Полный текст (2 031 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
٩٩ - في الآيتين (٧١ - ٧٢)، ثم الآيتين (٨٨ - ٨٩)، يلاحظ التناظر وإعجاز النظم القرآني في وصف مواقف المؤمنين إيمان اليقين وحسن ختامهم، بعد بيان أنواع سلوك المنافقين وسوء عاقبتهم، ثم في هاتين الآيتين (٩٩ - ١٠٠) تبين السورة موقف الأعراب المؤمنين وحسن عاقبتهم، ومنزلة من هم أعلى منهم درجة من السابقين والتابعين وعلوّ منزلتهم.
فعلى الرغم من طبيعة الأعراب وكونهم أشد كفرا ونفاقا من أهل الحضر، فمنهم المؤمنون الصادقون: ﴿وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إيمانا صادقا يقينيا ﴿وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللهِ﴾ ينفقون في سبيل الله ويعدّون نفقتهم تقرّبا وزلفى إلى الله تعالى، وقربات مفردها قربة من القرب والدنو، أي في المنزلة والمكانة ﴿وَصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ عطف على ﴿قُرُباتٍ﴾، أي ويتّخذون ما ينفقون سببا لدعائه لهم ﵊، لأنه كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم، والصلوات مفردها صلاة، وهي في أصل اللغة الدعاء، لأنه مخ العبادة ﴿أَلا إِنَّها﴾ أي النفقات ﴿قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ تأكيد وتصديق لما اعتقدوه ورجوه من كون نفقاتهم تقربهم عند الله زلفى ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ تفسير لهذه القربة، ودلالة على رضا الله تعالى عن المتصدقين إذا كانت نياتهم خالصة ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ﴾ عن سيئاتهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم.
﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٠٠)
١٠٠ - تتمة الخطاب من الآية السابقة، لبيان فضل من هم أعلى منزلة من جميع المذكورين آنفا، سواء منهم الأعراب المؤمنون وغيرهم من المسلمين، وهم أصناف ثلاثة:
﴿وَالسّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ﴾ الذين بادروا بالهجرة قبل غيرهم، زهدوا في دار الكفر فهجروا موطنهم وأملاكهم، وتحملوا المشاق والمخاطر،
стр. 807
وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم، يوم لم يكن للهجرة داع سوى اليقين في الإيمان، والإخلاص للإسلام، والشوق لحرية العبادة والعقيدة، والسابقون تاريخيا هم الذين هاجروا قبل الهجرة النبوية أو بعدها بسنوات قلائل حتى صلح الحديبية، راجع الخلفية التاريخية، وقبل أن يكون للمسلمين قوة أو دولة ترتجى، أو يخشى منها، فلم يكن للمصلحة وللنفاق في حينه مقتضى ولا سبب ﴿وَالْأَنْصارِ﴾ السابقون الأولون من الأنصار من أهل المدينة، الذين نصروا إخوانهم المسلمين المهاجرين إليهم واستقبلوهم وأعانوهم، وفي مقدمتهم الذين بايعوا النبي ﷺ في العقبة قرب مكة، بيعة العقبة الأولى قبل الهجرة النبوية بسنة وبضعة شهور، ثم بيعة العقبة الثانية قبل الهجرة النبوية ببضعة شهور ﴿وَالَّذِينَ اِتَّبَعُوهُمْ﴾ الذين اتبعوا السابقين من المهاجرين والأنصار، فجعلوهم قدوة لهم في الهجرة من دار الكفر، وفي نصرة من يهاجر إليهم ﴿بِإِحْسانٍ﴾ بشرط أن يكون اتباعهم لهم بإحسان، أي يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة قولا صدقا وعملا ﴿﵃﴾ بقبول طاعتهم والرضى عن أعمالهم، والضمير في ﴿عَنْهُمْ﴾ عائد للأصناف الثلاثة المذكورين ﴿وَرَضُوا عَنْهُ﴾ بما وفقهم إليه من الهداية، وبما نالوه من نعم الدنيا والآخرة ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ليس فوز آخر بعده.
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ (١٠١)
١٠١ - بعد أن وصفت الآيات (٣٨ - ٧٠) و (٧٣ - ٨٧) و (٩٠ - ٩٨) أنواعا ثلاثة من المنافقين، تبين الآيات (١٠١) و (١٠٧) و (١١٠) أنواعا من منافقي الأعراب ومن أهل المدينة مردوا على النفاق أي تمرّسوا فيه، وهذه الآية معطوفة على الآية (١٠٠)﴾ من قبيل عطف الضد على الضد:
﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ﴾ أي في البادية حول بلدتكم ﴿مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ منهم منافقون ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ منهم منافقون أيضا ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ﴾
стр. 808
تمرّسوا فيه، ومرنوا عليه، وأصبحوا فيه مهرة وأتقنوه، وصار نفاقهم أملس حيث يخفى أمرهم على الناس، وأيضا صاروا به مردة عتاة ﴿لا تَعْلَمُهُمْ﴾ بفطنتك وصدق فراستك أيها النبي، لشدة ما حذقوا في النفاق والتقية، بحيث يخفى عليك أمرهم رغم كمال فطنتك وصدق فراستك ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ لا يعلم سرائرهم إلاّ من لا تخفى عليه خافية، فهم في ستر الله تعالى إلى أن يكشفهم للناس وينجز ما أوعدهم من العذاب: ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ﴾ في الحياة الدنيا ﴿مَرَّتَيْنِ﴾ كتب الشيخ رشيد رضا: المرة الأولى بما يصيبهم من المصائب، وبعذاب نفوسهم القلقة الخائفة من افتضاح أمرهم وهتك أسرارهم، والثانية: آلام الموت لأمثالهم وزهوق أنفسهم وهم كافرون وضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند موتهم [الأنفال ٥٠/ ٨]، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ﴾ يوم القيامة ﴿إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ لأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار [النساء ١٤٥/ ٤].
﴿وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١٠٢)
١٠٢ - ﴿وَآخَرُونَ﴾ ممّن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة، لا هم من السابقين الأولين ولا من الذين اتبعوهم بإحسان (الآية ١٠٠)، ولا هم من المنافقين الذين مردوا على النفاق (الآية ١٠١)، بل هم جماعة غلب عليهم الإهمال: ﴿اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ هم من المؤمنين المذنبين المقرّين بذنوبهم، ولم يعتذروا عن تخلفهم بأعذار باطلة كغيرهم ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً﴾ من أعمال البر والإحسان والجهاد في غزوات سابقة ﴿وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ بتخاذلهم وبتخلفهم عن غزوة تبوك ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ فيقبل توبتهم، إن تابوا وندموا ﴿إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ كثير المغفرة للتائبين، رحيم بالمحسنين، ومغزى الآية غير مقتصر على غزوة تبوك، بل يتناول المسلمين في كل الأزمنة الذين يخلطون الأعمال الصالحة والأعمال السيئة.
стр. 809
﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١٠٣)
١٠٣ - بعد أن ذكرت السورة المؤمنين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وأنه تعالى يتوب عليهم إن تابوا، تبيّن في هذه الآية، وفي الآيات (١٠٤ - ١٠٥)، أن توبتهم لا تكون بمجرد الكلام والقول، وإنّما يجب أن يصدّقها العمل، ومن ذلك إيتاء الزكاة الواجبة على كل مؤمن مالك النصاب، وأيضا فإنّ الصدقات بالنسبة إليهم كفارة لذنوبهم وفيها إصلاح نفوسهم:
﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الصدقة هي الزكاة المفروضة، أو صدقة التطوع، والخطاب وإن كان للرسول ﷺ فهو عام يشمل الخلفاء من بعده وأئمة المسلمين، كما أن الضمير في قوله ﴿أَمْوالِهِمْ﴾ عام أيضا يشمل سائر المؤمنين من أصحاب الأموال ذوي النصاب، وغير مقتصر على المعترفين بذنوبهم الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا المشار إليهم بالآية السابقة، وقد احتجّ مانعو الزكاة في زمان أبي بكر بهذه الآية، وقالوا إنه تعالى أمر رسوله بأخذ الصدقات، ثم أمره أن يصلي عليهم وأن صلاته سكن لهم، فكان هذا الأمر بأخذ الزكاة خاص به دون غيره، وهذا القول ضعيف لأن النص حكمه عام، وإن كان سببه خاصا، وقد ردّ عليهم أبو بكر الصديق والصحابة ﵃ هذا القول، وقاتلوهم حتى أدوا الزكاة كما كانوا يؤدونها إلى الرسول ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ الصدقة تطهّرهم من دنس البخل والجشع والقسوة والتهالك على المادة والتوجه النفسي السيء، ومن الذنب والمعصية ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ التزكية هي المبالغة في التطهير، وهي أيضا الإنماء، والمعنى أنه تعالى يجعل النقصان الحاصل بسبب الزكاة سببا للإنماء ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أدع لهم واستغفر لهم، لأنّ الصلاة في أصل اللغة الدعاء، ولذا سميت العبادة صلاة، والصلاة من الله على عباده الرحمة، ومن ملائكته الدعاء والاستغفار، والصلاة على النبي ﷺ دعاء له بما أمرنا به في الصلاة بعد التشهد الأخير ﴿إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ المعنى أدع للمتصدّقين أيها الرسول حتى تسكن وتطمئن نفوسهم بقبول صدقاتهم وتوبتهم
стр. 810
﴿وَاللهُ سَمِيعٌ﴾ لدعاء النبي سماع قبول واستجابة، سميع لتوبتهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بنياتهم وندمهم.
﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١٠٤)
١٠٤ - ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ أولئك الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ﴿أَنَّ اللهَ﴾ وحده ﴿هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ﴾ الصحيحة ﴿عَنْ عِبادِهِ﴾ عن ذنوب عباده التائبين، المخلصين في توبتهم، فيتجاوز عن ذنوبهم ويعفو عنهم، وفي ذلك إشارة واضحة أن ليس لبشر، بمن فيهم الأنبياء، قبول توبة تائب أو إعفائه من خطاياه كما يفعل بعض رجال الدين المسيحي اليوم، وغيرهم ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ يقبلها ويثيب عليها، وإسناد الأخذ إليه تعالى مجاز، كما أنّ استمرار الخطاب من الآية السابقة بكون الرسول ﷺ يأخذ الصدقات، ثمّ إسناد الأخذ إليه تعالى فيه تشريف للنبي ﷺ ، من حيث أن أخذه الصدقة جار مجرى أن يأخذها الله تعالى، وفي ذلك أيضا تشريف عظيم لطاعة من يؤتي الصدقات ﴿وَأَنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ﴾ يقبل التوبة بعد التوبة مرارا وتكرارا من كل مذنب يشعر بضرر ذنبه ﴿الرَّحِيمُ﴾ يرحم التائبين ويتجاوز عن سيئاتهم ولا يعاقبهم عليها.
