← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

تعالى والانقياد لهداية الوحي ولو اختلفت بعض التكاليف وأحكام التشريع التي نسخ بعضها بعضا، انظر [آل عمران ١٩/ ٣]، ﴿فَاخْتَلَفُوا﴾ طوائف وشيعا، وهو سبب ادّعائهم الشفعاء، وعبادتهم ما يضرهم ولا ينفعهم، انظر آية [البقرة ٢١٣/ ٢]، ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ بإمهالهم إلى الآخرة، وعدم تعجيل العقوبة لهم في الدنيا، (الآية ١١)، إنعاما عليهم، لعلهم يتوبون ويعودون إلى الحق، ومن جهة ثانية تكريما لبني آدم أن يكون لهم حرية الفكر وحرية الخيار بين الحق والباطل، انظر [هود ١١٨/-١١٩]، ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ في الحياة الدنيا ﴿فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ بإهلاك المبطلين منهم وإظهار أهل الحق، أو بكشف حجب الغيب وانتهاء فترة الاختبار، ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (٢٠) ٢٠ - وهذه شبهة رابعة من شبهات الكفار، بعد إنكارهم النبوّة، وإنكارهم البعث والحساب، وزعمهم أن القرآن مفترى: ﴿وَيَقُولُونَ لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ يريدون معجزة مادية خارقة تلمسها أيديهم وتشهدها حواسهم برهانا على نبوته ﷺ ، والمعنى أنهم لا يريدون إعمال عقولهم، ولا ينظرون في آيات الكون، ويجحدون أو لا يريدون تقويم الآيات القرآنية بذاتها ومن حيث جدارتها وإعجازها ﴿فَقُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ﴾ هو وحده المختص بعلم الغيب، والصارف عن إنزال الآيات المقترحة لحكمة هو يعلمها، كما في آيتي [الأنعام ١٠٩/ ٦ - ١١٠]، ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ انتظروا عواقب عملكم وسلوككم، وأنا انتظر ظهور رسالة الإسلام على سائر الأديان. ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ (٢١) ٢١ - ﴿وَإِذا أَذَقْنَا النّاسَ رَحْمَةً﴾ كالصحة والسعادة، والمقصود بالناس الأنواع المشار إليهم بالآيات (٢٠، ١٨، ١٥، ١٢، ١١، ٧) ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرّاءَ﴾

стр. 842

﴿مَسَّتْهُمْ﴾ كالمرض والفقر وغيره ﴿إِذا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آياتِنا﴾ بعد زوال الضرّ عنهم، ينكصون إلى الجحود والمكابرة وإنكار الإيمان، بل يمكرون في الآيات ويطعنون بها، وهذا المعنى شبيه بالآية (١٢) المتقدمة، سوى أن معنى المكر قد أضيف إليه ﴿قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً﴾ المكر هو التدبير الخفي الذي يؤدي بالممكور به إلى ما لا يحتسب ولا يتوقع، ومكره تعالى تدبيره الذي يخفى على الناس، وهو أسرع مكرا لأنه سبق في تدبيره أمور الخلق وأعمار الناس، وتقديره الجزاء على الأعمال قبل وقوعها، وفي الآيتين (٢٢ - ٢٣) تفصيل لهذا المعنى ﴿إِنَّ رُسُلَنا يَكْتُبُونَ ما تَمْكُرُونَ﴾ لا يخفى على الله شيء من مكركم وعملكم، قال الألوسي: وكيفية الكتابة ممّا لا يلزم العلم به، كما لا حاجة إلى جعله مجازا عن العلم. ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ (٢٢) ٢٢ - استمرار الخطاب من الآية السابقة، فهذه الآية وما يليها مثال على مكر الناس في الآيات: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ يمكنّكم من ذلك، بما أودع فيكم من العقول والمقدرة على تطوير العلوم والمعارف ﴿حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ السفن ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ جرت هذه السفن بمن فيها بسبب ريح طيبة مواتية لوجهة السير، وتغيير الكلام من المخاطب إلى الغائب بقوله تعالى ﴿بِهِمْ﴾ لإبراز المغزى العام لهذا المثل وانطباقه على معظم الخلق ﴿وَفَرِحُوا بِها﴾ اطمأنوا واغتبطوا بأن الأمور مواتية لهم ﴿جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ فرجح عندهم الاعتقاد أنهم مشرفون على الهلاك فعندئذ ﴿دَعَوُا اللهَ﴾ وحده ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ بلا كفر ولا شرك ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ﴾ المصيبة ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أقسموا أمام الله لئن نجوا أن يكونوا شاكرين لنعمائه مقرّين بفضله، والمغزى من هذا المثال أنّ الإنسان إذا اشتدّ خوفه رجع إلى فطرته التي خلق عليها بأنّ الله

стр. 843

وحده المتصرف بالعباد والخلق، ومثال الفلك ينطبق اليوم على أنواعها من بواخر وغواصات وطائرات، ﴿فَلَمّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٢٣) ٢٣ - ﴿فَلَمّا أَنْجاهُمْ﴾ مستجيبا دعاءهم ﴿إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ البغي: الظلم والعدوان والإفساد، والمعنى أنهم على النقيض من دعائهم وقت الشدة أن يكونوا شاكرين لأنعم الله، انقلبوا، بعد نجاتهم، إلى البغي في الأرض ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ مع علمهم أنهم على غير الحق ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ﴾ وهي قاعدة عامة، في كل زمان ومكان، أنّ البغي يعود على صاحبه بسوء العاقبة ﴿مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ تتمتّعون ببغيكم متاع الحياة الدنيا فقط ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ﴾ في الآخرة، وقد نذيقكم عذاب الدنيا قبل الآخرة ﴿فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ من مفاسد ومظالم، فتلاقون جزاءها، وفي الحديث: «ما من ذنب أجدر أن يعجّل لصاحبه العقوبة، من البغي وقطيعة الرحم» و «أسرع الخير ثوابا البرّ وصلة الرحم، وأسرع الشرّ عقوبة البغي وقطيعة الرحم». ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَاِزَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها أَتاها أَمْرُنا لَيْلاً أَوْ نَهاراً فَجَعَلْناها حَصِيداً كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢٤) ٢٤ - لما كان سبب مكر الناس في الآيات، (الآية ٢١)، وسبب بغيهم وإفسادهم، (الآية ٢٣)، هو إفراطهم في حب الدنيا وتهالكهم عليها، ضربت السورة مثلا عن الحياة الدنيا، منعا للغرور بها، وموعظة للاعتدال بها وبمواردها، ولاجتناب التوسل إليها بالبغي والظلم:

стр. 844

﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ﴾ مثلها كمثل المطر ينزل من السماء ﴿فَاخْتَلَطَ بِهِ﴾ بسببه ﴿نَباتُ الْأَرْضِ﴾ البذور الكامنة في التربة ﴿مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ﴾ أنبتت الأرض من كل أنواع النبات ممّا يستفيد منه الإنسان والحيوان ﴿حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها﴾ الزخرف في اللغة هو الذهب، ويشبّه به كل زينة مصطنعة، فالمقصود أن الأرض أخذت زخرفها ليس فقط بنتيجة نبات الأرض وزراعتها، بل أيضا بما أضافه الإنسان بنتيجة جهوده الفنية التقنية في سبيل رفاهيته، ليس بالضرورة بما يتناسب مع الطبيعة والبيئة، بل بما قد يتعارض ويتنافر معها ويخلّ بتوازنها ويلوّثها ﴿وَاِزَّيَّنَتْ﴾ تزيّنت ﴿وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها﴾ ظنّوا أنهم مسيطرون عليها ومتمكّنون منها بمشاريعهم وبوسائلهم العلمية والتقنيّة ﴿أَتاها أَمْرُنا﴾ المقدّر لإهلاكها، إمّا بجائحة سماوية، أو بما أفسدت يد الإنسان من تخريب البيئة ﴿لَيْلاً﴾ وهم نائمون ﴿أَوْ نَهاراً﴾ وهم غافلون عن آخرتهم لاهثون وراء دنياهم، ويحتمل المعنى أيضا أن تكون بعض أجزاء الكرة الأرضية ليلا وبعضها نهارا، بسبب كروية الأرض، وهو من إعجاز القرآن العلمي ﴿فَجَعَلْناها حَصِيداً﴾ كالأرض المحصودة الجرداء المستأصل زرعها ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ كأنّها لم تكن غنية في الماضي ﴿كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ مثل هذا التفصيل والبيان ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ يستفيدون من عقولهم وأفكارهم، ويتعظون قبل فوات الأوان. ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ﴾ استمرار الخطاب من الآية السابقة، أي هم يؤثرون متاع الحياة الدنيا والبغي والإفساد وما يتبع ذلك من الشقاء، في حين أنّه تعالى يدعوهم إلى ما يؤدّي بهم إلى دار السلام والسعادة الأبدية في الآخرة، كما يدعوهم إلى السعادة الدنيوية التي يتمتع بها المؤمنون، وهي الراحة النفسية الداخلية، والعيش بسلام مع دنياهم دون فساد وإفساد ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ الله تعالى يدعو كل أحد إلى دار السلام، ويهدي من يشاء الهداية، ومن لديه الاستعداد لها، إلى الطريق الموصل إليها.

