← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

بَاب الوُقُوْفِ بِعَرَفَةَ قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: وقت الوقوف من حين تزول الشمس من يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، فمن وقف بعرفة في شيءٍ من هذا الوقت، فقد أدركه (١)، وصحَّ حجُّهُ، ولا يلحق حجَّه بعد هذا فسادٌ بوجهٍ من الوجوه. قال الشيخ رحمه الله تعالى: [والأصل في هذا] أنّ رسول الله ﷺ وقف [بعرفة] بعد الزوال، وهذا بيانٌ لأوّل الوقت، وقال: "من أدرك عرفة بليلٍ، فقد أدرك الحجّ، ومن فاته عرفة بليلٍ فقد فاته الحج" (٢)، فدلّ على أنّ الوقت يبقى ببقاء الليل، فإن أدرك شيئًا من الوقت، فقد صحَّ الوقوف، فلا يلحقه [فسادٌ بعد ذلك، كما لا يلحقه] فواتٌ. قال: وكذلك إذا حصل [كائنًا] بعرفة في هذا الوقت كان عارفًا بها أو جاهلًا، فقد تمّ حجُّه، وجهالته بالموضع ومعرفته سواءٌ، وكذلك إن نوى الوقوف أو لم ينو؛ وذلك لِمَا رُوي في حديث عروة بن مضرّسٍ الطائي أنه قال للنبي ﷺ : إني أكللت راحلتي وأجهدت نفسي، وما تركت جبلًا من جبال طَيِّئ إلا وقفت

стр. 1122

عليه، فهل لي من حجٍّ، فقال ﷺ : "من صلى معنا هذه الصلاة، ووقف معنا هذا الموقف، وقد كان قبل ذلك أتى عرفة ساعةً من ليلٍ أو نهارٍ، فقد تمّ حجُّه وقضى تفثه" (١)، فدلّ على أنّ الوقوف يصحّ في الموضع، علم أو لم يعلم. قال: فإن وقف بعرفة في غير هذا الوقت، فوقوفه وغير وقوفه سواءٌ؛ لأنها عبادةٌ مؤقَّتةٌ، فإذا فعلها في غير وقتها لم يقع موقع المأمور به كسائر العبادات. ٩٥٦ - فَصْل [الوقوف في حال الاشتباه] [قال]: إلا أن يلتَبِس على الناس هلال ذي الحجّة، فيقفوا بعد أن أكملوا عدَّة ذي القعدة ثلاثين، ثم يتبيَّن أنّ ذلك اليوم كان يوم النحر، فوقوفهم صحيحٌ، وحجُّهم تامٌّ، وهذا استحسانٌ. والقياس: أن لا يصحّ؛ [لأنّ تأخير الوقوف عن وقته كتقديمه]، وكما لو اشتبه عليهم، فوقفوا يوم التروية، لم يجزهم، كذلك هذا في يوم النحر. وإنما استحسنوا؛ لقوله ﷺ : "حجّكم يوم تحجّون" (٢)، فجعل يوم (٣) الحجّ الوقت الذي تفعل الجماعة فيه الحجّ. وأمَّا إذا وقفوا يوم التروية لم يجزهم؛ لأنهم أدَّوا العبادة قبل وجوبها ووجود سبب وجوبها، لم يجزئ كمن صلى قبل الوقت باشتباهٍ.

стр. 1123

وقد قال محمد: إنه إذا شهد عند الإمام شاهدان في عشيَّة عرفة برؤية الهلال، فإن كان لا يلحق الوقوف في بقيَّة الليل مع عامة الناس، لم يعمل على الشهادة، ووقف من الغد بعد الزوال؛ وذلك لأنهم إذا شهدوا وقد تعذّر الوقوف على الجماعة، صار كأنهم شهدوا بعد الوقت (١). [قال]: وإن كان الإمام يلحق الوقوف قبل الفجر مع عامة الناس؛ إلا أنه لا يدرك ذلك ضَعفةُ الناس، فإن وقفَ جاز، وإن لم يقف [لم يجز]، وقد فاته الحجّ؛ لأنه ترك الوقوف في وقته مع العلم والقدرة، والمعتبر قدرة الأكثر، وليس المعتبر بالأقلّ. قال محمد: وإن اشتبه على الناس، فوقف الإمام والناس يوم النحر، وقد كان وقف يوم عرفة من رأى الهلال، لم يجزه وقوفه، وكان عليه أن يُعيد الوقوف مع الإمام؛ لأنّ يوم النحر صار يوم الحجّ في حقّ الجماعة، ووقت الوقوف لا يجوز أن يختلف، فلا يعتدّ بما فعله الواحد. [قال]: وكذلك إذا أخَّر الإمام الوقوف لمعنى يسوغ فيه الاجتهاد، لم يجز لمن وقفّ قبله، وهذا كالإمام يشهد عنده شاهدان بهلال ذي الحجّة، فردَّ شهادتهما؛ لأنه لا علَّةَ بالسماء، [فوقف بشهادتهما قومٌ قبل الإمام لم يجزهم]؛ لأنّ الإمام أخَّر [الوقوف] لسببٍ يجوز له العمل عليه في الشرع، فصار كالمؤخِّر بالاشتباه. * * *

