← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

يستحب فيها الصوم، ففعل القضاء فيها أولى من فعله في غيرها. والذي روي عن النبي ﵊ أنّه نهى عن قضاء رمضان في العشر (١)، محمولٌ على من كان اعتاد التطوع لصومها، والقضاء في غيرها، حتى يجمع بين الفضيلتين، فيكون أولى (٢) (٣). ٨٣٣ - : [فَصْل: تعجيل الفطر بعد غروب الشمس] قال أبو حنيفة: تعجيل الفطر إذا غربت الشمس أحبُّ إلينا؛ وذلك لما روي عن النبي ﵊ أنّه قال: "لا تزال أمّتي بخيرٍ ما لم ينتظروا بالإفطار طلوع النجوم" (٤)، وقوله ﵊: "ثلاث من أخلاقِ المرسلين: تأخير السحور، وتعجيل الإفطار، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة" (٥).

стр. 982

بَاب من يؤمر بالإمساك في رمضان وهو مفطر [قال رحمه الله تعالى]: قال الشيخ أبو الحسن ﵀: كلّ من سقط عنه فرض الصوم في رمضان، في أوّل النهار بعذر، ثم زال العذر بعد طلوع الفجر، فإن كان بحالٍ لو كان بها قبل طلوع الفجر لزمه الصوم، فإنّه يؤمر بالإمساك عمّا يمسك عنه الصائم، وذلك مثل الحائض تطهر في بعض النهار، أو يُسلم الكافر، أو يبلغ الصبيّ، أو يفيق المجنون، أو يقدم المسافر مصره، فإنّهم يؤمرون بالإمساك عن كلّ ما يمسك عنه الصائم. فإن صار إلى حال لو كان عليها قبل طلوع [الفجر]، لم يلزمه الصوم، فإنه لا يجب عليه الإمساك [عن كلّ ما يمسك عنه الصائم]، مثل الطاهر إذا حاضت. وقال الشافعي: الحائض إذا طهرت لا يلزمها (١) الإمساك (٢). لنا: قوله ﵊ في يوم عاشوراء: "من لم يأكل منكم فليصم، ومن أكل فليمسك بقية يومه" (٣)؛ ولأنّ كلّ من كان في بعض نهارِ الصوم المستحَقّ على صفةٍ لو كان عليها في أوّله لزمه الصوم، فإذا طرأت بعد الفطر لزمه الإمساك،

стр. 983

كالشهود إذا شهدوا برؤية الهلال؛ ولأنّ المعنى الموجب للصوم موجودٌ، وقد ارتفع [المعنى] المانع من الوجوب، فإذا أكلتْ، فقد عرَّضت نفسها للتهمة (١)، فلم يجز [ذلك]. وليس كذلك الطاهر إذا حاضت؛ لأنّ المعنى المانع من الصوم موجودٌ، فلا يلحقها تهمةٌ [في الفطر. والله أعلم].

стр. 984

بَاب الأوقات التي يكره فيها الصوم [قال رحمه الله تعالى]: قال الشيخ أبو الحسن ﵀: أجمع أصحابنا ولم يختلف عنهم رواية في كراهية الصوم في ستة أيام: [العيدين] (١)، وأيام التشريق، واليوم الذي يشك فيه من رمضان تحريًّا من رمضان (٢). أمّا الكلام في يوم الفطر والأضحى وأيام التشريق، فقد قال أصحابنا: لا يجوز أن يصام فيها نذرٌ ولا قضاءٌ ولا تطوعٌ، وروي عن عائشة وابن عباس: أنهما كانا يصومان أيام التشريق (٣). والأصل في ذلك: ما روى سعد بن أبي وقاص، قال: (أمرني رسول الله ﷺ أن أنادي أيام منى: ألَا إنها أيام أكلٍ وشربٍ، فلا تصوموا) (٤)، وروى عقبة بن عامر: (أنّ النبي ﵊ نهي عن صيام ستة أيام: يوم الفطر (٥)، ويوم التروية، يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق) (٦)، وهذا محمولٌ على الحاجّ إذا كان يضعف بصوم يوم عرفة عن الوقوف.

стр. 985

وقد قال أصحابنا: إذا صام في هذه الأيام كان صائمًا، ويُكره له ذلك. وقال الشافعي: لا ينعقد فيها صوم (١). لنا: أنّه نهى عن صيامها، والنهي لا يمنع وقوع المنهيّ [عنه]، إنّما يمنع جوازه [عن] القرب؛ ولأنّه يومٌ نُهيَ عن الصوم فيه، فوجب أن يصح فيه نوع من الصيام، كيوم الشكِّ. ٨٣٤ - [فَصْل: نذر صوم الأيام التي يكره فيها الصوم] وأمّا إذا نذر صوم هذه الأيام، صحَّ نذره في رواية محمد عن أبي حنيفة، وكذلك رواه بشرٌ عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، ويقال له: صُم غيرها، وهو قول أبي يوسف ومحمد. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أنّه لا يلزم بالنذر شيءٌ، وهو رواية ابن المبارك عن أبي حنيفة، وهو قول زفر. وجه الرواية الأولى: أنّه يومٌ يلي رمضان، فصحّ نذر صومه ابتداءً، كيوم الشكِّ؛ ولأنه يوم عيدٍ في الشريعة، فإذا نذر صومه ابتداءً، صحّ كيوم الجمعة. ولا يمكن للشافعي أن يقول بموجبه على أحد قوليه، فيمن قال: لله عليّ أن أصوم كل خميس، فوافق ذلك هذه الأيام؛ لأنّه ليس بابتداء نذرٍ (٢)، وإلا صلح أن يتكلم مع الشافعي في نذر صوم أيام التشريق، فنقول: إنّه وقتٌ مختلفٌ في جوازه عن فرضه، فصحَّ إضافة النذر إليه، كيوم الشكِّ.

стр. 986

وإنما قلنا: إنّه يصوم غيرها؛ لأنّه نذر الصوم، وإيقاعه على وجه منهيٍّ [عنه]، فيؤمَر بفعله لا على وجهٍ منهيٍّ [عنه]، كمن قال: لله عليّ أن أحجّ وأجامع. وإنّما قلنا: إنّه إن صام في هذه الأيام، سقط نذره؛ لأنّه لم يوجب على نفسه غيرها، فإذا فعلها كما نذر (١)، لم يلزمه شيءٌ آخر (٢)؛ ولأنّ القائل أحد قائلين: إمّا من قال: لا يجب بنذره شيءٌ، أو من قال: يصحُّ نذره ويسقط موجبه بصوم هذه الأيام، فثبت هذا بالإجماع. وأمَّا وجه رواية ابن سماعة، وهو قول زفر؛ فلأنّ صوم هذه الأيام ليس بقربةٍ، ونذره ما ليس بقربةٍ لا يتعلّق به وجوبٌ، كنذر صوم اليوم الذي أكل فيه، ويوم الحيض. ٨٣٥ - [فَصْل: القضاء فيما إذا دخل في صوم الأيام المنهي عنها وأفسده] وأمَّا إذا دخل في صوم هذه الأيام ثم أفسده، لم يلزمه القضاء [عند أبي حنيفة]، وقال أبو يوسف ومحمد: عليه القضاء. لنا: أنّ الوجوب يقع بالدخول، وهو منهيٌّ عنه، وما بعده مداومةٌ عليه، فلا يجب المضيّ على ما هو (٣) منهيٌّ عنه، وإذا لم يجب المضيّ لم يلزمه القضاء. وكذلك قال: فيمن دخل في الصلاة عند الزوال ثمّ أفسدها، إنّه لا قضاء عليه في إحدى الروايتين؛ لأنّه ممنوعٌ من الدخول فيها (٤)، وما بعده بناء عليه.