стр. 845

﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٦) ٢٦ - بعد أن دعا تعالى عباده إلى دار السلام، ذكر ما يحصل لهم فيها من السعادة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ أعمالهم ﴿الْحُسْنى﴾ المثوبة الحسنى، أو المنزلة الحسنى في الجنة ﴿وَزِيادَةٌ﴾ فوق استحقاقهم تفضّلا منه تعالى، وشبيه بذلك قوله عزّ من قائل: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور ٣٨/ ٢٤]، ﴿وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ﴾ لا يرهق وجوههم ما يرهق أهل النار من السواد والهوان ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾. ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئاتِ﴾ بالشرك والمعاصي ﴿جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها﴾ بلا زيادة عليها، بمقتضى العدل ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ يرهقهم الهوان ﴿ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾ فلا ينتفعون بالشركاء المزعومين والأولياء والشفعاء والزعماء والأسياد ﴿كَأَنَّما أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعاً مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِماً﴾ وجوههم سوداء، كأنما ألبست قطعا من الليل المظلم، وبالإضافة لكونه حقيقة، قد يكون مجازا عن فضيحة الذنوب والخزي ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾. ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ (٢٨) ٢٨ - بعد أن بينت الآية السابقة أن الذين كسبوا السيئات ﴿ما لَهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ عاصِمٍ﴾، تؤكد هذه الآية عدم نفع الشركاء لهم: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً﴾ يوم البعث ﴿ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكاؤُكُمْ﴾ قفوا للحساب، كي نفصل بينكم، فيما كان من سبب عبادتكم لمن جعلتموهم

стр. 846

شركاء ﴿فَزَيَّلْنا بَيْنَهُمْ﴾ فرّقنا بين المشركين وبين من جعلوهم شركاء لله، كناية عن زيف الروابط التي كانت بينهم ﴿وَقالَ شُرَكاؤُهُمْ﴾ الذين زعموا فيهم الألوهية، أو من زعموا أنهم فوق البشر، أو اعتقدوا فيهم الوساطة أو الشفاعة، أو الذين ادّعوا الزعامة والجبروت والسلطة الدائمة ﴿ما كُنْتُمْ إِيّانا تَعْبُدُونَ﴾ تبرأ المعبودون من العابدين، والمعنى إنّ عبادتكم لم تكن لنا في الحقيقة، ولكن كنتم تعبدون أوهامكم الناتجة من التقليد الأعمى، وتعبدون مصالحكم الدنيوية، وشهواتكم، وزعاماتكم، ﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ﴾ (٢٩) ٢٩ - تتمة خطاب المعبودين للعابدين: ﴿فَكَفى بِاللهِ شَهِيداً بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ﴾ فهو العليم بحالنا وحالكم ﴿إِنْ كُنّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ﴾ كنّا في غفلة عن عبادتكم لنا، لا نكترث لها، ولم نطلبها منكم، ونتبرأ منها، بل كنّا نسخر منها ومنكم، ﴿هُنالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٣٠) ٣٠ - ﴿هُنالِكَ﴾ في ذلك الموقف، أو في ذلك المقام، وهو مقام الحشر، لأن الخطاب تتمة لما قبله، (الآيات ٢٧ - ٢٨ - ٢٩) ﴿تَبْلُوا﴾ تختبر ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ مؤمنة وكافرة ﴿ما أَسْلَفَتْ﴾ ما قدّمت من عمل في الدنيا، وتتحقق أن ما عملت من خير فعاقبته خير، وما عملت من شر فعاقبته شرّ، والمغزى أن عاقبة الإنسان نتيجة طبيعية لما قدّم من عمل ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللهِ﴾ إلى ثوابه وعقابه ﴿مَوْلاهُمُ الْحَقِّ﴾ الحق في ألوهيته، وليس ما اتخذوه باطلا في دنياهم ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ ذهب وضاع ﴿ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ما كانوا يختلقون من الأوهام، ومن الآلهة، والمؤلّهين، ومن الشفعاء والأولياء والزعماء.

стр. 847

﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (٣١) ٣١ - بعد أن ذكرت الآيات السابقة شبهات الكفار تجاه الوحي، تورد هذه الآية والآيات التي تليها الحجج تجاه ذلك: ﴿قُلْ﴾ أيها النبي، أو أيها المسلم، لأولئك المشركين، وللمشركين في كلّ زمن: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ﴾ غير الله سبحانه، رزقا معنويا وماديّا ﴿أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ﴾ بما فيهما من إعجاز، ومن يستطيع خلقهما وتسويتهما على هذه الفطرة العجيبة ﴿وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ كخروج النبات من الأرض الميتة، ثم موت النبات، أو كإحياء الإنسان من العدم ثم موته، وعلى المعنى المجازي: من يخرج المؤمن من الكافر، والشرّير من الصالح، انظر [الأنعام ١٢٢/ ٦]، حيث جعل تعالى الكفر موتا والإيمان حياة ﴿وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أمور الخلق والكون العجيب وما أودعه فيه من النظام والسنن ﴿فَسَيَقُولُونَ اللهُ﴾ بلا جدال، فهم مقرّون بذلك مع شركهم ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ عواقب الشرك، مع اعترافكم أنّ كل هذه النعم والإعجاز وتدبير الكون منه تعالى وحده. ﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿فَذلِكُمُ اللهُ﴾ لا إله إلاّ هو ﴿رَبُّكُمُ الْحَقُّ﴾ من كانت هذه قدرته في إنعامه عليكم، وأنه الحيّ بذاته، المحيي لغيره، فهو ربّكم الحقّ الثابت بذاته، المتحققة ربوبيته وألوهيته دون سواه ﴿فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ﴾ فكلّ معبود سواه باطل ﴿فَأَنّى تُصْرَفُونَ﴾ كيف تصرفون عن عبادته وحده؟ إلى عبادة ما سواه؟ بعد أن عرفتم هذا الأمر الواضح؟ ﴿كَذلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٣٣) ٣٣ - ﴿كَذلِكَ﴾ كما أنه ليس لتارك الحق إلاّ أن يكون على الضلال، كذلك ﴿حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ تتحقق سنّته، ويتحقق وعيده ﴿عَلَى الَّذِينَ﴾

стр. 848

﴿فَسَقُوا﴾ الذين خرجوا عن الحق ﴿أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ معناه أنهم يمتنعون باختيارهم، مرجّحين الشرك والكفر، لقوله تعالى ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر ٧/ ٣٩]. ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ (٣٤) ٣٤ - وهذه الحجة الثانية بعد الحجة المشار إليها بالآية (٣١): ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي، أو أيها المسلم ﴿هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ﴾ الذين تزعمون لهم شركا في الألوهية، كالأصنام والأوثان والأرواح والملائكة المشار إليهم في الآية (١٨) والآية (٢٨)، ممّن يشفعون لهم عند الله بزعمهم ﴿مَنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إشارة إلى موت وتجدد الحياة العضوية باستمرار برهانا على البعث، لأنهم يعلمون أن ذلك ليس بقدرة الشركاء المزعومين، بل هم في منتهى العجز ﴿قُلِ اللهُ﴾ وحده دون غيره ﴿يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ إنّكم تعلمون ذلك علم اليقين، وتشاهدونه باستمرار ﴿فَأَنّى تُؤْفَكُونَ﴾ كيف تصرفون عن الحق؟ فالفطرة التي سلمت من الفساد، والعقل الذي سلم من العصبية، يقرّان بذلك. ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ (٣٥) ٣٥ - بعد الإشارة في الآيات (٣١ - ٣٣) إلى معجزات الخالق في الرزق، والمعجزات الكونية الباهرة، والهداية، وإشارة الآية (٣٤)﴾ إلى معجزة الحياة والموت، والعجز التام للشركاء والشفعاء المزعومين، تشير هذه الآية إلى مفهوم آخر، وهو أن الله وحده يهب الإنسان العقل بما يمكنّه من النظر في الدلائل والوصول إلى الحقيقة، وهذه الحجة الثالثة: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ﴾ من رؤساء الكفر والضلال، والشفعاء والأولياء والقديسين ومن تدّعون فيهم بعض صفات الألوهية ﴿مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ لأن الله وحده واهب العقل والفكر والنظر والفطرة السليمة، يبعث الرسل وينزّل

стр. 849

الوحي، ويوفّق من شاء إلى الهداية ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ سبحانه ﴿أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ﴾ لأنّه المصدر الوحيد للهدى ﴿أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدى﴾ الشركاء المزعومون بحاجة لمن يهديهم فكيف يهدون غيرهم ﴿فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ بالباطل؟ ﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ (٣٦) ٣٦ - ﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا﴾ أكثر الناس يتّبعون الظن والتخمين، لأنهم إمّا متمسكون بتقليد ما توارثوه عن الآباء والأجداد، أو يبتدعون النظريات والعقائد من عند أنفسهم بلا دليل ولا برهان قطعي ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ تتمة الخطاب من الآية السابقة: أنّ الله تعالى يهدي إلى العلم اليقيني والاعتقاد الصحيح، بما وهب الناس من العقل والفكر وبعث الرسل وتنزيل الوحي، في حين أنّ المشركين والضالين يتّبعون الظن، وهو لا يغني من العلم اليقيني شيئا، ولذلك قالوا إنّ إيمان المقلّد العالم غير صحيح ﴿إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ﴾ وهذه نقطة ثانية منبثقة عن الإيمان، لأن الإيمان يترتب عليه العمل، فالله تعالى عليم بما يفعلون بمقتضى اعتقاداتهم الظنية، والقطعية، فيحاسبهم على أعمالهم بمقتضى كل منها. فما كان قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، وهو الشرع العام الذي لا يجوز للمسلمين الاختلاف فيه، فهو أساس وحدتهم، وما دون ذلك لا يؤخذ به في العقيدة، بل هو متروك للاجتهاد في الأعمال، ﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ (٣٧) ٣٧ - عودة إلى موضوع الآية (١٧)﴾، فبعد أن ذكرت الآية السابقة أن أكثرهم يتّبعون الظن، بدلا من اتّباع العلم اليقيني الذي تضمّنه الوحي، تذكر هذه الآية والآيات التي تليها إعجاز القرآن واستحالة افترائه من بشر:

стр. 850

﴿وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ليست صفة القرآن كصفة شيء يمكن أن يفترى، فالقرآن معجز من نواح متعددة لا يقدر عليه البشر ﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يصدّق الصحيح المتبقّي من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل، وهو معنى قوله ﴿الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ فالتصديق ليس للكتب السابقة بوضعها الراهن بما اشتملت عليه من إضافات ومحذوفات وتحريف وتشويه، إذ لم يبق في الكتب المقدسة لدى اليهود والنصارى سوى شذرات من الأصل، انظر شرح آيات [آل عمران ٣/ ٣] و [المائدة ٤٧/ ٥، ١٤، ١٣]، ﴿وَتَفْصِيلَ الْكِتابِ﴾ جنس الكتاب، وهو الوحي الذي نزل على جميع الرسل، وفيه تفصيل العقيدة والشريعة والسنن والمواعظ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا يتطرق الشك لأي من محتواه لكونه وحيا: ﴿مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾. ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٣٨) ٣٨ - ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ﴾ زعموا أن النبي ﷺ أتى بالوحي من عنده (الآية ١٥)، ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿فَأْتُوا﴾ أنتم على وجه الافتراء ﴿بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ فأنتم مثلي في العربية والفصاحة ﴿وَاُدْعُوا﴾ لمعونتكم في ذلك ﴿مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ﴾ من بلغائكم وعلمائكم، و"آلهتكم" التي تلجؤون إليها في النوائب ﴿مِنْ دُونِ اللهِ﴾ ادعوا من استطعتم من خلقه، والمعنى أن الله وحده القادر على أن يأتي بمثله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعواكم أن هذا القرآن مفترى، وأنه بمقدور الإنس والجن، انظر شرح [البقرة ٢٣/ ٢]. قال الرازي إنّ مراتب تحدّي الرسول ﷺ بالقرآن ستة: أولها أنه تحداهم جميعا من إنس وجن بكل القرآن، انظر [الإسراء ٨٨/ ١٧]، وثانيها أنه تحداهم بعشر سور، انظر [هود ١٣/ ١١]، وثالثها أنه تحداهم بسورة واحدة من مثل القرآن، انظر [البقرة ٢٣/ ٢]، ورابعها أنه تحداهم بحديث مثله، انظر [الطور ٣٤/ ٥٢]، وخامسها طلب منهم أن يأتي بالمعارضة رجل من مثل النبيّ، أي يساويه في كونه أميا غير متعلم

