← Тафсир

Тафсир · id 30042

بيان النظم في القرآن الكريم

محمد فاروق الزين

Полный текст (2 031 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

﴿الظّالِمُونَ﴾ الظالمون في هذا الموضع الزناة لأنهم يظلمون أنفسهم وغيرهم، فلا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة. ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (٢٤) ٢٤ - ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ الهمّ القصد، والمعنى همّت به لتقهره على ما أرادت معه من المخالطة، ويحتمل المعنى إنها همّت بضربه بعد أن راودته عن نفسه فاستعصم بدليل قولها بعد ذلك: ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ (٣٢)، وقولها: ﴿أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٥١)، ﴿وَهَمَّ بِها﴾ من جهته ليدفعها عن نفسه ويمنعها مما أرادت، وربّما همّ بضربها أيضا، إذ يقال هممت بفلان أي بضربه ودفعه، بدليل قوله بعدها: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ (٣٣)، فما همّت به من قهره على المخالطة غير ما همّ به من دفعها، ولو كان همّه كهمّها لما مدحه تعالى بأنه من عباده المخلصين ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ وهو استبصار واستحضار ما عنده من العلم الدال على تحريم مراودتها له، وهو أيضا ما منعه من إيذائها فيما همّ به من دفعها وضربها، لأنه لو فعل لكان في ذلك ما يوجب هلاكه عند العزيز، وأيضا لو انشغل بالضرب أو الإيذاء لربّما تعلقت بقميصه فيتمزق من الأمام ويصبح ذلك حجة عليه بدلا من براءته ﴿كَذلِكَ﴾ إشارة إلى تثبيته بما رأى من برهان ربّه، أي مثل ذلك التثبيت ثبتناه ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ من خيانة العزيز ﴿وَالْفَحْشاءَ﴾ من الزنى ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ الذين أخلصهم الله لطاعته، ﴿وَاِسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ (٢٥) ٢٥ - ﴿وَاِسْتَبَقَا الْبابَ﴾ تسابقا إلى الباب - بحذف حرف الجر وهو كثير في التنزيل - هو يريد الخروج والهرب وهي تريد منعه من فتح الباب ﴿وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ﴾ أي قطعته على الطول وهي تجري وراءه متمسكة بقميصه ﴿وَأَلْفَيا﴾ وجدا ﴿سَيِّدَها﴾ وهو العزيز زوجها، فالمرأة تخاطب زوجها بلقب:

стр. 947

سيدي ﴿لَدَى الْبابِ﴾ خارج الباب ﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ المعنى ليس جزاؤه إلاّ السجن أو العذاب، وهذا الكلام تعريض لا تصريح بيوسف فهي لم تذكر اسمه صراحة، ثم إنها قدمت ذكر السجن على العذاب، صونا له عن السجن أو الألم، لشدة غرامها به، وقولها ﴿إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ﴾ بمعنى يوما أو نحوه، وإلا لو قصدت حبسا دائما لقالت يجب أن يجعل من المسجونين، كما أنها لم تذكر ما نوع السوء الذي أشارت إليه صونا للمحبوب عن العقاب الشديد. ﴿قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ (٢٦) ٢٦ - ﴿قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ لم يبدأ يوسف بهتك سرها إلا بعد أن خاف على نفسه العقاب فأظهر الأمر الذي لم تصرح هي به ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها﴾ كان حاضرا مع العزيز ﴿إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ انقطع من أمام ﴿فَصَدَقَتْ﴾ في قولها ﴿وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ فيما نسبه إليها من المراودة عن نفسه. ﴿وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٢٧) ٢٧ - ﴿وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ من الخلف ﴿فَكَذَبَتْ﴾ في دعواها ﴿وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فيما نسبه إليها. ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (٢٨) ٢٨ - ﴿فَلَمّا رَأى﴾ العزيز ﴿قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ قطع طولا من الخلف ﴿قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ لا قبل للرجال به، وعلامة قدّ القميص كانت مرجّحة، فمن جهة أنّ العزيز والشاهد رأيا يوسف يهرع خارجا من الباب وقد أبدت المرأة زينتها، والرجل الطالب للمرأة لا يخرج من الباب على هذا النحو، ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (٢٩)﴾

стр. 948

٢٩ - ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ الأمر فاكتمه حتى لا ينتشر الخبر وهو خطاب العزيز ليوسف، وأتبع ذلك أن طلب من زوجته الاستغفار لذنبها: ﴿وَاِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ﴾ كانت كثيرة الخطأ فيما مضى من أعمالها، وهو أحد الأسباب الذي زاد من قناعته في براءة يوسف، ويبدو أنه كان رجلا حليما. وها هنا فارق كبير بين القصة القرآنية وقصة سفر التكوين حيث يزعم الأخير أن العزيز صدّق امرأته وأودع يوسف السجن على الفور، كما أنه ليس في سفر التكوين التفاصيل المذكورة بالآيات (٣٠ - ٣٥)، ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ اِمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (٣٠) ٣٠ - ﴿وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾ سرت القصة من قصر العزيز إلى المدينة حتى تداولتها ألسن النسوة، ونسوة: جمع تكسير للقلّة من النساء، وهنّ قلّة لأنهنّ من بيوتات كبار الدولة التي سرى إليها الخبر ﴿اِمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ﴾ عبّر عنه بالمضارع للدلالة على دوام المراودة ﴿قَدْ شَغَفَها حُبًّا﴾ أي شقّ حبّه شغاف قلبها، فملك عليها أمرها حتى أنها لا تبالي بما يكون من عاقبة عملها ﴿إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ لا يخفى على أحد، ولم يكن قول النسوة هذا إنكارا لتهتكها وإنما هو مكر بها كي يصل قولهنّ إليها فتبادر بدعوتهن لإبداء عذرها فيشاهدن يوسف بأنفسهنّ إرضاء لفضولهنّ. ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ (٣١) ٣١ - ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أي باغتيابهنّ كما هو متوقّع، وكان من الطبيعي أن تسمع به لما هو معروف في أمثالهن من النميمة وتناقل الكلام فيما بينهنّ ﴿أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ﴾ تدعوهنّ إلى وليمة في دارها ﴿وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ هيّأت لهنّ ما يتكئن عليه إذا جلسن على الأرائك، والمعنى مجلسا مريحا ﴿وَآتَتْ﴾

стр. 949

﴿كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً﴾ ليقطعن به ما يأكلن من لحم وفاكهة، والظاهر أنها تعمدّت أن تكون السكاكين مشحوذة أكثر مما ينبغي ﴿وَقالَتِ﴾ ليوسف، وهنّ مشغولات بالتقطيع بالسكاكين ﴿اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ إذ كان في غرفة داخلية محجوبا عنهنّ، ولو كان في مكان خارج لقالت: ادخل عليهنّ، وهكذا تعمدّت أن يفاجئهنّ وهنّ مشغولات بما يقطّعنه من اللحم أو الفاكهة، وما يكون لهذه المفاجأة من شدة الدهشة والذهول: ﴿فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أعظمنه لشدة دهشتهنّ من جماله، أو لما رأين على وجهه من نور الهيبة ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ بدلا من تقطيع ما يأكلن ذهولا عمّا يعملن، والمعنى أنهنّ جرحن أيديهن بلا شعور منهنّ، ولما تملّكهنّ من الدهشة حتى أصبحت حركة الأيدي غير اختيارية فلم يشعرن بألم، وقد يكون كناية عن دهشتهنّ وذهولهنّ واستغراقهنّ في نوره ﴿وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ﴾ تنزيها لله سبحانه عن صفات التقصير والعجز وتعجبا من قدرته جلّ وعلا على مثل ذلك الخلق البديع ﴿ما هذا بَشَراً﴾ ما هكذا يكون البشر، نفين عنه البشرية إعظاما له ﴿إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ إذ لم يلتفت إليهنّ البتة، وقد رأين عليه مهابة النبوة وهيئة الملكية. ﴿قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ (٣٢) ٣٢ - ﴿قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ أي ذلك هو واقع الحال الباهر الذي لم يكن في تصوّركن، ممّا أدّى بكنّ إلى ملامتي دون معرفة، ثمّ بعد أن أبدت عذرها في شدة عشقها ليوسف باحت ببقية سرّها بعد أن أقامت عليهنّ الحجّة: ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ وهو إقرار منها ببراءته وعفّته، والاستعصام دلالة على شدة المبالغة في الامتناع والتحفظ، أي طلب العصمة وتمسك بها عاصيا أمري ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ﴾ به فيما سيأتي، إصرارا منها على رغبتها فيه ﴿لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ أضافت على تهديدها بسجنه أن تجعله من الصاغرين، والصغار ضد الكبر، والمعنى أن تجعله في السجن من الأذلة المقهورين، وهو ما تأباه الأنفس الكبيرة، فاحتقار النفس أشقّ على

