← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ (٦٩) ٦٩ - وهي القصة الرابعة بعد قصص نوح وعاد وثمود، وجرى تقدمة قصة لوط بالكلام عن إبراهيم، لأنه جادل عن قوم لوط (الآيات ٧٤ - ٧٥)، شعورا منه بالمسؤولية ليس فقط تجاه عائلته وقومه الأقربين، بل تجاه القوم الذي لم تربطه بهم سوى علاقة غير مباشرة بواسطة ابن أخيه لوط: ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ﴾ وهم من الملائكة ﴿بِالْبُشْرى﴾ بالولد من زوجته سارة كما سيأتي ﴿قالُوا سَلاماً﴾ أي قالوا قولا سلاما ﴿قالَ سَلامٌ﴾ سلام عليكم ﴿فَما لَبِثَ﴾ أي فما أبطأ إبراهيم في واجب الضيافة ظنّا منه أنهم من البشر ﴿أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ حنيذ بمعنى مشوي بحجارة حامية في حفرة من الأرض، وهي طريقة في الشواء معروفة عند أهل البادية. ﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ (٧٠) ٧٠ - ﴿فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ﴾ لا يمدّون أيديهم إلى العجل، أو إلى الطعام ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أنكر ذلك منهم إذ وجده على غير ما يعهد من الضيف ﴿وَأَوْجَسَ﴾ استشعر وأدرك ﴿مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ لأنّ إبراهيم حتى تلك اللحظة لم يدرك أنهم ملائكة، فلمّا امتنعوا عن الأكل خاف أن يريدوا به مكروها، لأنّ الضيف عند العرب لا يمتنع عن طعام إلاّ لريبة أو لقصد سيئ، فلمّا لاحظوا منه الخوف: ﴿قالُوا لا تَخَفْ إِنّا﴾ ملائكة لا نأكل ﴿أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ أرسلنا إليهم بالعذاب. ﴿وَاِمْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ (٧١) ٧١ - ﴿وَاِمْرَأَتُهُ﴾ سارة ﴿قائِمَةٌ﴾ أي واقفة، ولعلّ وقوفها لخدمة الضيوف ﴿فَضَحِكَتْ﴾ لزوال الخوف عنها بعدما سمعت أنهم ملائكة لا يريدون بها وبزوجها سوءا ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ يكون لإسحاق ولد أيضا هو يعقوب.

стр. 912

﴿قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ (٧٢) ٧٢ - ﴿قالَتْ يا وَيْلَتى﴾ من الويل، وأصله الخزي، ويستعمل في كل أمر فظيع، والمراد تعجبها من البشارة، وقد يكون ذلك تعبيرا عن خشيتها أن تكون البشارة وهما، خاصة لعقمها على مدى السنين ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ قيل كانت ابنة تسعين سنة ﴿وَهذا﴾ الذي أمامكم ﴿بَعْلِي﴾ زوجي، وأصل البعل القائم بالأمر، ولذلك سمّى العرب معبودهم بعلا لاعتقادهم ذلك فيه، انظر آية [الصافّات ١٢٥/ ٣٧]، ﴿شَيْخاً﴾ تجاوز مئة سنة ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ليس من سنة الله تعالى المعتادة في عباده. ﴿قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ (٧٣) ٧٣ - ﴿قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ﴾ استفهام إنكار، أي لا ينبغي لك أن تعجبي من شيء هو من أمر الله الذي لا يعجزه شيء، والذي إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴿رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ رحمة الله الخاصة وبركاته الكثيرة عليكم يا معشر أهل بيت النبوة والرسالة، تتصل فيكم وفي ذريتكم من أهل النبوة والرسالة ﴿إِنَّهُ حَمِيدٌ﴾ مستوجب لأنواع الحمد والثناء ﴿مَجِيدٌ﴾ كثير الخير والإحسان. ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ (٧٤) ٧٤ - بداية لقصة لوط التي جرى التقدمة لها بالحديث عن إبراهيم: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ إذ علم أن ضيوفه من الرسل ﴿وَجاءَتْهُ الْبُشْرى﴾ بإسحاق ويعقوب من جهة، وبرحمة الله وبركاته عليه وعلى أهل بيته من النبوة من جهة ثانية ﴿يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ يجادل الرسل في مصير قوم لوط، ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ بطيء الغضب، لا يحب المعاجلة بالعقاب، بل يفضّل التأنّي والتأخير والعفو، وذلك موضوع مجادلته في قوم لوط ﴿أَوّاهٌ﴾ لأنّ الحليم يتأوّه إذا شاهد وصول الشدائد إلى الآخرين لشدة شفقته ورقة قلبه

стр. 913

﴿مُنِيبٌ﴾ يرجع إلى الله في كلّ أمر، وهذه الصفات من الحلم والتأوه والشفقة والإنابة تعليل لمجادلته الرسل في مصير قوم لوط. ﴿يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ (٧٦) ٧٦ - ﴿يا إِبْراهِيمُ﴾ خطاب الملائكة له ﴿أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ الجدال والاسترحام لهم ﴿إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ المقدّر لهم بإصرارهم على الفسق ﴿وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ لا يردّه جدال، ولا تنفع به شفاعة، فهو عذاب واقع ما له من دافع. ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ (٧٧) ٧٧ - ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً﴾ بعد ذهابهم من عند إبراهيم ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أي شعر بالسوء لمجيئهم، خوفا عليهم من قومه ﴿وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ أي طاقة وجهدا، بمعنى عجزه عن ضيافتهم ﴿وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ أي شديد البلاء، لما توقّعه من اعتداء قومه الفسّاق على ضيوفه، قبل أن يعلم أنهم ملائكة. ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ (٧٨) ٧٨ - ﴿وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ مسرعين إليه بعد أن علموا بقدوم أضيافه، كأنهم يدفعون دفعا لطلب الفاحشة لأن هذه كانت عادتهم لقوله: ﴿وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ يعملون أنكر الفواحش في الفطرة البشرية، وهي إتيان الرجال شهوة من دون النساء والمجاهرة بها حتى قلّ عندهم استقباحها ﴿قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي﴾ فتزوجوهنّ، ويحتمل أنه قصد بناته من صلبه، فأراد أن يقي أضيافه ببناته وذلك غاية الكرم، ويحتمل أنه قصد بنات قومه إذ كان نبيا لهم فهو كالأب لهم ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ من التلوث برجس اللواط، فتزوّجوا البنات ﴿فَاتَّقُوا اللهَ﴾ باجتناب الفاحشة ﴿وَلا تُخْزُونِ فِي﴾

стр. 914

﴿ضَيْفِي﴾ في حقّ ضيوفي لأن فضيحة الضيف فضيحة للمضيف ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ذو رشد، يمتنع ويمنع عن هذا العمل الرديء. ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ (٧٩) ٧٩ - ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾ لا معنى لعرضك صرفنا عما نريد من ضيفك، ولا حاجة في اللواتي تسميهنّ بناتك، لأن طبعنا لا يميل إليهنّ ﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ من الفاحشة مع الذكور. ﴿قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (٨٠) ٨٠ - ﴿قالَ﴾ لوط وهو في غاية الكرب ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ فأدفع شرّكم ﴿أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ فأتحصّن منكم، لأنه لم يكن منهم، وإنما هم قومه بمعنى أنه بعث إليهم، جاء مع عمّه إبراهيم، ﵇، من أور كلدان في العراق، وهو غريب بينهم. ﴿قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ (٨١) ٨١ - ﴿قالُوا﴾ أي الملائكة، لمّا شاهدوه في حالة من الحزن والكرب: ﴿يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ من الملائكة، وهي البشارة الأولى ﴿لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ بسوء، وهي البشارة الثانية ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾ أي في بعض الليل، والسري السير ليلا ﴿وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ﴾ الالتفات نظر الإنسان إلى ما ورائه، والمعنى قطع الصلة بكل ما يخلفونه وراءهم من ممتلكات وأصحاب، وعدم الاكتراث بها، ويحتمل المعنى أيضا النهي عن التخلف، أي لا يتخلّف منكم أحد، وتقدير الخطاب: فأسر بأهلك ﴿إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ﴾ دعها تتخلف مع القوم، لخيانتها ولتعلقها بهم ﴿إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ﴾ من العذاب، وقوله ﴿أَصابَهُمْ﴾ بالماضي لأنّ وقوعه أصبح قدرا مقدورا، فكأنه وقع ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ وهو موعد عذابهم، يبدأ بطلوع الفجر وينتهي بالشروق ﴿أَلَيْسَ﴾

стр. 915

﴿الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ فلم يبقّ له إلاّ ليلة واحدة، وحكمته أنهم يكونون مجتمعين في مساكنهم فلا يفلت منهم أحد. ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ (٨٢) ٨٢ - ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ وهو قضاؤه تعالى فيهم ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ قلبنا أرضها وقراها ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ السجّيل من السجلّ، وهو الكتاب، تقديره مكتوب من الأزل في علم الله القديم، ومنضود بمعنى أنّ تلك الحجارة كان بعضها فوق بعض في النزول، وسجّيل أيضا سجّين، من النار، فتكون حجارة من الحمم البركانية تبعتها الزلازل خسفت بهم الأرض، وجعلت عاليها سافلها، ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (٨٣) ٨٣ - ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ﴾ لها علامة خاصة في علم ربّك، فلا تصيب غير أصحابها ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ يعني بهم كفار مكة في وقته، وموقعها قريب منهم يمروّن به في أثناء تجارتهم إلى بلاد الشام، وهي أيضا عبرة لكل الأقوام الظالمة في كل زمان، وإن كان العذاب يختلف باختلاف الأحوال. ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ (٨٤) ٨٤ - ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ وهي القصة الخامسة، وردت في القرآن الكريم مفصلة وبعبر متنوعة في سورتي الأعراف وهود، كما أشير إليها بإيجاز لبيان عبر أخرى في سور التوبة، طه، الحج، القصص، والعنكبوت، انظر شرح آية [الأعراف ٨٥/ ٧] للتفاصيل عن أهل مدين، ونبيهم شعيب ﴿قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ وهي دعوة التوحيد التي يبدأ بها كل الأنبياء والرسل دعوتهم ﴿وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ﴾ في تجارتكم، وها هنا نلحظ اقتران الدعوة إلى التوحيد، مع الدعوة إلى العدالة في تعامل الناس بعضهم مع بعض، وهما دعوتان توأمان، لا تنفك إحداهما عن الأخرى في القرآن الكريم بغض

