← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

والأثاث، فاعتبر الفاضل عنهما، وأما نفقة الأهل، فهي واجبةٌ لحقّ آدميٍّ، وحقّ الآدميّ مقدَّمٌ على حقّ الله تعالى في أحكام الدنيا. وإنما ذكر مرَّة سنةً، ومرَّةً شهرًا، بحسب اختلاف مسافة الحاج؛ لأنه يحتاج إلى نفقة أهله إلى حين عَودته، ومن الناس من يحجّ ويعود في سنة، ومنهم من يعود قبل ذلك، أو بعده، فاعتبر قدر المسافة (١). وقد ذكر ابن شجاع، فقال: إذا كان له دارٌ لا يسكنها، وإنما يؤاجرها، أو لا يؤاجرها، أو متاع لا يمتهنه، أو عبدٌ لا يستخدمه، وجب عليه أن يبيع ذلك ويحجّ به، وحرمت عليه الزكاة إذا كان مقدار مائتين. وهذا صحيحٌ؛ لأن ما لا يسكنه من الدور، ولا يمتهنه من الثياب، ولا يستخدمه من العبيد، لا تدعو إليه الحاجة، فصار كسائر الأموال. قال: فإن أمكنه بيع منزله، وأن يبتاع [به] منزلًا دونه، ويحجّ بما بينهما، فهو أفضل، ولا يجب عليه؛ لأنه محتاجٌ إلى سكناه، فلا يعتبر في الحاجة قدر (٢) ما لا بدّ [له] منه، كما لا يجب بيع المنزل والاقتصار على السُكنى. ٨٩٤ - فَصْل: [شرط أمن الطريق في الحج] [قال]: ولم يتعرَّض أبو الحسن لأمن الطريق، وهو من شرائط الحجّ، ومن أصحابنا من يجعله من شرائط الوجوب، كالزاد والراحلة، ومنهم من يجعله من شرائط] الأداء.

стр. 1052

قال ابن شجاع: من كان له زادٌ وراحلةٌ، وهو يخاف من سلطانٍ، فإن المنع بالخوف كالمنع بعدم [الزاد و] الراحلة، قال: وهذا قول أبي حنيفة [أنه] (١) من شرائط الوجوب؛ وذلك لأنه لا يتوصّل إلى الحجّ مع الخوف إلا بضررٍ، فلا يلزمه، فرضه، كعدم الزاد والراحلة. ومن قال: إنه من شرائط الأداء؛ فلأنّ رسول الله ﷺ بيّن السبيل بالزاد والراحلة، ولم يذكر أمن الطريق، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فدلّ أنه ليس من شرائط الوجوب. ٨٩٥ - فَصْل: [كيفية وجوب الحج] وإذا ثبت وجوب الحج، وبيَّنا شرائط وجوبه؛ فقد اختلف أصحابنا في كيفية الوجوب، فكان أبو الحسن [الكرخي] يقول: هو على الفور. وذكر [أبو سهل] الزُّجَاجي المسألة على الخلاف، فقال: عند أبي يوسف: أنه على الفور، وعند محمد: على التراخي، و [قد] ذكر ابن شجاع قال: كان أبو حنيفة يقول: من كان عنده ما يحجّ به، وكان يريد التزويج، فإنه يبدأ بالحجّ؛ لأنّ الحجّ فريضةٌ أوجبها الله، وهذا يدلّ على أنه على الفور، وروي عن أبي يوسف أنه قال: فيمن معه ألف درهم يمكنه أن يحج بها، وهو يخاف العزوبة، قال: يحج بها ولا يتزوج. والدليل على أنه على الفور: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من ملك زادًا وراحلةً يبلغانه إلى بيت الله، فلم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا" (٢)،

стр. 1053

فظاهره يقتضي أنّ مَن في غلبة (١) ظنّه: أنه لا يعجز عن الحجّ، فمات، استحقّ الوعيد، وهذا خلاف قول مخالفنا؛ ولأنها عبادةٌ يتعلّق بإفسادها الكَفَّارة، فوجب أن يكون وجوبها بابتداء الشرع على الفور، كصوم رمضان؛ ولأنه فرضٌ لا يُفعل في العمر إلا مرَّة، فلم يجز تأخيره عن وقت وجوبه، كالإيمان، وعكسه الزكاة. وجه قول محمد: أنّ الله تعالى فرض الحج في سنة ستٍّ، وحجّ رسول الله ﷺ سنة عشرٍ، ولو كان وجوبه على الفور لم يؤخِّره. ٨٩٦ - فَصْل: [مالك لدراهم تبلغه الحج فقط] قال أبو الحسن: قال أبو يوسف: إذا لم يكن له من ذلك شيءٌ، لم يكن له مسكنٌ ولا خادمٌ ولا قوت عياله، وعنده دراهم تبلّغه الحج، فلا ينبغي أن يجعل ذلك في غير الحج، فإن فعل أثم، والحج له لازمٌ؛ لأنّه إذا كان له هذه الأشياء، فهو يستضرّ ببيعها، وإذا لم يكن له، فهو لا يستضرّ بـ[ترك] ابتياعها، فلزمه الحج، ولم يعذر في تركه. فأمَّا قوت العيال الذي ذكره، فمعناه: ما يزيد مقدار الذهاب والرجوع، [فأما ما يحتاج إليه إلى حين الرجوع]، فقد بيَّنا أنه مقدَّمٌ على فعل الحج. قال: فإن كان ملك ذلك في أول السنة قبل أشهر الحج، وقبل أن يخرج أهل بلده، فهو في سعةٍ من بيع وصرف [ذلك] إلى أيّ الأصناف التي سمّينَاها، فإذا جاء وقت الحج وهي دراهم، فعليه الحجّ، وليس له أن يصرف ذلك إلى غير

стр. 1054

الأصناف التي سمّيناها (١)؛ وذلك لأنّه في أول السنة لم يلزمه التأهّبُ للحجّ، فمن لا فرض عليه، يجوز له أن يتصرّف في ماله كيف شاء، فإذا جاء وقت خروج أهل بلده فالحج، وإن لم [يجب] (٢) فقد لزمه التأهَّب لذلك، فصار كالمسافر إذا كان معه ماءٌ للطهارة وقد قرب الوقت، لا يجوز له أن يستهلكه في غير الطهارة، كذا هذا (٣). ٨٩٧ - فَصْل: [حَجُّ من لم يجب عليه] قال أبو الحسن: ومن سقط عنه فرض الحج ممّن ذكرنا، فحجّ على تلك الحال، أجزأه إذا كان حرًّا، بالغًا، صحيح العقل: وهذا كالفقير إذا حجّ؛ لأنّه من أهل الفرض، وإنّما لم يلزمه لفقد شرطه الذي يتوصّل به إلى مكة، فإذا حصل بها، صار كأهلها، فيلزمه الفرض. وكذلك الأعمى، والزَّمن، (والمسافر والعبد في الجمعة) (٤)؛ لأنهم من أهل الفرض، وإنما سقط عنهما للمشقة، فإذا تحملاها وقع ما يفعلان من فرضهما. وليس كذلك العبد؛ لأنه ليس من أهل الفرض، فما يفعله من الحج (٥) لا يقع من الفرض.