стр. 950

النفس العزيزة من العمل الشاق، وهذا التهديد ينم عن ثقتها بنفاذ رغباتها عند زوجها رغم علمه بأمرها واستعظامه كيدها. ﴿قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ (٣٣) ٣٣ - ﴿قالَ﴾ مناجيا ربّه حين سمع مقالتها ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ أسند الدعوة إلى النسوة جميعا مما يدلّ أنهنّ انصرفن لمحاولة إقناعه بالامتثال لطاعة امرأة العزيز، وقد يكون إن كل واحدة منهنّ أرسلت إليه سرّا تدعوه لنفسها، فلمّا رأى هذا الإجماع منهنّ والإصرار منها خاف على نفسه من تهديدها وشرّها فالتجأ إلى ربّه بالدعاء: ﴿وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ﴾ من إجماعهنّ على الإيقاع بي، وفي تحبيب ذلك إليّ وتثبيتي عليه ﴿أَصْبُ إِلَيْهِنَّ﴾ أمل إليهنّ، أو إلى رغبتهنّ بما يدعونني إليه من طاعة امرأة العزيز، والصبوة الميل إلى الهوى والشهوة ﴿وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ بما يجب عليّ فعله. ﴿فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٣٤) ٣٤ - ﴿فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ فلم يصبّ إليهنّ، وثبّته على العصمة والعفّة ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ﴾ لدعاء عباده، المجيب لمن أخلص له الدعاء ﴿الْعَلِيمُ﴾ بأحوال العباد وصدقهم وما يصلح لهم. ﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ (٣٥) ٣٥ - ﴿ثُمَّ بَدا لَهُمْ﴾ أي لمن بيدهم الأمر والنهي وهم العزيز وزوجته، بالإضافة لكبار القوم الذين خشوا على زوجاتهم من الوقوع في غرام يوسف، وبدا لهم أي ظهر لهم رأي ليسجنّنه ولو كان لا يستحق ذلك ﴿مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ﴾ رأوا من الدلائل ما أقنعهم بإيداعه السجن رغم براءته ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ حَتّى حِينٍ﴾ والمعنى أنّ العزيز طاوع زوجته بما أرادت من سجن يوسف ليس لقناعته بأنّ يوسف ارتكب جرما، وإنّما لكونه مطواعا لزوجته، زمامه في يدها، ولا

стр. 951

ريب أنّ العزيز من جانبه رأى في سجن يوسف فرصة للتخلص منه، فما دام أنه لا يستطيع السيطرة على نزوات زوجته فلا أقل من إبعاد محبوبها عنها ﴿حَتّى حِينٍ﴾ إلى أجل غير محدد، حتى تهدأ الفضيحة، أو حتى ينقطع رجاء المرأة فيه وعشقها له. ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٣٦) ٣٦ - سجنوه بعد أن بدا لهم ذلك: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ صادف بتقديره تعالى أن دخل السجن معه فتيان من فتيان الملك، الآية (٤٣)، أي من عمّاله، أحدهما كما سوف يأتي بيانه المسؤول عن شرابه، والآخر الخباز، وفي السجن رأى كلّ منهما رؤيا في المنام، ورؤيا كل واحد منهما تناسب حرفته، فخاطبا يوسف قائلين: ﴿قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي﴾ أي في المنام ﴿أَعْصِرُ خَمْراً﴾ أعصر عنبا ليصبح خمرا، وهي تسمية الشيء بما يؤول إليه ﴿وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي﴾ في المنام ﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ وهي رؤيا الثاني، ثمّ قال كل واحد منهما ليوسف: ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أخبرنا ما تؤول إليه هذه الرؤى، أي تفسيرها ﴿إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ من الذين يحسنون تفسير الرؤى لما خبروا ذلك منه بعد إقامتهم معا في السجن لمدة من الزمن، وقد يكون المعنى إنّا نراك من المحسنين أي من كثيري الإحسان، وما قالا ذلك إلاّ نتيجة ما شاهدوه من كثرة أعماله الحميدة وحسن سيرته مع السجناء والسجّانين، فتعلّقت به آمالاهما واطمئنّا إليه. ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ (٣٧) ٣٧ - ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ﴾ تاليا ﴿إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ﴾ بتأويل ما رأيتم في المنام ﴿قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما﴾ الطعام، والمعنى سوف أنبئكم بتأويل ما طلبتم قبل أن تأتيكما وجبة طعامكم التالية، وفي حين أكد يوسف لهم الاستجابة

стр. 952

لطلبهم في القريب العاجل، حرص قبل ذلك على وعظهما وإرشادهما لما رأى فيهما من تقدير له، فاغتنم الفرصة وقال لهما: ﴿ذلِكُما﴾ ذلك التأويل والكشف عن المغيبات ﴿مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ بالوحي والإلهام وليس من قبيل الكهانة والتنجيم ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ وقد امتنعت عن ملّتهم، والإشارة لديانة الكنعانيين في فلسطين الذين أقام بينهم أولا، أو ديانة الهكسوس الذين أقام بينهم بعد ذلك، وهم إما وثنيون أو مشركون ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ﴾ إما أنهم يكفرون بالآخرة، أو أنهم لا يؤمنون بها على الوجه الصحيح فيتخبطون في تفسيرها، ثم أتبع يوسف موعظته بأن شرح لهم أنه من سلالة الأنبياء وبيّن لهم رسالة التوحيد: ﴿وَاِتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ (٣٨) ٣٨ - استمرار الخطاب أي امتنعت عن ملّة المشركين ﴿وَاِتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ مبينا لهما أنه من سلالة الأنبياء ﴿ما كانَ لَنا﴾ نحن معشر الأنبياء ﴿أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ كائنا ما كان من البشر أو الملائكة أو الأصنام أو العجل أو الشمس ﴿ذلِكَ﴾ التوحيد وعدم الشرك ﴿مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا﴾ بأن هدانا إليه ﴿وَعَلَى النّاسِ﴾ بأن بعث فيهم الرسل، وكرّمهم برسالة التوحيد إذ حررهم من الخرافات، ولما في الشرك من الحطّ من كرامة الإنسان ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ هذه النعمة، بل يشركون بالله ما لم ينزّل به سلطانا وما يستتبع ذلك من هدر مكانتهم الإنسانية التي كرمهم تعالى بها، انظر [الإسراء ٧٠/ ١٧]. ومن جهة ثانية، يستفاد من الآية أن الهكسوس كانوا على علم ببعثة إبراهيم وإسحاق ويعقوب وإلا ما كان هنالك معنى لإشارة يوسف إليهم في خطابه، كما يلاحظ التأكيد على أن محور بعثة هؤلاء الرسل هو التوحيد ونفي الشرك الأمر الذي لم يأت الكتاب اليهودي المقدس على ذكره في سياق القصة.

стр. 953

﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ﴾ (٣٩) ٣٩ - ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ أي يا صاحبيّ في السجن، بحذف حرف الجر ﴿أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ﴾ في العدد والكثرة، تعبدونهم وتستعبدون أنفسكما لهم خلافا لكل عقل ومنطق ﴿خَيْرٌ﴾ لكما؟ بما في ذلك من الاضطراب والانقسام فيكم ﴿أَمِ اللهُ الْواحِدُ﴾ الذي يستحيل أن يكون غيره بوجه من الوجوه، وقد خلقكم وكرّمكم ﴿الْقَهّارُ﴾ الغالب على أمره، في مقابلة هؤلاء المتفرقين من أصنام وزعماء وقديسين وكواكب الذي سميتموهم أربابا وهم مقهورون مغلوبون على أمرهم، ومع ذلك تذلّون أنفسكم وتضعونها لهم. ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (٤٠) ٤٠ - ﴿ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى ﴿إِلاّ أَسْماءً﴾ هي مجرّد ألفاظ فارغة لا مسميات تحتها، ليس لها في الحقيقة من وجود ولا حول ولا قوة ﴿سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ﴾ بمحض الجهل والتقليد ﴿ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ﴾ ليس من حجة تدل على صحتها لا عقلا ولا نقلا ﴿إِنِ الْحُكْمُ﴾ الحق في العقائد والعبادات والشرع ﴿إِلاّ لِلّهِ﴾ وحده، بوحيه لمن اصطفى من رسله، وليس لبشر أن يحكم فيه برأيه وهواه، ولا بعقله واستدلاله، ولا باجتهاده واستحسانه ﴿أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾ وكلّ ما عداه خاضع لإرادته وسننه في أسباب المنافع والمضار ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ الثابت الذي دلّت عليه البراهين، وجاءت به الرسل ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك حق العلم، أو لا يعلمون شيئا أصلا فهم يعبدون مجرد أسماء في حين أن المسمّى غير حاصل. ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ (٤١) ٤١ - بعد أن أكمل يوسف موعظته وإرشاده لهما، بدأ بتأويل رؤياهما: ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمّا أَحَدُكُما﴾ الذي رأى أنه يعصر خمرا ﴿فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾

стр. 954

ربّه بمعنى سيّده ومالك رقبته ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ﴾ الخباز الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه ﴿فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ وهي الطيور الجارحة تأكل من لحم رأسه وهو مصلوب، وهذا التأويل قريب من رؤيا كل منهما، وهو من مكاشفات يوسف، ثم أضاف تأكيدا منه لهما وجوابا على ما قد يكون بدا منهما من الشك في فتواه هل هي ظنية أم قطعية: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ أي الأمر الذي أشكل عليكما وتستفتياني فيه قد قضي وبتّ فيه وانتهى حكمه، قال ذلك ليثقوا بأن تأويله من الوحي وليس من التنجيم، والاستفتاء في اللغة السؤال عن المجهول والمشكل، والفتوى جوابه سواء كان نبأ أم حكما، ثم غلب استخدام الفتوى في المسائل الشرعية، ﴿وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ (٤٢) ٤٢ - ﴿وَقالَ﴾ يوسف ﴿لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا﴾ وهو الذي يعصر خمرا أي ساقي العزيز، والظانّ هو يوسف، وقد يكون الظن بمعنى اليقين ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أي عند الملك، اذكر له خبري وأحوالي وما رأيت مني، فلعل الملك يعكس قرار العزيز بسجني ﴿فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أنسى الشيطان الساقي ذكر إخبار الملك بما طلب يوسف منه - بحذف المضاف - ﴿فَلَبِثَ﴾ يوسف ﴿فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ منسيّا مظلوما بنتيجة نسيان الساقي لوصية يوسف، ﴿وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ (٤٣) ٤٣ - لّما دنا فرج يوسف رأى ملك مصر رؤيا عجيبة هالته: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ﴾ وهو أحد ملوك الهكسوس الستة الذين هيمنوا على شمال مصر خلال فترة (١٦٣٠ ق م - ١٥٢٠ ق م) راجع المقدمة ﴿إِنِّي أَرى﴾ في المنام، وعبّر عنها بالمضارع أي كأني أراها الآن ﴿سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ﴾ جمع سمين وسمينة ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ﴾ سبع بقرات في غاية الضعف والهزال تأكل البقرات

