← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

وأمّا ما مسَّه الوَرْس والزعفران؛ فلقوله ﷺ : "ولا ثوبًا مسَّه وَرْسٌ أو زعفران، إلا أن يكون غسيلًا) (١)، وإنّما اعتبروا في الغسل ألا يَنْفُض؛ لأنّ المنع ليس لبقاء اللون (٢)، وإنّما هو للرائحة، فإذا زالت، زال المنع. وأمّا تغطية الوجه والرأس، فعندنا لا يجوز للمُحْرِم. وقال الشافعي: يجوز أن يغطي وجهه (٣). لنا: ما وري أنّه ﷺ رخّص لعثمان في أن يغطي وجهه حين اشتكت عينه، وأن يعصبها (٤) (٥)، فلو كان [تغطية الوجه] مباحًا لم يكن للرخصة معنى؛ ولأنّ حكم الإحرام في الرجل آكد منه في المرأة، فإذا لم يجز لها تغطية وجهها، فلأنّ لا يجوز للرجل أولى. وأمّا تغطية الرأس؛ فلنهيه ﷺ عن العمامة والقلنسوة. ٩٢٧ - فَصْل: [أماكن تكثير التلبية] وليكثرْ من التلبية ما استطاع في أدبار الصلوات، وكلما علا شَرَفًا، أو هبط واديًا، وبالأسحار. والأصل في ذلك: ما روى الأعمش، عن خيثمة قال: كانوا يستحبون

стр. 1087

التلبية عند [ستة مواضع]: دبر الصلوات، وإذا استقلت بالرجل راحلته، وإذا صعد شَرفًا، وإذا هبط واديًا، وإذا لقي بعضهم بعضًا، [وبالأسحار] (١). وروي (أنّ أصحاب رسول الله ﷺ كانوا يلبون كلما عَلوا شرفًا، أو هبطوا واديًا، أو لقوا (٢) راكبًا، وبالأسحار) (٣)، ولأنّ هذا الذكر يفعل [في ابتداء] (٤) العبادة، ويتكرر في أثنائها، فكانت السُّنَّة أن يُفعل عند اختلاف أحوالها، كالتكبير. ٩٢٨ - فَصْل: [رفع الصوت بالتلبية] قال: ويرفع صوته بالتلبية، والأصل في ذلك: ما روى خلاد بن السائب الأنصاري، روى عن أبيه (٥): أنّ النبي ﷺ قال: "إنّ جبريل أتاني فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية، فإنهما من شعار الحج" (٦). وروي أنّه قال: "أفضل الحجّ، العجُّ والثجُّ" (٧) والعج: العجيج بالتلبية، والثج: ثج الدماء بالذبح.

стр. 1088

وقد قال أصحابنا: إنّ الأذكار والأدعية يستحب فيها الإخفاء إلا ما يتعلّق بالغير: كالأذان الذي يقصد به الإعلام، والخطبة التي [يُقصد بها وعظ الناس وتعليمهم، والتكبيرات] جعلت علامةً للدخول والانتقال [في الصلاة]، والقراءة التي أمر المؤتمّ باستماعها. فأمَّا التلبية، فإنها من علامة العبادة؛ ولأنّ إبراهيم ﵇ صعد على أبي قبيس، فأذّن في الناس بالحجّ، فالتلبية إجابةُ لتأذينه، فهو في حكم ما تعلّق بالغير، فالسُنَّة الجهر به. ٩٢٩ - فَصْل: [ما ينهى عنه المحرم في اللباس] قال: ولا يلبس خُفَّين ولا عِمَامَةً، ولا يأخذ من شعره ولا ظفره شيئًا. أمّا اللبس، فلحديث ابن عمر: أنّ النبي ﷺ قال في المحرم: "ولا يلبس عِمَامةً ولا قَلَنْسُوَةً ولا خُفَّين، إلا ألا يجد النَّعْلَين، فيقطعهما أسفل الكعبين" (١). وأمّا أخذ الشعر والظفر، فلقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، فرتَّبَ ذلك على الذبح، [قيل هو: قص الشعر، وحلق الرأس، وتقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق العانة]، وقال النبي ﷺ : "المُحْرِمُ الأَشْعَثُ الأغبرُ" (٢)، وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وبالله التوفيق (٣). * * *

стр. 1089

بَاب ما يفعل المحرم بعد إحرامه قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا دخل المُحْرِمُ مكة، فلا يضره ليلًا دخلها أو نهارًا؛ وذلك لما روي أنّ النبي ﷺ صلَّى العشاء بذي طَوَى (١)، ثم هجع هجعةً، ثم دخل فطاف (٢). وروى ابن عمر: (أنّ النبي ﷺ كان يبيت بذي طوى ويدخل مكة نهارًا (٣))،، وروي عن عائشة أنها دخلت مكة ليلًا (٤)، ودخل الحسن والحسين ليلًا فطافا (٥)، وروي عن عمر أنّه دخل في رمضان بعمرةٍ والناس يصلون التراويح، فصَّلى معهم (٦). والذي روي عن عمر من النهي عن دخولها ليلًا (٧)، فقد قيل: إن ذلك مخافة السَّرَق، وليرى الإنسان أين ينزل؛ ولأنّه دخول [بلد] (٨)، فيستوي فيه

стр. 1090

الليل والنهار كسائر [البلدان] (١). ٩٣٠ - فَصْل: [كيفية ابتداء الطواف] [قال]: ويدخل المسجد (٢) ويبتدئ بالحَجَر، فإذا استقبله كبَّر ورفع يديه كما يرفعُ في الصلاة، ثم يرسلهما، ثم يستلمه إن أمكنه من غير أن يؤذي أحدًا، فإن لم يقدر استقبله وكبَّر وهلّل، وحمد الله وصَلَّى على النبي ﷺ . والأصل في ذلك: ما روي أنّ النبي ﷺ لما دخل مكة بدأ بالمسجد (٣)، و [قد] روي عن مكحول أنّ النبي ﷺ كان إذا نظر إلى البيت قال: "اللهم زد بيتك هذا تشريفًا وتكريمًا [وتعظيمًا وبرًا] ومهابةً، وزد من شرفه وكرمه ممّن حجّه واعتمره [تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا وبرًا ومهابةً] (٤)، وروي أنّ النبي ﷺ لمّا دخل المسجد، ابتدأ بالحَجَر فاستلمه - ويُروى (٥): فاستقبله - وكبَّر وهلَّل (٦). ولم يذكر أصحابنا دعاءً بعينه؛ لأنّ الأدعية لا تنحصر، وروي عن ابن عمر أنه قال: بسم الله والله أكبر (٧).