стр. 1055

٨٩٨ - فَصْل: [وجودُ المَحْرَم للمرأة] قال [أبو الحسن]: ولا تكون المرأة ممّن تجد السبيل إلى الحج إلا بهذه الشرائط مع وجود المَحْرَم، شابةً كانت أو عجوزًا، وقد اختلف أصحابنا في المَحْرَم، كما اختلفوا في أمن الطريق، وظاهر ما ذكره أبو الحسن: أنه من شرائط الوجوب. وقال الشافعي: يجوز لها الحج بغير مَحْرَم ولا زوجٍ إذا خرجت مع رِفْقَةٍ ومعها نساءٌ ثقاتٌ (١). لنا (٢): ما روي في حديث ابن عباسٍ قال: "لا يخلونّ رجل بامرأة، ولا تسافر امرأة سفر ثلاثة أيام إلا مع مَحْرَمٍ أو زَوْج"، فقام رجل وقال: إني اكتتبت في غزاة كذا، وإن امرأتي تريد الحج، أفأحج معها؟ قال: "حج معها" (٣)، وهذا يدلّ على [أنّ الرجل فهم من العموم سفر الحجّ وغيره] (٤)؛ إذ لو لم يكن [مرادًا] (٥)؛ لأنكر عليه خروجه معها، و [لو لم يكن شرطًا]، لم يجوّز له ترك الجهاد لأجله. وذكر الدارقطني حديث ابن عباس: أنّ النبي ﷺ قال: "لا تحجنّ امرأةٌ إلا ومعها مَحْرَمٌ" (٦)، ولأنّ كلّ منعٍ يلحق المرأة إذا كانت وحدها، لا يرتفع بممنوعةٍ

стр. 1056

مثلها، أصله الخلوة بالأجنبيّ؛ ولأنّ عدم المحرم يمنع عن السفر المباح، فيمنع سفر الفرض، كالعدّة. و [قد] قال أصحابنا: إنّها تخرج بحجّة الفريضة إذا كان معها محرمٌ، وإن لم يأذن لها زوجها، وقال الشافعي: لا تخرج بغير إذن زوجها. لنا: أنّها عبادةٌ وجبت عليها ابتداءً، [فلا تفتقر إلى إذن الزوج فيها] كالصلاة؛ ولأنّ حقّه لو منع الأداء، لمنع الوجوب كحقّ المولى في الجمعة. ٨٩٩ - فَصْل: [مَنْعُ الزوجةِ من الحِجَّة النافلة] وأمّا غير حجّة الإسلام، فلزوجها أن يمنعها؛ لأنّ حقّه متعلّقٌ بمنافعها، فله أن يمنعها من التنفل بالحجّ، كما يمنعها من التنفل بالصوم. وأمَّا قوله: شابةً كانت أو عجوزًا. فصحيحٌ؛ لأن الخبر عامٌّ، ولأنّ المرأة لا يؤمن أن يَطَّلع عليها الرجال في حالة ركوبها (١) ونزولها، والمحرم يصونها من ذلك، وهذا المعنى موجودٌ في العجوزِ أيضًا. ٩٠٠ - فَصْل: [صفة المَحْرِم] وأمّا صفة المّحرم: فكلّ من لا يجوز له مناكحتها على التأبيد، إمَّا بَرَحِمٍ، أو رَضَاعٍ، أو بالصَّهر؛ لأنّ التحريم المؤبّد يزيل التهمة في الخلوة بها. ولهذا قالوا: إنّ المَحرمّ إذا لم يكن مأمونًا، لم يجز أن تسافر معه؛ لأنّ الغرض لا يوجد [معه]، ولا فرق بين العبد والحرّ؛ لأنّ التحريم موجودٌ فيهما،

стр. 1057

وكذلك المسلم والذميّ؛ لأنّ الذميّ يحفظ محارمه وإن كنَّ مسلماتٍ. قالوا: إلا أن يكون مجوسيًا يعتقد إباحة مناكحتها، فلا تسافر معه؛ لأنه لا يُؤمّن عليها [منه]، ك [ما لا يُؤمن] الأجنبيّ. وقالوا في الصبي الذي لم يحتلم، والمجنون الذي لا يفيق: أنهما ليسا بمَحرَمٍ في السفر؛ لأنه لا يتأتى منهما حفظها. وقالوا في الصَّبيَّة التي لا تُشتهى [إنه] يُسَافَرُ بها من (١) غير مَحْرَم؛ لأنها في حكم الرجل، فإذا بلغت حدَّ الشهوة، لم يُسَافر بها إلا بمَحْرمٍ؛ لأنه لا يؤمن عليها. وقد قالوا: في المرأة إذا وجبَ عليها الحجّ، إنه يلزمها أن تُنفق على مَحرمها ليحجّ بها؛ لأنه لا يلزمه إنفاق مال نفسه، وهي لا تتوصّل إلى الحجّ إلا به، فيلزمها [الإنفاق عليه] كما يلزمها شراء الراحلة التي لا تتوصّل إلا بها. وقالوا في امرأةٍ لا مَحرم لها، ولا زوج: إنه لا يجب عليها أن تتزوج بمن يحجّ بها؛ لأنّ الشرط غير موجودٍ، فلا يلزمها تحصيله، كما لا يلزمها اكتسابُ الراحلة. والمَحرم معتبرٌ إذا كان بين المرأة وبين مكة ثلاثة أيامٍ فصاعدًا، فإن كان أقلّ من ذلك، حجَّت بغير محرمٍ؛ لأنّ ذلك ليس بسفرٍ، فصار كخروجها من محلّةٍ إلى محلّةٍ.

стр. 1058

٩٠١ - فَصْل: [المعذور عن أداء الحج] [قال]: ومن كان في عذرٍ من ترك الحجّ، فعليه أن يُحجّ عن نفسه رجلًا، وهذا كالزَّمِن والأعمى في قول أبي حنيفة، والمريض والمحبوس. والأصل في ذلك: أنّ هذه العبادة تارةً تتعلّق بالبدن، وتارة تتعلّق (١) بالمال، وحكمها في إحدى الحالتين مخالفٌ لحكمها في الأخرى، ألا ترى أنّها إذا وجبت على البدن، كان المال غير مقصودٍ فيها؛ بدلالة أنه لو حجّ بغير مالٍ، لجاز، وإذا وجبت في المال، فهي عبادةٌ ماليَّةٌ، إلا أنّ تعلّقها بالمال موقوفٌ على عدم تعلقها بالبدن. والأصل في جواز النيابة عمَّن يعجزُ عن الحج: حديث الخثعميَّة أنها قالت للنبي ﷺ : إنّ فريضة الله في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا، أفأحج عنه؟ فقال لها: "حجي عن أبيك" (٢). قال: فإن دام العذر الذي أسقط فرض الحجّ إلى أن يموت، أجزأ ذلك الحجّ عنه، وإن صحَّ لم يجزئه؛ وذلك لأنّ العجز إذا دام [فالفرض] (٣) لم يتعلّق بالبدن، وما تعلّق بالمال فقد أدَّاه، وإذا صحَّ، فقد تعلّق الفرض ببدنه، وما أدَّاه عبادةٌ ماليةٌ، فلا يقوم مقام ما يجب على البدن. ٩٠٢ - فَصْل [فقير حُجّ عنه فدام به الفقر إلى الموت] قال: فأمّا الفقير إذا حُجَّ عنه، فدام الفقر به إلى أن يموت، لم يجزئه الحجّ،

стр. 1059

وإنّما يجزئ الحجّ، أن يُحجّ عنه من ماله، والفقير لا مال له، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ العبادة إمّا أن تكون ماليةً أو بدنيةً، فالبدنية لا تجب على الفقير، ولا مال له حتى تلزمه العبادة المالية، فإذا حج عنه غيره، لم يقع موقع الفرض، وهذا يدلّ على أن المعضوب إذا بذل له الطاعة، لم يلزمه فرض الحجّ؛ لأنه لا يملك بالبذل المال. وقال الشافعي: إن بذل له ابنه الطاعة، وجب عليه [فرض] الحج، (وإن بذل له المال، فلا يصير مُستطيعًا، ولا يلزمه قبوله، فإن قبله، لزمه الحجّ) (١). لنا (٢): أنّه بذل له الطاعة، فلا يصير [بها] مستطيعًا [للحجّ]، كما لو بذل له الصيرورة (٣)؛ ولأنّه معنى لا يملك به الزاد والراحلة، فلا يصير [به] مستطيعًا للحجّ، كبذل المال قبل القبول. ٩٠٣ - فَصْل [النيابة في حج النفل] وقد قال أصحابنا: إنّ النيابة تجوز في نفل الحجّ عن الصحيح والزَّمِن، وقال الشافعي: لا تجوز (٤). لنا (٥): أنّه عبادةٌ تصحّ النيابة في فرضها، فصحّ في نفلها كالصدقة، وعكسه الصلاة.