стр. 955

السبع السمان ﴿وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ﴾ قد انعقد حبّها ﴿وَأُخَرَ﴾ وسبع أخر ﴿يابِساتٍ﴾ اليابسات التوت على الخضر حتى غلبن عليها، والنتيجة أن الملك رأى في المنام: الناقص الضعيف يستولي على الكامل القوي، مما ينذر بشرّ مستطير تشوّق إلى معرفته، فقال: ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ والخطاب للأعيان والحكماء من حاشيته ﴿أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ﴾ أخبروني ما معناها وما يكون مآلها ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ﴾ تعبير الرؤيا الإخبار بعاقبتها وآخر أمرها، ﴿قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ (٤٤) ٤٤ - ﴿قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ أي هذه الرؤيا من جنس أضغاث الأحلام، أي أخلاط أحلام فيها من الخلط والخيال والاضطراب والباطل مما ليس له معنى، والأضغاث جمع ضغث، وهي الحزمة من النبات المختلط، فشبّه به الخلط والأباطيل ﴿وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ يعني أنهم لم يكونوا عالمين بتأويل أضغاث الأحلام كونها أخلاطا باطلة لا معنى لها، وقد يعلمون تأويل الأحلام المعقولة الواضحة، ويحتمل أنهم نفوا علمهم بتأويل الأحلام إطلاقا. ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ (٤٥) ٤٥ - بعد عجز الملأ عن تأويل رؤيا الملك قال لهم الساقي وهو يسمع الحوار إن في الحبس رجلا فاضلا صالحا عالما وطلب الإذن ليأتي منه بالتأويل: ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما﴾ الساقي الذي نجا من الحبس ﴿وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي بعد حين، تذكر طلب يوسف إخبار الملك بحاله ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي أخبركم بتأويل ما خفي عليكم بالتلقي ممّن عنده علم، لا من تلقاء نفسي، ولذا لم يقل أفتيكم ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾ إلى من عنده علم التأويل، وهو بالطبع يوسف إلا أنه لم يصرح باسمه خشية أن يرسلوا غيره إليه، وحرصا أن يكون هو المرسل إلى يوسف، والخطاب بصيغة الجمع تبجيلا للملك، أو قد يكون خطابا للملك وملئه معا.

стр. 956

﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٤٦) ٤٦ - بعد أن قال الساقي فأرسلوني: أرسلوه إليه فأتاه فقال له: ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾ البالغ في الصدق قولا وعملا ﴿أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ﴾ أفتنا في رؤيا ذلك، وبيّن لنا مآله وحكمه: ﴿لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ﴾ من أولي الأمر وأهل الحل والعقد فأخبرهم، وعلّق أمر رجوعه لأنه لا يدري ما يكون ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ تأويل الرؤيا. ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ (٤٧) ٤٧ - أجاب يوسف بتأويل الرؤيا وجعل إجابته في صيغة الوصية أو الأمر الموجه لأهل الحل والعقد بما يجب عليهم عمله: ﴿قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً﴾ عليكم بالزراعة الدؤوب - أي المستمرة - سبع سنين بلا انقطاع حيث سيكون الماء وفيرا بفيضان النيل، فالتأويل جاءهم به خبرا بمعنى الأمر، لقّنه للساقي، وهذا من بلاغة أسلوب وإيجاز القرآن، فهو قد أفادهم بما يجب عليهم عمله لتلافي ما دلت عليه الرؤيا من الخطر الداهم قبل وقوع تأويلها أو مآلها، والدليل على كون خطابه بمعنى الأمر قوله: ﴿فَما حَصَدْتُمْ﴾ في كل عام من الأعوام السبع ﴿فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ لئلا يفسد ويلحقه السوس، لأن بقاء الحبة في سنبلها يحفظها من الفساد ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تَأْكُلُونَ﴾ تستهلكونه للضرورة في كل سنة، مع الاقتصاد في الاستهلاك والاكتفاء بما يسد الرمق حرصا على ادخار المحاصيل للمستقبل، فهذه السنين السبع هي تأويل البقرات السبع السمان، وكل سنبلة من السنبلات السبع الخضر تأويل لمحصول سنة. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ (٤٨) ٤٨ - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي من بعد السنين السبع ذات الخير الوفير ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾ سبع سنوات من القحط والجدب تشح خلالها مياه النيل فلا

стр. 957

يحصل الفيضان الذي تزرع به ضفافه ﴿يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾ السنين العجاف تأكل مخزون سنوات الخير، وإسناد الأكل إلى السنين مجاز، والمعنى يأكل الناس خلال سنوات القحط ما تم ادخاره في سنوات الخير ﴿إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ﴾ ما تدخرونه لأجل البذور، واشتقاقه من الحصن أو الحرز، فهذه السنين السبع من الجدب والقحط هي تأويل البقرات السبع العجاف، حيث يتم خلالها استهلاك محاصيل السنوات السبع الوفيرة، وكل سنبلة من السنبلات السبع اليابسة تستهلك واحدة من السنبلات السبع الخضر من ادخار سنوات الخير. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ (٤٩) ٤٩ - ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ فيفيض النيل بهطول الأمطار في أعاليه، وتزرع السهول على ضفتيه وتكثر الخيرات ﴿وَفِيهِ﴾ أي في العام الثامن ﴿يَعْصِرُونَ﴾ ما شأنه أن يعصر كالزيتون والعنب والقصب والسمسم والفواكه لكثرة المحصول، والإخبار بهذه الخاتمة بالتفصيل زيادة من عند يوسف لا علاقة لها بتأويل الرؤيا، وقد يكون علمها من الوحي. ﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ (٥٠) ٥٠ - الواضح أن الساقي أخبر الملك وملأه تأويل يوسف للرؤيا فاستحسنه الملك وطلب حضوره: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ﴾ لأسمع منه شخصيا فمثل هذا الرجل العالم جدير أن أعرفه ﴿فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ﴾ وبلغه أمر الملك بالحضور ﴿قالَ اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ إلى سيّدك الملك ﴿فَسْئَلْهُ﴾ قبل شخوصي إليه ﴿ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ما حقيقة أمرهنّ معي؟ قاله تلميحا لا تصريحا، أي ليستطلع الملك الموضوع ويعرف براءتي بنتيجة التحقيق سلفا، حتى لا يكون خروجي من السجن مع ثبوت تهمة باطلة ضدي تشوه سمعتي وتبقى سيفا مصلتا فوق رقبتي، وأنا لا أقبل الخروج على سبيل العفو الملكي عن تهمة أنا بريء منها ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ الله تعالى ﴿بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ فحسابهنّ على الله،

стр. 958

ويحتمل أن يكون قصد الملك بقوله ﴿رَبِّي﴾ ويبدو أن قصة النسوة كانت فاضحة جدا حتى صارت الإيماءة لها كافية، ويستبعد أن يكون قصد العزيز بقوله ﴿رَبِّي﴾ لأن ذلك يكون استشهادا به وتقريعا له معا، ويلاحظ أن يوسف لم يطعن في النسوة ولم يشهّر بهنّ واكتفى بوصفهن أنهن قطعن أيديهن ولم يصرح بمراودتهن له حفظا لكرامتهنّ، كما تفادى ذكر امرأة العزيز بالذات تأدبا وتكرما ومراعاة لها ووفاء لزوجها، وإنما كان كلامه في النسوة عاما مبهما فترك للملك أمر التحقيق بالتفاصيل. ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ اِمْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٥١) ٥١ - رجع الساقي إلى الملك وأخبره أن يوسف لا يستجيب لدعوته الخروج من السجن حتى يحقق مسألة النسوة، فأمر الملك بإحضار النسوة وقال لهنّ: ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ﴾ الخطب الشأن العظيم ﴿إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ﴾ فهل كان ذلك عن ميل منه إليكنّ ومغازلة؟ ﴿قُلْنَ حاشَ لِلّهِ﴾ معاذ الله ﴿ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ من هذا القبيل أو غيره ﴿قالَتِ اِمْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ وكانت حاضرة مع باقي النسوة ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ ثبت وظهر وتبين الحق، واشتقاقه من الحصة أي ظهرت حصة الحق من حصة الباطل ﴿أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ وليس العكس ﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي في قوله: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ (٢٦). ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ﴾ (٥٢) ٥٢ - استمرار كلام امرأة العزيز بقولها: ﴿ذلِكَ﴾ الاعتراف مني بالواقع ﴿لِيَعْلَمَ﴾ يوسف، إذ سوف يبلغه عني هذا الكلام ﴿أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ﴾ فلم أقل فيه وهو لا يزال في السجن ما هو خلاف الواقع، كما أعترف، وهو غائب، ببراءته أمام الملك، مثلما لم أتهمه قبل أن يسجن، فقد صرحت لزميلاتي النسوة أني راودته عن نفسه واستعصم، ولم أتهمه عند العزيز بما ينافي الأخلاق والشرف ﴿وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ﴾ لا يهدي كيدهم إلى الفلاح