стр. 1091

وعن مجاهد قال: إذا أتيت الركن فقل: اللهم إجابةَ دعوتك، وابتغاءَ رضوانك، وعلى سنَّة نبيِّك (١). وقال عطاء: كان النبي ﷺ إذا مرَّ بالحجر قال: "أعوذُ بربّ هذا الحَجَر من الدَّين والفقر وضيق الصدر وعذاب القبر" (٢). فأمّا رفع اليدين؛ فلِمَا روى مقسم عن ابن عباس، ونافع عن ابن عمر: أنّ النبي ﷺ قال: "لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن"، وذكر: "عند استلام الحَجَر" (٣). و [قد] قال أصحابنا: إنّ استقبال الحَجَر عند افتتاح الطواف سنَّةٌ وليس بواجبٍ؛ لأنّه لو وجب الاستقبال في ابتداء هذه العبادة، لوجب في أثنائها كالصلاة. وقالوا (٤): إنّ الأفضل أن يقبِّل الحجر إذا أمكنه ذلك؛ لِمَا روي أنّ عمر قبّله [واستقبله] والتزمه وقال: رأيت رسول الله ﷺ بك حفيًّا، وروي أنه قال: "أما إنّك حجرٌ، وإني لأعلم أنك لا تضرّ ولا تنفع، ولكني رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك، فأنا أقبِّلك" (٥). وعن ابن عمر قال: استقبل رسول الله ﷺ ، الحجر، فاستلمه ثم وضع شفتيه

стр. 1092

عليه يبكي طويلًا، ثم التفت، فإذا هو بعمر، فقال: "يا عمر، هاهنا تسكب العبرات" (١). وأمّا الاستلام؛ فلِمَا روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "ليُبعثَنَّ الحجر يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسانٌ ينطق به، يشهد على من استلمه بحقٍّ" (٢)، وعن عطاء قال: رأيت أبا هريرة وأبا سعيد الخدري وغيرهما من أصحاب النبي ﷺ يستلمون الحجر، ثم يقبِّلون أيديهم (٣). وأمّا قوله: من غير أن يُؤذي أحدًا؛ فلما روي أنّ النبي ﷺ قال لعمر: "إنك رجلٌ أيّدٌ، وإنك لتؤذي الضعيف، فإذا وجدت مسلكًا فاستلم، وإلا فدع وكبِّر وهلِّل" (٤). ٩٣١ - فَصْل: [في هيئة الطواف] [قال]: ثم يأخذ عن يمينه فيطوف بالبيت سبعة أشواط، يَرمل في الثلاثة الأولى [منها]، ويمشي في الأربعة. والأصل في ذلك: ما روي (أنّ النبي ﷺ استلم الحجر، ثم أخذ عن يمينه

стр. 1093

مما يلي باب البيت، فطاف سبعة أشواط) (١)، ومقادير العبادات إنما تؤخذ من جهة التوقيف. فأمّا الرمل فكلّ طوافٍ [بالبيت] بعده سعيٌ، فمن سُنَّته الاضْطِبَاع والرَّمَل في الثلاثة الأشواط الأُوَل منه، وكلّ طواف ليس بعده سعيٌ، فلا رمل فيه. وقد روي عن ابن عباس (أنّ الرمل ليس بسُنَّةٍ، وإنما فعله النبي ﷺ ليُظهر الجَلَد للمشركين) (٢). والدليل على أنّه سُنَّةٌ: ما روى ابن عمر قال: (كان النبي ﷺ إذا طاف بالبيت الطواف الأول خبّ ثلاثًا ومشى أربعًا) (٣). وعن ابن عباس: (وأنّ النبي ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجِعْرَانة (٤)، فرملوا بالبيت ثلاثًا، ومشوا أربعًا، واضطبعوا) (٥). وروى عطاء، عن ابن عباسٍ قال: (رَمل رسول الله ﷺ في حجّته وعمرته، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، والخلفاء من بعده) (٦). وروي جعفر بن محمد، عن أبيه: أنه سمع جابرًا يحدث عن حِجَّة النبي

стр. 1094

ﷺ ، قال: (حتى إذا أتى البيت، استلم الركن وطاف بالبيت سبعة أشواط، رمل من ذلك ثلاثًا) (١). وأمّا ابن عباس، فذهب إلى أنّ النبي ﷺ اضطبع ورمل لمعنى، وذلك أنّ المشركين أخلَوا له مكة في عمرة القضاء، وصعدوا إلى الجبال، وقالوا: (إن حمى يثرب قد أو هنتهم، واضطبع رسول الله ﷺ ورمل)، وقال: "رحم الله امرأً أبدى من نفسه الجَلَد" (٢)، قال ابن عباس: وهذا المعنى قد زال. وهذا ليس بصحيحٍ؛ لما بيّنا أنّه ﷺ رمل في حجَّته، وهي بعد الفتح؛ ولأنّ الصحابة رملوا بعده، وروي عن عمر أنّه قال: (ما لي أهزُّ كتفي وليس عندي من أرائيه، ولكني أفعل كما فعل رسول الله ﷺ ) (٣). وليس يمتنع أن يكون أصل الرمل فُعِل لسببٍ، ثم يُفعل بعد زواله، كما أنّ رمي الجمار أصلها أنّ إبراهيم ﷺ رمى الشيطان، ثم صارت سُنَّةً. وقد قال أصحابنا: إنّه يرمل من الحَجَر إلى الحَجَر. وقال سعيد بن جبير، وطاووس، وعطاء، ومجاهد: لا يرمل ما بين الركن اليماني والحَجَر، وإنّما يرمل من الجانب الآخر (٤). قالوا: لأنّ المشركين كانوا يطَّلعون على المسلمين من ذلك الجانب، فإذا صاروا إلى الركن اليماني حال [البيت بينهم] (٥).

стр. 1095

وهذا ليس بصحيحٍ؛ لِمَا روي عن أبي الطفيل: (أنّ رسول الله ﷺ رمل ثلاثًا من الحَجَر إلى الحجر) (١). وأما الاضطباع: فهو أن يتشح بثوبه ويخرجه من تحت إبطه، ويُلقيه على عاتقه الأيسر. ٩٣٢ - فَصْل: [الطواف من وراء الحطيم] وقد قال أصحابنا: إذا طاف جعل طوافه من وراء الحطيم؛ لأنّ رسول الله ﷺ هكذا طاف؛ ولأن بعض الحطيم من البيت؛ بدليل ما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه قال لها: "إن قومك قصّروا عن النفقة، فقصّروا عن قواعد إبراهيم، ولولا حدثان عهدهم بالجاهلية، لرددته إلى قواعد إبراهيم، ولجعلت له بابين" (٢). وروي أن رجلًا نذر أن يصلي في البيت ركعتين، فأمره رسول الله ﷺ أن يصلي في الحطيم (٣). وإذا كان بعض الحطيم من البيت، وجب أن يطوف من ورائه ليستغرق البيت. ولا يقال: لو كان بعضه من البيت، لجازت الصلاة إليه؛ وذلك لأنّ الصلاة ثبت فرضها بيقينٍ، وحكم الحطيم ثبت بخبر الواحد، فلا يسقط به ما يثبت بالاستفاضة، وإذا طاف عليه، [لم يَسقِط فرضه بيقينٍ، وما يؤدّي إلى إسقاط فرض الطواف بيقينٍ أولى] (٤).

стр. 1096

قال: فإن زوحم في الرَّمَل، قام، فإذا وجد فُرْجَةً رمل؛ لأنه ممنوعٌ من فعله على [غير] سنته، فوجب أن يتوقّف حتى يتمكّن من إتيانه (١) بسنته. [قال]: ويستلم الحَجَر في كلّ شوطٍ إن استطاع، فإن لم يستطع استقبله وكبّر؛ وذلك لأنه في كلّ شوطٍ مفتتحٌ للطواف، فصار كالشوط الأول. قال: ويستلم الركن اليماني، قال محمد في الأصل: فإن تركه لم يضره في قول أبي حنيفة، وقال محمد: يستلمه ولا يتركه. وقال الشافعي: يستلمه ويقبِّل يده، ولا يقبله (٢). فإن نَصَرْنا رواية [محمدٍ في] الأصل: في أنه مستحبٌّ وليس بمسنونٍ؛ فلأنه ليس من السُّنَّة تقبيله، فكذلك استلامه كالركن الشامي، وقد روى جابر: (أنّ النبي ﷺ ، استلم [الركن] اليماني ولم يقبله) (٣). وإن قلنا: إنه سنّةٌ على ظاهر ما قاله أبو الحسن؛ فلما روى ابن عمر قال: (رأيت رسول الله ﷺ يستلم هذين الركنين، ولا يستلم غيرهما (٤)). وعن ابن عباس قال: (كان رسول الله ﷺ يستلم الركن اليماني، ويضع خدَّه عليه) (٥). ولا يستلم الركنين الآخرين عندنا.