стр. 1060

٩٠٤ - فَصْل: [حج المرأة المعتدة] قال: ولا يلزم المرأة الحجّ (١) مع وجود المَحْرَم إذا كانت معتدّةً في بلدها من طلاقٍ أو موتٍ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، وروي أنّ عمر (٢) ردَّ المعتداتِ من ذي الحليفة (٣)، وردَّهن ابن مسعود من النَجَف (٤)؛ ولأنها تستدرك الحجّ في وقتٍ آخر، ولا تستدرك العدَّة، فكان الجمع بين الأمرين أولى. [قال]: فإن لزمتها العدَّة وهي مسافرةٌ، فإن كان بينها وبين مصرها أقلّ من ثلاثة أيام، فهذا والأول سواءٌ؛ لأنّها لا تحتاج في العود إلى إنشاء سفر، فصار كما لو كانت في المصر، وإن كان بينها وبين منزلها ثلاثة أيامٍ فصاعدًا، مضت على سفرها، فإن صارت إلى أقرب المواضع منها التي تأمن فيه على نفسها، أقامت، ولم [يجز لها أن] تخرج عند أبي حنيفة، وتخرج عند أبي يوسف ومحمد إن كان لها مَحْرَمٌ، وقد بيَّنا هذه المسألة في العِدَدِ (٥). * * *

стр. 1061

بَاب [وقت] الحج والعمرة قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وهذا يدل على توقيت هذه العبادة، والعبادات المؤقّتة لا بدّ لتوقيتها من فائدةٍ. [فائدة] التوقيت عندنا بالأشهر؛ لأنّ الأفعال لا يجوز أن تتقدم عليها وإن تقدم الإحرام، ويجوز أن يُفعل فيها. وفائدةٌ أخرى: وهو أنّه يُكره الإحرام قبل أشهر الحجّ (١)، ولا يُكره فيها، ومن أصحابنا من قال: إنّما يُكره تقديم الإحرام، ليس لمعنى يعود إلى الوقت؛ وإنما هو لأنه لا يأمن [على نفسه من] مواقعة المحظور، فإن أمن [ذلك]، لم يُكره. وقد روى ابن سماعة عن محمد أنه قال: أكره الإحرام قبل الأشهر، ويجوز ما فعله كما يجوز إحرامه وهو لابسٌ أو جالسٌ في خَلوقٍ، وهذا يدلّ على أنّ الكراهة لمعنى يعودُ إلى الوقت. وقد قال أصحابنا: إنّ أشهر الحج: شوال، وذو القعدة، وعشرٌ من ذي الحجّة، وقال مالكٌ: إلى آخر ذي الحجة (٢)، وقد روي عن ابن مسعودٍ (٣)،

стр. 1062

وابن عمر (١)، وابن الزبير (٢)، والشعبيّ (٣)، وإبراهيم (٤)، والضحَّاك (٥) مثل قولنا، وعن ابن عمر (٦) [روايةٌ أخرى] مثل قول مالك. والدليل على ما قلنا: أنّ ما بعد يوم النحر ليس بوقتٍ موضوعٍ لأركان هذه العبادة، ووقت العبادة ما وضع لأركانها؛ ولأنّ عند مالك: أنّ الإحرام بالحجّ فيها لا يجوز، ويستحيل أن تكون وقتًا للعبادة ولا يجوز أن يُحرم بها فيه. فأمّا يوم النحر، فقد ذكر الشيخ أبو بكر في أحكام القرآن ما يدلّ على أنّه من الأشهر، وكذا كان يقول شيخنا أبو عبد الله [الجرجاني] رحمه الله تعالى. وذكر الطحاوي في مختصره، قال: والعشر الأول من ذي الحجّة (٧)، وذكر أبو يوسف في الجوامع: عشر ليالٍ وتسعة أيامٍ، وذكر أبو بكر الرازي في الأحكام عن ابن أبي مالك [عن أبي يوسف]: شهران وعشر ليالٍ. وذكر ابن شجاع في احتجاجه على مالكٍ: فإن قيل (٨): إنّ يوم النحر من الأشهر بإجماعنا، فهذا يدلّ أنه عنده من الأشهر، فإن قلنا: إنّه من الأشهر؛ فلأنّ الصحابة قالوا في الأشهر: شوال، وذو القعدة، وعشرٌ من ذي الحجّة، وذكر أحد

стр. 1063

العددين على طريق الجمع، يقتضي دخول ما بإزائه من العدد الآخر؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ [التوبة: ٣]، وقيل في التأويل: يوم عرفة، وقيل: يوم النحر، ويستحيل أن يُسمى يوم الحجّ [الأكبر] وليس من الأشهر؛ ولأنّه أوّل وقتٍ لركنٍ من أركان الحج، وركن العبادة لا يكون موضوعًا في غير الوقت؛ ولأنّ كلّ ليلةٍ كانت من الأشهر، فيومها من الأشهر، كما قيل: ليلة النحر. وإن قلنا: إنّه ليس من الأشهر؛ فلأنّ الحج يفوت بطلوع الفجر من يوم النحر، والعبادة لا تكون فائتةً مع بقاء وقتها. ٩٠٥ - فَصْل: [تقديم الإحرام بالحج على الأشهر] قال (١): و [قد] قال أصحابنا فيمن قدّم الإحرام بالحجّ على الأشهر: إنّه ينعقد [إحرامه حجّةً]، وقال الشافعي: عمرةً (٢). لنا: أنه أحد نسكي القِرَان، فصَحّ قبل أشهر الحجّ كالعمرة؛ ولأنّ يوم النحر وقتٌ لركنٍ من أركان الحجّ، فكان وقتًا لإحرامه كيوم عرفة؛ ولأنّه إحرامٌ انعقد بنيَّة الحجّ، فلم يكن عمرةً، كما لو كان في أشهر الحج. فأمّا قول الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ودعوى مخالفينا: أنّ المراد به وقت الحجّ [أشهرٌ معلوماتٌ]، فقد قال بعضهم (٣): الحجّ حجّ أشهرٍ [معلومات]، وهذا يقتضي أن يكون أفضل الحجّ ما وقع في الأشهر.