стр. 916

النظر عن قصة شعيب بالذات مع قومه، وبعبارة أخرى أنه لا يمكن للمرء أن يكون تقيا مع الخالق دون أن يكون تقيا مع إخوانه من بني البشر ﴿إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ﴾ بما أفاض الله تعالى عليكم من نعمه ظاهرة وباطنة ﴿وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ﴾ إن عصيتم ﴿عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ يحيط عذابه بكم فلا تنفكّون عنه في الدنيا أو الآخرة، أو كليهما. ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (٨٥) ٨٥ - ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل، فبعد أن نهاهم عن نقص المكيال والميزان، أمرهم بالوفاء به بالعدل، تأكيدا لأهمية الناحية الأخلاقية في رسالته ﴿وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ﴾ في كل شيء، وفي كل الأمور، ماديا ومعنويا، وليس فقط في المكيال والميزان، والبخس هو النقص والعيب في الحقوق المادية والمعنوية ﴿وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ لا تفسدوا في الأرض بقصد الفساد، ولا تفسدوا دنياكم وآخرتكم. ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ (٨٦) ٨٦ - ﴿بَقِيَّتُ اللهِ﴾ ثواب التقوى والعمل الصالح عند الله ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الفساد والإفساد، وما يبقى لكم من الربح الحلال بعد الوفاء بالحقوق، خير مما تأخذونه بالحرام والظلم ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ بالله تعالى ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ فأحفظكم من هذه المعاصي أو أعاقبكم عليها، وإنما بعثت مبلّغا نذيرا. ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (٨٧) ٨٧ - ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ من الأصنام والأوثان، لأنهم متمسكون بمحض التقليد وبما توارثوه عن آبائهم من الشرك ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا﴾ من استغلال وربا واحتيال، وهو حجر على حريتنا، وتحكّم في ذكائنا وفي طريقة استخدام أموالنا ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾

стр. 917

عهدناك وعرفناك حليما رشيدا، فكيف يليق بك مع حلمك ورشدك أن تنهانا عن دين آبائنا؟ وكيف تحظر علينا استغلال أموالنا بالشكل الذي نراه مناسبا؟ وهو مثال على التنازع بين المستغلين من رجال المال وبين دعاة الإصلاح. ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ (٨٨) ٨٨ - ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني عن رأيكم ﴿إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ إن كنت على بيّنة عقلية ظاهرة منه تعالى، تبيّن الحق من الباطل (الآية ١٧)، ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ وهو أولا الرزق المعنوي بمعنى النبوّة والوحي، وثانيا الرزق الحسّي المادي ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ بل أفعل ما آمركم به وأنتهي عما أنهاكم عنه ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اِسْتَطَعْتُ﴾ بقدر طاقتي، بالبلاغ والإنذار، أما الإجبار والإكراه على الإيمان فلا أقدر عليه ﴿وَما تَوْفِيقِي﴾ للصواب ﴿إِلاّ بِاللهِ﴾ بحول الله وقوته، وليس بحولي ولا بقوّتي ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ وحده دون غيره ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أعود، فلا مرجع للخلق إلاّ إليه. ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ (٨٩) ٨٩ - ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي﴾ لا تكسبوا جرما نتيجة شقاقي، والشقاق شدة الخلاف التي تجعل أحد المختلفين في شقّ غير الذي يكون فيه الآخر ﴿أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ من عذاب الدنيا والآخرة بنتيجة تكذيبهم رسلهم ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ زمانا ومكانا. ﴿وَاِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ (٩٠) ٩٠ - ﴿وَاِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ من الشرك والفساد ﴿ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ من المعاصي، وكلما وقع منكم معصية ﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ﴾ عظيم الرحمة للمستغفرين التائبين، كثير المودة لهم بإحسانه وكرمه ونعمه.

стр. 918

﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ (٩١) ٩١ - ﴿قالُوا﴾ على سبيل السخرية ﴿يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ﴾ ما نفهم ﴿كَثِيراً مِمّا تَقُولُ﴾ بعد أن أفحمهم شعيب بالحجج والموعظة ضاقت عليهم الأمور، حتى زعموا أن أكثر كلام شعيب غير مفهوم، قالوا ذلك ضجرا واستهانة، وتمسكا بالتقليد، وبمكاسبهم الدنيوية العاجلة، وقد يكون أنهم قالوا ذلك مخادعين أنفسهم، وهذا شأن كل المقلدين المتعصبين المغلقين عقولهم سلفا على ما بها من عقائد وأفكار مسبقة ﴿وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً﴾ لا قدرة لك على دفع الضرر عن نفسك إن أردنا البطش بك ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ﴾ عشيرتك الأقربين ﴿لَرَجَمْناكَ﴾ لقتلناك رجما بالحجارة ﴿وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ لست بذي عزّة تحول بيننا وبين أن نرجمك. ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاِتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٩٢) ٩٢ - ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ﴾ فالله تعالى أولى أن يتّبع أمره ﴿وَاِتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ نسيتم أمر الله ونبذتموه وراء ظهوركم ﴿إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ محيط بأعمالكم لا تخفى عليه. ﴿وَيا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَاِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ (٩٣) ٩٣ - ﴿وَيا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ اعملوا كل ما في إمكانكم وطاقتكم ﴿إِنِّي عامِلٌ﴾ وأنا أعمل كل ما في طاقتي لدعوة الناس إلى التوحيد والأمر بالمعروف والنهي عن الفساد ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ في نهاية المطاف ﴿وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ﴾ بيننا ﴿وَاِرْتَقِبُوا﴾ انتظروا العاقبة ﴿إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ منتظر ومترقّب.

стр. 919

﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ (٩٤) ٩٤ - ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا﴾ وهو قضاؤه تعالى ﴿نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ برحمة خاصة بهم دون غيرهم من المكذّبين ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ موتى بلا حراك، ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ (٩٥) ٩٥ - ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أي كأن لم يقيموا فيها وقتا من الأوقات ﴿أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ هلاكا لهم وبعدا من رحمة الله، كما عوقبت ثمود بالهلاك وبالبعد من الرحمة الإلهية. ونلاحظ أن قصص النبيين الموصوفة بالآيات (٥٠ - ٩٥) مفصّلة للمشار إليها بآية [يونس ٧٤/ ١٠]. ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ (٩٦) ٩٦ - ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا﴾ بالمعجزات البينة الواضحة ﴿وَسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ الحجة البالغة في محاورة موسى مع فرعون، وهذه القصة السادسة في السورة ترد بإيجاز شديد، راجع أيضا قصة موسى مفصلة في سورة [الأعراف ١٠٣/ ٧ - ١٤٤]، وقد وردت أيضا بتفاصيل وعبر منوّعة في سور يونس، وهود، والإسراء، وطه، والشعراء، والنمل، والقصص، وغافر، والزخرف. ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ (٩٧) ٩٧ - ﴿إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ﴾ الملأ هم كبار القوم وزعماؤهم، وقيل سمّوا ملأ لأنهم أولو الأمر يملؤون الأعين والنفوس في مراكزهم، وتخصيصهم بالذكر لأنهم المعنيّون باتخاذ القرار ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ في ضلاله، جريا وراء مصالحهم وزعاماتهم ﴿وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ لا يرشد إلى خير.

стр. 920

﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ (٩٨) ٩٨ - ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ يتقدّمهم لأنه كان قدوة لهم في الضلال ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ بلفظ الفعل الماضي لتحقق وقوعه قطعا، فلا سبيل إلى دفعه البتة ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ تشبيه الورود إلى الماء عند أهل البادية بالورود إلى النار بدلا من الماء. ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ (٩٩) ٩٩ - ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ﴾ الدنيا ﴿لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ أي هم محرمون من رحمة الله في الدنيا والآخرة ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ لأن اللعنة في الدنيا رفدها العذاب في الآخرة. وتبدو العبرة من قصة موسى في الآيات (٩٦ - ٩٩) واضحة، إذ هي مثال لقوله تعالى في الآية (٥٩): ﴿وَاِتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾، والمعنى أنّ التابعين، في كل زمن، والخاضعين لسلطة أعلى منهم يتحملون مسؤوليتهم الفردية، ولا يعفيهم أنهم اتبعوا الرؤساء والزعماء بشكل أعمى، ومن ثمّ يتحملون عواقب أعمالهم على قدم المساواة مع زعمائهم، وهذه إشارة غير مباشرة إلى ما يتمتع به الإنسان من الحرية الفردية ومن ثمّ مسؤوليته في اختيار طريق الحق من الضلال، وبهذه العبرة الهامة، تختتم في هذه السورة قصص الأنبياء مع أقوامهم الذين اختاروا العمى على الهدى. ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ (١٠٠) ١٠٠ - ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى﴾ أي من أنباء بعض المجتمعات البشرية، و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، لأنه لا يقصد من قصص القرآن الكريم أن تكون تأريخا كاملا للأمم والمجتمعات المذكورة في تلك القصص ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ لإبراز عبر معينة من أنبائها، ولبيان أنماط منوعة من تجاوب بعضها مع الوحي الإلهي ومع الآيات المحيطة بهم، والعواقب التي آلوا إليها نتيجة أعمالهم: ﴿مِنْها قائِمٌ﴾ لا تزال آثارهم قائمة، وهي خاوية على عروشها، كما هي آثار ثمود ﴿وَحَصِيدٌ﴾

