لو شهد بإسلام رجلٍ، صلَّيت عليه، ولو شهد أنّه ارتدَّ، لم أقبل شهادته.
وقال الحسن عن أبي حنيفة: إذا أخبر رجلٌ من المؤمنين (١)، أو امرأةٌ، أو عبدٌ ثقةٌ أنّه رأى الهلال (٢)، فينبغي أن يصوموا ولا يفطروا إلا مع الإمام وجماعة المسلمين، وهذا خلاف قول محمد؛ لأنّه أوجب الصوم بالاحتياط، ولم يخرجه منه بالشكِّ.
قالوا (٣): ولو صاموا بشهادة شاهدين، أفطروا بتمام العدد؛ لأنّ قولهما يقبل في الفطر.
فأمّا هلال ذي الحجة، فقد ذكر أبو الحسن: أنّه كهلال شوال؛ لأنّه يتعلّق به منفعةٌ لآدميٍّ، وهو جواز الأضحية.
وقد روي عنهم: أنّه تقبل [فيه] شهادة الواحد إذا كانت بالسماء علَّةٌ؛ لأنّه أمرٌ من أمور الدين، فصار كهلال رمضان.
٨٦١ - فَصْل: [الاعتبار في رؤية الهلال]
قال أبو الحسن: لا يعتبر في رؤية الهلال رؤيته قبل الزوال، ولا بعد الزوال (٤)، وإنّما العمل على رؤيته قبل الغروب من الشمس، وهذا صحيحٌ إذا رأى الهلال آخر يوم من رمضان قبل الزوال، أو بعده، فهو لليلة المستقبلة، وقال أبو يوسف: إذا كان قبل الزوال، فهو لليلة الماضية.
стр. 1017
وقد روي عن عمر (١)، وابن مسعود (٢)، وابن عمر (٣)، وأنس (٤) مثل قولنا، وروي عن عمر رواية أخرى: أنّه لليلة الماضية (٥)، وهو قول عليٍّ (٦) وعائشة (٧).
وجه قولهما: قوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته"، والمراد بالرؤية الماضية؛ ولأنّ الهلال أقرب إلى الليلة المُستقبلة منه إلى الليلة (٨) الماضية، فكونه لها أولى.
وجه قول أبي يوسف: أنّه لا يُرى قبل الزوال، إلا أن يكون لليلتين، فوجب أن يحكم بوجوب الفطر.
٨٦٢ - فَصْل: [القضاء بعدد أيام الفطر]
قال أبو يوسف: إذا صام أهل مصرٍ تسعة وعشرين [يومًا]، وأفطروا للرؤية،
стр. 1018
وفيهم مريضٌ لم يصم، فعليه قضاء تسعة وعشرين يومًا إذا علم ما صام أهل مصره؛ لأنّ القضاء يجب بعدد أيام الفطر، فإذا أفطر تسعة وعشرين، قضى مثلها.
وقد قالوا: فيمن أفطر شهرًا لعذرٍ ثلاثين يومًا، ثم قضى شهرًا، فكان تسعة وعشرين يومًا (١)، أنّ عليه قضاء يوم آخر؛ لأنّ المعتبر العدد الذي أفطر فيه دون الهلال.
قال أبو الحسن (٢) رحمه الله تعالى: فإن لم يعلم هذا الرجل ما صنع أهل مصره، صام ثلاثين؛ لأنّ الأصل أنّ الشهر ثلاثون يومًا، وإنّما ينقص فرضه بنقصان العدد، فإذا لم يعلم ذلك، فهو على أصل التمام (٣).
قال: وإن صام أهل بلدٍ ثلاثين يومًا للرؤية، وصام أهل بلدٍ [آخر] تسعةً وعشرين يومًا للرؤية، فعلم ذلك من صام تسعة وعشرين [يومًا]، فعليهم قضاء يوم؛ وذلك لأنّ الذين صاموا ثلاثين يومًا، قد رأوا الهلال قبل هؤلاء بليلةٍ، والعمل على قول من رأى، دون من نفى الرؤية، وهذا إذا كان بين البلدين تقاربٌ لا تختلف فيه مطالع الهلال.
فأما إذا بَعُد أحد البلدين من الآخر بُعدًا كثيرًا، لم يلزم أهل أحد البلدين حكم الآخر؛ لأنّ مطالع البلاد تختلف.
وقد حُكي عن ابن عبد الله بن أبي موسى الضرير، أنه استفتي في أهل الإسكندرية أن الشمس تغيب فيها ومن على مناراتها ترى الشمس بعد ذلك بزمانٍ
стр. 1019
كثيرٍ، فقال: يحلّ لأهل البلد الفطر، ولا يحل لمن على رأس المنارة الفطر إذا كان يرى غروب الشمس؛ لأنّ مغرب الشمس يختلف، فيعتدّ كلّ واحدٍ [منهم] بالغروب عنده.
٨٦٣ - فَصْل: [عدم قبول شهادة رؤية هلال رمضان]
قال أصحابنا: إذا رأى الرجل هلال رمضان، فلم يقبل الإمام شهادته، فعليه أن يصوم؛ لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "صوموا لرؤيته، [وأفطروا لرؤيته] "؛ ولأنّه متعبَّدٌ بما [علمه] (١)، وإن لم يثبت ذلك في حقّ غيره.
وإن أفطر في هذا اليوم فلا كفارة عليه عندنا، وقال الشافعي: عليه الكفارة (٢).
لنا: أنّه يومٌ مختَلفٌ في وجوب صومه؛ لأنّ الحسن البصري يقول: لا يصوم إلا مع الإمام (٣)، فصار كيوم الشكّ.
فإذا أكمل هذا الرجل ثلاثين يومًا، لم يُفطر إلا مع الإمام؛ لأنّه يُلحق بنفسه تهمةً؛ ولأنّه يجوز أن يكون اشتبه عليه، فرأى ما ليس بهلالٍ، فلا يفطر بالشبهة، وإن صام بالاحتياط، (فهو أولى) (٤)(٥).
стр. 1020
بَاب ما يوجبه الرجل على نفسه
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: ومن صامَ تطوعًا، فقد أوجبه، فإن أفسد الصوم بعد دخوله فيه، أو فسد عليه بوجهٍ من الوجوه، فعليه القضاء، معذورًا كان أو غير معذورٍ.
أمّا وجوب القضاء عليه بالإفساد؛ فلما روى الزهري عن عروة عن عائشة قالت: أصبحتُ وحفصة صائمتين متطوعتين (١)، فأهدي لنا حَيْسٌ (٢) فأكلنا منه، فسألت حفصةٌ رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "اقضيا يومًا مكانه" (٣).
و [قد] روي أنّ عمر استشار الصحابة وقال: إني أتيت [أمرًا] عظيمًا، كنت صائمًا متطوعًا، فوقعت على جاريتي، فقالوا: لقد أتيت [أمرًا] عظيمًا، فقال علي: أتيت حلالًا، وعليك يومٌ مكان يومٍ، فقال عمر: أنت أعجبهم فتوىً إليَّ (٤).
وعن أنس بن سيرين: أنه صام يوم عرفة، فعطش عطشًا شديدًا، فسأل بضعة عشر نفسًا من أصحاب رسول الله، فقالوا: أفطر واقض يومًا مكانه (٥).
стр. 1021
[ولأنّها عبادةٌ صحّ الدخول فيها بنية النفل، فإذا أفسدها لزمه قضاؤها كالحجّ]، ولأنّها عبادةٌ يجب بإفسادها الكفارة، [فإفساد نفلها] (١) المبتدأ يوجب القضاء، كالحجّ.