стр. 1124

٩٥٧ - فَصْل: [الخروج من عرفة قبل الغروب] وقد قال مالك: إنّ من وقف بعرفة نهارًا ولم يقف جُزءًا من الليل، لم يجز حجُّه (١). وهذا خطأٌ؛ لقوله ﷺ : "من وقف معنا هذا الموقف، وقد كان وقف قبل ذلك بعرفة ساعةً من ليلٍ أو نهار، فقد تم حجُّه، وقضى تفثه"؛ ولأنّه نسكٌ، فلا يختصّ بالليل كسائر المناسك. والله أعلم (٢). * * *

стр. 1125

بَاب الدَّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا غابت الشمس من يوم عرفة، دفع الإمام والناس معه، وقد بيَّنا هذا. قال: وينبغي للناس أن يدفعوا وعليهم السكينة [والوقار] حتى يأتوا المزدلفة؛ وذلك لما (روي أنّ النبيّ ﵇ لمّا أفاض من عرفة، أفاض وعليه السكينة والوقار، وأوضع في وادي مُحَسِّر) (١). وروي أنّه قال: "أيها الناس، ليس البِرُّ في إيجافِ الخيل، ولا في إيضاع الإبل، على هينتكم" (٢)؛ ولأنّه توجّهٌ إلى الصلاة، ألا ترى أنّهم [يسيرون] (٣) إلى مزدلفة ليصلّوا [بها] المغرب [والعشاء]، وقد قال ﷺ : "إذا أتيتم الصلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وعليكم السكينة والوقار" (٤). ٩٥٨ - فَصْل [الدفع من عرفة بعد الغروب] [قال]: وإن أبطأ الإمام بالدفع، وتبيَّن للناس الليل، دفعوا قبل الإمام؛ [وذلك] لأنّ وقت الدفع قد حصل، فإذا تأخّر الإمام، فقد ترك السُّنَّة، فلا

стр. 1126

يجوز للناس تركها. ٩٥٩ - فَصْل: [الدفع من عرفة قبل غروب الشمس] قال: فإن دفع أحدٌ قبل الإمام وقبل غروب الشمس، فمضى حتى جاء مزدلفة قبل أن يدفع الإمام، فعليه دمٌ. وقال الشافعي: لا شيء عليه (١). لنا (٢): أنّ الوقوف في جزءٍ من الليل واجبٌ؛ بدلالة أنّ رسول الله ﷺ وقف حتى دخل الليل، وفِعْله بيانٌ؛ ولأنّه قال: "من أدرك عرفة بليلٍ فقد أدرك الحجّ" (٣)، وإذا كان الوقوف بالليل واجبًا، فإذا تركه فعليه دمٌ كسائر الواجبات. فإن عاد إلى عرفة قبل أن يدفع الإمام، فقد استدرك المتروك من جنسه، فيسقط عنه الدم، وإن عاد بعد ما خرج الإمام من عرفة، فقد ذكر ابن شجاع عن أبي حنيفة: أنّ الدم يسقط عنه أيضًا، وهو الصحيح؛ لأنّه استدرك المتروك. [وعلى رواية الأصل: لا يسقط؛ لأنّ المتروك سببه الدفع مع الإمام، ولم يستدرك ذلك]. ٩٦٠ - فَصْل: [النزول بمزدلفة] [قال]: وإذا جاء الإمام المزدلفة، وهي المَشْعَر الحرام، وهي التي إذا

стр. 1127

أفضت من مأزمي (١) عرفة إلى بطن مُحَسِّر، فانزل حيث شئت عن يمين الطريق ويساره، ولا تنزل على جادة الطريق فتؤذي الناس؛ وذلك لقوله ﷺ : "مزدلفة كلّها موقفٌ، وارتفعوا عن مُحَسِّر" (٢). فأما النزول على الطريق، فهو ممنوعٌ منه بالمزدلفة وغيرها؛ لأنّه يقطع الناس عن الاجتياز. قال: ثم يؤذّن المؤذِّن ويقيم، فيصلي الإمام المغرب بجماعة الناس، ثم يتبعها العشاء بأذانٍ واحدٍ وإقامةٍ واحدةٍ، وقال الشافعي: بإقامةٍ إقامةٍ، وقال زفر بأذان وإقامتين. لنا: ما روى عمر وخزيمة بن ثابت: (أنّ النبي ﷺ للصلاهما بأذانٍ وإقامةٍ) (٣)، ولأنهما صلاتان جمعهما وقتٌ واحدٌ، والثانية مفعولةٌ في وقتها كالعشاء والوتر. وجه قول زفر: ما رُوي (أنّ النبي ﷺ صلاهما بإقامتين) (٤)، وهذا يحتمل أن يكون بأذانٍ وإقامةٍ، فسمَّى الأذان إقامةً، كما سمَّى النبي ﷺ الإقامة أذانًا بقوله: "بين كلّ أذانين صلاةٌ" (٥).