стр. 921

ومنها ما عفا عليها الزمن، فلم يبق منها إلاّ كما يبقى من الزرع الذي تم حصاده، كما هي الحال في عاد. ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَمّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ (١٠١) ١٠١ - ﴿وَما ظَلَمْناهُمْ﴾ ما نقصهم تعالى شيئا من النعم التي أسبغها عليهم، ومنها نعمة العقل والفكر وحرية الخيار ﴿وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بجحود النعم، وبإنكار الوحي والآيات، بما في ذلك من ظلم للعقل بتعطيله ﴿فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لم تنفعهم معبوداتهم الوهمية شيئا، ولم تدفع عنهم أمر الله تعالى حين وقوعه ﴿لَمّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ المترتب على ظلمهم أنفسهم ﴿وَما زادُوهُمْ﴾ آلهتهم الوهمية ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ غير الخسران والهلاك. ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (١٠٢) ١٠٢ - ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ المعنى أنّ عاقبة الأقوام المذكورة ليست مقتصرة عليهم، بل الحال كذلك في كل المجتمعات الظالمة، وهو بيان بعموم سوء العاقبة لأمثالها، والمراد بالظلم أنهم جمعوا الكفر والفساد معا (الآية ١١٧)، ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ لا هوادة فيه، ولا مناص عنه. ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ (١٠٣) ١٠٣ - ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ﴾ في أخذه تعالى للأمم التي هلكت بضلالها ﴿لَآيَةً﴾ رسالة لمن بعدهم ممّن يخشون العواقب: ﴿لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ﴾ أي يعتبر بها فيتقي الظلم في الدنيا، ولا يغترّ بعدم تعجيل العذاب عليه في الدنيا، ﴿ذلِكَ﴾ اليوم الذي يقع فيه عذاب الآخرة ﴿يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ لا محالة،

стр. 922

لأجل ما يقع فيه من الحساب المترتّب عليه الجزاء ﴿وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ تشهده جميع الخلائق. ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ (١٠٤) ١٠٤ - ﴿وَما نُؤَخِّرُهُ﴾ لحكمة اقتضت تأخيره، وهو يوم القيامة ﴿إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ في علمه تعالى، لا يزيد ولا ينقص، ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ (١٠٥) ١٠٥ - ﴿يَوْمَ يَأْتِ﴾ ذلك الأجل ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ لا تتكلم نفس بما ينفعها ﴿إِلاّ بِإِذْنِهِ﴾ تعالى ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ﴾ بعمله ﴿وَسَعِيدٌ﴾ بعمله. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ (١٠٦) ١٠٦ - ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا﴾ في الدنيا، بما عملوا فيها من أعمال الأشقياء لفساد عقائدهم الموروثة بالتقليد، ولإحاطة خطيئاتهم بهم ﴿فَفِي النّارِ﴾ مستقرهم ﴿لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ من شدة الكرب. ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ (١٠٧) ١٠٧ - ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ الاستثناء في قوله: ﴿إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ هو للدلالة على تقييد الأمر بمشيئته تعالى فقط، لا لإفادة عدم العموم ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ لأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وإنما تتعلق مشيئته بما سبق به علمه، واقتضته حكمته، وما كان كذلك لم يكن إخلافا لشيء من وعده ولا من وعيده. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (١٠٨) ١٠٨ - ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلاّ ما شاءَ رَبُّكَ﴾ معنى الاستثناء هنا أن دوامهم فيما هم فيه من النعيم

стр. 923

ليس أمرا واجبا بذاته، بل هو موكول إلى مشيئته تعالى، فهو هبة وإحسان دائم، ثم قوله: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي دائما غير مقطوع، لئلاّ يتوهم متوهّم بعد ذكر المشيئة أنّ ثمّ انقطاع، بل حتم له بالدوام وعدم الانقطاع. ﴿فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ (١٠٩) ١٠٩ - ﴿فَلا تَكُ﴾ أيها النبي، وبالتالي أيها المسلم ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ في شك ﴿مِمّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ﴾ المشركون، أو هؤلاء الضالون، أي لا تكن في شك من ضلالهم، ولا تظنّ أن معتقداتهم مبنية على العقل، بل هي ضلال يؤدي بالضرورة إلى مثل ما حلّ بمن قبلهم، إن في الدنيا أو في الآخرة ﴿ما يَعْبُدُونَ إِلاّ كَما يَعْبُدُ آباؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ عباداتهم ليست سوى تقليد، بما فيه من قيم زائفة، تداولوه من الآباء والأجداد، مناف للعقل، وللوحي، ولرسالات الأنبياء ﴿وَإِنّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾ فما من خير يعمله أحدهم إلاّ ويوفيهم الله تعالى جزاءهم عليه في الدنيا بسعة الرزق وكشف الضر، جزاء تاما وافيا، لا ينقصه شيء يجزون عليه في الآخرة، فهو متاع عاجل لا يلبث أن ينقضي، وليس دليلا على رضا الله عنهم، لأنّ الحسنى في الآخرة لا تكون إلاّ للمؤمنين المتقين. ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ (١١٠) ١١٠ - ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ﴾ التوراة ﴿فَاخْتُلِفَ فِيهِ﴾ اختلفوا في تفسيره وفي العمل به، وآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه وحرّفوه، وغيّروا وبدّلوا فيه ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ وهي كلمة الإنظار، بتأجيل حسابهم إلى الآخرة بحسب الحكمة ﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ أي ما منعهم أن يصيبهم عذاب الاستئصال في الدنيا، كما أصاب الأقوام البائدة المشار لها في هذه السورة، إلاّ أنهم آمنوا برسالة موسى ﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ من الكتاب أي التوراة ﴿مُرِيبٍ﴾ الشك المريب الذي أوقعهم في الاضطراب، وأدّى بهم إلى التلاعب

стр. 924

في التوراة قولا وفعلا، ونلاحظ أن الآيات (٩٦ - ٩٩) لخّصت بعثة موسى إلى فرعون، في حين تشير هذه الآية إلى بعثته إلى بني إسرائيل. ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (١١١) ١١١ - ﴿وَإِنَّ كُلاًّ﴾ من المختلفين ﴿لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ﴾ من حسن وقبيح، وإيمان وكفر، فيجازيهم عليها ﴿إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ لا يخفى عليه شيء، ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (١١٢) ١١٢ - ﴿فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ أي ما دام أمر الأمم من قبلك، كما قصصنا عليك أيها الرسول، فاستقم كما أمرناك في القرآن ﴿وَمَنْ تابَ مَعَكَ﴾ وليستقم معك من تاب من الشرك وآمن برسالتك واتبعك ﴿وَلا تَطْغَوْا﴾ أيها المسلمون، بتجاوز الحدود غلوّا في الدين، لأن الإفراط فيه كالتفريط، وقالوا إنّ هذا دليل على وجوب اتباع النصوص في الأمور الدينية وهي العقائد والعبادات، واجتناب الرأي وبطلان التقليد فيها ﴿إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ فيحاسبكم على أعمالكم. ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ (١١٣) ١١٣ - ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بارتكاب المظالم، من مسلمين وغيرهم ﴿فَتَمَسَّكُمُ النّارُ﴾ بنتيجة عملكم ﴿وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ﴾ فولاية أمثالهم لا تنفعكم ﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ استبعاد نصرته تعالى لمن يركن إليهم، وهذه الآية وسابقتها من سننه تعالى في المجتمعات أن الطغيان والركون إلى الظالمين من أسباب هلاك الأمم. ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ (١١٤) ١١٤ - بعد أن أمر تعالى بالاستقامة، أضاف الأمر بالصلاة، وذلك دليل على أن أعظم العبادات بعد الإيمان بالله هو الصلاة ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً﴾

стр. 925

﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾ إشارة إلى الصلوات اليومية الخمسة التي بينتها وفصلتها السنّة الشريفة ﴿إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ الأعمال الحسنة بتزكيتها للنفوس وإصلاحها لها ما يمحو تأثير الأعمال السيئة، وقالوا إن التوبة مع العمل الصالح تكفر الصغائر والكبائر إلاّ حقوق العباد، فإنه يجب أداؤها أو استحلال أهلها منها ﴿ذلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ فيما ذكر من الأمر بالاستقامة، والنهي عن الطغيان، وعن الركون إلى الظالمين، وإقامة الصلاة، كل ذلك موعظة لمن يتعظ، ﴿وَاِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١١٥) ١١٥ - ﴿وَاِصْبِرْ﴾ على الطاعات، وعلى المعاصي، وانتظر عاقبتها من النصر والفلاح، ولا تستعجل عاقبتها قبل أوانها: ﴿فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فيوفّيهم ثواب أعمالهم. ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (١١٦) ١١٦ - هذه الآية بيان لسبب انهيار الأمم، وسننه تعالى في خلقه في إهلاك الأقوام التي ينتشر فيها الفساد، على غرار ما حدث للأمم البائدة: ﴿فَلَوْلا كانَ﴾ فهلاّ كان، أي وجد ﴿مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي الأقوام المقترنة في زمان واحد، والمقصود بها الحضارات السابقة ﴿أُولُوا بَقِيَّةٍ﴾ من أخلاق أو ممّن بقي لهم من الرأي والعقل والفضل ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ﴾ يكافحون الفساد ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ﴾ لكن قليلا ممّن أنجينا من القرون السابقة نهوا عن الفساد، ولكنهم كانوا قلّة منبوذين لا يقبل نهيهم وأمرهم، والأكثرية الظالمة انهمكت في الفساد، فضلا عن أن تنهى عنه: ﴿وَاِتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وهم الأكثرية ﴿ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ من النعم، فأصابهم البطر ﴿وَكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ بانغماسهم في الفساد، وانهماكهم في طلب الدنيا والمادة والشهوات والزعامات بأي ثمن، والمعنى أن وسيلة منع هلاك الأمم الظالمة هو وجود أولي بقية فيها ينهون عن الفساد فيطاعون، وبالمقابل إذا فقد أمثال هؤلاء

стр. 926

يستفحل الفساد في الأمة بما أترقت فيه فتهلك بمجموعها، وهذه قاعدة اجتماعية تتكرر عبر العصور إلى يومنا هذا. ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ (١١٧) ١١٧ - استمرار المعنى من الآية السابقة أنه تعالى لا يهلك المجتمعات لكفرها، ولكن يهلكها لانتشار الفساد فيها: ﴿وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى﴾ المجتمعات ﴿بِظُلْمٍ﴾ منها، والمعنى أنه تعالى لا يهلك المجتمعات لمجرد انتشار الشرك فيها ﴿وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ فيما بينهم، يتعاطون الحق، أي إذا كان الظلم فيهم مقتصرا على الشرك، دون الفساد والبغي في المعاملات بينهم، فإنه تعالى لا يهلكهم ولو كانوا على الشرك، وذلك لفرط رحمته تعالى بهم ومسامحته حقوقه، أما حقوق العباد فيما بينهم فلا تساهل فيها. وفي الآية دليل على إنّ الأقوام البائدة المذكورة في السورة جمعت إلى شركها، أو كفرها، فسادا وبغيا في مجتمعاتها، ومن سننه تعالى في المجتمعات البشرية أنها تدوم مع الكفر، ولا تدوم مع الفساد والبغي. ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (١١٨) ١١٨ - تتمة الخطاب من الآيات (١١٦ - ١١٧): ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ أيها الرسول الحريص على إيمان الناس، ومن ثمّ الخطاب لكل مسلم ﴿لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً﴾ على دين واحد، بمقتضى الغريزة، فلا يكون لهم رأي ولا اختيار، فيكونون كالملائكة مفطورين على اعتقاد الحق وعلى طاعة الله، فلا يقع اختلاف بينهم، ولكنه بمقتضى حكمته خلقهم مختارين، لا مضطرين ولا مجبرين، كاسبين للعلم، لا ملهمين، وعاملين بالاختيار الذي هو أساس التكليف، وجعلهم متفاوتين في الاستعداد وفي كسب العلم وفي الاختيار ﴿وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ في كل شيء، وتلك سنته تعالى في البشر، أن يختلفوا في الأخلاق، وفي الأفعال، وفي الأديان والشرائع، بعضهم على الحق، وبعضهم على الباطل، متنازعين في المصالح والمنافع.