٨٦٤ - فَصْل: [وجوب النفل بالدخول]
وقد قال أصحابنا: إنّ النفل يجب بالدخول، ويكره الخروج منه إلا بعذرٍ، وروي عن محمدٍ أنّه قال في المتطوع بالصوم إذا دخل على أخٍ له، فدعاه إلى طعامه: أفطر وقضى، فجعل هذا القدر عُذرًا.
وذكر الحسن عن أبي حنيفة: أنّه لا يفطر إلا من عذرٍ، وذكر في موضع آخر: أنه يُفطر ويقضي، وهو محمولٌ على العذر.
والدليل على أنّه يجب بالدخول: أنّها عبادة تجب بالنذر، فجاز أن تجب بالدخول، كالحجّ.
و [قد] روي كراهة الإفطار عن ابن (٢) ومكحول (٣) والنخعي (٤)، وذكر محمد في بعض نسخ الأصل: أكره له ذلك.
وقول أبي الحسن: فقد أوجبه، يقتضي المنع من الخروج (٥).
стр. 1022
٨٦٥ - فَصْل: [عدد الأيام في صيام النذر]
وإذا قال: لله عليّ أن أصوم يومًا، أو كذا وكذا يومًا، أو شهرًا، فعليه صيامه، والوفاء بنذره، ويلزمه من ذلك عدد الأيام متى شاء إذا لم يعيِّن الوقت، [وهو بالخيار]: إن شاء تابع، وإن شاء فرَّق؛ لأنّ ما أوجبه على نفسه فرعٌ لما أوجبه الله تعالى عليه، فيجب عليه بقدر ما أوجب.
فأما جواز التفريق؛ فلأنّه أوجب الصوم مطلقًا، فهو كقضاء رمضان الذي أوجبه الله مطلقًا؛ ولأنّ نذره قد اقتضى التفريق، ألا ترى أنّ الصوم يصح بالنهار دون الليل، فلم يلزمه التتابع إلا بشرط.
وليس كذلك إذا نذر اعتكاف أيامٍ؛ لأنّ الاعتكاف يصحّ في جميع المدَّة، فصار كترك الكلام إذا حلف عليه.
قال: فإن عيَّن وقتًا، وَجَب أن يصومه، فإن أفطر فيه يومًا، قضاه [خاصةً]، وصام ما بقي من الوقت، وهذا على ما قدمنا: أنّ الصوم المتعلّق بزمانٍ بعينه متجاورٌ وليس بمتتابع، فإذا أفطر يومًا منه قضاه خاصةً، [كيوم من شهر رمضان] (١).
قال: وإن لم يصمه، قضاه، وعليه [كفارة] يمين إذا أفطره أو أفطر فيه يومًا إذا كان أراد يمينًا، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأنّ من أصلهما: أنّ اللفظ الواحد يجوز أن يحمل على النذر واليمين.
وقال أبو يوسف (في قوله الآخر) (٢): لا يحمل اللفظ عليهما، فإن أراد
стр. 1023
الإيجاب، كان إيجابًا، وإن أراد اليمين، كان يمينًا، وإن أرادهما، كان إيجابًا.
وجه قولهما: أنّ اللفظ يصلح لكلّ واحدٍ منهما؛ بدلالة أنّه إذا نواه حمل [عليه]، وإذا صلح لهما ولا تنافي بينهما، جاز أن يحمل عليهما، كلفظ العموم، وليس هذا عند أبي حنيفة كالحقيقة والمجاز؛ لأنّ أحدهما مستعملٌ في موضعه، والآخر معدولٌ به عن موضعه، وذلك مستحيلٌ في الشيء الواحد.
وجه قول أبي يوسف: أنّ الإيجاب يقتضي وجوب القضاء بترك الفعل، واليمين لا يقتضي القضاء، وإنّما يوجب الكفارة، فاختلف حكمهما، فلم يجز أن يُرادا بلفظٍ واحدٍ، وليس كذلك الحقيقة والمجاز؛ لأنّ معناهما غير مختلف.
فإذا ثبت هذا، قال أبو يوسف: إن أراد اليمين كان يمينًا؛ لأنّ النذر يمينٌ؛ لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "النذر يمين، وكفارته كفارة يمين" (١)، وإن أراد الإيجاب، فهو ظاهر لفظه، وإن أرادهما، حُمل على الإيجاب؛ لأنّه يقتضي وجوب القضاء، فكان أولى ممّا لا يُوجب القضاء.
٨٦٦ - فَصْل: [إيجاب ما له أصل في الواجبات]
والأصل في وجوب المنذور بالنذر، قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٥]، إلى قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾ [التوبة: ٧٧]، فالله تعالى ذمَّهم في قوله بترك النذر (٢)، والذمّ لا يكون (٣) إلا بترك واجبٍ.
стр. 1024
وقد قال أصحابنا: إنّ ما أوجبه بالنذر ممّا له أصلٌ في الواجبات، وجب عليه، وما أوجبه ممّا لا أصل له، لم يجب في الرواية المشهورة، كعيادة المريض؛ لأنّ ما يوجبه فرعٌ على ما أوجبه الله تعالى، فوجب أن [يوجب] (١) جنس ما أوجبه عليه دون غيره.
وقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة: فيمن نذر أن يعود مريضًا لزمه، وهو قول أبي يوسف، فاعتبر في هذه الرواية إيجاب ما هو قربةٌ، ولم يعتبر ما له أصلٌ في الواجبات.
٨٦٧ - فَصْل: [قضاء صوم النذر]
وإذا قال: الله عليّ صوم رجب، فجاء الوقت وهو مريض مرضًا لا يستطيع معه الصوم، أو يستطيعه مع ضررٍ يلحقه، أفطر وقضى؛ وذلك لأنّ نذره صادف ذمةً صحيحةً، فلزم، فإذا أفطر [بالمرض]، قضي كصوم [شهر] رمضان.
[قال]: وكذلك إن كان المُوجب امرأةً، فولدت قبل دخول رجب، ولم تزل نفساء حتى خرج رجب، فعليها القضاء؛ لأنّ ما أوجبته معتبرٌ بما أوجبه الله تعالى، ومعلومٌ أنها لو نفست في [شهر] رمضان، قضت، فكذلك في صوم النذر.
قال: فإن مات الموجبُ لصوم رجب قبل دخول رجب، أو كان لم يزل مريضًا حتى مضى [رجب]، فليس عليه القضاء إذا مات قبله، وعليه القضاء إذا مضى رجب وهو مريضٌ؛ [وذلك] لأنّ الوجوب تعلّق بزمانٍ بعينه، فإذا مات قبله، لم يلزمه كصوم [شهر] رمضان، وأما إذا أدرك الزمان، فإن نذره يثبت في الذمَّة، وصح الوجوب، فلزمه القضاء.
стр. 1025
٨٦٨ - فَصْل: [عدم وقوع الإيجاب صحيحًا]
فإن لم يكن الإيجاب صحيحًا لم يلزمه شيء، مثل أن تقول المرأة: لله عليَّ أن أصوم أيام حيضي، أو قال الرجل: لله عليَّ صوم يومٍ آكل فيه (١)؛ وذلك لأنّ الصوم لا يصحّ مع الحيض والأكل، فإذا ذكر ذلك في نذره، فإنه لم يقصد الإيجاب، فلم يتعلّق بالنذر حكمٌ.
