشرط أن يكون اتباعهم لهم بإحسان، أي يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة قولا صدقا وعملا ﴿﵃﴾ بقبول طاعتهم والرضى عن أعمالهم، والضمير في ﴿عَنْهُمْ﴾ عائد للأصناف الثلاثة المذكورين ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بما وفقهم إليه من الهداية، وبما نالوه من نعم الدنيا والآخرة ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ليس فوز آخر بعده. ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ (١٠١) ١٠١ - بعد أن وصفت الآيات (٣٨ - ٧٠) و (٧٣ - ٨٧) و (٩٠ - ٩٨) أنواعا ثلاثة من المنافقين، تبين الآيات (١٠١) و (١٠٧) و (١١٠) أنواعا من منافقي الأعراب ومن أهل المدينة مردوا على النفاق أي تمرّسوا فيه، وهذه الآية معطوفة على الآية (١٠٠)﴾ من قبيل عطف الضد على الضد: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ أي في البادية حول بلدتكم ﴿مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ منهم منافقون ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ منهم منافقون أيضا ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ﴾

стр. 808

تمرّسوا فيه، ومرنوا عليه، وأصبحوا فيه مهرة وأتقنوه، وصار نفاقهم أملس حيث يخفى أمرهم على الناس، وأيضا صاروا به مردة عتاة ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ بفطنتك وصدق فراستك أيها النبي، لشدة ما حذقوا في النفاق والتقية، بحيث يخفى عليك أمرهم رغم كمال فطنتك وصدق فراستك ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ لا يعلم سرائرهم إلاّ من لا تخفى عليه خافية، فهم في ستر الله تعالى إلى أن يكشفهم للناس وينجز ما أوعدهم من العذاب: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ﴾ في الحياة الدنيا ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ كتب الشيخ رشيد رضا: المرة الأولى بما يصيبهم من المصائب، وبعذاب نفوسهم القلقة الخائفة من افتضاح أمرهم وهتك أسرارهم، والثانية: آلام الموت لأمثالهم وزهوق أنفسهم وهم كافرون وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند موتهم [الأنفال ٥٠/ ٨]، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ﴾ يوم القيامة ﴿إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ لأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار [النساء ١٤٥/ ٤]. ﴿وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٠٢) ١٠٢ - ﴿وَآخَرُونَ﴾ ممّن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة، لا هم من السابقين الأولين ولا من الذين اتبعوهم بإحسان (الآية ١٠٠)، ولا هم من المنافقين الذين مردوا على النفاق (الآية ١٠١)، بل هم جماعة غلب عليهم الإهمال: ﴿اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ هم من المؤمنين المذنبين المقرّين بذنوبهم، ولم يعتذروا عن تخلفهم بأعذار باطلة كغيرهم ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً﴾ من أعمال البر والإحسان والجهاد في غزوات سابقة ﴿وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ بتخاذلهم وبتخلفهم عن غزوة تبوك ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فيقبل توبتهم، إن تابوا وندموا ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كثير المغفرة للتائبين، رحيم بالمحسنين، ومغزى الآية غير مقتصر على غزوة تبوك، بل يتناول المسلمين في كل الأزمنة الذين يخلطون الأعمال الصالحة والأعمال السيئة.