﴿وَقُلِ اِعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١٠٥)
١٠٥ - هذه الآية معطوفة على الآية (١٠٣)﴾ في قوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ لأنّ التوبة الصادقة والاعتراف بالذنب والاعتذار، كل ذلك لا يكون بمجرد الكلام والقول (الآية ٩٤)، وإنّما تقترن بالعمل:
﴿وَقُلِ﴾ لهم أيها الرسول أتبعوا التوبة بالعمل: ﴿اِعْمَلُوا﴾ لأنّ العبرة بالعمل الصالح وبالجدّ، راجع آية [الأنعام ١٥٨/ ٦]، والمغزى أيضا تحذير من عاقبة الإهمال والذهول عن الآخرة ﴿فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ دلالة على أنّ
стр. 811
مرضاة جماعة المؤمنين القائمين بحقوق الإيمان، المقررة صفاتهم في القرآن، تلي مرضاة الله ورسوله، وأنهم لا يجتمعون على ضلال ﴿وَسَتُرَدُّونَ﴾ بعد الموت ﴿إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ﴾ الذي يعلم سرّكم وعلانيتكم ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ويحاسبكم على أعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرّا فشرّ، [الزلزلة ٧/ ٩٩ - ٨].
﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللهِ إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١٠٦)
١٠٦ - ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ أي مؤخّرون ومؤجّلون ﴿لِأَمْرِ اللهِ﴾ عطف على المذكورين في الآيات (١٠٢ - ١٠٥) من المتخلفين الذين شعروا بذنوبهم واعتذروا عنها وتابوا وعملوا صالحا، وأما هؤلاء المشار إليهم في هذه الآية فلم يصلوا بعد إلى درجة المراجعة الذاتية واتخاذ الخيار بين الحق والضلال، فهم من أنصاف المؤمنين المذبذبة نفوسهم بين الخير والشر، وهذا الصنف من الناس غير مقتصر على المذكورين بغزوة تبوك، وإنما ينطبق على أمثالهم في كل الأزمنة، والحكم عليهم قد أرجئ لأمر الله تبعا لما تتوصّل إليه نفوسهم في المستقبل من التوبة أو الضلال، فهم من هذه الناحية أشباه المذكورين في آية [الأعراف ٤٦/ ٧]، ﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ إن مالت نفوسهم إلى الضلال ﴿وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ إن توصّلت نفوسهم إلى الحقيقة وتابوا وصحّت توبتهم وعملوا صالحا، وهكذا فإن التردد بين الأمرين عائد إليهم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ﴾ بحال عباده ﴿حَكِيمٌ﴾ في شرعه فيهم وفي إرجائهم وإعطائهم الفرص.
قال الألوسي: ومن هذه المادة المرجئة، إحدى فرق أهل القبلة، وسمّوا بذلك لتأخيرهم المعصية عن الاعتبار في استحقاق العذاب، حيث زعموا أن لا عذاب مع الإيمان، فلم يبق للمعصية عندهم أثر، وفي المواقف سمّوا مرجئة لأنهم يرجون - يؤخرون - العمل عن النية، أي يؤخرونه عنها في الرتبة، أو لأنهم يطمعون بالرجاء بزعمهم: لا يضر مع الإيمان معصية، انتهى، وكل ذلك من قبيل التمنّي وخداع النفس،
стр. 812
﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ (١٠٧)
١٠٧ - الآيات (١٠٧ - ١١٠) تشير إلى مجموعة معينة من منافقي المدينة، غرّر بهم رجل من الخزرج يدعى (أبو عامر الراهب)، كان قد اعتنق المسيحية في الجاهلية قبل مقدم النبي ﷺ إلى المدينة، وكان له مقام كبير لدى الخزرج وعند مسيحية الشام، فلما هاجر النبي ﷺ إلى المدينة واجتمع المسلمون عليه، اتخذ أبو عامر منه موقفا معاديا من البداية، وقد دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام وقرأ عليه القرآن فأبى واستكبر، بل تحالف مع كفار قريش ضده حتى أنه اشترك في وقعة أحد ضد المسلمين عام ٣ هجرية، ثمّ لمّا تبين له أنّ أمر المسلمين في تعاظم، خاصة بعد وقعة حنين، يئس وذهب إلى هرقل إمبراطور بيزنطة يستنصره ويحضه على مهاجمة المسلمين في المدينة ويرغّبه في استئصالهم، فوعده هرقل ومنّاه حتى أنه أقام عنده، وكان خلال هذه الفترة يكاتب جماعة من قومه في المدينة يعدهم ويغرّر بهم، ثم في العام ٩ هجرية كتب إليهم أن هرقل يعد العدة لإرسال جيش لاكتساح المدينة وأنه جار حشد الحشود لهذا الغرض، ولعل هذا من أسباب قيام النبي ﷺ بغزوة تبوك الدفاعية، راجع الخلفية التاريخية، وقد رغب أبو عامر أن يكون لأتباعه معقل ومقرّ خاص بهم في المدينة في حال حدوث الغزو، فأمرهم أن يبنوا مسجدا خاصا بهم في قريتهم بقباء، وهو مسجد الضرار الذي تشير إليه هذه الآية، فلمّا رجع النبي ﷺ من حملة تبوك أمر بهدمه، وأمّا أبو عامر الراهب فقد مات بالشام قهرا بعد ذلك بقليل:
﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً﴾ عطف على ما سبق، أي ومنهم الذين اتخذوا مسجدا ضرارا، للإضرار بالمسلمين، لأنّ الضرار طلب الضرر للآخرين ومحاولته، وهو الهدف من إنشائهم المسجد المذكور بجوار مسجد قباء، وتقدير الخطاب: اتخذوا مسجدا ليضرّوا به ضرارا، وكفروا كفرا، قال الزمخشري: كل مسجد بني مباهاة أو رياء أو سمعة، أو لغرض سوى ابتغاء وجه
стр. 813
الله، أو بمال غير طيب، فهو لا حق بمسجد الضرار ﴿وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لغرض التفريق بين جماعة المؤمنين تفريقا ﴿وَإِرْصاداً﴾ الإرصاد الإعداد والانتظار، لأنهم بهذا المسجد كانوا يترصّدون المنافقين والمذبذبين من ضعاف الإيمان كنقطة تجمع لهم ﴿لِمَنْ حارَبَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهو أبو عامر الراهب وأتباعه ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من البداية ومن قبل بناء مسجد الضرار، لأن أبو عامر ناصب المسلمين العداوة من البدء ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ﴾ كذبا ﴿إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ الْحُسْنى﴾ أردنا الإرادة الحسنى ببناء المسجد، يدّعون أنهم بنوه لصالح المسلمين ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ﴾ في أيمانهم.
﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (١٠٨)
١٠٨ - بعد أن وصفت الآية المتقدمة مسجد الضرار بأنه مدعاة لأربعة مفاسد: وهي الضرار، والكفر، وتفريق المؤمنين، والإرصاد، تنهى هذه الآية الرسول ﷺ عن القيام فيه:
﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ القيام مجاز عن الصلاة، أي لا تقم للصلاة في مسجد الضرار ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ قيل هو مسجد قباء لأنه أسّس قبل مسجد المدينة، وقيل المسجد النبوي، ولفظ الآية يمكن أن ينصرف لكل منهما، لأنّ كلاّ منهما قد أسسه النبي ﷺ على التقوى من أول يوم شرع في بنائه، أي قصد ببنائه تقوى الله تعالى بإخلاص العبادة فيه، وقصد اجتماع المؤمنين فيه على ما يرضيه تعالى ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ يجدر أن تقوم للصلاة فيه ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ من الذنوب والمعاصي ومن التقصير في العمل، إضافة أنّ قيامهم فيه يتطلب طهارتهم الجسمية، فبذلك تكتمل طهارتهم النفسية والبدنية ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ المبالغين في الطهارات النفسية والجسمية معا، قال الرازي: إنّ طهارة الظاهر إنّما يحصل لها أثر عند الله لو حصلت معها طهارة الباطن من الكفر والمعاصي، أمّا لو حصلت طهارة الباطن من الكفر
стр. 814
والمعاصي، ولم تحصل نظافة الظاهر، كان طهارة الباطن لها أثر، وعليه فإنّ طهارة الباطن بالدرجة الأولى
وقد ذكر الألوسي رأي البعض أن المراد من الآية مسجد قباء حصرا، بدليل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ لأن مسجد قباء بني من أول أيام الهجرة ودخول المدينة، قال: قال السهيلي: ويستفاد من الآية صحة ما اتفق عليه الصحابة ﵃ مع عمر ﵁ حين شاورهم في التاريخ فاتفق رأيهم على أن يكون من عام الهجرة، فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل، وفهمنا الآن أنّ قوله تعالى ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ أنّ ذلك اليوم هو أول أيام التأريخ الذي نؤرخ به الآن، فإن كان الصحابة أخذوه من هذه الآية فهو الظن بهم، لأنهم أعلم الناس بتأويل كتاب الله تعالى وأفهمهم بما فيه من الإشارات، وإن كان ذلك عن رأي واجتهاد فقد علمه تعالى وأشار إلى صحته قبل أن يفعل، إذ لا يعقل قول القائل فعلته من أول يوم، إلاّ بالإضافة إلى عام معلوم، أو شهر معلوم، أو تأريخ معلوم، انتهى.
﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ (١٠٩)
١٠٩ - ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللهِ وَرِضْوانٍ﴾ أي من يريد بعمله تقوى الله ورضوانه ﴿خَيْرٌ﴾ عملا وأفضل عاقبة ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ﴾ الجرف حافة الوادي الذي إذا جاء السيل جرف أساسه من تحته فأصبح مائلا للانهيار، فهو هار وهائر، فإذا سقط فقد انهار، والمعنى أنّ المنافق المرائي الكذّاب يكون أساس عمله على شفير الانهيار، بخلاف المؤمن الصادق الذي يريد بعمله تقوى الله ورضوانه فيكون أساس عمله ثابتا دائما، والنتيجة أن البقاء والدوام يكون للأصلح ﴿فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ﴾ في الآخرة ﴿وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ لأنّ من سنته تعالى في خلقه أنّ الظالم لا يهتدي في أعماله إلى الحق والعدل، والله تعالى لا يحيط الظالمين بتوفيقه ورعايته.