فإن قال: لله عليَّ أن أصومَ يومًا يقدم فيه فلان، أو يومًا يشفي الله فيه (٢) مريضي، فكان ذلك في يومٍ [قد] أكل فيه، أو كان بعد الزوال، أو بالليل، فلا شيء عليه عند محمد، فأما إذا قدم فلان ليلًا، فلا شيء عليه؛ لأنّ شرط النذر لم يوجد، وهو قدومه في يومٍ، ألا ترى أنّ اليوم عبارةٌ عن بياض النهار، وإن جاز أن يحمل على الوقت المُبهم بدليل، فلما أضاف الصوم إليه، وهو لا يصح إلا بالنهار، علمنا أنه أراد [به] بياض النهار دون الوقت المبهم.
وليس هذا كمن قال لعبده: يوم تدخل الدار فأنت حرٌّ، فدخل ليلًا (حينًا، يَعتِق) (٣)؛ لأنّ الدخول يصح ليلًا ونهارًا، فحمل اليوم عليه (٤)، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ [الأنفال: ١٦].
وأمّا إذا قدم فلانٌ في يومٍ قد أكل فيه، أو حاضت المرأة، فعليهما القضاء عند أبي يوسف، وقال محمدٌ: لا شيء عليهما.
стр. 1026
وجه قول أبي يوسف: أنّ الوجوب قد صحَّ بالنذر، والوقت شرطٌ، فإذا حصل، استند الوجوب إلى حال النذر، فكأنّها قالت: لله عليَّ أن أصوم غدًا، فحاضت فيه، أو أكلت.
وجه قول محمدٍ: أنّ النذر المعلَّق بالشرط، كالمعقود عقيب الشرط، فكأنها قالت بعد الحيض والأكل: لله عليَّ أن أصوم، (فلا يلزمها شيءٌ) (١).
وأمّا إذا قدم بعد الزوال، فقد قال محمدٌ: لا شيء عليها؛ لأنّه بعد الزوال لا يصح [منها] الصوم، فكأنّها ابتدأت النذر.
ولم يذكر عن أبي يوسف خلافه، فيجوز أن يفرَّق بينهما (٢)؛ لأنّ زمان الحيض يصحّ الصوم فيه من امرأة (٣) غيرها، وأما بعد الزوال فلا يصحّ ابتداء الصوم فيه بحالٍ، [فهو] كزمان الليل (٤).
٨٦٩ - فَصْل: [أثر إذن الزوج في صوم الزوجة تطوعًا]
[قال]: وليس للمرأة التي لها زوجٌ أن تصوم تطوعًا بغير إذنه (٥)؛ لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم صوم تطوع إلا بإذن زوجها" (٦)، ولأنّ له حقًّا في استباحتها، فلم يكن لها منعه من حقّه.
стр. 1027
وإن كان صيامها لا يضرّه، فليس له أن يمنعها، ولها أن تصوم وإن نهاها؛ لأنّه بمنعها لا يستوفِي (١) حقّه مِنْ وَطْئها إذا كان صائمًا، أو مريضًا، فلا معنى لمنعه (٢).
٨٧٠ - فَصْل: [صيام العبد بغير إذن المولى]
[قال]: ولا لعبدٍ، ولا أمةٍ، ولا مدبَّرٍ، ولا مدبَّرةٍ، ولا أمّ ولدٍ، أن يصوموا بغير إذن المولى؛ لأنّ المولى أملك لمنفعتهم من منفعة زوجته (٣)، (فإذا لم يكن للزوجة أن تصوم بغير إذنه وإن لم يضر بالزوج، فالمولى أولى بمنعهم؛ لأنّ منافعهم مملوكةٌ له) (٤)، وليس لهم أن يصوموا بغير إذنه وإن لم يضر بالمولى؛ لأنّ المنفعة له مملوكةٌ، فلا يجوز صرفها إلى غير جهته (٥).
٨٧١ - فَصْل: [في الذي يجوز له الصوم والذي لا يجوز له بغير إذن]
فأمّا الأجير الذي يستأجره [الرجل] ليخدمه في السَّفر، فلا يصوم تطوعًا إلا بإذنه؛ لأنّ الصوم يضرّ به في الخدمة، فإن كان ذلك لا يضرّ بالمُستأجِر، فله الصوم بغير إذنه؛ لأنّ حقّه في المنفعة، فإذا لم يضرّه (٦)، لم يكن له المنع كالزوجة.
وأمّا ابنة الرجل، وأمَّه، وأخته، فيتطوعن بغير إذنه؛ لأنّه لا حقّ له في منافعهن.
стр. 1028
قال: وإن صاموا بغير إذنه، فللزوج أن يُفطِّر المرأة ويمنعها من ذلك، وكذلك المولى، وتقضي المرأة إذا أذن لها الزوج أو مات، ويقضي العبد إذا أذن له المولى أو أعتق؛ وذلك لأنّ الصوم إذا وقف على إذنه لتعلّق حقّه بالمنفعة، جاز له أن يُبطل الصوم ليستوفي حقه.
فأمّا الإيجاب فلا يسقط؛ لأنّه صادف ذمةً صحيحةً، والقضاء موقوفٌ على الإمكان بسقوط حقّ الزوج والمولى، إما بالإذن أو بزوال الملك، (وليس لهم أن يصوموا بغير إذنه، وإن لم يضرّ بالمولى؛ لأنّ منافعهم ملكه، فلم يكن لهم صرفها إلى التطوع بغير رضاه، وإن لم يستضرَّ) (١).
стр. 1029
[٢٨] بَاب الاعتِكَافِ
قال الشيخ أبو الحسن (١) رحمه الله تعالى: الاعتكاف (٢) سنّةٌ، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فأضافه إلى المساجد المختصَّة بالقرب، ومنع الأزواج من الوطء المباح لأجله، وقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧].
وروت عائشة (٣) وأبو هريرة (٤): أنّ النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان، حتى توفاه الله تعالى.
وقال الزهري: عجبًا للناس، تركوا الاعتكاف، وقد كان رسول الله ﷺ يفعل الشيء ويتركه، ولم يترك الاعتكاف منذ دخل المدينة إلى أن مات (٥).
وقد قال عطاء الخرساني: مَثلُ المعتكف مثل عبدٍ ألقى نفسه بين يدي الله، يقول: لا أبرح حتى تغفر لي (٦)(٧).
стр. 1030
ومن شرط الاعتكاف: الصوم، وهو قول عائشة (١)، وابن عباس (٢)، وإحدى الروايتين عن عليٍّ (٣)، وقال ابن مسعود: ليس من شرطه الصوم (٤)، وهو قول الشافعي (٥).
لنا: مَا رَوت عائشةُ أَنّ النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ قال: "لا اعتكاف إلا بصوم" (٦)؛ ولأنّ ترك الأكل أحد إمساكي الصوم، فجاز أن يجب لأجل الاعتكاف المطلق بالنذر، كالإمساك عن الجماع؛ ولأنّها عبادةٌ مقصودةٌ يخرج منها بالوطء، فجاز أن يخرج منها بالأكل، كالصوم.
٨٧٢ - فَصْل: [الاعتكاف في جميع المساجد]
قال: ولا يصحّ الاعتكاف إلا في مساجد الجماعات.
وقال الطحاوي: يصحُّ في كل مسجد جماعة.
وقال الحسن عن أبي حنيفة: لا يصحّ إلا في مسجدٍ يُصلّى فيه الصلوات كلّها.
وقال سعيد بن المسيب: لا يصح إلا في مسجد نبيٍّ (٧).
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]،
стр. 1031
وهذا عامٌّ؛ ولأنّ كلّ حكمٍ يتعلق بالمسجد إذا لم يختص بالمسجد الحرام، تعلّق بجميع المساجد، كسُنَّة الصلوات.