стр. 851

(البقرة ٢٣/ ٢)، ثم في هذه الآية من سورة يونس طلب منهم معارضة سورة واحدة، من قبل أي إنسان سواء كان متعلما أم لا، وسادسها أنه تحداهم واحدا واحدا، ثم تحداهم جميعا أن يستعينوا بعضهم ببعض في الإتيان بسورة واحدة إن استطاعوا. وقد لاحظ الشيخ محمد رشيد رضا أن مراتب التحدّي هذه غير مراعى بها الترتيب التاريخي بل ذكر كلّ منها بمناسبة سياق سورته، ومن المعلوم بداهة أنه ما كان لعاقل مثل النبي ﷺ أن يتحداهم مثل هذا التحدي لو لم يكن موقنا أن ليس باستطاعة الإنس والجن الإتيان بمثله، في جملته، ولا بسورة واحدة منه، لا أفرادهم ولا جملتهم، فلو كان هو الذي أنشأه وألّفه، كما زعموا، لكان بإمكانهم ما أمكنه، ولكن عجز غيره ممن كانوا أفصح منه دليل على عجزه هو من باب أولى، فالرسول كغيره من البشر لا يقدر على الإتيان بسورة واحدة من عنده، وأما قولهم أن النبي ﷺ كان أفصح قريش وأبلغهم، فالمعروف بالنقل الثابت أنه قبل نزول الوحي لم يكن النبي ﷺ يذكر في فصحاء قريش ولم يعدّ منهم، وإنما امتاز كلامه بالفصاحة والبلاغة بعد البعثة بما استفاده من وحي القرآن، كما أن كلامه وأسلوبه لا يشبه ما جاء به القرآن، وكلام شخص واحد يلزم أن يكون متشابها كما لا يخفى على أحد، يضاف إلى ذلك أن الإعجاز القرآني غير مقتصر على الفصاحة اللغوية بل يتعداها إلى محتواه وتعاليمه، ثم إنّه تعالى ذكر في الآية التالية السبب الذي من أجله كذّبوا القرآن: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ سارعوا إلى التكذيب بالقرآن قبل أن يفقهوه، وقبل أن يتدبروه ويعلموا معانيه، وقبل أن يطّلعوا على الحقيقة، وقبل أن يدركوا إعجازه، وذلك لفرط نفورهم عمّا يخالف ما اعتادوه من تقليد دين آبائهم وأجدادهم ﴿وَلَمّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ التأويل هو المآل أو العاقبة، والمعنى

стр. 852

لم يحن وقت العاقبة بالنسبة إلى ما يعد به القرآن من الغيب، انظر شرح [الأعراف ٥٢/ ٧ - ٥٣]، ﴿كَذلِكَ﴾ أي مثل هذا التكذيب ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وكما يكذّب غيرهم في كل عصر من العصور، يعني قبل أن يدرسوا الوحي من حيث جدارته ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظّالِمِينَ﴾ كيف كان مآلهم. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ (٤٠) ٤٠ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ﴾ رغم التكذيب المشار له آنفا، فمنهم من سيؤمن بالقرآن وإن طال تكذيبهم، وهو سبب الإمهال وتأخير العقوبة عنهم، لأن فعل ﴿يُؤْمِنُ﴾ يمكن أن يحمل معنى الاستقبال كما يحمل معنى المضارع، وفي المضارع يحتمل المعنى أنّ منهم من يؤمن به حاليا ولكنه يكذّب عنادا وجحودا ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ وهو حال الكفار الذين يبقون مصرّين على الكفر ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ المعاندين والكفار. ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ (٤١) ٤١ - ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ وأصرّوا على الكفر، أيها النبي، أو أيها الداعية في كلّ زمن ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ وهو البلاغ المبين، وما أنا عليكم بمسيطر، ولست عليكم بحفيظ، ولا أكرهكم على الإيمان ﴿وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ﴾ لكم نتيجة عملكم من التكذيب والشرك والظلم والفساد ﴿أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ فيلقى كل إنسان جزاءه، ولا يحاسب بذنب غيره. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ (٤٢) ٤٢ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ بظواهرهم، وقلوبهم لا تعي شيئا، ولا تريد أن تعي شيئا ممّا تقول وممّا تقرأ من القرآن، وذلك لشدة عصبيتهم وإصرارهم على ما توارثوه من آبائهم وأجدادهم، ولشدة بغضهم وعداوتهم للإسلام، حتى بلغوا منتهى النفرة عن قبوله ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ شبّههم تعالى بالصمّ مجازا، لأنهم لا يعقلون ما يسمعون، أي لا

стр. 853

يستخدمون عقولهم لتقويم ما يقوله النبي وما يقرؤون من القرآن من حيث جدارته الفعلية، فقد اتخذوا مواقف سلبية مسبقة سلفا. ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ﴾ بعينيه، ولا يبصر بقلبه ما آتاك الله من نور الهداية، لانشغاله عن ذلك بما صمّم عليه سلفا ﴿أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ تشبيه المصرّ على انغلاق عقله بالأعمى، لكونه أعمى البصيرة عن الحقيقة. والمغزى من الآيتين أنّ فاقد الاستعداد لاستخدام العقل، ومن لا يستطيع أن يضع جانبا العصبية والتقليد المتوارث، لا يستطيع بالتالي أن يسمع الحقيقة ولا يمكنه أن يراها، لأنّ فكره منغلق سلفا على ما فيه. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (٤٤) ٤٤ - ﴿إِنَّ اللهَ لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئاً﴾ فهو يبعث الرسل وينزّل الكتب، ويعطي الإنسان العقل والحواس ليختار ما هو في صالحه، ولا يسلبهم حواسهم وعقولهم ﴿وَلكِنَّ النّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لأنهم يصرفون عقولهم وأعمالهم لما لا يليق، بل يعطّلون عقولهم. ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللهِ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ (٤٥) ٤٥ - بعد أن وصف تعالى المصرّين على الكفر بقلة الإصغاء، وقلة النظر، أتبع ببيان مآلهم: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلاّ ساعَةً مِنَ النَّهارِ يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ الساعة الواحدة من النهار يضرب بها المثل في قصر المدة، أي أن الحياة قصيرة الأمد، في جنب الآخرة، كأنها ساعة واحدة من النهار أمضوها في التعارف فيما بينهم، والمغزى أنهم ضيّعوا أعمارهم في طلب الدنيا والحرص عليها، ثمّ لم ينتفعوا منها لآخرتهم شيئا، فكان ذلك العمر بالنسبة إليهم قليلا، يستقلّونه في آخرتهم بعد أن كان منتهى أملهم في الدنيا ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾

стр. 854

﴿بِلِقاءِ اللهِ﴾ خسروا السعادة الأبدية لأنهم كانوا لا يتوقعون البعث بعد الموت، ولا يأملون الحساب والثواب والعقاب ﴿وَما كانُوا مُهْتَدِينَ﴾ بما اختاروه لأنفسهم من الكفر وإنكار البعث. ﴿وَإِمّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ (٤٦) ٤٦ - ﴿وَإِمّا نُرِيَنَّكَ﴾ أيها النبي، أو أيها الداعية، أو أيها المسلم ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ من عاقبة تكذيبهم، في الدنيا قبل الآخرة ﴿أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قبل ذلك ﴿فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ للحساب والثواب والعقاب ﴿ثُمَّ اللهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ بعد وفاته ﷺ ، والمعنى عام ينطبق على كل الأزمنة، لأن بعض المؤمنين قد يتعجبون من نجاة بعض المكذّبين في الحياة الدنيا ويتعجبون من ازدهار أحوالهم، فالجواب أنهم قد يرون عاقبة المكذّبين في الحياة الدنيا، أو قد يتم باقي العقاب أو كله في الحياة الآخرة، فلا ينبغي استباق الأمور، لأن كلّ عمل يحمل في طياته بذور عواقبه، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٤٧) ٤٧ - ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ بعثت الرسل إلى كل الأمم على مر العصور، فلم تبق أمة من الأمم بلا هداية وتبشير وإنذار، مع ملاحظة أنّ عموم الآية لا يقتضي كون الرسول حاضرا مع كل أمة، لأن تعاليمه لم تزل باقية لمن بعده ﴿فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ﴾ وبلغتهم الرسالة، وقامت الحجة عليهم ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ لأنّ الله تعالى لا يحاسب الناس إلا بعد أن تبلغهم بعثة الرسل، ونظيره قوله تعالى ﴿ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها غافِلُونَ﴾ [الأنعام ١٣١/ ٦]، وقوله تعالى ﴿وَما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء ١٥/ ١٧]، وقوله تعالى ﴿وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاّ لَها مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٨/ ٢٦].