стр. 1097

وعن معاوية، وسويد بن غفلة: أنّهما استلما جميع الأركان، فقال ابن عباس لمعاوية: أنما يُستلم هذان الركنان؟ فقال: ليس شيءٌ منه مهجور (١). وإنّما لم يستلم الركنين؛ لأنّ القياس ينفي الاستلام، ألا ترى أنّ شرف البقعة لا يقتضي استلامها كسائر البقاع، وإنّما تركوا القياس في الركنين؛ لأنّ النبي ﷺ استلمهما؛ ولأنّ الركنين الآخرين ليسا بركني البيت؛ لأنّ الجاهلية قصَّرت في البيت، فلذلك لم يستلمهما ﷺ ؛ إذ الاستلام إنما هو في الأركان الموضوعة [في الأصل]. ٩٣٣ - فَصْل: [صلاة ركعتي الطواف] [قال]: ثم يصلي ركعتين عند المقام، أو حيث تيسَّرَ عليه من المسجد وهي عندنا واجبةٌ. وقال الشافعي: سُنَّة (٢). لنا: ما روي أنّ النبي ﷺ لمّا فرغ من الطواف، أتى المقام، فصلى عنده ركعتين، وتلا قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] (٣)؛ ولانّه (٤) ركنٌ في الحج، فـ[كان] من توابعه ما هو واجبٌ كالوقوف؛ ولأنّها قربةٌ لا يجوز تقديمها على فعل الطواف كالسعي. وأمّا قوله: حيث تيسَّر من المسجد؛ فلأنّ الصلاة لا تختصّ بمكانٍ دون

стр. 1098

مكانٍ، وقد روي عن عمر أنّه نسي ركعتي الطواف، فقضاهما بذي طوى (١). ٩٣٤ - فَصْل: [استلام الحجر في الطواف] [قال]: ثم يعود إلى الحجر ويستلمُه، وهذا على وجهين: كلّ طوافٍ بعده سعيٌ، فإنه يعود بعد الصلاة إلى الحَجَرِ، وما ليس بعده سعيٌ لا يعود، وقد روى جابر: (أنّ النبي ﷺ صلى ركعتين وعاد إلى الحَجَر) (٢)؛ ولأنّ الطواف إِذا رُتِّب عليه السعي، صار متصلًا بأشواطه، والسُنَّة أن يستلم بين كلّ شوطين، فكذلك يستلم بين الطواف والسعي. وإذا لم يكن بعد الطواف سعيٌ، لم يستلم؛ لأنّه انتهت الأشواط وخرج من العبادة (٣). ٩٣٥ - فَصْل: [حكم السعي بين الصفا والمروة] قال: ثم يخرج إلى الصفا والمروة، ولم يتعرض أبو الحسن (٤) من أي بابٍ يخرج، وقد روى عطاء: (أنّ النبي ﷺ خرج من باب بني مخزوم) (٥). وليس ذلك سُنَّةً عندنا، فمن أي الأبواب خرج جاز، وإنما خرج من هذا الباب لقُربه من الصفا. والكلام في السعي من الصفا والمروة يقع في أنّه واجبٌ عندنا، وليس

стр. 1099

بركنٍ، وقال الشافعي: هو ركنٌ (١). لنا (٢): قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، وهذا اللفظ لا يُستعمل في الواجبات؛ ولأنّه نسكٌ ذو عددٍ لا يختصّ بالمسجد، فلم يكن ركنًا كالرمي، أو: فجاز أن يقوم [الدم] (٣) مقامه كالرمي؛ ولأنه نسكٌ لا يتكرر [في الإحرام]، فلم يكن ركنًا فيه كالحلق، وإنما قلنا: إنّه واجبٌ؛ لأن النبي ﷺ سعى، وفِعْله إذا ورد مورد البيان، أفاد الوجوب. ولأنّ القائل أحد قائلَين: إمّا من قال: هذا ركنٌ، أو قال: هذا واجبٌ، فإذا دللنا أنّه ليس بركنٍ، ثبت أنه واجبٌ بالإجماع. فأمّا الكلام في صفةِ السعي، فيبتدئ بالصفا؛ لأنّه ﷺ ابتدأ به وقال: "نبدأ بما بدأ الله به" (٤). فيأتي الصفا، فيصعد عليه حتى يشاهد الكعبة؛ [وذلك لما روي عن جابرٍ، قال: (ثم وقف النبي ﵇ على الصفا بحيث يرى الكعبة) (٥)]، وعن ابن عمر (أنّه كان إذا صعد الصفا: استقبل البيت، ثم كبَّر ثلاثًا، ثم قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، يرفع بها صوته، ويدعو، ثم يقول ذلك على المروة) (٦).

стр. 1100

وعن جابرٍ: أنّ النبي ﷺ بدأ بالصفا، فرقي عليه، فوحَّد الله وكبَّر وقال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلّ شيءٍ قديرٌ، لا إله إلا الله [وحده]، أنجز وعده، ونصر عبده، وحزم الأحزاب وحده"، ثم دعا بقدرِ خمس وعشرين آيةً من [سورة] البقرة، ثم نزل إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي، سعى، حتى إذا صعد، مشي مشيًا، حتى إذا أتى المروة فعل على المروة مثل ما فعل على الصفا، وقال في سعيه: "ربّ اغفر وارحم [وتجاوز عمّا تعلم]، إنك أنت الأعزّ الأكرم" (١). وكان ([ابن] عمر إذا نزل من الصفا قال: اللهم استعملني على سنَّة نبيِّك، وتوفَّني على ملته، وأعذني من مضلات الفتن [وعذاب القبر]) (٢). ٩٣٦ - فَصْل: [البداية والنهاية في السعي] قال: ويفعل ذلك سبعة أشواط: يبدأ في أولها بالصفا، ويختم آخرها بالمروة، ويسعى في بطن الوادي في كلّ شوط. وقال الطحاوي: يبتدأ في كل شوط بالصفا، ويختم بالصفا. وهذا ليس بصحيحٍ؛ لِمَا روي أنّ النبي ﷺ طاف بينهما سبعة أشواط، فلو كان على ما قال الطحاوي، لكان أربعة عشر شوطًا؛ ولأنّ محمدًا قال في الكتاب: يُبتدَأ بالصفا، ويُخْتَم بالمروة، وعلى قول الطحاوي: يُبتدَأ بالصفا ويُختَم بالصفا (٣).

стр. 1101

٩٣٧ - فَصْل: [التَّحَلُّلُ من العُمْرَةِ] قال: فإن كان مُحْرِمًا بعمرةٍ لم يسق الهدي، أحَلَّ بالحلق أو التقصير، والحلق أفضل؛ وذلك لأنّ العمرة هي الطواف والسعي، وقد فعلهما، فلم يبق عليه شيءٌ من أفعالها، فجاز له التحلل. وقد قال أصحابنا: إنّ التحلل بالحلق أو التقصير واجبٌ. وقال الشافعي: يقعُ التحلل من الحجّ بالرمي، ومن العمرة بالسَّعي (١). لنا: أنّ الله تعالى عبَّر عن الإحرام بالحلق، فقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وما عبَّر به عن العبادة فهو مقصودٌ فيها؛ ولأنّها عبادةٌ تشتمل على أفعالٍ مختلفةٍ، فكان الخروج منها [يقع] بما يُنافيها في موضوع الشرع كالصلاة. والحلق أفضل من التقصير؛ لأنّه ﷺ دعا للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرَّةً (٢)؛ ولأنّ الحلق يأتي على التقصير، والتقصير لا يأتي على الحلق. قال: وإن كان مُحْرِمًا وقد ساق الهدي، أقام حرامًا، ولم يقصّر، ولم يحلق للعمرة، لِمَا روي عن أنسٍ (أنّ النبي ﷺ لما قدم مكة، أمرهم أن يَحلقوا إلا من كان معه الهدي) (٣)، وفي حديث أسماء: أنّ النبي ﷺ قال: "من كان معه هدي، فليقم على إحرامه، ومن لم يكن معه هدي، فليحلق" (٤)، ورُوِي أنه قال:

