← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

كالملائكة لا استعداد في فطرتهم لغير الإيمان، والمعنى أنه سبحانه لا يشاء ذلك لكونه مخالفا للحكمة التي عليها أساس التكوين والتشريع، فاقتضت حكمته تعالى أن يخلق الإنسان مختارا مستعدّا بفطرته للإيمان والكفر، فما دام خلق الإنسان على هذه الفطرة فمن باب أولى ألاّ يجوز للبشر إكراه الآخرين على الإيمان: ﴿أَفَأَنْتَ﴾ أيها الإنسان ﴿تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ الإكراه مناف للحكمة من فطرة الناس على حرية الخيار، والمعنى أيضا أنّ الإكراه غير ممكن وغير مستطاع عدا كونه لا يصح، وهو ليس من وظائف الرسالة التي بعث بها النبي ﷺ ، وقد أجمعوا أنّ إيمان المكره باطل لا يصح. ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ (١٠٠) ١٠٠ - ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ﴾ في استقلالها في أفعالها وحرية خيارها بين الحق والباطل ﴿أَنْ تُؤْمِنَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ فهي مختارة في دائرة الأسباب والمسبّبات، ولكنها غير مستقلة في خيارها أتم الاستقلال بل مقيّدة بنظام السنن الإلهية والأقدار، فالمنفي هنا استطاعة الخروج عن هذا النظام العام ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ﴾ وهو الخبث المعنوي المتصف به الكفر ﴿عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ أي الذين لا يستخدمون ملكاتهم العقلية في أفضل ما هي مستعدّة لها من معرفة الله ووحدانيته وعبادته، وفي التفكر بالرسالات السماوية والآيات الكونية - المشار إليها في الآية التالية - يصبحون ضحية للقيم الزائفة، ﴿قُلِ اُنْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٠١) ١٠١ - ﴿قُلِ اُنْظُرُوا﴾ بأبصاركم وبصائركم ﴿ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من آيات بيّنات باهرات دالّة على وحدة النظام الكوني وعلى وحدانيته تعالى وألوهيته وربوبيته ﴿وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ العبارة تحتمل صيغة الاستفهام أو صيغة النفي، والمعنى أن المصرّين على عدم الإيمان بإغلاق عقولهم على ما بها من مكابرة وغطرسة لا تنفعهم الآيات والنذر، انظر آية [النساء ١٥٥/ ٤].

стр. 877

﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (١٠٢) ١٠٢ - ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ﴾ أي هؤلاء المكابرون ﴿إِلاّ مِثْلَ أَيّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فتحيق بهم سوء العاقبة كما حاقت بالأمم البائدة من الكفار قبلهم ﴿قُلْ فَانْتَظِرُوا﴾ تلك العاقبة ﴿إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ لتحقق سنته تعالى الأزلية في العباد كما سيرد في الآية التالية. ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠٣) ١٠٣ - ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ على منوال ما جرى في الماضي ﴿كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مثل تلك النجاة التي اطّردت في رسلنا والمؤمنين معهم، ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠٤) ١٠٤ - ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ في كل مكان وزمان ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ بعد كل هذه الحجج، وأنكم ترجون تحوّلي عنه ﴿فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من شركاء مزعومين ووسطاء وشفعاء وأوثان ﴿وَلكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفّاكُمْ﴾ ووصف الله بتوفّيه إياهم دون غيره من صفاته تعالى وأفعاله لتذكيرهم بما لا يشك به من عاقبة كل إنسان، ومن ثمّ تحقق وعده تعالى في الدنيا والآخرة ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بما دلّ عليه العقل ونزل به الوحي. ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٠٥) ١٠٥ - ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ تتمة الخطاب من الآية السابقة أي أمرت أن أكون من المؤمنين وأمرت بإقامة الوجه للدين حنيفا، وهو الميل عن جميع الأديان والمذاهب الباطلة، والتعبير بإقامة الوجه لأن العرب تعبّر به عن توجّه المرء بفكره ونفسه وكلّيته نحو مبتغاه، ويحتمل المعنى أن يكون التوجّه ذاته

стр. 878

حنيفا أي معرضا عمّا سواه، أو التوجه نحو الدين الحنيف ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ أصحاب الديانات والمعتقدات الباطلة. ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظّالِمِينَ﴾ (١٠٦) ١٠٦ - ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من شركاء موهومين أو شفعاء أو وسطاء، لأن الدعاء هو مخ العبادة كما ورد في الحديث، فلا يجوز الدعاء لغيره تعالى ﴿ما لا يَنْفَعُكَ﴾ إن دعوته ﴿وَلا يَضُرُّكَ﴾ إن تركته ﴿فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظّالِمِينَ﴾ لنفسك، انظر آية [لقمان ١٣/ ٣١]. ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (١٠٧) ١٠٧ - ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ﴾ بنتيجة سبب من الأسباب الخاصة بكسب العبد، أو الأسباب القاهرة أو العامة وفق السنن الكونية ﴿فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ﴾ وقد جعل تعالى لكل شيء سببا يعرفه الخلق بتجاربهم، فالأمور تطلب بأسبابها مع الشكر لمسخّرها، فإن جهل المرء الأسباب أو أعياه طلبها دعا الله وحده دون غيره لكشفها ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ﴾ يهبه لك بتسخير أسبابه، أو بغير سعي من العبد ولا سبب ﴿فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ لأنّ ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن ﴿يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ﴾ بكسب ومن غير كسب، وبسبب ما قدّره من السنن في الخلق وبغير سبب، ففضله تعالى على العباد بعموم رحمته، بخلاف الضرر الذي لا يقع إلاّ بسبب من الأسباب الخاصة بكسب العبد، أو بسبب عدم اتباع سننه في الخلق بما ينتج عنها من فساد الأفراد والمجتمعات والدول، انظر آية [النساء ٧٨/-٧٩]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ بإمهاله البشر وإعطائهم فرص التوبة والرجوع، فلولا مغفرته لهلك الناس بذنوبهم في الدنيا قبل الآخرة، ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾

стр. 879

١٠٨ - ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ﴾ في كل مكان وزمان ﴿قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ببعثة خاتم الأنبياء والرسل وبنزول القرآن الكريم، وقد كان هذا الحق مجهولا عندكم من قبل، بجهل بعضكم دعوة الرسل الأقدمين، وبقيام بعضكم بتحريف وتغيير وتبديل رسالات موسى وعيسى ﴿فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ لأن كل فرد بحاجة للإسلام وللقرآن وليس العكس، وفائدة الهداية تعود على الفرد نفسه ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها﴾ وبال ضلاله على نفسه بما يفوته من فوائد الهداية في الدنيا وما يلحق به من عذاب الآخرة ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾ ليست أموركم موكولة إليّ، ولا أجبركم على الإيمان والاهتداء، فهذا عائد لكم باختياركم، ولست عليكم بمسيطر، إن عليّ إلاّ البلاغ. ﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاِصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ (١٠٩) ١٠٩ - ﴿وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ﴾ في هذا القرآن ﴿وَاِصْبِرْ﴾ على كفر الكفار ﴿حَتّى يَحْكُمَ اللهُ﴾ في الدنيا فينجز وعده للعباد، وفي الآخرة فيبين لهم الحق من الضلال ويجازي كل إنسان بعمله ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ لا يحكم إلا بالحق. ***

стр. 880

سورة هود - ١١ - مكية مقدّمة نزلت خلال السنة الأخيرة من إقامة النبي ﷺ في مكة، وهي مكية بالكامل واستثنى بعضهم بأسانيد ضعيفة الآيات ١١٤، ١٧، ١٢ على أنها مدنية. خلفية تاريخية رووا أنّ أبا بكر الصدّيق قال للنبي ﷺ : يا رسول الله، أسرع إليك الشيب، قال: «شيّبتني هود وأخواتها» وفي رواية بزيادة «وما فعل بالأمم من قبلي»، وقالوا إن أخواتها (الواقعة، والقارعة، والحاقّة، وإذا الشمس كوّرت، وسأل سائل)، وروى الألوسي أنّ منشأ تشييب سورة هود له ﷺ اشتمالها على أمره بالاستقامة على الدعوة، مع إخباره أنه سبحانه إنّما خلق الناس للاختلاف (١١٨/ ١١)، والحديث إن صحّ يدل على هول الموقف الذي كان يواجه النبي ﷺ حينئذ، فمن جهة كانت قريش تجهد في محاولتها سحق دعوة النبي ﷺ ، ومن جهة ثانية كانت تنزل الآيات القرآنية مشتملة على أشدّ الوعيد إن لم تستجب قريش للدعوة، وبالتالي خشية النبي ﷺ من نزول العذاب بقومه. ارتباط السورة بما قبلها: ختمت سورة يونس بقوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا النّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اِهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ * وَاِتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ وَاِصْبِرْ حَتّى يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾

стр. 881

(١٠٨/ ١٠ - ١٠٩)، ثم تفتتح سورة هود أن الحق الذي جاءهم هو القرآن: ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١/ ١١)، وفي سورة يونس تحدّي الكفار الذين زعموا أن القرآن مفترى، أن يأتوا بسورة مثله إن استطاعوا: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (٣٨/ ١٠)، وتتحدّاهم سورة هود أن يأتوا بعشر سور مفتريات: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٣/ ١١)، وقد شبهت سورة يونس المكذّبين بالصمّ لا يستخدمون عقولهم، وكالعمي لا يبصرون: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ (٤٢/ ١٠ - ٤٣) وفي سورة هود أنهم لإصرارهم على التكذيب عاجزون عن السمع والإبصار: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ (٢٠/ ١١)، وقد بينت سورة التوبة أن الدعوة إلى الإسلام، ومن ثمّ الإيمان، يجب أن يكونا على أساس من الحجة والدليل والإقناع، الآية (٦/ ٩)، ثمّ بينت سورة يونس أن المشيئة الإلهية اقتضت أن يترك الناس في دنياهم أحرارا بين مؤمن وكافر: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (٩٩/ ١٠)، ثم تحدد سورة هود أنه تعالى خلق الناس كي يمارسوا حرية الفكر والخيار، سوى أن المصرّين على الكفر يؤول مصيرهم إلى جهنم: ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١١٨/ ١١ - ١١٩)، وهكذا فإنّ سورة هود تبدو متممة لسورة يونس في المواضيع، ومفصّلة لما أجمل في سابقتها من قصص بعض الرسل ﵈، كقصص نوح وموسى، مع إضافة قصص هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب، وإبراز العبر في