стр. 815
﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١١٠)
١١٠ - ﴿لا يَزالُ﴾ على الدوام ﴿بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا﴾ وهو بناؤهم الذي بنوه بغرض الإضرار والكفر والتفريق والإرصاد ﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الريبة من الريب، وأصله الشك، لأنهم كانوا يشكّون في نبوّته ﷺ ، وفي نفس الوقت يدّعون الإسلام، وهو عين النفاق، والمعنى أنّ بناءهم كان مصدرا دائما للشك والقلق والاضطراب والهاجس في قلوبهم، حتى موتهم ﴿إِلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ بموتهم وهلاكهم على حالتهم هذه، ما لم يتوبوا، والواضح إنّ الآية ذات مغزى عام غير مقتصر على أحداث البعثة النبوية ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ يظهر من أحوالهم وبواطنهم ما اقتضته حكمته الأزلية وعلمه المحيط بكل شيء.
﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١١١)
١١١ - بعد أن وصفت الآيات (٣٨ - ١١٠) أصنافا من المنافقين، من أهل المدينة ومن الأعراب، الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، كما وصفت خلالها مواقف المؤمنين الصادقين وتضحياتهم وحسن عاقبتهم بالآيات: (٧١ - ٧٢) و (٨٨ - ٨٩) و (٩٩ - ١٠٠) تعود الآيتان: (١١١ - ١١٢) إلى بيان فضيلة الجهاد وحقيقة المؤمنين:
﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ بيان لحقيقة المؤمن المستعد لبذل نفسه وماله في سبيل الإسلام، فهو يضحي بالدنيا مقابل الآخرة، ومن لم يكن لديه الاستعداد لهذه التضحية تكون دعواه بالإيمان في حاجة إلى تصديق وتحقيق ﴿يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ فتكون لهم الجنة، مقابل فوات الدنيا التي ستزول عنهم على أية حال ﴿وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾ الكتب المنزلة الثلاثة تشهد بذلك، ولا عبرة بكتب
стр. 816
اليهود والنصارى المتاحة بين أيدينا اليوم إذ لم يبق فيها من الوحي الصحيح إلاّ القليل، وأضيف إليها الكثير من كتابات البشر، راجع شرح آية [آل عمران ٣/ ٣]، ﴿وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ﴾ تأكيد لتحقق الوعد الإلهي ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ بشرى بحسن العاقبة ﴿وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ يتضاءل معه كل فوز آخر، لأنه بيع الدنيا الفانية الزائلة، مقابل الخلود في جنة الآخرة.
﴿التّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١١٢)
١١٢ - هذه الآية بيان لصفات المؤمنين المجاهدين المشار إليهم آنفا:
﴿التّائِبُونَ﴾ من ذنوبهم، كتوبة الكافر الذي يدخل الإسلام، وتوبة المنافق من نفاقه، وتوبة العاصي من ذنوبه، وتوبة المقصّر في عمل الخير، وتوبة الغافل عن ذكر ربه ﴿الْعابِدُونَ﴾ الذين عبدوا الله وحده وأخلصوا له العبادة ﴿الْحامِدُونَ﴾ له تعالى على كل حال ﴿السّائِحُونَ﴾ في طلب مرضاته، فعلا ومجازا، كالمجاهدين وطلبة العلم والدعاة والمهاجرين في سبيل الله، وقيل هم الصائمون، لأن السائح عندهم كان كالصائم في سفره، لقلة ما يحمله من زاد ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ المقيمون الصلاة، كأن الركوع والسجود صفة من صفاتهم الثابتة، وكأن الركوع والسجود طابع مميز لهم بين الناس ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ راجع شرح [آل عمران ١٠٤/ ٣] ﴿وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ﴾ المبيّنة في الشرائع والأحكام والمعاملات ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المتصفين بهذه الصفات.
﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ (١١٣)
١١٣ - مزيد من صفات المؤمنين المذكورة صفاتهم آنفا، بأنهم لا يستغفرون لمن ماتوا مصرّين على الكفر ولو كانوا أولي قربى، والآية تأكيد لوجوب إظهار البراءة من المشركين والمنافقين من جميع الوجوه، بمن فيهم الذين ماتوا مصرّين على الكفر ولو كانوا ذوي قربى:
стр. 817
﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ﴾ الإشارة للمشركين الذين ماتوا على الكفر، مصرّين عليه، بعد أن بلغتهم رسالة الإسلام، بدليل الآية (١١٥)، فقاوموا الإسلام وحاربوه حتى رمقهم الأخير، فأمثال هؤلاء لا يجوز الاستغفار لهم مهما كانت درجة قرابتهم للمؤمنين، ولكن يجوز الاستغفار لحيّ يرجى إيمانه وبقصد سؤال الله أن يهديه لما يكون به أهلا للمغفرة،
﴿وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ (١١٤)
١١٤ - ﴿وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ﴾ كان إبراهيم ﵇ يستغفر لأبيه ويرجو إيمانه ويقصد سؤال الله أن يهديه لما يكون به أهلا للمغفرة، والموعدة التي وعدها لأبيه هي قوله: ﴿قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم ٤٧/ ١٩]، ودعاؤه: ﴿وَاِغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كانَ مِنَ الضّالِّينَ﴾ [الشعراء ٨٦/ ٢٦]، وقوله ﴿إِلاّ قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَما أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الممتحنة ٤/ ٦٠]،
﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ تبرّأ إبراهيم من أبيه بعد أن مات الأب مصرّا على الكفر، وانقطعت عنه التوبة، أو أنه تبرّأ من أبيه بعد أن علم بطريق الوحي أنّ أباه لن يؤمن، مثلما على النبي ﷺ من نزول سورة المسد عليه أن عمّه أبا لهب لن يؤمن ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ﴾ كثير الدعاء والتضرّع والخشوع والشفقة والرقّة ﴿حَلِيمٌ﴾ يتأنّى في الأمور ولا يستفزّه الغضب، فقد استغفر لأبيه مع أنّ أباه هدده بالرجم والطرد: ﴿قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاُهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم ٤٦/ ١٩].
﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١٥)﴾
стр. 818
١١٥ - بعد أن نهى تعالى عن الاستغفار للمشركين الذين ماتوا مصرّين على الكفر فصاروا من أصحاب الجحيم، وضرب مثلا باستغفار إبراهيم لأبيه، بيّن في هذه الآية السبب في ذلك، وهي أنه لا يؤاخذ الناس بضلالهم إلاّ بعد أن تبلغهم الرسالة ويتبيّن لهم طريق الخير من طريق الشر:
﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً﴾ الله تعالى لا يترك الناس على ضلالهم، أو يعتبرهم ضالّين فيعاقبهم، إلاّ بعد أن تبلغهم الرسالة، ويبيّن لهم طريق الهداية بيانا واضحا تامّا لا مجال معه للاجتهاد الذي قد يكون عذرا في المخالفة ﴿بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ﴾ بعد أن هداهم بالفطرة، أو بعد أن قضى بإنارة السبيل إلى هدايتهم، فنزلت الرسالات السماوية تدعوهم إلى الهدى، وتبيّن لهم طريق الخير من الشر ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ﴾ يبيّن لهم الأحكام والشرائع، وما يجب اتقاؤه من الشرك والمعاصي، والبيان يكون بالنص القطعي، فالعبادات والحلال والحرام لا تثبت إلا به ﴿إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ فلا يعاقب العباد إلاّ بعد التبيين وإزالة الأعذار والعلل، والخلاصة أنّ الله تعالى لا يترك الناس على الضلال، بعد إذ هداهم بالفطرة، حتى يبعث لهم الرسل فيبين لهم ما يتقون من الشرك والفسوق.
ونظير هذه الآية كثير في التنزيل، ومن ذلك قوله تعالى:
﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام ١٣١/ ٧]، وقوله تعالى ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ وَلَها كِتابٌ مَعْلُومٌ﴾ [الحجر ٤/ ١٥]، وقوله تعالى ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء ١٥ /]، وقوله تعالى ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٨/ ٢٦]، وقوله تعالى ﴿وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولاً يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلاّ وَأَهْلُها ظالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩/ ٢٨]، وقوله عزّ من قائل ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاّ خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤/ ٣٥].
стр. 819
﴿إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ (١١٦)
١١٦ - ﴿إِنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ فيتصرف في خلقه وفق ما اقتضته حكمته الأزلية ﴿يُحْيِي﴾ من يشاء الهداية ﴿وَيُمِيتُ﴾ من يشاء الكفر، لأن الإحياء والإماتة بالمعنى المجازي، انظر [الأنعام ١٢٢/ ٦]، ولأن المعنى استمرار للآية السابقة ﴿وَما لَكُمْ﴾ أيها الكافرون ﴿مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾،
ونظير ذلك قوله جلّ ثناؤه: ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة ٢٥٨٧/ ٢].
﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١١٧)
١١٧ - الخطاب متعلق بالآية (١١١)، بأنّ المؤمنين الذين اشترى تعالى أنفسهم وأموالهم بأنّ لهم الجنة، والمذكورة صفاتهم في الآية (١١٢)، فهذه الآية تبيّن أنّه تعالى لا يؤاخذهم بما صدر عنهم من هفوات وزلاّت:
﴿لَقَدْ تابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ﴾ قبل توبتهم، وشملهم بعطفه، وتجاوز عن هفواتهم، وعن اجتهادهم فيما لم يبيّنه الله تعالى لهم بيانا قطعيا، قال الألوسي إنّ ذكر النبي ﷺ معهم في الخطاب يعتبر تشريفا وتعظيما لقدرهم، وأمّا الذنب بالنسبة إليه ﷺ فهو من باب خلاف الأولى نظرا لمقامه الجليل، راجع شرح الآية (٤٣)﴾، ﴿الَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ اتّبعوا النبي ﷺ في وقت الشدّة والضيق، وقت غزوة تبوك، إذ كانت عسرة في الزاد عند انتهاء موسم الصيف، ونفاد المئونة من التمر وغيره، وأول فصل الخريف الذي بدأ فيه نضج الموسم الجديد ولم يحن وقت قطافه، وعسرة في التزوّد بالماء لبعد المسافة، وعسرة في الركوب فكان عدد منهم يتناوبون الركوب على الجمال، وعسرة في شدة الحر، وكان من عادة النبيّ عند الخروج للغزو أنّه لا
стр. 820
يصرّح بوجهة السفر، إلاّ في غزوة تبوك فقد أخبر الناس سلفا أنه يريد قتال الروم، لكي يستعدّوا ويتجهّزوا لبعد المسافة، والمشقة، وليكونوا على علم مسبق بكثرة العدو وقوّته ﴿مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ الزيغ هو الميل، والمعنى قارب بعضهم، لشدة المشقة ورهبة العدوّ، أن يميل قلبه عن الطريق السويّ، فيعصى أمر الرسول ﷺ في النفير، أو تخطر على باله الوساوس لشدة الموقف ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ عفا تعالى عن مقاربتهم أن يعصوا الرسول ﷺ ، وأن تزيغ قلوبهم عن الواجب ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ فلا يحاسبهم على ضعف النفوس البشرية إذا لم تخرج من نطاق الأفكار والوساوس إلى نطاق المعصية العملية.
﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاّ إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ (١١٨)
١١٨ - ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ﴾ عطف على الآية السابقة، أي وتاب على الثلاثة ﴿الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ الذين ما ذهبوا خلف الرسول ﷺ ، بل خلفوه في المدينة وتخلّفوا عنه، قال الرازي: الخالفين بمعنى المخالفين، ويقال للرجل خالفة بمعنى مخالف كثير الخلاف، والخالف أيضا الفاسد، ومنه خلوف الفم، قال الأصمعي: يقال: خلف يخلف، عن الخير، خلوفا إذا فسد، ويقال خلف اللبن وخلف أي فسد، انظر شرح الرازي للآية (٨٣)﴾، وقال الألوسي: المعنى أنّه قد خلّف أمرهم أي تمّ تأجيله ولم يقطع في أمرهم بشيء حتى نزل الوحي بهم، وقد ورد في كتب السيرة أنّ الثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وقصتهم معروفة في كتب التفسير، ولا يمنع أن ينطبق المعنى أيضا على أصناف ثلاثة من المؤمنين وقت غزوة تبوك: فريق منهم تقدم بأعذار باطلة للتخلف، وفريق آخر قعد ولم يعتذر وتخلف بسبب الوساوس والهواجس وضعف النفس البشرية، وفريق ثالث تخلف لمجرّد الإهمال والفوضى وعدم الالتزام، فكل المعاني التي تنطوي عليها كلمة ﴿خُلِّفُوا﴾ تنطبق على هؤلاء
стр. 821
جميعا، وهذا من الإعجاز القرآني، ومثل هؤلاء الناس عام لكل الأزمنة والعصور ولا يقتصر على غزوة تبوك ﴿حَتّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ بسبب ندمهم وتوبيخ ضمائرهم وشعورهم بفظاعة الذنب الذي ارتكبوه صارت الدنيا ضيقة عليهم، وهو مجاز عن شدة حيرتهم، فلم يقرّوا في الدنيا مع رحبها وسعتها ﴿وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ لشدة الغم والحزن، كأن نفوسهم لا تسع الانشراح والسرور لضيقها ﴿وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاّ إِلَيْهِ﴾ علموا أن لا ملجأ من غضبه تعالى إلاّ استغفاره والتوبة إليه، وهو بمعنى قوله ﷺ في الدعاء: «أللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك»، ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ﴾ قبل توبتهم ﴿لِيَتُوبُوا﴾ ليستقيموا على التوبة ﴿إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوّابُ﴾ المبالغ في قبول التوبة من عباده ﴿الرَّحِيمُ﴾ يرحمهم ويتجاوز عن سيئاتهم.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ (١١٩)
١١٩ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ بعد أن وصفت السورة بالآيات (٣٨ - ١١٨) أصنافا من المنافقين، ومن ضعاف الإيمان، والمذنبين، والتائبين، والمؤمنين، تأمرهم هنا بالتقوى، إن كانوا يدّعون الإيمان، وأمرهم أن يكونوا مع جماعة الصادقين في إيمانهم، ليس بالقول فقط ولكن بالعمل أيضا، بدليل الآية التالية.
﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٢٠)
١٢٠ - بعد أن أمرت الآية السابقة المؤمنين بالتقوى، وأن يكونوا مع الصادقين، تبيّن هذه الآية أن الصدق يكون بالعمل، وليس بمجرّد القول، وأما العمل فنوعان: الأول جهاد بالقتال وبالإنفاق، وهو المذكور في هذه الآية والتي تليها، والثاني جهاد بالحجّة والعلم كما هو مذكور في الآية (١٢٢)﴾:
стр. 822
﴿ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ﴾ لا يصحّ منهم التخلف عن الغزو مع رسول الله، وخصّ بالذكر أهل المدينة، والأعراب الذين كانوا حولها، لكونهم أقرب الناس جوارا للنبي ﷺ ﴿وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول ﷺ لنفسه، ولا يطلبوا لأنفسهم الرخاء والراحة، حال ما يكون رسول الله في الحر والمشقة، قال الزمخشري: أمروا أن يكابدوا الأهوال معه برغبة ونشاط واغتباط وأن يلقوا من الشدائد ما تلقاه نفسه الكريمة التي هي أعز نفس عند الله وأكرمها ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ عطش شديد ﴿وَلا نَصَبٌ﴾ تعب وإعياء ﴿وَلا مَخْمَصَةٌ﴾ مجاعة شديدة يضمر لها البطن ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ في جهاد أعدائه أو في طاعته مطلقا ﴿وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفّارَ﴾ يتخذون موقفا يغيظ الكفار ﴿وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً﴾ كالأسر والقتل والهزيمة المادية والمعنوية ﴿إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ الكلام عن غزوة تبوك ولكن العبرة عامة، فمن قصد خيرا في سبيل الله كان سعيه مشكورا بكل نشاط يقوم به ﴿إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ على إحسانهم.
﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٢١)
١٢١ - ﴿وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً﴾ في الجهاد ﴿وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً﴾ أي أرضا في ذهابهم ومجيئهم، لأنه في لغة العرب شاع استخدام الوادي بمعنى الأرض ﴿إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ﴾ ثوابه ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يكون الجزاء أحسن من عملهم وأجلّ وأفضل، أو يكون على قدر الأحسن من أعمالهم،
﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (١٢٢)
١٢٢ - تتمة الخطاب من الآية (١١٩)﴾ التي تحض المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين، فمن صدقهم أن يستجيبوا للنفير والجهاد مع النبي ﷺ ، (الآية ١٢٠)،
стр. 823
ومن صدقهم أيضا أنه يجب أن يتفرغ بعضهم للفقه وتعلم الدين كي يدعو باقي الناس إلى الإسلام، وهو ما تشير إليه هذه الآية:
﴿وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ إلى الجهاد ﴿فَلَوْلا نَفَرَ﴾ إلى الجهاد، ولولا بمعنى الحض والحثّ ﴿مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ﴾ وأقامت طائفة أخرى غيرهم ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ وهي الطائفة المقيمة ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ وهو الغرض من الإقامة والتفقه في الدين: وهو تعميم العلم ونشره، والاستعداد لتعليمه، وتفقيه الناس به، والدعوة إلى الإسلام، والإرشاد إلى الدين القويم ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ما يضرّهم من الشرك والشرور.
والمقصود من الفقه في الآية هو العلم والفهم لجوهر الإسلام ونظامه الحياتي بما يتطابق مع جوهره، وليس الشكل فقط، ولأنه لا فصل في الإسلام بين الدين والدنيا، وهو مغاير لمصطلح الفقه بمعنى دراسة الأحكام الشرعية التي وضعها واستنبطها الفقهاء، قال الألوسي: قال حجة الإسلام الغزالي: كان اسم الفقه في العصر الأول اسما لعلم الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب، وتدل عليه هذه الآية، دون تعريفات الطلاق واللعان والسلم والإجارات.
والنتيجة أيضا أنّ التفقه في العلم غير مقتصر على العلوم الدينية وإنما يشمل العلوم الدنيوية، لأن الآيات القرآنية تحثّ الناس على التفكر في الخلق وملاحظة الآيات الكونية والظواهر الطبيعية ودراستها، ودراسة الظواهر الاجتماعية والأنماط التاريخية واستنباط العبر منها، والآيات القرآنية موجهة ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، والأحاديث الشريفة أيضا كثيرة في فضل طالب العلم، كقوله ﷺ :
«طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»، و «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب»، و «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم»، و «من خرج في طلب العلم كان في سبيل الله حتى يرجع».
стр. 824
وهنالك مغزى آخر في الآية بأنّ طلب العلم واجب على كلّ من لديه الاستعداد والقابلية لذلك، فليس كل الناس لديهم الاستعداد للعلم، ومن جهة أخرى لا يمكن للجميع أن يتفرّغوا لطلب العلم كي لا تفوت على المجتمع المصالح العامة.
﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١٢٣)
١٢٣ - ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفّارِ﴾ الأمر بقتال الكفار القاطنين في جزيرة العرب، بدليل الآيات التالية (١٢٤ - ١٢٧)، وهو معنى قوله ﴿يَلُونَكُمْ﴾ أي يجاورونكم، والأمر بقتالهم لأن جزيرة العرب يجب أن تكون خالصة للمسلمين دون غيرهم، راجع شرح الآية (٢٨)﴾ وآية [الأنفال ٥٦/ ٨]، ويشمل المعنى أيضا الكفار الذين يقدمون من أقطار بعيدة لقتال المسلمين في بلادهم، فينطبق عليهم معنى ﴿يَلُونَكُمْ﴾ أي يدنون منكم ويصيرون قريبين من دياركم ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ الغلظة هي الشدّة، وهي ضدّ الرقّة، قال الرازي: التعبير يدل على تقليل الغلظة، وهو يصحّ فيمن أكثر أحواله الرحمة والرأفة، ومع ذلك فلا يخلو عن نوع غلظة، كأنه قيل لو بحثوا في أخلاقكم وطبائعكم لوجدوا فيكم غلظة، وأن هذه الغلظة تعتبر فيما يتصل بالدعوة إلى الدين، وذلك إمّا بإقامة الحجة والبينة، وإما بالقتال، فأمّا أن يحصل هذا التغليظ فيما يتصل بالمعاملات اليومية من بيع وشراء ومجالسة فلا، انتهى ﴿وَاِعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ المراد أن يكون قتال الكفار بدافع تقوى الله لا بدافع طلب المادة والسلطة، والمراد أيضا اتقاء التقصير وإتقاء أسباب الهزيمة بمراعاة سننه تعالى في الخلق، باتخاذ الأسباب وإعداد القوة، وبالصبر والثبات والنظام وترك التنازع والخلاف، والتوكل على الله فيما وراء الأسباب.