стр. 987

وقال في الرواية الأخرى: يلزمه القضاء؛ وذلك لأنّ الوجوب يتعلّق بالتحريمة، (وهي ليست عندنا من الصلاة) (١)، وإنّما نهي في هذا الوقت عن الصلاة، فإذا وقعت التحريمة غير منهيٍّ عنها، والوجوب يتعلّق بها؛ لزمه القضاء، والدخول في مسألتنا يكون [بأول] (٢) جُزءٍ من الصوم، وهو صومٌ منهيٌّ عنه في هذا الزمان. وجه قولهما: أنّ الدخول سبب للإيجاب كالنذر. ٨٣٦ - : [فَصْل: صوم المتعة في أيام التشريق] وقد قال أصحابنا: إنّ صوم المتعة لا يصحّ في أيام التشريق، وقال الشافعي: يصحّ (٣). لنا: أنّه زمانٌ لا يجوز (٤) فيه قضاء رمضان، فلا يجوز فيه صوم المتعة كيوم النحر. ٨٣٧ - [فَصْل: صوم يوم الشكّ بنيّة رمضان] وأمّا يوم الشك فيكره أن يصومه بنيَّة رمضان، [أو تحرّزًا من رمضان]، (ويجوز عن غير رمضان) (٥).

стр. 988

وروي كراهة صومه عن ابن عمر (١)، وحذيفة (٢)، وأنسٍ (٣). وقال ابن مسعود: لأنْ أفطر يومًا من رمضان، ثم أقضيه أحبّ إليّ من أن أزيد فيه ما ليس منه (٤). وقال الشعبي: كان علي، وعمر، وعثمان ينهون عن صوم اليوم الذي يُشك فيه من رمضان (٥). وكانت عائشة تصومه، وقالت: لأنْ أصوم [يومًا] من شعبان، أحبُّ إلي من أن أُفطر من رمضان (٦)، ومثله عن أسماء (٧) وأبي هريرة (٨). والأصل في ذلك: ما روي عن النبي ﵊: أنّه نهى عن صوم يوم الشك من رمضان، وقال: "من صام يوم الشك، فقد عصى أبا القاسم" (٩)؛ ولأنّه يومٌ من شعبان، بدليل قوله ﵊: "فإن غمَّ عليكم، فعدُّوا شعبان ثلاثين" (١٠)، وإذا كان

стр. 989

من شعبان، فصامه بنيَّة الفرض، لم يجز. وأمَّا إذا صامه بنيّة التطوع، لم يكره عندنا. وقال الشافعي: يكره (١). لنا: ما روي عن عليٍّ وعائشة ﵄ أنهما قالا: نصوم يومًا من شعبان، أحبُّ إلينا من أن نفطر يومًا من رمضان، ولم يُنقل من أحد عن الصحابة كراهيّته إلّا بنيَّة الفرض، أو بنيَّةٍ مُتردّدةٍ؛ ولأنّه يومٌ من شعبان كسائر أيامه. ٨٣٨ - [فَصْل: صوم الوصال والصمت] ولا بأس بالصوم قبل رمضان بيومٍ، أو يومين، أو ثلاثة [أيامٍ]، وكان ابن عباس يفصل بين الفرض والنفل بفطرٍ (٢)، وكان عليٌّ يخطبُ ويقول: لا تقدّموا الشهر (٣). وفي الناس من يمنع الصوم إذا انتصف شعبان. لنا: ما روي (أنّ النبي ﵊ كان يصل شعبان برمضان) (٤)؛ ولأنّه يومٌ من شعبان، كالنصف الأول. والذي روي عن النبي ﵊ أنّه قال: "لا تقدّموا الشهر بيوم ولا يومين، إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم" (٥)، فهذا محمولٌ على النهيّ عن

стр. 990

استقبال الشهر مخافة أن يلحق بالفرض. والذي روي: أنّ النبي ﵊ قال: "إذا انتصف شعبان، فلا يصومنَّ أحدٌ" (١)، فمحمولٌ على من يضعف بذلك عن صوم رمضان. وقال أبو يوسف: كانوا يكرهون أن يتبعوا رمضان صيامًا [آخر] خوفًا أن يُلحق ذلك بالفريضة، وهذا صحيحٌ. وروي عن مالكٍ أنّه قال: أكره أن أتبع رمضان بست من شوال (٢)، قال: وما رأيت أحدًا من أهل الفقه والعلم يصومها، ولم يبلغنا عن أحدٍ من السلف (٣)، وأنّ أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يُلحق أهل الجفاء برمضان ما ليس منه إذا رأوا في ذلك رخصةً عند أهل العلم، ورأوهم يفعلون ذلك، حكى محمد هذا عن مالك [بن أنس]، ولم يذكر خلافه. قال أبو يوسف: وبلغنا عن رسول الله ﷺ أنّه نهى عن صوم الوصال، ومعنى ذلك: أن يصوم أيامًا لا يُفطر بينها، وروي أنّه ﵊ كان يواصل وينهى عن الوصال، ويقول: "لست كأحدكم، إنّي أظلّ عند ربي يُطعمني ويسقيني" (٤).

стр. 991

قال: ونهى عن صوم الصمت (١): وهو أن يصوم الإنسان ولا يتكلم؛ لأنّ ذلك من فعل المجوس، وقد قال ﵊: "من تشبّه بقومٍ فهو منهم" (٢). ٨٣٩ - [فَصْل: صوم يوم الجمعة والدهر] [قال]: ولا بأس بصوم يوم الجمعة في قول أبي حنيفة ومحمد، قال محمد: وإن تحرّاه [أي: قصده]؛ وذلك لأنّه أفضل من غيره من الأيام، والصوم في الزمان الفاضل لا يُمنع منه، إلا أن يرد فيه نهيٌ. [قال]: ويُكره صوم يوم النيروز والمهرجان (٣) إن تعمّد ذلك، فإن وافق ذلك (٤) [صومه] فلا بأس؛ وذلك لأنّ إفراد هذه الأيام بالصوم تعظيمٌ لها، وقد نُهي عن تعظيم هذه الأيام. وقال في نهيه ﵊ عن صيام السبت إلا فيما افترض علينا (٥): إنّ ذلك عندنا [على أن] يتخذ ذلك عيدًا، فإن وافق يوم السبت صومًا كان يصومه (٦)، فلا بأس؛ وذلك لأنّ إفراده بالصوم تعظيمٌ له، وذلك تشبّهٌ باليهود.