стр. 927

﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (١١٩) ١١٩ - ﴿إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ فاستفادوا من ألطافه تعالى ومن بعثه الرسل وإنزاله الوحي، فاتفقوا على حكم كتاب الله فيهم ﴿وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أي لحرية الخيار، وما ينتج عنه من الاختلاف والتفرق في آرائهم وعلومهم ومعارفهم وعواطفهم، وما يتبع ذلك من إرادتهم واختيارهم، ومن ذلك اختيارهم الدين والإيمان والطاعة والعصيان ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ أي الكافرون والعصاة والمجرمون منهم، الذين لم يهتدوا بما أرسلت به الرسل، والذين شوّهوا الفطرة السليمة، واختاروا العمى على الهدى. ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١٢٠) ١٢٠ - ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ﴾ وكل نوع من أنباء الرسل، كما في هذه السورة، نقصّ عليك، أيها النبيّ، أو أيها المسلم، و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، أي نقص عليك من أنباء الرسل ليس لمجرّد التأريخ، وإنما نقصّ عليك منها ما فيه العبر والفائدة ﴿ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ ما يزيد اليقين والطمأنينة في القلب، لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب، وأرسخ للعلم ﴿وَجاءَكَ فِي هذِهِ﴾ الأنباء ﴿الْحَقُّ﴾ بيان الحق الذي دعا إليه جميع الرسل من التوحيد والإيمان بالبعث والجزاء، والحض على العمل الصالح ﴿وَمَوْعِظَةٌ﴾ لّمن يتعظ بعواقب مّن قبله ﴿وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ لبيان أسباب انحطاط الأمم وانهيارها، ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنّا عامِلُونَ﴾ (١٢١) ١٢١ - ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ولم تؤثر فيهم هذه البيانات والعبر البالغة ﴿اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ على حالتكم التي أنتم عليها ما تستطيعون ﴿إِنّا عامِلُونَ﴾ ما نستطيع، من الثبات على الدعوة، وتنفيذ أمر الله وطاعته.

стр. 928

﴿وَاِنْتَظِرُوا إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ (١٢٢) ١٢٢ - ﴿وَاِنْتَظِرُوا﴾ ما تتمنّون لنا من انتهاء أمرنا بالهلاك أو الفشل ﴿إِنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ ما وعدنا ربّنا من النصر، وظهور هذا الدين ولو كره الكافرون. ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ (١٢٣) ١٢٣ - ﴿وَلِلّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ له وحده علم الغيب، ممّا لا يعرفه أحد من البشر ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ فيرجع إليه أمر المؤمنين وأمر الكفار ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ما دام عنده علم الغيب، وإليه ترجع الأمور، فاعبده كما أمرت، من عبادة شخصية قاصرة عليك، وعبادة متعدية النفع لغيرك، وهي الدعوة إلى ربك بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وتوكل عليه ليتم لك ما وعدك، ما لا تبلغه باستطاعتك، فالتوكل لا يصح بغير العبادة، والأخذ بالأسباب المستطاعة، ومن دونهما يكون التوكّل من التمني الكاذب والآمال الخادعة، كما أن العبادة، وهي ما يراد به وجه الله من كل عمل، لا تكمل إلا بالتوكل الذي يكمل به التوحيد ﴿وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ من مؤمنين وكفار، فيوفيكم جزاءه في الدنيا والآخرة. ***

стр. 929

سورة يوسف - ١٢ - مكية المقدّمة نزلت في المرحلة الأخيرة من إقامة النبي ﷺ في مكة، وقالوا إن يونس نزلت، ثم هود، ثم يوسف، بهذا الترتيب. نبذة تاريخية روى البخاري عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم: يوسف ابن يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم ﵈"، كان ليعقوب اثنا عشر ولدا من أربع زوجات، أصغرهم يوسف وبنيامين من زوجة واحدة، والباقون من الزوجات الثلاث الأخر، وقد أخذت السيارة يوسف من فلسطين إلى مصر [يوسف ١٩/ ١٢] خلال حكم الهكسوس لها، والهكسوس قبائل من أصل عربي ارتحلت من فلسطين وسورية إلى مصر وحكمت الجزء الشمالي منها خلال الفترة (١٦٣٠ ق م - ١٥٢٠ ق م)، ويشير إليهم المؤرخون باسم الملوك الرعاة، كما يشير إليهم المؤرخون والمفسرون العرب باسم العمالقة، ويبدو أن أصلهم العربي الفلسطيني ساعد في تقبلهم يوسف وفي تبوئه الزعامة عندهم، خاصة أن لغتهم كانت واحدة وهي اللغة العربية، أما العبرية فلم تكن سوى لهجة من اللهجات العربية انبثقت عنها، وقد نسبوا إلى الهكسوس اختراع الأبجدية السامية المكونة من ٢٢ حرفا والتي، من خلال الفينيقيين، صارت أم الأبجديات الحديثة كما ساهمت في تحول الكتابة المصرية الهيروغليفية من الحروف التصويرية إلى الحروف الصوتية.

стр. 930

وذلك يفسر أيضا استيطان بني يعقوب في مصر زمن يوسف وبعده ونفوذهم الديني والسياسي في مصر طيلة حكم الهكسوس، وقد كانت بعثة يوسف إلى المصريين مقدمة لبعثة موسى ﵇ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمّا جاءَكُمْ بِهِ حَتّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ﴾ [غافر ٣٤/ ٤٠]، مما يدل أن قبول بعثة يوسف كان مقتصرا على الهكسوس دون عامة المصريين، والثابت أن الهكسوس حكموا شمال مصر فقط واتخذوا مدينة أفاريس Avaris في الشمال الشرقي عاصمة لهم، في حين انتقل حكم المصريين من عاصمتهم ممفيس Memphis في الشمال إلى عاصمتهم الجديدة طيبة Thebes في الجنوب - الأقصر حاليا - مستقلين عن الهكسوس. ثم حصل الارتكاس إلى الوثنية بعد خروج الهكسوس من مصر وتعرض بنو يعقوب - إسرائيل - لاضطهاد الفراعنة إلى أن كانت بعثة موسى ﵇، مما ذكر القرآن الكريم بعض تفصيله، انظر مثلا آية [البقرة ٤٩/ ٢] و [غافر ٢٥/ ٤٠]. ونلاحظ الدقة الفائقة والإعجاز في السورة من حيث إشارتها إلى لقب "الملك" في آيات عديدة (٧٦، ٥٤، ٥٠، ٤٣) وهو ملك الهكسوس، وليس فرعون مصر على النقيض من زعم العهد القديم بأنه فرعون (سفر التكوين ١/ ٣٩)، ذلك أنّ لقب فرعون خاص بحكام مصر، وقد بقي الهكسوس في مصر لحين ظهور ما يسميه المؤرخون: "الامبراطورية الجديدة " New Empire (١٠٧٥ - ١٥٣٩ ق م) التي امتدت أراضيها خارج مصر فشملت سورية والعراق، وقد بدأت بحكم السلالة الثامنة عشرة th dynasty ^١٨ وهي السلالة الفرعونية التي أخرجت الهكسوس من مصر، وكان أخناتون - أمنحوتب الرابع - وهو أحد فراعنة الامبراطورية الجديدة من السلالة الثامنة عشرة هو الذي ابتدع عبادة الشمس في عاصمته الجديدة، العمارنة، وسط مصر بعد أن نقل العاصمة إليها من طيبة في الجنوب، ثم قامت بعد ذلك السلالة التاسعة عشرة ١٩^ th

стр. 931

dynasty التي كان منها رمسيس الثاني - الكبير - فرعون الاضطهاد، ومنبتاح فرعون الخروج الذي أخرج بني إسرائيل من مصر عام ١٢١٣ ق. م. وتلا ذلك تفكك الامبراطورية الجديدة وسقوطها ثم استيلاء الليبيين على حكم مصر، وبعدهم النوبيون، ثم الفرس، ثم الإسكندر الكبير والبطالسة، ثم الرومان، ثم الإسلام، وقد يكون ذلك معنى قوله تعالى: ﴿كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ﴾ [الدخان ٢٨/ ٤٤]. ونلاحظ أيضا إشارة السورة إلى لقب "العزيز" في مصر، الذي يبدو أنه الوزير المفوض عند ملك الهكسوس، قال مالك بن نبي في كتابه "الظاهرة القرآنية": لقد تكيفت الثروة اللفظية التي جاء بها القرآن الكريم في جميع تفاصيلها تكيفا رائعا، كما حدث لذلك الاسم الخاص - المذكور في رواية سفر التكوين - بوتيفار أو قطفير Potiphare والذي أطلق عليه القرآن لقب "العزيز"، ولنا أن نتساءل إن كان هنالك صلة في المعنى بين الاسم الإسرائيلي واللقب القرآني، فالتفسير العبري يبدو أنه يقصد بكلمة بوتيفار اشتقاقا مصريا من الأصل " favori-Puti عزيز" والأصل: " Phare مستشار أو ناصح"، ونقلا عن بحث القسيس فيجورو Vigoureux (الكتاب المقدس والوثائق العلمية) في الموضوع نعرف أن هذه الكلمة مصرية مركبة معناها "عزيز الإله"، ولكن التكييف الاشتقاقي القرآني قد حذف اللفظ الإضافي ليتمثله في صورة أكثر تطابقا مع روح التوحيد الإسلامية فإذا به يكتفي بلفظ "العزيز"، ولذا قال يوسف لصاحبيه في السجن: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ [يوسف ٣٩/ ١٢]. وبحسب العهد القديم (سفر التكوين) فإن يوسف ﵇ كان ابن سبعة عشر عاما أو نحوها عندما وصل مصر، فأقام في بيت العزيز عامين أو ثلاثة، ثم سجن ثماني أو تسع سنوات، ثم تولى منصب العزيز في مصر [يوسف ٧٨/ ١٢] وهو في الثلاثين من عمره، وعمّر حتى بلغ المئة وعشرة أعوام، وإذا صح