стр. 959

والتوفيق، بل تكون عاقبة كيدهم الفضيحة والخذلان، مثلما أننا كدنا له فلم يكن عاقبة كيدنا إلا الخذلان والفضيحة حتى شهدنا له في هذا المجلس، وأقررنا بالذنب على أنفسنا. ويحتمل كلامها معنى آخر وهو: أن ذلك الذي اعترفت به ليعلم زوجي أني لم أخنه في خلوتي أو خلوتي مع يوسف وكل ما هنالك أني راودته عن نفسه فاستعصم، ولئن برأت يوسف من الإثم فلا أبريء نفسي، - كما سيرد في تتمة الخطاب -. وأما نسب خطاب هذه الآية ليوسف - كما يرى البعض - فلا يستقيم لأسباب: أولا أن يوسف لم يكن حاضرا المجلس ليدلي بهذا الكلام، وثانيا أن العزيز كان مقتنعا أصلا أن يوسف لم يخنه بالغيب إذ شاهد قميصه قدّ من دبر فقال لامرأته: ﴿وَاِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ﴾ (٢٩)، وامرأة العزيز لم تتهم يوسف بل سبق أن اعترفت بقولها: ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ (٣٢)، وكررت اعترافها بقولها: ﴿أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ (٥١)، وأما ما بدا لهم من سجنه فدفعا للفضيحة وللحيلولة بين المرأة وبين يوسف لما كان يعتلج في صدرها من عشق شديد له، وثالثا الكلام موصول بعضه ببعض من عبارة: ﴿قالَتِ اِمْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ فالقول أن بعضه كلام المرأة وتتمته كلام يوسف، وافتراض مجلسين منفصلين، كما افتراض تخلل الفواصل بين القولين لا مبرر له، ورابعا تتمة القول: ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ في الآية التالية واضح أنه كلام اعتذار من المذنبة ولا يصح أن يصدر عن يوسف لأن البراهين قاطعة في براءته من الذنب. ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥٣) ٥٣ - ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ وهو اعتراف المرأة بذنبها صراحة، ثم عللت الذنب بقولها: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ إشارة إلى أن النفس بطبعها كثيرة الميل إلى الشهوات، بل المعاصي، وهي أيضا إشارة لضعف النفس البشرية

стр. 960

وصراعها مع نوازع الشر كما في قوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء ٢٨/ ٤]: ﴿إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي﴾ إلا النفوس التي رحمها الله تعالى بالعصمة كنفس يوسف ﴿إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ استغفرت ربها واسترحمته مما ظهر منها. وهنا نلاحظ أن رواية العهد القديم أغفلت جميع التفاصيل المذكورة في الآيات (٥٠ - ٥٣). ﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ (٥٤) ٥٤ - بعد ما ظهر للملك من مزايا يوسف ما ظهر من سمو الخلق من أمانة واستقامة وطهارة قال: ﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أجعله خالصا لنفسي دون العزيز، أي ليكون ساعدا لي وحدي في الدولة والحكم، عقلا مدبرا وإرادة تحسم أمور الدولة، وأمانة تحفظها ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ أتوا به فكلمّه الملك وحاوره ورأى حسن جوابه ومنطقه ونقاشه ﴿قالَ﴾ له الملك ﴿إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ﴾ لك المكانة التي تستطيع بها تنفيذ خطة الصلاح ﴿أَمِينٌ﴾ مؤتمن على كل شيء، جدير بموقع المسؤولية، وذلك تكليف من الملك لم يطلبه يوسف لنفسه. ﴿قالَ اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٥٥) ٥٥ - ﴿قالَ﴾ يوسف للملك مستجيبا لطلبه ﴿اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ﴾ أرض مصر، والمقصود اجعلني أمينا على خزائن أقوات مصر فأتصرف في الشأن المالي الاقتصادي وفي الموارد والمصادر وأحتاط خاصة قبل سني الجدب السبعة القادمة ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾ عليها، بحكم أمانتي وإخلاصي ﴿عَلِيمٌ﴾ بالتصرف بها وفق مصلحة الناس، بحكم كفاءتي ومعرفتي بالوسائل، مما يمكنني من تحقيق التوازن الاقتصادي للبلد في أوقات الجدب وأوقات الرخاء، فأكون في مستوى الثقة التي توسمتها فيّ، قال ذلك لكونه صاحب رسالة يريد من خلال

стр. 961

المنصب نشر دعوة التوحيد وتحقيق العدالة بين الناس ورعاية المستضعفين، لا لأجل مطامع شخصية مادية ولا مطامح ذاتية. ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٥٦) ٥٦ - ﴿وَكَذلِكَ﴾ أي مثل ذلك التمكين البديع، ومن خلال العناية الإلهية ﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ﴾ من سلطة مطلقة ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ في أرض مصر ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ﴾ يتحرك فيها حيث يشاء مفوضا بالحكم ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ﴾ ومن رحمته تعالى نزول الوحي عليه ﴿وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ المحسنين قولا وعملا، يثيبهم تعالى إن في الدنيا أو في الآخرة. ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ (٥٧) ٥٧ - ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ من أجر الدنيا، لأن أجر الدنيا هيّن وقصير وزائل مهما كان عظيما بالمقارنة مع النعيم الأبدي في الآخرة ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ يتقون سوء العاقبة، فالإيمان مقرون بالعمل. ﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ (٥٨) ٥٨ - انقضت سنوات الخير السبعة وحلّت السنوات العجاف وعمّ الجدب مصر وما حولها من البلدان بما فيها فلسطين التي كان يقطنها يعقوب وعشيرته، ولكن الخطة التي اتبعها يوسف في مصر من الادخار من سنوات الخير لسنوات الجدب أدت لمخزون فائض من الحبوب وجعلت مصر بمنأى عن المجاعة التي عمت البلدان المجاورة، فصار الناس يقصدون مصر طلبا للقوت ومن ضمنهم إخوة يوسف جاؤوا يقايضون بضائعهم بالحبوب: ﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ لأنه كان هو المسؤول عن التصرف بفائض المخزون وتوزيعه والاتجار به مع الناس فلا يتم ذلك إلا بإذنه وتحت إشرافه ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ لأن ملامحهم لم تزل في ذهنه منذ صغره وقد كانوا كبارا

стр. 962

عندما فارقهم وكان يترقب حضورهم تصديقا للآية: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (١٥)، ﴿وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ لأنهم تركوه صغيرا وربما ظنوا أنه صار في عداد الأموات أو بيع في سوق النخاسة. ﴿وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ (٥٩) ٥٩ - ﴿وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾ بما يرغبون من الحبوب، وأزمعوا الرحيل والعودة إلى بلدهم وقد أدرك يوسف أنهم محتاجون للعودة إليه قريبا طلبا للمزيد من القوت لأن المجاعة سوف تستمر لفترة طويلة فقال لهم: ﴿قالَ اِئْتُونِي﴾ في المرة القادمة ﴿بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ فهو من أم غير أمهم، ويبدو أنهم حدثوه عنه وعن أبيهم الضرير، ولا بد أن يوسف كان في غاية الشوق لمعرفة أحوال أبيه وأخيه بنيامين من أبيه ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ للحاضرين دون احتكار، ويبدو أنه بسبب الأزمة الاقتصادية كان يوسف يكتفي بإعطاء حمل بعير واحد فقط لكل فرد ﴿وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ في استضافة الأغراب. ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ (٦٠) ٦٠ - ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي﴾ في المرة القادمة ﴿وَلا تَقْرَبُونِ﴾ إن لم تفوا بهذا الشرط. ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنّا لَفاعِلُونَ﴾ (٦١) ٦١ - ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ﴾ سنخادعه عنه ونحتال ونجتهد حتى ننتزعه منه ﴿وَإِنّا لَفاعِلُونَ﴾ قصارى ما في وسعنا. ﴿وَقالَ لِفِتْيانِهِ اِجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (٦٢) ٦٢ - ﴿وَقالَ لِفِتْيانِهِ اِجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ﴾ التي يقايضون بها ﴿فِي رِحالِهِمْ﴾ حتى يكون ما أخذوه من الحبوب دون مقابل ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى﴾

стр. 963

﴿أَهْلِهِمْ﴾ لعلّهم يعرفون حق ردها، أو تكون مفاجأتهم بهذه المبادرة الكريمة حافزا إضافيا لهم للعودة ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يتوقون للعودة إلى مصر مع أخيهم، ويحتمل أن يوسف خشي أن لا يتوافر لدى أبيه وإخوته من البضائع ما يقايضون عليه في المرة التالية لشدة القحط، كما أراد أن يكون ذلك الكرم وحسن الوفادة حافزا لأبيه أن يبعث بنيامين إليه مع بقية إخوته. ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ (٦٣) ٦٣ - ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ﴾ وحدثوه برحلتهم الناجحة وما أحضروه من المؤن وحديثهم مع العزيز ﴿قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ في المرات القادمة ما لم يذهب معنا أخونا، وهو شرط العزيز ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا﴾ بنيامين ﴿نَكْتَلْ﴾ المؤن له ولنا ﴿وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ قالوه لإزالة الشك والقلق من ذهن أبيهم. ﴿قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (٦٤) ٦٤ - ﴿قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ قد أكّدتم مثل ذلك من قبل في أخيه يوسف ولم تحفظوه، فما يؤمنني الآن منكم؟ ولكن ما الخيار لي أمام إلحاحكم في ظل ما نعيشه من مجاعة؟ ﴿فَاللهُ خَيْرٌ﴾ منكم ﴿حافِظاً﴾ أي حفظه تعالى لأخيكم خير من حفظكم له ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ فليس لنا إلا رحمته التي وسعت كل شيء. ﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ (٦٥) ٦٥ - ﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾ فكان ذلك حجة إضافية لهم أمام أبيهم ﴿قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي﴾ أيّ شيء نبغي فوق هذا الإكرام؟ ﴿هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا﴾ فما نبغي عند رجوعنا إليه بضاعة أخرى للمقايضة ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنا﴾ بالمؤن ﴿وَنَحْفَظُ أَخانا﴾ مما تخافه من السوء ﴿وَنَزْدادُ﴾