وقد اختلفت الرواية عن ابن مسعود وحذيفة، فروي أن حذيفة قال لابن مسعودٍ: إنّ قومًا قد اعتكفوا بين داركم ودار أبي موسى، أفلا تمنعهم، فقال: لعلهم ذكروا ونسيت، وأصابوا وأخطأت (١). وهذا يدلّ من مذهب ابن مسعود على جواز الاعتكاف في كل مسجد.
وروي أنّ ابن مسعود مرَّ بقوم قد اعتكفوا، فقال: هل يكون الاعتكاف في غير المسجد الحرام والمساجد الثلاثة! فقال حذيفة: سمعت النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ يقول: "الاعتكاف في كل مسجد له إمامٌ ومؤذِّن" (٢)، ويحتمل أن يكون ابن مسعود إنّما أراد المجاورة دون الاعتكاف.
٨٧٣ - فَصْل: [الاعتكاف ضربان]
قال أبو الحسن: الاعتكاف ضربان: واجبٌ، وتطوّعٌ.
فالواجب أن يقول: الله عليّ أن أعتكف يومًا، أو شهرًا، أو يعلِّقه بشرطٍ فيقول: إن شفى [الله] مريضي.
والتطوع: أن يدخل [فيه] من غير أن يوجبه بلسانه، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ
стр. 1032
الاعتكاف ليس بواجبٍ بأصل الشرع، فإمّا أن يوجبه بنذره، أو بدخوله فيه (١).
٨٧٤ - فَصْل [اعتكاف المرأة في مسجد بيتها]
ولا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها، ولا ينبغي أن تخرج من المنزل في الاعتكاف، و [قد] روى الحسن عن أبي حنيفة: أنّ للمرأة أن تعتكف في مسجد الجماعة، وإن شاءت اعتكفت في مسجد بيتها، [ومسجد بيتها] أفضل (٢) لها من مسجد حيِّها، ومسجد حيِّها أفضل لها من المسجد الأعظم.
وليس هذا بخلاف روايةٍ؛ لأنّ على رواية محمد ذكر الأفضل لها ولم يتعرض للجواز، وعلى الروايتين جميعًا يجوز اعتكافها في المسجد. وقال الشافعي: لا يجوز اعتكافها في مسجد بيتها (٣).
لنا: أنّ البيت محلّ (٤) لمسنون صلاة شخص، فكان محلًا لمسنون اعتكافها كالرجل؛ ولأنّ كلّ عبادةٍ كان محلّ مسنونها في حقّ الرجل المسجد، كان محلّ مسنونها في حقّ المرأة البيت، كالصلاة.
٨٧٥ - فَصْل: [خروج المعتكف من معتكفه]
ولا يخرج المعتكف من معتكفه ليلًا ولا نهارًا إلا لما لا بُدّ له منه، من غائطٍ أو بولٍ وحضور الجمعة.
стр. 1033
والأصل في ذلك: حديث عائشة: (أنّ النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ كان لا يخرج من معتكفه إلا لحاجة إنسانٍ)؛ وذلك لأنّه لا يمكن فعله في المسجد، فلا بدَّ من خروجه.
فأما الأكل والشرب، فهو في المسجد؛ لأنه يمكن فعلهما فيه، فلا حاجة به إلى الخروج عنه.
[وقد] قال أصحابنا: لا يخرج لعيادة مريضٍ، ولا لصلاة جنازةٍ؛ لأنّ ذلك ليس بواجبٍ [عليه]، ولا تدعو الحاجة إليه، وقد روت عائشة: (أنّ النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ كان يمرّ بالمريض وهو معتكفٌ، فيسأل عنه ولا يعرّج عليه) (١).
والذي [روي] عن النبي ﷺ من الرُّخصة في عيادة المريض وصلاة الجنازة، قال أبو يوسف: ذلك محمولٌ عندنا على الاعتكاف الذي يتطوّع به من غير إيجابٍ، فله أن يخرج متى شاء.
فأمّا الجمعة فالخروج إليها لا يُفسد اعتكافه.
وقال الشافعي: إن أوجب اعتكافًا متتابعًا في غير الجامع، [فخرج إلى الجمعة بطل اعتكافه، واستأنف الاعتكاف في الجامع] (٢).
لنا: أنّه خرج من معتكفه للجمعة، فلا يفسد اعتكافه.
أصله: إذا كان الاعتكاف تطوعًا، فدخل في أول النهار، ثم خرج إلى الجمعة ورجع؛ لأنّ الجمعة لا بدّ منها، ولا يمكن فعلها في المسجد (الذي هو
стр. 1034
فيه) (١)، فالخروج إليها لا يُبطل اعتكافه، كحاجة الإنسان.
قال أبو الحسن: وينبغي أن يخرج إلى الجمعة عند الأذان، فيكون في المسجد مقدار ما يصلي فيه أربعًا، أو ستًّا قبل الجمعة.
وقال الحسن عن أبي حنيفة: مقدار ما يصلي قبلها أربعًا وبعدها أربعًا.
وقال محمد: إذا كان منزله بعيدًا، خرج حين يرى أنّه يبلغ المسجد عند النداء، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ الفرض إدراك الجمعة، فيجبُ أن يقدَّر الوقت الذي يأتي فيه الجمعة، ونوافلها تبعٌ لها، فصارت كأذكارها المسنونة، وذلك يختلف ببُعد المنزل وقربه، فيقدِّر بذلك، فأمّا اعتبار أربع ركعات قبلها؛ فلأنها من سنة الجمعة، وأمّا اعتبار الست؛ فلأنه يضم إليها تحية المسجد.
٨٧٦ - فَصْل: [بقاء المعتكفِ في مسجد الجامع غير مسجد اعتكافه]
[قال]: فإن أقام في المسجد حين خرج إلى الجمعة يومًا وليلةً، لم ينتقض اعتكافه، ولا أحبّ له أن يفعل ذلك، وإنّما لم ينتقض؛ لأنّ الجامع يصلح ابتداء الاعتكاف فيه، فصلح البقاء، ويكره؛ لأنّه يفرّق اعتكافه في أماكن (٢).
٨٧٧ - فَصْل: [انهدام مسجد الاعتكاف]
[قال]: فإن انهدم المسجد الذي هو فيه، أو أخرجه سلطانٌ أو غير سلطانٍ، فدخل مسجدًا غير ذلك من ساعته، صح اعتكافه استحسانًا.
стр. 1035
والقياس: أن يفسد؛ لأنّه ترك اللبث المستحقّ عليه (١)، فصار كما لو تركه باختياره.
ويجب أن يكون القياس والاستحسان في الإكراه؛ لأنّه عذرٌ من جهة آدميٍّ، واستحسنوا؛ لأنّ هذا القدر اليسير معفوٌّ عنه؛ بدلالة أنّه يحصل في خروجه إلى الحاجة إذا تلبّث في طريقه (٢) في المشي.
فأمّا إذا انهدم المسجد، فالعذر من جهة الله تعالى، فلا تبطل العبادة؛ ولأنّه لا يمكنه الاعتكاف فيه مع الانهدام، فصار الخروج ممّا لا بدَّ [له] منه، كالخروج لقضاء الحاجة.
٨٧٨ - فَصْل: [خروج المعتكف لغير حاجة]
قال: وإن خرج لغير ما ذكرناه ساعةً، فسد اعتكافه عند أبي حنيفة، ولم يفسد في قول أبي يوسف ومحمد حتى يخرج أكثر من نصف يوم.
قال محمد: قول أبي حنيفة أقيس، وقول أبي يوسف أوسع.