стр. 855

﴿وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٤٨) ٤٨ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾ وهو قول الكفار في تحدّيهم للمؤمنين ﴿مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ متى هذا القضاء بالقسط المشار إليه في الآية السابقة؟ ومتى هذا الوعد بأنّ الله سينصركم علينا؟ والجواب عليه في الآية التالية: ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً إِلاّ ما شاءَ اللهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (٤٩) ٤٩ - ﴿قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ فمن باب أولى لا أملك ذلك لغيري، بسوى الأسباب التي أقدر عليها كما يقدر عليها غيري، وليس منها إنزال العذاب بكم حسبما تريدون ﴿إِلاّ ما شاءَ اللهُ﴾ إلاّ ما شاء الله أن أملكه من دفع الضرر وجلب النفع بما أعطاني من الكسب الاختياري مع تيسير أسبابه لي، وأما الآيات الخارقة فهي لله وحده، ويحتمل المعنى أيضا أن تكون إلاّ بمعنى لكن، أي: لكن ما شاء الله من ذلك الوعد كائن، متى شاء، ولا شأن لي به، لأن ذلك خاص بالربوبية دون الرسالة التي وظيفتها التبليغ لا التكوين ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ لبقائها وهلاكها، في علم الله، وليس لي تقديمه أو تأخيره ﴿إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ﴾ المقدّر لهم ﴿فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً﴾ أي شيئا قليلا من الزمن ﴿وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ لا يملك الرسول أن يؤخّر الأجل أو يقدّمه، ولا أن يطلب التأخير والتقديم منه تعالى. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتاً أَوْ نَهاراً ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٥٠) ٥٠ - ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ﴾ الذي تستعجلون به ﴿بَياتاً﴾ ليلا، وأنتم تبيتون في بيوتكم ﴿أَوْ نَهاراً﴾ وأنتم لاهثون وراء دنياكم، والمعنى أنه يأتيكم بغتة بلا توقع مسبق منكم، وفي قوله ﴿بَياتاً أَوْ نَهاراً﴾ أنه يأتيكم والأرض نصفها غارق في الليل ونصفها الآخر في النهار بالنظر لكروية الأرض، وهو من إعجاز القرآن ﴿ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي جزء من العذاب يستعجلون؟ لأن مجيء العذاب ليس شيئا ممّا يوجب الاستعجال إلاّ من قبل الجاهلين والحمقى.

стр. 856

﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ (٥١) ٥١ - ﴿أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ سوف يؤمنون قطعا عند تحقق العذاب، ولكن الإيمان لا ينفع صاحبه وقتئذ، لأنه يصير اضطراريا، بالمشاهدة عيانا، وليس تصديقا بالقرآن وبالرسول ﴿آلْآنَ﴾ تؤمنون به اضطرارا، مع أنّ الإيمان في وقت الإلجاء والقسر باطل لا يفيد صاحبه؟! ﴿وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ تكذيبا بالقرآن واستكبارا! ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ (٥٢) ٥٢ - ﴿ثُمَّ قِيلَ﴾ وقت وقوع العذاب - واستخدام الفعل الماضي للمستقبل لبيان وقوعه لا محالة - ﴿لِلَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أنفسهم بالكفر وما يترتب عليه من الفساد والضلال ﴿ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلاّ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ لأن الجزاء مترتب على ما كسبتموه باختياركم من الكفر والفساد في الأرض، وذلك بمقتضى السنن الحكيمة من ارتباط المسببات بالأسباب، راجع شرح الآيتين ٤ و ٨ أعلاه. ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٥٣) ٥٣ - ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ﴾ يستخبرونك أيها النبي، أو أيها المؤمن ﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ أي هذا الوعد بالقضاء بينهم بالقسط المشار إليه في الآيتين (٤٧ - ٤٨)، أو هذا العذاب الذي يستعجل به المجرمون، هل هو حقّ؟ وسؤالهم دليل أنهم كانوا يظنّون الظنون، (الآية ٣٦)، ولم يكونوا على يقين من تكذيبهم، وإنّما كانوا بين الشك واليقين، وبين العناد والتقليد ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ وفائدة القسم أنّ العرب في ذلك العهد كان يقل فيهم الكذب لعزة أنفسهم، وعدم خضوعهم لرئاسة استبدادية تضطرهم إليه، وكانوا يهابون الأيمان الباطلة ويخافونها، أضف ما اشتهر به النبي ﷺ من الصدق حتى لقّبوه بالأمين فلا يعقل أن يقسم باطلا ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ فلا تفوتون العاقبة المترتبة على تكذيبكم.

стр. 857

﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الْأَرْضِ لافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (٥٤) ٥٤ - ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ﴾ بأن كذّبت الرسول ﷺ والوحي، وهو المعنى العام للآيات السابقة ﴿ما فِي الْأَرْضِ﴾ ملكا من الأموال والخيرات قاطبة ﴿لافْتَدَتْ بِهِ﴾ يوم القيامة، أي ودّت لو تجعله فدية لها من العذاب وقتئذ ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمّا رَأَوُا الْعَذابَ﴾ إسرار الندامة معناه أنهم وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم لهول ما رأوا من العذاب، ومعناه أيضا أنّ الندم لا ينفع بعد انكشاف حجب الغيب ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ بينهم وبين الرسل والمؤمنين، وكذلك بينهم وبين من ظلموهم من المرؤوسين الضعفاء ممّن كانوا يصدونهم عن الإيمان، لأن هذا هو ظاهر السياق ﴿بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل ﴿وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ بل ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم من الأتباع والمقلّدين، وهم لا يظلمون أيضا لأنه لا يحيق بهم إلا ما اقتضاه استعدادهم، وقد جاء قوله تعالى ﴿وَأَسَرُّوا النَّدامَةَ﴾ و ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ على لفظ الماضي مع أنّ القيامة من أمور المستقبل، وذلك لتحقق وقوعها لا محالة، فجعل تعالى مستقبلها كالماضي، ومن ذلك قوله تعالى ﴿اِقْتَرَبَتِ السّاعَةُ وَاِنْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١/ ٥٤]. ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٥٥) ٥٥ - ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ مزيد من التأكيد على مقدرته تعالى على إنفاذ حكمه بالعدل، وأنّ الظالمين لا يعجزونه، وفي قوله تعالى ﴿السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ إشارة إلى جميع العوالم: السماوات بصيغة الجمع لأنها إشارة إلى الكون كلّه شاملا بلايين المجرّات والنجوم والكواكب ممّا لا حصر له، والأرض بصيغة المفرد وهي الكرة الأرضية التي نعيش عليها، ولا يمنع ذلك أنّ الأرضين كثيرة بدليل قوله تعالى ﴿وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢/ ٦٥]، وسبب ذكرها بالمفرد لأن باقي الأرضين مشمولة في تعبير

стр. 858

السماوات، راجع آية (الأنعام ١ /)، ﴿أَلا إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ ثابت واقع التحقق لا محالة ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ أكثر الناس لا يعلمون أمور الغيب، لا من طريق النظر والاستدلال، ولا من طريق الإيمان بالرسل والوحي، لأنهم غافلون مغرورون بالظواهر. ﴿هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٥٦) ٥٦ - ﴿هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ﴾ في الدنيا، وهو دليل على البعث والنشور في الآخرة ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ في الآخرة للحساب والثواب والعقاب. ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥٧) ٥٧ - بعد أن أوضحت السورة براهين الألوهية والتوحيد، والدلائل الدالة على صحة النبوة والوحي، والقدرة على البعث والنشور والحساب، تعود إلى استمالة الناس نحو قبول الحق: ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وهي القرآن الكريم، والموعظة هي الوصية بالحق والخير واجتناب الباطل والشر ﴿وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ﴾ شفاء لما في الصدور من الشكّ والحيرة والتخبط، وشفاء من الباطل كالشرك والكفر والجهل والضلال والنفاق ﴿وَهُدىً﴾ إرشاد إلى الحقيقة، ولبيان ما يصح وما لا يصح ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الصادقين في البحث عن الحقيقة والتوصّل إليها والإيمان بها، فالرحمة تعود على من يؤمن، أي إنّ الموعظة وشفاء الصدور والهدى لا يستفيد منها إلاّ المؤمن، أمّا الكافر والمكابر فيظلم نفسه بجحود الحقيقة. ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ (٥٨) ٥٨ - ﴿قُلْ﴾ للناس أيها النبي: ﴿بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ أي بالقرآن وبالإسلام ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ التأكيد يفيد الحصر، أي إيجاب الفرح بهما دون ما عداهما من فوائد الدنيا، أي لا مفرح حقيقة سواهما ﴿هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ من ثروات الدنيا والتهالك عليها فهي منتهية إلى الزوال، والمقصود

стр. 859

إرشاد الناس لأنّ الهداية الروحانية تأتي بالدرجة الأولى قبل مادية الدنيا، وهو ما حصل بالفعل مع المسلمين في العصور الأولى إذ كانت هدايتهم بفضل الله وبرحمته مع سعيهم في الأسباب، فلمّا صارت الدنيا عندهم مقصودة بذاتها، وتركوا هداية الدين، استووا مع غيرهم من غير المؤمنين وذهبت دنياهم إلى أيدي أعدائهم. ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ (٥٩) ٥٩ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أي أخبروني أيها الجاحدون للوحي والتشريع الإلهي ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ﴾ لمنفعتكم، والرزق ليس مقتصرا على الطعام والشراب فقط بل يتعداه إلى العلم والشرع كما في الدعاء: اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه فجعل اتباع الحق رزقا ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَراماً وَحَلالاً﴾ حرّمتم بعضه وحلّلتم بعضه الآخر، فجعلتم أنفسكم مصدرا للتشريع ﴿قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ في التشريع من عندكم، وفي التحريم والتحليل بوحي نزل عليكم؟ والمعنى لا يحق لأحد أنّ يشرّع ما يخالف القرآن، ولا أن يحرّم على الناس ويحلّ لهم من عنده ﴿أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ﴾ بزعمكم أنّه تعالى حرّمها عليكم؟ والمغزى أيضا: ما دمتم أنتم تنكرون الوحي والنبوة فما بالكم تحرّمون وتحلّون من عندكم وتفترون الكذب على الله تعالى؟ - وهو اتصال الخطاب بما قبله، ﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ (٦٠) ٦٠ - ﴿وَما ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ الافتراء على الله بالتشريع وبالتحريم والتحليل من عندهم ﴿يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي ما ظنّهم بحسابهم يوم القيامة؟ والمعنى لا يتركون بغير عقاب لأنهم تعمّدوا الكذب في حق خاص بربوبيته، فنازعوه تعالى فيه وأشركوا به ﴿إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ﴾ أولا بإمهالهم