стр. 992

وفي جامع أبي يوسف قال: كانوا يستحبّون صيام الأيام البيض، وليس بواجبٍ [عليه]، وكان بعضهم يصوم يوم الاثنين والخميس، وبعضهم يكره توقيت الصوم في يومٍ، فمن فعل ذلك فحسنٌ، ومن ترك ذلك، فلا شيء عليه. ومن صام يومًا وأفطر يومًا فحسنٌ، و [قد] قيل: إنّ ذلك صوم داود النبي ﵊. ومن صام شعبان، فوصله برمضان، فحسنٌ. وكانوا يستحبون أن يصوموا قبل عاشوراء [يومًا]، وبعده يومًا، خلافًا لأهل الكتاب. وقال الحسن عن أبي حنيفة: لا بأس بصوم يوم عرفة، وصومه أفضل لمن يقوى عليه في السفر والحضر، وبعرفة [وغيرها]؛ وذلك لأنّه إذا صام في هذا اليوم فقد جمع بين قُرْبتين، وهذا إذا لم يُضعفه عن الوقوف والدعاء، فإن أضعفه كُره؛ لأنّ الدعاء لا يُستدرك في غير هذا اليوم، والصوم يُستدرك. قال أبو يوسف: وقد جاء حديثٌ في كراهة صيام يوم الجمعة؛ إلا أن يصومَ قبله يومًا وبعده يومًا (١). وكُره صوم الدهر، فمن صام الدهر، وأفطر يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق، فقد قال بعض الفقهاء: إنّه لم يصم الدهر، ولم يدخل هذا فيما نهي عنه. قال أبو يوسف: وليس هذا عندي كما قال، والله أعلم هذا قد صام الدهر، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ النهي عن صيام الدهر لو كان لأجل هذه الأيام لخصَّها بالنّهي، وإنَّما نهى عن ذلك؛ لأنّه يضعف عن العبادات، ويؤدي إلى التبتُّل الممنوع منه. [والله أعلم].

стр. 993

بَاب وجوب الكفارة في إفساد الصوم قال الشيخ (١) أبو الحسن رحمه الله تعالى: الكفارة في قول أصحابنا لا تجب إلا في إفساد الصوم في عين (٢) شهر رمضان خاصةً، ولا تجب الكفارة فيما سوى ذلك؛ وذلك لأنّ الكفارة تجب لحرمة الزمان، ولا تجب لحرمة الصوم، وحرمة الزمان لا توجد في غيره. وليس كذلك كفارة الحجّ؛ لأنّها تجب لحرمة العبادة، فاستوى فيها الفرض وغير الفرض. [قال]: والكفارة تجب في ذلك لثلاثة معانٍ: الجماع، والأكل والشرب على صفةٍ في ذلك نذكرها. فأمّا الجماع، إذا حصل في الفرج والتقى الختانان، وجبت الكفارة، أنزل أولم ينزل، وهو قول عطاء (٣). وقال سعيد بن جبير: لا كفارة [عليه] (٤). لنا: ما روى حميد عن أبي هريرة: أنّ النبي ﵊ أمر الذي غشي امرأته في

стр. 994

رمضان بمثل كفارة الظهار (١). وروت عائشة: أنّ النبي ﵊ أمر الواطئ [في شهر رمضان] بإطعام ستين مسكينًا (٢). وعن سعد بن أبي وقَّاص: أنّ رجلًا أتى النبي ﵊، فقال: إني أفطرت يومًا من رمضان، فقال: "اعتق رقبة، أو صم شهرين متتابعين، أو أطعم ستين مسكينًا" (٣)، والكفارات لا تُعلم إلا من جهة (٤) التوقيف. ولأنّها عبادةٌ على البدن، لا تُفعل في السنة إلا مرّةً [واحدةً]، فجاز أن يجب بإفسادها الكفارة، كالحج. ٨٤٠ - [فَصْل: الكفارة على الترتيب أم على التخيير] قال أصحابنا: الكفارة على الترتيب، وقال مالك: على التخيير (٥). لنا: حديث أبي هريرة: أنّ النبي ﵊ أوجب على المجامع مثل كفارة الظهار، وروي أنّه قال [له]: "أعتق رقبة"، فقال: لا أجد، فقال: "صم شهرين متتابعين"؛ ولأنّها كفارةٌ فيها صوم شهرين متتابعين، فكانت على الترتيب، ككفارة الظهار والقتل. والذي روي في حديث سعدٍ، فقد قصد به بيان ما يقع به التكفير في الجملة.

стр. 995

٨٤١ - [فَصْل: الكفارة بطريق التوقيف] وقد حُكيَ عن الحسن أنه قال: في كفارة المجامع بدنةٌ إذا لم يجد الرقبة (١)، وهذا لا يصحُّ؛ لأنّ الكفارة إنما تؤخذ من طريق التوقيف، وقد بيّناه (٢)؛ ولأنّ البدنة لا تجتمع مع صوم شهرين، ككفارة الظهار والقتل. ٨٤٢ - [فَصْل: عدد أيام الصيام في الكفارة] قال أصحابنا: والصوم ستون يومًا، وعن الحسن: أربعون يومًا، وما قدمناه من الأخبار دلالةٌ عليه. والذي روي في حديث أنس: أنّ النبي ﵊ قال: "من أفطر في رمضان فعليه صوم شهر" (٣)، يحتمل أن يكون في المفطر الإثم الذي لا يلزمه الكفارة، فاستحب له أن يصوم شهرًا لاستدراك فضيلة الصوم. وقد تكلم السلف في هذا، فقال ربيعة: يصوم مكان اليوم اثني عشر يومًا (٤)؛ لأنّ الله تعالى رضي من عبادة شهرٍ من جملة اثني عشر شهرًا. وحكي عن النخعي أنّه قال: يصوم ألف يوم (٥)؛ لأنّ الله تعالى جعل في شهر رمضان ليلةً، فضّلها على ألف شهر.

стр. 996

٨٤٣ - : [فَصْل: القضاء والكفارة بالوقاع] قال أصحابنا: يجب على المجامع القضاء والكفارة، وقال الأوزاعي: إن كفَّر بالصوم، فلا قضاء عليه، وقد روى أبو هريرة: أنّ النبي ﵊ أمر الذي واقع امرأته أن يصوم ستين (١) يومًا، ولأنّ صوم الشهرين تكفيرٌ، فلا يسقط به القضاء، [كالتكفير بالعتق] (٢). ٨٤٤ - [فَصْل: الكفارة في الجماع بالموضع المكروه] واختلفت الرواية عن أبي حنيفة فيمن جامع في الموضع المكروه، فروى الحسن بن زياد عنه: أن لا كفارة، وروى بشر بن الوليد في نوادره عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: فيمن وطئ في الدبر، أو في الفرج، إذا توارت الحشفة، وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل، وعليه القضاء والكفارة. وروى بشر وعلي بن الجعد في كتاب الحدود عن أبي يوسف: أنّ قياس قول أبي حنيفة: أن يكون عليه [القضاء و] الكفارة، وهو قول أبي يوسف ومحمد. (وجه رواية أبي يوسف: أنّ قياس قول أبي حنيفة: أن يكون عليه الكفارة) (٣)؛ لأنّه وطءٌ مقصودٌ، فيتعلّق به الكفارة، كالوطء في الفرج. فأمّا على أصلهما: فهذا الوطء يتعلّق به الحدّ، فيتعلق به الكفارة كالوطء في الفرج.