стр. 932

ذلك فيكون يوسف تقلد منصب العزيز عند ملوك الهكسوس لفترة ٨٠ عاما من أصل ١١٠ أعوام فترة وجودهم في مصر، وخلال تلك الفترة هاجر بنو إسرائيل يعقوب إلى مصر لقول يوسف لإخوته: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [يوسف ٩٣/ ١٢] وكان عددهم وقتئذ سبعين فقط بحسب سفر التكوين (٢٧/ ٤٦)، ثم بقوا في مصر بعد خروج الهكسوس فحكمهم فراعنة "الإمبراطورية الجديدة" حتى خروجهم مع موسى ﵇ فتكون فترة بقائهم في مصر حوالي أربعة قرون من الزمن ازداد عددهم خلالها حتى بلغ أكثر من ستمئة ألف وقت خروجهم من مصر بحسب ما زعمه سفر الخروج (٣٧/ ١٢)، مما يدل أن الكثير من المصريين دخلوا في ديانتهم وخرجوا من مصر معهم، ومما يدل أيضا أن تعبير بني إسرائيل وقتها لم يكن تعبيرا عنصريا مقتصرا على سلالة يعقوب وإنما شمل كلّ من اهتدى بهدي يعقوب ويوسف وصار مسلما، قال تعالى: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة ١٣٣/ ٢]. ارتباط السورة بما قبلها المناسبة بين سورة يوسف وبين سورة هود المتقدمة أنها متممة لما جاء فيها من قصص الأنبياء ﵈، وهي أطول قصة في القرآن الكريم، وقد اختتمت سورة هود بقوله تعالى: ﴿وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود ١٢٠/ ١١]، ثم تفتتح سورة يوسف بقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ [٣٧/ ١٢]، وتختتم بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ [١١١/ ١٢]،

стр. 933

وفي سورة هود كان تركيز قصص النبيين على مجيئهم أقوامهم بالبينة - الدليل العقلي -، وبالوحي، وكذا في سورة يوسف نقرأ الدليل العقلي في قوله تعالى على لسان يوسف: ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ [٤٠/ ١٢]، ورحمته تعالى ليوسف بالوحي: ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥٦)، كما في آيات (هود ٢٨/ ١١) و (هود ٦٣/ ١١). محور السورة لاحظ الرازي تشابها شديدا بين قصة يوسف مع أخوته وبين قصة النبي ﷺ مع قومه في الكثير من مراحل دعوته لدرجة أن السورة كانت تذكرة لقريش بكيدها السيئ، وبما ستؤول إليه عاقبتها مع النبي ﷺ ، فقد فشل أخوة يوسف في كيدهم ضده حتى انتهى بهم المطاف أن خرّوا له سجّدا، تماما كما كادت قريش للنبي ﷺ تريد قتله حتى انتهى بها المطاف أن طلبت منه الرحمة بعد فتح مكة، وقد أشارت الآية (٧) إلى هذا المغزى سلفا، وهكذا عن طريق الربط بين قصة يوسف وبين سيرة النبي مع قومه تنبأت السورة عمليا بالخاتمة التي صدّقتها الأحداث خلال عشر سنوات تقريبا، إذ قال النبي ﷺ لقريش بعد الفتح: » أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء». وتدور السورة حول قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ [يوسف ٤٠/ ١٢، ٦٧]، فكأن هذه الآية تهيمن على جميع مجريات الأحداث في قصة يوسف ﵇، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢١٦/ ٢]، ففيها إشارة إلى الحكمة الإلهية في مجريات الأمور، الخافية عن معظم الخلق.

стр. 934

وقوله تعالى: ﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف ١٠٤/ ١٢ - ١٠٥]، ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ﴾ (١) ١ - ﴿الر﴾ الله أعلم بمراده، راجع شرح آية [البقرة ١/ ٢]، يوسف هي الثالثة من السور التي تفتتح بحروف ﴿الر﴾، وقد افتتحت بها ستة سور متتالية من القرآن الكريم هي (يونس - هود - يوسف - الرعد - إبراهيم - الحجر)، غير أنها وردت في سورة الرعد ﴿المر﴾ بزيادة حرف الميم ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ القرآن ﴿الْمُبِينِ﴾ الظاهر أمره الواضح في الإعجاز، والواضح لمن يتدبره أنه من عند الله وليس من كلام البشر، وهو أيضا يبيّن حقيقة الدين ومصالح البشر، كما يفصح عن الأشياء المبهمة ويبينها للناس. ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢) ٢ - ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ نزل على العرب أولا بلغتهم ليفهموه ويحيطوا بمعانيه، وثانيا ليكونوا واسطة الرسالة إلى العالم أجمع لكونهم أمّة أمّية لم يسبق لها التعصّب إلى رسالة أو رسالات سابقة، قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ * فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨/ ٢٦ - ١٩٩]، بالنظر لتعصب الأعجمين لما هم عليه من التمسك بالتقليد، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ لعلكم تستخدمون عقولكم في معانيه، فالقرآن موجّه إلى العقل البشري، لأن العواطف وحدها لا تشكل أساسا كافيا للإيمان. ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ (٣) ٣ - ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ لا يعني أنّ قصة يوسف أحسن القصص، وإنّما يعود الحسن إلى حسن البيان وإعجازه، كما يعود إلى دقة

стр. 935

ومغزى المعاني وصحتها، والعبر الأخلاقية منها، وإلاّ فالقصة مذكورة في كتب اليهود (سفر التكوين بالفصول ٣٧ - ٥٠) بثغرات عديدة واختلافات كثيرة عن القصة القرآنية، إذ إنّ قصة سفر التكوين خالية من المباديء الأخلاقية وقواعد السلوك السليم وفيها تمجيد واستحسان لأحابيل اليهود ضد المصريين، أما القصة القرآنية فهي أقرب إلى روحانية الموعظة وإظهار العبر والحكمة الإلهية من الكثير من الأحداث التي تخفى على معظم الناس، وقد أورد مالك بن نبي في كتابه الظاهرة القرآنية وجوه التباين بالتفصيل بين القصتين في القرآن الكريم والكتاب اليهودي المقدس. قال تعالى ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل ١٠٣/ ١٦]، فهم يزعمون أن النبي ﷺ تعلم القرآن من كتب اليهود والمسيحية مع أن تلك الكتب أعجمية، كانت باللسان السرياني، طبعة البسيطة Peshitta ، أو اليوناني، الطبعة السبعينية Septuagint ، أو اللاتيني، الطبعة الشائعة Vulgate ، ولم تترجم إلى العربية إلا بعد بعثة النبي ﷺ بحوالي أربعة قرون، ويحتمل المعنى أيضا: نحن نقص عليك أحسن القصص بما فيها من العبر الهامة جدا: أن الحكم لله تعالى لا راد لمشيئته، الآية (٦٧)، ﴿بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ﴾ بوحينا إليك هذا القرآن ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل هذا الوحي ﴿لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ عن قصة يوسف وأخوته، أو من الغافلين عن حقائق الدين والشريعة، ﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ (٤) ٤ - وهي القصة المشار لها بأحسن القصص: ﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ﴾ في الرؤيا وليس في الرؤية، لقوله ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ﴾ (٥)، ولقوله ﴿هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ (١٠٠)﴾، والرؤيا وإن كانت بمعنى الرؤية إلا أنها

стр. 936

مختصة بما كان منها في المنام فقط دون اليقظة ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً﴾ فسّر الكواكب بالأخوة وهم أخوته الأحد عشر ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ فسّر الشمس والقمر بالأب والأم ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ﴾ كناية عن تواضع الجميع ودخولهم تحت إمرة يوسف في المستقبل، وتكرار قوله ﴿رَأَيْتُ﴾ و ﴿رَأَيْتُهُمْ﴾ أنه في الأولى ذكر مجرد الرؤيا بالمنام، وفي الثانية لبيان صفة رؤيتهم في واقع الأمر بحال السجود أي متواضعين له خاضعين لأمره. ﴿قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٥) ٥ - ﴿قالَ﴾ يعقوب لابنه يوسف: ﴿يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ﴾ فهم يعقوب رؤيا ابنه، وعلم أن ابنه سيكون نبيا عظيما ذا سلطان يسود به حتى أباه وأمه وإخوته، وخاف أن يعلم إخوته بذلك ويفهموا الرؤيا فيحسدوه ويكيدوا لإهلاكه، فنهاه أن يقص رؤياه عليهم، وعلّله بقوله: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً﴾ أي يكيدوا له كيدا شرّا بنتيجة حسدهم، لأن الكيد قد يكون للخير أو للشر، كما في قوله تعالى ﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ (٧٦)﴾، ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ يوسوس بين الناس بداعي الشر. أما القصة اليهودية في سفر التكوين فتزعم أن يوسف أوغر صدر أبيه على إخوته فأخبره عنهم بريبة شنيعة، ثم أنه أخبر إخوته أولا بالرؤيا فحقدوا عليه، ثم أخبر أباه فوبخه قائلا: ما هذا الحلم؟ أمك وأنا ننحني أمامك؟ بمعنى أن يعقوب ظنّ رؤيا يوسف من قبيل التمنّي والتبجّح، وبالمقابل تبين الآية القرآنية أن يعقوب، بثاقب نظرته النبوية، علم ما سيكون من مستقبل ابنه في النبوة فازداد حبه له وعطفه وحرصه الشديد عليه، وخشيته عليه من كيد إخوته وحسدهم له، وأيقن بما أعدّه الله تعالى لابنه، قال الشيخ رشيد رضا: ولكن علم يعقوب ويقينه بذلك كان إجماليا لا تفصيليا، وقد جاءت قصته من أولها إلى آخرها تفصيلا لهذا الإجمال الذي هو من أبدع بلاغة القرآن الكريم.