стр. 860

لعلهم يتوبون من افترائهم وجحودهم وكفرهم، وثانيا في كل ما جعله لهم من الرزق، وما شرعه لهم من الدين، ومنه أن جعل الأصل فيما أنزله لهم من الرزق الإباحة، وجعل حق التحريم والتحليل له وحده ، لكيلا يتحكم فيهم أمثالهم من العباد، وأباح لهم ما حرّمه عليهم إذا اضطرّوا إليه وكان تركه أضرّ من تناوله، وحصر أصول المحرمات في آية [الأنعام ١٤٥/ ٦]، ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ﴾ ذلك الفضل فلا ينتفعون به، ولا يغتنمون فرص التوبة، بل يظلمون أنفسهم بتحريم ما لم يحرّمه، حتى أنّ بعضهم يجنح إلى الغلو في الزهد، وترك الزينة والطيبات من الرزق، أو في ضد ذلك من الإسراف في الشهوات، ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٦١) ٦١ - ﴿وَما تَكُونُ﴾ أيها النبي ﴿فِي شَأْنٍ﴾ أي في أمر من أمورك الهامة، الخاصة والعامة من شؤون الأمّة - لأنّ الشأن هو الأمر العظيم ذو البال - ويفهم من الخطاب أنّ جميع أموره ﷺ كانت عظيمة الشأن حتى العادات منها، لأنه كان قدوة صالحة في كل عمله ﴿وَما تَتْلُوا مِنْهُ﴾ أي من القرآن، لأنّ الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ يعود إلى القرآن، وقد تمت الإشارة إليه في الآيات ٣٨، ٣٧ والآيات ٥٨، ٥٧ ﴿مِنْ قُرْآنٍ﴾ أي من بعض القرآن، فيكون تقدير الخطاب: وما تتلو من القرآن من قرآن، لأنّ تعبير القرآن يشمل الجزء والكلّ ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾ أيها الناس جميعا، فالخطاب عام للناس كلهم ﴿إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾ الله تعالى شاهد على كل شيء ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الإفاضة في الشيء هي الدخول فيه والاندفاع والانهماك به ﴿وَما يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ﴾ ما يبعد ولا يغيب عنه - لأنّ أصل العزوب هو البعد، وقالوا أنّ الفرد يسمّى عزبا لبعده عن الزوج - ﴿مِنْ مِثْقالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ﴾ مهما بلغ صغرها - وقدّم ذكر الأرض لأن الكلام في قاطنيها من البشر - ﴿وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾.

стр. 861

﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٦٢) ٦٢ - بعد أن بيّنت الآيات السابقة مصير الظالمين والمفترين، وإحاطة علمه تعالى بكل شيء، تشرح هذه الآية أحوال المخلصين الصادقين: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللهِ﴾ الولي - بسكون اللام - في اللغة يدل على معنى القرب، وفي الحديث «كل مما يليك» أي مما يقاربك، فولي كل شيء هو الذي يكون قريبا منه، والقرب من الله تعالى يكون بالاجتهاد في طاعته وذكره على الدوام، والوليّ ضد العدو، فأولياء الله تعالى أضداد أعدائه المشركين به، الكافرين بنعمه، وهم الذين يتولونه بإخلاص العبادة له وحده، والتوكل عليه، وحبه والحب فيه، ولا يتخذون من دونه وليا ولا شفيعا يقربهم إليه زلفى، ولا يتخذون وكيلا ولا نصيرا فيما يخرج عن توفيقهم لإقامة سننه في الأسباب والمسببات، ويتولّون رسوله والمؤمنين، فهنالك يكون العبد في غاية القرب من الله تعالى، كما يكون الله وليا له أيضا لقوله تعالى ﴿اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة ٢٥٧/ ٢]، لأن القرب لا يحصل إلا من الجانبين ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وهو ما بشّر به القرآن جميع المؤمنين الصالحين، كما في قوله تعالى ﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأنعام ٤٨/ ٦]، وقوله تعالى ﴿فَمَنِ اِتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف ٣٥/ ٧]، وقوله تعالى: ﴿يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا وَكانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الزخرف ٦٨/ ٤٣ - ٦٩]، فعدم الخوف والحزن يتحقق لهم في الآخرة على أتم وجه، وهو المقصود من الآية بالذات، وأما في الدنيا فإنهم لا يخافون من مكروه مثلما يخاف غيرهم من عبيد الدنيا وضعاف الإيمان والكفار، وإنما يكونون أصبر الناس وأرضاهم بسنن الله في خلقه، حيث يمتنع أن يكون خوف أو حزن لمن يضع الآخرة نصب عينيه ولا يتهالك على دنياه ولا يسعى إليها كأنها مبلغ همّه، ثم إنّ الآية التالية (٦٣)﴾ تبين صفات هؤلاء الأولياء:

стр. 862

﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٦٣) ٦٣ - هذه الآية بيان صفات أولياء الله المشار إليهم في الآية السابقة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إيمانا يقينيا ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ بالفعل المضارع، تعبيرا عن دوامهم على هذه الحال من التقوى في السراء والضراء، والتقوى اتقاء كل ما يخالف الشرع، واتقاء مخالفة سننه تعالى في خلقه، كالعمل والصبر وابتغاء أسباب الصحة والقوة والنصر وعزة الإسلام. ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (٦٤) ٦٤ - ﴿لَهُمُ﴾ أي أولياء الله ﴿الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ أي البشارة السارة التي تنبسط لها بشرة الوجه، وهي السعادة التي يتمتعون بها لقربهم من الله تعالى، وليقينهم بتحقق البشرى بحسن العاقبة في أمورهم، وأمور المسلمين واستخلافهم في الأرض ما أقاموا شرع الله واتبعوا سننه في الخلق ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ تتحقق لهم البشرى على أتم الوجوه بالأمن والسلام والجنة ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللهِ﴾ في تحقق تلك البشرى لهم ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ الذي لا يعلوه ولا يقارن معه فوز. ﴿وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦٥) ٦٥ - ﴿وَلا يَحْزُنْكَ﴾ أيها النبي ﴿قَوْلُهُمْ﴾ قول الكفار بالتكذيب - المشار إليه في الآيات (٥٣، ٤٨، ٤١) - ولا يحزنك قولهم بالافتراء - المشار إليه في الآية (٦٠)﴾، والسبب في عدم وجوب الحزن لأن العزة لله جميعا: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً﴾ القوة الكاملة والقدرة التامة والغلبة النهائية لله تعالى وحده، فهو ناصرك ومعينك عليهم، فلا مبرر لحزن والحالة هذه، والآية التالية تأكيد على ذلك ﴿هُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالهم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بنواياهم وبأعمالهم، فيجازيهم بها، ويمنعهم منك.

стр. 863

﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ (٦٦) ٦٦ - ﴿أَلا إِنَّ لِلّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ من عابدين ومعبودين على السواء، فالكل عبيده مملوكون له ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ﴾ بمعنى النفي أي ما يتبعون حقيقة الشركاء، وإن كانوا يسمونهم شركاء، إذ لا شركاء له تعالى - فتكون شركاء منصوبة بفعل يتّبع -، ويحتمل المعنى أيضا أن يكون التعبير بمعنى الاستفهام: يعني وأي شيء يتّبع هؤلاء الذين يدعون من دون الله شركاء؟ - فتكون شركاء منصوبة بفعل يدعون - والمغزى أنهم يتّبعون أوهامهم، ويحتمل المعنى أيضا أن يكون التعبير معطوفا على ﴿مَنْ﴾، أي وله شركاؤهم، وفي قراءة «تدعون» بالتاء فيكون المعنى: وأي شيء يتّبع الذين تدعونهم شركاء من الملائكة والنبيين؟ إنهم يتبعون الله وحده ويطيعونه، انظر آية [الإسراء ٥٧/ ١٧]، فما بالكم لا تفعلون مثلهم؟ ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ﴾ إن يتبع المشركون إلاّ ظنّهم وليس فيه من اليقين والحقيقة شيء ﴿وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ يخمنّون تخمينا ويحزرون حزرا، لأنّ أصل الخرص الحزر والتخمين والتقدير، ثمّ لكثرة الخطأ فيه أطلق على الكذب. ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ (٦٧) ٦٧ - ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً﴾ هذا استدلال على ما قبله من نفي الشركاء، وأن القدرة الكاملة والنعمة الشاملة لله وحده، وهو دليل على تفرده سبحانه باستحقاق العبادة، والمعنى: هو الذي جعل لكم الوقت قسمين بمحض حكمته ورحمته: أحدهما الليل جعله مظلما للسكون بعد تعب النهار، والثاني مبصرا - أي معطي الإبصار - للانتشار والعمل في الأرض ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ أي حججا ودلالات ﴿لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ الحجج سماع فقه وتفكر.

стр. 864

﴿قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٦٨) ٦٨ - وهذا نوع آخر من أباطيل المشركين والكفار أن زعموا لله ولدا: ﴿قالُوا اِتَّخَذَ اللهُ وَلَداً﴾ كزعم المشركين أن الملائكة بنات الله، وزعم المسيحية عن عيسى ﵇ ﴿سُبْحانَهُ﴾ تنزيها له تعالى عن اتخاذ الولد وعن كل ما لا يليق به ﴿هُوَ الْغَنِيُّ﴾ بذاته فيمتنع أن يكون له ولد ﴿لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ كل ما في الوجود والغيب له، لا يحتاج منها إلى شيء، ويحتاج إليه كل شيء ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا﴾ السلطان الحجة والبرهان، أي ليس عندكم بهذا القول برهان ولا دليل تعارضون به هذا البرهان العقلي وهو تنزيه الله وغناه المطلق عن الولد وغيره، وكونه المالك لكل شيء مما في السماوات والأرض ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي إن القول بما لا برهان عليه عبارة عن جهل وليس بعلم، وهذه الآية دليل آخر على بطلان التقليد في العقيدة. ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ﴾ (٦٩) ٦٩ - ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ﴾ بزعمهم اتخاذه ولدا، أو باتخاذهم الشركاء له، أو بالتحليل والتحريم من عندهم ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾ في الآخرة. ﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (٧٠) ٧٠ - ﴿مَتاعٌ فِي الدُّنْيا﴾ المعنى حتى لو أفلحوا في الدنيا، فمتاع الدنيا زائل والحياة قصيرة، ولا يقاس المتاع الزائل مع النعيم الدائم ﴿ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ بالبعث بعد الموت ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ﴾ أي بسبب كفرهم المستمر في الدنيا، كفرهم بالآيات وبالنعم، وتكذيب الرسل والافتراء.