стр. 1102

"لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سُقتُ [الهدي]، ولجعلتها عمرة، ولحللت كما حللوا" (١). فأخبر أنّ المانع من إحلاله سوقه الهدي. ٩٣٨ - فَصْل: [ما يفعل المُحْرِم مُفْرِدًا] وإن كان مُحْرِمًا بحجّ مفردٍ، فعل مثل ذلك في استقبال البيت والطواف والسعي، وأقام على إحرامه؛ وذلك لأنّ واجبات الحج باقيةٌ، فلا يجوز له التحلّل إلى يوم النحر. قال]: إن كان جمع بينهما، فإنّه يبدأ بالطواف والسعي للعمرة، ثم يطوف ويسعى للحج كما وصفت لك. وهذا صحيحٌ؛ لأن القارن يجب عليه عندنا طوافان وسعيان، لا ينوب أحدهما عن الآخر. وقال الشافعي: يطوف طوافًا واحدًا، ويسعى سعيًا واحدًا (٢). لنا: ما روي في حديث عليٍّ (٣)، وابن مسعود (٤)، وعمران بن الحصين (٥): أنّ النبي ﷺ قرن بين الحج والعمرة، وطاف لهما طوافين، وسعى سعيين. وهذا يدلّ على تعلّق الطوافين بالسَّبَبِ الذي هو القرآن؛ ولأنّه محرمٌ بالحجّ والعمرة، فوجب أن يلزمه لكلّ واحدٍ منهما طوافٌ وسعيٌ مفرد كالمتمع الذي

стр. 1103

ساق الهدي؛ ولأنّ كلّ ما أسقط فرض الحج والعمرة، كان الركن فيه طوافين، أصله الإفراد. ٩٣٩ - فَصْل: [صفة المُفْرِد بعد الطَّوَافِ والسَّعْيِ] [قال]: ويقيمُ حرامًا لا يحلق ولا يقصر؛ وذلك لأنه مُحْرِمٌ بالحجّ، فلا يجوز له التَّحَلُّلُ قبل الفراغ من أفعاله. [قال]: فإذا كان يوم التروية خرج الحاج والقارن إلى منى بعد الزوال، فصَلّى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر؛ لما روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "جاء جبريل إلى إبراهيم يوم التروية، فخرج به إلى منى، فصلى به الظهر والعصر والمغرب والعشاء [الآخرة] والفجر، ثم عَدل به إلى عرفات" (١). وعن جابرٍ (أنّ النبي ﷺ ولما كان يوم التروية توجَّه إلى منى، فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، ثم سار إلى عرفة) (٢). ٩٤٠ - فَصْل: [إحرام المتمع] وإن كان محرمًا بعمرةٍ ساق الهدي أو لم يسق، فأحرم بحجَّةٍ وهو متوجهٌ إلى منى، فإن شاء أحرم قبل ذلك، لما روي (أنّ النبي ﷺ أمر أصحابه بفسخ

стр. 1104

الحج، وأمرهم يوم التروية فأهلوا بالحج) (١). و [قد] قال أصحابنا: إنّ المتمتع كلما قدَّمَ إحرامَ الحج فهو أفضل. وقال الشافعي: الأفضل أن يحرم يوم التروية (٢). لنا قوله ﷺ : "من أراد الحج، فليتعجّل" (٣)؛ ولأنه يصير كائنًا في العبادة من غير نهي، فهو أفضل، ولأنه أشقّ، [فكان التلبّس به أولى]. والذي روي عن النبي ﷺ (من التأخير، فقد اختلفوا في ذلك) (٤)؛ ولأنه اختار لهم في ذلك العام الأيسر، ولم يختر الأفضل، ولهذا أمرهم بفسخ الحج. ٩٤١ - فَصْل: [تقديم سعي الحج على وقته] قال: ولا يطوف بالبيت، وهذا قول أبي حنيفة، وهو قول محمد أنّه يؤخّر طواف الحجّ والسعي إلى يوم النحر. قال ابن شجاع: أخبرني أصحابنا عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه كان يقول: إذا أحرم من مكة أخَّر الطواف إلى يوم النحر. قال هشام عن محمد: فإن طاف الآن وسعى فلا بأس. قال الشيخ رحمه الله تعالى: وجملة هذا: أنّ من دخل مكة مُحْرِمًا بالحج،

стр. 1105

طاف طواف القدوم، وجاز له أن يسعى بعده، وهذا السعي هو الواجب في الحج، وموضوعه عقيب طواف الزيارة؛ لأنه هو الركن، فيتبعه السعي الواجب. فأمَّا طواف القدوم، فهو سُنَّةٌ، والسنن لا يتبعها ما هو واجبٌ، إلا أنّه رُخّص له في تقديم السعي على وقته، وفعله عقيب طواف القدوم تخفيفًا عنه، ألا ترى أنّه في يوم النحر قد أفاض من مزدلفة وتشاغل بالرمي والذبح والحلق، ثم يأتي مكة للطواف، ويعود إلى منى ليبيت بها، فيكثر عليه العمل في هذا اليوم، فجاز تقديم السعي ليخفِّف عليه بعض عمل يوم النحر. فإذا كان متمتعًا، فليس عليه طواف القدوم، فلم يجز له أن يسعى، وكان عليه فعل السعي [في] مكانه. وجه رواية هشام: أنّه رُخِّص له في السعي عقيب طواف القدوم، وهو طوافٌ مسنونٌ، فإن طاف طواف نافلةٍ وقدَّم السعي عقيبهُ جاز، وإن أخَّره [حتى] (١) يأتي به في وقته [فهو] أولى. قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وقد روى الحسن بن زياد غير هذا، وهو أحبّ إليَّ. وهذه الرواية إنما عنى بها ما روى ابن شجاع عن الحسن: أنه إذا أحرم يوم التروية طاف وسعى قبل أن يروح إلى منى، إلّا أن يكون أهل بعد الزوال يوم التروية. وقال الحسن في سياق روايته عن أبي حنيفة في كتاب المناسك: وإن شئت

стр. 1106

أن تحرم بالحجّ يوم التروية أو قبل يوم التروية، ثم تطوف للحجّ وتسعى قبل أن تأتي منى، فعلت، وهو عندنا أفضل. والوجه في ذلك: أنّه إنّما جُوَّز له تقديم السعي للتخفيف في يوم النحر، وذلك يستوي فيه المتمتع والمفرد؛ لأنه يأتي بطوافٍ ليس بواجبٍ، ويرتّب عليه السعي الواجب في الوجهين. والذي فرّق الحسن بين ما قبل الزوال وبعده؛ فلأنه بعد الزوال يستحقّ عليه الرواح إلى منى، فلا يتشاغل عنه بفعل ما ليس بموضوعٍ في ذلك الوقت، وما قبل الزوال لا يلزمه الخروج، فهو كما قبله من الأيام. ٩٤٢ - فَصْل: [عمل العمرة بمكة] قال: وليس للعُمرة عملٌ بمنى، ولا بمزدلفة، ولا بعرفة، وإنما عملها الطواف والسعي خاصّةً، وذلك إنما يكون بمكّة، فلا يبقى عليه بعدها عملٌ، وإنما يبقى إحرامها إذا ساق الهدي خاصّةً؛ لأنه لا يقدر أن يتحلّل لأجل إحرام الحجّ. ٩٤٣ - فَصْل: [ما تختلف فيه المرأة عن الرجل في الحج] قال: والرجل والمرأة في ذلك سواءٌ، إلا في أربعة أشياء: ليس على النساء رَمَلٌ، ولا سعيٌ في بطن الوادي، ولا حلقٌ، ويقصِّرنَ من أطراف شعورهنَّ، ويغطين رؤوسهن، وإنما إحرامهن في وجوههن دون سائر أبدانهن، ويلبسن ما شئن [من الثياب]، إلا ثوبًا مطيبًّا. وذلك لأنّ حكم الرجل والمرأة في الشرع سواءٌ، إلا ما خصَّه الدليل، ألا