стр. 825
﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (١٢٤)
١٢٤ - ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي هنالك من الكفار الذين يلونكم، الذين أمرتم بقتالهم، من يقول عند نزول الوحي: ﴿أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ﴾ السورة ﴿إِيماناً﴾ يقولون ذلك لبعضهم البعض على سبيل السخرية والتهكم، أو يقولونه للمسلمين لمحاولة صدّهم عن الإسلام، وهو سبب الأمر بقتالهم، وقد يكون في كلامهم إشارة لقوله تعالى في سورة الأنفال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً﴾ [الأنفال ٢/ ٨]، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً﴾ بهذه الآية أثبت تعالى للمؤمن زيادة الإيمان ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ يسعدون بأن اهتدوا إلى الحق، ونجوا من الضلال.
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ﴾ (١٢٥)
١٢٥ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ مرض القلوب هو الكفر والنفاق والأخلاق الذميمة، انظر آية [البقرة ١٠/ ٢]، ﴿فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ زادت نفوسهم خبثا وقبحا وكفرا، لشدة تصميمهم على الحال التي هم عليها، وانغلاق عقولهم عن التفكر والنظر، انظر شرح آية [الأعراف ٧١/ ٧]، ﴿وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ﴾ أصرّوا على الكفر حتى الموت، ونظيره قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة ٦/ ٢].
﴿أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ (١٢٦)
١٢٦ - ﴿أَوَلا يَرَوْنَ﴾ أي الكفار المشار إليهم في الآيات (١٢٣ - ١٢٥)، ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ﴾ يختبرون بنزول الوحي حيث يمكن لهم تمييز الحق من الباطل، ويختبرون بالآيات الدالّة على صدق نبوّته ﷺ ، ويختبرون أيضا بالمحن والمعاناة والشدائد ﴿فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾ لأنّ أبواب التوبة مفتوحة لهم، إذ
стр. 826
يختبرون المرّة بعد المرّة، وسنة بعد سنة ﴿ثُمَّ لا يَتُوبُونَ﴾ عن كفرهم مع كلّ ذلك ﴿وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ لا يتّعظون، ولا يذّكرون الميثاق الفطري المأخوذ عليهم، [الأعراف ١٧٢/ ٧] و [آل عمران ٨١/ ٣].
﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ اِنْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (١٢٧)
١٢٧ - ﴿وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ وتليت عليهم وعلى المؤمنين ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ﴾ نظر التغامز والتهكم والسخرية والتآمر، والمغزى أنهم اتخذوا موقفا مسبقا من الرسالة الإسلامية برسوخهم في الكفر سلفا، وتصميمهم على عدم استخدام العقل في تقويمها ﴿هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ يسترقون النظر إلى بعضهم البعض، محاولين أن لا ينكشف موقفهم للمسلمين ﴿ثُمَّ اِنْصَرَفُوا﴾ عن سماع القرآن، وعن التفكر والتدبّر في الآيات القرآنية، وانصرفوا عن دراستها واعتبارها بذاتها من حيث جدارتها ومصداقيتها ﴿صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ عن الاهتداء بالقرآن ﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ أي بسبب أنهم لا يفقهون ما يسمعون من الآيات، لعدم استعمال عقولهم فيها، راجع آيتي [الأنفال ٢٢/ ٨ و ٥٥].
﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ (١٢٨)
١٢٨ - بعد أن فصّلت السورة موقف التكذيب الذي اتخذه الكفار والمنافقون بأنواعهم، تجاه دعوة النبي ﷺ ، تلخص هذه الآية بالمقابل موقف النبي ﷺ من الناس، أنه لا يريد سوى هدايتهم، ويخشى عليهم من سوء العاقبة:
﴿لَقَدْ جاءَكُمْ﴾ الخطاب للعرب خاصة، لأنه ﷺ بعث إليهم ابتداء، فآمن العرب بدعوته أولا، ثم آمن العجم بدعوة العرب لهم، وهو أيضا خطاب عام لجميع البشر، لأن النبي ﷺ بعث للناس كافة ﴿رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ أي هو من جنس البشر مثلكم، فلو كان فوق جنس البشر، أو من جنس الملائكة لأشكل الأمر على الناس كما ورد في آية [الأنعام ٩/ ٦]، والمعنى أيضا أنه من عشيرتكم
стр. 827
أيها العرب، فقد عرفتم صدقه وأمانته وطهارته قبل أن يبعث نبيّا ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ العنت هو المشقة والشدة، والمعنى أنه لكونه واحدا منكم يشقّ عليه عنتكم، أي يخاف عليكم سوء العاقبة والوقوع في المكروه ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ حريص على إيمانكم وإصلاح شؤونكم ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (١٢٩)
١٢٩ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإسلام وأعرضوا عنه، وهم الكفار والمنافقون ﴿فَقُلْ﴾ لهم أيها الرسول، أو أيها الداعية، أو أيها المؤمن ﴿حَسْبِيَ اللهُ﴾ هو يكفيني، وهو أدرى بشؤون خلقه ﴿لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ لا معبود سواه ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أفوض أمري إليه وحده دون غيره، بعد أن بلغتكم الرسالة، وأقمت عليكم الحجة، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وليس لي أن أكرهكم على الإسلام ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ختم النبوّات ببعثة خاتم الأنبياء والرسل، وأنزل الهداية على خلقه، ولم يتركهم يتخبطون في الضلال، ومنحهم العقل وحرية الفكر، ليتفكروا في الدلائل وفي معجزة القرآن، ليصبحوا مسؤولين عن أعمالهم فيحاسبوا عليها.
***
стр. 828
سورة يونس - ١٠ - مكية
سورة يونس السورة المكية الرابعة في ترتيب المصحف، وليس في ترتيب النزول، بعد سور الفاتحة - الأعراف - الأنعام، واستثنى بعضهم - بأسانيد ضعيفة - بعض الآيات منها على أنها مدنية، وهي أولى السور المكية الستة (يونس - هود - يوسف - الرعد - إبراهيم - الحجر) التي تبدأ بالحروف المقطعات ﴿الر﴾ سوى أن سورة الرعد تبدأ بالحروف ﴿المر﴾،
وأما تاريخ النزول ففي أواخر فترة إقامة النبي ﷺ في مكة قبل هجرته إلى المدينة، واشتقّ اسم السورة من ذكر قوم يونس في الآية ٩٨ منها، وكما هو معروف في سور القرآن الكريم فإن اسم السورة ليس سوى رمز لها، وللدلالة عليها لا غير، ولا يقصد به أنّ قصة يونس هي موضوع السورة، ولا أنّ في السورة تركيز عليها، ومع ذلك فإنّ قصة قوم يونس هي مثل القوم الذين تداركوا أنفسهم بالإيمان والتوبة قبل فوات الأوان: ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ [يونس ٩٨/ ١٠].
ارتباط السورة بما قبلها
أوضحت سورة التوبة أن الله تعالى لا يؤاخذ الناس بضلالهم إلاّ بعد أن تبلغهم الرسالة ويتبيّن لهم طريق الخير من طريق الشر: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ إِنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة ١١٥/ ٩]، واختتمت السورة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة ١٢٨/ ٩]، ثم
стр. 829
يستمر الخطاب في سورة يونس بقوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ * أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ [يونس ١/ ١٠ - ٢]،
وفي سورة التوبة أن المشركين نجس معنوي بسبب عقائدهم الفاسدة: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة ٢٨/ ٩]، وأن شكوك الكفار في القرآن تزيدهم رجسا: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ﴾ [التوبة ١٢٥/ ٩]، وفي سورة يونس أن الذين لا يستخدمون ملكاتهم العقلية على النحو السوي يلحق بهم الرجس، وهو الخبث المعنوي، أو النجس: ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس ١٠٠/ ١٠]،
وفي سورة التوبة بيان لطريقة الدعوة وأن لا بدّ من الحجة والدليل والإقناع:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اِسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ﴾ [التوبة ٦/ ٩]، وفي سورة يونس أن حكمته تعالى اقتضت خلق الإنسان مختارا مستعدّا بفطرته للإيمان والكفر، فلا يجوز لأحد إكراه الآخرين على الإيمان: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٩٩/ ١٠].
محور سورة يونس
يدور أولا على مواضيع البعث والجزاء: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٤)، والتوحيد ودحض الشرك: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (١٨)،
стр. 830
وثانيا على العلم اليقيني الذي جاء به القرآن، وأن أكثر الناس يتبعون الظن بدلا من يقين القرآن: ﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٣٦)، فتدحض السورة مزاعم الكفار عن منشأ القرآن: ﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٣٧)، وأن القرآن شفاء لما في الصدور من الشك: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥٧)، وأن القرآن هو الفضل المطلق والرحمة: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ (٥٨)،
وأن هداية القرآن تعود بالفائدة على الفرد، كما يكون وبال ضلاله عليه:
﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ (١٠٨) والإيمان ليس قسرا:
﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٩٩).
وتضرب السورة مثلا بجوانب من قصص الأنبياء نوح وموسى ويونس ﵈ لبيان العبر منها المناسبة لسياق السورة.