стр. 1064

قال: ويحتمل أن يكون أفضل (١) الحجّ ما وقع في الأشهر، بمعنى: أنّ ما سوى ذلك لا يجري مجراه، كما يقال: بالفقه أبو حنيفة، (والجود لحاتم) (٢)، وإذا كان احتجاجهم [بالآية] لا يصحُّ [إلا] بترك الظاهرِ، لم يكن ما يدَّعيه في احتمال اللفظ أولى مما يدّعونه. فأمّا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فقد روي عن جماعةٍ من السَّلف أنهم قالوا: الفرض: التلبية، وقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾، المراد به: الجماع، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقيل المراد به: رفث الكلام، والفسوق: هي المعاصي، وذلك منهيٌّ عنه قبل الإحرام وبعده؛ إلا أن [رفثه في] مصادفته للعبادة (٣) أغلظ في باب التحريم. فأمّا الجدال في الحج، ففيه تأويلان: أحدهما: أن يُجادل رفيقه، والثاني: الجدال في أشهر الحج الذي كانت الجاهلية تفعله؛ لأنهم كانوا ينسئون في الشهور، فيقدمون الأشهر الحرم تارةً، ويؤخّرونها أخرى. ٩٠٦ - فَصْل: [التلبية قبل أشهر الحج] [قال]: ولا ينبغي لأحدٍ أن يُلبِّي قبل أشهر الحجّ، فإن فعل لزمه، وقد أساء، وقد بيَّنا: أنّ من أصحابنا من قال: إنّ الكراهة ليست لأجل الوقت (٤)؛

стр. 1065

ولكن لأنّه لا يأمن مواقعة المحظور، ومنهم من جعل ذلك لمعنى يعود إلى الوقت. قال: ولا ينبغي أن يعمل بهذا الإحرام شيئًا ممّا يوجبه الإحرام قبل أشهر الحج، من طوافٍ أو سعيٍ أو غير ذلك؛ [وذلك] لأنّ أفعال العبادة لا يجوز تقديمها على وقتها، كأفعال الصلاة. وليس كذلك الإحرام؛ لأنّه أُجري مجرى أسباب الصلاة التي هي الطهارة والستر، بدلالة أنّه يجوز في أوّل الشهر بالاتفاق، وإن لم تعقبه الأفعال؛ فلذلك جاز تقديمه على الوقت. ٩٠٧ - فَصْل: [وقت أداء العمرة] [قال]: ووقت العمرة: السَّنَةُ كلّها، ويكره ذلك يوم عرفة [ويوم النحر] وأيام التشريق، وقد اختلف السلف في العمرة في أشهر الحجّ، فكان عمرُ ﵁ ينهى عنها، ويقول: (حُجُّوا في الأشهر واعتمروا في غيرها فإنّه أكمل لحجِّكم وعمرتكم (١)). والدليل على جوازها: ما روى عمران بن الحصين: أنّ النبي ﷺ أعمر طائفةً من أهله في عشر ذي الحجة، قال عمران: ولم يُنه، ولم ينزل نسخه، قال في ذلك قائلٌ ما شاء (٢). وعن عائشة قالت: ما اعتمر رسول الله ﷺ عمرةً إلا شهدتها، وما اعتمر

стр. 1066

إلا في ذي القعدة (١). وأمَّا عُمر، فإنه أمر بذلك لمنفعة أهل الحرم؛ حتى لا يكون الموسم في وقتٍ واحدٍ من السنة، وهذا لا تعلّق له بالوقت. فأمّا الأيام الخمسة، فيكره فيها الإحرام بالعمرة [عندنا]، وروي عن أبي يوسف: أنّه لا يكره الإحرام يوم عرفة قبل الزوال. وقال الشافعي: لا يكره في هذه الأيام (٢). لنا: ما روي عن عائشة أنها قالت: (تمَّت العمرة في السنة كلها إلا يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق) (٣)؛ ولأنّها عبادةٌ لها تحليلٌ وتحريمٌ، فوجب أن يكون لها وقتٌ يُكره فعلها فيه [في حق] العامَّة كالحج؛ ولأنه أحد نسكي (الإحرام من) (٤) القِرانِ، فوجب أن يكون له وقتٌ يمنع فيه العامَّة من الإحرام [به] كالحج. ولا يمكن القول بموجب هذه العلة في المحرم بالحجّ؛ لأنّ غيره يجوز له أن يحرم بها عندهم في ذلك الوقت، وتعليلنا لعامَّة الناس [وكافّتهم]. ٩٠٨ - فَصْل: [حكم العمرة] والعمرة عندنا سُنَّةٌ، وقال الشافعي: واجبةٌ (٥).

стр. 1067

لنا: قوله ﷺ : "الحج جهادٌ، والعمرة تطوّعٌ" (١)، وقال لسائل عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: "لا، وأن تعتمر خير لك" (٢)؛ ولأنّها عبادةٌ على البدن غير مؤقَّتةٍ تؤدى بإحرام غيرها، فلا تكون واجبةً في أصل الشرع كالتطوع؛ ولأنها تتقدّم على الفرض المؤقّت من جنسها في وقته، كالنوافل من الصلاة (٣). * * *

стр. 1068

[٣٠] بَاب المواقيت قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: صحّ عن رسول الله ﷺ : أنه وقَّت لأهل المدينة: ذا الحليفة (١)، ولأهل الشام الجُحْفَة (٢)، ولأهل نجدٍ: قرنًا (٣)، ولأهل اليمن: يَلَمْلَمْ (٤)، وقال: "هُنَّ لأهلهنَّ ولمن مرَّ بهنّ من غير أهلهنَّ ممن

стр. 1069

أراد الحج والعمرة" (١)، وهذا صحيحٌ. وروى نافع عن ابن عمر أنّ النبي ﷺ وقَّت لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام: الجُحْفة، ولأهل نجد: قرنًا، [ولأهل اليمن يلملم] (٢). وروى ابن عباس قال: وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام: الجحفة، ولأهل اليمن: يلملم، ولأهل نجد: قرنًا، وقال: "هنّ لهم، ولمنْ أتى عليهنّ من غير أهلهنّ ممن كان يريد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك، فمن أهله". وروى القاسمُ عن عائشة قالت: (وقَّت رسول الله ﷺ لأهل المدينة: ذا الحُلَيْفَة، ولأهل الشام ومصر: الجُحْفَة، ولأهل اليمن: يَلَمْلم، ولأهل العراق: ذات عِرْق) (٣). وروي عطاء عن جابرٍ: أنّ النبي ﷺ وقَّت لأهل العراق: ذات عِرق (٤).

стр. 1070

وتخصيص العبادات بالأماكن إنّما يُعلم (١) من طريق التوقيف، وهذه المواقيت هي آخر وقتٍ يجوز الإحرام منه، وما قبلها كلّه وقتٌ، وكلّما قدَّم الإحرام عليها فهو أفضل. وقال بشر عن أبي يوسف: وكلَّما تقدَّم الإحرام قبل بلوغه الميقات فهو أفضل، وروى الحسن (٢) ومحمد عن أبي حنيفة قال: ذلك أفضل (٣) إذا كان يملك نفسه أن يمنعها مما يمنع عند الإحرام. وقال الشافعي: الإحرام من الوقت أفضل. لنا: حديث أمّ سلمة أنّ النبي ﷺ قال: "من أحرم من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام بحجٍ أو عمرةٍ، غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، ووجبت له الجنَّة" (٤). ٩٠٩ - فَصْل: [ميقاتُ مَن حَجَّ في البحر] وأمّا من حجَّ في البحر، فقد روى ابن شجاع عن عبد الله بن مسلم قال: سألت أبا يوسف عن الرجل يركب البحر من مصر ونحوها وهو يريد مكّة للإحرام، من أين يُهلّ؟ فقال: إذا حاذى الوقت، فصار في موضعٍ لو كان مكان البحر برٌّ، لم يكن له أن يتجاوزه إلا بإحرامٍ، فإنه يُحرم منه، وهذا صحيحٌ في البحر والبرّ إذا قصد مكّة من طريقٍ غير مسلوكةٍ، أحرم إذا حاذى ميقاتًا من هذه