стр. 997

وجه رواية الحسن: أنه وطءٌ لا يتعلّق به الحدّ عنده، كوطء الميتة. ٨٤٥ - [فَصْل: الكفارة بوطء البهيمة] وإذا وطئ بهيمة، فلا كفارة عليه عند أصحابنا؛ لأنه وطءٌ غير مقصودٍ كوطءِ الميتة. فإن وطئ بهيمةً فأنزل، فعليه القضاء؛ لأنّ الإنزال إذا حصل بفعله (١)، وجب عليه القضاء، كما لو جامع فيما دون الفرج. ٨٤٦ - [فَصْل: الكفارة في الأكل والشرب] قال أصحابنا: إذا أكل أو شرب ما يُصلح به البدن: إمّا على وجه التغذِّي، أو على وجه التداوي، فعليه القضاء والكفارة. وقال الشافعي: لا كفارة عليه (٢). لنا: أنه أحد الإمساكين، فكان فيه ما يتعلّق به الكفارة العُظمى، كالإمساك الآخر، أو [تقول]: إمساك عن أحد اللَّذَّتين؛ ولأنّ الشرب معنى يتعلّق [بجنسه] (٣) الحدّ، فجاز أن يتعلق به كفارة العتق، كالوطء. ٨٤٧ - [فَصْل: الكفارة بأكل ما لا يُتغذى به ولا يُتداوى] فإن أكل ما لا يُتغذّى به، ولا يُتداوى [به] فعليه القضاء، ولا كفارة عليه،

стр. 998

وهذا مثل الحصى والتراب. وقد حُكيَ عمن لا يعتدّ [بخلافه] (١): أنّه لا يفطر. وهذا غلطٌ؛ لأنّ الصوم: هو الإمساك، وأكل هذه الأشياء ينافي الإمساك. فأمّا الكفارة، فلا تجب، وقال مالك: تجب (٢). لنا: أنّ مأثم الفاعل لهذا الفعل (٣) دون مأثم المجامع، فصار كمن استقاء عمدًا؛ ولأنّ الكفارة تجب على وجه العقوبة، وتسقطها الشبهة، فلا تجب إلا بمأثمٍ مخصوصٍ، كالحدود. وأما مالك فقال: إنه أفطر لغير عذر، كالجماع. و [قد] قال الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: فيمن بلع نواةً يابسةً، أو قشرة جوزةٍ [أو جوزةً] صحيحةً يابسةً، أو لوزةً يابسةً، فعليه القضاء ولا كفارة عليه؛ (لأنّ هذا لا يعتاد أكله هكذا بقشره، فهو كابتلاع الحصى) (٤). [قال]: وإن أكل عجينًا، فعليه القضاء، ولا كفارة عليه، وكذلك رواه ابن رستم عن محمد؛ لأنّ أكل العجين لا يقصد به التغذّي، ولا التداوي، قال ابن رستم: وكذلك إن ابتلع دقيقًا؛ لأنّه يصير عجينًا قبل أن يصل إلى الجوف. قال الحسن عن أبي حنيفة: وإن قضم حنطةً، فعليه القضاء والكفارة؛ لأنّ هذا يقصده الناس بالأكل.

стр. 999

وروى ابن رستم عن محمد: فيمن ابتلع إهليلجةً: أنّ عليه القضاء ولا كفارة؛ لأنّه لا يُتداوى بها على هذه الصفة، وروى هشام عنه: أنّ عليه الكفارة. قال أبو الحسن: وهو أقيس عندي؛ لأنّ هذا يتداوى به هكذا (١) على هذه الصفة، وهكذا رواه ابن رستم عن محمد. [قال ابن رستم]: وإن أكل طينًا أرمنيًّا فعليه الكفارة؛ لأنّه بمنزلة الغاريقون (٢)، يعني: أنه يتداوى به البطن (٣). قال ابن رستم: فقلت له: هذا الطين الذي [بُليَ] بأكله (٤) الناس؟ قال: لا أدري ما هذا، فكأنّه لم يعلم أنه ممّا يُتداوى به أم لا. وقال هشام عن محمد: في الطين الأرمني، إن كان [الذي] يشرب للدواء، ففيه الكفارة، وإلا فلا. قال هشام: قلت لمحمد: إذا ابتلع لوزةً رطبةً، أو بطيخةً صغيرة؟ قال: عليه القضاء والكفارة؛ ولأنّ هذا ممّا يؤكل على حياله ويلتذّ به. قال: والجوزة الرطبة يبتلعها؟ قال: لا كفارة عليه؛ لأنّ الجوز لا يؤكل هكذا. وقال هشام عن محمد: إن أكل مسكًا، أو غاليةً، أو زعفرانًا، فعليه الكفارة؛

стр. 1000

لأنّ هذا يُتداوى به. وروى ابن سماعة عن أبي يوسف: إذا مضغ الجوزة أو اللوزة اليابسة حتى وصل المضغ إلى الجوف منهما، ثم ابتلعهما، فعليه الكفارة؛ لأنّه آكلٌ للُبِّها وإن انضمّ إليه ما لا يُقصد بالأكل. ٨٤٨ - [فَصْل: صوم من أصبح جنبًا] [قال]: وإذا أصبح جنبًا في رمضان، فصومه تامٌّ، وهو قول عليٍّ (١)، وابن مسعودٍ (٢)، وزيد بن ثابتٍ (٣)، وأبي الدرداء (٤)، وأبي ذرٍّ (٥)، وابن عباسٍ (٦)، وابن عمر (٧)، ومعاذ (٨). وعن أبي هريرة: أنّه لا صوم له (٩). والأصل في ذلك: قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فأباح الله تعالى الجماع إلى حين الطلوع، وحكم بتمام الصوم بقوله:

стр. 1001

﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ومعلومٌ أنّ من بقي على الجماع إلى الفجر، أصبح جنبًا، وجوّز صيامه (١). وروت عائشة: أنّ رجلًا أتى النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ فقال: إني أصبحت جنبًا، وأريد أن أصوم، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "وأنا أصبح جنبًا وأريد أن أصوم"، فقال: إنك لست كأحدنا، فغضب رسول الله ﷺ ، وقال: "أرجوا أن أكون أعلمكم بما أتقي" (٢). وروى أبو بكر بن عبد الرحمن: أنّ أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من طلع له الفجر وهو جنبٌ، فلا صوم له"؛ فذكرت ذلك [لمروان] (٣)، فأنكره، وقال: ائت عائشة فسلها، فسألت عائشة وأم سلمة، فقالتا: كان رسول الله ﷺ يصبح جنبًا من غير احتلام، ثم يتمّ صومه، وذلك من رمضان، فأتيت مروان فأخبرته، فقال لي: اذهب إلى أبي هريرة فردّ عليه، فذكرت ذلك له، فقال: أنت سمعتها؟ فقلت: نعم، فقال: حدثني به الفضل بن عباس (٤). ٨٤٩ - [فَصْل: تأثير وقوع الوطء مع طلوع الفجر] قال أصحابنا: إذا طلع الفجر والرجل مواقعٌ [ونزع مع الطلوع] (٥)، أو كان يشرب ماءً فقطعه، أو كان يأكل فألقى اللقمة ولم يَزْدَرِدْها، فصومه تامٌّ، وقال زفر: يفطر في الجماع، ولا يُفطر في الأكل [والشرب].