стр. 1128

[قال]: ولا يتطوّع بينهما؛ [وذلك] لأنّ النبي ﷺ لم يتطوّع [بينهما]؛ ولأنّ التشاغل بالفرض أولى من التشاغل بالتطوع. فإن تطوع بينهما، أو تشاغل بشيءٍ، أعاد الإقامة؛ لأنّ الصلاة الثانية انقطعت عن الإعلام الأول، فوجب أن يعيد الإعلام. [قال]: ومن صلى المغرب والعشاء وحده أجزأه، والسنة أن يصلي مع الإمام؛ وذلك لأنّه لا يُسقط بالصلاة مع الإمام فرضًا من فروضها، فإذا صلاهما وحده جاز كسائر الصلوات، والأفضل أن يصليهما مع الإمام؛ لأنّ الجماعة أولى من الفرادي. ٩٦١ - فَصْل [الوقوف بمزدلفة] [قال]: فإذا أصبح، صَلّى الإمام الفجر من يوم النحر بغَلَسٍ، ووقف الناس، ودفعوا وراءه ومعه، وإن استطاعوا أن يكون موقفهم على الجبل الذي عليه الميقَدةُ، وهو الجبل الذي يقال له: قُزَح، فليفعلوا، ويدعو الله، ويرفع يديه، ويستقبل بهما وجهه بسطًا. وإنما قدَّم الإمام الفجرَ في أول وقتها بغَلَسٍ (١)؛ لحديث ابن مسعود قال: (ما صَلّى رسول الله ﷺ صلاةً لغير ميقاتها إلا صلاة [العصر] بعرفة، وصلاة [المغرب] (٢) بجمع، وصلاة الفجر يومئذٍ، فإنّه صلاها قبل ميقاتها بغَلَسٍ) (٣). ولأنه إذا قدَّم الصلاة، استدرك فضيلة الوقوف، وذلك لا يُستدرك في غير

стр. 1129

هذا اليوم، فكان أفضل من فضيلة الإسفار التي تُستدرك في كلّ يومٍ. فأمّا الوقوف بعد الصلاة، فهو واجبٌ عندنا، وليس بركنٍ، وقال الليث (١): هو ركنٌ. والدليل على وجوبه؛ قوله ﷺ : "من وقف معنا هذا الموقف، وصلى معنا هذه الصلاة، وقد كان وقف قبل ذلك بعرفة، فقد تم حجُّه" (٢)، فعلَّق تمام الحج بالوقوف بالمزدلفة؛ ولأنه وَقَف، وفعله بيانٌ. فأما الدليل على أنّه ليس بركنٍ؛ فقوله ﷺ : "الحج عرفة، فمن أدرك عرفة، فقد أدرك الحج" (٣)، ولأنّه ﷺ قدَّم ضعفة أهله (٤)، ولو كان ركنًا لم يجز تركه للعذر؛ ولأنه نسكٌ متكرّرٌ، فلا يكون جميعه ركنًا كالطواف. ٩٦٢ - فَصْل: [وقت الدفع إلى منى] ثم يَدفع الإمام قبل أن تطلع الشمس؛ وذلك لأنّ النبي ﷺ قال: (إنّ الجاهلية كانت تنفر من هذا المقام والشمس على رؤوس الجبال، فخالفوهم، فأفاض قبل طلوع الشمس) (٥)، وكانت الجاهلية تقول بالمزدلفة: أشرق ثبير كيما نُغير، فخالفهم رسول الله ﷺ . قال: ومن لم يحصل له كونٌ بعد طلوع الفجر، قبل أن تطلع الشمس

стр. 1130

بالمزدلفة ممَّن لا عذر له، فعليه دمٌ؛ وذلك لما بيَّنا أنّه واجبٌ، وترك الواجب بغير عذرٍ يوجب الكفّارة. [قال]: وإن كانت به علَّةٌ أو عُذرٌ من ضعفٍ، فخاف معه الزحام، فلا بأس أن يتعجّل بليلٍ، ولا شيء عليه؛ وذلك لأنّ النبي ﷺ قدَّم ضعفةَ أهله، ولم يأمرهم بكفارة، وكلّ نسك أبيح تركه لعذرٍ، لم يجب بتركه شيءٌ، كطواف الصدر للحُيّض. قال: ومن حصل له كونٌ [بالمزدلفة] بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، ولم يكن بها في شيءٍ من الليل، فلا دم عليه؛ وذلك لأنّ البيتوتة إنّما يُحتاج إليها للوقوف (١)، فإذا أدرك الوقوف، لم يلزمه شيءٌ. قال: وعلى أي وجهٍ حصل الحاجّ بالمزدلفة، أجزأه؛ وذلك لأنه وقوفٌ واجبٌ، فلا يقف على العِلْم، كالوقوف بعرفة. ٩٦٣ - فَصْل: [صلاة المغرب قبل مزدلفة] [قال]: ومن صَلّى المغرب قبل أن يأتي جمعًا، [وهو] ممن يمكنه أن يأتي جمعًا قبل طلوع الفجر، لم تجزه صلاته في قول أبي حنيفة ومحمد وزفر والحسن، وقال أبو يوسف: يجزئه وقد أساء. وجه قولهم: ما روي أنّ النبي ﷺ نزل في الطريق، فقضى حاجته، فقال له أسامة: الصلاة يا رسول الله، فقال: "الصلاة أمامك" (٢)، وروي: "المصلى