стр. 1071

المواقيت؛ لأنه في حكم ما يحاذيه في القرب إلى مكّة. ٩١٠ - فَصْل: [عدم مجاوزة الميقات إلا محرمًا] ولا يجاوز المواقيت إلا مُحْرِمًا؛ وذلك لأنّ التوقيت لا بدّ له من فائدةٍ: إمّا المنع عن التقديم عليه، أو التأخر عنه، فإذا جاز التقدم عليه لما قدّمنا، لم يجز التأخر عنه، إلا أن يتجاوزه إلى وقتٍ آخر؛ لأنّ النبي ﷺ جعل هذه المواقيت لأهلها ولغير أهلها. وقد قال أبو حنيفة: في غير أهل المدينة، إذا مرُّوا على المدينة فجاوزوها إلى الجُحْفَة، فلا بأس بذلك، وأحبّ إليّ أن يُحرموا من ذي الحُلَيْفَةِ؛ وذلك لأنهم إذا حصلوا في الميقات، ثبت حرمته في حقهم، فيكره لهم تركها. ٩١١ - فَصْل: [ميقات أهل الميقات ومَن دونها] فأمَّا أهل المواقيت ومن دونها إلى مكة، فميقاتهم في الحج والعمرة: الحلّ الذي بين المواقيت والحرم؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قيل في التفسير: أن تحرم بهما من دويرة أهلك؛ ولأنّ أهل المواقيت كمن دونها في جواز دخول مكّة بغير إحرام، فكذلك في باب الإحرام من الحلّ. وإذا ثبت أنّ من كان دون المواقيت يحرم من أهله بظاهر الآية، فكذلك في جميع الحلّ، ألا ترى أنّ من قبل المواقيت لمَّا جاز له الإحرام من دويرة أهله، جازَ له من أي موضعٍ شاء ما بينه وبين الميقات. * * *

стр. 1072

٩١٢ - فَصْل: [ميقاتُ أهل مكة في الحج] وميقات أهل مكّة في الحجّ: الحرم؛ وذلك لما روي في تأويل الآية؛ ولأنّ النبي ﷺ لما أمر أصحابه بفسخ الحج بعمل عمرةٍ، أمرهم يوم التروية أن يحرموا بالحج من المسجد (١)، فدلّ على أن من أنشأ إحرام الحج من مكة، فوقته الحرم. قال: ووقْتُهم في العمرة: الحلّ؛ لما روي أنّ النبي ﷺ لمّا أراد الإفاضة من مكة، دخل على عائشة وهي تبكي، فقالت: "أكلّ نسائك يرجعن بنسكين، وأنا أرجع بنسكٍ واحد، فأمر أخاها عبد الرحمن فاعتمر بها من التنعيم" (٢)؛ ولأنّ الإحرام من حكمه: أن يجتمع في أفعاله الحلّ والحرم؛ [فإذا أحرم المكيّ بالعمرة من مكة، وأفعالها بمكة، لم يجتمع في أفعاله الحلّ والحرام]؛ فلذلك أمر بالإحرام من الحلِّ (٣). * * *

стр. 1073

بَاب التَّلْبِيَةِ قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا أراد الحاجّ الإحرام بالحجّ أو العمرة، أو بهما: اغتسل، أو توضَّأ، والغسل أفضل؛ وذلك لما روي (أنّ النبي ﷺ اغتسل لإحرامه (١)، واغتسل للوقوف) (٢)، وهذا الغسل عندنا ليس بواجبٍ؛ بدلالة ما روي (٣) أنّ النبي ﷺ لمّا نزل بالشجرة، جاءه أبو بكر فقال له: إن أسماء نفست، فقال له: "مرها فلتغتسل ولتحرم بالحج" (٤)، والغسل الواجب لا يجوز مع النفاس، فعُلم أنّ المقصود منه النظافة، فكلّ غُسلٍ يُفعل لهذا المعنى فالوضوء يقوم مقامه، كغسل الجمعة والعيدين، والغسل أفضل؛ لأنه يأتي على الوضوء [وأبلغ في باب النظافة]. قال: ويلبس ثوبين جديدين، أو غسيلين: إزار ورداء؛ وذلك لأنّ المُحرم ممنوعٌ من لبس المخيط، ولا بدّ من ستر العورة، وما يتّقي به الحرَّ والبرد، فجعل ذلك بالإزار والرداء. وإن كان المقصود ما ذكرنا، فالجديد والغسيل في ذلك سواءٌ، إلا أنّ

стр. 1074

الجديد أفضل؛ لأنّه أقرب إلى [النظافة و] الطهارة. ٩١٣ - فَصْل: [التطيّب والادّهان للإحرام] [قال]: وتطيَّب، وادّهن بما شاء في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو قول محمد في الأصول. وروى المعلى عنه أنه قال: كنت لا أرى به بأسًا حتى رأيت قومًا أحضروا طيبًا كثيرًا، ورأيت أمرًا شنيعًا فكرهته، وهو قول مالك. وجه قولهما: ما روت عائشة قالت: (طيَّبت رسول الله ﷺ الإحرامه حين أحرم، ولإحلاله حينَ أحلّ قبل أن يطوف بالبيت، ولقد رأيت وبيص (١) الطيب في مفارق رسول الله ﷺ بعد ثالثةٍ) (٢). وروي أنها قالت: (كنا نُحرمُ مع رسول الله ﷺ ، فنضمّخ جباهنا بالمسك عند الإحرام، ثم نخرج فنعرق، فيسيل على وجوهنا، ورسول الله ﷺ يراه ولا يُنكره) (٣). ولأنّ ابتداء الطيب حصل على وجهٍ مباحٍ، والباقي عليه ليس كالمبتدئ (٤)، فلم يُكره له البقاء عليه كالحلق. وجه قول محمد: ما روي أنّ النبي ﷺ قال للأعرابي: (اغسل عنك هذا

стр. 1075

الخَلوق) (١)؛ وروي عن عمر (٢) وعثمان (٣) كراهة ذلك؛ ولأنه إذا بقي على الطيب، انتقل من مكانٍ إلى مكانٍ، فصار كالمبتدئ بتطييب ذلك المكان الثاني. والجواب: أمّا خبر الأعرابي، فإنّما نهاه عن الخَلوق؛ لأنّ الرجل ممنوعٌ من التزعفر. وأمّا حديث عمر وعثمان، فقد عارضه ما روي عن عائشة وابن عمر بخلافه. وأمّا اعتبار انتقال الطيب [من مكانٍ إلى مكانٍ، فلو صَحّ ما قاله، لوجب الجزاء إذا انتقل] (٤)، وقد أجمعوا أنه لا جزاء عليه. وقد تكلم أصحابنا فيمن ابتدأ الطيب بعد الإحرام وكفَّر، ثمّ بقي عليه، فمنهم من قال: لا كفارة عليه للبقاء؛ لأنّ التكفير أسقط حكم الابتداء، والبقاء على الطيب لا يتعلّق به كفارةٌ. ومنهم من قال: إنّ ابتداء الاستعمال كان محظورًا، [فكذلك حال البقاء، فتعلّق به الجزاء] (٥). وفي مسألة الخلاف: كان الابتداء مباحًا، فلم يتعلق بالبقاء كفّارةٌ. ٩١٤ - فَصّل: [تقديم ركعتين على الإهلال] قال: ثم يصلي ركعتين؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أتاني آتٍ من