стр. 964

﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ بوجوده معنا ﴿ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ على العزيز فهو يكيل لنا دون مقابل. ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ (٦٦) ٦٦ - ﴿قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ﴾ حتى تعطوني ما أتوثق به من عند الله، فتقسموا: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ إلا في حالة واحدة وهي أن يحاط بكم من كل جانب فتتعرضوا للهلاك دونه أو تغلبوا وتقهروا دونه، أي تستنفدوا كل وسائلكم لحمايته ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾ عهدهم من الله تعالى ﴿قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ شهيد عليكم موكل بالأمر، ثم زيادة في الحيطة أمرهم بما عليهم أن يتخذوه من الأسباب: ﴿وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَاُدْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (٦٧) ٦٧ - ﴿وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا﴾ مصر ﴿مِنْ بابٍ واحِدٍ﴾ من جهة واحدة لما قد يسببه ذلك من إثارة الشكوك والريبة ﴿وَاُدْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ من جهات متعددة فلا تلفتوا الأنظار لجمعكم، وإذا أصاب السوء بعضكم فلا يقع على الكل ﴿وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ فتلك مجرد تدابير احترازية ولضرورة اتخاذ الأسباب الدنيوية بأقصى الجهد والمقدرة ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ﴾ فيما هو كائن وما سيكون من أموري وأموركم فهي واقعة لا محالة ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في جميع أموري بعد أن اتخذت الأسباب بأقصى جهدي ومقدرتي، ولأن تدبير الأسباب غير مخل بالتوكل ﴿وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ في إرجاع كل الأمور إليه تعالى. ﴿وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦٨)﴾

стр. 965

٦٨ - ﴿وَلَمّا دَخَلُوا﴾ مصر ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾ أي متفرقين ﴿ما كانَ يُغْنِي﴾ رأي يعقوب ﴿عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لأنّ الحذر لا ينجي من القدر، فكل ما يقع في الوجود بقضائه تعالى وسابق مشيئته وحكمته في علاقة الأسباب بالمسببات، وإذا أراد تعالى شيئا هيّأ له أسبابه ﴿إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها﴾ أي فيما كان يريده من الحيطة ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ﴾ بكل ما ذكر ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ لأنهم مغترّون بالظواهر. ﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦٩) ٦٩ - وصل الإخوة إلى مصر ﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ﴾ وسلّموا عليه وعرفوه على أخيهم ﴿آوى إِلَيْهِ أَخاهُ﴾ بنيامين، فقربه إليه وتحدث معه بعاطفة حميمة وأسرّ إليه: ﴿قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾ يوسف ﴿فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ من المكائد فقد جاء الفرج، ثم إنه وضع خطة للاحتفاظ به عنده، ونلاحظ هنا أن يوسف كشف هويته لأخيه بنيامين فور لقائه وذلك خلافا لرواية سفر التكوين التي تزعم أنه عرّف نفسه لجميع اخوته في آن واحد في نهاية القصة. ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ﴾ (٧٠) ٧٠ - ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾ من المؤن ﴿جَعَلَ السِّقايَةَ﴾ أي وعاء الكيل، ويبدو أنه كان ذا قيمة ﴿فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾ جعل السقاية ضمن متاع أخيه بنيامين، فلما أزمع الأخوة الرحيل: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ﴾ نادى المنادي ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ أو أيتها القافلة ﴿إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ﴾ قال الرازي أن ليس في القرآن أنهم نادوا بذلك النداء عن أمر يوسف ﵇ والأقرب لظاهر الحال أنهم فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم، وفي هذه قد يكون - كما يلزم أن نستنتج - أن يوسف وضع السقاية بشكل خفي في رحل بنيامين كهدية خاصة لأخيه المفضّل دون أن يعرف خدمه ذلك، وبالطبع لم يرد إعلام باقي إخوته العشرة.

стр. 966

﴿قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ﴾ (٧١) ٧١ - ﴿قالُوا﴾ أي الأخوة ﴿وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ﴾ أجابوا وهم مقبلون عائدون إلى عمال يوسف ﴿ماذا تَفْقِدُونَ﴾ حتى اتهمتمونا بالسرقة؟ ﴿قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (٧٢) ٧٢ - ﴿قالُوا﴾ أي خدم يوسف ﴿نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ﴾ وهو صواع ذو قيمة لا يمكن التساهل به كما أنه مختص بالملك ﴿وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ من المؤن، لأن الأمر في غاية الأهمية ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ الزعيم الكفيل، كما في الحديث: "الزعيم غارم"، والمعنى أنا أكفل مكافأة من يعيده بحمل بعير من المؤن، وفي ذلك تخفيف لوقع التهمة بالسرقة بما معناه أنه قد يكون هناك خطأ غير مقصود أدى إلى ضياع الصواع. ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنّا سارِقِينَ﴾ (٧٣) ٧٣ - ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ﴾ علما جازما من سلوكنا معكم ﴿ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾ بالسرقة أو بغيرها ﴿وَما كُنّا سارِقِينَ﴾ قبل ذلك حتى نسرق الآن. ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ (٧٤) ٧٤ - ﴿قالُوا﴾ أي أصحاب يوسف ﴿فَما جَزاؤُهُ﴾ أي ما جزاء السارق عندكم وفي شريعتكم؟ فنحن لن نعاقب السارق بموجب شريعتنا بل نريد أن نلزمكم بما تفرضه شريعتكم تسامحا وتكرما من جانبنا ﴿إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ﴾ في ادعاء البراءة؟ ﴿قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ (٧٥) ٧٥ - ﴿قالُوا﴾ أي الأخوة ﴿جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ﴾ الصواع ﴿فِي رَحْلِهِ﴾ ويكون سارقا ﴿فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ أي يكون السارق نفسه هو جزاء جرم السرقة، بمعنى أنه يفقد حريته فيستعبد ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ في شريعتنا، وقد

стр. 967

يكون أن هذه العبارة الأخيرة من كلام أصحاب يوسف فهي من قبيل التأكيد والموافقة لكلام الأخوة. ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اِسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ (٧٦) ٧٦ - ﴿فَبَدَأَ﴾ المؤذّن البحث ﴿بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ﴾ أي قبل البحث في وعاء أخي يوسف، لأن بنيامين بدا صغير السن بريئا بعيدا عن الشك خلافا لمظهر باقي أخوته العشرة ﴿ثُمَّ اِسْتَخْرَجَها﴾ أي السقاية أو الصواع ﴿مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ﴾ بنيامين ﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ﴾ أي دبّرنا له هذا التدبير للوصول إلى هذه النتيجة، والكيد التخطيط، وهو هنا التدبير الإلهي الخفي، ممّا يدلّ أن يوسف - على الرغم من محبته الشديدة لأخيه بنيامين - لم يكن يخطط لهذه النتيجة ولم يكن يتوقعها فقد كان يعلم أن على أخيه الصغير العودة مع باقي إخوته إلى أبيه المكلوم، ثم إنه لم يعلن حقيقة وضع الصواع في وعاء أخيه لأنه لم يرغب كشف هويته لإخوته العشرة حتى حين وإلى أن ينفضح غلهم وحسدهم له كما سيرد في الآية التالية ﴿ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ ما كان بإمكان يوسف احتجاز أخيه على هذا النحو لأن شريعة الملك توجب الحبس والعقاب للسارق، ولكنه التدبير الإلهي أن ألزم الإخوة أنفسهم سلفا بما تفرضه شريعتهم ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ﴾ فيهييء الأسباب لما يريد ﴿نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ رفعه بالعلم والتقوى حسبما تقتضيه الحكمة والمصلحة ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ﴾ من أولئك المرفوعين ﴿عَلِيمٌ﴾ لا يحيطون بعلمه إلا بما شاء. ﴿قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ (٧٧) ٧٧ - ﴿قالُوا﴾ أي الإخوة ﴿إِنْ يَسْرِقْ﴾ بنيامين ﴿فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يقصدون يوسف، وهكذا بهتوه واختلقوا الكذب عليه، فلا زالت قلوبهم

стр. 968

مليئة بالحسد والبغض له بعد كل هذه السنين، وهذا الاتهام من الأخوة ليوسف يفسر السبب الذي من أجله لم يكن يرغب يوسف كشف هويته لهم قبل الوقت المناسب ﴿فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ﴾ سكت عن مقالتهم وأسرّ في نفسه القول: ﴿قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً﴾ لدوام حقدكم وحسدكم بعد مرّ السنين، وقد أسرّ هذا القول في نفسه حلما وصفحا عنهم ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ من الأكاذيب. ﴿قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٧٨) ٧٨ - ﴿قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً﴾ طاعنا في السن لا يقوى على فراقه ﴿فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ﴾ لأن أيّاً منّا ليس بمنزلة بنيامين عند أبيه ﴿إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ لجميع الناس على عادتك: ﴿قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنّا إِذاً لَظالِمُونَ﴾ (٧٩) ٧٩ - ﴿قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ﴾ ظاهر الكلام يفيد وجوب العمل بما تقتضيه الشريعة حسب مذهبهم، وباطن الكلام أنه تعالى ألهم يوسف الاحتفاظ بأخيه الصغير عنده لحكمة عليا خافية ﴿إِنّا إِذاً لَظالِمُونَ﴾ أي إذا عملت بخلاف ذلك. ﴿فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ (٨٠) ٨٠ - ﴿فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ يئسوا من اقناع يوسف بإطلاق بنيامين أو أخذ أحدهم مكانه ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ انفردوا للنجوى أي للتشاور فيما بينهم ﴿قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ﴾ حلفتم بالله عند أبيكم أن تحفظوا بنيامين ﴿وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ﴾ انتزعتم يوسف من أبيكم وتخلصتم منه، وهذه هي المرة الثانية، ولذلك: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أرض

стр. 969

مصر ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ بالعودة إليه ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي﴾ أي لصالحي فأتمكن من استعادة أخي ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ﴾ خير من حكم البشر إطلاقا. ﴿اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ (٨١) ٨١ - ﴿اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا﴾ له ﴿يا أَبانا إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ﴾ بحسب قول العزيز وأصحابه ﴿وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا﴾ أي من ظاهر قولهم أن صواع الملك وجد في رحل بنيامين ﴿وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ﴾ فكيف كان لنا أن نعلم سلفا أنه سوف يسرق ويحتجز؟ فالغيب لا يعلمه إلا الله تعالى، وزيادة في التأكد: ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ (٨٢) ٨٢ - ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ اسأل أهل القرية، والقرية هي مصر، لأن القرية بمعنى القوم أو المجتمع، والمعنى: إن لم تثق بما نقول أرسل من تثق به إلى مصر فليسأل أهلها عما حدث ﴿وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها﴾ أسأل أهل العير أيضا، أي المسافرين معنا في القافلة ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ﴾ في قولنا لم نختلق شيئا منه، كل ذلك كلام كبيرهم وهم يتشاورون، فرجعوا فقالوا لأبيهم ذلك فأجابهم: ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (٨٣) ٨٣ - ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً﴾ أي زيّنت وسهّلت لكم أنفسكم أمرا عظيما أدّى إلى فقدان بنيامين والنجاة بأنفسكم، يريد بذلك قولهم ليوسف: ﴿جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ﴾ فالعزيز أخذ بنيامين بفتواهم له، ثم قولهم: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ وبذلك أكدوا ثبوت التهمة على أخيهم ولم يستغربوها ولم يحاولوا إنكارها ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أولى من الجزع، أو بمعنى: فصبري صبر جميل، أي لا شكوى فيه إلا لله تعالى، وهو ذات قوله وقت فقد يوسف ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾ أي يوسف

стр. 970

وبنيامين والأخ الأكبر الذي بقي بمصر، ونلاحظ أن يعقوب لا زال على يقين بأن يوسف حيّ يرزق فهو يتوقع تحقق رؤياه (الآيات ٤ - ٥ - ٦) ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بحالي وحالهم ﴿الْحَكِيمُ﴾ يبتلي ويرفع البلاء بمقتضى الحكمة. ﴿وَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَاِبْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (٨٤) ٨٤ - ﴿وَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أعرض عنهم لبرهة من الزمن لا يريد أن يسمع المزيد من كلامهم، ومع أن الصدمة كانت بسبب فقد بنيامين فقد جددت أحزانه القديمة على يوسف إذ قال: ﴿وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ رغم أنهم نقلوا إليه خبر بنيامين وليس يوسف ﴿وَاِبْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ فلم يعد يبصر إذ انتابته رغبة قوية في العمى سيطرت على إرادته إذ لا يريد أن يرى الدنيا خالية من محبوبيه يوسف وبنيامين والنتيجة أن صدمة فقد الولد الثاني قد تكون أدّت به إلى عمى نفسي ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ كاظم لأحاسيسه. ﴿قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ﴾ (٨٥) ٨٥ - ﴿قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا﴾ ما تفتؤ أي ما تزال ﴿تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضاً﴾ فتصبح مريضا لشدة حزنك، والحرض فساد الجسم ﴿أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ﴾ فتوافيك المنية من الغم، والمعنى أنك الآن في غمّ وهمّ وبلاء ونخشى أن يصيبك ما هو أعظم وهو الهلاك لشدة حزنك، أرادوا مواساته لعله يترك الحزن. ﴿قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٨٦) ٨٦ - ﴿قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ أي لا أشكو إليكم، وإنما شكواي لله وحده فدعوني، والبث النشر ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ إشارة إلى قوله بالآية ٦٧: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ فالله وحده يأتي بالفرج من حيث لا يحتسب، وذلك لعلمه أن يوسف لا زال حيّا وهو ما كان موقنا به من البداية بدليل قوله لهم في الآية التالية:

стр. 971

﴿يا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ (٨٧) ٨٧ - ﴿يا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا﴾ التحسّس استخدام الحواس في التعرف على الأمور والتنقيب عنها ﴿مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أي من أخبارهما، ولم يذكر الثالث لأن خبره معروف وغيبته اختيارية ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾ أي من تفريجه الكروب وتنفيسه الهموم ورحمته التي يحيا بها العباد ﴿إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ وذلك لجهل الكفار بالله تعالى وصفاته، قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف ١٥٦/ ٧]، ثم إن إخوة يوسف قبلوا وصية أبيهم وسارعوا للعودة إلى مصر بحجة المقايضة: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ (٨٨) ٨٨ - ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ على يوسف وهم لا زالوا يجهلون هويته ﴿قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أصابنا الهزال بسبب الجفاف والقحط ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ اعتذروا أن بضاعتهم التي جاؤوا بها للمقايضة قليلة وقد تكون رديئة لا تليق بما يتوقعون مقابلها من الحبوب، وبضاعة مزجاة بمعنى لا يحرص المرء عليها لتفاهتها ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ أتممه لنا ولا تنقصه بسبب قلة بضاعتنا أو رداءتها، والمقصود تساهل معنا ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ بما يزيد عن قيمة بضاعتنا ﴿إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ أحسن الجزاء. ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ (٨٩) ٨٩ - يحتمل أن يوسف بنظرته النبوية كان يعلم - علما إجماليا - موقف أبيه من إخوته ووصيته لهم أن يذهبوا فيتحسسوا من أخباره وأخبار أخيه، وخاصة بعدما علم من بنيامين أخبار أبيه وحزنه وتعاسته، فلذلك استغرب منهم تركيز كلامهم على البضاعة والكيل، ولا بد أيضا أنه تأثر من وصفهم حالهم وحال

стр. 972

أهلهم - بمن فيهم أبوهم - بالضر وأشفق عليهم ورأى أن قد حان الوقت لإعلامهم: ﴿قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ أي أما آن لكم أن تدركوا قبح ما فعلتم بهما ﴿إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ أي فعلتم ما فعلتم عندما كنتم في جهالة الأنانية والمصلحة العاجلة، فكأنه بذلك يجد عذرا لهم، وهكذا تأكد لهم بمقالته هذه أنه يوسف، وربّما عرفوه لوجود بنيامين معه في موقع التكريم والحفاوة وليس في مقام المستعبد، ولربما استشفوا فيه ملامح من صغره، فقالوا له: ﴿قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٩٠) ٩٠ - ﴿قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي﴾ اسألوه ﴿قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ بالسلامة والكرامة والعزة، وبالجمع بيننا بعد الفرقة ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ في التقوى والصبر. ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ (٩١) ٩١ - ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا﴾ ليس فقط بالملك والعلم والحلم والفضل، وإنما بمنصب النبوة ﴿وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾ متعمّدين للإثم فلم نتّق ولم نصبر، فلا غرابة أن آثرك الله علينا. ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ (٩٢) ٩٢ - ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ﴾ أي لا تقريع عليكم ولا تأنيب ولا عتب، تأدّبا منه وحفظا لماء وجههم ﴿الْيَوْمَ﴾ ومن باب أولى في المستقبل ﴿يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ وهو دعاء لهم بالمغفرة منه تعالى ﴿وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ بمغفرته للتائبين. ﴿اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ (٩٣) ٩٣ - ﴿اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً﴾ أدرك يوسف ﵇ وهو الذي علّمه تعالى من تأويل الأحاديث - أن عمى أبيه

стр. 973

سببه الحزن الشديد على فقد ولديه وأنه بمجرد بشارته بوجودهما في أحسن حال يستعيد بصره بنتيجة رغبته العارمة لرؤية ولديه من جديد ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ جوابا على قولهم: ﴿يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي فليأتوا جميعا ويقيموا معي في رغد من العيش. ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ (٩٤) ٩٤ - ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ﴾ غادرت القافة مصر وفيها أولاد يعقوب ﴿قالَ أَبُوهُمْ﴾ لمن حوله ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ أي رائحته أو روحه كأنه أمامي، فقد كان يعقوب موقنا من الأصل بنجاة يوسف، وإن كان يقينه بذلك إجماليا لا مفصّلا، والآن أدرك تحقق الفرج ﴿لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أي لولا أن تنسبوني إلى الخرف لصدّقتموني. ﴿قالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ (٩٥) ٩٥ - ﴿قالُوا﴾ وهم الحاضرون حوله ﴿تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ لأنهم اعتقدوا أن يوسف مات منذ زمن طويل، ولذلك نسبوا قول يعقوب إلى الضلال ومجانبة الحقيقة، وهذا الكلام منهم دليل عدم اعتبار كثير من الأنبياء والرسل والعباقرة بين أقوامهم وأهليهم، ﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ (٩٦) ٩٦ - ﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ﴾ وهو أحد إخوة يوسف ﴿أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ﴾ ألقى القميص على وجه أبيه ﴿فَارْتَدَّ بَصِيراً﴾ لشدة المفاجأة السارة وكما توقع يوسف ﴿قالَ﴾ يعقوب لمن حوله ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ إشارة لقوله لهم في السابق: ﴿إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾ وقوله: ﴿وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ﴾.

стр. 974

﴿قالُوا يا أَبانَا اِسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ (٩٧) ٩٧ - ﴿قالُوا يا أَبانَا اِسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾ إقرار منهم بذنبهم وخطئهم وطلب المغفرة، بعد أن استغفر لهم أخوهم يوسف من قبل. ﴿قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٩٨) ٩٨ - ﴿قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ لأن يوسف من جهته لا يحمل لهم أي ضغينة ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾ للتائبين من الذنب ﴿الرَّحِيمُ﴾ بالعباد. ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ (٩٩) ٩٩ - في الخطاب إيجاز وتقديره أنهم استجابوا لدعوة أخيهم يوسف إذ قال لهم: ﴿وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فسافر آل يعقوب بمجملهم إلى مصر ثم كانوا نواة لبني إسرائيل فيها: ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ﴾ كرّمهم وقرّبهم إليه ﴿وَقالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ﴾ وأقيموا فيها ﴿إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ يعني على أنفسكم وأموالكم وأهلكم، وآمنين من القحط والفاقة والشدة. ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ (١٠٠) ١٠٠ - ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ كناية عن تكريمهما ورفعة منزلتهما عنده ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ يعني الإخوة الأحد عشر والأبوين، كناية عن تواضعهم ليوسف، وقيل الضمير في (له) عائد إليه تعالى أي خرّوا سجّدا وشكرا لله تعالى ﴿وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا﴾ إشارة لقوله: ﴿يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (٤)﴾، ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ أي من البادية ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي أفسد بيني وبينهم،