стр. 1131

أمامك"، وهذا يدلّ على أنه لا يجوز فعلها في الطريق؛ ولأنّها قربةٌ اختصّت بمكانٍ لأجل النسك، فكان فعلها فيه واجبًا كالرمي والطواف؛ ولأنها يجوز تأخيرها عن وقتها، وهو أفضل عندهم، فلا يخلو [امّا] أن يكون التأخير لأنه لا يجوز تقديمها، أو لاتصال السير، واتصال السير ليس بفرضٍ ولا سنة، فلا يُترك له الفرض، فلم يبق إلا ما قلنا. وجه قول أبي يوسف: أنه أدَّى الصلاة في وقتها، فجاز كغير ليلة المزدلفة؛ ولأنه رخِّص له في التأخر ليتصل السير، فإذا لم يترخَّص، جاز. ٩٦٤ - فَصْل: [خوف فَوَاتِ الفَجْرِ في مُزْدَلِفَة] فأمّا إذا كان يخشى أن يطلع الفجر قبل يسير إلى المزدلفة، صلى المغرب؛ لأنه إذا طلع الفجر فات وقت الجَمْع، فكان عليه أن يقدَّم الصلاة قبل الفوات. فإن كان لا يخشى الفوات لأجل ضيق الوقت، ولكنه ضلّ عن الطريق، فخاف أن يطلع الفجر قبل أن يُصلي، لم يصلِّ حتى يخاف طلوع الفجر؛ لأنّ الوقت باقٍ، ويجوز أن يَصِلَ، فكان عليه تأخير الصلاة. [قال]: وكذلك إن صَلّى العشاء الآخرة في الطريق بعد دخول وقتها، لم يُجزه، إلّا على الشرط الذي ذكرنا في المغرب؛ وذلك لأنها مُرتَّبَةٌ على المغرب، فإذا لم يجز المغرب، فما رُتب عليها أولى (١).

стр. 1132

بَاب الدَّفْعِ مِن مُزْدَلِفَة قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: ويفيض الإمام من المزدلفة (١) قبل طلوع الشمس، فيأتي منى، فيرمي جمرة العقبة بسبع حصياتٍ، ويقطع التلبية عند أوّل حصاةٍ؛ وذلك لما روي (أنّ النبي ﷺ [لمّا] أتى منى، لم يعرج على شيءٍ حتى رمى جمرة العقبة) (٢)، فأما قطع التلبية عندها، فقد بيّناه (٣). وقد روي عن عبد الله بن مسعود أنه رمى جمرة العقبة بسبع حصياتٍ من بطن الوادي، يكبّر مع كلّ حصاةٍ، فقيل له: إنّ أناسًا يرمونها من فوقها، فقال عبد الله: هذا والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة (٤). وكان ابن عمر يرمي الجمرة بسبع حصياتٍ، يتبع كلّ حصاة بتكبيرةٍ،

стр. 1133

ويخبرهم أن النبي ﷺ كان يفعل ذلك (١)، وعن سالم بن عبد الله: (أنه استبطن الوادي، ثم رمي الجمرة بسبع حصياتٍ، يكبر مع كل حصاة: الله أكبر، الله أكبر، اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وعملًا مشكورًا، وقال: حدثني أبي: أنّ النبي ﷺ كان يرمي جمرة العقبة من هذا المكان، ويقول كلمّا رمى بحصاة مثل ما قلتُ) (٢). وقد قالوا: إنه يرمي بمثل حصى الخَذْف، لا يزيد على ذلك؛ لما روي أنّ النبي ﷺ جعل طرف إحدى سبابتيه على طرفه الآخر، وهو يقول: "مثل حصى الخَذْف" (٣). وقال لابن عباس: (ائتني بسبع حصيات مثل حصى الخَذْف، فأتاه بهنَّ، فجعل يقلبهنَّ بيده ويقول: بمثلهنّ، لا تغلو، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين) (٤)؛ ولأنه إذا رمى بأكبر من ذلك لا يأمن أن يصيب غيره فيؤذيه. وقالوا: إنه إذا وقف للرمي، جعل منى عن يمينه، والكعبة عن يساره، ويقوم منها حيث يرى موقع حصاه (٥).

стр. 1134

قال: وبأي شيءٍ رمى من الأرض أجزأه: حجرًا كان أو طينًا، وقال الشافعي: لا يجزئه إلا الحجر. لنا: حديث عائشة: أنّ النبي ﷺ قال: "إنّ أوّل نسكنا في يومنا هذا الرمي، ثمّ الذبح، ثمّ الحلق" (١))، وقال: "ومن رمى وذبح وحلق، فقد حلَّ له كل شيء إلا النساء" (٢)، ولم يفصّل؛ ولأنّ كلّ حكمٍ يتعلّق بالحجر، يتعلّق بغيرها كالاستنجاء. قال: ولا يقف عندها، والأصل في ذلك: أنّ كلّ رميٍ بعده رميٌ فإنّه يقف عنده، وكلّ رميٍ ليس بعده رميٌ، لا يقف عنده؛ لأنّ النبي ﷺ لم يقف عند جمرة العقبة، ووقف عند الجمرتين؛ ولأنّ الرمي إذا ترتب على الرمي، فما بينهما هو في خلال العبادة، فيأتي بالدعاء، وإذا لم يبق رميٌ، فقد خرج من العبادة. وقد روي عن إبراهيم بن الجراح أنه قال: دخلت على أبي يوسف في مرضه الذي مات [منه وهو يجود بنفسه]، فقال لي: أيهما أفضل أن ترمي الجمار ماشيًا أو راكبًا؟، فقلت: ماشيًا، فقال: أخطأت، فقلت: راكبًا، فقال: أخطأت، كلّ رميٍ