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ (١)
١ - ﴿الر﴾ راجع شرح آية [البقرة ١/ ٢]، وردت حروف ﴿الر﴾ في ستة سور متتالية من القرآن الكريم هي (يونس - هود - يوسف - الرعد - إبراهيم - الحجر)، غير أنها وردت في سورة الرعد ﴿المر﴾ بزيادة حرف الميم، ونسبوا إلى ابن عباس قوله أن معناها: أنا الله أرى، أو أنا الرب لا رب غيري، وقالوا أيضا ﴿الر﴾ و ﴿حم﴾ و ﴿ن﴾ حروف ﴿الرَّحْمنِ﴾ مقطّعة، لكنّ الرازي رأى أنّ تفسير ألفاظ المقطعات بناء على ما فيها من الحروف من دون أن تكون تلك
стр. 831
الألفاظ موضوعة في اللغة لذلك المعنى أصلا، ممّا يفتح الباب للباطنية على مصراعيه في تفسير ألفاظ القرآن الكريم بما يشاكل هذا الأسلوب ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ﴾ الكتاب الحكيم هو القرآن، قال أبو مسلم الأصفهاني، المعنى: من هذه الحروف ﴿الر﴾ وأمثالها تتألف آيات الكتاب الحكيم، وهذه الحروف في متناول أيديهم، ثم لا يستطيعون أن يأتوا بآية واحدة من مثل آيات الكتاب الحكيم، أمّا وصف القرآن بكونه حكيما فمن عدة وجوه: فهو الكتاب المشتمل على الحكمة، والحكيم أيضا بمعنى الحاكم - فعيل بمعنى فاعل - فهو يحكم بالحق، ويميز بين الاعتقادات الصحيحة والباطلة، والأعمال صوابها من خطئها، ويحكم بصدق النبوّة، ويدل على الحكمة والصواب، والحكيم أيضا بمعنى المحكم الذي لا يتطرق إليه الخلل ولا التناقض، لأنّ القرآن في منتهى الإحكام والإتقان، كما أنّه محكم لا ينسخ منه شيء بخلاف الرسالات السابقة التي نسخت، راجع آية [البقرة ١٠٦/ ٢].
﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ (٢)
٢ - ﴿أَكانَ لِلنّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ﴾ ما وجه العجب أن يبعث الله تعالى بشرا رسولا؟ فقد قال بعضهم لبعض: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ [المؤمنون ٣٤/ ٢٣]، وهذا القول يقوله الكثير من الكفار حتى اليوم، فلو كان المبعوث فوق جنس البشر، أو من جنس الملائكة لأشكل الأمر عليهم، قال تعالى ﴿وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ [الأنبياء ٧/ ٢١]، وهذا الرجل منهم، محمد ﷺ ، عرفوا صدقه وأمانته وطهارته قبل أن يبعث نبيّا، والله تعالى لا يترك عباده بلا هداية، فماذا يريد المكابرون كي يؤمنوا؟
﴿أَنْ أَنْذِرِ النّاسَ﴾ مهمة الرسول إنذار الناس كافة، أي إعلامهم بالتوحيد والبعث والحساب ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ منهم واستجابوا لله وللرسول ﴿أَنْ﴾
стр. 832
﴿لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ لهم سابقة ومنزلة رفيعة، والقدم نتيجة ما قدّموا من الخير، وبنتيجة صدق قولهم وعملهم، أما الكفار فقالوا بعد إنذارهم: ﴿قالَ الْكافِرُونَ إِنَّ هذا لَساحِرٌ مُبِينٌ﴾ قاله كفار مكة لمّا عجزوا عن معارضة القرآن، ويقوله الكفار في كل زمن، وفي حق كثير من الأنبياء، والكثيرون يرفضون مسبقا فكرة الوحي الإلهي إلى بشر، ويزعمون استحالتها، كما يزعمون أن الرسول أذهل الناس بشخصيته وطلاقته لا غير، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء النظر في القرآن ودراسته وتقويمه من حيث محتواه، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء ٨٢/ ٤].
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣)
٣ - ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ استئناف الخطاب لإظهار بطلان تعجبهم من نزول الوحي على بشر، والمعنى أنّ من خلق السماوات والأرض ينزّل الوحي أيضا على من يشاء من عباده ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ قال الألوسي: الخلق في ستة أوقات، أو ستة مراحل زمنية، لأن اليوم في اللغة هو مطلق الوقت ﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كناية - باللغة التي يفهمها البشر - عن مقام السيطرة العلوية الثابتة الراسخة و ﴿ثُمَّ﴾ هنا ليست للتراخي الزمني، بل للبعد المعنوي، فالزمن في هذا المقام لا معنى له، وليست هنالك حالة ولا هيئة لم تكن لله ثم كانت، فهو سبحانه منزّه عن الحدوث، وعن الزمان والمكان ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ يدبّر ملكوت السماوات والأرض وشؤون خلقه، ومن ذلك أن يخلقهم على الفطرة ويبعث إليهم الرسل ﴿ما مِنْ شَفِيعٍ إِلاّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ﴾ المبني على الحكمة الباهرة، وذلك عند كون المأذون له بالشفاعة من المصطفين الأخيار، وتشريفا له، والمشفوع له ممّن يليق بالشفاعة، أي يكون تعالى راضيا عنه بتوبته وإيمانه وعمله الصالح، لقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى﴾ [الأنبياء ٢٨/ ٢١]، وقوله: ﴿قُلْ لِلّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً﴾ [الزمر ٤٤/ ٣٩]،
стр. 833
﴿ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ دون غيره ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ كيف لا تتذكرون الميثاق الفطري المأخوذ عليكم، انظر [الأعراف ١٧٢/ ٧]، فهذا الأمر معلوم عند الناس بالفطرة، ولا يحتاج سوى التذكير الذي جاءت به الرسل، ولهذا السبب سمّي الوحي ذكرا، قال تعالى ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ٧/ ٥٤]، وقال جلّ ثناؤه ﴿فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية ٢١/ ٨٨] أي بالعهد الفطري وبما نزل من الوحي على الأنبياء.
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٤)
٤ - ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللهِ حَقًّا﴾ تأكيد على البعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال، فالخلق ليس عبثا، بل العدالة تتحقق مطلقا ﴿إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ لأنّ القادر على البدء يكون قادرا على الإعادة والعدالة ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ﴾ تعليل للإعادة، أي ليجزيهم ويثيبهم بفضله ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ لتحقق العدالة، والحميم الماء الشديد الحرارة، لأن العرب الذين خوطبوا بالقرآن أولا، ويعيشون في المناخ شديد الحرارة، يشعرون أكثر من غيرهم بهذا النوع من العقاب ﴿وَعَذابٌ أَلِيمٌ﴾ عطف العام على الخاص ﴿بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ بسبب مواظبتهم على الكفر حتى الموت، لقوله ﴿يَكْفُرُونَ﴾ بالمضارع،
﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٥)
٥ - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ مزيد من البراهين والتفصيل عن خلق النظام الشمسي بعد ذكر إجمال خلق السماوات والأرض في (الآية ٣)، وقوله ﴿الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً﴾ لأن الضوء ينتج عن ذات الشيء كالشمس والنار، والنور ينعكس عنه، وهو كقوله ﴿وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً﴾ [الفرقان ٦١/ ٢٥]،
стр. 834
﴿وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ﴾ وهي مراحل القمر التي تتكرر كلّ ٢٩ - ٣٠ يوما، ويحتمل عود الضمير في قوله ﴿قَدَّرَهُ﴾ إلى ضياء الشمس ونور القمر معا ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ لضبط مواعيد العبادات، والمعاملات الدينية والدنيوية والمعاشية، ولأنّ عدد السنين وحساب الأشهر القمرية والشمسية إنما يعرف بدوران القمر حول الأرض، وبدوران الأرض حول الشمس ﴿ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾ وفق حكمة ومغزى، فلا عبث ولا باطل ولا صدفة، ولا بدّ من تحقق العدالة كي يكون للوجود معنى ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ الكونية والعقلية ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ يعلمون معاني الدلائل ويفهمونها، ويستنتجون الحقيقة منها، فالإسلام دين العلم والعقل.
﴿إِنَّ فِي اِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ (٦)
٦ - ﴿إِنَّ فِي اِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ في تعاقبهما، وتغيّرهما التدريجي على مدار السنة، واختلافهما بحسب الموقع على الكرة الأرضية ﴿وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ﴾ من الأفلاك والمجرّات ﴿وَالْأَرْضِ﴾ من أنواع الجماد والنبات والحيوان ﴿لَآياتٍ﴾ أنواع لا متناهية من الدلائل على الإبداع والإتقان والإحكام في الخلق، وعلى وجود الخالق سبحانه ﴿لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ عواقب عملهم، فيلزمون الحذر، والنظر، والتفكر، والتدبّر.
﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاِطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ (٧)
٧ - بعد أن بيّنت السورة الدلائل القاهرة على صدق النبوّات، ووحدانية الخالق، والبعث والحساب، تبيّن بعدها مآل من يكفر بذلك، ومن يؤمن به:
﴿إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ لا يتوقعون البعث بعد الموت، ولا يأملون الحساب والثواب والعقاب ﴿وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا﴾ حتى صارت منتهى أملهم، وأصبح كل همّهم محصورا بها، وكلّ أعمالهم في سبيلها، ورضوا بها
стр. 835
بدلا عن الآخرة ﴿وَاِطْمَأَنُّوا بِها﴾ انهمكوا بها حتى سكنت إليها نفوسهم، وارتاحت لها قلوبهم ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ الجملة الاسمية تفيد استمرارية غفلتهم عن آيات الكتاب الحكيم، مع احتمال كونهم مؤمنين بها، غير أنهم غافلين عن العمل بها لانهماكهم في دنيا المادة، وقد يكون هذا الفريق الغافل، غير فريق الملحدين الذين لا يرجون اللقاء، مع أن الفريقين مشتركان في الانشغال بالدنيا وحدها، ومشتركان في الغفلة عن آيات الكتاب الحكيم (الآية ١)، وعن التفكر والتدبر في الآيات الكونية، الآيات (٦، ٥، ٣)،
﴿أُولئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٨)
٨ - ﴿أُولئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ﴾ مآلهم عذاب الآخرة ﴿بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ بسبب ما كانوا يكسبون من العقائد الفاسدة وما ترتّب عليها من عمل، والمعنى أنّ أعمالهم هي المؤثرة في إيصالهم إلى هذا المآل، انظر شرح (الآية ٤)، ونظيره قوله تعالى ﴿ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج ١٠/ ٢٢].
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ (٩)
٩ - تتمة الخطاب من (الآية ٧) لبيان مآل المؤمنين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالقرآن وبالغيب ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ كان إيمانهم مقترنا بالأعمال الصالحات ﴿يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ﴾ بسبب إيمانهم المقترن بالعمل الصالح، فيكون ذلك سببا لهدايتهم بما يؤدي بهم إلى الجنة: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنّاتِ النَّعِيمِ﴾ وفي الآية التالية وصف نعيمها الروحاني:
﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (١٠)
١٠ - ﴿دَعْواهُمْ فِيها﴾ دعاؤهم في الجنة ﴿سُبْحانَكَ اللهُمَّ﴾ تسبيح وتنزيه له تعالى، كقول الملائكة ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة ٣٠/ ٢]، ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ وهي التحية التي تلقاهم بها الملائكة أنهم في نعيم
стр. 836
السلام، لقوله ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ [الرعد ٢٣/ ١٣ - ٢٤]، وقوله تعالى لهم: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس ٥٨/ ٣٦]، وهو السلام الروحاني، والسلامة والأمن من كل شرّ، ومن كل آفة، وكلّ مخافة،
﴿وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ حمدا على حسن ختامهم وما هم فيه من النعيم.