стр. 865

﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ (٧١) ٧١ - هذه الآية والآيات التي تليها حتى الآية (٩٨)﴾، تذكر بعض العبر المتعلقة بموضوع هذه السورة من قصص ثلاثة أنبياء نوح وموسى ويونس، وهي متصلة بقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمّا ظَلَمُوا﴾ (الآية ١٣)، وقوله تعالى ﴿وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاّ ظَنًّا﴾ (الآية ٣٦)، وقوله تعالى ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ (الآية ٤٧)، وقوله تعالى ﴿وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاّ يَخْرُصُونَ﴾ (الآية ٦٦)، ثم هي استمرار مباشر للآيتين (٦٩ - ٧٠) التي قبلها بأن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون، وهذه هي المرة الثانية في ترتيب السور التي ترد فيها قصة نوح موجزة، بعد أن وردت ملخّصة في سورة [الأعراف ٥٩/ ٧ - ٦٤] وكما هي العادة يلاحظ إبراز عبر جديدة من القصة لم ترد في غيرها من السور، راجع شرح [الأعراف ٦٤/ ٧]: ﴿وَاُتْلُ﴾ أيها النبي ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي على المشركين ﴿نَبَأَ نُوحٍ﴾ أي بعض خبره، لما فيه من العبر من عدم فلاح المفترين وكون ما يتمتعون به من الدنيا مقارب للفوات وأن أمثالهم مشرفون على الشقاء الأبدي، وليعلموا سنّته تعالى في نصر رسله على المكذّبين ﴿إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقامِي﴾ وجودي بينكم ﴿وَتَذْكِيرِي بِآياتِ اللهِ﴾ إن كانت إقامتي بينكم شاقة وثقيلة الظلّ بعد أن مكثت بينكم قرابة ألف سنة إلا خمسين عاما، أعظكم خلالها وأدعوكم لعبادة الله وحده ﴿فَعَلَى اللهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وهو أول جواب من نوح على سلوكهم لأن شدة نفرتهم منه قد تحملهم على إيذائه وأنه بالمقابل يدفع هذا الشر منهم بالتوكل على الله، والواضح من خطاب نوح أنّه قد طال به الأمد في دعوة قومه كل هذه المدة بلا جدوى بسبب شدة اعتيادهم على طرقهم ومذاهبهم الفاسدة وتشنّجهم في التمسك بها، ويبدو أنّ من ألف طريقة

стр. 866

في الدين فإنّه يثقل عليه أن يدعى إلى خلافها، ويثقل عليه أن يواجه بضعفها وركاكتها وبالدلائل القاهرة على فسادها، ولا سيّما إذا كان المدعو متمسّكا بالتقليد معرضا عن تقويم الدعوة الجديدة تقويما عقلانيا من حيث جدارتها وأحقيتها، أو إذا كان من جهلة العوام، فإذا تضافرت مع ذلك القيود الاجتماعية أو المصالح الدنيوية الآنيّة أو كلاهما، اشتدّ حرجه واشتدّت نفرته من الدعوة ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ لا تتركوا شيئا من إمكاناتكم وخططكم إلاّ أجمعتم على حشدها ضدّي، أو كونوا في حالة إجماع في أموركم بشأن دعوتي لكم ﴿وَشُرَكاءَكُمْ﴾ واجمعوا معكم شركاءكم المزعومين من الأوثان التي تسمونها آلهة ومن الزعماء والرؤساء الذين تدّعون فيهم الألوهية ﴿ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ ليكن أمركم واضحا بلا إبهام ﴿ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ﴾ ذلك الأمر الذي تريدون بي ﴿وَلا تُنْظِرُونِ﴾ لا تمهلون - لأنّ الإنظار والنظرة بمعنى الإمهال - ومغزى قول نوح ﵇ أنه قد بلغ الغاية في التوكل على الله، ولا يكترث بهم، لأنّ الله تعالى ينصر رسله ويكفيه شرورهم، فلا يصل كيدهم إليه. ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٧٢) ٧٢ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن الرسالة وبقيتم على إعراضكم عن دعوتي لكم ﴿فَما سَأَلْتُكُمْ﴾ مقابل تذكيري ووعظي ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ لم أطلب منكم شيئا من منافع الدنيا فيثقل ذلك عليكم، ولا أخاف أن تقطعوا عنّي خيرا إذ لا أطمع بشيء منكم ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ ثوابي ﴿إِلاّ عَلَى اللهِ﴾ وحده سواء آمنتم أو أعرضتم ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ المستسلمين لأمره تعالى والمنقادين لحكمه. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ (٧٣) ٧٣ - ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أصرّوا على تكذيبه ﴿فَنَجَّيْناهُ وَمَنْ مَعَهُ﴾ من المؤمنين ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ وهي السفينة التي صنعها بأمره تعالى ﴿وَجَعَلْناهُمْ خَلائِفَ﴾

стр. 867

يخلفون في الأرض الذين هلكوا بالغرق، وفيه إشارة إلى الآية (١٤) ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ﴾ عاقبة المصرّين على التكذيب الذين تمّ إنذارهم، بالمقارنة مع نجاة المؤمنين، وهي العبرة من الآية. ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٧٤) ٧٤ - ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ﴾ من بعد نوح ﴿رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ﴾ إشارة إلى أنّ الأنبياء قبل محمد ﷺ كانوا يبعثون كلّ إلى قومه حتى كانت بعثة خاتم الأنبياء والرسل الذي بعث إلى الناس كافة ﴿فَجاؤُهُمْ﴾ أي كل رسول إلى قومه ﴿بِالْبَيِّناتِ﴾ لكلّ قوم بحسب المستوى العقلي والفكري الذي كانوا عليه ﴿فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ لما شبّ عليه الأكثرون من التمسّك بتقليد من قبلهم ﴿كَذلِكَ﴾ بمثل هذه السنّة التي اطّردت في أمثالهم ﴿نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ﴾ قال الزمخشري: الطبع كناية عن عنادهم ولجاجهم، وهو واضح من إسناد الاعتداء إليهم ووصفهم به، وأضاف الألوسي أنّ من عاند وثبت على العناد خذله الله تعالى ومنعه التوفيق واللطف، وفي المنار أن علاقة الاعتداء بالطبع على القلوب، كعلاقة العلّة بالمعلول، والسبب بالمسبّب، وسنته تعالى في دوام كل منهما بدوام الآخر وليس ما قد يفهمه بعض مدّعو الجبرية. ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ بِآياتِنا فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ من بعد أولئك الرسل ﴿مُوسى وَهارُونَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ﴾ إلى فرعون وكبار قومه، وتسميتهم بالملأ لأنّ أولو الأمر يملأون الأعين والنفوس، وتخصيصهم بالذكر لأنهم المعنيّون باتخاذ القرار ﴿بِآياتِنا﴾ وهي الدلائل على الوحدانية وحقيقة الخلق ﴿فَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن دعوة موسى والإقرار بها ﴿وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾ كان شأنهم ودأبهم الإصرار على الكفر.

стр. 868

﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٧٦) ٧٦ - ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ﴾ في الرسالة السماوية ﴿مِنْ عِنْدِنا﴾ من عند الله وليس من عند موسى ﴿قالُوا إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ﴾ بهرتهم الرسالة الإلهية فعزوها إلى السحر، كما فعل مشركو مكة مع النبي ﷺ (الآية ٢). ﴿قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ (٧٧) ٧٧ - ﴿قالَ مُوسى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمّا جاءَكُمْ﴾ أي تقولون فيه ما تقولون - وحذف المفعول به لدلالة القول عليه - أو كما قال الألوسي إنه مما لا ينبغي أن يتفوّه به ولو على سبيل الرواية ﴿أَسِحْرٌ هذا﴾ استفهام إنكار من قبل موسى ﴿وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ تتمة كلام موسى، بمعنى أنّ تأثير السحر لا يمكن أن يكون سوى وقتيّ عابر، وليست الرسالة السماوية كذلك. ويحتمل المعنى أيضا نسب القول إلى السحرة متهكمين: ﴿أَسِحْرٌ هذا وَلا يُفْلِحُ السّاحِرُونَ﴾ فتكون الجملة مفعول به، فكأنهم قالوا له: أجئتنا بالسحر تطلب به الفلاح؟ ونحن نعلم أنّ السحر ليس سوى شعوذة وتخييل نرهب به العامّة، فجئتنا تزاود علينا ببضاعتنا!؟ أو قد يكون أنهم تعجّبوا من فلاحه مع أنّه بظنهم ساحر. ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٧٨) ٧٨ - ﴿قالُوا أَجِئْتَنا لِتَلْفِتَنا عَمّا وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ لتلفتنا أي لتصرفنا، والمراد أنهم يدفعون حجّة موسى البيّنة بمجرد الإصرار على التمسك بتقليد الآباء ﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِياءُ فِي الْأَرْضِ﴾ أي لتكون الدنيا والزعامة لكما بعد أن كانت لنا، وهو السبب الثاني من عنادهم، ويلاحظ أن الخطاب الخاص بالدعوة موجّه إلى موسى وحده لأنه الداعي لهم بالذات، وأشركوا أخاه في ثمرة الدعوة وفائدتها لأنها تكون مشتركة بينهما بالضرورة ﴿وَما نَحْنُ لَكُما بِمُؤْمِنِينَ﴾ فلا نخرج من دين آبائنا الذي تقلده عامّتنا، وتقوم عليه دعائم ملكنا

стр. 869

الذي تتمتع خاصّتنا بكبريائه، وقالوا سمّي الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمور الدنيا. ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ اِئْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (٧٩) ٧٩ - ﴿وَقالَ فِرْعَوْنُ﴾ إسناد القول لفرعون لأنّ الأمر من وظائفه وحده دون الملأ ﴿اِئْتُونِي بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ راسخ في شؤون السحر، وفيه الانتقال من مقارعة موسى بالقول إلى مقارعته بالفعل. ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ (٨٠) ٨٠ - ﴿فَلَمّا جاءَ السَّحَرَةُ﴾ ورد تفصيل مجيئهم في سورة الأعراف (١١٣ - ١١٥)، وسورة طه (٦٠ - ٦٥)، اللتين نزلتا قبل هذه السورة ﴿قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ﴾ أي ألقوا ما استقرّ رأيكم على إلقائه كائنا ما كان من أصناف السحر، استخفافا بهم ولكي يظهر للناس أنّ عملهم شعوذة محضة. ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٨١) ٨١ - ﴿فَلَمّا أَلْقَوْا﴾ حبالهم وعصيهم سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاؤا بسحر عظيم، انظر [طه ١١٦/ ٢٠]، ﴿قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ﴾ أي هو السحر بعينه الذي جئتم به، وليست رسالتي كذلك ﴿إِنَّ اللهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ سيظهر بطلانه ويمحقه بالكلية فيظهر الفرق بين المعجزة والشعوذة ﴿إِنَّ اللهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ من سحرة وغيرهم، أي من طبيعة أعمالهم أنها تكون فاسدة غير دائمة، وتلك قاعدة عامة في تنازع الحق والباطل، والصلاح والفساد، أنّ الله تعالى يسلّط الدمار على عمل المفسدين، والمعنى أيضا أن السحر ليس سوى إفساد. ﴿وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٨٢) ٨٢ - ﴿وَيُحِقُّ اللهُ الْحَقَّ﴾ فيظهره على الباطل ﴿بِكَلِماتِهِ﴾ بقضائه وبسنته الأزلية ﴿وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ المصرّون على المعصية والكبر.