وجه قوله: أنّ الاعتكاف لبثٌ، فما يُفسده لا يتقدّر بالأوقات، كالوقوف بعرفة؛ [ولأنّ ترك اللبث يفسد الاعتكاف كترك الإمساك، فإذا استوى في أحدهما القليل والكثير، كذلك الآخر] (٣)، وهو ترك اللبث (٤).
стр. 1036
وجه قولهما: أنّ الخروج اليسير معفوٌّ عنه وإن كان لغير حاجةٍ؛ بدلالة من خرج لحاجة الإنسان فتأَنَّى في مشيه، لم يبطل اعتكافه وإن كان تاركًا للبث في زمانٍ لا يحتاج إليه؛ لأنّه في حكم اليسير.
٨٧٩ - فَصْل: [التوسع في اعتكاف التطوع]
[قال]: وإذا كان الاعتكاف تطوعًا، فلا بأس أن يعود المعتكف المريض، ويشهد الجنازة، وهذا على الرواية التي لا يقدر الاعتكاف فيها بيومٍ، ويصحُّ منه ما يوجد، فمتى خرج لم يبطل اعتكافه.
فأمَّا على الرواية التي توجب عليه اليوم بالدخول في جزءٍ منه، فإذا خرج لعيادة المريض، فسد.
٨٨٠ - فَصْل: [ما يُحْرِمُ الاعتكافُ على المعتكف]
قال: ولا يحرِّم الاعتكافُ على المعتكف شيئًا كان له حلالًا قبل ذلك، إلا ما حرَّمه الصوم، إلا الجماع بالليل والمباشرة.
والأصل في تحريم الجماع على المعتكف ليلًا أو نهارًا، قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]؛ ولأنّه لبثٌ في مكانٍ مخصوصٍ، فأفسده الوطء، كالوقوف [بعرفة].
وأمّا إذا جامع فيما دون الفرج، فإن أنزل بطل اعتكافه، [لأنّه أنزل عن مباشرةٍ كالوطء في الفرج، وإن لم ينزل لم يبطل اعتكافه] وقد أتى محرَّمًا، وكذلك إذا قبَّل أو لمس؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾، وهذا عامٌّ؛
стр. 1037
ولأنّه لبثٌ في مكانٍ يحرم الاستمتاع، كالوقوف بعرفة.
٨٨١ - فَصْل: [الذاكر والناسي في الخروج من المعتكف]
والناسي في ذلك كالذاكر.
قال [الشيخ] رحمه الله تعالى: وجملة هذا: أنّ ما اختص تحريمه بالصوم، اختلف فيه الذاكر والناسي كالأكل، وما حَرُم لأجل [الاعتكاف] (١)، استوى فيه النسيان والذكر كالخروج من المسجد.
ويعرف الفرق بينهما: أنّ ما حرم بالليل والنهار، فالنّهي عنه لأجل الاعتكاف، وما حرم بالنهار دون الليل فالنهي عنه لأجل الصوم.
[قال]: فإن نظر فأنزل لم يفسد اعتكافه؛ لأنّه أنزل من غير مباشرةٍ كالاحتلام.
وإن انتقل المعتكف من مسجدٍ إلى مسجدٍ من غير عذرٍ، انتقض اعتكافه في قول أبي حنيفة، ولا ينتقض في قول أبي يوسف [ومحمدٍ]، وهذا على ما قدّمنا: أنّ الخروج اليسير لغير عذرٍ يُبطل الاعتكاف عند أبي حنيفة (٢)، وعندهما لا يُبطله.
٨٨٢ - فَصْل: [في إتْيان الزوجةِ المُعْتَكِفَةِ]
قال الحسن عن أبي حنيفة: وليس للمرأة أن تعتكف في بيتها في غير مسجدها (٣)، وإنّما يراد بمسجد البيت: الموضع المعدّ للصلاة، فهو في حقّها
стр. 1038
كالمسجد، فلا تعتكف في غيره، ولا تخرج منه إذا اعتكفت إلا لحاجةٍ.
قال: وليس لزوجها أن يأتيها إذا كان قد أذن لها، وذلك لأنّه لا يجوز له الرجوع بعد الإذن، ألا ترى أنّه لمّا أذن لها فقد ملّكها منافعها، وهي ممّن تملك بالتمليك، فلم يجز [له] الوطء، كما لا يجوز [له] النهي.
فأمَّا الأمة إذا أذن لها، فقد قالوا: إنّه يكره له الرجوع؛ لأنّه يُخلف وعده، فإن رجع، جاز؛ لأنّها لا تملك منافعها بالتمليك، فعلى هذا لا فعلى هذا لا يجب عليه ترك وطئها وإن استحب له.
٨٨٣ - فَصْل: [الاعتكاف في ليل أو نهارٍ]
قال: ولا يكون الاعتكاف عند أصحابنا جميعًا (١) في ليلٍ لا نهار معه؛ وذلك لأنّ الاعتكاف تبعٌ للصوم عندنا، والليل لا يصح الصوم فيه، فلم يجز إفراده بالاعتكاف.
وليس كذلك إذا اعتكف ليلًا ونهارًا؛ لأنّ الاعتكاف يصحّ فيه تبعًا للنهار، وقد يصحُّ الشيء على جهة التبع دون الانفراد (٢)، كبيع الشرب، والطريق، والأطراف (٣).
стр. 1039
بَاب ما يوجبه الرجل على نفسه من الاعتكاف
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: من أوجب [على نفسه] اعتكافًا بالدخول فيه بغير كلامٍ، فعل منه ما شاء من وقتٍ قليلًا أو كثيرًا.
عند محمدٍ: يجوز أن يعتكف ساعةً من نهارٍ ويخرج منه، أو نصف يومٍ، أو ما شاء.
قال [الحسن] (١) عن أبي حنيفة: لا يعتكف أقلّ من يومٍ.
وجه ما حكاه [أبو الحسن] عن محمد - وهو رواية الأصل - أنّه لبثٌ في مكانٍ، فلا يتقدّر بوقتٍ، كالوقوف بعرفة.
وجه رواية الحسن: أنّ الاعتكاف فرعٌ للصوم، والصوم مقدّر بيومٍ، فوجب أن يتقدَّر الاعتكاف بذلك.
٨٨٤ - فَصْل: [إيجاب الاعتكاف بلسانه]
[قال]: وإن أوجب اعتكافًا بلسانه، فقال: لله عليّ أن أعتكف يومًا أو يومين، لزمه في قوله يومًا يومٌ واحدٌ (٢)، [وأن] يدخل المسجد قبل طلوع الفجر، ويخرج منه بعد غروب الشمس؛ وذلك لأنّ اليوم عبارةٌ عن بياض النهار، فيجب
стр. 1040
أن يدخل المسجد قبل طلوع الفجر [ويخرج منه بعد غروب الشمس]؛ ليستوفي زمان اليوم بالاعتكاف.
قال: وإن قال: لله [عليّ] اعتكاف ليلة، لم يلزمه شيءٌ، وروي عن أبي يوسف: أنّه إن نوى ليلةً بيومها، لزمه ذلك، ولم يفصل محمد في الأصل، فيجوز أن يجعل اختلاف روايةٍ (١).
فوجه رواية الأصل: أنّ الليل عبارةٌ عن سواد الليل، فإذا نوى دخول اليوم معها، فقد نوى ما لا يعبر عنه باللفظ، فلا يلزمه [شيءٌ]، ولا يلزمه الليلة بانفرادها؛ لأنّ الاعتكاف لا يصحّ فيها.