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اِسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ (١١)
١١ - بعد أن بيّنت الآيات السابقة مآل كل من المؤمنين والكفار في الآخرة، تبين هذه الآية أنّ الله تعالى لا يعاجل منكري النبوة (الآية ٢)، ومنكري البعث والحساب (الآية ٧)، بعقاب الدنيا، ولكن يمهلهم، لأنّ التعجيل بالعقوبة في الدنيا كالمانع من الاختبار، ومن حرية الخيار التي كرّم بها بني آدم، ولصار الإيمان قسرا:
﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اِسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ الشر بمعنى العقوبة، وتعجيل الشيء تقديمه على أوانه المحدد أو المقدّر، والمعنى أنه تعالى لا يعاجل الناس بالعقوبة رغم وقوعهم في المعاصي، ورغم استعجالهم ما يظنون أنه خير بانهماكهم وراء الدنيا والمادة والسلطة، فهو يمهلهم للتوبة، رأفة بهم ورحمة، انظر آية [النساء ٢٨/ ٤]، ولولا ذلك: ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ لكنه أرحم بهم من أنفسهم، فلا يقضي إليهم أجلهم بإهلاكهم واستئصالهم، بل يتركهم لحرية خيارهم، ويذرهم وما هم عليه حتى أجلهم المقدّر، ويترك لهم فرص التوبة والرجوع، ويوفق منهم من يشاء الهدى ﴿فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الذين لا يرجون اللقاء المشار إليهم في (الآية ٧)، يذرهم تعالى، أي يتركهم لما اختاروا من التخبّط في الضلال، ولا يقسرهم على الإيمان
стр. 837
والصلاح قسرا، ثم يكون مآلهم، المشار إليه في (الآية ٨)، بنتيجة أعمالهم وكسبهم، إن لم يغتنموا فرص التوبة.
﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٢)
١٢ - وإذا عجّل الله للإنسان بعض الشر، انظر الآية السابقة: ﴿وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ﴾ الضرّ هو الضرر، كالمرض والفقر والمصائب تصيب الإنسان ﴿دَعانا﴾ لكشفه وإزالته ﴿لِجَنْبِهِ﴾ دعانا مضطجعا على جنبه لشدة مرضه ﴿أَوْ قاعِداً﴾ إن كان يستطيع القعود ﴿أَوْ قائِماً﴾ أي في كل حالاته، والمعنى أن الإنسان في حال الضرّ، يدعو ربه تلقائيا وبالفطرة، بدافع من غريزته وعقله الباطن، حتى لو كان ممّن يدّعون "العلمانية"، ورغم أنه قد يكون من اللاهثين وراء الدنيا، الآية (٧)، ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى﴾ كشف ﴿ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ إذا زال عنه الضرر نسي موقف الضعف والعجز والابتهال والدعاء كأنه لم يمرّ به، وعاد في عقله الواعي إلى المكابرة وإنكار الإيمان ﴿كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الذين أسرفوا في هدر طاقاتهم الفكرية والعملية بما يضرهم ولا ينفعهم، حتى خسروا أنفسهم بإسرافهم، انظر [الأنعام ١٢/ ٦]، أما تزيين الأعمال بقوله ﴿زُيِّنَ﴾ أي جعلها تبدو حسنة في نظرهم، فهو راجع إلى النفس البشرية والوسواس، راجع شرح آية [آل عمران ١٤/ ٣]، والتزيين ناتج عن تأخير العقوبة عنهم وإمهالهم، الآية (١١)، فبدلا من التوبة، يزداد تهالكهم على ما يظنون خيرات الدنيا.
﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمّا ظَلَمُوا وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١٣)
١٣ - ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هذه الآية بيان لسنن الله في خلقه، والخطاب لمنكري النبوات فيما يقتضي الإهلاك، والقرون: الأمم، جمع قرن وهم القوم المقترنون في زمن واحد، وقد ضربت السورة مثلا بإهلاك المسرفين
стр. 838
منهم، الذين زيّن لهم الشيطان أعمالهم من الظلم والفساد، حتى حان أجلهم المقدّر: ﴿لَمّا ظَلَمُوا﴾ بسبب ظلمهم ﴿وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ﴾ من قبل، فلم يكن لديهم عذر بالغفلة، انظر [الأنعام ١٣١/ ٦]،
﴿وَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ رغم بعث الرسل لهم ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المصرّين على الإجرام، وهي العاقبة الطبيعية لأمثالهم،
﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (١٤)
١٤ - ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ﴾ أيها العرب والمسلمون ﴿خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ ببعث خاتم الأنبياء والرسل فيكم ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد القرون الأولى، والخلائف جمع خليفة، وهو من يخلف غيره في الشيء، أي إن الله تعالى بشّر المسلمين أنهم يخلفون الأمم التي كانت قبلهم كأمم اليهود والفرس واليونان والروم، والآية من معجزات القرآن لأنها إعلام بالغيب الذي تحقق، واستخدام الفعل الماضي بقوله تعالى ﴿جَعَلْناكُمْ﴾ للتأكيد، أي هو محقق لا محالة، وقد علل هذا الاستخلاف بقوله ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ والمعنى أن هذه الخلافة جعلها تعالى لهم لإقامة الحق والعدل في الأرض، ولتطهيرها من الشرك، لا لمجرد التمتع بالملك والحكم، فبقاء خلافتهم منوط بصلاح أعمالهم، وأنه تعالى ناظر فيها، حتى لا يغتروا ويظنوا أن الملك باق لهم لذواتهم، أو لجنسهم، أو لنسبتهم إلى نبيه ﷺ ، ولا أنهم مستثنون من سننه تعالى في خلقه، فبقدر إقامة هذه السنن يكون الملك والسلطان لهم، (انظر تفسير المنار).
﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١٥)
١٥ - بعد إنكارهم النبوة (الآية ٢)، وإنكارهم النشور (الآية ٧)، يدّعي الكفار والمشركون أن القرآن من عند النبي ﷺ : ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ على العرب وقت البعثة ﴿آياتُنا بَيِّناتٍ﴾ آيات القرآن الكريم الواضحة المبهرة المعجزة
стр. 839
﴿قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا﴾ قال الذين ينكرون الوحي والبعث والحساب، قالوا للرسول ﷺ : ﴿اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا﴾ أي ليكن قرآنا موافقا لأهوائنا، ومطابقا لمقاييسنا في الخطأ والصواب والخير والشر، حتى نقبله منك ﴿أَوْ بَدِّلْهُ﴾ أو على الأقل بدّل بعض ما فيه، حتى يوافق عباداتنا وعاداتنا الوثنية، ومغزى قولهم أن مصدر القرآن بشر، وليس وحيا سماويا ﴿قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي﴾ ليس ذلك باستطاعتي ولا هو بإمكاني ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ ما يُوحى إِلَيَّ﴾ هذا كل ما في الأمر ﴿إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي﴾ بالافتراء والكذب ﴿عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ انظر آية [الأنعام ٩٣/ ٦].
﴿قُلْ لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْراكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٦)
١٦ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي، جوابا على لمزهم: ﴿لَوْ شاءَ اللهُ ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ لما بعثني إليكم رسولا، ولكنّ خالق البشر لا يترك عباده يتخبطون بلا هدى، انظر [التوبة ١١٥/ ٦]، وهذا المعنى مرتبط أيضا بالآيات (٢ - ٣) ﴿وَلا أَدْراكُمْ بِهِ﴾ أي ولا أعلمكم بهذا القرآن، بل لترككم تتخبطون في الظلام، لكن ذلك مناقض للتكليف والاختبار، انظر [الأنعام ١٣١/ ٦]، ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل نزول القرآن، على مدى أربعين سنة، كانوا يعرفون صدق النبي ﷺ وأمانته حتى لقبوه بالأمين، وكان أميا لا يقرأ الكتب، ولم يدرس شرائع من سبقوه، ولم يتلقّ علما من أحد، ولم تعرف عنه أساليب البلاغة والبيان من شعر ونثر، ولم يكن طالب سلطة ولا جاه ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ حضّ على التفكير واستخدام العقل، فالعرب بمجموع فصحائهم وبلغائهم، على كثرتهم، عجزوا عن مضاهاة القرآن، أو الإتيان بمثله، أو بسورة واحدة من مثله، فمن باب أولى أن يكون الواحد الأميّ منهم أعجز عن الإتيان بكتاب يبهر كلام الفصحاء جميعا، وفي نفس الوقت يكون مشحونا بعلوم الأصول والفروع، والحكمة، وأخبار ما كان وما يكون، مخبرا عن الغيب، لقوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ * فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ﴾ [الطور ٣٣/ ٥٢ - ٣٤].
стр. 840
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (١٧)
١٧ - ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ تتمة جواب النبي ﷺ للكفار وللمشركين، أي ليس هنالك أظلم ممّن يفتري الوحي، لما زعموه عنه، وينسبه إلى الله تعالى، انظر [البقرة ٧٩/ ٢]، ﴿أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ ولا أظلم ممّن يكذّب بآيات الوحي كما يكذّب بها الجاحدون ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ الذين يكذّبون الوحي، فلا يفوزون بمبتغاهم في الدنيا والآخرة.
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ (١٨)
١٨ - ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ وهم المشركون في كل الأزمنة، فبدلا من انجلاء الحقيقة في عقولهم، يصرّون على عبادة الأوثان و"الوسطاء" وتعظيم قبور الأكابر التي لا تقدر على نفع ولا ضر، فإن عبدوها لم تنفعهم، وإن تركوها لم تضرّهم ﴿وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللهِ﴾ بزعمهم، يعتقدون أن عبادة "الوسطاء" تشفع لهم عند الله ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ أي بشفعاء موهومين؟ انظر الآية (٣)، وما ينطوي عليه ذلك من إنكار لعلم الله القديم ﴿سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيه لله تعالى عما يزعمون من الشركاء والشفعاء.