стр. 882

هذه القصص من عدة زوايا، والتأكيد على علاقة البشر بعضهم ببعض ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ (١١٧/ ١١)، محور السورة تركيز السورة على البيّنة، وهي الدليل العقلي على الإيمان، ويتلوه الوحي الذي نزل على الرسل، كما هي الحال في نزول القرآن الكريم شاهد منه تعالى على الحقيقة: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (١٧)، ومثل ذلك فيما سبق من بعث الرسل، كقوله تعالى على لسان نوح: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي بالدليل العقلي ﴿وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ أي الوحي، انظر آية [آل عمران ٧٤/ ٣]، ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ (٢٨)، لأن الأصل في الإيمان أن يكون الإنسان مختارا، والإلزام الفكري لا يصح ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣٤)، أي من لا يستخدم ملكاته العقلية على النحو السوي لا ينفعه النصح، ومثل ذلك قوم هود أنكروا على نبيهم الدليل العقلي وأصرّوا على التقليد والتكذيب: ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٥٣)، وكذا كانت حال النبي صالح مع قومه ثمود جاءهم بالدليل العقلي: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ وبالوحي الذي نزل عليه: ﴿وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ (٦٣)،

стр. 883

وكذا النبي شعيب مع قومه في مدين أوضح لهم البينة - الدليل العقلي - والوحي الذي رزقه تعالى: ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ (٨٨)، وإن اليهود اختلفوا في الوحي الذي نزل على موسى لكن الحكمة الإلهية اقتضت إنظارهم ليوم الحساب: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (١١٠)، وقد مضت سنته تعالى في خلقه أن المجتمعات التي تجمع الفساد إلى الكفر يؤول مصيرها إلى الزوال: ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (١٠٢)، وأن الله تعالى لا يهلك المجتمعات إذا كان الظلم فيها مقتصرا على الكفر والشرك، دون الفساد والبغي في المعاملات، وذلك لفرط رحمته تعالى بالناس ومسامحته حقوقه، أما حقوق العباد فيما بينهم فلا تساهل فيها، إذ من سننه تعالى في المجتمعات البشرية أنها تدوم مع الكفر، ولا تدوم مع الفساد والبغي: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ (١١٧)، ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (١) ١ - ﴿الر﴾ الله أعلم بمراده، راجع شرح آية [البقرة ١/ ١]، هود الثانية من السور التي تفتتح بحروف ﴿الر﴾ والتي افتتحت بها ستة سور متتالية من القرآن الكريم هي (يونس - هود - يوسف - الرعد - إبراهيم - الحجر)، غير أنها وردت في سورة الرعد ﴿المر﴾ بزيادة حرف الميم، ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ أي هذا كتاب أحكمت آياته، والمحكم ما لا يتطرق إليه الخلل، فالقرآن محكم إطلاقا أي في منتهى الإحكام والإتقان، ولا ينسخ منه شيء بخلاف الرسالات السابقة التي نسخت، انظر آية [البقرة ١٠٦/ ٢]،

стр. 884

ووصف القرآن أيضا كلّه بالمتشابه بقوله تعالى ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً﴾ [الزمر ٢٣/ ٣٩]، أي متجانسا في المحتوى وسالما من التناقض والتفاوت والاختلاف، لقوله تعالى ﴿وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اِخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء ٤/ ٨٢]، راجع شرح آية [آل عمران ٧/ ٣]، وهنالك تشابه بين مطلع هذه السورة ومطلع سابقتها سورة يونس حيث وصف القرآن بكونه حكيما بمعنى اشتماله على الحكمة ومحكما وحاكما يميز بين الاعتقادات الصحيحة والباطلة ﴿ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ وقد أجمعوا أنّ ﴿ثُمَّ﴾ ليست للتسلسل في الزمن، بل هي تنسيق وترتيب لصفات الكتاب أي هو محكم ومفصّل، والتفصيل هو للعقائد والتشريع والمعاملات ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ﴾ الذي أحكم هذه الآيات ﴿خَبِيرٍ﴾ وفصّلها، ولدن ظرف مكان مجازا، أي من عند الحكيم الخبير. ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ (٢) ٢ - ﴿أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾ أوّل بيان لما أحكمت وفصّلت له الآيات، أي لئلا تعبدوا إلاّ الله لا تشركوا به شيئا ﴿إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ والخطاب على لسان النبي ﷺ لأنّه النذير البشير: نذير بسوء العاقبة للمصرين على الشرك والظلم، وبشير بحسن الخاتمة للمؤمنين المتقين، والضمير في ﴿مِنْهُ﴾ عائد لله تعالى، والخطاب في هذه الآية وما يليها من آيات وإن كان في الأصل موجّها إلى مشركي مكة فهو كباقي الآيات القرآنية ذو مغزى عام وموجّه للناس في كل عصر. ﴿وَأَنِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ (٣) ٣ - تتمة تفصيل الآيات فالآية معطوفة على سابقتها: ﴿وَأَنِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ من الشرك والكفر والإجرام والظلم ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ نادمين مصلحين، وقد عطف التوبة على الاستغفار ب ﴿ثُمَّ﴾ لأن العمل متأخّر عن القول، فكم من مستغفر مصرّ على الذنب ﴿يُمَتِّعْكُمْ﴾ بمجموعكم وجملتكم ﴿مَتاعاً﴾

стр. 885

﴿حَسَناً﴾ التمتع بحياة طيبة في الدنيا ﴿إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ عنده، وهو العمر المقدّر في علمه، للأفراد والأمم، وقد كتب الشيخ محمد رشيد رضا أن هذه السنة الربانية مطّردة في حياة الأمم أكثر منها في حياة الأفراد، فالأمم التي تصر على الظلم والفساد والعصيان يهلكها الله تعالى بالضعف والشقاق وخراب العمران حتى تتمزق وتزول أو تستولي عليها دولة أو دول أخرى، كما هو معروف في حياة الأمم وأحوالها العامة في كل العصور ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ جزاء مطردا للأفراد في الآخرة، وقد لا يكون مطردا في الدنيا، أي يعطي كلّ ذي فضل من علم وعمل جزاء فضله في الآخرة مطردا كاملا، وأما في الدنيا فقد يكون هذا الجزاء جزئيا ناقصا ومشوبا لا خالصا، ولا يكون عاما مطردا لقصر أعمار الأفراد، وللتعارض والترجيح في سنن الأسباب والمسببات، وهذا من أدلة البعث وجزاء الآخرة الذي يظهر فيه عدله تعالى كاملا شاملا ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن عبادة الله وحده، وعن الاستغفار والتوبة ﴿فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ وهو يوم القيامة كما هو مذكور في الآية التالية، وذلك من رأفته بهم ﷺ فقد أرسل رحمة لهم وللعالمين. ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٤) ٤ - ﴿إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ﴾ بعد موتكم، أمما وأفرادا ﴿وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ على بعثكم وجزائكم. ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ (٥) ٥ - الآية تبيّن رد فعل المصرّين على الكفر عندما تبلغهم الدعوة بعبادة الله وحده والاستغفار والتوبة: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ أي من القرآن - بعود الضمير في ﴿مِنْهُ﴾ إلى الكتاب بالآية (١)﴾ - فهم يثنون صدورهم خوفا من مواجهة الحقيقة، وخشية أن يفارقوا دين آبائهم، لا يملكون الشجاعة الكافية للاستماع لدعوة النبي ﷺ وتقويمهما من حيث جدارتها، وهم يثنونها

стр. 886

على ما فيها من عقائد مسبقة كمن يحاول الاستخفاء من الوحي الإلهي ومن الدعوة الجديدة، وبذلك يحاولون إقناع أنفسهم أنهم معذورون على ما هم عليه من جهل وعدم العلم بالشيء، وهذا شأن المكابر ومن يتجاهل القرآن عمدا ويعرض عن دراسته ﴿أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ﴾ مجازا، وهي كناية عن التعامي عن دعوة الإسلام وادّعاء الجهل ﴿يَعْلَمُ﴾ تعالى ﴿ما يُسِرُّونَ﴾ من أفكار ﴿وَما يُعْلِنُونَ﴾ من معارضة ضمنية وصريحة لدعوة الإسلام ﴿إِنَّهُ﴾ ﴿عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ لا يخفى عليه شيء من أسرارها، وهذه الآية وإن كان المقصود منها في الأصل كفار مكة، إلا أنها كسائر القرآن منطبقة على الكفار والمشركين والجاحدين المناهضين للإسلام والمتعامين عن رسالته في كل الأزمنة وفي كل مكان. ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ (٦) ٦ - استمرار الخطاب من الآية السابقة عن علم الله تعالى المحيط بكل شيء، وأنه على كل شيء قدير، الآية (٤)﴾ وأنه تعالى يرزق المؤمن والكافر بمقتضى سننه: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ كل من يدبّ عليها من كائنات حية ومنها بنو البشر، مؤمنهم وكافرهم ﴿إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها﴾ بأن سخّر الرزق لها وهداها إلى طلبه وتحصيله إمّا بباعث غريزتها أو بما هداها إليه من العلم بأسباب كسبها وفق نواميس الخلق والسنن، لأنّ مشيئته تعالى تكون بمقتضى سننه وما جعله من ارتباط الأسباب بالمسببات وحكمته فيها ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها﴾ في الحياة والممات، فهو تعالى يرزقها إلى أن يحين أجلها - مستقرها -، ويعلم ما تصير إليه في آخرتها - مستودعها -، فالمستقر هو نهاية المطاف في الحياة الدنيا، والمستودع يكون في الحياة الآخرة ليس من يستطيع التحول عنه بعد موته ﴿كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ كلّ من الدواب وأرزاقها ومستقرّها ومستودعها في علم الله القديم، ثمّ بيّن تعالى في الآية التالية المزيد من شمول قدرته لكل شيء:

стр. 887

﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٧) ٧ - ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ ولا يمنع ذلك أن الأرضين كثيرة وهي مشمولة في لفظ السماوات، انظر آية [الطلاق ١٢/ ٦٥]، ﴿فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ أي ستة أطوار زمنية من أطوار الخلق والتكوين، لأنّ اليوم في اللغة مطلق الوقت، فالخلق لم يكن فجائيا بغير تقدير ولا ترتيب، راجع شرح آية [الأعراف ٥٤/ ٧] وآية [يونس ٣/ ١٠]، ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ العرش كناية عن سلطته العلوية المطلقة، أمّا كون العرش على الماء فقد يكون إشارة لنشوء الحياة الأولية وتطورها من الماء، انظر آية [الأنبياء ٣٠/ ٢١]، ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ وهي الحكمة من خلق الإنسان مختارا، وفيه إرشاد إلى سنّة من سنن المجتمعات بأن الإحسان في أعمالها يكون سببا لارتقائها ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ﴾ لهم أيها النبي ﴿إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ﴾ للحساب والجزاء وهما غاية الابتلاء ﴿لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاّ سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ لأنهم زعموا أنّ البعث بعد الموت، هو من البطلان والخديعة ما يجعله كالسحر. ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ (٨) ٨ - استمرار الخطاب من الآيات السابقة أنّ المصرّين على الكفر بعد تعاميهم عن دراسة الدعوة بفكر مجرّد، وبعد زعمهم أنّ القول بالبعث باطل كبطلان السحر، فهاهنا يستهزئون بتأخير العذاب عنهم: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ قال الطبري أنّ المقصود بالأمّة في هذا الموضع: الأجل والحين، ومعنى الخطاب: ولئن أخّرنا عنهم العذاب إلى مجيء أمة وانصرام أخرى قبلها ﴿لَيَقُولُنَّ ما يَحْبِسُهُ﴾ قالوه ويقولونه استهزاء، أي ها نحن نكذّب الرسول والوحي ولا يأتينا العذاب! وذلك من طبيعة الإنسان في الاستعجال بإنكار النذير للاحتجاج على بطلانه، انظر آية [الأنبياء ٣٧/ ٢١]، والجواب: ﴿أَلا يَوْمَ﴾

стр. 888

﴿يَأْتِيهِمْ﴾ في أجله ووقته المحدد ﴿لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ﴾ لا يصرفه عنهم صارف، واستخدام الجملة الاسمية لتأكيد وقوع العذاب بهم ﴿وَحاقَ بِهِمْ﴾ أي وسوف يحيط بهم من كل جانب، واستخدام الفعل الماضي لتأكيد تحقق وقوعه في وقته حتى كأنه وقع بالفعل ﴿ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ﴾ أحاط بهم ما كانوا يستعجلونه من العذاب. ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ﴾ (٩) ٩ - هذه الآية بيان لحال الكفار خاصة - المشار إليهم سابقا - والإنسان عامة: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنّا رَحْمَةً﴾ كأنواع النعم من صحة وأمن ورزق ﴿ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ﴾ عندما يقع في مرض وعسر وفتن بما يحدث من الأسباب بمقتضى سنته تعالى في الخلق ﴿إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ﴾ في هذه الحالة يكون شديد اليأس من الرحمة، شديد الكفران لغيرها من النعم التي لا زال يتمتع بها، فضلا عمّا سلف منها، فهو يجمع بين اليأس ممّا نزع منه، والكفر بما بقي له من النعم، والخطاب عن جنس الإنسان عامّة، فهنالك الكثيرون الذين مع كونهم مؤمنين بالله، إلا أنهم بسبب ضعف إيمانهم سريعي التأثر بالعوامل الخارجية وخاصة بما ينزل بهم من نوائب، ثم استثنى تعالى في الآية (١١) الصابرين منهم. ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ (١٠) ١٠ - ﴿وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرّاءَ مَسَّتْهُ﴾ لفظ الإذاقة يفيد أنّ الإنسان يقع في التمرد والطغيان بمجرّد أن ذاق القليل من الخيرات العاجلة مع أن هذه الخيرات ليست سوى متاع قليل في جنب الآخرة، والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه، والضرّاء مضرّة يظهر أثرها على صاحبها ﴿لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي﴾ أي ذهب أثر السيئات عنّي - بحذف المضاف -، ويعزو ذلك إمّا لمجهوده المحض أو للصدف والحظ! ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ شديد الفرح حتى أنه يبطر النعمة ويستكبر ويتعالى على الناس ويرى أنّ ما تحقق له من خير نتيجة لجدارته، أو مجرّد حظ واتفاق الصدف، لا نعمة منه تعالى، فهو لا يقابل حصول النعمة

стр. 889

بالتواضع والشكر عليها، بل يأمن مكر الله، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص ٧٦/ ٢٨]، إشارة إلى فرح البطر بالنعمة. ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (١١) ١١ - ﴿إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على ما أصابهم من الضرّاء إيمانا بالله واحتسابا للأجر ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ في جميع أحوالهم وخاصة بعد كشف الضراء عنهم وتبديل النعماء بها ﴿أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ تمحو ذنوبهم وتسترهم من الفضيحة ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ في الآخرة. ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ (١٢) ١٢ - ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أي لا تعجل في الترك بل كن من الصابرين الذين يعملون الصالحات، وهو ارتباط الآية بما قبلها، وقالوا إنّ لعل هنا للتبعيد وليس للترجّي، والخطاب للنبي ﷺ ، فالمعنى يستحيل أن تترك بعض ما يوحى إليك ويستحيل أن يضيق به صدرك، والترك المشار إليه هو ما يشقّ على المشركين سماعه كالأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك والإنذار والوعيد الشديد لهم أنظر الآية (٢)﴾، ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ أي مخافة أن يقولوا ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ لأنّ كفار قريش قالوا للنبي ﷺ : اجعل لنا جبال مكة ذهبا إن كنت رسولا، أو أنزل عليك من الرزق ما تستغني به وتغني أتباعك وأنصارك من الكد والعناء، وإن كنت صادقا فهلاّ أنزل الله معك ملكا يشهد على نبوّتك ويعينك على أمرك فتزول الشبهة عن دعوتك، والخلاصة أنهم أحجموا عن استعمال عقولهم في فهم الدعوة، وأصرّوا على أدلّة مادية حسية ﴿إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ ليس عليك إلا أن تنذرهم بالدعوة وتدعوهم لاستخدام العقل، والباقي على الله: ﴿وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ الموكل بأمور عباده والرقيب عليها، وليس عليك أيها النبي من أمور الخلق والتدبير شيء، وإنّما عليك البلاغ والدعوة.

стр. 890

﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ (١٣) ١٣ - بعد أن طلبوا المعجز بنزول كنز على الرسول ﷺ أو مجيء ملك معه، أجابهم أنّ المعجز هو القرآن وتحداهم بمعارضته: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ﴾ زعموا أنّه جاء بالقرآن من عنده ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ﴾ أي افتروا من مثله ما استطعتم، والتحدي يفيد أنّ وحيا كالقرآن لا يمكن أن يصدر عن بشر ﴿وَاُدْعُوا مَنِ اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ﴾ من مثل آلهتكم التي تزعمون أنها تمدّكم في المصاعب وكهنتكم التي تلجؤون إليها وشعرائكم وخطبائكم وبلغائكم وحكمائكم، والمعنى أنّ الله وحده القادر على إنزال مثل هذا الوحي ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ في دعوى الافتراء، انظر شرح آية [يونس ٣٨/ ١٠]. ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١٤) ١٤ - ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ﴾ استمرار الخطاب للمأمورين بدعاء من استطاعوا، أي إن لم يستجيب لكم من تدعون من دون الله إلى المعارضة بعشر سور مفتريات ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ﴾ أي هذا القرآن أنزل على محمد بمقتضى علم الله، مبينا لما أراد أن يبلغه لعباده من دينه على لسان رسوله ﴿وَأَنْ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ واعلموا أيضا أن الله تعالى وحده المختص بالألوهية وأحكامها، فاخلعوا الأنداد والآلهة واعبدوه وحده ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ هل أنتم أيها الكفار مذعنون مستسلمون لطاعة الله. ﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ (١٥) ١٥ - علاقة هذه الآية بسابقتها أنّ غرض الكفار في مسعاهم هو الحياة الدنيا بما فيها من المادة والزعامات والوجاهة وليس هدفهم الوصول إلى الحقيقة ولا التعرف عليها، لا سيّما أن فكرة التوحيد ومبادئ الأخلاق التي نزل بها الوحي تتعارض مع مصالحهم الدنيوية، والآية وإن نزلت في كفار مكة فمغزاها صالح في كل مكان وزمان:

стр. 891

﴿مَنْ كانَ يُرِيدُ﴾ بأعماله ﴿الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها﴾ التمتع بالدنيا فقط دون الاستعداد للآخرة ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها﴾ يحصلون على ثمرة أعمالهم في الحياة الدنيا وفق سنته تعالى في نظام الأسباب والمسببات ونظام الأقدار، حتّى لو أنكروا القرآن وزعموا أنه افتراء ﴿وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ﴾ لا ينقصون - بسبب كفرهم - من نتائج كسبهم، لأن مدار الأرزاق على الأعمال السببية، لا على النيات والمقاصد الدينية، ولا يمنع ذلك أنّ لهداية الدين لحسن المعاملة والأمانة والاستقامة تأثيرا إيجابيا في الوصول إلى المطلوب. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١٦) ١٦ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ النّارُ﴾ أي أولئك المتهالكين على الدنيا والغافلين عن الآخرة، ينتهي بهم المطاف إلى دار العذاب المسماة بالنار، فيحصل عكس مقصودهم لقصور فكرهم عن إدراك الحياة الآخرة ولاعتقادهم أنّ الدنيا هي نهاية المطاف ﴿وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها﴾ ممّا ظاهره البر والإحسان فلا يثابون عليها في الآخرة ﴿وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ لبطلان العمل بلا إيمان، ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَرَحْمَةً أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ فَالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١٧) ١٧ - هذه الآية متعلقة بما قبلها وتقدير الخطاب: أفمن كان على بينة من ربه كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها: ﴿أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ البيّنة هي الدليل العقلي، أي من هو في سلامة الفطرة والعقل السليم بحيث يكون على برهان وبصيرة من ربه فيما يؤمن به من التوحيد وإدراك البعث والآخرة والتمسك بالعقائد السليمة، وأيضا: من كان من أهل الكتاب على بينة من ربّه بإدراكه حقيقة رسالة موسى وعيسى ﴿وَيَتْلُوهُ﴾ أي وهو يتلو القرآن معتبرا