стр. 1135

بعده رميٌ، فالأفضل أن ترميه ماشيًا، وكلّ رميٍ ليس بعده رميٌ، فالأفضل أن ترميه راكبًا، [قال إبراهيم]: فخرجت من عنده، فسمعت الناعي قبل أن أبلغ الباب (١). وهذا صحيحٌ؛ لأنّ الرمي إذا كان بعده رميٌ من سنَّته أن يقف عنده للدعاء، [والماشي أمكن في الوقوف من الراكب] (٢)، والرمي الذي ليس بعده رميٌ من سُنَّته أن ينصرف ولا يقف [عنده]، والراكب أقرب إلى الانصراف. والذي روى جابر: أنّ النبي ﷺ رمي الجمار راكبًا، فقد روي أنّه قال: "خذوا عني مناسككم، فلا أدري لعلي لا أحج بعد عامي هذا" (٣)، فإنما قصد أن يشاهده الناس، ويقتدوا به. قال: ولا يرمي يومئذٍ غيرها، لأنّ النبي ﷺ لم يرم يوم النحر إلا جمرة العقبة، ويحلق إن كان مُفْرِدًا، وإن كان قارِنًا أو مُتَمَتِّعًا ذبح ثم حلق أو قصّر. أمّا المُفرد فلا ذبح عليه، فصار كالقارن إذا ذبح، وأمَّا القارن والمتمتع، فيقدَّم الذبح على الحلق؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦] إلى قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، فرتَّب قضاء التفث على الذبح، وروي (أنّ النبي ﷺ رمى ثم ذبح ثم دعا بالحَلّاق، فأشار إلى شقّهِ الأيمن، فحلقه وفرّق شعره بين الناس، ثم أشار إلى الأيسر، فحلقه وأعطاه أم سليم، ثم ذبح) (٤).

стр. 1136

وروي أنّه قال: " [إنّ] أوّل نسكنا في يومنا هذا الرمي، ثم الذبح، ثم الحلق (١). وأما قوله: إن شاء قصَّر والحلق أفضل، فقد تكلمنا على ذلك. [قال]: فأمَّا إذا كان (٢) من الغد: وهو اليوم الأول من أيام التشريق، رمى الجمار الثلاث جميعًا بعد الزوال، يبدأ بالتي [تلي] المسجد (٣)، ثم التي تليها، ثم بجمرة العقبة، ويقف عند الجمرتين الأوليين، ولا يقف عند جمرة العقبة، ويرفع يديه عند الدعاء عندهما بسطًا؛ وذلك لما روي (أن النبي ﷺ في أيام التشريق رمى الجمار الثلاث، فابتدأ بالتي تلي المسجد، ووقف عند الجمرتين) (٤). وأمّا رفع اليدين؛ فلقوله ﷺ : "لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن"، وذكر منها: "عند الجمرتين" (٥). قال: وكذلك يفعل في اليوم الثاني، فإذا رمى في اليوم الثاني، فله أن ينفر من منى إن أحبّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، فإذا أقام ولم ينفر، رمى في اليوم الثالث.

стр. 1137

[فقد] قال أصحابنا: له أن ينفر ما لم يطلع الفجر من اليوم الرابع، فإذا طلع الفجر من اليوم الرابع، لم يجز له النفر حتى يرمي. وقال الشافعي: إذا غربت الشمس لم يجز له النفر (١). لنا (٢): أنه وقتٌ لا يجوز فيه الرمي عند اليوم الرابع، فجاز فيه النفر لمن استوفى رمي الأيام، كما قبل غروب الشمس. ٩٦٥ - فَصْل: [وقت رمي جمرة العقبة] فأما الكلام في وقت الرمي، فإنّ يوم النحر يدخل وقت الرمي حين يطلع الفجر. وقال الشافعي: يدخل وقت الجواز بنصف الليل، ويجب الرمي إذا طلعت الشمس. وقال الثوري: لا يجوز الرمي ما لم تطلع الشمس. أمَّا على الشافعي؛ فلأنّ النبي ﷺ قدَّم ضعفةَ أهله وقال: "لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس"، وروي عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قدَّم أغيلمة بني عبد المطلب على حُمرٍ لهم، وجعل يلطخ أفخادهم بيده وقال: "أُبَيْنِيَ لا ترموا جمرة العقبة حتى تطلع الشمس" (٣)؛ ولأنه وقتٌ للوقوف بعرفة، فلا يجوز فيه الرمي كالنصف الأول من الليل.

стр. 1138

وأمّا على الثوري؛ فلِمَا روي أنه ﷺ قال لضعفة أهله: "لا ترموا جمرة العقبة إلا مصبحين" (١)؛ ولأنه خرج وقت الوقوف، فجاز له الرمي، كما بعد طلوع الشمس. وقد قال أبو حنيفة: إنّ وقت الرمي يوم النحر يمتدُّ إلى غروب الشمس، روى ذلك الحسن [عنه]، وقال أبو يوسف: إلى وقت الزوال، وما بعده قضاء. وجه قول أبي حنيفة: أنه يومٌ من أيام الرمي، فامتد وقته إلى غروب الشمس كسائر الأيام. وجه قول أبي يوسف: أنّ الرمي في هذا اليوم لمّا جاز في النصف الأول من النهار، لم يكن [النصف] الثاني وقتًا [له]؛ ألا ترى أنّ سائر الأيام لمّا كان النصف الثاني وقته، لم يجز في النصف الأول. وقد قال أصحابنا: إذا أخّر الرمي إلى الليل، رماه ولا شيء عليه، وإن أخّره إلى الغد، رماه وعليه الدم. وقال الشافعي في أحد قوليه: إذا غربت الشمس فات، ووجبت عليه الفدية، وفي القول الآخر: لا يفوت إلا من آخر أيام التشريق. لنا: أنّه يومٌ يجب فيه الرمي، فإذا أخَّره إلى غدٍ، وجب عليه الدم كاليوم الرابع. فأما على القول الآخر؛ فلأنه نسكٌ مؤقّتٌ بيومٍ، فإذا فعله في الليلة التي تليه، لم يجب عليه الدم كالوقوف.