стр. 1002

لنا: أنّه اشتغل مع الطلوع بالمفارقة والنزع (١)، فقد فعل ما هو شرطٌ في صحّة الصوم مِن ترْك الجماع، ومن فعل ما هو شرطٌ في صحة العبادة، لم يمنع انعقادها، كترك الأكل عنده. وجه قول زفر: أنّه حصل بعد الطلوع جزءٌ من [المخالطة] (٢) لو انفرد ذلك لمنع الصوم، فكذلك حال البقاء، وليس كذلك الأكل؛ لأنّه إذا ألقى اللقمة مع الطلوع، فلم يوجد بعد الفجر جزءٌ من الأكل، فانعقد صومه. ٨٥٠ - [فَصْل: طلوع الفجر وهو مخالط] وعلى هذا الخلاف: إذا وطئ نهارًا ناسيًا، ثم تذكر ونزع مع الذِّكر. وأما إذا طلع الفجر وهو مخالطٌ فبقي عليه (٣)، فعليه القضاء، ولا كفارة عليه، وكذلك إذا جامع في خلال النهار ناسيًا فذكر وبقي عليه. وروي عن أبي يوسف أنه قال: إذا بقي عليه بعد الطلوع (٤)، فعليه الكفارة، وإذا بقي عليه بعد (٥) الذِّكر، فلا كفارة عليه. وقال الشافعي: عليه القضاء والكفارة (٦). والكلام يقع في موضعين: أحدهما: أنّ صومه لم ينعقد؛ لأنّها عبادةٌ يخرج

стр. 1003

منها بالوطء، فيمنع الوطء [صحة] انعقادها، كالصلاة والاعتكاف، وإذا لم ينعقد، (لم تجب الكفارة؛ لأنّ الكفارة تجب بإفساد الصوم) (١)؛ ولأنّه وطءٌ لا يتعلّق بابتدائه كفارةٌ، فلم يتعلق بالبقاء عليه [كفارة] (٢)، أصله: وطء الناسي. وأما أبو يوسف فقال: إذا بقي بعد الطلوع، فابتداء الوطء كان عمدًا، ووطء العمد يوجب الكفارة (٣)، وأما الناسي، فابتداء وطئه كان ناسيًا، ووطء الناسي لا يتعلق به كفارة. ٨٥١ - [فَصْل: العذر والشبهة المؤثران في الصوم] قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وهذا كله إذا كان الفعل متعرّيًا عن شبهةٍ أو عذرٍ، فإن كان هناك شبهةٌ أو عذرٌ، سقطت الكفارة. والعذر والشبهة: أن يأكل أو يجامع وهو يرى أنّ عليه ليلًا، وقد طلع الفجر (وهو لا يعلم) (٤)، أو يرى أنّ الشمس غابت، ثم يتبيّن له أنها لم تغب، وهذا صحيحٌ. [أمّا] إذا تسحَّر وهو لا يعلم بطلوع الفجر، ثم علم، فقد أفطر. وقال مالك: يُفطر في صوم الفرض دون صوم النافلة (٥).

стр. 1004

لنا: أنّ أكله صادف النهار مع ذكره للصوم، فصار (١) كما لو أكل مع العلم بالطلوع؛ ولأنّ ما يُفسد الصومَ، لا فرق فيه بين الفرض و [بين] النفل، كالجماع. ويُمسك بقية يومه؛ لأنّ علمه بالطلوع لو تقدّم الأكل لوجب الصوم، فإذا عنه وجب الإمساك على ما قدّمنا (في خبر العوالي) (٢)، وعليه القضاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، [تقديره: فأفطر فعليه عدةٌ من أيامٍ أخر]، ولا كفارة عليه؛ لأنّه معذورٌ في الأكل، وكفارة رمضان تجب على وجه العقوبة، وتسقط بالعذر والشبهة كالحدّ. وقد ذكر (٣) على هذه الأصول: إذا أكل ثم بانت له الشمس. وقد روي أنّ عمر أفطر، فلما صعد المؤذن المئذنة قال: هذه الشمس، فقال عمر: إنما بعثناك داعيًا، ولم نبعثك راعيًا، ما تجانفنا لإثمٍ، وقضاء يوم يسير (٤). ٨٥٢ - [فَصْل: صوم المسافر ثم فطره متعمدًا] [قال]: وكذا إذا صام في سفره فأفطر متعمّدًا في سفره أو بعدما قدم مصره، فلا كفارة عليه؛ لأنّ هذا اليوم غير مستحقّ العين، ألا ترى أنّه كان في أول النهار مخيَّرًا بين الصوم والفطر (٥).

стр. 1005

٨٥٣ - : [فَصْل: ظَنُّ الصائم أنّ فِعْله مُفْطر ثم تعمد الإفطار] وكذلك إذا أكل أو شرب أو جامع (١) ناسيًا، أو ذرعه القيء، فظنّ أن ذلك يفطره، فأكل بعد ذلك متعمدًا، فعليه القضاء، ولا كفارة عليه. قال محمد: إلا أن يكون بلغه الخبر، يعني: أنّ أكل الناسي لا يفطر، وأنّ من ذرعه القيء لا يفطر. والأصل في هذا، ما بيَّنا: أنّ الكفارة تؤثر فيها الشبهة، والشبهة إذا استندت إلى أصل تعلّق بها الحكم، وإلا لم يتعلّق بها، وأكل الناسي والقيء ينافي الإمساك في الظاهر، فإذا ظنّ أنّه قد أفطر، فالشبهة مستندةٌ [إلى أصلٍ]؛ فلا يجب عليه الكفارة. قال: فإن احتجم، أو فعل نحو ذلك ممّا اختلف الناس في عمده: هل يفطر أم لا؟، فإن ذلك لا يكون عُذرًا ولا شبهةً، إذا تعمد بعده الأكل وقد ظنّ أنّ الحجامة تفطره، إلا أن يكون أُفتي بأنّه قد أفطر، أو يكون ممن سمع الحديث أنّ الحجامة تفطره، فتسقط عنه الكفارة؛ وذلك لأنّ الحجامة لا تنافي الإمساك في الظاهر، فإذا ظنّ أنّها تفطّره، فشبهةٌ لم تستند إلى سببٍ (٢)، فلا تسقط عنه الكفارة. فأمّا إذا استفتى فقيهًا فهو معذورٌ؛ لأنّ العامي يلزمه الرجوع إلى [فتوى] الفقيه (٣)، وقد أفتاه بما اختلف فيه الفقهاء، فصار ذلك عذرًا.

стр. 1006

فأمّا إذا كان بلغه الحديث، فقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أنّه لا كفارة عليه؛ لأنّ الإنسان يجب عليه الأخذ بحديث رسول الله ﷺ ، فإذا سمعه وعمل به، استندت شبهته إلى أصلٍ. وروى ابن سماعة وبشر، عن أبي يوسف: في المحتجم إذا أفطر بحديث: " [أفطر] الحاجم والمحجوم"، فعليه القضاء والكفارة من قِبل أن جماعةَ الفقهاء [أجمعوا] على أنّ الحجامة لا تفطره. ووجه ذلك: أنّ العاميّ إذا سمع خبرًا، لا يجوز له العمل به؛ لأنّه لا يأمن أن يكون مصروفًا عن ظاهره، أو منسوخًا، فمتى رجع إلى ما لا يجوز له الرجوع إليه، لم يعذر. قال أبو الحسن: وإن لمس امرأةً، أو قبّلها، أو ضاجعها ولم يُنزل، وظنَّ أنّ ذلك يفطره، فأكل بعد ذلك، أو جامع (١)، كان عليه القضاء والكفارة؛ لأنّ القبلة واللمس (٢) لا تنافي الإمساك في الظاهر. قال: إلا أن يكون تأوّل حديثًا، واستفتى فقيهًا، فأفطر على ذلك التأويل، فلا كفارة عليه، وإن أخطأ ذلك الفقيه أو كان الحديث خطأً. وإِن دَهَنَ شاربه، فظنّ أن ذلك يفطّره، أو استفتى، أو تأول حديثًا أنّه يفطره، ثم أكل أو شرب، فإن عليه القضاء والكفارة، وهذا مما لا يجوز أن يتأوّل فيه. وكذلك قالوا: فيمن اغتاب، فظنّ أنّ الغيبة تفطرّه، أو استفتى فقيهًا، أو