стр. 892

معانيه، والضمير الظاهر في ﴿يَتْلُوهُ﴾ يعود إلى القرآن الكريم فالإشارة إليه في الآية (١٣) إذ هو نفس الضمير في قوله ﴿اِفْتَراهُ﴾، ﴿شاهِدٌ مِنْهُ﴾ أي القرآن الكريم - بإعجازه - شاهد منه تعالى بأنه تنزيل إلهي، وهو أيضا يشهد بصحة البينة ويؤيد الدليل العقلي، ويصدّق الصحيح المتبقي من التوراة والإنجيل، وقد يكون المعنى أيضا أنّ الإعجاز القرآني شاهد من القرآن يشهد أنه من عند الله. وقد يعود الضمير الظاهر في ﴿يَتْلُوهُ﴾ أيضا إمّا لمن ﴿كانَ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أو للبينة نفسها بالنظر إلى المعنى، فيكون المقصود: ويتلوه أي يليه الوحي الإلهي المنزّل على الأنبياء الذي ختم بالقرآن. ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل القرآن ﴿كِتابُ مُوسى﴾ التوراة التي تلت البيّنة في حينها - والمقصود التوراة الأصلية وليست المحرفة التي عند اليهود - ﴿إِماماً﴾ وهو القرآن، أي يؤتّم ويقتدى به في العقائد والعبادات والمعاملات ﴿وَرَحْمَةً﴾ لمن يهتدي به ﴿أُولئِكَ﴾ أي الموصوفون أنهم على بينة من ربهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أي بالقرآن ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزابِ﴾ من أصناف الكفار في كل وقت ممّن تحزّب ضد الإسلام ﴿فَالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ في عذاب الآخرة ﴿فَلا تَكُ﴾ أيها الإنسان ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ في شكّ من الوعد، أو من القرآن ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ كاملا ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ إيمانا كاملا، بالنظر لتحريفهم في كتب أنبيائهم، ولاستكبار زعمائهم وكهنتهم وحرصهم على الزعامة، ولحرص العامة على تقليد زعمائهم وأسلافهم. وقد رأى الألوسي أنّ في الآية إشارة إلى الدليلين العقلي، والنقلي، ومعنى كون الثاني تاليا للأول - من حيث أنه يتبعه - أنه موافق له لا يخالفه، ومن هنا قالوا إن النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح، فالآيات النقلية القرآنية توافق الأدلة العقلية وتؤيدها، ولذا أوّلوا الدليل النقلي إذا خالف ظاهره الدليل العقلي.

стр. 893

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ (١٨) ١٨ - ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ اِفْتَرى عَلَى اللهِ كَذِباً﴾ بالإدعاء أن القرآن مفترى وأنه ليس كلام الله وهم المشار إليهم بالآية (١٣)، ﴿أُولئِكَ﴾ المفترون ﴿يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ يوم الحساب ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهادُ﴾ وهم الرسل الذين بعثوا إلى أقوامهم، انظر آية [النساء ٤١/ ٤]، وقيل المراد بهم الملائكة والأنبياء والمؤمنون ﴿هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ وهو قول الأشهاد ﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ أي بعدا لهم من رحمة الله، ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (١٩) ١٩ - ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ وهم الظالمون المشار إليهم آنفا، ليس فقط أنهم على ضلال بل يحاولون إضلال غيرهم عن الدين الصحيح ﴿وَيَبْغُونَها عِوَجاً﴾ يبتدعون لها اعوجاجا إذ يصفون دين الله بالانحراف عن الصواب بابتداع الشبهات من عندهم، كما أنهم يبغون اعوجاج الناس عنها ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ استبعادا لمسؤولياتهم الأخلاقية، ﴿أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ (٢٠) ٢٠ - ﴿أُولئِكَ﴾ الذين يفترون الكذب ويصدّون عن سبيل الله ويبغونها عوجا ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ لم يكونوا معجزين الله أن يعاقبهم في الحياة الدنيا ﴿وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ﴾ يتولّون أمرهم وينصرونهم ويمنعون عنهم العقاب، لكن حكمته تعالى اقتضت إمهالهم إلى يوم الحساب وإعطاءهم فرص التوبة ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ﴾ لإصرارهم على الضلال والباطل، ولسعيهم إضلال غيرهم وصرف الناس عن الحق ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ليس أنهم فقدوا حاستي السمع والبصر، ولكنهم لما رجح عندهم من حب الدنيا والتمسك بالمادة والزعامة وعدم الفكاك من

стр. 894

التقليد والقيود الاجتماعية، جمّدوا أفهامهم على مواقف مسبقة، فأصرّوا أن القرآن مفترى، وصمموا على الضلال والإضلال، وأغلقوا سمعهم وبصيرتهم عن دراسة القرآن دراسة موضوعية وبذهن منفتح. ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (٢١) ٢١ - ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ في الدنيا والآخرة، خسروها بالسعي وراء الباطل في دنياهم ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ من عقائد مادية، وآلهة مختلقة، وشفعاء مزعومين، وأنصاف حقائق، ﴿لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ (٢٢) ٢٢ - ﴿لا جَرَمَ﴾ بمعنى حقّا ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ لأنّ الخسارة الكبرى هي خسارة الأنفس. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٢٣) ٢٣ - بعد أن ذكر تعالى عاقبة الكافرين وخسرانهم، أتبعه بذكر عاقبة المؤمنين وخلودهم في الجنة ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بكل ما يجب التصديق به من القرآن وغيره ﴿وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الأعمال الصالحات ﴿وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ﴾ خضعوا له وخشعوا واطمأنّت نفوسهم إليه ﴿أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾. ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ﴾ المذكورين من الكفار والمؤمنين ﴿كَالْأَعْمى وَالْأَصَمِّ﴾ الكفار الذين عميت بصيرتهم، وصمّوا آذانهم عن الحق ﴿وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ المؤمنون الذين أبصروا الحقيقة بعقولهم وسمعوا القرآن سماع تفهّم وتدبّر للمعاني ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً﴾ بل هما على طرفي نقيض في استخدام الملكات العقلية ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيها الكفار ما هو مغروس في فطرتكم من معرفة الخالق والتوحيد، بالعهد الفطري المقطوع عليكم عندما كنتم في الأصلاب،

стр. 895

﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٢٥) ٢٥ - قصة نوح سبق ذكرها مختصرة مرتين في ترتيب المصحف: الأولى في سورة [الأعراف ٥٩/ ٧ - ٦٤]، والثانية في سورة [يونس ٧١/ ١٠ - ٧٤]، ذكرت كل منها بعبر مختلفة عن الثانية، وفي هذه السورة ترد بمزيد من التفصيل، والقصة هنا معطوفة على ما ذكر في أول السورة من بعثة النبي ﷺ ، بل هي عطف على الآيات (٢٤/ ١)، ولبيان أن حال النبي مع قومه كحال من قبله من الرسل من الرفض والتكذيب: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ وهو قول نوح لقومه إنه ينذرهم بيوم الحساب. ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٦) ٢٦ - ﴿أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلاَّ اللهَ﴾ أنذركم بألاّ تعبدوا إلاّ الله ﴿إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ وهو يوم الحساب كونه أليما للكفار الظالمين. ﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما نَراكَ إِلاّ بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي فبادر الملأ من كبار القوم، واقتران جوابهم بالفاء لأنه الأصل في الردّ السريع، أي إنهم بادروا بالرفض فورا بما يبطل دعوة نوح بزعمهم، وفي سورة الأعراف ورد قولهم مفصولا لا يعلم متى وقع منهم: ﴿قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف ٦٠/ ٧] وهو من إعجاز القرآن، وقالوا إنّ كبار القوم سمّوا ملأ لأنهم يملؤون الأعين هيبة وأبهة، أو لأنهم يتمالؤون ويتساندون ﴿ما نَراكَ إِلاّ بَشَراً مِثْلَنا﴾ وهي الشبهة الأولى عندهم، تعريضا بأنهم أحق منه بالنبوة، وأن الله تعالى لو أراد أن يجعلها في أحد من الناس لجعلها فيهم ﴿وَما نَراكَ اِتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا﴾ وهي الشبهة الثانية، أي اتّبعه من الفقراء والضعفاء من هم دونهم في الطبقة الاجتماعية، وهو دأب المترفين مع رسلهم من قبل، وأكثر ضعاف الناس وفقرائهم يقبلون الحق عادة إذا فهموه لعدم استكبارهم عن اتباع غيرهم،

стр. 896

ولتطلّعهم إلى تحقق العدالة الاجتماعية في الدنيا وإلى سعادة الآخرة، وهذه النقطة الثورية بالذات جعلت مهمات الرسل والأنبياء بغيضة في قلوب الطبقات الحاكمة والطبقات المهيمنة على المجتمع ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ أي سارعوا إلى اتّباعك في بادي الرأي أي في ظاهره وما يبدو منه، أو في بادئه وأوّله قبل التفكير فيه والتمعّن في حقيقته ﴿وَما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ﴾ في القوة والمال والجاه ﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ﴾ فيما تدّعونه جميعا، نوح في النبوة، وأتباعه في تصديقه، وقد احتاطوا بالظن دون الجزم تكريما لأنفسهم. ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوها وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ (٢٨) ٢٨ - ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني عن رأيكم ﴿إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ البيّنة ما يتبيّن به الحق، وهي الدليل العقلي المؤيد بالفطرة السليمة بحيث يكون المرء على برهان وبصيرة من ربه فيما يؤمن به من التوحيد وإدراك البعث والآخرة، ومغزى قول نوح: ما رأيكم إن كنت على بيّنة ظاهرة منه تعالى ليست من عندي وكسبي البشري الذي تشاركوني فيه وإنما فوق ذلك: ﴿وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ وهي النبوّة وتعاليم الوحي التي هي سبب رحمة الله لمن يهتدي، انظر آية [البقرة ١٠٥/ ٢] وآية [آل عمران ٧٤/ ٣] في معنى الرحمة بأنها الوحي ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ حجبها عنكم غروركم وعنادكم واستكباركم ﴿أَنُلْزِمُكُمُوها﴾ أنلزمكم البيّنة بالإكراه ﴿وَأَنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ في حين أنكم منكرون لها؟ والمعنى لا نفعل ذلك، لأنّ الإسلام لا يصحّ إلاّ بإيمان الإذعان بمطلق إرادة الفرد وحريته، ولا إكراه في الدين، وتلك سنته تعالى في البشر أن الإيمان لا يكون بالإلزام، وأن الكاره للشيء لا تتوجه إرادته إلى طلبه ولا إلى فهم ما يدل عليه من الحجج والآيات، وأن دعوة الرسل والدعاة يجب أن توجّه إلى ما لدى الناس من الاستعداد للنظر والاستدلال، وفي ذلك إشارة للآية (١٧)﴾.