стр. 1107

ترى أنّ أمّ سلمة لما سألت النبي ﷺ عن غسل الجنابة، بيّن لها حكم نفسه، فقال: "أما أنا … " (١) فدلَّ على تساويهما. فأمَّا الرمل والسعي؛ فلأنه وضع لإظهار الجَلَد، والمرأة ليست من أهل القتال، فلم يوضع في حقّها؛ ولأنها إذا هرولت لم يؤمن أن ينكشف شيءٌ من بدنها، وهي مأمورةٌ بفعل العبادات على أستر ما يكون لها. فأما الحَلْق؛ فلما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس على النساء حلقٌ" (٢)، ولأنّ الحلق فيهنّ مُثلةٌ، وقد نهى رسول الله ﷺ عن المُثلة (٣)، وأمّا التقصير، فقد ساوين الرجال [فيه]، فثبت في حقهنَّ. وأمّا تغطية رؤوسهنّ؛ فلأنه عورةٌ، والإحرام لا يُبيح كشف العورة، وقد روي عن النبي ﷺ أنّه قال: "إحرام المرأة في وجهها" (٤)، وروي عن عائشة أنها قالت: (كنا إذا أحرمنا مع رسول الله ﷺ كشفنا وجوهنا، فإذا استقبلنا ركبًا، أسْدلنا خُمرنا وجافيناها عن وجوهنا) (٥).

стр. 1108

وأمّا لبس المخيط؛ فلأنّ بدنها عورةٌ، والستر بما ليس بمخيطٍ لا يُؤمن مع الكشف. و [قد] قال أصحابنا: إنها لا تستلم الحجر إذا كان عنده جمعٌ؛ لأنها ممنوعةٌ من مماسّة الرجال (١). ٩٤٤ - فَصْل: [الدَّفْعُ مِن مِنًى إِلَى عَرَفَات] قال: وإذا صلى الفجر يوم عرفة، خرج إلى عرفات بعد طلوع الشمس، فإن دفع قبل ذلك بعد الصلاة، جاز، والاختيار الأول؛ وذلك لما بيَّنا أنّ النبي ﷺ خرج إليها بعد طلوع الشمس، فإن خرج قبل الطلوع، فلم يبق عليه شيءٌ يفعله [بمنى]، فيجوز ذلك. قال: فيأتي عرفة، فيقيم بها، فإذا زالت الشمس، اغتسل إن أحبَّ، وهو أفضل، وليس بواجبٍ، ويصلي مع الإمام الظهر والعصر في وقت الظهر، ويخطب الإمام قبل الصلاتين بعد الزوال خطبتين، قائمًا يجلس بينهما جلسةً خفيفة؛ لِمَا روي عن النبي ﷺ (أنّه خرج إلى عرفات، فخطب بها، وصلى الظهر والعصر في وقت الظهر، وراح إلى الموقف) (٢). وروي أنّ عبد الملك بن مروان كتب إلى الحَجَّاج: لا تخالف عبد الله بن عمر في شيءٍ من أفعال الحج، فلما زالت الشمس، جاء ابن عمر إلي سرادقه، فقال: أين هذا؟ فخرج إليه الحجاج، فقال: (إن أردت السُنَّة فالساعة، فقال الحجاج: انتظرني أغتسل، فانتظره، فخرج معه إلى الموقف) (٣).

стр. 1109

وإنما قدَّم الخطبة على الصلاة؛ لأنّ النبي ﷺ قدَّمها؛ ولأنهم بعد الصلاة يتشاغلون بالرواح، فلا يستمعون الخطبة، والمقصود من هذه الخطبة تعليم المناسك، فوجب أن يقدِّمها؛ ولأنه يُبيِّن لهم فيها كيفية الجمع بين الصلاتين، فلا بدّ من تقديمها على الصلاة. ويخطب قائمًا؛ لأنّ المقصود تبليغ الناس، ويجلسُ بين الخطبتين؛ لأنّ ذلك هو السُّنة في الخطبة التي تتعلّق بالصلاة. ويؤذّن المؤذنون إذا صعد الإمام المنبر قبل أن يخطب. وقال أبو يوسف: يؤذّنون بعد الزوال قبل خروج الإمام، وهذا قوله الأول. وجه قولهما: أنّ هذه الخطبة لمّا تقدَّمت على الصلاة، كان الأذان إذا صعد الإمام المنبر كخطبة الجمعة. وجه قول أبي يوسف: أنّ المفعول الظهر والعصر، فيؤذن قبل خروج الإمام كسائر الصلوات. وإنّما جمع بين الصلاتين؛ لأنّ النبي ﷺ يجمع بينهما، ولم يتنفّل بينهما (١) ولا بعدهما، ولأنه يتشاغل بالوقوف، فقدِّمت الصلاة لأجل الوقوف، كما تقدم الفجر يوم [النحر] (٢) لأجل الوقوف بمزدلفة. ويجمع بينهما بأذانٍ وإقامتين، يؤذّن ويقيم للظهر، ثمّ يقيم للعصر؛ وذلك لما روى جابر (أنّ النبي ﷺ جمع بينهما بإقامتين) (٣)؛ ولأنّ العصر مقدَّمةٌ على

стр. 1110

وقتها، فلا بدّ من إعادة الإقامة ليكون إمارةً لتقديمها. ٩٤٥ - فَصْل: [الجَمْعُ بين الظَّهْرِ والعَصْرِ فِي عَرَفَةَ] قال أبو حنيفة: لا يجوز الجمع بين الصلاتين إلا بإمامٍ، فإن صلى الرجل وحده، صَلّى كلّ واحدةٍ منهما (١) في وقتها، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يقف الجمع على الإمام. وجه قوله: أنّ الجمع يسقط به فرض وقت العصر، وإسقاط فروض الصلاة يقف على الإمام، كصلاة الجمعة؛ ولأنّ الجَمع بينهما لا يجوز أن يكون للسفر؛ لأنّ أهل مكة يجمعون، ولا يجوز أن يكون للإحرام؛ لأنّه لا يبيح ما كان مُحَرَّمًا، وإنما يحرّم ما كان مباحًا، ولا يجوز أن يكون لاتصال الوقوف؛ لأنّ فعل الصلاة لا يقطع الوقوف، فلم يبق إلا أن يكون للإمام. وجه قولهما: أنّ المفعول ظهرٌ وعصرٌ، وذلك لا يقف على الإمام كسائر الأيام. ٩٤٦ - فَصْل: [الجمع لمن أحرم بعد الزوال] وإذا ثبت من أصل أبي حنيفة: أنّ الجَمْع لا يجوز إلا مع الإمام ومع الإحرام، فقد روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: أنّ من أحرم بعد الزوال، لم يجز له الجمع، وروي عنه: أنّه إذا كان مُحْرِمًا قبل العصر أجزأه، وهو قول أبي يوسف ومحمد. وجه الرواية الأولى: أنّ سبب الجمع زوال الشمس، ألا ترى [أن الجمع]