стр. 1007

تأوّل حديثًا، فإن الكفارة تجب، ولا يُعتدّ بالتأويل. ٨٥٤ - [فَصْل: الكفارة فيمن أصبح لم ينو الصوم فأكل] [قال]: ومن أصبح في رمضان لا ينوي الصوم، فأكل أو شرب، فلا كفارة عليه، وقال زفر: عليه الكفارة، وقال أبو يوسف: إن أكل قبل الزوال فعليه الكفارة، وإن أكل بعد الزوال، فلا كفارة عليه. أما أبو حنيفة، فمن أصله: أنّ الصوم لا يصحّ إلا بنيَّةٍ، فما لم ينوِ فليس بصائمٍ، [ففطره] (١) لا يوجب كفارة. وأمّا زفر، فـ[لأنّ] من أصله: أنّ صوم رمضان لا يقف على النيَّة، فجماعه قبل النيَّة وبعدها سواءٌ. وأمّا أبو يوسف فقال: حكم الصوم مُراعًى قبل الزوال، لجواز أن ينوي فيصح منه (٢)، فإذا جامع، فقد أسقط المراعاة، فكأنّه أفسد الصوم، وإذا جامع بعد الزوال، فقد زالت المراعاة قبل جماعه، فلا يجب عليه كفارةٌ. و [قد] روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: فيمن أصبح لا ينوي الصوم، ثمّ نوى قبل الزوال، ثمّ جامع في بقيّة يومه، فلا كفارة عليه، لأنّه كان في أول النهار على صفة [من] لا يلزمه بالوطء كفارةٌ، فصار ذلك شبهةٌ في آخره. ٨٥٥ - [فَصْل: كفارة الموطوءة مكرهة] قال أصحابنا في المجامع في رمضان: [إنّ] الكفارة تجب على الرجل

стр. 1008

والمرأة إذا طاوعته، [وإن كانت مكرهةً أفطرت، ولا كفارة عليها]. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا كفارة عليها، و [قال] في القول الآخر: تجب عليها، ويتحمّلها الزوج (١). أما وجوب الكفارة عليها؛ فلأنه وطءٌ يتعلّق به الحدّ، فجاز أن تتعلّق الكفارة؛ ولأنّ كلّ من لزمه الحدّ بالزنا، جاز أن يلزمه الكفارة (٢) [بالجماع]، كالرجل، [ولأنّه شخصٌ هتك حرمة الشهر بما يفطر به غالبًا، فجاز أن تلزمها الكفارة كالرجل]. وإذا [ثبت] أنها يلزمها (٣)، فكلّ من لزمته الكفارة، لم يتحمّلها عنه غيره، كزوج المكرهة، والعاقلة تدعو إلى نفسها مجنونًا (٤). ٨٥٦ - [فَصْل: تداخل الكفارات] قال: ومن جامع في يومٍ من رمضان متعمّدًا ذاكرًا لصومه، أو أكل أو شرب، ثم فعل ذلك في يوم ثانٍ وثالثٍ، فعليه لجميع ذلك كفارةٌ واحدةٌ ما لم يكفِّر، فإن كفَّر عما تقدّم، أجزأت الكفارة عمّا قبلها، ولا تجزئ عمّا بعدها (٥). وروى زفر عن أبي حنيفة: أنّ عليه كفارةً واحدةً وإن كفّر. وأمّا إذا أفطر في رمضانين، فالمشهور: أنّ عليه لكلّ وطءٍ كفارةً، وإن لم

стр. 1009

يكفِّر، وقد ذكر محمد في الكيسانيات: أنّ عليه (١) كفارةً واحدةً. وقال الشافعي: عليه لكلّ يومٍ كفارةٌ (٢). لنا: أنّه معنى يجب بالوطء، فجاز أن يتكرّر الموجب له ويقتصر على واحدٍ، كالحدّ والاغتسال (٣)، ولأنّ الشهر له حرمة واحدة؛ بدلالة أنّه أحد الأركان الخمسة، فكان له حرمةٌ واحدةٌ، كالصلاة والحجّ؛ ولأنّ التحلّل عن جميعه يقع بفعلٍ واحدٍ، فكان له حرمةٌ واحدةٌ كالحجّ. وإذا ثبت أنّ له حرمةً واحدةً، فقد هتكها بالجماع الأول، فالجماع الثاني (صادف حرمةً مهتوكةً، لا حرمة لها في حقّه، فلا يلزمه الكفارة) (٤). وليس كذلك إذا كفَّر في إحدى الروايتين؛ لأنّ الحرمة (٥) بالتكفير انجبرت، [فعادت الحرمة بحالها]، فتعلّق بالوطء الثاني الكفارة. ٨٥٧ - [فَصْل: إجزاء الكفارة السابقة عما بعدها] قال: ولو أفطر في ثلاثة أيام من رمضان [فطرًا تجب به الكفارة] (٦)، وأفطر في اليوم الأول فأعتق، ثم أفطر في الثاني فأعتق، ثم في الثالث وأعتق، فاستحقت الرقبة الثالثة، فعليه الكفارة لليوم الثالث.

стр. 1010

وهذا صحيحٌ على رواية الأصل؛ لأنّ ما تقدّم من الكفارة لا يجزئ عمّا بعده، فإن استحقت الثانية أيضًا، فعليه كفارةٌ واحدةٌ لليوم الثالث والثاني، وإن استحقت الأولى مع ذلك، فعليه كفارةٌ واحدةٌ؛ لأنّه بمنزلة مَن لم يُكفّر. فإن كانت استحقت الأولى خاصةً، أو استحقت [الثانية معها]، فلا شيء (١) عليه؛ لأنّ الثالثة تجزئ عمّا قبلها. ٨٥٨ - [فَصْل: الكفارة فيما إذا جامع في رمضانين] وأمّا إذا جامع في رمضانين، فوجه الرواية المشهورة: أنّ لكلّ واحدٍ منهما حرمةً على حالها، فما يتعلّق بهتك إحدى الحرمتين، لا يؤثّر في الأخرى، وعلى الرواية الأخرى: اعتبر الفعل، ولم يعتبر الشهر، وجعل الجماع في الشهرين كوطءٍ كان بامرأتين، فلا يتعلّق به إلا حدٌّ واحدٌ (٢).