стр. 897

﴿وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً إِنْ أَجرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ (٢٩) ٢٩ - ﴿وَيا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مالاً﴾ لا أسألكم على تبليغ الدعوة مالا ولا أسعى وراء مصالح دنيوية ﴿إِنْ أَجرِيَ إِلاّ عَلَى اللهِ﴾ في الدنيا والآخرة ﴿وَما أَنَا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لما زعمتم أنهم أراذل الناس ﴿إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ﴾ وهو يتولّى حسابهم وجزاءهم لما يتّهمون به أنهم آمنوا بادي الرأي، وليس على الرسول أن يشقّ قلوبهم ليتأكد من صحة وصدق إيمانهم ﴿وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ﴾ تجهلون دعوتي لكم، وتجهلون أنّ الناس لا يقاسون بالجاه والمال وإنما بالعلم، والآية شاهد على تفضيل الرسل أدنى المؤمنين من أتباعهم على أعظم الكبار من خصومهم. ﴿وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣٠) ٣٠ - ﴿وَيا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ أي لا تستطيعون ذلك أنتم ولا غيركم، وكانوا يسألونه أن يطردهم كي يؤمنوا هم به، أنفة وكبرياء أن يكونوا معهم على سواء ﴿أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أن العبرة بالإيمان والعمل وليس بالشرف والنسب. ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ (٣١) ٣١ - ﴿وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللهِ﴾ لأن ضعاف العقول والكفار والمشاغبين في كل العصور، يتوهمون أو يريدون أن يتوهّموا أن الرجل من البشر لا يكون رسولا إلاّ أن تكون له من خصائص الألوهية أو تكون له قدرات خارقة لا يستطيعها البشر، فأجابهم أن ليس من موضوع النبوة أن يكون الرسول قادرا على التصرف بالمخلوقات وتغيير الأسباب والمسببات ﴿وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ممّا اختص به تعالى في علمه، ومن سرائر العباد، ومن ثمّ لا أجزم

стр. 898

إن كان إيمان المستضعفين عن عقيدة، أو عن طلب دنيا، فذلك موكول إلى الله تعالى وللإنسان الظاهر فقط ﴿وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ﴾ وهو ردّ على قولهم إنه بشر مثلهم ﴿وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ﴾ من ضعاف الناس المؤمنين وتريدون مني طردهم ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللهُ خَيْراً﴾ لا أجزم أنّه تعالى لن يؤتيهم خيرا في الدنيا والآخرة ﴿اللهُ أَعْلَمُ بِما فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ من صدق العقيدة، أو طلب الدنيا، وهو وليّ أمرهم، وربّما كان باطنهم من الإيمان كظاهرهم فيؤتيهم الله ثواب الدنيا والآخرة ﴿إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ إن حكمت عليهم بالظنّ وطردتهم كي تنتظموا في صفوفي. ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٣٢) ٣٢ - بعد أن أفحمهم نوح بالحجج على مدى ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلاّ خَمْسِينَ عاماً﴾ [العنكبوت ١٤/ ٢٩]، ضاقوا به ذرعا وهم مصرّون على العناد والمكابرة حتى وصل عجزهم معه إلى حدّ اليأس فقالوا له: ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ دون أن تقنعنا ﴿فَأَكْثَرْتَ جِدالَنا﴾ أتيت بأنواع كثيرة من الجدال، فأطلتها خلال هذه السنين الكثيرة، انظر آيات [نوح ٥/ ٧١ - ٦]، ﴿فَأْتِنا بِما تَعِدُنا﴾ من العواقب الوخيمة أو العذاب المعجّل ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ في دعوتك لنا. ﴿قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ (٣٣) ٣٣ - ﴿قالَ إِنَّما يَأْتِيكُمْ بِهِ اللهُ إِنْ شاءَ﴾ أي إنّ نزول العذاب ليس إليّ، ولا في قدرتي، وإنّما هو لله تعالى الذي كفرتم به، يأتيكم بالعذاب عاجلا أو آجلا إن تعلقت به مشيئته المعلقة بالحكمة ﴿وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ولا سبيل لكم للإفلات منه. ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ إذا عرف الله تعالى من الكافر إصرارا خلاّه وشأنه ولم يلجئه إلى

стр. 899

الإيمان، ويسمّى ذلك إغواء وإضلالا، والمعنى: إن كنتم أيها الكفار من التصميم على الكفر بالمنزلة التي لا تنفعكم نصائح الله وألطافه فكيف ينفعكم نصحي؟ أو: إن اقتضت سنته تعالى أن تكونوا من الغاوين بمقتضى ارتباط الأسباب بمسبباتها فلا ينفعكم نصحي، والغيّ الفساد المعنوي، وهو أيضا الخيبة، والإغواء وقوع الغواية والخيبة بمقتضى سنة الله تعالى في تأثير أسبابهما من الأعمال الاختيارية لصاحبها ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ الذي خلقكم والمتولّي أموركم ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فيجازيكم بأعمالكم. ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ (٣٥) ٣٥ - يلاحظ في هذه الآية انتقال مفاجيء في الخطاب من الماضي - في حوار نوح مع قومه - إلى المضارع لذا قال بعضهم إنّها معترضة وذات ارتباط بالآية (١٣)، بمعنى أنّها دحض لادعاء مشركي مكة أن قصة نوح مفتراة، غير أنه يحتمل أنّ الآية من قصة نوح ولا مقتضى لاعتراضها في وسطها: ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ﴾ أي أم يقول مشركو مكة أن النبي ﷺ قد افترى ما يحكيه عن قصة نوح - أو يقول قوم نوح أنه يفتري الكلام عن الله - ﴿قُلْ إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي﴾ إن صحّ وثبت أني افتريته فعليّ عقوبة إجرامي أي افترائي ﴿وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أثبت الإجرام عليهم وهو اتهامهم له بالافتراء وتكذيبهم الوحي. ﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣٦) ٣٦ - ﴿وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلاّ مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ لم يعد يرجى أدنى أمل من إيمان الباقين ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ لا تحزن من عنادهم، وقد آن وقت العقاب.

стр. 900

﴿وَاِصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿وَاِصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ السفينة التي سوف يتم بها إنقاذ نوح وأتباعه من الغرق، والفلك يطلق على المفرد والجمع من السفن ﴿بِأَعْيُنِنا﴾ وأنت محفوظ برعايتنا أي بعنايته تعالى محفوظ من الأعداء، وجمع الأعين لإفادة شدّة العناية الإلهية بالمراقبة والحفظ ﴿وَوَحْيِنا﴾ بإلهامنا لك كيف تصنع الفلك فلا تخطيء فيه ﴿وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ فتطلب لهم الرحمة ودفع العذاب عنهم، وفيه إشارة إلى رقة قلب نوح كما هو شأن الصدّيقين ﴿إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ أي محكوم عليهم بالغرق. ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ﴾ (٣٨) ٣٨ - ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ﴾ وأقبل يصنع الفلك ﴿وَكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾ لظنّهم أن أصبح به مسّ من الجنون إذ يصنع سفينة لا حاجة لها على اليابسة ﴿قالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ لحسبانكم أنّ ما نصنعه يثير السخرية أو تظنّون بنا الجهل أو الهوس ﴿فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ﴾ لما أنتم عليه من جهل وكفر ومن ثمّ لما تعرّضون به أنفسكم لسوء العاقبة ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ منّا، فنحن أولى أن نسخر منكم وليس العكس، وفي الآية إشارة إلى الفارق الكبير بين من يعلم حقائق الأمور وبين من هو مغرور بالظاهر. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ بعد إتمام الفلك ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ في الدنيا ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ في الآخرة. ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا اِحْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ (٤٠) ٤٠ - ﴿حَتّى إِذا جاءَ أَمْرُنا﴾ بهلاكهم ﴿وَفارَ التَّنُّورُ﴾ قيل هو تنور الخبز المعروف، ابتدأ منه الينبوع على غير العادة، وكان ذلك علامة لنوح عليه