﴿وَما كانَ النّاسُ إِلاّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (١٩)
١٩ - ﴿وَما كانَ النّاسُ إِلاّ أُمَّةً واحِدَةً﴾ كانوا أمة واحدة على الفطرة والتجانس في حياتهم البسيطة الأولى، وفي الحديث: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، ثم بعث الله فيهم النبيين برسالة واحدة هي رسالة الإسلام، أي إسلام الأمر الله وحده، والإسلام بهذا المعنى يشمل جميع الأديان التي جاء بها الأنبياء لأنّ أصلها التوحيد والاستسلام لله
стр. 841
تعالى والانقياد لهداية الوحي ولو اختلفت بعض التكاليف وأحكام التشريع التي نسخ بعضها بعضا، انظر [آل عمران ١٩/ ٣]، ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ طوائف وشيعا، وهو سبب ادّعائهم الشفعاء، وعبادتهم ما يضرهم ولا ينفعهم، انظر آية [البقرة ٢١٣/ ٢]، ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بإمهالهم إلى الآخرة، وعدم تعجيل العقوبة لهم في الدنيا، (الآية ١١)، إنعاما عليهم، لعلهم يتوبون ويعودون إلى الحق، ومن جهة ثانية تكريما لبني آدم أن يكون لهم حرية الفكر وحرية الخيار بين الحق والباطل، انظر [هود ١١٨/-١١٩]، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الحياة الدنيا ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بإهلاك المبطلين منهم وإظهار أهل الحق، أو بكشف حجب الغيب وانتهاء فترة الاختبار،
﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (٢٠)
٢٠ - وهذه شبهة رابعة من شبهات الكفار، بعد إنكارهم النبوّة، وإنكارهم البعث والحساب، وزعمهم أن القرآن مفترى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ يريدون معجزة مادية خارقة تلمسها أيديهم وتشهدها حواسهم برهانا على نبوته ﷺ ، والمعنى أنهم لا يريدون إعمال عقولهم، ولا ينظرون في آيات الكون، ويجحدون أو لا يريدون تقويم الآيات القرآنية بذاتها ومن حيث جدارتها وإعجازها ﴿فَقُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ﴾ هو وحده المختص بعلم الغيب، والصارف عن إنزال الآيات المقترحة لحكمة هو يعلمها، كما في آيتي [الأنعام ١٠٩/ ٦ - ١١٠]، ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ انتظروا عواقب عملكم وسلوككم، وأنا انتظر ظهور رسالة الإسلام على سائر الأديان.
﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ (٢١)
٢١ - ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً﴾ كالصحة والسعادة، والمقصود بالناس الأنواع المشار إليهم بالآيات (٢٠، ١٨، ١٥، ١٢، ١١، ٧) ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ﴾
стр. 842
﴿مَسَّتْهُمْ﴾ كالمرض والفقر وغيره ﴿إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا﴾ بعد زوال الضرّ عنهم، ينكصون إلى الجحود والمكابرة وإنكار الإيمان، بل يمكرون في الآيات ويطعنون بها، وهذا المعنى شبيه بالآية (١٢) المتقدمة، سوى أن معنى المكر قد أضيف إليه ﴿قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً﴾ المكر هو التدبير الخفي الذي يؤدي بالممكور به إلى ما لا يحتسب ولا يتوقع، ومكره تعالى تدبيره الذي يخفى على الناس، وهو أسرع مكرا لأنه سبق في تدبيره أمور الخلق وأعمار الناس، وتقديره الجزاء على الأعمال قبل وقوعها، وفي الآيتين (٢٢ - ٢٣) تفصيل لهذا المعنى ﴿إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ لا يخفى على الله شيء من مكركم وعملكم، قال الألوسي: وكيفية الكتابة ممّا لا يلزم العلم به، كما لا حاجة إلى جعله مجازا عن العلم.
﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (٢٢)
٢٢ - استمرار الخطاب من الآية السابقة، فهذه الآية وما يليها مثال على مكر الناس في الآيات: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يمكنّكم من ذلك، بما أودع فيكم من العقول والمقدرة على تطوير العلوم والمعارف ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ السفن ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ جرت هذه السفن بمن فيها بسبب ريح طيبة مواتية لوجهة السير، وتغيير الكلام من المخاطب إلى الغائب بقوله تعالى ﴿بِهِمْ﴾ لإبراز المغزى العام لهذا المثل وانطباقه على معظم الخلق ﴿وَفَرِحُوا بِها﴾ اطمأنوا واغتبطوا بأن الأمور مواتية لهم ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ فرجح عندهم الاعتقاد أنهم مشرفون على الهلاك فعندئذ ﴿دَعَوُا اللهَ﴾ وحده ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ بلا كفر ولا شرك ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ﴾ المصيبة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أقسموا أمام الله لئن نجوا أن يكونوا شاكرين لنعمائه مقرّين بفضله، والمغزى من هذا المثال أنّ الإنسان إذا اشتدّ خوفه رجع إلى فطرته التي خلق عليها بأنّ الله
стр. 843
وحده المتصرف بالعباد والخلق، ومثال الفلك ينطبق اليوم على أنواعها من بواخر وغواصات وطائرات،
﴿فَلَمّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٣)
٢٣ - ﴿فَلَمّا أَنْجاهُمْ﴾ مستجيبا دعاءهم ﴿إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ البغي: الظلم والعدوان والإفساد، والمعنى أنهم على النقيض من دعائهم وقت الشدة أن يكونوا شاكرين لأنعم الله، انقلبوا، بعد نجاتهم، إلى البغي في الأرض ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ مع علمهم أنهم على غير الحق ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ وهي قاعدة عامة، في كل زمان ومكان، أنّ البغي يعود على صاحبه بسوء العاقبة ﴿مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ تتمتّعون ببغيكم متاع الحياة الدنيا فقط ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ في الآخرة، وقد نذيقكم عذاب الدنيا قبل الآخرة ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من مفاسد ومظالم، فتلاقون جزاءها،
وفي الحديث: «ما من ذنب أجدر أن يعجّل لصاحبه العقوبة، من البغي وقطيعة الرحم» و «أسرع الخير ثوابا البرّ وصلة الرحم، وأسرع الشرّ عقوبة البغي وقطيعة الرحم».
﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَاِزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢٤)
٢٤ - لما كان سبب مكر الناس في الآيات، (الآية ٢١)، وسبب بغيهم وإفسادهم، (الآية ٢٣)، هو إفراطهم في حب الدنيا وتهالكهم عليها، ضربت السورة مثلا عن الحياة الدنيا، منعا للغرور بها، وموعظة للاعتدال بها وبمواردها، ولاجتناب التوسل إليها بالبغي والظلم:
стр. 844
﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ مثلها كمثل المطر ينزل من السماء ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ بسببه ﴿نَباتُ الْأَرْضِ﴾ البذور الكامنة في التربة ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ﴾ أنبتت الأرض من كل أنواع النبات ممّا يستفيد منه الإنسان والحيوان ﴿حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها﴾ الزخرف في اللغة هو الذهب، ويشبّه به كل زينة مصطنعة، فالمقصود أن الأرض أخذت زخرفها ليس فقط بنتيجة نبات الأرض وزراعتها، بل أيضا بما أضافه الإنسان بنتيجة جهوده الفنية التقنية في سبيل رفاهيته، ليس بالضرورة بما يتناسب مع الطبيعة والبيئة، بل بما قد يتعارض ويتنافر معها ويخلّ بتوازنها ويلوّثها ﴿وَاِزَّيَّنَتْ﴾ تزيّنت ﴿وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها﴾ ظنّوا أنهم مسيطرون عليها ومتمكّنون منها بمشاريعهم وبوسائلهم العلمية والتقنيّة ﴿أَتاها أَمْرُنا﴾ المقدّر لإهلاكها، إمّا بجائحة سماوية، أو بما أفسدت يد الإنسان من تخريب البيئة ﴿لَيْلاً﴾ وهم نائمون ﴿أَوْ نَهاراً﴾ وهم غافلون عن آخرتهم لاهثون وراء دنياهم، ويحتمل المعنى أيضا أن تكون بعض أجزاء الكرة الأرضية ليلا وبعضها نهارا، بسبب كروية الأرض، وهو من إعجاز القرآن العلمي ﴿فَجَعَلْناها حَصِيداً﴾ كالأرض المحصودة الجرداء المستأصل زرعها ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ كأنّها لم تكن غنية في الماضي ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ مثل هذا التفصيل والبيان ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يستفيدون من عقولهم وأفكارهم، ويتعظون قبل فوات الأوان.
﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢٥)
٢٥ - ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي هم يؤثرون متاع الحياة الدنيا والبغي والإفساد وما يتبع ذلك من الشقاء، في حين أنّه تعالى يدعوهم إلى ما يؤدّي بهم إلى دار السلام والسعادة الأبدية في الآخرة، كما يدعوهم إلى السعادة الدنيوية التي يتمتع بها المؤمنون، وهي الراحة النفسية الداخلية، والعيش بسلام مع دنياهم دون فساد وإفساد ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الله تعالى يدعو كل أحد إلى دار السلام، ويهدي من يشاء الهداية، ومن لديه الاستعداد لها، إلى الطريق الموصل إليها.
стр. 845
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٦)
٢٦ - بعد أن دعا تعالى عباده إلى دار السلام، ذكر ما يحصل لهم فيها من السعادة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ أعمالهم ﴿الْحُسْنى﴾ المثوبة الحسنى، أو المنزلة الحسنى في الجنة ﴿وَزِيادَةٌ﴾ فوق استحقاقهم تفضّلا منه تعالى، وشبيه بذلك قوله عزّ من قائل: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور ٣٨/ ٢٤]،
﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ لا يرهق وجوههم ما يرهق أهل النار من السواد والهوان ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.
﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٧)
٢٧ - ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ بالشرك والمعاصي ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ بلا زيادة عليها، بمقتضى العدل ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ يرهقهم الهوان ﴿ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾ فلا ينتفعون بالشركاء المزعومين والأولياء والشفعاء والزعماء والأسياد ﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً﴾ وجوههم سوداء، كأنما ألبست قطعا من الليل المظلم، وبالإضافة لكونه حقيقة، قد يكون مجازا عن فضيحة الذنوب والخزي ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾.
﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ (٢٨)
٢٨ - بعد أن بينت الآية السابقة أن الذين كسبوا السيئات ﴿ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾، تؤكد هذه الآية عدم نفع الشركاء لهم: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ يوم البعث ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ﴾ قفوا للحساب، كي نفصل بينكم، فيما كان من سبب عبادتكم لمن جعلتموهم
следующие страницы →