стр. 1111

إنّما يجوز بعده، فإذا حصل وليس بمحرمٍ، فلا يثبت له حكم الجمع، فلم يجز له وإن أحرم. وجه الرواية الأخرى: أنّ الظهر لا يقف فعلها في وقتها على شرط الإحرام، وإنما يحتاج إلى ذلك لتقديم العصر، فإذا أحرم قبل العصر جاز. وقد روي عن محمدٍ عن أبي حنيفة: أنّه إن كان حين صلى الظهر مع الإمام مُحْرِمًا بعمرةٍ، ثم أحرم بالحجّ قبل العصر، لم يجزئه إلا أن يصلي الصلاتين جميعًا وهو مُهِلٌّ بالحجّ، وهذا صحيحٌ على الرواية الأولى؛ لأنّ إحرام العمرة لا تأثير له في جواز الجمع، فوجوده وعدمه سواءٌ. ٩٤٧ - فَصْل: [الجمع إذا صلّى الحاج وحده] قال أبو حنيفة ﵀: إذا صَلّى الظهر وحده، لم يجز أن يصلي العصر مع الإمام، وقال زفر: يجوز. وجه قول أبي حنيفة: أنّ الجَمْع لم يُنقل في الشرع إلا مع الإمام، فلا يجوز فعله على وجهٍ لم يثبت في الشرع؛ ولأنّ العصر إنما يجوز تَبَعًا للظهر، فما شُرط في العصر وهو التَبع، فلأن يُشرط في متبوعها أولى. وجه قول زفر: أنّ الإمام إنّما يُحتاج إليه لإسقاط الفرض، والظهر مفعولةٌ في وقتها، وإنّما يحتاج إلى الإمام في إسقاط فرض [وقت] العصر، فإذا فعلها معه، جاز. ٩٤٨ - فَصْل: [التَّطَوُّعُ بين الصَّلَاتَيْن] قال: ولا يتطوّع أحدٌ بينهما إمامٌ ولا مأمومٌ، وإن تطوّع الإمام فقد فعل

стр. 1112

مكروهًا، ويعيد الأذان للعصر، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف. وقال ابن سماعة عن محمد: لا يُعيد الأذان، وتجزئه الإقامة. وكذلك إذا قطع بين الصلاتين لعِلَّةٍ أو حاجةٍ؛ وذلك لأنّ النبي ﷺ صلاهما ولم يتنفّل؛ ولأنّ فرض وقت العصر يسقط ليُستدرك فضيلة الوقوف التي لا تُدرك إلا في هذا اليوم، فلأن يسقط النفل أولى، فإذا تنفّل فقد قطع الصلاة الثانية عن الإعلام الأول، فاحتاجت إلى إعادة الإعلام. فأمَّا محمدٌ فعنده: أنّ كلّ صلاتين جمعهما وقتٌ واحدٌ، اقتُصر لهما على أذانٍ واحدٍ كالفوائت وإن تنفّل بينهما؛ [فلذلك] (١) [قال]: لا يعيد الأذان. ٩٤٩ - فَصْل: [صِفَةُ الخُطْبَةِ] وقال في صفة الخُطبة: إنّ الإمام يحمد الله تعالى ويُثني عليه، ويهلّل ويكبّر، ويعظ الناس، ويأمرهم بما يحقّ عليهم (٢)، وينهاهم عمّا نهاهم الله عنه، ويخبر الناس بمعالم حجِّهم ومناسكهم، ثم يدعو الله بحاجته، ثم ينزل؛ وذلك لأنّ الخطبة موضوعةٌ لتعظيم الله وذِكْره، وللوعظ والتعليم، وهذه الخطبة يحتاج إليها إلى تعليم الوقوف والإفاضة من عرفة، والوقوف بمزدلفة، فوجب أن يستوفي ذلك. ٩٥٠ - فَصْل: [الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ] [قال]: وإذا فرغ الإمام من الصلاة راح إلى الموقف، وراح الناس معه في

стр. 1113

عقب انصرافهم من الصلاة؛ وذلك لأنّ النبي ﷺ راح إليها عقيب الصلاة؛ ولأنّه قدَّم العصر ليستوفي الوقوف، فلا معنى للتأخير بعد الصلاة. [قال]: وإذا وقف بها، فأفضل ذلك أن يقف بها راكبًا، ويدعو الناسُ بما أحبوا، وتُرفع الأيدي بسطًا يستقبل الداعي بيده ووجهه القبلة (١). وإنّما كان الأفضل للإمام أن يقف راكبًا؛ (لأنّ النبي ﷺ وقف [راكبًا] على ناقته) (٢)، ولأنّ الإمام يدعو ويدعو الناس بدعائه، فإذا كان على ناقته، فهو أبلغ في مشاهدتهم له. وقد روى عكرمة عن ابن عباس قال: (رأيت رسول الله ﷺ يدعو بعرفات، وقد جعل يديه في نحره، كاستطعام المسكين) (٣). وروى عليٌّ: أنّ النبي ﷺ قال: "إن أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي عشيَّة عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل لي في قلبي نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، اللهم اشرح لي صدري، ويسِّر لي أمري، وأعوذ بك من وساوس الصدر، وشتات الأمر، وفتنة القبر، اللهم إني أعوذ بك من شرِّ ما يلج في الليل، [وشر ما يلج في النهار]، وشر ما تهبُّ به الريح" (٤).

стр. 1114

وإنما لم يوقِّت أصحابنا الدعاء [في ذلك]؛ لأنّ الإنسان يدعو بما شاء. ٩٥١ - فَصْل: [التَّلْبِيَةُ في المَوْقِفِ] قال: ويُلبِّي في موقفه ذلك ساعةً بعد ساعةٍ، لا خلاف بين أصحابنا في ذلك، ولا ينبغي أن يقطع التلبية حتى يرمي جمرةَ العقبة. وهذا صحيحٌ، لا يقطع عندنا الحاجّ والقارن التلبية حتى يرمي جمرة العقبة. وقال مالك: إذا وقف بعرفة، قطع [التلبية] (١). والدليل عليه ما روي عن الحسين: أنّه حجَّ فلبَّى حتى رَمى جمرة العقبة، فقال: حججتُ مع أبي فلبَّى حتى رمى جمرة العقبة، وأخبرني: (أنّه حجّ مع رسول الله ﷺ فلبَّى حتى رمى جمرة العقبة) (٢). وعن ابن مسعود: (أنه لبّى عشية عرفة، فقيل له: ليس هذا موضع التلبية، فقال: أَجَهِلَ الناسُ، أم نَسُوا؟ فو الذي بعث محمدًا بالحق، لقد خرجتُ (٣) مع رسول الله ﷺ ، فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة، إلا أن يخلطها بتكبيرٍ وتهليلٍ) (٤). ولأنّ هذا الذكر يفعل في افتتاح [العبادة] (٥)، ويتكرر في أثنائها، فكان القياس أن يفعل في آخرها كالتكبير في الصلاة.