стр. 901

السلام، والفوران شدة الغليان، وقيل ليس المراد تنورا معيّنا بل الجنس، والمراد فار الماء من التنانير، لقوله تعالى ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً﴾ [القمر ١٢/ ٥٤]، فيكون بدء فوران الماء وتفجير الأرض عيونا من أماكن التنانير أو الينابيع لأن الينبوع من باطن الأرض كالتنور في تجويفه، ولذا فسّروا التنور أيضا بسطح الأرض ﴿قُلْنَا اِحْمِلْ فِيها﴾ في الفلك ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ من الحيوانات ﴿اِثْنَيْنِ﴾ ذكر وأنثى، وليس بالضرورة أن نوح ﵇ حمل زوجين من كل أنواع الحيوانات، بل حمل فقط الأليفة منها بما سوف يحتاجه بعد النجاة، فالطوفان لم يكن عامّا لأن المقصود إغراق قوم نوح الذين أصرّوا على الكفر وليس المعمورة بأسرها كما تزعم كتب اليهود ﴿وَأَهْلَكَ إِلاّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ بأنه من المغرقين، استثناهم لكفرهم ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾ عطف على الأهل المحمولين في الفلك، وهم قلّة: ﴿وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ أي إن القلّة فقط من قوم نوح آمنوا، ﴿وَقالَ اِرْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤١) ٤١ - ﴿وَقالَ اِرْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللهِ مَجْراها وَمُرْساها﴾ وهو قول نوح ﵇ عندما أمرهم بركوب السفينة امتثالا لأمره تعالى في الآية السابقة، أمرهم قائلا: اركبوا فيها قائلين باسم الله، أي بقدرته حين تجري وحين ترسو، لا بحولنا وقوّتنا ﴿إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لعباده إذ لم يهلكهم جميعا بذنوبهم وتقصيرهم وإنما يغرق المصريّن على الكفر منهم. ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ اِبْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ اِرْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ﴾ (٤٢) ٤٢ - ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ﴾ لشدة فوران المياه وتفجّرها من وجه الأرض وانهمارها من السماء ﴿وَنادى نُوحٌ اِبْنَهُ﴾ بدافع عاطفة الأبوّة، قبل انقطاع الصلة بين السفينة الجارية وبين البر ﴿وَكانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ لأنه عزل نفسه عن أبيه وعن أهله وعن المؤمنين، والعزلة حقيقة في المكان، ومجازا في العقيدة ﴿يا بُنَيَّ﴾ قالها تحببا إليه ﴿اِرْكَبْ مَعَنا﴾ مع أهلك والمؤمنين ﴿وَلا تَكُنْ﴾

стр. 902

﴿مَعَ الْكافِرِينَ﴾ في العقيدة، وهو نهي عن مشايعة الكافرين، والمغزى أن الدخول في غمارهم يوجب الغرق، ﴿قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ (٤٣) ٤٣ - ﴿قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ﴾ ألجأ إلى جبل عال ﴿يَعْصِمُنِي﴾ يحفظني بارتفاعه ﴿مِنَ الْماءِ﴾ فلا يصل الطوفان إليّ، قال ذلك ظنّا منه أن ارتفاع الماء أمر معتاد يحصل وقت السيول فيمكن الاتقاء منه بالصعود إلى جبل من الجبال دونما حاجة لركوب السفينة، جهلا منه أنّ الطوفان كان لإهلاك الكفرة فلا بدّ أن يدركهم أينما كانوا ﴿قالَ﴾ له أبوه مبيّنا له حقيقة الحال ﴿لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ للمبالغة في نفي كون الجبل أو غير الجبل عاصما للكفار من وقوع الواقعة، وقوله ﴿الْيَوْمَ﴾ للتنبيه على أنه ليس كسائر الأيام التي ربما تكون فيها النجاة بالالتجاء للأسباب العادية ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ﴾ وهو الله سبحانه، إشعارا بعلية رحمته وسبقها غضبه، وتعظيما له جلّ شأنه ﴿وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ﴾ بين نوح ﵇ وبين ابنه فانقطع الحوار بينهما ﴿فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ مع سائر الكفرة الذين أغرقوا. ﴿وَقِيلَ يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاِسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ (٤٤) ٤٤ - ﴿وَقِيلَ يا أَرْضُ اِبْلَعِي ماءَكِ﴾ على سبيل المجاز عن الإرادة العليا وتمثيلا لكمال قدرته تعالى وانقياد العقلاء وغير العقلاء لأمره وتدبيره، والمراد من بلع الأرض للماء جفافها ﴿وَيا سَماءُ أَقْلِعِي﴾ كفّي عن الإمطار، فما هي إلاّ أن قيل كن، فكان ﴿وَغِيضَ الْماءُ﴾ غار في الأرض ونضب ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ بنجاة المؤمنين وهلاك الكافرين إشعارا بأن لا دافع لقضائه ولا مانع من نفاذ حكمه ﴿وَاِسْتَوَتْ﴾ استقرّت السفينة ﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ الجبل المعروف بالجوديّ الواقع قرب بحيرة فان - في أقصى الشرق من تركية اليوم - على بعد حوالي أربعين

стр. 903

كيلومترا إلى الشمال الشرقي من جزيرة ابن عمر الواقعة بأقصى الشمال الشرقي من منطقة الجزيرة السورية، والجوديّ جزء من سلسلة جبال آرارات الممتدة من أرمينية حتى كردستان ﴿وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ الذين عبدوا الهوى دون الحق، وجعلوا الطبيعة مكان الشريعة، والمعنى هلاكا لهم وبعدا، بحيث لا يرجى عودتهم، وخصّ بدعاء السوء ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ﴾ (٤٥) ٤٥ - ﴿وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ بعد رسو السفينة على الجوديّ ﴿فَقالَ رَبِّ إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ وقد وعدتني بنجاة أهلي ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ الثابت الذي لا شك في إنجازه والوفاء به ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ﴾ أعلم الحكام وأعدلهم، وقد يكون أنّ سؤال نوح عن حال ابنه في الآخرة، لعلمه أن سبق عليه القول بالغرق (الآية ٤٠)، ويحتمل أيضا أنّ نوحا التبس عليه أمر ابنه إن كان من الذين سبق عليهم القول أم لا، إذ لم يكن مطلعا على باطن أمره فلذلك سأل. ﴿قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٤٦) ٤٦ - ﴿قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ المعنى هو ليس من أهلك الذين وعدتك بنجاتهم، لأن الوعد مقتصر على نجاة من آمن من أهل نوح وباستثناء الكافرين منهم ممّن سبق عليه القول، كما يحتمل المعنى أيضا أنّ الابن ليس من أهل نوح أي ليس من أهل دينه، فيكون عماد الأهلية هو القرابة الدينية التي تنقطع بالكفر ﴿إِنَّهُ﴾ أي الابن ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ أي ذو عمل غير صالح، بحذف المضاف لجعل الابن كأنه العمل الفاسد نفسه للمبالغة، ويحتمل تقدير الخطاب أيضا: إنه - أي الابن - عمل عملا غير صالح ﴿فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ممّا هو في علم الغيب أو ممّا ليس لك به علم صحيح أنّه حق وصواب ﴿إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ الذين يسألون أن يبطل تعالى تشريعه أو حكمته وتقديره في خلقه إجابة لشهواتهم وأهوائهم في أنفسهم وأهليهم ومحبيهم،

стр. 904

﴿قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ (٤٧) ٤٧ - ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ أي أعتصم بك أن أسألك بعد الآن ما ليس لي به علم صحيح أنه جائز ولائق ﴿وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي﴾ ما فرط مني في ذلك ﴿وَتَرْحَمْنِي﴾ بقبول توبتي ﴿أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ أعمالا. ﴿قِيلَ يا نُوحُ اِهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤٨) ٤٨ - ﴿قِيلَ يا نُوحُ اِهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ منه تعالى، وهو السلام الروحاني من كل كرب، والسلام المادي من كل مكروه ﴿وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ وهي الخيرات النامية ﴿وَعَلى أُمَمٍ﴾ تنشأ ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ تتشعب وتتناسل منهم ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الحياة الدنيا ﴿ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ في الدنيا أو في الآخرة، ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (٤٩) ٤٩ - ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ﴾ وهي قصة نوح تعلمها عن طريق الوحي، وفيه إشارة لقوله تعالى ﴿أَمْ يَقُولُونَ اِفْتَراهُ﴾ الآية (٣٥)﴾، وقد ذكر الرازي أنه وإن كانت قصة نوح معروفة بين العرب بوجه الإجمال قبل نزول الوحي القرآني فمن المؤكد أن التفاصيل لم تكن معلومة: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا﴾ الوحي ﴿فَاصْبِرْ﴾ أيها النبي على مشاق تبليغ الرسالة وعلى أذى قومك كما صبر نوح من قبل ﴿إِنَّ الْعاقِبَةَ﴾ بالظفر في الدنيا والفوز في الآخرة ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين يتقون سوء العاقبة باتقاء ما يفسد العقائد والأخلاق، ويتبعون سننه تعالى المطردة في الخلق المؤدية إلى ارتقاء الأمم والأفراد والمشار إليها في الكتاب والسنة الشريفة،

стр. 905

﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُفْتَرُونَ﴾ (٥٠) ٥٠ - ﴿وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً﴾ أي وأرسلنا إلى قوم عاد نبيّا منهم، وهو النبي هود، وأخاهم بمعنى رجل منهم، سكن قوم عاد أرض الأحقاف الممتدة من حضرموت إلى عمان وامتد ملكهم شمالا، ولمزيد من تفصيل بلادهم وتاريخهم انظر شرح آية [الأعراف ٦٥/ ٧]، وقد وردت قصة عاد بتفصيل متعدد وبعبر متنوعة في سور الأعراف، وهود، والشعراء، والأحقاف، ووردت مختصرة وبعبر ومعلومات متممة في سور فصّلت، والذاريات، والقمر، والحاقة، والفجر ﴿قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ﴾ وحده ﴿ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ لا تشركوا بعبادتكم الأصنام والزعماء وأشباههم ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ مُفْتَرُونَ﴾ في زعمكم أن الأصنام تستحق العبادة. ﴿يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (٥١) ٥١ - ﴿يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ ليس لي مطامع دنيوية على بعثتي إليكم ﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أرجو الثواب منه تعالى ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أفلا تستخدمون عقولكم لإدراك صحة ما أدعوكم إليه من التوحيد ونبذ الشرك. ﴿وَيا قَوْمِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ (٥٢) ٥٢ - ﴿وَيا قَوْمِ اِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ من ذنوبكم ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ بعدم العودة إليها ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً﴾ بالمطر الوفير، وكثرة النعم ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ﴾ يزدكم قوة بإيمانكم، إضافة إلى قواكم المادية ﴿وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ تصبحون مجرمين بتوليكم عن رسالة النبوّة،