стр. 1139

٩٦٦ - فَصْل: [دخول وَقْتُ الرَّمْي في أَيَّام التَّشْرِيق] وأمّا اليوم الأول والثاني من أيام التشريق، فلا يدخل وقت الرمي في الرواية المشهورة إلا بزوال الشمس. وذكر الحاكم في المنتقى فقال: كان أبو حنيفة يقول: الأفضل أن يَرمي في اليوم الثاني والثالث بعد الزوال، فإن رمى قبله، جاز. وجه الرواية المشهورة: ما روي في حديث جابر: (أن النبي ﷺ رمي الجمرة يوم النحر ضُحًى، ورمى في بقية الأيام بعد الزوال) (١). وجه الرواية الأخرى: أنّه يومٌ من أيام الرمي كيوم النحر. ٩٦٧ - فَصْل: [وقت الرمي في اليوم الرابع] وأمَّا اليوم الرابع، فقال أبو حنيفة: يجوز قبل الزوال، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز. وجه قوله: ما روي عن ابن عباس أنه قال: (إذا انتفج النهار من آخر أيام التشريق، جاز الرمي) (٢)؛ ولأنّ وقت الرمي يزيد على نصف يومٍ كسائر الأيام؛ ولأنه وقتٌ لا يحلّ له النفر فيه، فكان وقتًا للرمي كما بعد الزوال. وجه قولهما: حديث جابر؛ ولأنه رميٌ قبله رميٌ، فصار كاليوم الثاني والثالث.

стр. 1140

٩٦٨ - فَصْل: [مَوْقِعُ الْتِقَاطِ حَصَى الْجِمَارِ] وقد قال أصحابنا: إنه يأخذ حصى الجمار من أي موضعٍ شاء، إلا من عند الجمرة، فإن أخذ من المزدلفة، أخذ ليوم النحر خاصّة؛ وذلك لأنّ النبي ﷺ قال لابن عباس: "ائتني بسبع حصياتٍ" (١)، ولم يبيِّن له موضعًا دون موضعٍ، وإنما يُكره أن يؤخذ من عند الجمرة لما روي: أنّ ما قُبِل من الحصى رُفع، وما لم يُقبل بقي (٢)، فيكره أن يرمي بما لم يُقبل. فإن رمى بحجرٍ من الجمرة جاز. وقال مالكٌ: لا يجوز. لنا: أنّ الرمي لا يغيّر صفة الحجر، فجاز به الرمي كالابتداء، والعجب من مالك حيث جوّز الوضوء بالماء المستعمل، [وإن كان الاستعمال] يغيّر اسم الماء، ومنع الرمي بالحجر، وإن كان الرمي لا يغيّر صفته. ٩٦٩ - فَصْل: [عمل يوم العاشر] قال: وإذا رمى جمرة العقبة، حلق إن كان مفردًا، وإن كان قارنًا أو متمتعًا، ذبح ثم حلق، وقد حلّ له كلّ شيءٍ حرم عليه إلا إتيان النساء. وقال مالك: إلا النساء والطيب. وقال الليث: إلا النساء والطيب والصيد. [قال الشيخ أيده الله]: وجملة هذا: أنّ الحج له إحلالان: الإحلال الأول

стр. 1141

بالحلق، يحلّ به من كلّ شيءٍ إلا [من] النساء، والأصل في ذلك ما روي في حديث عائشة ﵂: أنّ النبي ﷺ قال فيمن رمى ثم ذبح ثم حلق: "فقد حلّ له كل شيء إلا النساء" (١)، ولأنّ الطيب والصيد لا يفسد الإحرام، ولا هو من توابع ما يفسد الإحرام، فحَلَّ بالإحلال الأول كاللبس. وقد قال الشافعي: إنه يحلّ له بالحلق الوطء فيما دون الفرج والمباشرة (٢). وهذا خطأٌ؛ والدليل عليه قوله ﷺ (٣): "إلا النساء"، وهذا عامٌّ، ولأنّ كلّ معنى حرم معه الوطء في الفرج [وليس بأذىً]، حرم معه الوطء فيما دون الفرج، كالظهار. وأمّا الإحلال الثاني - فيقع بطواف الزيارة - من النساء؛ وذلك لأنّه لم يبق ركنٌ من أركان العبادة، فزال ما حُظر فيها (٤). * * *

стр. 1142

بَاب طَوافِ الزِّيَارَةِ قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا حلق يوم النحر بعد الرمي، طاف طوافَ الزيارة في يومه [ذلك]، أو [من] الغد، أو [من] بعد الغد. والأصل في هذا: ما روى عطاء: (أنّ النبي ﷺ أفاض فطاف، ثم عاد إلى منى، وصلى الظهر) (١). وروى طاووس: (أنّ النبي ﷺ أفاض ليلًا) (٢). ولا تنافي بين الخبرين؛ لأنه روي أنّ النبي ﷺ كان يأتي مكة في ليالي منى مُستترًا، فيطوف بالبيت، فيجوز أن يكون من روى أنه أفاض بالليل نقل ما عرفه، ولم يعرف أنه أفاض نهارًا. قال الشيخ [أيده الله]: وجملة هذا: أنّ أول وقت طواف الزيارة: طلوع الفجر من يوم النحر. وقال الشافعي: إذا انتصف الليل من ليلة النحر. لنا: أنه وقتٌ للوقف بعرفة (٣)، فلا يكون وقتًا للطواف كالنصف الأول؛ ولأنه وقتٌ لركنٍ في الحج، فلا يكون وقتًا لركنٍ آخر غير تابعٍ له كيوم النحر. وأما آخر وقت الطواف: فآخر أيام التشريق (٤)، فإن أخَّره عنها فعليه دمٌ عند