стр. 1076

ربي وأنا بالعقيق، فقال لي: صَلِّ في هذا الوادي المبارك ركعتين، وقل: لبيك بعمرةٍ في حجةٍ" (١)؛ ولأنّ رسول الله ﷺ قدَّم الصلاة على الإهلال، فدلّ على أنها سنةٌ. ٩١٥ - فَصْل: [التلبية دُبُر الصلاة] [قال]: ثم يلبي في دُبر صلاته تلك، أو بعدما تستوي به راحلته، والأفضل عندنا: أن يلبي عقيب الصلاة، وهو قول ابن عباسٍ (٢). وروى ابن عمر: (أنّ النبي ﷺ صلَّى ركعتين ثم استوى على راحلته، فلما قامت أَهلَّ) (٣). وروى جابر: أنّ النبي ﷺ أهلَّ حين استوى على البيداء (٤). وروي عن [ابن] عمر أنه قال: ما هذه البيداء التي يكذبون فيها على رسول الله ﷺ ، إنما أهلَّ حين استوى على راحلته (٥). والدليل على ما قلناه: ما روي أنّ النبي ﷺ قال: "أتاني آت من ربي، [وأنا بالعقيق]، فقال لي: صَلِّ في هذا الوادي المبارك ركعتين … " الخبر، فدل على أنّ التلبية متعلقةٌ بالصلاة. وروي عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: كيف اختلف أصحاب

стр. 1077

رسول الله ﷺ في إهلاله؟ فقال: أنا أعلم بذلك، صلَّى رسول الله ركعتين وأهلّ بالحجّ، فرآه قومٌ، فقالوا: أهلّ عقيب الصلاة، ثم استوى على راحلته فأهلَّ، فكان الناس يأتونه أرسالًا، فأدركه قومٌ فقالوا: أهَلَّ عقيب ما استوى على راحلته، ثم ارتفع على البيداء، فأهَلَّ، فأدركه قوم فقالوا: إنّما أهلّ حين ارتفع على البيداء، وايم الله، لقد أوجبه في مصلاه (١). ولأنه ذكرٌ أمر بتقديم الصلاة عليه، فكان [فعله] (٢) عقيب الصلاة أفضل كتكبير التشريق. ٩١٦ - فَصْل: [صفةُ التلبية وأَحْكامُها] قال: والتلبية أن يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. والأصل في ذلك: ما روى ابن عمر (٣) وابن مسعود (٤) في تلبية رسول الله ﷺ هذه الألفاظ، ولم يختلف عنه فيها. والكلام في التلبية يقع في مواضع: منها (٥): أنّ الدخول في الإحرام عندنا لا يقع بمجرَّد النيَّة حتى يضم إليها التلبية، أو سوق الهدي. وقال الشافعي: يصير محرمًا [بمجرد النيّة] (٦).

стр. 1078

[ومنها: أنّ التلبية واجبةٌ عندنا، أو ما يقوم مقامها من السَّوْق، وعنده ليس بواجبٍ]. لنا (١) في وجوب التلبية: قوله ﷺ : "أتاني آتٍ من ربي وأنا بالعقيق، فقال لي صَلّ في هذا الوادي المبارك ركعتين وقل: لبيك بعمرةٍ في حجةٍ"، والأمر [يدل] على الوجوب؛ ولأنّ هذه عبادةٌ لها تحليلٌ وتحريمٌ، فوجب الذكر في ابتدائها كالصلاة. ٩١٧ - : فَصْل [ما يقع به الدخول في الإحرام] وقد قال أصحابنا: إنّ الدخول في الإحرام يقع بذكرٍ يقصد به التعظيم، وسواءٌ كان بالفارسية أو بالعربية، وهذا هو المشهور عن أبي يوسف، رواه ابن أبي مالك، وبِشْر، ومُعَلَّى. وروى الحسن بن زياد عنه: أنّه لا يكون مُحْرِمًا إلا بالتلبية. فأمّا أبو حنيفة فمضى على أصله: أنّ الذكر الموضوع في ابتداء العبادة، لا يختصّ عنده بعبارةٍ بعينها، ولا بلغةٍ بعينها، كالتكبير للصلاة. وأمّا أبو يوسف ومحمد في المشهور من قولهما: [الفرق بين الإحرام والصلاة] (٢). قال أبو يوسف: تختصّ التحريمةُ (٣) بالتكبير، ويجوز الإهلال بكلّ ذكرٍ،

стр. 1079

وقال محمد: لا تجزئه التحريمة مع القدرة [على العربية] إلا بالعربية، ويجوز الإهلال مع القدرة بغيرها. والفرق بينهما: أنّ أفعال الصلاة لا يقوم غيرها مقامها، وأفعال النسك يقوم غيرها مقامها، فكانت أوسع؛ فلذلك جاز فيها ما لا يجوز في الصلاة. وأمَّا رواية الحسن (١) فقال: إنه ذِكرٌ يقع به الدخول في العبادة، فيختصّ بما رود به الشرع كالتكبير. واتفقوا جميعًا: أنّ الذكر على الذبيحة لا يختصّ بعبارة بعينها، ولا بلغةٍ بعينها؛ لأنّ المقصود منها مخالفة المشركين. ٩١٨ - فَصْل: [الزيادة على التلبية المأثورة] قال أصحابنا: السنة أن يأتي بتلبية رسول الله ﷺ ، ولا ينقص منها شيئًا (٢)، فإن زاد عليها، فهو مستحبٌّ، وحصّل أصحاب الشافعي [من] مذهبه: أنّه مباحٌ (٣). وقد روي عن ابن عمر أنّه كان يزيد في التلبية: لبيك وسعديك، والخير في يديك، والرغباء إليك والعمل [لديك]، لبيك لبيك (٤). وعن عمر أنّه زاد فيها: لبيك مرغوبًا ومرهوبًا إليك، لبيك والنعماء والفضل الحسن لديك (٥).

стр. 1080

وقال أبو هريرة: كان في تلبية رسول الله ﷺ : "لبيك إله الحق" (١)؛ ولأنه ذكر يقصد به [تعظيم] (٢) الله والثناء عليه، فجاز أن يتعلّق بالزيادة عليه بعد استيفائه فضيلةٌ كالتشهد. ٩١٩ - فَصْل: وقد روي عن محمد: أنّ الأفضل في التلبية أن يقول: لبيك .. إن الحمدَ - بالكسر؛ وذلك لأنه إذا كسر، صار ما بعده ثناء، وإذا فتح، كان صفةً؛ ولأن يأتي بزيادة (٣) الثناء أولى. ٩٢٠ - فَصْل: [تعيين النية بالتلبية] قال: وإذا لبَّى يريد حجًا، أو عمرةً، أو هما جميعًا، كان كما نوى وإن لم يتكلّم بهما في إحرامه؛ لأنّ التلبية يقع بها الدخول، فلا يحتاج إلى تسمية ما يدخل فيه كالصلاة، وإن سمَّى جاز؛ لأنّ النبي ﷺ قال: "أتاني آتٍ [من ربي، فقال: قل: لبيك بعمرةٍ في حجةٍ] … " الخبر. [قال]: والأحسن أن يقول إذا أراد أن يبتدئ إحرام الحج: اللهم إني أريد الإحرام بالحجّ، فيسِّره لي وتقبله مني، وكذلك إن أراد العمرة ذكرها، وإن أراد الجمع بينهما قال ذلك، ويبدأ بذكر العمرة قبل الحج في التلبية [فيقول]: لبيك بعمرةٍ وحجّةٍ (٤)؛ وذلك لأنّ الحج ممّا يمتدُّ فيقع فيه الموانع والعوارض،