стр. 937

وقد ذكر الألوسي في روح المعاني إنّ اخوة يوسف لم يكونوا أنبياء، ونقل عن ابن تيمية قوله: ليسوا بأنبياء وليس في القرآن ولا في الحديث ما يؤيد نبوتهم، وإنما احتج من قال بإنهم نبئوا بقوله تعالى ﴿وَالْأَسْباطَ﴾ [البقرة ١٤٠/ ٢] و [النساء ١٦٣/ ٤]، وفسروا ذلك بأولاد يعقوب، والصواب أنه ليس المراد بهم أولاده لصلبه بل ذريته كما يقال: بنو إسرائيل، وكما يقال لسائر الناس بنو آدم، كما أن قوله تعالى ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ * وَقَطَّعْناهُمُ اِثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً﴾ [الأعراف ١٥٩/ ٧ - ١٦٠] صريح في أن الأسباط هم الأمم من قوم موسى من بني إسرائيل، فلا معنى لتسمية أبناء يعقوب الاثني عشر أسباطا قبل أن تنتشر عنهم الذرية، فتخصيص الأسباط في الآية ببني يعقوب لصلبه غلط لا يدل عليه اللفظ ولا المعنى، ومن ادعاه فقد أخطأ خطأ بينا، والصواب أيضا أنهم سمّوا أسباطا من عهد موسى ﵇ وليس قبله، ومما يؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ﴾ [الأنعام ٨٤/ ٦] فذكر يوسف ولم يذكر الأسباط، أضف لذلك أن القرآن لم يذكر عن أحد من الأنبياء قبل النبوة ولا بعدها أنه اقترف مثل هذه الأمور المنكرة من عقوق الوالدين وقطيعة الرحم وإرقاق الأخ وبيعه والكذب البيّن، فلو لم يكن دليل على عدم نبوتهم سوى صدور هذه الأمور العظام عنهم لكفى، لأن الأنبياء - عند الأكثرين - معصومون عن صدور مثل هذه الذنوب قبل النبوة وبعدها، ومما يؤيد ذلك اعترافهم ليوسف بقولهم له: ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ (٩١)، أي الله تعالى آثرك علينا بمنصب النبوة، ولأن جميع المناصب تكون كالعدم بالنسبة إليه وأن أحوال الدنيا لا يعبأ بها في جنب منصب النبوة (الرازي). ﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦)﴾

стр. 938

٦ - ﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ استمرار الخطاب من يعقوب ليوسف، أي كما اختارك ربّك بمثل هذه الرؤيا العظيمة فهو يجتبيك أي يصطفيك ويختارك لأمور عظام ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ من معاني الرؤى وفهم مضامينها وما تؤول إليه، و ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، أما مطلق التأويل والعواقب فلا يعلمه إلا الله، لأنّ الأحاديث بالمعنى العام لا تقتصر على الرؤى، وقد يكون تأويل الأحاديث في كتب الله تعالى ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ بالنبوة والرسالة والملك والرئاسة ﴿وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ بإخراجهم من البدو، وتبوئهم المقام الكريم في مصر ثم بتسلسل النبوة فيهم إلى أجل معلوم ﴿كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ﴾ وهما جده وجد أبيه، إذ اختصهما تعالى بالنبوة وبالنجاة من المكاره ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ عليم بمن يصطفيه، حكيم باصطفائه، وبإعداد الأسباب وتسخيرها لمن يشاء. ﴿لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ (٧) ٧ - ﴿لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ أي في قصتهم علامات ودلائل على قدرة الله تعالى وحكمته في كل شيء، وهي كثيرة لمن تتّبعها، للراغبين في معرفة الحقائق والاعتبار بها، لأنهم هم الذين يعقلون الآيات ويستفيدون منها، دون عداهم، ﴿إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٨) ٨ - ﴿إِذْ قالُوا﴾ وهم إخوة يوسف ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ أخوه بنيامين، كان مع يوسف من أم واحدة، خلافا للباقين إذ كانوا أخوة يوسف وبنيامين لأبيهم فقط ﴿أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا﴾ كان يعقوب يحب يوسف خاصة لما رأى فيه من دلائل النبوة، وبالمقارنة مع باقي العشرة لما رأى فيهم من سوء الخلق والفساد والحسد ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ تبجحوا فيما بينهم أنهم مجموعة كبيرة أكثر قوة وأكثر قياما بمصالح الأب منهما، خاصة في مجتمع البدو حيث الأولاد الكبار هم الذين يدفعون المخاطر عن العائلة ويشتغلون بتحصيل الرزق والمنافع، ولذلك

стр. 939

نسبوا إلى أبيهم الضلال: ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لما اعتقدوه من واقع أفضليتهم وأحقيتهم بحبه، ويحتمل أنهم ظنّوا الخرف بأبيهم لتقدمه في السن فنسبوا إليه الضلال بزعمهم. ﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ﴾ (٩) ٩ - ائتمروا فيما بينهم لما قوي حسدهم وبلغ منتهاه فوجدوا الحل في قتله: ﴿اُقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ فتتخلصوا منه ﴿أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضاً﴾ الطرح رمي الشيء وإلقاؤه، ويقال طرحت الشيء أي أبعدته، والمعنى أبعدوا يوسف واتركوه في أرض نائية بحيث لا يعود منها، وعللوا ذلك بقولهم: ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ فلا يتوجه إلى أحد غيركم، أي إذا افتقد الأب يوسف بعد أن شغفه حبا لم يجد بدّا من التفرغ لإخوته الباقين ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي من بعد ذهاب يوسف ﴿قَوْماً صالِحِينَ﴾ أي تتوبون إلى الله من فعلتكم الشنيعة وتكفّروا عنها فيرضى عنكم أبوكم ويرضى ربكم، وهذا من وسواس الشيطان أنه يزيّن للناس سوء أعمالهم، والمغزى أن أمثال هؤلاء الناس يظنون أن بمقدورهم الجمع بين التقوى والصلاح من جهة وبين اقتراف الجريمة والسلوك الأناني من جهة ثانية، إذ يقومون بتعطيل متطلبات الأخلاق والشرع مؤقتا ريثما يمررون مآربهم الشريرة، ثم يقنعون أنفسهم أن الإثم مؤقت اضطروا لارتكابه للوصول إلى هدف هام ثم يتوبون بزعمهم، وهذا الداء يسري في عروق الكثير من الناس. ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ (١٠) ١٠ - ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ﴾ أبهمه القرآن لعدم وجود فائدة أو عبرة من معرفته، وإنما الفائدة في وصفه أنهم لم يجمعوا على الجريمة، وأنه وجد منهم من استهول القتل ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ وتكرار القائل لاسم يوسف - دون ضميره - لاستجلاب شفقتهم عليه واستعظام قتله وهو هو، ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ﴾

стр. 940

الجبّ البئر غير المبنية من داخلها بالحجارة، وسمّي جبّا لأنه جبّ من الأرض أي قطع، والغيابة كل ما غيّب شيئا وستره فأصبح غائبا عن النظر، ولعلهم ألقوه في حفرة جانبية مظلمة من البئر يدخلها عادة من يدلي فيه لإخراج شيء وقع فيه أو لإصلاح خلل، أو أن الماء في عمق الجب لم يكن كافيا لإغراق يوسف في حين أن عمقه يبعده عن الأنظار فتكون غيابة الجب قعره لغيبوبته عن أعين الناظر، وإدخال أل التعريف على الجب دليل على أنه معروف لذا قال: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ السيارة الجماعة الذين يسيرون في طريق السفر وهم غالبا ما يردون ذلك البئر في أسفارهم، ولذا كان طرح يوسف فيها أقرب إلى السلامة، لأن السيارة عندما يردون البئر يشاهدون يوسف ويخرجونه ويأخذونه معهم ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ والأولى ألاّ تفعلوا شيئا من القتل أو الطرح في أرض نائية، أما إن كان ولا بدّ، فاقتصروا على هذا القدر من الأذى. ﴿قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ (١١) ١١ - ﴿قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ﴾ بعد أن أضمروا المؤامرة على يوسف استدرجوا أباهم فخاطبوه متسائلين عن سبب عدم ائتمانه لهم عليه، بما يفيد أن يعقوب كان يخافهم عليه، وقد يكون أنهم سألوا أباهم قبل ذلك أن يخرج يوسف معهم فأبى ﴿وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ زعموا أنهم حريصون عليه ولا يضمرون له سوى الخير. ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (١٢) ١٢ - ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ أثناء الرعي ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ من أن يناله مكروه. ﴿قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ (١٣) ١٣ - ﴿قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ﴾ أي لقلة صبر أبيه على مفارقته لشدة محبته له ﴿وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ وهو سبب آخر لامتناعه وتردده في إرساله مع إخوته، لما يعلمه من حسدهم له وقلة اكتراثهم به