وجه قول أبي يوسف: أنّه لو قال: عليّ اعتكاف ليالٍ (٢)، دخلت الأيام فيها، فإذا نذر ليلةً ونوى [دخول] اليوم فيها، فقد نوى ما يكون تبعًا لليل عند الاجتماع، فيجوز أن يكون تبعًا بالنيَّة عند الانفراد.
ويجوز أن يقال: إنّ الذي ذكره في الأصل: إذا أطلق النيَّة، وما ذكره أبو يوسف: إذا نوى ليلةً بيومها، قولهم جميعًا (٣).
٨٨٥ - فَصْل: [الليل والنهار مترادفان في العدد]
وإن قال: يومين، أو ليلتين، أو أكثر من ذلك العدد [بلفظ الليل، أو] بلفظ النهار، لزمه من الأيام [بقدر ما ذكره من الليالي، ومن الليل بعدد ما ذكره من
стр. 1041
الأيام]؛ وذلك لأنّ ذكْر أحد العددين على طريق الجمع، يقتضي دخول ما بإزائه من العدد الآخر؛ بدليل قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]، وقال: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]، والقصة واحدةٌ، عبَّر عنها تارةً بالأيام، وتارةً بالليالي، ثم قال تعالى في موضعٍ آخر: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]، فلمّا أن أراد أن يفصّل بين الأمرين، أفرد كلّ واحدٍ منهما بالذِّكر.
وقد روي عن أبي يوسف أنّه قال فيمن نذر اعتكاف يومين: أنّه يلزمه اعتكاف ليلةٍ واحدةٍ بينهما. وما ذكرناه دلالةٌ عليه.
[وجه قوله: أنّ الليالي تدخل في النذور وإن لم يسمّها للتتابع، والعدد الذي يُحتاج إليه في التتابع ما بين اليومين، ليلةٌ واحدةٌ، فلا يلزمه أكثر من ذلك].
٨٨٦ - فَصْل: [وقت الدخول في الاعتكاف]
وأمّا إذا أوجب اعتكاف عشر ليالٍ، أو عشرين ليلةً، دخل فيها مثلها (١) من الأيام في قولهم.
واختلفت الرواية عن أبي يوسف، فقال: يدخل قبل غروب الشمس، وروي عنه: أنّه يدخل قبل طلوع الفجر، وحصَّل ابن سماعة ذلك، فروي عنه: أنّ المستحبّ أن يدخل قبل غروب الشمس، فإذا دخل قبل طلوع الفجر، جاز، فبيَّن أنّ الذي ذكره في الدخول قبل غروب الشمس استحبابٌ، ووجهه: أنه سمّى ثلاثين ليلةً (٢)، فكان الأولى: أن يبتدئ بالليل ليستكمل عدد الليالي التي سماها.
стр. 1042
ووجه الجواز: أنّ ذكر الليالي كذكر الأيام في العدد، والأيام هي المقصودة، والليل تبعٌ، فكأنه أوجب ثلاثين يومًا، فيجب أن يدخل فيها قبل طلوع الفجر.
٨٨٧ - فَصْل: [التتابع في الاعتكاف]
ويلزمه ذلك متتابعًا عندنا، وقال زفر: إن شاء تابع، وإن شاء فرق.
لنا: أنه حكمٌ يتعلق بمدّةٍ يصحّ في جميعها، فكان متتابعًا كترك الكلام [باليمين].
وجه قول زفر: أنه أطلق الإيجاب، فلم يلزمه التتابع إلا بالشرط، كما لو نذر الصوم.
[قال]: فإن أوجب الاعتكاف في وقتٍ بعينه، فقال: لله عليّ أن أعتكف شهر كذا، فترك الاعتكاف يومًا منه، قضاه دون غيره، وهذا على ما قدمنا: أنّ الزمان المعيَّن ليس بمتتابعٍ، وإنما هو متجاورٌ.
٨٨٨ - فَصْل: [نية النهار دون الليل في الاعتكاف]
وإذا قال: لله عليّ أن أعتكف ثلاثين يومًا، وقال: نويت النهار دون الليل، فهو كما نوى (١)؛ لأنّ حقيقة اليوم: بياض النهار، وإنما يحمل على الوقت المبهم بدليل، فإذا نوى حقيقة كلامه، صُدّق.
[قال]: وله أن يفرقه؛ لأنّ القربة لمّا تعلّقت بالنهار دون الليل، لم يلزمه
стр. 1043
التتابع إلا بشرطٍ كالصوم.
٨٨٩ - فَصْل: [المعتكف إذا قال: شهرًا، إلا أنه نوى الليل فقط]
[قال]: فإن قال: أردت الليل دون النهار، لم يعمل بنيّته، ولزمه الليل والنهار معًا؛ وذلك لأنه صرَّح بإيجاب الأيام، فإذا قال: نويت بها الليالي دون الأيام، فقد نوى ما لا يحتمله اللفظ، فلا يقبل قوله.
وإن قال: ثلاثين ليلةً، وقال: نويت الليل، لم يلزمه شي (١)؛ لأنّه نوى حقيقة لفظه، والاعتكاف لا يصح بالليالي المفردة.
وإن قال: شهرًا، ونوى النهار دون الليل، أو الليل دون النهار، لم يُدَيَّن، ولزمه الشهر كلّه ليله ونهاره؛ وذلك لأنّ الشهر عبارةٌ عن قطعةٍ من الزمان يدخل فيه الليل والنهار من طريق المعنى.
فأما اللفظ، فلم يوضع له، فإذا نوى تخصيص ما ليس في لفظه، لم يُقبل وإن كان في معناه، كمن حلف لا يأكل، ثم قال: أردت مأكولًا دون مأكول، لا يجوز (٢).
وفرَّق أصحابنا بين الاستثناء والتخصيص، فجوّزوا الاستثناء فيما هو في معنى الكلام، ولم يجوِّزوا التخصيص إلا فيما تضمنه لفظه.
وليس كذلك إذا قال: الله عليَّ اعتكاف شهرٍ، النهار دون الليل؛ لأنّه وصل بكلامه التخصيص، فيقبل وإن لم يعد إلى اللفظ، كمن قال: لا آكل لحمًا، لأنّ
стр. 1044
التخصيص يؤثر لاتصاله بلفظه (١). والله أعلم بالصواب (٢).
стр. 1045
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[٢٩] كِتَابُ المَنَاسِكِ
بَاب في فرض الحج (١)
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: الحجّ في اللغة: عبارةٌ عن القصد، [قال الشاعر:
وأشهد من عوفٍ حؤولًا كثيرةً … يحجّون سبّ الزبرقان المُزعفرا] (٢)
وقد صار في الشرع [عبارةً عن] قصد البيت على صفةٍ مخصوصةٍ، فإن كان أهل اللغة يعرفون ذلك، فالاسم لغويّ وإن غَيَّرت الشريعة أحكامه، وإن كانوا لا يعرفونه، فالاسم شرعيّ فيه معنى اللغة.
والمناسك: جمع منسَك، والنُّسك: ما يتقرَّبُ به الإنسان إلى الله تعالى، إلا أنه في العُرف قد اختصّ بأفعال الحج والعمرة.
والأصل في وجوب الحج: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "بني الإسلام على خمس" وذكر منها: "حج البيت" (٣)، وقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "من مات ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًّا أو
стр. 1046
نصرانيًّا" (١)، وأجمعت الأمة على وجُوبه.