стр. 1081

فالأولى أن يقدم عليه الدعاء لله تعالى (١) بتسهيله. وإنّما قدم العمرة على الحجّة في الذكر؛ لأنّ أفعالها تُقدّم، كذا الإهلال بها يُقدّم. ٩٢١ - فَصْل [الخيار لمن لم يعين النية] [قال]: ومن [نَوى] (٢) الإحرام، وليس له نيةٌ في حجٍ ولا عمرةٍ، مضى في أيهما شاء ما لم يطف بالبيت، فإن طاف بالبيت شوطًا واحدًا، كان إحرامه عمرةً. والأصل في انعقاد الإحرام بالمجهول: ما روي أنّ عليًا قدمَ من اليمن مع أبي موسى في حجة الوداع، فقال لهما رسول الله ﷺ : "بماذا أهللتما؟ "، فقالا: بإهلالٍ كإهلال رسول الله ﷺ (٣)، وإذا انعقد الإحرام جاز أن يؤدِّي به حجةً أو عمرةً، وهو بالخيار في صرفه إلى أيهما شاء. فإذا ابتدأ في الطواف، فقد أخذ في عمل العمرة قبل التعيين، فتعيّنت بفعله، كما تتعيّن بقصده، وكذلك لو لم يطف حتى جامع أو أُحصِر كانت عمرةً؛ لأنّ القضاء قد لزمه، فأوجبوا عليه المتيقَّن. ٩٢٢ - فَصْل [النية المطلقة ممن عليه الفريضة] [قال]: ومن كان عليه حجّة الإسلام، فأحرم لا ينوي فريضةً ولا تطوعًا، فهي حجّة الإسلام، و [قد] كان القياس: أن لا يقع عن حجّة الإسلام إلا بتعيين

стр. 1082

النيَّة؛ لأنّ الوقت يصلح للفرض والنفل، فلا يتعيّن للفرض إلا بنيَّةٍ كوقت الصلاة. وإنّما استحسنوا [وقوعه]؛ لأنّ أمر المسلم محمولٌ على الصحّة، وأنّه لا يتكلّف المشقَّة [والغرم] ويريد به النفل (١)، ويبقى الفرض في ذمّته، وإنمّا يقدّم الفرض، فوقع ذلك على الفرض لحسن الظنّ به (٢). ٩٢٣ - فَصْل: [سَوْقُ الهَدْي وتقليده لمُرِيدي الإحرام بالحج] [قال]: ومن ساق هديًا وقلَّده، وهو يريد الإحرام بالحجّ، أو بالعمرة، أو بهما معًا: فهو محرمٌ إذا قلَّد هديه وتوجّه معه بما قصد له من ذلك وإن لم يلبِّ بلسانه. والأصل في وقوع الإحرام بالتقليد مع السوق قوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾، ثم قال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ولم يجر (٣) للإحرام ذكرٌ، فدلّ على أنه يقع بالسَّوق مع التقليد؛ ولأنّها قُربةٌ تختصّ بابتداء الإحرام كالتلبية؛ ولأنّ القائل أحد قائلين: إمّا من قال: إنّ الإحرام يقع بمجرد النيَّة، وإمّا من قال: يقف على معنى ينضم إلى النية، وذلك المعنى إمّا التلبية أو السَّوق، وقد دلّلنا على أنّ الإحرام لا يقع بالتلبية (٤)، فوقع بالسوق للإجماع. و [قد] روى طاووس عن ابن عباسٍ أنه قال: (إذا قلَّد الرجل الهدي، أو

стр. 1083

جَلَّله، وهو يريد الإحرام، وجب عليه الإحرام) (١)، وعن قيس بن سعد بن عبادة أنّه كان بالشجرة يغسل أحد شقي رأسه، فالتفت فإذا هديه قد قُلّدت، فقام ولم يغسل شقَّه الآخر (٢). فأما إذا قلَّد ولم يسق، لم يكن مُحْرِمًا؛ وذلك لأنّ النبي ﷺ (قلَّد هديه ثم أحرم بالتلبية) (٣)، فلو كان الإحرام وقع بالتقليد لم يكن للتلبية معنى؛ ولهذا قال أصحابنا: إنّ الأولى أن يقدّم التلبية، ثمّ يقلّد الهدي؛ لأنّه إذا قلّدها ربّما سارت فاتبعها مع النية، فيصير محرمًا بغير تلبيةٍ، والإحرام بالتلبية أفضل. ٩٢٤ - فَصْل: [الإحرام بالتجليل والإشعار] [قال]: ولا يكون محرمًا بالتجليل (٤)، ولا بالإشعار؛ وذلك لأنّ التجليل ليس بقربةٍ، وإنما يُفعل ليقي الحيوان من حرٍّ وبردٍ، والدخول في الحجّ يختصّ بفعلٍ هو قربةٌ. فأمّا الإشعار؛ فهو عند أبي حنيفة مكروهٌ، فلا يقع به الدخول، [وعلى قولهما: هو مباحٌ وليس بقربةٍ، فلا يقع به الدخول]. ٩٢٥ - فَصْل: [تقليد الهدي وبعثه ثم إقامة المقلد في أهله] فإن قلَّد هديه وبعثه، وأقام في أهله، ولم يتوجه معه، فإن خرج بعد ذلك

стр. 1084

يريد العمرة، أو الحجّ، أو هما، لم يكن محرمًا حتى يلحق هديه ويتوجّه معه، إلا هدي المُتْعة [والقِرَان]، فإنّه إن خرج كان محرمًا حين خرج قبل أن يلحق هديه. والأصل في أنّه لا يصير محرمًا بتوجيه الهدي: ما روت عائشة: (أنّ النبي ﷺ كان يبعث بالهدايا وهو مقيمٌ بالمدينة، لا يتجنَّب ما يتجنَّبه المحرم) (١)؛ ولأنه إذا سار مع الهدي فقد وُجد منه فعلٌ هو قربةٌ، فجاز أن يصير به محرمًا، وإذا وجهه فقد (٢) وُجد منه الأمر بالفعل، فلم يصر بالأمر محرمًا، كما لو أمر غيره بالتلبية. فإذا لحق الهدي وسار به، فقد وُجد ابتداء السوق، فصار به مُحْرِمًا، ولا يعتدّ بما قبله. وأمّا إذا بعث بهدي المُتّعة والقِران، وقد (٣) خرج خلفه، فالقياس: أن لا يكون مَحْرِمًا [حين سار]؛ لما قدّمنا. والاستحسان: أن يكون مُحْرِمًا حين سار، و [إن] لم يلحق [الهدي]؛ لأنّ هدي المتعة [والقران] له من التأثير في البقاء على الإحرام ما ليس لغيره، ألا ترى أنّه يمنع من التحلّل، فجاز أن يكون له تأثيرٌ في الابتداء. وقد قالوا: إنه يصير مُحْرِمًا بالتوجه في إثر هدي المتعة إذا كان في أشهر الحجّ، فإن كان قبلها، لم يصر محرمًا حتى يلحق بالهدي؛ لأنّ أحكام التمتع لا يثبت لها حكمٌ قبل الأشهر، فلا يصير هذا الهدي للتمتّع قبلها، فيصير كهدي التطوع.