стр. 1143

أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا شيء عليه، وبه قال الشافعي (١). له (٢): أنه نسكٌ يجب فعله في إحرام الحج، فوجب أن يكون مؤقتًا كالرمي؛ ولأنه ركنٌ في الحج، فوجب أن يتوقّت آخر فعله كالوقوف؛ ولأنه نسكٌ ذو عددٍ غير تابعٍ لغيره، فإذا أخّره عن أيام التشريق، جاز أن يلزمه دمٌ كرمي الجمار. وجه قولهما: ما روي أنّ النبي ﷺ ما سئل عن شيءٍ أُخِّر أو قُدِّم إلا قال: "افعل ولا حرج" (٣)؛ ولأنه لو توقَت لسقط بمضي الوقت، كالوقوف. قال: وأفضل هذه الأيام: أولها؛ لأنّ النبي ﷺ طاف في اليوم الأول؛ ولأنه يتعجّل التحلّل فيسقط عن نفسه وجوب الكفارة بالوطء، فكان أولى. قال: فإن أخَّر ذلك، فعليه دمٌ لتأخير الطواف، ودمٌ لتأخير الحلق، فإن أخَّر أحدهما، فعليه دمٌ. أمَّا تأخير الطواف؛ فلأنا قد بيَّنا أنه مؤقّتٌ بهذه الأيام، فإذا أخَّره عنها دخله نقصٌ، فيجبر بالكفارة، وكلّ من أوجب فيه الجبران، قدّره بالدم. وعلى قولهما: لا يتوقّت بهذه الأيام، ففي أي وقتٍ فعله لم يلزمه شيءٌ. وأمّا الحلق، فقال أبو حنيفة: يختصّ بزمانٍ: وهو أيام النحر، وبمكانٍ: وهو الحرم، فإن أخّره عن هذه الأيام، أو فعله في الحلّ، فعليه دمٌ، وقال أبو يوسف:

стр. 1144

[لا] (١) يختصّ بزمانٍ، ولا يختصّ (٢) بمكانٍ، وقال محمد: يختصّ بمكانٍ ولا يختصّ بزمانٍ، وقال زفر: يختصّ بزمانٍ ولا يختص بمكان. وجه قول أبي حنيفة: أنه نسكٌ في حال الإحرام غير تابعٍ لغيره، فاختصّ بمكانٍ وزمانٍ، كالرمي والوقوف والطواف. وجه قول أبي يوسف: أنّ النبي ﷺ ما سُئل عن شيءٍ أُخّر أو قُدّم إلا قال: "افعل ولا حرج"، وأمّا المكان؛ فلأنه لو اختصّ بمكانٍ، لم يقع موقع التحلل إذا فعله في غيره، كسائر المناسك. وأمّا محمد فقال: إنه يختصّ بمكانٍ؛ لأن المناسك المفعولة في حال الإحرام، تختصّ جميعها بمكانٍ، فكذلك هذا النسك، ولا يختص بزمانٍ؛ لأنّه أحد ما يقع به التحلل كالطواف، على أصله. وأمّا زفر فقال: إن كان الحلق للخروج من العبادة، فهو كالإحرام الموضوع للدخول فيها، ومعلومٌ أنّ الإحرام مؤقّتٌ في الشرع بزمان، وليس بمختصٍ بالحرم، فكذلك الحلق الذي يقع به الخروج. ٩٧٠ - فَصْل [الرَّمَلُ فِي كُلِّ طَوَافٍ بَعْدَهُ سَعْيٌ] قال: فإن كان سَعى حين قدم مكة، لم يُعِد السعي في طواف الزيارة، ولم يرمُل؛ لأنّ السعي لا يتكرر فعله في الإحرام، فإذا فعله وقع موقعه. وأمّا الرمل؛ فقد بيَّنا: أنه يُفعل في كلّ طوافٍ بعده سعيٌ، فإذا قدَّم السعي،

стр. 1145

لم يرمُل في طواف الزيارة، وإن لم يقدِّم السعي، رمل في طواف الزيارة، وسعى؛ لأنّ هذا الوقت وقتٌ للسعي، وإنما رخّص [له] في تقديمه، فإذا لم يترخّص، فَعَله في موضعه. ٩٧١ - فَصْل: [الرجوع إلى منى بعد طواف الزيارة] قال: وإذا طاف طواف الزيارة، رجع إلى منى، ولم يقم بمكة، ولم يبت بها، فإن ذلك يكره؛ لأنّ (النبي ﷺ أفاض، فطاف، وعاد إلى منى، فبات بها) (١). وروي أنّ العباس سأل رسول الله ﷺ أن يرخّص له (٢) في البيتوتة بمكة ليالي منى لأجل السقاية، فرخّص له في ذلك (٣). وقد قال أصحابنا: [إنّه] إذا بات بمكة، فقد أساء ولا شيء عليه. وقال الشافعي: إن بات ليلةً فعليه مدٌّ، وإن بات ليلتين فعليه مُدَّان، وإن بات ثلاثةً، فعليه دمٌ (٤). لنا (٥): أنّ البيتوتة ليست بمقصودةٍ لنفسها، وإنما تُفعل لما يقع في الغد من النسك، فإذا تركها لم يلزمه كفارةٌ، كالبيتوتة بمنى ليلة عرفة. ٩٧٢ - فَصْل: [تقديم الثقل قبل النفر الأول] قال: وإذا نفر في النفر الأول، أو الثاني، كره [له] أن يقدِّم ثِقَله قبل أن