стр. 870

﴿فَما آمَنَ لِمُوسى إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ (٨٣) ٨٣ - ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى﴾ بعد ظهور المعجزة ﴿إِلاّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ قليلي العدد سواء من بني إسرائيل أو من المصريين ﴿عَلى خَوْفٍ﴾ أي مع خوفهم ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِمْ﴾ كانوا خائفين من فرعون من جهة، ومن جهة ثانية من ملأهم أي من كبار قومهم الذين لم يؤمنوا وهم عرفاؤهم عند فرعون لأنّ الملوك تستعبد الشعوب بعرفاء من الشعوب نفسها ﴿أَنْ يَفْتِنَهُمْ﴾ يبتليهم بالتعذيب ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعالٍ فِي الْأَرْضِ﴾ غالب قاهر ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ في أمره، ومن ذلك ادعاؤه الألوهية، وقد يكون المعنى أنه في حين أظهرت الأقلية إيمانا بموسى علانية مع خوفها من فتنة فرعون وملئه، فقد كتمت الأكثرية إيمانها. ﴿وَقالَ مُوسى يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (٨٤) ٨٤ - ﴿وَقالَ مُوسى﴾ لمّا رأى تخوّف الأكثرين الذين كتموا إيمانهم ﴿يا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ﴾ حقّا ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ وحده دون غيره ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ إن كنتم في إيمانكم مستسلمين لله مذعنين فعلا لا قولا، والمعنى أن الإيمان لا يمكن أن يكون يقينا إن لم يصدّقه العمل وهو الإسلام، أو الاستسلام لله تعالى والعمل بأوامره وقد بيّنت الآية أنه شرط التوكّل، فإن لم يكن هنالك إسلام تام - استسلام لله - لا يكون بالتالي توكّل صحيح، ﴿فَقالُوا عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٨٥) ٨٥ - ﴿فَقالُوا﴾ امتثالا لأمر موسى: ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾ أي بعد أن عزموا على قرن القول بالفعل والصبر على الشدائد، ثم أتبعوه بالدعاء: ﴿رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ وهذا الدعاء يحتمل أكثر من معنى منها: ربّنا لا تسلطهم علينا فيفتنونا، أي نصبح مفتونين منصرفين عن هذا الدين الحق بظلمهم وقهرهم، ولا تفتنهم بنا فيزدادوا كفرا وعنادا لظنهم أن لو كنّا على

стр. 871

الحق لما استطاعوا أن يظهروا علينا، والمعروف أن الدعاء لا يصح ولا يقبل فيستجاب إلا إذا كان مسبوقا أو مقترنا باتخاذ الأسباب، بأن يعمل المرء ما يستطيع، ويطلب من الله أن يسخر له ما لا يستطيع. ﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ (٨٦) ٨٦ - ﴿وَنَجِّنا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ أي من سلطانهم وحكمهم، وقد لاحظ الرازي في ترتيب الدعاء أنّهم قدّموا اهتمامهم بأمر دينهم (٨٥) على اهتمامهم بأمور دنياهم (٨٦). ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّء ا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاِجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨٧) ٨٧ - ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّء ا﴾ اتّخذا ﴿لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً﴾ يجتمع فيها المؤمنون، بدليل قوله: ﴿وَاِجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي الجهة التي يقبل عليها الناس لأنّ القبلة من الإقبال، والمغزى أن تكون بيوتهم مركزا للدعوة الجديدة، أو أن يقبل عليها المؤمنون للتجمع استعدادا للخروج من مصر كما سيرد في الآية (٩٠) ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ للدعاء ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بحصول مقصودهم. ﴿وَقالَ مُوسى رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (٨٨) ٨٨ - ﴿وَقالَ مُوسى﴾ بعد أن بذل قصارى جهده في الدعوة ويئس من هداية فرعون وملئه، ولما علم ذلك من الوحي: ﴿رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالاً فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ قرئت ﴿لِيُضِلُّوا﴾ بضم الياء وفتحها، وقالوا أنّ اللام لام العاقبة بمعنى أن عاقبة الزينة وكثرة الأموال عند فرعون وملئه لم تكن سوى الضلال والإضلال، والكبر والخيلاء، إذ أمكنتهم من إخضاع رقاب الناس وإفسادهم ﴿رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ﴾ طمس الأموال

стр. 872

إزالتها، والدعاء بطمسها لأنّها كانت بأيدي الملأ من كبار القوم دون الدهماء من عامة الناس ﴿وَاُشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ حتى تصبح ضيقة حرجة لا يتمتعون معها بالسعادة ﴿فَلا يُؤْمِنُوا حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ حتى يعيشوا حالة من القلق والتعاسة والضيق النفسي والخوف والترقّب. ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما فَاسْتَقِيما وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٨٩) ٨٩ - ﴿قالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُما﴾ بطمس أموال الملأ والشدّ على قلوبهم، ولكن في وقته ﴿فَاسْتَقِيما﴾ على ما أنتما عليه من الدعوة وإلزام الحجّة ولا تستعجلا، واستمرّا في إعداد بني إسرائيل للخروج ﴿وَلا تَتَّبِعانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي سبيل الجهلة بسنة الله في الخلق، فلا تستبطئا إنجاز الوعد قبل أوانه، لأنّ الدعاء وإن كان مجابا فقد لا يحصل في الحال، والمغزى أنه تعالى يعطي الناس فرصا للتوبة والرجوع إلى الحق ثمّ إذا حصلت لهم سوء العاقبة كانت نتيجة إصرارهم ومحض أعمالهم الاختيارية. ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٩٠) ٩٠ - ﴿وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ﴾ أي بعد تبيّن إصرار فرعون وملئه على الكفر وبعد أن تمّ تجمّع بني إسرائيل وحان أوان خروجهم، جاوزوا إلى الشاطيء الآخر بلطف العناية الإلهية ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً﴾ ظلما واعتداء ﴿حَتّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ﴾ خاض فرعون البحر وراءهم حتى إذا وصل إلى حد الغرق ﴿قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ﴾ بدعوة موسى ﴿وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ المستسلمين لله المنقادين لأمره، أي جمع بين الإيمان الذي هو التصديق بالقلب، والإسلام الذي هو الإذعان والخضوع بالفعل (انظر شرح الآية ٨٤)، وكان من قبل جاحدا، أي مصدّقا غير مذعن ولا خاضع، أي بعد جحودهم بآيات موسى، كانت هذه عاقبتهم.

стр. 873

﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٩١) ٩١ - ﴿آلْآنَ﴾ اضطرارا، بعد فوات أوان الخيار الحر ﴿وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ لا ينفع ادعاء الإسلام صاحبه بعد أن صار اضطرارا، انظر آية [النساء ١٨/ ٤]. ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ (٩٢) ٩٢ - ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾ لعل هذه إشارة إلى عادة قدامى المصريين تحنيط أجساد فراعنتهم، ومنهم منفتاح الذي قيل إنه فرعون الذي أخرج موسى من مصر ولا تزال جثته محنطة في المتاحف المصرية إلى اليوم ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ﴾ غافلون عن الآيات الكثيرة المحيطة بهم وعن استخلاص العبر منها. ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ فَمَا اِخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٩٣) ٩٣ - ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ المبوّأ هو الموطن، والمقصود موطنا محمودا صالحا مباركا وهي فلسطين، ثم آلت فلسطين لذرية إبراهيم من العرب تصديقا لنبوءة موسى (انظر سفر التثنية ١٨/ ١٨) بنتيجة فشل اليهود في حمل رسالة التوحيد ﴿وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فيها ﴿فَمَا اِخْتَلَفُوا حَتّى جاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ وهو علم الدين فقد عصوا موسى واختلفوا على التوراة ودرسوها أي طمسوها كما تدرس الريح الأثر، انظر شرح آية [الأعراف ١٦٩/ ٧]، وكفروا بآخر أنبيائهم عيسى المسيح ﵇، ثم بمحمد ﷺ ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ فيبيّن لهم الحق من الباطل، والمعنى أنهم لا يتفقون في الدنيا على حقّ، قال الرازي: المراد أنّ هذا النوع من الاختلاف لا حيلة في إزالته في الدنيا، وأنه تعالى يقضي بينهم في الآخرة، انتهى، لقوله تعالى ﴿وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود ١١٩/ ١١]، راجع شرح آيتي [هود ١١٨/ ١١ - ١١٩].

стр. 874

﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ (٩٤) ٩٤ - ﴿فَإِنْ كُنْتَ﴾ أيها الإنسان ﴿فِي شَكٍّ﴾ بعد كل هذه الآيات والعبر ﴿مِمّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ﴾ من القرآن ﴿فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ المقصود بالكتاب جنسه أي كالكتب التي نزلت على أنبياء اليهود والنصارى والتي رغم تشويهها بقي فيها شذرات من الأصل ومنها النبوءات ببعثة خاتم الأنبياء والرسل ﴿لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ بنزول القرآن ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ الشاكّين، وهذه الآية ذات ارتباط بالآيتين (٥٧ - ٥٨)، وشبيه بها قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار ٦/-٧]، وأمّا ما أورده بعض المفسرين من أن الخطاب في الآية للنبي ﷺ فغير مستساغ ولا معقول ولا يستقيم مع تتمة الخطاب في الآية (٩٥)، وقد أورد الرازي نحوا من هذا النفي، وكون السورة بكاملها مكية حيث لم يكن قد آمن وقتها من أهل الكتاب أحد دلالة على عمومية الخطاب، ولا شكّ أنّ المعنى العام للآية يؤدي تتابع الوحي الإلهي الذي نزل على الأنبياء ووحدة الغرض من رسالاتهم. ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٩٥) ٩٥ - ﴿وَلا تَكُونَنَّ﴾ أيها القاريء أو السامع ﴿مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ لأنّ كل من كذّب بالآيات خسر نفسه، وهو شبيه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام ١٢/ ٦]، والآية أمر باستدراك الفرصة قبل فواتها، كما سيرد في الآيات التالية (٩٦ - ٩٧ - ٩٨). ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (٩٦) ٩٦ - ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ باستحقاقهم العذاب في علم الله القديم ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أي لرسوخهم في الكفر والتصميم عليه وإحاطة