стр. 1085

٩٢٦ - فَصْل: [الأمور المنهية للمحرم] قال: وينبغي إذا أحرم أن يتَّقي ما نهى الله تعالى [عنه] من الرفث والفسوق والجدال، ولا يشير إلى صيدٍ ولا يدلّ عليه، ولا يُغطي وجهه ولا رأسه، ولا يلبس قميصًا ولا قباءً (١)، ولا سراويل، ولا ثوبًا مسَّه ورسٌ، ولا زعفران، إلا أن يكون قد غسل فلا يَنْفُض (٢). أمّا الرفث والفسوق والجدال؛ فلقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، وقد قدّمنا معني ذلك. وأمّا قتل الصيد والاصطياد، فمحرَّمٌ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. وأمّا الإشارة والدلالة؛ فلأنّ النبي ﷺ قال لأصحاب أبي قتادة: "هل أشَرْتم، هل دللتم، هل أعنتم؟ "، فقالوا: (لا (٣))، وهذا يدلّ على تحريم ذلك. وأمّا لبس القميص والقَبَاء والسَّرَاوِيل؛ فلحديث ابن عمر: أنّ النبي ﷺ قال: "لا يلبس المحرم، قميصًا، ولا قَبَاءً، ولا عِمامَةً، ولا قَلَنْسُوَةً، ولا سَرَاوِيْلَ" (٤).

стр. 1086

وأمّا ما مسَّه الوَرْس والزعفران؛ فلقوله ﷺ : "ولا ثوبًا مسَّه وَرْسٌ أو زعفران، إلا أن يكون غسيلًا) (١)، وإنّما اعتبروا في الغسل ألا يَنْفُض؛ لأنّ المنع ليس لبقاء اللون (٢)، وإنّما هو للرائحة، فإذا زالت، زال المنع. وأمّا تغطية الوجه والرأس، فعندنا لا يجوز للمُحْرِم. وقال الشافعي: يجوز أن يغطي وجهه (٣). لنا: ما وري أنّه ﷺ رخّص لعثمان في أن يغطي وجهه حين اشتكت عينه، وأن يعصبها (٤) (٥)، فلو كان [تغطية الوجه] مباحًا لم يكن للرخصة معنى؛ ولأنّ حكم الإحرام في الرجل آكد منه في المرأة، فإذا لم يجز لها تغطية وجهها، فلأنّ لا يجوز للرجل أولى. وأمّا تغطية الرأس؛ فلنهيه ﷺ عن العمامة والقلنسوة. ٩٢٧ - فَصْل: [أماكن تكثير التلبية] وليكثرْ من التلبية ما استطاع في أدبار الصلوات، وكلما علا شَرَفًا، أو هبط واديًا، وبالأسحار. والأصل في ذلك: ما روى الأعمش، عن خيثمة قال: كانوا يستحبون

стр. 1087

التلبية عند [ستة مواضع]: دبر الصلوات، وإذا استقلت بالرجل راحلته، وإذا صعد شَرفًا، وإذا هبط واديًا، وإذا لقي بعضهم بعضًا، [وبالأسحار] (١). وروي (أنّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يلبون كلما عَلوا شرفًا، أو هبطوا واديًا، أو لقوا (٢) راكبًا، وبالأسحار) (٣)، ولأنّ هذا الذكر يفعل [في ابتداء] (٤) العبادة، ويتكرر في أثنائها، فكانت السُّنَّة أن يُفعل عند اختلاف أحوالها، كالتكبير. ٩٢٨ - فَصْل: [رفع الصوت بالتلبية] قال: ويرفع صوته بالتلبية، والأصل في ذلك: ما روى خلاد بن السائب الأنصاري، روى عن أبيه (٥): أنّ النبي ﷺ قال: "إنّ جبريل أتاني فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنهما من شعار الحج" (٦). وروي أنّه قال: "أفضل الحجّ، العجُّ والثجُّ" (٧) والعج: العجيج بالتلبية، والثج: ثج الدماء بالذبح.

стр. 1088

وقد قال أصحابنا: إنّ الأذكار والأدعية يستحب فيها الإخفاء إلا ما يتعلّق بالغير: كالأذان الذي يقصد به الإعلام، والخطبة التي [يُقصد بها وعظ الناس وتعليمهم، والتكبيرات] جعلت علامةً للدخول والانتقال [في الصلاة]، والقراءة التي أمر المؤتمّ باستماعها. فأمَّا التلبية، فإنها من علامة العبادة؛ ولأنّ إبراهيم ﵇ صعد على أبي قبيس، فأذّن في الناس بالحجّ، فالتلبية إجابةُ لتأذينه، فهو في حكم ما تعلّق بالغير، فالسُنَّة الجهر به. ٩٢٩ - فَصْل: [ما ينهى عنه المحرم في اللباس] قال: ولا يلبس خُفَّين ولا عِمَامَةً، ولا يأخذ من شعره ولا ظفره شيئًا. أمّا اللبس، فلحديث ابن عمر: أنّ النبي ﷺ قال في المحرم: "ولا يلبس عِمَامةً ولا قَلَنْسُوَةً ولا خُفَّين، إلا ألا يجد النَّعْلَين، فيقطعهما أسفل الكعبين" (١). وأمّا أخذ الشعر والظفر، فلقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، فرتَّبَ ذلك على الذبح، [قيل هو: قص الشعر، وحلق الرأس، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة]، وقال النبي ﷺ : "المُحْرِمُ الأَشْعَثُ الأغبرُ" (٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وبالله التوفيق (٣). * * *

стр. 1089

بَاب ما يفعل المحرم بعد إحرامه قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا دخل المُحْرِمُ مكة، فلا يضره ليلًا دخلها أو نهارًا؛ وذلك لما روي أنّ النبي ﷺ صلَّى العشاء بذي طَوَى (١)، ثم هجع هجعةً، ثم دخل فطاف (٢). وروى ابن عمر: (أنّ النبي ﷺ كان يبيت بذي طوى ويدخل مكة نهارًا (٣))،، وروي عن عائشة أنها دخلت مكة ليلًا (٤)، ودخل الحسن والحسين ليلًا فطافا (٥)، وروي عن عمر أنّه دخل في رمضان بعمرةٍ والناس يصلون التراويح، فصَّلى معهم (٦). والذي روي عن عمر من النهي عن دخولها ليلًا (٧)، فقد قيل: إن ذلك مخافة السَّرَق، وليرى الإنسان أين ينزل؛ ولأنّه دخول [بلد] (٨)، فيستوي فيه

стр. 1090

الليل والنهار كسائر [البلدان] (١). ٩٣٠ - فَصْل: [كيفية ابتداء الطواف] [قال]: ويدخل المسجد (٢) ويبتدئ بالحَجَر، فإذا استقبله كبَّر ورفع يديه كما يرفعُ في الصلاة، ثم يرسلهما، ثم يستلمه إن أمكنه من غير أن يؤذي أحدًا، فإن لم يقدر استقبله وكبَّر وهلّل، وحمد الله وصَلَّى على النبي ﷺ . والأصل في ذلك: ما روي أنّ النبي ﷺ لما دخل مكة بدأ بالمسجد (٣)، و [قد] روي عن مكحول أنّ النبي ﷺ كان إذا نظر إلى البيت قال: "اللهم زد بيتك هذا تشريفًا وتكريمًا [وتعظيمًا وبرًا] ومهابةً، وزد من شرفه وكرمه ممّن حجّه واعتمره [تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًا ومهابةً] (٤)، وروي أنّ النبي ﷺ لمّا دخل المسجد، ابتدأ بالحَجَر فاستلمه - ويُروى (٥): فاستقبله - وكبَّر وهلَّل (٦). ولم يذكر أصحابنا دعاءً بعينه؛ لأنّ الأدعية لا تنحصر، وروي عن ابن عمر أنه قال: بسم الله والله أكبر (٧).
следующие страницы →