стр. 1115

وإنّما تركوا القياس فيما بعد الرمي بالإجماع، فما سواه على أصله، وقد قال أبو الحسن: إنه يقطع التلبية مع أوّل حصاةٍ في الحجّ الفاسد؛ لأنّ أعماله أعمال الصحيح، فتساويا. قال محمدٌ في إملاء الكيساني (١): والقارن مثله؛ لأنّه مُحْرِمٌ بالحجّ فهو كالمفرد، فأمَّا المحرم بالعمرة المفردة، فيقطع التلبية إذا استلم الحجر حين يأخذ في طواف العمرة. وقال مالك: إذا رأى البيت [قطع تلبيته]. لنا: أنّ قطع التلبية يتعلّق بفعلٍ [هو] نسكٌ كالحج، واستلام الحجر نسكٌ، ورؤية البيت ليس بنسكٍ، ولأنّ الطواف ركنٌ للعمرة، فهو كطواف الزيارة، فيقطع التلبية قبله. قال محمد: والذي يفوته الحجّ، يتحلّل بعمل عمرةٍ، ويقطع التلبية حين يأخذ في الطواف الذي يتحلّل به؛ لأنّ أفعال الحجّ لما سقطت عنه بقيت أفعال العمرة، كان عليه أن يفعل ما يفعله المعتمر. قال: والقارن إذا فاته الحج، قطع التلبية في الطواف الثاني [الذي] يتحلّل به من حجّته؛ لأنّ العمرة لم تفت، فيفعلها، كمن لم يفته الحجّ، فإذا فرغ منها فهو في الحجّ كالمعتمر، فيقطع التلبية [إذا أخذ في طوافه الثاني. قال: ويقطع المُحصَر التلبية إذا ذبح هديه؛ لأنّه قد أُبيح له التحلل، فيقطع التلبية] كما بعد الرمي. فإن حلق الحاجّ قبل أن يرمي جمرة العقبة، قطع التلبية؛ لأنّه [قد حلَّ] (٢)

стр. 1116

من الإحرام، والتلبية لا تثبت بعد التحلل، فإن زار البيت قبل أن يرمي [جمرة العقبة]، أو حلق أو ذبح، قطع التلبية في قول أبي حنيفة ومحمد، رواه هشام. وروى محمد عن أبي يوسف [أنه] قال: يُلبي ما لم يحلق أو تزول الشمس من يوم النحر. وجه قولهما: أنّه إذا طاف قبل الرمي والذبح، فقد تحلّل، بدلالة أنّه لو جامع لم يلزمه [بدنةٌ]، فصار التحلل بالطواف كالتحلل بالحلق. وجه قول أبي يوسف: أنّ إحرامه بحاله، بدليل أنه لا يجوز له الطيبُ واللبسُ، فصار كمن لم يطف (١)، وليس كذلك إذا حلق؛ لأنّه تحلّل من الإحرام، بدلالة إباحة الطيب واللبس. فأمّا إذا زالت الشمس؛ فلأنّ من أصل أبي يوسف، أنّ وقت الرمي للجمرة - جمرة العقبة -[يفوت] (٢) بالزوال، ويفعل بعده قضاءً، فصار فواتها كفعلها. و [قد] روى ابن سماعة عن محمد: أنّ من لم يَرْمِ قطع التلبية إذا غربت الشمس من يوم النحر، [وروى هشام عنه: أنّه يقطع التلبية إذا مضت أيام الرمي]، وقال أبو يوسف: حتى تزول الشمس، وذكر الحسن في أثر روايته عن أبي حنيفة: أنه يلبِّي حتى يرمي جمرة العقبة، إلَّا أن تغيب الشمس قبل أن يأتي منى، أو قبل أن يرمي، فإنه يقطع التلبية إذا كان كذلك. وهذا فرعٌ على أصل أبي حنيفة: أنّ [رمى] جمرة العقبة لا يفوت وقته إلا

стр. 1117

بغروب الشمس، فإذا فات وقتها، فكأنها سقطت بالفعل. وأمّا أبو يوسف فقال: إنه يفوت [وقتها] بزوال الشمس (١)، وأمَّا محمدٌ: فلم يعتبر في إحدى الروايتين فوات الوقت، وإنما اعتبر فوات القضاء، وفِعْل الرمي لا يسقط ما بقيت أيام الرمي، وإن كان يأتي به قضاء، فبقي حكم التلبية حتى يسقط وقت الفعل. فأمَّا إذا ذبح قبل أن يرمي، فقد ذكر أبو الحسن أنّ هشامًا روى عن أبي حنيفة ومحمدٍ: أنّه يقطع التلبية؛ لأنه تحلّل بالذبح، فهو كما لو تحلّل بالحَلق. وروى ابن سماعة عن محمدٍ: أنّه لا يقطع التلبية وإن ذبح ما لم يرم أو يحلق؛ لأنه لا يخرج من الإحرام بالذبح. قال الحسن عن أبي حنيفة: إنما يقطع التلبية بالذبح القارنُ والمتمتِّعُ، فأمَّا إذا ضحَّى المفرد، لم يقطع التلبية، وهذا صحيحٌ؛ لأنّ القارن والمتمتع ذبحهما يقع به التحلل، فهو كالحلق. فأمَّا المفرد، فتحلله لا يقف على ذبحه، فلا يقطع عنده التلبية. ٩٥٢ - فَصْل: [هَيْئَةُ الوُقُوْفِ بِعَرَفَات] قال: واستقبال القبلة في الموقفِ أفضل، وإن انحرف قليلًا لم يضره، ويقف متوضئًا، فإن وقف [على غير وضوءٍ، لم يضرّه، والغسل أفضل، فإن وقف جنبًا، أو وقف] وقد نسي الظهر والعصر، لم يضرّه.

стр. 1118

والأصل في استقبال القبلة (قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٤]) (١)، وقوله ﷺ : "خير المجالس، ما استقبل به القبلة" (٢)، [وروي جابرٌ قال: (ركب رسول الله ﷺ حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة]، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمسُ) (٣). فأمّا الغسل؛ فلأن النبي ﷺ اغتسل يوم عرفة (٤)؛ ولأنّ هذا يوم اجتماع الناس، فالأفضل فيه الغسل كالعيدين والجمعة. وإن اقتصر على الوضوء جاز؛ لأنّ الغسل إذا لم يفعل للحدث، قام الوضوء مقامه كغسل الجمعة. وأما قوله: وإن كان جنبًا لم يضرّه، يعني في الاعتداد بالوقوف؛ لأنّه عبادةٌ لا تتعلق بالبيت، فلا يشرط فيها الطهارة، كرمي الجمار. وأمَّا نسيان الظهر والعصر؛ فلأنّ الوقوف عبادةٌ لا تعلّق لها بالصلاة، ولا يترتب عليها، فلا يمنع نسيان الصلاة من صحَّتِها. * * *

стр. 1119

٩٥٣ - فَصْل: وكلّما قرب من إمامه في وقوفه، فهو أفضل؛ وذلك لأنّ الإمام يعلم الناس بعرفات المناسك، ويدعو، وكلما قرب منه كان أمكن من السماع. ٩٥٤ - فَصْل: [عرفة كلها موقف] قال: وعرفة كلها موقفٌ إلا بطن عُرَنَة (١)؛ لما روى عطاء عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "عرفة كلّها موقفٌ، وفجاج مكة كلها طريق ومنحر" (٢)، وروى هشام بن عروة، عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: "عرفة كلها موقف إلا بطن عُرَنَة" (٣)، وتخصيص العبادات بالأماكن إنما يعلم من طريق النصِّ (٤) والتوقيف. وقد روى ابن عمر وابن عباس: (أنّ النبي ﷺ لما أتى عرفة ضربت له قبةٌ بوادي نمرة، فوقف فيها) (٥). ولم يخصّ أصحابنا الوقوف بهذا الموضع؛ لأنه يحتمل أن يكون ﷺ إنما نزل به كما اتفق ذلك له.