стр. 875

جهالاتهم بهم، وليس أنه تعالى منعهم من الإيمان منعا قهريا، بل ذلك من كسبهم واختيارهم. ﴿وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ (٩٧) ٩٧ - ﴿وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ من الآيات الكونية المحيطة بهم من كل جانب، أو من آيات القرآن الكريم ﴿حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ فحينئذ يؤمنون إيمانا اضطراريا يكون انفعالا وليس فعلا من أفعالهم الطوعية فلا يترتب عليه بالتالي تطهير نفوسهم وتزكيتها. ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ (٩٨) ٩٨ - تتمة الخطاب من الآيتين السابقتين: ﴿فَلَوْلا﴾ بمعنى فهلا ﴿كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾ قبل نزول العذاب بها ﴿فَنَفَعَها إِيمانُها﴾ لأن الإيمان لا ينفع بعد حلول العذاب ﴿إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا﴾ استدركوا أنفسهم بالإيمان قبل فوات الأوان، ويونس النبي (٨٦٠ - ٧٨٠ ق م) بعث إلى الآشوريين في بابل في عاصمتهم نينوى التي لا تزال بقاياها ماثلة على شاطئ دجلة المقابل لمدينة الموصل، ويبدو أنّ معظم قومه أصرّوا على رفضه حتى ذهب مغاضبا كما في قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً﴾ [الأنبياء ٨٧/ ٢١]، ثم استدركوا أنفسهم بالإيمان فنجوا: ﴿كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ والآية إنذار لمشركي مكة في وقته، وللناس في كل مكان وزمان بالاستجابة لرسالة القرآن قبل فوات الفرصة، وقبل أن تحقّ عليهم كلمة الله، كما ورد في الآيتين (٩٦ - ٩٧). ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٩٩) ٩٩ - ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ أي لألجأهم تعالى إلى الإيمان إلجاء، وفي ذلك إشارة للآية (١٩)﴾، ولو شاء الله لخلقهم

стр. 876

كالملائكة لا استعداد في فطرتهم لغير الإيمان، والمعنى أنه سبحانه لا يشاء ذلك لكونه مخالفا للحكمة التي عليها أساس التكوين والتشريع، فاقتضت حكمته تعالى أن يخلق الإنسان مختارا مستعدّا بفطرته للإيمان والكفر، فما دام خلق الإنسان على هذه الفطرة فمن باب أولى ألاّ يجوز للبشر إكراه الآخرين على الإيمان: ﴿أَفَأَنْتَ﴾ أيها الإنسان ﴿تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ الإكراه مناف للحكمة من فطرة الناس على حرية الخيار، والمعنى أيضا أنّ الإكراه غير ممكن وغير مستطاع عدا كونه لا يصح، وهو ليس من وظائف الرسالة التي بعث بها النبي ﷺ ، وقد أجمعوا أنّ إيمان المكره باطل لا يصح. ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٠٠) ١٠٠ - ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ﴾ في استقلالها في أفعالها وحرية خيارها بين الحق والباطل ﴿أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ فهي مختارة في دائرة الأسباب والمسبّبات، ولكنها غير مستقلة في خيارها أتم الاستقلال بل مقيّدة بنظام السنن الإلهية والأقدار، فالمنفي هنا استطاعة الخروج عن هذا النظام العام ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ وهو الخبث المعنوي المتصف به الكفر ﴿عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي الذين لا يستخدمون ملكاتهم العقلية في أفضل ما هي مستعدّة لها من معرفة الله ووحدانيته وعبادته، وفي التفكر بالرسالات السماوية والآيات الكونية - المشار إليها في الآية التالية - يصبحون ضحية للقيم الزائفة، ﴿قُلِ اُنْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠١) ١٠١ - ﴿قُلِ اُنْظُرُوا﴾ بأبصاركم وبصائركم ﴿ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من آيات بيّنات باهرات دالّة على وحدة النظام الكوني وعلى وحدانيته تعالى وألوهيته وربوبيته ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ العبارة تحتمل صيغة الاستفهام أو صيغة النفي، والمعنى أن المصرّين على عدم الإيمان بإغلاق عقولهم على ما بها من مكابرة وغطرسة لا تنفعهم الآيات والنذر، انظر آية [النساء ١٥٥/ ٤].

стр. 877

﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (١٠٢) ١٠٢ - ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ أي هؤلاء المكابرون ﴿إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فتحيق بهم سوء العاقبة كما حاقت بالأمم البائدة من الكفار قبلهم ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا﴾ تلك العاقبة ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لتحقق سنته تعالى الأزلية في العباد كما سيرد في الآية التالية. ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠٣) ١٠٣ - ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ على منوال ما جرى في الماضي ﴿كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مثل تلك النجاة التي اطّردت في رسلنا والمؤمنين معهم، ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠٤) ١٠٤ - ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ في كل مكان وزمان ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ بعد كل هذه الحجج، وأنكم ترجون تحوّلي عنه ﴿فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من شركاء مزعومين ووسطاء وشفعاء وأوثان ﴿وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ ووصف الله بتوفّيه إياهم دون غيره من صفاته تعالى وأفعاله لتذكيرهم بما لا يشك به من عاقبة كل إنسان، ومن ثمّ تحقق وعده تعالى في الدنيا والآخرة ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بما دلّ عليه العقل ونزل به الوحي. ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٠٥) ١٠٥ - ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ تتمة الخطاب من الآية السابقة أي أمرت أن أكون من المؤمنين وأمرت بإقامة الوجه للدين حنيفا، وهو الميل عن جميع الأديان والمذاهب الباطلة، والتعبير بإقامة الوجه لأن العرب تعبّر به عن توجّه المرء بفكره ونفسه وكلّيته نحو مبتغاه، ويحتمل المعنى أن يكون التوجّه ذاته

стр. 878

حنيفا أي معرضا عمّا سواه، أو التوجه نحو الدين الحنيف ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أصحاب الديانات والمعتقدات الباطلة. ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (١٠٦) ١٠٦ - ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من شركاء موهومين أو شفعاء أو وسطاء، لأن الدعاء هو مخ العبادة كما ورد في الحديث، فلا يجوز الدعاء لغيره تعالى ﴿ما لا يَنْفَعُكَ﴾ إن دعوته ﴿وَلا يَضُرُّكَ﴾ إن تركته ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لنفسك، انظر آية [لقمان ١٣/ ٣١]. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١٠٧) ١٠٧ - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ﴾ بنتيجة سبب من الأسباب الخاصة بكسب العبد، أو الأسباب القاهرة أو العامة وفق السنن الكونية ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ﴾ وقد جعل تعالى لكل شيء سببا يعرفه الخلق بتجاربهم، فالأمور تطلب بأسبابها مع الشكر لمسخّرها، فإن جهل المرء الأسباب أو أعياه طلبها دعا الله وحده دون غيره لكشفها ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ يهبه لك بتسخير أسبابه، أو بغير سعي من العبد ولا سبب ﴿فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ لأنّ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ بكسب ومن غير كسب، وبسبب ما قدّره من السنن في الخلق وبغير سبب، ففضله تعالى على العباد بعموم رحمته، بخلاف الضرر الذي لا يقع إلاّ بسبب من الأسباب الخاصة بكسب العبد، أو بسبب عدم اتباع سننه في الخلق بما ينتج عنها من فساد الأفراد والمجتمعات والدول، انظر آية [النساء ٧٨/-٧٩]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ بإمهاله البشر وإعطائهم فرص التوبة والرجوع، فلولا مغفرته لهلك الناس بذنوبهم في الدنيا قبل الآخرة، ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾

стр. 879

١٠٨ - ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ في كل مكان وزمان ﴿قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ببعثة خاتم الأنبياء والرسل وبنزول القرآن الكريم، وقد كان هذا الحق مجهولا عندكم من قبل، بجهل بعضكم دعوة الرسل الأقدمين، وبقيام بعضكم بتحريف وتغيير وتبديل رسالات موسى وعيسى ﴿فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لأن كل فرد بحاجة للإسلام وللقرآن وليس العكس، وفائدة الهداية تعود على الفرد نفسه ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ وبال ضلاله على نفسه بما يفوته من فوائد الهداية في الدنيا وما يلحق به من عذاب الآخرة ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ ليست أموركم موكولة إليّ، ولا أجبركم على الإيمان والاهتداء، فهذا عائد لكم باختياركم، ولست عليكم بمسيطر، إن عليّ إلاّ البلاغ. ﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاِصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ (١٠٩) ١٠٩ - ﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ﴾ في هذا القرآن ﴿وَاِصْبِرْ﴾ على كفر الكفار ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ﴾ في الدنيا فينجز وعده للعباد، وفي الآخرة فيبين لهم الحق من الضلال ويجازي كل إنسان بعمله ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ لا يحكم إلا بالحق. ***

стр. 880

سورة هود - ١١ - مكية مقدّمة نزلت خلال السنة الأخيرة من إقامة النبي ﷺ في مكة، وهي مكية بالكامل واستثنى بعضهم بأسانيد ضعيفة الآيات ١١٤، ١٧، ١٢ على أنها مدنية. خلفية تاريخية رووا أنّ أبا بكر الصدّيق قال للنبي ﷺ : يا رسول الله، أسرع إليك الشيب، قال: «شيّبتني هود وأخواتها» وفي رواية بزيادة «وما فعل بالأمم من قبلي»، وقالوا إن أخواتها (الواقعة، والقارعة، والحاقّة، وإذا الشمس كوّرت، وسأل سائل)، وروى الألوسي أنّ منشأ تشييب سورة هود له ﷺ اشتمالها على أمره بالاستقامة على الدعوة، مع إخباره أنه سبحانه إنّما خلق الناس للاختلاف (١١٨/ ١١)، والحديث إن صحّ يدل على هول الموقف الذي كان يواجه النبي ﷺ حينئذ، فمن جهة كانت قريش تجهد في محاولتها سحق دعوة النبي ﷺ ، ومن جهة ثانية كانت تنزل الآيات القرآنية مشتملة على أشدّ الوعيد إن لم تستجب قريش للدعوة، وبالتالي خشية النبي ﷺ من نزول العذاب بقومه. ارتباط السورة بما قبلها: ختمت سورة يونس بقوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاِصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾
следующие страницы →