стр. 906

﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٥٣) ٥٣ - ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ بحجة كافية لإقناعنا بما تدّعي من النبوّة، وسمّيت الحجّة بيّنة لأنها تبيّن الحق من الباطل، وقولهم هذا ناتج من فرط عنادهم، أو عماهم عن الحق، أو أنهم لطفولتهم العقلية يرغبون بمعجزة مادية تلمسها حواسهم، وفي ذلك إشارة للبينة المذكورة بالآية (١٧) التي يتمتع بها سليمو الفطرة، ﴿وَما نَحْنُ بِتارِكِي﴾ عبادة ﴿آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي بناء على قولك ﴿وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ إمعانا منهم في إنكار النبوّة، وإصرارا على التقليد والجمود والجحود. ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اِعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاِشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ (٥٤) ٥٤ - ﴿إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اِعْتَراكَ﴾ أصابك ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ زعموا أنّ استخفافه بآلهتهم أدّى بها أن تصيبه بالجنون ﴿قالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللهَ وَاِشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ وبذلك رفض هود زعمهم أنّ آلهتهم أصابته بأي سوء، بل على النقيض فهي لا تقدر على شيء وهو لذلك يتبرّأ منها. ﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ (٥٥) ٥٥ - ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تشركون من دون الله تعالى ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً﴾ تحدّاهم أن يفعلوا ما باستطاعتهم لإيذائه، ثقة منه أنه في حفظ الله ورعايته، وقد يكون الخطاب لهم ولآلهتهم التي زعموا أنها اعترته بسوء ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ الإنظار من النظرة وهي الإمهال والتأجيل، والمعنى لا تؤجّلون ما أنتم بصدده من إيذائي، مبالغة منه في الثقة بما هو عليه من الصواب ومن الرعاية الإلهية، وفي الآية التالية يبدي السبب في عدم اكتراثه بكيدهم: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾

стр. 907

٥٦ - ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ وهو السبب في استخفافه ﵇ بكيدهم ومكرهم السيئ ﴿ما مِنْ دَابَّةٍ إِلاّ هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾ فليس من كائن حيّ من لا يستمدّ وجوده بالكلية من الله تعالى، وليس من كائن حي إلا وهو تحت القدرة العلوية الكاملة، والناصية مقدم شعر الرأس والعرب تكنّي به عن تمام الخضوع والاستسلام، ولذا خوطبوا بما تعارفوا عليه ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فهو يقضي دوما وفق الحق والعدل بصورة مطلقة، فلا يفلت الظالم من عاقبة عمله، ولا يفوت المحسن ثواب إحسانه، إن في الدنيا أو الآخرة، لأنّ الدنيا والآخرة مرحلتان من مراحل حياة الإنسان، والحياة تقاس بهما معا. ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (٥٧) ٥٧ - ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ تتولّوا عن دعوتي ﴿فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ﴾ أي أنّ مهمة الرسول مقتصرة على البلاغ وقد تمّت، وبالتالي لم يعد من عذر لهم بالجهل ﴿وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ يكونون أفضل منكم باستخدام عقولهم، وتكون بذلك نهاية قومه ﴿وَلا تَضُرُّونَهُ شَيْئاً﴾ البشرية بحاجة إلى هداه وهو تعالى غني عن العالمين ﴿إِنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ رقيب محيط بشؤون العباد. ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ (٥٨) ٥٨ - ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ وهو الريح العاتية المشار إليها في سورة [القمر ١٩/ ٥٤ - ٢٠]، وسورة [الحاقة ٦/ ٦٩ - ٩]، ﴿نَجَّيْنا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ برحمة منه تعالى خاصة بهم ﴿وَنَجَّيْناهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ غير معهود لشدة فظاعته، وقيل هو عذاب الآخرة. ﴿وَتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاِتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ (٥٩) ٥٩ - ﴿وَتِلْكَ عادٌ﴾ إشارة إلى قبورهم وآثارهم ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ كذّبوا بالدلائل الواضحة عنادا في الظاهر دون الباطن، استكبارا وعلوّا

стр. 908

﴿وَعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ بعصيانهم هود، لأن الرسل تأتي برسالة واحدة متكاملة ﴿وَاِتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ وهم العوام والدهماء اتبعوا أمر الزعماء والرؤساء الطغاة بتقليدهم والخضوع لهم، والعنيد من يدرك الحق ويرفضه. ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ (٦٠) ٦٠ - ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ اللعنة هي الإبعاد من رحمة الله ﴿أَلا إِنَّ عاداً كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ بجحود الآيات وتكذيب الرسل ﴿أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ لأنهم استوجبوا ما لحق بهم من العذاب كنتيجة طبيعية لكفرهم. ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاِسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ (٦١) ٦١ - وهذه هي القصة الثالثة من قصص الأنبياء المذكورة في هذه السورة: ﴿وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً﴾ معطوف على قبله الآية (٥٠)﴾، ولتفاصيل المناطق التي سكنتها ثمود راجع شرح آية [الأعراف ٧٤/ ٧]، وقد وردت قصة ثمود بتفصيل متنوع وبعبر مختلفة في سور الأعراف، وهود، والشعراء، والنمل، ووردت باختصار وبمعلومات وعبر متممة في سور الإسراء، وفصّلت، والذاريات، والقمر، والحاقة، والشمس ﴿قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ دعوته لهم إلى التوحيد ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ بدأ خلقكم منها ﴿وَاِسْتَعْمَرَكُمْ فِيها﴾ جعلكم عمّارها وسكانها، وهو الممدّكم بأسباب العمران والنعم، وذلك من الأدلّة على وجود الخالق وعلى وحدانيته إذ كرّم الإنسان بالعقل وبالمقدرة على التصرّف ﴿فَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ من الشرك ومن ذنوبكم ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ ارجعوا إليه كلما وقع منكم ذنب أو خطأ، ولا تعودوا إلى ما أنتم عليه من الشرك والضلال ﴿إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ قريب من عباده ﴿مُجِيبٌ﴾ لدعاء السائلين، فلا يخفى عليه استغفاركم وتوبتكم.

стр. 909

﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (٦٢) ٦٢ - ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا﴾ فيما بيننا ﴿مَرْجُوًّا﴾ كنّا نرجو منك خيرا ورشدا ورأيا، فلما دعوتنا انقطع رجاؤنا وخاب ظننا فيك ﴿قَبْلَ هذا﴾ الذي باشرته من الدعوة إلى التوحيد وترك عبادة الآلهة والأصنام ﴿أَتَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الآلهة والأصنام؟ والمعنى هم متمسكون بالتقليد ووجوب متابعة الآباء والأجداد على ما كانوا عليه، ويرفضون التفكير بشكل مستقل ﴿وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ الريبة هي قلق النفس وانتفاء الطمأنينة باليقين، والمعنى إننا في شك يجعلنا نرتاب في دعواك أن لا إله إلا الله، وأن لا فائدة من الأصنام، ولا سلطة عند الوسطاء من المؤلّهين. ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ (٦٣) ٦٣ - ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني ﴿إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ على يقين وحجّة شديدة الوضوح بالحقيقة ﴿مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً﴾ النبوّة والحكمة والإسلام، كما في الآية ٢٨، ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ فيدفع عني عذابه، إن تابعتكم على ما تقولون وانقدت لكم ﴿فَما تَزِيدُونَنِي﴾ بعذركم أنكم تعبدون ما كان يعبد آباؤكم ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أخسر نفسي وتخسرون أنفسكم بالإصرار على التقليد وبإنكار البيّنة، ﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ (٦٤) ٦٤ - ﴿وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللهِ لَكُمْ آيَةً﴾ إشارة أو معجزة، وقوله ناقة الله بمعنى أن الخلق كله لله كما يقال عبد الله وأرض الله، وقيل لأنه لم يكن للناقة مالك من الناس ﴿فَذَرُوها﴾ دعوها ﴿تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللهِ﴾ فليس عليكم مؤنتها، إذ تنفعكم ولا تضرّكم، وقد يكون أنّ النبي صالح جعلها في حمايتهم اختبارا أخيرا

стр. 910

لهم - وإن كان رمزيّا - وليعلم إن كانوا سيعاملون الناقة المكتفية المسالمة بالرأفة أم بالقسوة، كرمز لتغيّر ما بأنفسهم ﴿وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ فضلا عن العقر والقتل ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ عاجل في الحياة الدنيا. ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (٦٥) ٦٥ - ﴿فَعَقَرُوها﴾ قتلوها بطريقة وحشية بضرب قوائمها - وهو معنى العقر - غير مبالين بالوعيد ﴿فَقالَ﴾ لهم صالح ﴿تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ﴾ عيشوا في بلادكم ﴿ثَلاثَةَ أَيّامٍ﴾ أخر ﴿ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ يأتيكم العذاب بعده لا محالة. ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ﴾ (٦٦) ٦٦ - ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ بهلاكهم ﴿نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ﴾ خاصة ﴿مِنّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ وما يتبعه من سوء الذكر ولعنة الإبعاد من رحمته تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ﴾ لا يعجزه إنجاز وعده ﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالب على أمره. ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (٦٧) ٦٧ - ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وفي آية [الأعراف ٧٨/ ٧] أنّها الرجفة، ويحتمل أنها صوت انفجار البراكين التي رافقت الزلازل، وفي جميع الأحوال فهي صيحة العذاب أو العقاب ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ هامدين موتى بلا حراك. ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ﴾ (٦٨) ٦٨ - ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ كأنهم في سرعة زوالهم وعدم بقاء أحد منهم في ديارهم، لم يقيموا فيها البتة ﴿أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ بتكذيب الآيات ﴿أَلا بُعْداً لِثَمُودَ﴾ بما استوجبوه لأنفسهم من سوء العاقبة.