стр. 1011

بَاب الشهادة على رؤية الهلال قال الشيخ [أبو الحسن] رحمه الله تعالى: إذا غُمَّ على الناس الهلال في شهر رمضان، فعليهم أن يُكملوا عدَّة شعبان ثلاثين يومًا، ثم يصوموا؛ لما روي عن النبي ﷺ أنّه قال: "صُوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم، فعدوُّا ثلاثين من شعبان" (١)، وكذلك إن غُمَّ عليهم هلال شوال، أكملوا عدة رمضان ثلاثين يومًا، للخبر [السابق]، ولأنّ الأصل بقاء الشهر، فلا ينتقل عنه إلا بيقين. وقد حُكيَ عن بعض الناس: أنّه يرجع إلى قول المُنَجِّمِين، وهذا قولٌ مخالفٌ للشرع؛ لأنّ النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ منع من الرجوع إلى الكهنة والمنجمين وقال: "من أتى كاهنًا أو منجِّمًا فصدقه بما قال: فهو كافرٌ بما أُنزل على محمدٍ" (٢). والذي روي أنه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ قال: "فإن غم عليكم، فاقدروا له" (٣)، فمعناه: التقدير بكمال العدد؛ بدلالة الخبر المبيِّن.

стр. 1012

٨٥٩ - فَصْل: [الصوم بشهادة الواحد العدل] فإن شهد شاهدٌ واحدٌ عدلٌ مسلمٌ، على رؤية هلال رمضان، وفي السماء علَّةٌ، فالشهادة جائزةٌ، رجلًا كان أو امرأةً، عبدًا كان أو أمةً، [أو] محدودًا في قذفٍ تائبًا عدلًا، وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، وزفر، لا اختلاف عنهم في ذلك، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يُقبل إلا شهادة رجلين (١). والأصل في ذلك: ما روى عكرمة عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ فقال: "أبصرت الهلال"، فقال: "أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؟ "، فقال: نعم، فقال: "قم يا بلال فأذِّن في الناس فليصوموا غدًا" (٢)، وقبل قول ابن عمر في الهلال، وأمر الناس بالصيام (٣). وعن طاووس قال: شهدت ابن عمر وابن عباس بالمدينة، فجاء رجل إلى واليها، فشهد عنده على رؤية هلال رمضان، فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته، فأمراه أن يُجيزها، وقالا: إنّ رسول الله ﷺ أجاز شهادة رجلٍ واحدٍ على رؤية (٤) هلال رمضان، وقالا: وكان رسول الله لا يجيز في شهادة الإفطار إلا بشهادة رجلين (٥)؛

стр. 1013

ولأنّ مَنْ [قُبل] (١) قوله في الخبر (٢) جاز أن يُقبل [قوله] في الهلال، كالاثنين. وأمّا اعتبار العدالة؛ فلأنّه من أخبار الدين، فلا يقبل إلا من عدلٍ. قالوا: وتقبل شهادة واحدٍ على واحدٍ في هلال رمضان، كما يُقبل الخبر. والذي قاله الطحاوي في مختصره: إنّه يقبل قول الواحد عدلًا كان أو غير عدلٍ، فليس بصحيحٍ، ويجوز أن يكون أراد عدلًا في [الظاهر] (٣) غير معروف العدالة في الباطن؛ لأنّ الأخبار يقتصر فيها على عدالة الظاهر. فأمّا المحدود في القذف، فقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أنّ شهادته مقبولةٌ في هلال رمضان؛ لأنّ خبره مقبولٌ، وقد قَبل أصحاب رسول الله ﷺ أخبار أبي بكرة. وروى ابن أبي مالك عن أبي حنيفة: أنّه لا تُقبل شهادته؛ لأنّه مّمن لا تُقبل شهادته كالفاسق (٤). و [أمّا] إذا لم تكن بالسماء علَّةٌ، لم تقبل في الهلال إلا شهادة من يقع العلم بشهادته، وقد روي عنهم: أنّه تُقبل شهادة أهل محلّة، وقال الشافعي في أحد قوليه: يُقبل قول الواحد (٥)، وفي قوله الآخر: يُقبل قول الاثنين (٦).

стр. 1014

لنا (١): أنّ ما شرط في شهادة رؤية هلال ذي الحجة، جاز أن يشترط في الشهادة لهلال رمضان؛ أصله العدالة (٢)؛ ولأنّ العدد الذي يقع العلم بخبرهم، معنى معتبرٌ في الأخبار بحالٍ، فجاز أن يعتبر في الشهادة برؤية الهلال، كالعدالة؛ ولأنّ من لا يقع العلم بخبره، لا تقبل شهادته برؤية الهلال حال الصحو، كالواحد. وأما إذا وردَ الواحد من خارج المصر، فشهد برؤية الهلال، ولا علَّة بالسماء، فقد ذكر الطحاوي: أنّ شهادته مقبولةٌ، وظاهر الرواية يقتضي ألا يُقبل خبره؛ لأنّ الموانع إذا زالت، لم يجز أن ينفرد بالرؤية (٣) واحدٌ في المصر ولا في غيره. وجه رواية الطحاوي: أنّه إذا شهد خارج المصر، فالمطالع هناك أظهر، (والموانع عن الرؤية أقلّ) (٤)، فيجوز أن يراه دون أهل المصر. ٨٦٠ - فَصْل: [ثبوت هلال شوال] وأمّا هلال شوال، فلا يقبل فيه إلا شهادة رجلين، أو رجلٍ وامرأتين، كما في شهادة الحقوق والأموال (٥)، وهذا إذا كان بالسماء علَّةٌ؛ لما روي أنّ الحارث بن حاطب أخا محمد بن حاطب خطب بمكة، ثم قال: عهد إلينا رسول الله ﷺ أن نمسك لرؤية الهلال، فإن لم نره وشهد شاهدا عدلٍ، أمسكنا بشهادتهما، وقد شهد لي من رسول الله هذا بهذا، وأشار إلى عبد الله بن عمر، فقال عبد الله بن

стр. 1015

عمر: وبهذا أمرنا رسول الله ﷺ (١)، ولأنّ هذه شهادة فيها منفعةٌ لآدميٍّ، [وهو الفطر]، فصارت كالشهادة بحقوق الآدميين. وأمّا إذا كانت السماء مصحيَّةً، لم يُقبل فيه إلا قول الجماعة كما بيّنا في هلال رمضان. قال ابن سماعة: قلت لمحمدٍ: إذ قبلت شهادة الرجل [الواحد على الصوم، أليس] تفطر على شهادته، وقد غُمَّ على الناس (٢) رؤية الهلال - يعني: هلال شوال -، فأفطرت يومًا لا تدري لعله من رمضان؟ قال: لا أتَّهم المسلم أن يتعجّل يومًا مكان يومٍ، وإن اتهمته أن ينقص يومًا. وهذا إلزامٌ ظاهر؛ لأنّه إذا قبل شهادة الواحد في أول الشهر، ثم أفطر بكمال العدّة، فقد أفطر بقول الواحد؛ وذلك لا يجوز، وأجاب محمد بما ذكره من نفي التهمة. ويجوز أن يجاب عنه: بأنّ شهادة الواحد إنّما قُبلت في إيجاب الصوم، ثم ثبت جواز الفطر بمقتضاها، ويجوز أن يثبت بمقتضى الشهادة ما لا يثبت بها، كما يثبت الميراث بحكم النسب الذي يثبت بشهادة القابلة بالولادة، وإن كان الميراث لا يثبت بشهادتها. وقد حكي عن محمد: أنّه فصَّل في ذلك بين شهادة الصوم وشهادة الفطر، وقال: إنّما قبلت شهادة الواحد على هلال رمضان؛ لأنّه دخولٌ في العبادة، ولم أقبله في الفطر إلا بشهادة اثنين؛ لأنّها خروجٌ من عبادة، ألا ترى أنّ رجلًا