стр. 1120

٩٥٥ - فَصْل: [وقت الدفع من عرفة] قال: فإذا غربت الشمس، دفع الإمام والناس معه، ولا يدفع أحدٌ قبل أن تغرب الشمس، إمامٌ ولا مأمومٌ (١)؛ لِمَا روي أنّه ﷺ خطب عشيَّةَ عرفة فقال: "أما بعد، فإن هذا يوم الحجّ الأكبر، وإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون في هذا اليوم قبل غروب الشمس حتى تَعْتَمَّ بها رؤوس الجبال، كأنها عمائم الرجال في وجوههم، وإنا ندفع فلا تعجلوا" فدفع بعد غروب الشمس، وروي أنه قال: "هدينا غير هديهم"، [فدفع بعد غروب الشمس] (٢). فإن خاف بعض القوم الزحام، أو كانت به عِلَّةٌ، فتقدَّم قبل الإمام قليلًا ما بينه وبين [بطن] عُرَنة، (ولم يجاوز حدّ عرفة) (٣)، فلا بأس، [وإن ثبت مكانه يدعو حتى يدفع الإمام، فهو أفضل]؛ لأنه إذا تقدّم ولم يتجاوز موضع الوقوف، دفع عن نفسه ضرر الزحمة، وكان في حكم الواقف، وإن تأخر مكانه فهو أفضل؛ لأنّه لا يكون أخذًا في الإفاضة قبل وقتها. و [قد] روي عن عائشة: أنها أقامت مكانها حتى أفاض الناس وابيضَّ ما بينها وبين الإمام، ودعت بشراب، فأفطرت ثم أفاضت (٤). * * *

стр. 1121

بَاب الوُقُوْفِ بِعَرَفَةَ قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: وقت الوقوف من حين تزول الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، فمن وقف بعرفة في شيءٍ من هذا الوقت، فقد أدركه (١)، وصحَّ حجُّهُ، ولا يلحق حجَّه بعد هذا فسادٌ بوجهٍ من الوجوه. قال الشيخ رحمه الله تعالى: [والأصل في هذا] أنّ رسول الله ﷺ وقف [بعرفة] بعد الزوال، وهذا بيانٌ لأوّل الوقت، وقال: "من أدرك عرفة بليلٍ، فقد أدرك الحجّ، ومن فاته عرفة بليلٍ فقد فاته الحج" (٢)، فدلّ على أنّ الوقت يبقى ببقاء الليل، فإن أدرك شيئًا من الوقت، فقد صحَّ الوقوف، فلا يلحقه [فسادٌ بعد ذلك، كما لا يلحقه] فواتٌ. قال: وكذلك إذا حصل [كائنًا] بعرفة في هذا الوقت كان عارفًا بها أو جاهلًا، فقد تمّ حجُّه، وجهالته بالموضع ومعرفته سواءٌ، وكذلك إن نوى الوقوف أو لم ينو؛ وذلك لِمَا رُوي في حديث عروة بن مضرّسٍ الطائي أنه قال للنبي ﷺ : إني أكللت راحلتي وأجهدت نفسي، وما تركت جبلًا من جبال طَيِّئ إلا وقفت

стр. 1122

عليه، فهل لي من حجٍّ، فقال ﷺ : "من صلى معنا هذه الصلاة، ووقف معنا هذا الموقف، وقد كان قبل ذلك أتى عرفة ساعةً من ليلٍ أو نهارٍ، فقد تمّ حجُّه وقضى تفثه" (١)، فدلّ على أنّ الوقوف يصحّ في الموضع، علم أو لم يعلم. قال: فإن وقف بعرفة في غير هذا الوقت، فوقوفه وغير وقوفه سواءٌ؛ لأنها عبادةٌ مؤقَّتةٌ، فإذا فعلها في غير وقتها لم يقع موقع المأمور به كسائر العبادات. ٩٥٦ - فَصْل [الوقوف في حال الاشتباه] [قال]: إلا أن يلتَبِس على الناس هلال ذي الحجّة، فيقفوا بعد أن أكملوا عدَّة ذي القعدة ثلاثين، ثم يتبيَّن أنّ ذلك اليوم كان يوم النحر، فوقوفهم صحيحٌ، وحجُّهم تامٌّ، وهذا استحسانٌ. والقياس: أن لا يصحّ؛ [لأنّ تأخير الوقوف عن وقته كتقديمه]، وكما لو اشتبه عليهم، فوقفوا يوم التروية، لم يجزهم، كذلك هذا في يوم النحر. وإنما استحسنوا؛ لقوله ﷺ : "حجّكم يوم تحجّون" (٢)، فجعل يوم (٣) الحجّ الوقت الذي تفعل الجماعة فيه الحجّ. وأمَّا إذا وقفوا يوم التروية لم يجزهم؛ لأنهم أدَّوا العبادة قبل وجوبها ووجود سبب وجوبها، لم يجزئ كمن صلى قبل الوقت باشتباهٍ.

стр. 1123

وقد قال محمد: إنه إذا شهد عند الإمام شاهدان في عشيَّة عرفة برؤية الهلال، فإن كان لا يلحق الوقوف في بقيَّة الليل مع عامة الناس، لم يعمل على الشهادة، ووقف من الغد بعد الزوال؛ وذلك لأنهم إذا شهدوا وقد تعذّر الوقوف على الجماعة، صار كأنهم شهدوا بعد الوقت (١). [قال]: وإن كان الإمام يلحق الوقوف قبل الفجر مع عامة الناس؛ إلا أنه لا يدرك ذلك ضَعفةُ الناس، فإن وقفَ جاز، وإن لم يقف [لم يجز]، وقد فاته الحجّ؛ لأنه ترك الوقوف في وقته مع العلم والقدرة، والمعتبر قدرة الأكثر، وليس المعتبر بالأقلّ. قال محمد: وإن اشتبه على الناس، فوقف الإمام والناس يوم النحر، وقد كان وقف يوم عرفة من رأى الهلال، لم يجزه وقوفه، وكان عليه أن يُعيد الوقوف مع الإمام؛ لأنّ يوم النحر صار يوم الحجّ في حقّ الجماعة، ووقت الوقوف لا يجوز أن يختلف، فلا يعتدّ بما فعله الواحد. [قال]: وكذلك إذا أخَّر الإمام الوقوف لمعنى يسوغ فيه الاجتهاد، لم يجز لمن وقفّ قبله، وهذا كالإمام يشهد عنده شاهدان بهلال ذي الحجّة، فردَّ شهادتهما؛ لأنه لا علَّةَ بالسماء، [فوقف بشهادتهما قومٌ قبل الإمام لم يجزهم]؛ لأنّ الإمام أخَّر [الوقوف] لسببٍ يجوز له العمل عليه في الشرع، فصار كالمؤخِّر بالاشتباه. * * *

стр. 1124

٩٥٧ - فَصْل: [الخروج من عرفة قبل الغروب] وقد قال مالك: إنّ من وقف بعرفة نهارًا ولم يقف جُزءًا من الليل، لم يجز حجُّه (١). وهذا خطأٌ؛ لقوله ﷺ : "من وقف معنا هذا الموقف، وقد كان وقف قبل ذلك بعرفة ساعةً من ليلٍ أو نهار، فقد تم حجُّه، وقضى تفثه"؛ ولأنّه نسكٌ، فلا يختصّ بالليل كسائر المناسك. والله أعلم (٢). * * *

стр. 1125

بَاب الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا غابت الشمس من يوم عرفة، دفع الإمام والناس معه، وقد بيَّنا هذا. قال: وينبغي للناس أن يدفعوا وعليهم السكينة [والوقار] حتى يأتوا المزدلفة؛ وذلك لما (روي أنّ النبيّ ﵇ لمّا أفاض من عرفة، أفاض وعليه السكينة والوقار، وأوضع في وادي مُحَسِّر) (١). وروي أنّه قال: "أيها الناس، ليس البِرُّ في إيجافِ الخيل، ولا في إيضاع الإبل، على هينتكم" (٢)؛ ولأنّه توجّهٌ إلى الصلاة، ألا ترى أنّهم [يسيرون] (٣) إلى مزدلفة ليصلّوا [بها] المغرب [والعشاء]، وقد قال ﷺ : "إذا أتيتم الصلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وعليكم السكينة والوقار" (٤). ٩٥٨ - فَصْل [الدفع من عرفة بعد الغروب] [قال]: وإن أبطأ الإمام بالدفع، وتبيَّن للناس الليل، دفعوا قبل الإمام؛ [وذلك] لأنّ وقت الدفع قد حصل، فإذا تأخّر الإمام، فقد ترك السُّنَّة، فلا
следующие страницы →