стр. 975

وقد نسب الإفساد إلى الشيطان وهذا في غاية اللياقة ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ إذ حكمته خافية على معظم الخلق ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بجميع الأحوال والاعتبارات ﴿الْحَكِيمُ﴾ في فعله وقضائه، منزّه عن العبث والباطل. ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ (١٠١) ١٠١ - ثم دعا يوسف ربّه: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ﴾ من: للتبعيض، لأن الملك المطلق والسلطة المطلقة لله وحده ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ من التأويل، لأن مطلق التأويل والغيب لا يعلمه إلا الله ﴿فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي مبدعهما، والفطر هو الشقّ، فيقال فطره فانفطر أي انشقّ، وتفطّر أي تشقّق، والفطر أيضا الابتداء والابتداع، ونظرية العلماء اليوم أن الكون انفطر من كتلة صغيرة جدا كحجم الذرة، ذات كثافة لا متناهية، فكانت بداية الكون بما يسمونه الانفطار الكبير - الانفجار الكبير Big Bang - الذي لا يزال الكون بنتيجته يتسع حتى الآن، انظر [الأنعام ١/ ٦]، ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ﴾ متولّ أموري وتتولاّني بالنعمة في الدارين ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً﴾ أي بحيث أبقى طيلة حياتي على الإسلام مستسلما لقضائه تعالى وقدره منشرح الصدر مطمئن البال ﴿وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ من عبادك فأكون مثلهم في صلاحهم ومآلهم. ﴿ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ (١٠٢) ١٠٢ - ﴿ذلِكَ﴾ ما ذكرنا لك من قصة يوسف ﴿مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ﴾ بخلاف عالم الشهادة الذي يشهده جميع الناس ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ فلم يكن من سبيل لمعرفتك به إلا بطريق الوحي ﴿وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ لدى أخوة يوسف ﴿إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ أن يجعلوه في غيابة الجب ﴿وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ بأخيهم مكر السيء، والمقصود أنّ هذا الإخبار عن الغيب من قبيل الإعجاز، فالنبي لم يقرأ

стр. 976

العهدين القديم والجديد اللذين لم يكونا متاحين بالعربية في عصره أصلا كما لم يثبت أن كان هنالك مركز ثقافي مسيحي أو يهودي في جزيرة العرب ينشر ثقافة الديانتين، والقصة على أية حال جاءت مختلفة ومصححة لكثير من الغرائب المتناقضة الواردة في العهد القديم. ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠٣) ١٠٣ - ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ﴾ على إيمانهم ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ لفساد استعدادهم لأن أكثرهم متمسك بالتقليد لا يكاد يقدر على التفكير المستقل، ولا يستطيع الانفلات من دائرة الجمود المتوارث عن الآباء والأجداد، وإن اقتنع بخلافها فهو يخاف على مكاسبه المادية بين قومه ومعارفه كما يخشى على مكانته الاجتماعية بينهم أن يقولوا خرج على معتقدات أهله وقومه، وهذا الأمر ليس مقتصرا على الناس وقت بعثة النبي ﷺ فهو عام في كل الأزمنة وقد تمر أجيال قبل أن تثمر جهود الداعية، وبعد الفتوحات الإسلامية بقي أكثر الناس في البلاد المفتوحة على دينهم إلى أن دخلوا الإسلام طواعية بالتدريج بعد أجيال عديدة، ويستثنى من هؤلاء الناس من لم تفسد فطرتهم باليهودية أو المسيحية ومثلها أي الباقون على فطرتهم الأصلية، كما هو شأن الوثنيين في أفريقية وجنوب أمريكا وشرق آسية حيث يجد المبشرون المسلمون والمسيحيون تربة خصبة وثمرات سريعة لنشاطهم. ﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ (١٠٤) ١٠٤ - ﴿وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ﴾ أي على البلاغ ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ لأن الدعوة خالصة لوجهه تعالى ﴿إِنْ هُوَ﴾ أي القرآن ﴿إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ﴾ وليس لأمة بعينها كما هي حال الكتب السابقة، وسمّي القرآن ذكرا لأنه يذكّر البشر بالميثاق الفطري المأخوذ عليهم، انظر [الأعراف ١٧٢/ ٧] و [الرعد ١٩/ ١٣ - ٢٠].

стр. 977

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ (١٠٥) ١٠٥ - ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾ من دلائل توحيد الخالق وقدرته وحكمته وبديع صنعه ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ يجيئون ويذهبون ﴿وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ لا يلتفتون إليها ولا يكترثون لانهماكهم في دنياهم، فلا عجب أنهم لم يتأملوا في معجزات القرآن الكريم. ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (١٠٦) ١٠٦ - ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ كما هي حال المسيحية الذين يقولون بالتثليث، وكما هي حال الذين يأتمرون بأحبارهم وبرؤسائهم في الباطل، وكما هي حال المنافقين والمرائين، وحال المعتقدين بنفع أهل القبور والنذر لها. ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (١٠٧) ١٠٧ - ﴿أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللهِ﴾ عقوبة تغشاهم وتعمّهم ﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ من حيث لم يتوقعوا فيفوت أوان توبتهم ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ لأنهم منغمسون في دنياهم لاهثون وراءها. ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اِتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٠٨) ١٠٨ - ﴿قُلْ﴾ لهم أيها النبي ﴿هذِهِ سَبِيلِي﴾ أي طريقي وهو طريق التوحيد والقرآن والدعوة ﴿أَدْعُوا إِلَى اللهِ﴾ إلى عبادة الله وحده ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أي إن دعوتي لكم مبنية على البصيرة والحجة والبرهان، لأن القرآن يناشد العقل ويحث في الكثير من الآيات على التفكر في مضمونه، وأن ما أدعو إليه ليس فيه شيء من الغموض بل هو منسجم مع الفكر السليم ﴿أَنَا وَمَنِ اِتَّبَعَنِي﴾ أدعوكم إلى الإسلام، وهنالك معنى آخر ذكره الرازي فيمن يتصدّى للدعوة يشترط أن يكون على بصيرة ممّا يقول وعلى هدى ويقين، فإن لم يكن كذلك فهو محض

стр. 978

الغرور ﴿وَسُبْحانَ اللهِ﴾ تنزيها له عمّا يشركون ﴿وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ بل أتبرأ من شرككم. ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (١٠٩) ١٠٩ - ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلاّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ردّ على المتعجبين أن كيف يمكن نزول الوحي على بشر مثلهم؟ مع أن هذه السنة مطردة في الخلق أن جميع الرسل بشر ﴿مِنْ أَهْلِ الْقُرى﴾ وأن الرسل يبعثون من مجتمعاتهم نفسها ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يتفكروا في السنن الكونية وتاريخ من قبلهم من الأمم ﴿وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ من الدار الفانية ﴿لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أفلا تستخدمون ما وهبكم الله من العقل للوصول إلى الطريق القويم؟ ﴿حَتّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ (١١٠) ١١٠ - ﴿حَتّى إِذَا اِسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ من إيمان قومهم بعد أن طال عليهم العهد في دعوتهم، واضطهاد أقوامهم لهم ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا﴾ المعنى أن مدة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر منه تعالى قد طالت حتى استشعر الرسل القنوط وتوهموا أن لا نصر لهم في الدنيا، وقد يكون الذين ظنّوا أنهم قد كذبوا هم الأقوام يظنون لشدة تعنتهم وتمسكهم بالتقليد أن بلاغ الرسل لهم كذب ﴿جاءَهُمْ نَصْرُنا﴾ فجأة ﴿فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ﴾ من المؤمنين ﴿وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ فهو واقع بهم لا محالة، والآية تلخص سنته تعالى فيما سبق من بعث الرسل. ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾

стр. 979

١١١ - ﴿لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ﴾ أي قصص الرسل، في إشارة للآية (٣)، ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ﴾ كما في قصة يوسف هذه من العبر، وما يؤول إليه الرسل عامة من النصر على مكذّبيهم، وهي نبوءة صدقتها الأحداث بحتمية نصر النبي ﷺ ، والعبرة هي لأولي الألباب أي ذوي العقول، لأنهم هم الذين يعتبرون ويستخدمون عقولهم ﴿ما كانَ﴾ هذا القرآن ﴿حَدِيثاً يُفْتَرى﴾ إشارة لمصدره الإلهي ولاستحالة افترائه من قبل بشر، وفي ذلك إشارة للآيات (١ - ٢)، ﴿وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأنّ القرآن يصدّق ما تبقى من الوحي الصحيح في الكتب السابقة، وهو معنى قوله: بين يديه، وفي قصة يوسف بالذات نلاحظ اختلاف القصة عن التشويه الذي لحق بها في العهد القديم ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مما يحتاجه المرء للهداية ﴿وَهُدىً﴾ من الضلال ﴿وَرَحْمَةً﴾ في الدنيا والآخرة ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ لأنهم هم الذين يستفيدون من هدي القرآن. ***

стр. 980

سورة الرعد - ١٣ - مختلف في كونها مكية أم مدنية مقدّمة هنالك خلاف ملحوظ بين العلماء حول كون هذه السورة مكية أم مدنية، ويميل البعض إلى اعتبار السورة مدنية مع كون بعض آياتها مكية، وبعضهم يقول إنها مكية ولكن بعض آياتها مدنية، أما الزمخشري فيكتفي بالقول إنه مختلف بها. اسم السورة مشتق من ورود كلمة الرعد في الآية (١٣) وليس معنى ذلك أن الرعد موضوع السورة، إذ كما هي الحال في باقي سور القرآن الكريم فإن اسم السورة ليس سوى عنوان لها ولا يعني أنه موضوع السورة الرئيسي، ولذا قالوا عنها أيضا: السورة التي يذكر فيها الرعد. ارتباط السورة بما قبلها في سورة يوسف أن أكثر الناس يبقون على الكفر بالرغم من حرص المؤمنين على هدايتهم: ﴿وَما أَكْثَرُ النّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (١٠٣/ ١٢)، وقد ختمت سورة يوسف بقوله تعالى: ﴿ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (١١١/ ١٢)، ثم افتتحت سورة الرعد بقوله: ﴿المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١/ ١٣)،