стр. 1016

لو شهد بإسلام رجلٍ، صلَّيت عليه، ولو شهد أنّه ارتدَّ، لم أقبل شهادته. وقال الحسن عن أبي حنيفة: إذا أخبر رجلٌ من المؤمنين (١)، أو امرأةٌ، أو عبدٌ ثقةٌ أنّه رأى الهلال (٢)، فينبغي أن يصوموا ولا يفطروا إلا مع الإمام وجماعة المسلمين، وهذا خلاف قول محمد؛ لأنّه أوجب الصوم بالاحتياط، ولم يخرجه منه بالشكِّ. قالوا (٣): ولو صاموا بشهادة شاهدين، أفطروا بتمام العدد؛ لأنّ قولهما يقبل في الفطر. فأمّا هلال ذي الحجة، فقد ذكر أبو الحسن: أنّه كهلال شوال؛ لأنّه يتعلّق به منفعةٌ لآدميٍّ، وهو جواز الأضحية. وقد روي عنهم: أنّه تقبل [فيه] شهادة الواحد إذا كانت بالسماء علَّةٌ؛ لأنّه أمرٌ من أمور الدين، فصار كهلال رمضان. ٨٦١ - فَصْل: [الاعتبار في رؤية الهلال] قال أبو الحسن: لا يعتبر في رؤية الهلال رؤيته قبل الزوال، ولا بعد الزوال (٤)، وإنّما العمل على رؤيته قبل الغروب من الشمس، وهذا صحيحٌ إذا رأى الهلال آخر يوم من رمضان قبل الزوال، أو بعده، فهو لليلة المستقبلة، وقال أبو يوسف: إذا كان قبل الزوال، فهو لليلة الماضية.

стр. 1017

وقد روي عن عمر (١)، وابن مسعود (٢)، وابن عمر (٣)، وأنس (٤) مثل قولنا، وروي عن عمر رواية أخرى: أنّه لليلة الماضية (٥)، وهو قول عليٍّ (٦) وعائشة (٧). وجه قولهما: قوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته"، والمراد بالرؤية الماضية؛ ولأنّ الهلال أقرب إلى الليلة المُستقبلة منه إلى الليلة (٨) الماضية، فكونه لها أولى. وجه قول أبي يوسف: أنّه لا يُرى قبل الزوال، إلا أن يكون لليلتين، فوجب أن يحكم بوجوب الفطر. ٨٦٢ - فَصْل: [القضاء بعدد أيام الفطر] قال أبو يوسف: إذا صام أهل مصرٍ تسعة وعشرين [يومًا]، وأفطروا للرؤية،

стр. 1018

وفيهم مريضٌ لم يصم، فعليه قضاء تسعة وعشرين يومًا إذا علم ما صام أهل مصره؛ لأنّ القضاء يجب بعدد أيام الفطر، فإذا أفطر تسعة وعشرين، قضى مثلها. وقد قالوا: فيمن أفطر شهرًا لعذرٍ ثلاثين يومًا، ثم قضى شهرًا، فكان تسعة وعشرين يومًا (١)، أنّ عليه قضاء يوم آخر؛ لأنّ المعتبر العدد الذي أفطر فيه دون الهلال. قال أبو الحسن (٢) رحمه الله تعالى: فإن لم يعلم هذا الرجل ما صنع أهل مصره، صام ثلاثين؛ لأنّ الأصل أنّ الشهر ثلاثون يومًا، وإنّما ينقص فرضه بنقصان العدد، فإذا لم يعلم ذلك، فهو على أصل التمام (٣). قال: وإن صام أهل بلدٍ ثلاثين يومًا للرؤية، وصام أهل بلدٍ [آخر] تسعةً وعشرين يومًا للرؤية، فعلم ذلك من صام تسعة وعشرين [يومًا]، فعليهم قضاء يوم؛ وذلك لأنّ الذين صاموا ثلاثين يومًا، قد رأوا الهلال قبل هؤلاء بليلةٍ، والعمل على قول من رأى، دون من نفى الرؤية، وهذا إذا كان بين البلدين تقاربٌ لا تختلف فيه مطالع الهلال. فأما إذا بَعُد أحد البلدين من الآخر بُعدًا كثيرًا، لم يلزم أهل أحد البلدين حكم الآخر؛ لأنّ مطالع البلاد تختلف. وقد حُكي عن ابن عبد الله بن أبي موسى الضرير، أنه استفتي في أهل الإسكندرية أن الشمس تغيب فيها ومن على مناراتها ترى الشمس بعد ذلك بزمانٍ

стр. 1019

كثيرٍ، فقال: يحلّ لأهل البلد الفطر، ولا يحل لمن على رأس المنارة الفطر إذا كان يرى غروب الشمس؛ لأنّ مغرب الشمس يختلف، فيعتدّ كلّ واحدٍ [منهم] بالغروب عنده. ٨٦٣ - فَصْل: [عدم قبول شهادة رؤية هلال رمضان] قال أصحابنا: إذا رأى الرجل هلال رمضان، فلم يقبل الإمام شهادته، فعليه أن يصوم؛ لقوله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السَّلَامُ: "صوموا لرؤيته، [وأفطروا لرؤيته] "؛ ولأنّه متعبَّدٌ بما [علمه] (١)، وإن لم يثبت ذلك في حقّ غيره. وإن أفطر في هذا اليوم فلا كفارة عليه عندنا، وقال الشافعي: عليه الكفارة (٢). لنا: أنّه يومٌ مختَلفٌ في وجوب صومه؛ لأنّ الحسن البصري يقول: لا يصوم إلا مع الإمام (٣)، فصار كيوم الشكّ. فإذا أكمل هذا الرجل ثلاثين يومًا، لم يُفطر إلا مع الإمام؛ لأنّه يُلحق بنفسه تهمةً؛ ولأنّه يجوز أن يكون اشتبه عليه، فرأى ما ليس بهلالٍ، فلا يفطر بالشبهة، وإن صام بالاحتياط، (فهو أولى) (٤) (٥).

стр. 1020

بَاب ما يوجبه الرجل على نفسه قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: ومن صامَ تطوعًا، فقد أوجبه، فإن أفسد الصوم بعد دخوله فيه، أو فسد عليه بوجهٍ من الوجوه، فعليه القضاء، معذورًا كان أو غير معذورٍ. أمّا وجوب القضاء عليه بالإفساد؛ فلما روى الزهري عن عروة عن عائشة قالت: أصبحتُ وحفصة صائمتين متطوعتين (١)، فأهدي لنا حَيْسٌ (٢) فأكلنا منه، فسألت حفصةٌ رسول الله ﷺ عن ذلك، فقال: "اقضيا يومًا مكانه" (٣). و [قد] روي أنّ عمر استشار الصحابة وقال: إني أتيت [أمرًا] عظيمًا، كنت صائمًا متطوعًا، فوقعت على جاريتي، فقالوا: لقد أتيت [أمرًا] عظيمًا، فقال علي: أتيت حلالًا، وعليك يومٌ مكان يومٍ، فقال عمر: أنت أعجبهم فتوىً إليَّ (٤). وعن أنس بن سيرين: أنه صام يوم عرفة، فعطش عطشًا شديدًا، فسأل بضعة عشر نفسًا من أصحاب رسول الله، فقالوا: أفطر واقض يومًا مكانه (٥).
следующие страницы →