стр. 809

﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١٠٣) ١٠٣ - بعد أن ذكرت السورة المؤمنين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وأنه تعالى يتوب عليهم إن تابوا، تبيّن في هذه الآية، وفي الآيات (١٠٤ - ١٠٥)، أن توبتهم لا تكون بمجرد الكلام والقول، وإنّما يجب أن يصدّقها العمل، ومن ذلك إيتاء الزكاة الواجبة على كل مؤمن مالك النصاب، وأيضا فإنّ الصدقات بالنسبة إليهم كفارة لذنوبهم وفيها إصلاح نفوسهم: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الصدقة هي الزكاة المفروضة، أو صدقة التطوع، والخطاب وإن كان للرسول ﷺ فهو عام يشمل الخلفاء من بعده وأئمة المسلمين، كما أن الضمير في قوله ﴿أَمْوالِهِمْ﴾ عام أيضا يشمل سائر المؤمنين من أصحاب الأموال ذوي النصاب، وغير مقتصر على المعترفين بذنوبهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا المشار إليهم بالآية السابقة، وقد احتجّ مانعو الزكاة في زمان أبي بكر بهذه الآية، وقالوا إنه تعالى أمر رسوله بأخذ الصدقات، ثم أمره أن يصلي عليهم وأن صلاته سكن لهم، فكان هذا الأمر بأخذ الزكاة خاص به دون غيره، وهذا القول ضعيف لأن النص حكمه عام، وإن كان سببه خاصا، وقد ردّ عليهم أبو بكر الصديق والصحابة ﵃ هذا القول، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة كما كانوا يؤدونها إلى الرسول ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ الصدقة تطهّرهم من دنس البخل والجشع والقسوة والتهالك على المادة والتوجه النفسي السيء، ومن الذنب والمعصية ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ التزكية هي المبالغة في التطهير، وهي أيضا الإنماء، والمعنى أنه تعالى يجعل النقصان الحاصل بسبب الزكاة سببا للإنماء ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أدع لهم واستغفر لهم، لأنّ الصلاة في أصل اللغة الدعاء، ولذا سميت العبادة صلاة، والصلاة من الله على عباده الرحمة، ومن ملائكته الدعاء والاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ دعاء له بما أمرنا به في الصلاة بعد التشهد الأخير ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ المعنى أدع للمتصدّقين أيها الرسول حتى تسكن وتطمئن نفوسهم بقبول صدقاتهم وتوبتهم

стр. 810

﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ لدعاء النبي سماع قبول واستجابة، سميع لتوبتهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم وندمهم. ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١٠٤) ١٠٤ - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ أولئك الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ﴿أَنَّ اللهَ﴾ وحده ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ الصحيحة ﴿عَنْ عِبادِهِ﴾ عن ذنوب عباده التائبين، المخلصين في توبتهم، فيتجاوز عن ذنوبهم ويعفو عنهم، وفي ذلك إشارة واضحة أن ليس لبشر، بمن فيهم الأنبياء، قبول توبة تائب أو إعفائه من خطاياه كما يفعل بعض رجال الدين المسيحي اليوم، وغيرهم ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ يقبلها ويثيب عليها، وإسناد الأخذ إليه تعالى مجاز، كما أنّ استمرار الخطاب من الآية السابقة بكون الرسول ﷺ يأخذ الصدقات، ثمّ إسناد الأخذ إليه تعالى فيه تشريف للنبي ﷺ ، من حيث أن أخذه الصدقة جار مجرى أن يأخذها الله تعالى، وفي ذلك أيضا تشريف عظيم لطاعة من يؤتي الصدقات ﴿وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ﴾ يقبل التوبة بعد التوبة مرارا وتكرارا من كل مذنب يشعر بضرر ذنبه ﴿الرَّحِيمُ﴾ يرحم التائبين ويتجاوز عن سيئاتهم ولا يعاقبهم عليها. ﴿وَقُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٠٥) ١٠٥ - هذه الآية معطوفة على الآية (١٠٣)﴾ في قوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ لأنّ التوبة الصادقة والاعتراف بالذنب والاعتذار، كل ذلك لا يكون بمجرد الكلام والقول (الآية ٩٤)، وإنّما تقترن بالعمل: ﴿وَقُلِ﴾ لهم أيها الرسول أتبعوا التوبة بالعمل: ﴿اِعْمَلُوا﴾ لأنّ العبرة بالعمل الصالح وبالجدّ، راجع آية [الأنعام ١٥٨/ ٦]، والمغزى أيضا تحذير من عاقبة الإهمال والذهول عن الآخرة ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ دلالة على أنّ
следующие страницы →