стр. 941

واحتمال غفلتهم عنه وإهمالهم له، ولعله قاله من باب الاحتياط أو الاعتذار بالظواهر وإن كان على يقين من حسن عاقبة يوسف في الباطن، على أن علمه هذا كان مجملا مبهما مقيدا بالأقدار المجهولة، وقيل لو لم يذكر خوفه هذا لأولاده لما خطر ببالهم ادعائهم اللاحق بقصة الذئب، ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّا إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ (١٤) ١٤ - ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جديرون بحمايته ﴿إِنّا إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ أي خائبون ضعفا وعجزا، أو أننا مستحقون الهلاك لو أكله الذئب، أرادوا بذلك طمأنة أبيهم من ناحية هذا الاحتمال، أما حجة أبيهم لجهة حزنه أن يفارق يوسف فقد أعاروه آذانا صمّاء لكراهتهم يوسف وحسدهم له. وها هنا اختلاف بيّن في رواية القصة اليهودية في سفر التكوين عن القصة القرآنية، ففي سفر التكوين أن إخوة يوسف مضوا ليرعوا غنم أبيهم فقال يعقوب ليوسف: إمض فافتقد سلامة إخوتك وسلامة الغنم وإتني بالخبر، فلما رأوه قادما إليهم ائتمروا عليه ليقتلوه أو يلقوه في الجب، ومن الواضح أن يعقوب ما كان ليرسل يوسف إليهم من تلقاء نفسه وقد علم سلفا بحقدهم وخطورتهم عليه وحسدهم له، ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (١٥) ١٥ - ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ في الغد من ليلتهم التي أقنعوا فيها أباه على كره منه أن يأخذوا يوسف معهم يرتع ويلعب ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ﴾ فجعلوه فيه، بعد ما كان من اختلافهم في قتله أو تغريبه ﴿وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ﴾ بما هوّن الله تعالى عليه من كربته ومصيبته وأزال الحزن، عنه فعلم أنها مصيبة في الظاهر ونعمة في الباطن ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يشعرون الآن بما أنت عليه من المنزلة والمكانة الرفيعة عند الله تعالى، كما لا

стр. 942

يشعرون بوحيه تعالى إليه وأنسه بالوحي وعدم وحشته وهم يحسبون أنه مرهق مستوحش لا أنيس له، ولا يشعرون بما سيؤول إليه أمره من النبوة والرياسة، ولا يشعرون بعظم فعلتهم الشنيعة، ولا يشعرون بجهلهم وعاقبة عملهم، كما أنهم في المستقبل لا يشعرون بأنه يوسف عندما يأتونه طالبين الكيل والصدقة، الآيات (٨٩ - ٩٠). ﴿وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ﴾ (١٦) ١٦ - ﴿وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً﴾ أي في وقت العشاء، وإنما جاؤوا عشاء إمّا لأنهم لم يصلوا من مكانهم إلاّ في ذلك الوقت، وإما ليكونوا أقدر على الاعتذار لمكان الظلمة التي يرتفع فيها الحياء، ولذا قيل لا تطلب الحاجة في الليل فإن الحياء في العينين، ولا تعتذر في النهار من ذنب فتلجلج ﴿يَبْكُونَ﴾ متباكين مظهرين البكاء بتكلّف لأنه لم يكن عن حزن، تمويها لشنيع فعلهم، وكثيرا ما يفعل بعض الكذّابين ذلك، فلما سألهم أبوهم عن بكائهم أجابوه: ﴿قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ (١٧) ١٧ - ﴿قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا﴾ إذ لا يستطيع مجاراتنا في استباقنا المرهق ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ إذ أوغلنا في البعد عنه فلم نسمع صراخه واستغاثته ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ أي بمصدّق لنا في قولنا هذا لاتهامك إيانا بكراهة يوسف وحسدنا له ﴿وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ في واقع الأمر، أو لو كنا عندك من أهل الصدق والثقة ما صدّقتنا في هذا الخبر لشدة حبك يوسف، ولظننت أنا قد كذبنا. ﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ (١٨) ١٨ - ﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي مكذوب فيه، أو ذي كذب، ووصفه بالكذب مبالغة في ظهور كذبهم وادعائهم أنه دم يوسف على القميص،

стр. 943

فكأنه الكذب بعينه، وقوله ﴿عَلى قَمِيصِهِ﴾ لكون الدم موضوعا على ظاهر القميص وضعا متكلّفا، ولو كان الدم سببه افتراس الذئب لكان قميصا ممزقا متغلغلا الدم فيه، فلما شاهد يعقوب القميص سليما لم يصدّقهم، فقال لهم: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً﴾ سهّلت وزيّنت لكم أنفسكم أمرا سيئا منكرا ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أولى من الجزع، لا شكوى فيه إلا لله تعالى ﴿وَاللهُ الْمُسْتَعانُ﴾ أستعينه وحده دون غيره ﴿عَلى ما تَصِفُونَ﴾ من هذه المصيبة، وقد يستشف من كلام يعقوب علمه من الوحي أن يوسف حي معافى، لأنه سبق أن قال له: ﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ (٦)، وذلك ظاهر أيضا من قوله بعد ذلك: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾ (٨٣)، وفي مقابل الصبر الجميل زعمت رواية سفر التكوين اليهودية أن يعقوب مزّق ثيابه وناح على ابنه أياما عديدة وقال إني أنزل إلى ابني نائحا إلى الجحيم. ﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ (١٩) ١٩ - ﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾ على وزن جوّالة أو كشّافة، أي قوم يسيرون وهم قافلة سفر هبطوا على أرض فيها الجبّ الملقى فيه يوسف، كان في طريق سفرهم المعتاد ﴿فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ﴾ الوارد الذي يرد الماء ليستقي القوم ﴿فَأَدْلى دَلْوَهُ﴾ في الجبّ، فتعلّق به يوسف فلمّا خرج ورآه ﴿قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ﴾ يبشّر به جماعته السيارة، فاستبشروا ﴿وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ أخفوه من الناس متاعا للتجارة لئلاّ يدعيه أحد من أهل ذلك المكان ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ بما يعمله هؤلاء السيارة، وما يعمله إخوة يوسف، فلكل منهم أرب في عمله: السيارة يدّعون بالباطل أن يوسف عبد لهم فيتّجرون به، وإخوة يوسف يتخلصون منه ويدعون أمام أبيهم أن الذئب أكله، وحكمته تعالى مسبب الأسباب فوق كل شيء، فقد كان حسد اخوة يوسف له واحتيالهم عليه والتخلص منه سببا لأن يصل إلى مصر ويؤول أمره إلى تحقيق رؤياه.

стр. 944

﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ (٢٠) ٢٠ - ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ شرى الشيء يشريه باعه، والمعنى أنهم باعوا يوسف بثمن مبخوس ناقص عن القيمة نقصانا ظاهرا ﴿دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ قليلة ﴿وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ لأنهم التقطوه، والملتقط للشيء يتهاون به لا يبالي بقيمته، ولأنه يخاف أن يعرض له مستحق ينتزعه من يده. ﴿وَقالَ الَّذِي اِشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٢١) ٢١ - ﴿وَقالَ الَّذِي اِشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ﴾ وهو العزيز كما هو مذكور في الآية (٣٠)، ثم صار ذلك لقبا ليوسف بعد أن تولى الإدارة في مصر، الآيات (٧٨، ٥٥)، فالظاهر أنه لقب أكبر وزراء الملك، أو وزيره المفوض ﴿أَكْرِمِي مَثْواهُ﴾ أكرميه وأحسني معاملته فيما يتعلق بإقامته فلا يكون كالعبيد أو الخدم، قال ذلك لحسن فراسته في يوسف مستبشرا به، ثم علّل ذلك بقوله: ﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا﴾ بالقيام ببعض شؤوننا أو شؤون الدولة، لما لاح له فيه من أمارات الذكاء والنباهة ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ فيكون لنا قرة عين ويرث مجدنا ومالنا إذا صدقت فراستي في نجابته، وقد يفهم من ذلك أن العزيز كان عقيما لم يكن له ولد، فأمل أن تكون حسن العشرة والإكرام ليوسف سببا لاستكمال حسن استعداده الفطري ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ كما أنعمنا عليه بالسلامة من الجب كذلك، وعلى هذا النحو من التدبير والتسخير له أوصلناه إلى العزيز وعطفنا عليه قلبه وجعلنا ليوسف مكانة عالية في أرض مصر ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ كما هو مبين في الآية (٦)﴾، وهو الغرض من التمكين من علم وعمل ﴿وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ﴾ أي على كلّ أمر يريده ويقدّره فلا يغلب على شيء منه بل يقع كما أراد، لا دافع لقضائه وحكمه ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أنّه تعالى غالب على أمره بل يؤخذون بظواهر الأمور كما هو حال أخوة يوسف الذين ظنّوا أن بإبعادهم يوسف تكون لهم

стр. 945

الحظوة عند أبيهم ويكونوا من بعده قوما صالحين، أما يعقوب ﵇ فكان موقنا أنه تعالى غالب على أمره، وأقواله صريحة في الدلالة على ذلك، غير أن علمه بالطبع إجمالي غير محيط بدقائق الأمور وتفاصيل الأقدار. ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (٢٢) ٢٢ - ﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾ أي وصل منتهاه في شبابه وقوته واكتمل نموه العقلي والجسمي ﴿آتَيْناهُ حُكْماً﴾ بين الناس، وقيل أيضا الحكم هو الحكمة، وهي ليوسف النبوة، وقيل: هي العلم الذي يصاحبه عمل ﴿وَعِلْماً﴾ نافعا مؤيدا بالعمل، لأن العلم من دون العمل بموجبه لا يعتدّ به، والعلم الفقه بحقائق الأمور ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ أي وكذلك هي سنتنا في جزاء المحسنين في القول والعمل، لكل منهم بقدر إحسانه. ﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ (٢٣) ٢٣ - ﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ﴾ المراودة منازعة الغير في الإرادة بحيث يريد المراود غير ما يريد المراود، وهي أيضا المطالبة برفق، ومنه الرائد طالب الكلأ والماء، والمعنى أرادت مخادعته عن نفسه تريده عشيقا ﴿وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ﴾ إمعانا في المكاشفة ولبيان النوايا ﴿وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ انتقلت من التلميح إلى التصريح، والمعنى هلمّ لك، أي أقبل وبادر، وقيل المعنى: تهيأت لك، ﴿قالَ مَعاذَ اللهِ﴾ أي أعوذ بالله معاذا أن أفعل، وعلّل الاستعاذة بقوله: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ أي هو سيدي العزيز أحسن مثواي: إذ قال لك أكرمي مثواه، فلا يليق أن أقابل الإحسان بالخيانة، وربّي بمعنى رب الدار، وقد يكون المعنى: إنه ربّي وخالقي الله تعالى أحسن مقامي عندكم وسخركم لي فكيف أعصيه بارتكاب ما لا يجوز، وعلل امتناعه بقوله: ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾

стр. 946

﴿الظّالِمُونَ﴾ الظالمون في هذا الموضع الزناة لأنهم يظلمون أنفسهم وغيرهم، فلا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة. ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ الهمّ القصد، والمعنى همّت به لتقهره على ما أرادت معه من المخالطة، ويحتمل المعنى إنها همّت بضربه بعد أن راودته عن نفسه فاستعصم بدليل قولها بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ (٣٢)، وقولها: ﴿أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٥١)، ﴿وَهَمَّ بِها﴾ من جهته ليدفعها عن نفسه ويمنعها مما أرادت، وربّما همّ بضربها أيضا، إذ يقال هممت بفلان أي بضربه ودفعه، بدليل قوله بعدها: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (٣٣)، فما همّت به من قهره على المخالطة غير ما همّ به من دفعها، ولو كان همّه كهمّها لما مدحه تعالى بأنه من عباده المخلصين ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ وهو استبصار واستحضار ما عنده من العلم الدال على تحريم مراودتها له، وهو أيضا ما منعه من إيذائها فيما همّ به من دفعها وضربها، لأنه لو فعل لكان في ذلك ما يوجب هلاكه عند العزيز، وأيضا لو انشغل بالضرب أو الإيذاء لربّما تعلقت بقميصه فيتمزق من الأمام ويصبح ذلك حجة عليه بدلا من براءته ﴿كَذلِكَ﴾ إشارة إلى تثبيته بما رأى من برهان ربّه، أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ من خيانة العزيز ﴿وَالْفَحْشاءَ﴾ من الزنى ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ الذين أخلصهم الله لطاعته، ﴿وَاِسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿وَاِسْتَبَقَا الْبابَ﴾ تسابقا إلى الباب - بحذف حرف الجر وهو كثير في التنزيل - هو يريد الخروج والهرب وهي تريد منعه من فتح الباب ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي قطعته على الطول وهي تجري وراءه متمسكة بقميصه ﴿وَأَلْفَيا﴾ وجدا ﴿سَيِّدَها﴾ وهو العزيز زوجها، فالمرأة تخاطب زوجها بلقب:

стр. 947

سيدي ﴿لَدَى الْبابِ﴾ خارج الباب ﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ المعنى ليس جزاؤه إلاّ السجن أو العذاب، وهذا الكلام تعريض لا تصريح بيوسف فهي لم تذكر اسمه صراحة، ثم إنها قدمت ذكر السجن على العذاب، صونا له عن السجن أو الألم، لشدة غرامها به، وقولها ﴿إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ﴾ بمعنى يوما أو نحوه، وإلا لو قصدت حبسا دائما لقالت يجب أن يجعل من المسجونين، كما أنها لم تذكر ما نوع السوء الذي أشارت إليه صونا للمحبوب عن العقاب الشديد. ﴿قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٢٦) ٢٦ - ﴿قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ لم يبدأ يوسف بهتك سرها إلا بعد أن خاف على نفسه العقاب فأظهر الأمر الذي لم تصرح هي به ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها﴾ كان حاضرا مع العزيز ﴿إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ انقطع من أمام ﴿فَصَدَقَتْ﴾ في قولها ﴿وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ فيما نسبه إليها من المراودة عن نفسه. ﴿وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ من الخلف ﴿فَكَذَبَتْ﴾ في دعواها ﴿وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فيما نسبه إليها. ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (٢٨) ٢٨ - ﴿فَلَمّا رَأى﴾ العزيز ﴿قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ قطع طولا من الخلف ﴿قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ لا قبل للرجال به، وعلامة قدّ القميص كانت مرجّحة، فمن جهة أنّ العزيز والشاهد رأيا يوسف يهرع خارجا من الباب وقد أبدت المرأة زينتها، والرجل الطالب للمرأة لا يخرج من الباب على هذا النحو، ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩)﴾

стр. 948

٢٩ - ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ الأمر فاكتمه حتى لا ينتشر الخبر وهو خطاب العزيز ليوسف، وأتبع ذلك أن طلب من زوجته الاستغفار لذنبها: ﴿وَاِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ﴾ كانت كثيرة الخطأ فيما مضى من أعمالها، وهو أحد الأسباب الذي زاد من قناعته في براءة يوسف، ويبدو أنه كان رجلا حليما. وها هنا فارق كبير بين القصة القرآنية وقصة سفر التكوين حيث يزعم الأخير أن العزيز صدّق امرأته وأودع يوسف السجن على الفور، كما أنه ليس في سفر التكوين التفاصيل المذكورة بالآيات (٣٠ - ٣٥)، ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ اِمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٣٠) ٣٠ - ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ سرت القصة من قصر العزيز إلى المدينة حتى تداولتها ألسن النسوة، ونسوة: جمع تكسير للقلّة من النساء، وهنّ قلّة لأنهنّ من بيوتات كبار الدولة التي سرى إليها الخبر ﴿اِمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾ عبّر عنه بالمضارع للدلالة على دوام المراودة ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ أي شقّ حبّه شغاف قلبها، فملك عليها أمرها حتى أنها لا تبالي بما يكون من عاقبة عملها ﴿إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لا يخفى على أحد، ولم يكن قول النسوة هذا إنكارا لتهتكها وإنما هو مكر بها كي يصل قولهنّ إليها فتبادر بدعوتهن لإبداء عذرها فيشاهدن يوسف بأنفسهنّ إرضاء لفضولهنّ. ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (٣١) ٣١ - ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أي باغتيابهنّ كما هو متوقّع، وكان من الطبيعي أن تسمع به لما هو معروف في أمثالهن من النميمة وتناقل الكلام فيما بينهنّ ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ تدعوهنّ إلى وليمة في دارها ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ هيّأت لهنّ ما يتكئن عليه إذا جلسن على الأرائك، والمعنى مجلسا مريحا ﴿وَآتَتْ﴾

стр. 949

﴿كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً﴾ ليقطعن به ما يأكلن من لحم وفاكهة، والظاهر أنها تعمدّت أن تكون السكاكين مشحوذة أكثر مما ينبغي ﴿وَقالَتِ﴾ ليوسف، وهنّ مشغولات بالتقطيع بالسكاكين ﴿اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ إذ كان في غرفة داخلية محجوبا عنهنّ، ولو كان في مكان خارج لقالت: ادخل عليهنّ، وهكذا تعمدّت أن يفاجئهنّ وهنّ مشغولات بما يقطّعنه من اللحم أو الفاكهة، وما يكون لهذه المفاجأة من شدة الدهشة والذهول: ﴿فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أعظمنه لشدة دهشتهنّ من جماله، أو لما رأين على وجهه من نور الهيبة ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ بدلا من تقطيع ما يأكلن ذهولا عمّا يعملن، والمعنى أنهنّ جرحن أيديهن بلا شعور منهنّ، ولما تملّكهنّ من الدهشة حتى أصبحت حركة الأيدي غير اختيارية فلم يشعرن بألم، وقد يكون كناية عن دهشتهنّ وذهولهنّ واستغراقهنّ في نوره ﴿وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ﴾ تنزيها لله سبحانه عن صفات التقصير والعجز وتعجبا من قدرته جلّ وعلا على مثل ذلك الخلق البديع ﴿ما هذا بَشَراً﴾ ما هكذا يكون البشر، نفين عنه البشرية إعظاما له ﴿إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ إذ لم يلتفت إليهنّ البتة، وقد رأين عليه مهابة النبوة وهيئة الملكية. ﴿قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أي ذلك هو واقع الحال الباهر الذي لم يكن في تصوّركن، ممّا أدّى بكنّ إلى ملامتي دون معرفة، ثمّ بعد أن أبدت عذرها في شدة عشقها ليوسف باحت ببقية سرّها بعد أن أقامت عليهنّ الحجّة: ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ وهو إقرار منها ببراءته وعفّته، والاستعصام دلالة على شدة المبالغة في الامتناع والتحفظ، أي طلب العصمة وتمسك بها عاصيا أمري ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ﴾ به فيما سيأتي، إصرارا منها على رغبتها فيه ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ أضافت على تهديدها بسجنه أن تجعله من الصاغرين، والصغار ضد الكبر، والمعنى أن تجعله في السجن من الأذلة المقهورين، وهو ما تأباه الأنفس الكبيرة، فاحتقار النفس أشقّ على

стр. 950

النفس العزيزة من العمل الشاق، وهذا التهديد ينم عن ثقتها بنفاذ رغباتها عند زوجها رغم علمه بأمرها واستعظامه كيدها. ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٣٣) ٣٣ - ﴿قالَ﴾ مناجيا ربّه حين سمع مقالتها ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ أسند الدعوة إلى النسوة جميعا مما يدلّ أنهنّ انصرفن لمحاولة إقناعه بالامتثال لطاعة امرأة العزيز، وقد يكون إن كل واحدة منهنّ أرسلت إليه سرّا تدعوه لنفسها، فلمّا رأى هذا الإجماع منهنّ والإصرار منها خاف على نفسه من تهديدها وشرّها فالتجأ إلى ربّه بالدعاء: ﴿وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ من إجماعهنّ على الإيقاع بي، وفي تحبيب ذلك إليّ وتثبيتي عليه ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أمل إليهنّ، أو إلى رغبتهنّ بما يدعونني إليه من طاعة امرأة العزيز، والصبوة الميل إلى الهوى والشهوة ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ بما يجب عليّ فعله. ﴿فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ فلم يصبّ إليهنّ، وثبّته على العصمة والعفّة ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعاء عباده، المجيب لمن أخلص له الدعاء ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوال العباد وصدقهم وما يصلح لهم. ﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ (٣٥) ٣٥ - ﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ﴾ أي لمن بيدهم الأمر والنهي وهم العزيز وزوجته، بالإضافة لكبار القوم الذين خشوا على زوجاتهم من الوقوع في غرام يوسف، وبدا لهم أي ظهر لهم رأي ليسجنّنه ولو كان لا يستحق ذلك ﴿مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ﴾ رأوا من الدلائل ما أقنعهم بإيداعه السجن رغم براءته ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ والمعنى أنّ العزيز طاوع زوجته بما أرادت من سجن يوسف ليس لقناعته بأنّ يوسف ارتكب جرما، وإنّما لكونه مطواعا لزوجته، زمامه في يدها، ولا
следующие страницы →