٨٩٠ - فَصْل: [فرضية الحج في العمر]
ولا يجب في العمر إلا مرَّةً واحدةً (٢)؛ لما روي أنّ الأقرع بن حابس سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، الحجّ في كلّ سنةٍ أم مرَّةً واحدةً، فقال: "بل هو مرَّة واحدة، فمن زاد فتطوع" (٣).
وروى أبو هريرة أنّ النبي ﷺ خطب فقال: "إنّ الله تعالى فرض عليكم الحجّ"، فقال رجل: أفي كلّ عام يا رسول الله؟، فقال: "لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم"، ثمّ قال: ذروني ما تركتكم، فإنّما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيءٍ فانتهوا، وإذا أمرتكم بشيءٍ فأتوا منه ما استطعتم" (٤).
٨٩١ - فَصْل: [فضل الحج والعمرة]
وذكر أبو الحسن في فضل الحجّ: حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من حجّ هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه من الذنوب" (٥)، ويُروى [أنه قال]: "دخل الجنة"، وروي أنّه ﷺ قال: "العُمْرَةُ إلى
стр. 1047
العمرة كَفَّارة لما بينهما، والحج المَبْرور ليس له جزاءٌ إلا الجَنَّة" (١)، وعن عمر أنّ النبي ﷺ قال: "تابعوا بين الحج والعمرة، فإن متابعة ما بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد" (٢)، وعن مجاهد قال: قال رسول الله ﷺ : اللهم اغفر للحَاجّ، ولمن استغفر له الحَاجّ" (٣).
* * *
стр. 1048
بَاب من يلزمه فرض الحج
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وروي عن النبيّ ﷺ أنّه قال: "السبيل: هو الزاد والراحلة" (١).
وقد بيَّنا الكلام في وجوب الحجّ، [والكلام بعد ذلك] في شرائط الوجوب، فلا يجب الحجّ عندنا إلا على بالغٍ؛ لقوله ﷺ : "أيّما صبيّ حجّ عشر حجج ثم بلغ، فعليه حجة الإسلام" (٢)، وقال: "رفع القلم [عن الصبيّ حتى يحتلم] … (٣) الخبر.
ولا يجب إلا على حرٍّ؛ لقوله ﷺ : "أيّما عبدٍ حجَّ ولو عشر حجج ثم أعتق، فعليه حجة الإسلام" (٤).
و [يعتبر] العقل؛ لقوله ﷺ : " [رفع القلم عن ثلاثةٍ] .. وعن المجنون حتى يفيق".
و [يعتبر] صحيح الجوارح، واختلف أصحابنا في الأعمى، فقال في الأصل
стр. 1049
عن أبي حنيفة: لا حجّ عليه، وروى الحسن عن أبي حنيفة: في الأعمى، والمُقْعَد، والزَّمِن، أنّ عليهم الحج، وقال أبو يوسف ومحمد: الحجّ لازمٌ للأعمى إذا وَجد زادًا، وراحلةً، ومن يكفيه مؤنة سفره في خدمته.
قال محمد: المُقْعَدُ، والمَقْطُوع اليَدِ أو الرِّجْلِ، إذا لم يقدر أن يمشي فالحجّ عنه ساقطٌ.
وجه قول أبي حنيفة: أنها عبادةٌ لا تجب على المعضوب (١) بنفسه، فلا تجب على الأعمى بنفسه كالجهاد، وعكسه الصلاة والصوم؛ ولأنه لا يتمكن من الركوب والنزول إلا بغيره، فلا يلزمه فرض الحج بنفسه كالمعضوب.
وجه قولهما: أنه يقدر على المشي بنفسه، إلا أنه لا يهتدي فهو كالضَّال. وأما المُقْعَد والزَّمِنُ، فوجه رواية الحسن: أنه مستطيعٌ بغيره، وذلك لا يمنع وجوب الحج، كمن لا يستطيع [الحج] إلا بالراحلة، [وكالأعمى الذي لا يستطيع إلا بقائده].
وجه قول محمد: أن المقعد والزمن لا يقدران على فعل العبادة بنفسيهما، فلا يلزمهما حكمها، وليس كذلك الأعمى؛ لأنه يقدر على الأداء بنفسه.
٨٩٢ - فَصْل: [شرائط وجوب الحج]
قال أصحابنا: لا يجب الحج إلا بوجود الزاد والراحلة، وقال الحسن عن أبي حنيفة: إذا كان عنده فضلٌ عن المسكن، والخادم، وما يكتري به شِقّ مَحْمِلٍ، أو يركب زاملة، أو على رَحْلٍ، ويَفْضُل له من الكراء النفقة ذاهبًا وجائيًا، فعليه
стр. 1050
الحج، وإن لم يكفه ذلك إلا أن يمشي، أو يكتري عُقبة، فليس عليه الحج ماشيًا ولا راكبًا عُقبةً (١).
وقال مالك: الإنسان إذا كان صحيح البدن يقدر على المشي، وجب عليه الحج وإن لم يجد راحلةً.
لنا (٢): ما روي أنّ النبي ﷺ سئل عن السبيل إليه، فقال: "الزاد والراحلة" (٣)، وذلك بيانٌ للمراد بالآية، فوقف الوجوب عليه؛ ولأنه يلحقه لفقد الراحلة مشقةٌ زائدةٌ على العادة، فهو كفقد الزاد.
وإنما شرط أصحابنا: الراحلة في وجوب الحج على من بَعُد من مكة (٤)، فأمّا أهل مكة ومن حولهم، فالحجّ يجب على القوي منهم بغير راحلةٍ؛ لأنه لا يلحقه مشقةٌ في الأداء، كما لا يلحقه [مشقةٌ] في أداء الجمعة.
٨٩٣ - فَصْل: [وجود الراحلة والزاد فاضلًا عن حاجياته]
وقد اعتبر أصحابنا أن يجد الزاد والراحلة فاضلًا عن مسكنه، وخادمه، وثيابه، وأثاثه، وفرشه، وسلاحه، وطعامه، وطعام عياله سنةً، هكذا قال أبو يوسف في رواية ابن سماعة، وبشر، وعليٍّ [بن الجعد]، وقال بشر في حكايته: أو شهرًا، وقال معلى عن محمد: وما يكفي لأولاده الصغار وزوجته.
وهذا صحيحٌ؛ لأنّ المنزل والخادم ممنوعٌ من بيعهما، وكذلك الثياب
стр. 1051
والأثاث، فاعتبر الفاضل عنهما، وأما نفقة الأهل، فهي واجبةٌ لحقّ آدميٍّ، وحقّ الآدميّ مقدَّمٌ على حقّ الله تعالى في أحكام الدنيا.
وإنما ذكر مرَّة سنةً، ومرَّةً شهرًا، بحسب اختلاف مسافة الحاج؛ لأنه يحتاج إلى نفقة أهله إلى حين عَودته، ومن الناس من يحجّ ويعود في سنة، ومنهم من يعود قبل ذلك، أو بعده، فاعتبر قدر المسافة (١).
وقد ذكر ابن شجاع، فقال: إذا كان له دارٌ لا يسكنها، وإنما يؤاجرها، أو لا يؤاجرها، أو متاع لا يمتهنه، أو عبدٌ لا يستخدمه، وجب عليه أن يبيع ذلك ويحجّ به، وحرمت عليه الزكاة إذا كان مقدار مائتين.
وهذا صحيحٌ؛ لأن ما لا يسكنه من الدور، ولا يمتهنه من الثياب، ولا يستخدمه من العبيد، لا تدعو إليه الحاجة، فصار كسائر الأموال.