стр. 911

﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (٦٩) ٦٩ - وهي القصة الرابعة بعد قصص نوح وعاد وثمود، وجرى تقدمة قصة لوط بالكلام عن إبراهيم، لأنه جادل عن قوم لوط (الآيات ٧٤ - ٧٥)، شعورا منه بالمسؤولية ليس فقط تجاه عائلته وقومه الأقربين، بل تجاه القوم الذي لم تربطه بهم سوى علاقة غير مباشرة بواسطة ابن أخيه لوط: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ﴾ وهم من الملائكة ﴿بِالْبُشْرى﴾ بالولد من زوجته سارة كما سيأتي ﴿قالُوا سَلاماً﴾ أي قالوا قولا سلاما ﴿قالَ سَلامٌ﴾ سلام عليكم ﴿فَما لَبِثَ﴾ أي فما أبطأ إبراهيم في واجب الضيافة ظنّا منه أنهم من البشر ﴿أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ حنيذ بمعنى مشوي بحجارة حامية في حفرة من الأرض، وهي طريقة في الشواء معروفة عند أهل البادية. ﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ (٧٠) ٧٠ - ﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ لا يمدّون أيديهم إلى العجل، أو إلى الطعام ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم إذ وجده على غير ما يعهد من الضيف ﴿وَأَوْجَسَ﴾ استشعر وأدرك ﴿مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ لأنّ إبراهيم حتى تلك اللحظة لم يدرك أنهم ملائكة، فلمّا امتنعوا عن الأكل خاف أن يريدوا به مكروها، لأنّ الضيف عند العرب لا يمتنع عن طعام إلاّ لريبة أو لقصد سيئ، فلمّا لاحظوا منه الخوف: ﴿قالُوا لا تَخَفْ إِنّا﴾ ملائكة لا نأكل ﴿أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أرسلنا إليهم بالعذاب. ﴿وَاِمْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ (٧١) ٧١ - ﴿وَاِمْرَأَتُهُ﴾ سارة ﴿قائِمَةٌ﴾ أي واقفة، ولعلّ وقوفها لخدمة الضيوف ﴿فَضَحِكَتْ﴾ لزوال الخوف عنها بعدما سمعت أنهم ملائكة لا يريدون بها وبزوجها سوءا ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ يكون لإسحاق ولد أيضا هو يعقوب.

стр. 912

﴿قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (٧٢) ٧٢ - ﴿قالَتْ يا وَيْلَتى﴾ من الويل، وأصله الخزي، ويستعمل في كل أمر فظيع، والمراد تعجبها من البشارة، وقد يكون ذلك تعبيرا عن خشيتها أن تكون البشارة وهما، خاصة لعقمها على مدى السنين ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ قيل كانت ابنة تسعين سنة ﴿وَهذا﴾ الذي أمامكم ﴿بَعْلِي﴾ زوجي، وأصل البعل القائم بالأمر، ولذلك سمّى العرب معبودهم بعلا لاعتقادهم ذلك فيه، انظر آية [الصافّات ١٢٥/ ٣٧]، ﴿شَيْخاً﴾ تجاوز مئة سنة ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ليس من سنة الله تعالى المعتادة في عباده. ﴿قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (٧٣) ٧٣ - ﴿قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ استفهام إنكار، أي لا ينبغي لك أن تعجبي من شيء هو من أمر الله الذي لا يعجزه شيء، والذي إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ رحمة الله الخاصة وبركاته الكثيرة عليكم يا معشر أهل بيت النبوة والرسالة، تتصل فيكم وفي ذريتكم من أهل النبوة والرسالة ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ مستوجب لأنواع الحمد والثناء ﴿مَجِيدٌ﴾ كثير الخير والإحسان. ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ (٧٤) ٧٤ - بداية لقصة لوط التي جرى التقدمة لها بالحديث عن إبراهيم: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ إذ علم أن ضيوفه من الرسل ﴿وَجاءَتْهُ الْبُشْرى﴾ بإسحاق ويعقوب من جهة، وبرحمة الله وبركاته عليه وعلى أهل بيته من النبوة من جهة ثانية ﴿يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ يجادل الرسل في مصير قوم لوط، ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ بطيء الغضب، لا يحب المعاجلة بالعقاب، بل يفضّل التأنّي والتأخير والعفو، وذلك موضوع مجادلته في قوم لوط ﴿أَوّاهٌ﴾ لأنّ الحليم يتأوّه إذا شاهد وصول الشدائد إلى الآخرين لشدة شفقته ورقة قلبه

стр. 913

﴿مُنِيبٌ﴾ يرجع إلى الله في كلّ أمر، وهذه الصفات من الحلم والتأوه والشفقة والإنابة تعليل لمجادلته الرسل في مصير قوم لوط. ﴿يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ (٧٦) ٧٦ - ﴿يا إِبْراهِيمُ﴾ خطاب الملائكة له ﴿أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ الجدال والاسترحام لهم ﴿إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ المقدّر لهم بإصرارهم على الفسق ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ لا يردّه جدال، ولا تنفع به شفاعة، فهو عذاب واقع ما له من دافع. ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ (٧٧) ٧٧ - ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً﴾ بعد ذهابهم من عند إبراهيم ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أي شعر بالسوء لمجيئهم، خوفا عليهم من قومه ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ أي طاقة وجهدا، بمعنى عجزه عن ضيافتهم ﴿وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أي شديد البلاء، لما توقّعه من اعتداء قومه الفسّاق على ضيوفه، قبل أن يعلم أنهم ملائكة. ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (٧٨) ٧٨ - ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ مسرعين إليه بعد أن علموا بقدوم أضيافه، كأنهم يدفعون دفعا لطلب الفاحشة لأن هذه كانت عادتهم لقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يعملون أنكر الفواحش في الفطرة البشرية، وهي إتيان الرجال شهوة من دون النساء والمجاهرة بها حتى قلّ عندهم استقباحها ﴿قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي﴾ فتزوجوهنّ، ويحتمل أنه قصد بناته من صلبه، فأراد أن يقي أضيافه ببناته وذلك غاية الكرم، ويحتمل أنه قصد بنات قومه إذ كان نبيا لهم فهو كالأب لهم ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ من التلوث برجس اللواط، فتزوّجوا البنات ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ باجتناب الفاحشة ﴿وَلا تُخْزُونِ فِي﴾

стр. 914

﴿ضَيْفِي﴾ في حقّ ضيوفي لأن فضيحة الضيف فضيحة للمضيف ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ذو رشد، يمتنع ويمنع عن هذا العمل الرديء. ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ (٧٩) ٧٩ - ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ لا معنى لعرضك صرفنا عما نريد من ضيفك، ولا حاجة في اللواتي تسميهنّ بناتك، لأن طبعنا لا يميل إليهنّ ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من الفاحشة مع الذكور. ﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (٨٠) ٨٠ - ﴿قالَ﴾ لوط وهو في غاية الكرب ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ فأدفع شرّكم ﴿أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ فأتحصّن منكم، لأنه لم يكن منهم، وإنما هم قومه بمعنى أنه بعث إليهم، جاء مع عمّه إبراهيم، ﵇، من أور كلدان في العراق، وهو غريب بينهم. ﴿قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (٨١) ٨١ - ﴿قالُوا﴾ أي الملائكة، لمّا شاهدوه في حالة من الحزن والكرب: ﴿يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ من الملائكة، وهي البشارة الأولى ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ بسوء، وهي البشارة الثانية ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي في بعض الليل، والسري السير ليلا ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ الالتفات نظر الإنسان إلى ما ورائه، والمعنى قطع الصلة بكل ما يخلفونه وراءهم من ممتلكات وأصحاب، وعدم الاكتراث بها، ويحتمل المعنى أيضا النهي عن التخلف، أي لا يتخلّف منكم أحد، وتقدير الخطاب: فأسر بأهلك ﴿إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ﴾ دعها تتخلف مع القوم، لخيانتها ولتعلقها بهم ﴿إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ﴾ من العذاب، وقوله ﴿أَصابَهُمْ﴾ بالماضي لأنّ وقوعه أصبح قدرا مقدورا، فكأنه وقع ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ وهو موعد عذابهم، يبدأ بطلوع الفجر وينتهي بالشروق ﴿أَلَيْسَ﴾

стр. 915

﴿الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ فلم يبقّ له إلاّ ليلة واحدة، وحكمته أنهم يكونون مجتمعين في مساكنهم فلا يفلت منهم أحد. ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ (٨٢) ٨٢ - ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ وهو قضاؤه تعالى فيهم ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ قلبنا أرضها وقراها ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ السجّيل من السجلّ، وهو الكتاب، تقديره مكتوب من الأزل في علم الله القديم، ومنضود بمعنى أنّ تلك الحجارة كان بعضها فوق بعض في النزول، وسجّيل أيضا سجّين، من النار، فتكون حجارة من الحمم البركانية تبعتها الزلازل خسفت بهم الأرض، وجعلت عاليها سافلها، ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (٨٣) ٨٣ - ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ لها علامة خاصة في علم ربّك، فلا تصيب غير أصحابها ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ يعني بهم كفار مكة في وقته، وموقعها قريب منهم يمروّن به في أثناء تجارتهم إلى بلاد الشام، وهي أيضا عبرة لكل الأقوام الظالمة في كل زمان، وإن كان العذاب يختلف باختلاف الأحوال. ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ (٨٤) ٨٤ - ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ وهي القصة الخامسة، وردت في القرآن الكريم مفصلة وبعبر متنوعة في سورتي الأعراف وهود، كما أشير إليها بإيجاز لبيان عبر أخرى في سور التوبة، طه، الحج، القصص، والعنكبوت، انظر شرح آية [الأعراف ٨٥/ ٧] للتفاصيل عن أهل مدين، ونبيهم شعيب ﴿قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ وهي دعوة التوحيد التي يبدأ بها كل الأنبياء والرسل دعوتهم ﴿وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ﴾ في تجارتكم، وها هنا نلحظ اقتران الدعوة إلى التوحيد، مع الدعوة إلى العدالة في تعامل الناس بعضهم مع بعض، وهما دعوتان توأمان، لا تنفك إحداهما عن الأخرى في القرآن الكريم بغض
следующие страницы →