стр. 981

محور السورة يبدو محور السورة واضحا في الآية الأولى منها: ﴿المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١)، فهي تركّز على حقيقة الوحدانية ومباديء الأخلاق الأساسية المتضمنة في الوحي السماوي الذي نزل على البشر متتاليا عبر الرسل، وتحشد السورة البراهين على الغيب، وتخاطب العقل الإنساني فتحضه على إدراك الحقيقة بشكل مستقل وتبين أن سبب كفر الكفار أنهم مكبّلون بأغلال التقليد: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُراباً أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ (٥)، ولأن: ﴿اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١١)، سوى أنه في نهاية المطاف لا بد من ظهور الحق وزوال الباطل: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ (١٧)، وأن المشيئة الإلهية اقتضت أن يكون الناس أحرارا في خيارهم فلا يجبرهم تعالى على الهدى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللهُ لَهَدَى النّاسَ جَمِيعاً﴾ (٣١)، غير أنه لا يمكن لأحد أن يهمل أو يتجاهل الوحي دون أن يتحمل النتائج الطبيعية التي تترتب على مثل هذا الإهمال والإصرار على الكفر: ﴿وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيباً مِنْ دارِهِمْ حَتّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ (٣١)، فالمشركون في حالة من العجز الفكري إذ يؤمنون بالوهم: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ (٣٣)، لكن الذين أوتوا فهم الكتاب من ذوي الإدراك السليم والفكر المستقل يفرحون بما نزل من القرآن الكريم إذ يغربل الصحيح من الزائف في الكتب السابقة: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (٣٦)، وأن كل رسالة

стр. 982

سماوية نزلت لتناسب عصرها إلى أن نسخت رسالة الإسلام ما قبلها: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ (٣٩). ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ ﴿المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) ١ - ﴿المر﴾ الله أعلم بمراده، راجع شرح آية [البقرة ١/ ٢]، ﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ﴾ القرآن الكريم ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ من الوحي هو ﴿الْحَقُّ﴾ المبين، ورغم ذلك: ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ لتشنّجهم على التقليد وإعراضهم عن التفكير المستقل، ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ (٢) ٢ - ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ المشتملة على النظام الكوني الهائل بما فيه من المجرات والنجوم والكواكب التي لا تحصى ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ لأن العمد التي ترفع النظام الكوني هي قوانين الفيزياء والجاذبية التي أوجدها الخالق فهي لا ترى بالعين، وإن كانت ترى بالعلم فهي تعبير عن قدرته تعالى في النظام الكوني وتدبيره ﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كناية عن مقدرته تعالى المطلقة في الخليقة وتدبيره وحفظه لها، وحرف ﴿ثُمَّ﴾ هنا ليست للتراخي الزمني، إنما للبعد المعنوي، وقد يفيد معنى العطف راجع إعراب القرآن للزجاج، فالزمن في هذا المقام لا معنى له، وليست هنالك حالة ولا هيئة لم تكن لله ثم كانت، فهو سبحانه منزّه عن الحدوث وعن الزمان والمكان، ونلاحظ أن الاستواء على العرش قد تكرر في القرآن سبع مرات في كل مرة يذكر فيها خلق الكون، وهي [الأعراف ٥٤/ ٧]، [يونس ٣/ ١٠]، [الرعد ٢/ ١٣]، [طه ٥/ ٢٠]، [الفرقان ٥٩/ ٢٥]، [السجدة ٤/ ٣٢]، [الحديد ٤/ ٥٧]،

стр. 983

﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ لكي يكون هنالك حياة على الأرض بالحال الذي نعهده ﴿كُلٌّ يَجْرِي﴾ في مسارات ثابتة وحدود مرسومة وفق النظام الكوني لا يتعديانه ولا ينحرفان عنه ﴿لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فيكون الأجل النهائي الذي ينقطع بعده النظام، انظر [التكوير ١/ ٨١ - ٢]، ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ أمر الملكوت ضمن خطة حكيمة فلا يتركها عبثا بعد الخلق ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ﴾ آيات الكتاب فتكون بينة واضحة، والآيات الكونية الدالة على الإعجاز ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ لعلكم تتفكرون بهذه الآيات المفصّلة فتتوصلوا منها إلى العلم اليقيني بحتمية البعث والجزاء. ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٣) ٣ - استمرار الخطاب في الآيات الكونية: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ﴾ فجعلها صالحة للحياة ﴿وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ﴾ جبالا ﴿وَأَنْهاراً﴾ تبعث الحياة ﴿وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ﴾ وهي أعضاء التأنيث والتذكير في الزهور المتلاقحة، ففي غالب الأحوال تشتمل الزهرة التي تنبثق عنها الثمرة على عضوي التذكير والتأنيث معا، وفي بعض الأحوال تكون أعضاء التذكير في زهور منفصلة عن زهور أعضاء التأنيث في النبتة نفسها، كما هنالك حالات تكون فيها الأشجار بالكامل مذكرة أو مؤنثة كما في النخيل العربي والبابايا الهندي ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ الإغشاء والتغشية إلباس الشيء بالشيء، والمعنى أن الليل يزحف على النهار فيغطيه تدريجيا في إحدى جهات الكرة الأرضية، في الوقت الذي يكون النهار زاحفا على الليل فيغطيه تدريجيا فط الجهات الأخرى، واللفظ يحتمل الحالتين معا، وفيه دليل على كروية الأرض، انظر آية [الأعراف ٥٤/ ٧]، ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ هم الذين يعملون الفكر في المغزى من هذا الخلق البديع.

стр. 984

﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (٤) ٤ - ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ ولكنها مختلفة في طبيعة التربة وصلاحيتها للزرع ونوع الزرع الذي تنبت ﴿وَجَنّاتٌ﴾ حدائق وبساتين ﴿مِنْ أَعْنابٍ﴾ من أشجار الكروم ﴿وَزَرْعٌ﴾ من كل نوع ﴿وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ﴾ ذات فروع مشتركة بجذر واحد ﴿وَغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ منفردة بجذر واحد ﴿يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ﴾ لا اختلاف فيه سواء كان من المطر أو النهر أو الينابيع، ومع ذلك تختلف ثمارها: ﴿وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ يختلف طعم بعض الأصناف عن طعم أصناف أخرى رغم وجود التشابه في ماء السقاية وتشابه التربة، وفي آيات [الأنعام ١٤١/ ٦، ٩٩] مزيد من التفصيل وبيان مغزى الخلق والبعث ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ﴾ باهرة ومقنعة ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يستخدمون عقولهم على الوجه السليم. ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُراباً أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ (٥) ٥ - ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ﴾ أيها النبي، أو أيها العاقل، أو أيها المؤمن، من معجزات الخلق هذه ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنّا تُراباً أَإِنّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ الأعجب من آيات الخلق كفر الكافر مع كل هذه المعجزات والآيات الباهرات التي يستطيع المرء أن يدركها بالملاحظة، والدالّة على وجود قدرة خالقة مهيمنة، والأكثر عجبا أولئك الذين قد يؤمنون بوجود الخالق غير أنهم يشكّون في البعث والجزاء - كما هي الحال عند بعض اليهود - فما دام أن الخالق أوجد الكون والحياة على النحو الذي نشاهد فما الذي يمنع من الخلق ثانية على نحو لا نستطيع الآن إدراكه ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ دون حجة ولا برهان ﴿وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ﴾ الآن في هذه الحياة الدنيا قبل الآخرة، فالأغلال الدنيوية كناية عن استسلامهم لأوهامهم واغترارهم بالحياة الدنيا وامتناعهم عن الإيمان وعبوديتهم

стр. 985

للمادة، فكأنهم مقيدون بقيود التقليد لا يرجى فكاكهم ﴿وَأُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ لا ينفكون عنها نتيجة طبيعية لما كانت عليه نفوسهم في الدنيا. ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ (٦) ٦ - ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ يقولون ذلك إمعانا في التحدي، ومن قبيل السخرية يطلبون نزول العقاب بهم - قبل أوانه - إنكارا منهم لإمكانية حدوثه، وهذا التحدي منهم بلغ مبلغ الحماقة فقد أغلقوا عقولهم سلفا وامتنعوا عن الحوار والفكر السليم، ولم يبق عندهم سوى العجز أمام الطرح الفكري للرسالة والإيمان فاختاروا لأنفسهم ما لا يتوافق مع مصلحتهم الحقيقية وإن كان قد يناسب مصالحهم الآنية ﴿وَقَدْ خَلَتْ﴾ تحققت ﴿مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ﴾ العقوبات التي نزلت في الماضي بأمثالهم من الجاحدين فلم ينظروا فيها ولم يعتبروا بها ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ يغفر لهم رغم ظلمهم ويعطيهم فرص التوبة والإصلاح ولا يعاجلهم بالعقوبة ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ﴾ للمصرّين على الجحود والكفر الذين فسد استعدادهم فلا يرجى صلاحهم ولا توبتهم. ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ (٧) ٧ - ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ وهو نوع آخر من أنواع التحدي والجهل والحمق يبديه المكابرون أو العاجزون عن استعمال عقولهم إذ يطلبون معجزة مادية تلمسها أيديهم، ولكن القرآن الكريم يبين في آيات عديدة أنّ أمثال هؤلاء المكابرين المصرين على الكفر لا يؤمنون حتى لو فتحت لهم أبواب السماء، انظر [الحجر ١٤/ ١٥ - ١٥]، وحتى لو عاد الموتى من الآخرة ليخبروهم بحقيقتها انظر [الأنعام ١١١/ ٦]، وحتى لو نزل الوحي عليهم في كتاب ملموس انظر [الأنعام ٧/ ٦]، وحتى لو جاءتهم كل آية من الآيات الباهرات، انظر [يونس ٩٦/ ١٠ - ٩٧] و [الأنعام ١٠٩/ ٦ - ١١٠]،
следующие страницы →