قال: فإن أمكنه بيع منزله، وأن يبتاع [به] منزلًا دونه، ويحجّ بما بينهما، فهو أفضل، ولا يجب عليه؛ لأنه محتاجٌ إلى سكناه، فلا يعتبر في الحاجة قدر (٢) ما لا بدّ [له] منه، كما لا يجب بيع المنزل والاقتصار على السُكنى.
٨٩٤ - فَصْل: [شرط أمن الطريق في الحج]
[قال]: ولم يتعرَّض أبو الحسن لأمن الطريق، وهو من شرائط الحجّ، ومن أصحابنا من يجعله من شرائط الوجوب، كالزاد والراحلة، ومنهم من يجعله من شرائط] الأداء.
стр. 1052
قال ابن شجاع: من كان له زادٌ وراحلةٌ، وهو يخاف من سلطانٍ، فإن المنع بالخوف كالمنع بعدم [الزاد و] الراحلة، قال: وهذا قول أبي حنيفة [أنه] (١) من شرائط الوجوب؛ وذلك لأنه لا يتوصّل إلى الحجّ مع الخوف إلا بضررٍ، فلا يلزمه، فرضه، كعدم الزاد والراحلة.
ومن قال: إنه من شرائط الأداء؛ فلأنّ رسول الله ﷺ بيّن السبيل بالزاد والراحلة، ولم يذكر أمن الطريق، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فدلّ أنه ليس من شرائط الوجوب.
٨٩٥ - فَصْل: [كيفية وجوب الحج]
وإذا ثبت وجوب الحج، وبيَّنا شرائط وجوبه؛ فقد اختلف أصحابنا في كيفية الوجوب، فكان أبو الحسن [الكرخي] يقول: هو على الفور.
وذكر [أبو سهل] الزُّجَاجي المسألة على الخلاف، فقال: عند أبي يوسف: أنه على الفور، وعند محمد: على التراخي، و [قد] ذكر ابن شجاع قال: كان أبو حنيفة يقول: من كان عنده ما يحجّ به، وكان يريد التزويج، فإنه يبدأ بالحجّ؛ لأنّ الحجّ فريضةٌ أوجبها الله، وهذا يدلّ على أنه على الفور، وروي عن أبي يوسف أنه قال: فيمن معه ألف درهم يمكنه أن يحج بها، وهو يخاف العزوبة، قال: يحج بها ولا يتزوج.
والدليل على أنه على الفور: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من ملك زادًا وراحلةً يبلغانه إلى بيت الله، فلم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا" (٢)،
стр. 1053
فظاهره يقتضي أنّ مَن في غلبة (١) ظنّه: أنه لا يعجز عن الحجّ، فمات، استحقّ الوعيد، وهذا خلاف قول مخالفنا؛ ولأنها عبادةٌ يتعلّق بإفسادها الكَفَّارة، فوجب أن يكون وجوبها بابتداء الشرع على الفور، كصوم رمضان؛ ولأنه فرضٌ لا يُفعل في العمر إلا مرَّة، فلم يجز تأخيره عن وقت وجوبه، كالإيمان، وعكسه الزكاة.
وجه قول محمد: أنّ الله تعالى فرض الحج في سنة ستٍّ، وحجّ رسول الله ﷺ سنة عشرٍ، ولو كان وجوبه على الفور لم يؤخِّره.
٨٩٦ - فَصْل: [مالك لدراهم تبلغه الحج فقط]
قال أبو الحسن: قال أبو يوسف: إذا لم يكن له من ذلك شيءٌ، لم يكن له مسكنٌ ولا خادمٌ ولا قوت عياله، وعنده دراهم تبلّغه الحج، فلا ينبغي أن يجعل ذلك في غير الحج، فإن فعل أثم، والحج له لازمٌ؛ لأنّه إذا كان له هذه الأشياء، فهو يستضرّ ببيعها، وإذا لم يكن له، فهو لا يستضرّ بـ[ترك] ابتياعها، فلزمه الحج، ولم يعذر في تركه.
فأمَّا قوت العيال الذي ذكره، فمعناه: ما يزيد مقدار الذهاب والرجوع، [فأما ما يحتاج إليه إلى حين الرجوع]، فقد بيَّنا أنه مقدَّمٌ على فعل الحج.
قال: فإن كان ملك ذلك في أول السنة قبل أشهر الحج، وقبل أن يخرج أهل بلده، فهو في سعةٍ من بيع وصرف [ذلك] إلى أيّ الأصناف التي سمّينَاها، فإذا جاء وقت الحج وهي دراهم، فعليه الحجّ، وليس له أن يصرف ذلك إلى غير
стр. 1054
الأصناف التي سمّيناها (١)؛ وذلك لأنّه في أول السنة لم يلزمه التأهّبُ للحجّ، فمن لا فرض عليه، يجوز له أن يتصرّف في ماله كيف شاء، فإذا جاء وقت خروج أهل بلده فالحج، وإن لم [يجب] (٢) فقد لزمه التأهَّب لذلك، فصار كالمسافر إذا كان معه ماءٌ للطهارة وقد قرب الوقت، لا يجوز له أن يستهلكه في غير الطهارة، كذا هذا (٣).
٨٩٧ - فَصْل: [حَجُّ من لم يجب عليه]
قال أبو الحسن: ومن سقط عنه فرض الحج ممّن ذكرنا، فحجّ على تلك الحال، أجزأه إذا كان حرًّا، بالغًا، صحيح العقل: وهذا كالفقير إذا حجّ؛ لأنّه من أهل الفرض، وإنّما لم يلزمه لفقد شرطه الذي يتوصّل به إلى مكة، فإذا حصل بها، صار كأهلها، فيلزمه الفرض.
وكذلك الأعمى، والزَّمن، (والمسافر والعبد في الجمعة) (٤)؛ لأنهم من أهل الفرض، وإنما سقط عنهما للمشقة، فإذا تحملاها وقع ما يفعلان من فرضهما.
وليس كذلك العبد؛ لأنه ليس من أهل الفرض، فما يفعله من الحج (٥) لا يقع من الفرض.
стр. 1055
٨٩٨ - فَصْل: [وجودُ المَحْرَم للمرأة]
قال [أبو الحسن]: ولا تكون المرأة ممّن تجد السبيل إلى الحج إلا بهذه الشرائط مع وجود المَحْرَم، شابةً كانت أو عجوزًا، وقد اختلف أصحابنا في المَحْرَم، كما اختلفوا في أمن الطريق، وظاهر ما ذكره أبو الحسن: أنه من شرائط الوجوب.
وقال الشافعي: يجوز لها الحج بغير مَحْرَم ولا زوجٍ إذا خرجت مع رِفْقَةٍ ومعها نساءٌ ثقاتٌ (١).
لنا (٢): ما روي في حديث ابن عباسٍ قال: "لا يخلونّ رجل بامرأة، ولا تسافر امرأة سفر ثلاثة أيام إلا مع مَحْرَمٍ أو زَوْج"، فقام رجل وقال: إني اكتتبت في غزاة كذا، وإن امرأتي تريد الحج، أفأحج معها؟ قال: "حج معها" (٣)، وهذا يدلّ على [أنّ الرجل فهم من العموم سفر الحجّ وغيره] (٤)؛ إذ لو لم يكن [مرادًا] (٥)؛ لأنكر عليه خروجه معها، و [لو لم يكن شرطًا]، لم يجوّز له ترك الجهاد لأجله.
وذكر الدارقطني حديث ابن عباس: أنّ النبي ﷺ قال: "لا تحجنّ امرأةٌ إلا ومعها مَحْرَمٌ" (٦)، ولأنّ كلّ منعٍ يلحق المرأة إذا كانت وحدها، لا يرتفع بممنوعةٍ