стр. 1146

ينفر؛ [وذلك] لما روي عن عمر ﵁ أنه قال: من قدَّم ثقله قبل النفر (١)، فلا حج له (٢)؛ ولأنه إذا قدَّم [ثقله] اشتغل قلبه به، فلم يتلبث (٣) في الرمي والدعاء. قال: وإذا نفر إلى مكة، ولم يذكر أين ينزل بها، و [قد] قال أصحابنا: إنّ الأفضل أن ينزل إذا أفاض بالمُحَصَّب (٤)، وعن ابن عباس أنه قال: إنما هو منزلٌ (٥)، يعني: أن نزوله ليس بُنسكٍ. والدليل على أنه نسكٌ: قول رسول الله ﷺ : "إنّا نازلون غدًا بالخيف، خيف بني كناية، حيث تقاسم فيه المشركون على شركهم" (٦)، والخيف: هو المحصّب، وهو الأبطح، وقد كانت قريشٌ اجتمعت فيه وتحالفوا على بني هاشم وعلى رسول الله ﷺ ، فأخبر [النبيّ ﷺ ] أنّه ينزل لمخالفتهم، وما فُعل على وجه المخالفة في المناسك، فهو نسكٌ، كالنفْر من عرفة بعد غروب الشمس. ٩٧٣ - فَصْل: [صِفَة طَوافِ الصَّدْرِ] قال: وإذا أراد أن يخرج طاف طواف الصدر، لا يرمُل فيه ولا يسعى؛

стр. 1147

وذلك لقوله ﷺ : "من حجّ هذا البيت، فليكن آخر عهده به الطواف" (١)، ورخَّص للنساء الحُيَّض [في تركه]؛ ولأنّ هذا الطواف جُعل توديعًا للبيت، كما جُعل طواف القدوم تحيَّةً للبيت. ولا يرمُل فيه؛ لأنّه لا سعي بعده، ولا يسعى بعده؛ لأنّ السعي لا يتكرر. ٩٧٤ - فَصْل: [طواف الزيارة مُحْدِثًا أو جُنُبًا] [قال]: وإن طاف من طواف الزيارة أربعة أشواطٍ، أو طافه كلّه جُنبًا، أو على غير وضوءٍ، ثم جامع، [وذلك] بعد أن حلق أو قصَّر، فلا شيء عليه للجماع، وإن كان قبل الحلق، فعليه دمٌ. قال الشيخ [أيده الله]: وجملة هذا: أنّ الطائف بالبيت يجب أن يكون ساترًا لعورته، طاهرًا من الحدث والنجس؛ وذلك لقوله ﷺ : "الطواف بالبيت صلاةٌ، فأقلوا فيه من الكلام" (٢)، ولأنها عبادةٌ تتعلّق بالبيت، فكانت الطهارة معتبرةً فيها كالصلاة، فإن ترك الطهارة (٣)، جاز طوافه عندنا، وقد أساء، وقال الشافعي: لا يُعتدُّ بطوافه. وتكلم أصحابنا المتأخرون في أنّ الطهارة [هل هي] واجبةٌ أم سنَّةٌ؟ فقال ابن شجاع: إنها سنةٌ، وكان أبو بكر الرازي يقول: إنها واجبةٌ. فالدليل على أنّ الطهارة ليست بشرطٍ: أنه ركنٌ من أركان الحج، فلم تكن

стр. 1148

الطهارة من شرطه كالوقوف؛ ولأنها عبادةٌ لا يبطلها الحدث العمد، فلا تكون الطهارة من شرطها، كالاعتكاف. وإذا ثبت أنّ الطهارة ليست من شرطها (١)، وجب بتركها الكفارة؛ لأنّ القائل في المسألة قائلان (٢): إمّا من قال: لا يعتدّ بالطواف، أو من قال: إنه يُجبر بالكفارة؛ ولأنّه منهيٌّ عن ترك الطهارة، فإذا تركها أدخل نقصًا [في الطواف]، فيجبر بالكفارة. وأمّا صفة الكفارة، فإن طاف جميع الطواف أو أكثره مُحْدِثًا، فعليه شاةٌ؛ لأنّ الحدث نقصٌ يسيرٌ، فهو كترك شوطٍ منه، وإن طاف جميعه أو أكثره جُنبًا، فعليه بَدَنَةٌ؛ لما روي عن ابن عباس أنّه قال: لا تجب البدنة في الحجّ إلا في موضعين: من طاف طواف الزيارة جُنُبًا، ومن وطئ (٣) بعد الوقوف بعرفة (٤)؛ ولأنّ النقص بالجنابة نقصٌ كثيرٌ؛ لأنه ممنوعٌ من الطواف لأجل الحدث، وممنوعٌ من الكون في المسجد مع الجنابة، فزاد النقص على نقص الحدث، فاحتاج إلى زيادة جُبران، وكلّ من أوجب الزيادة، قال: فيه بدنةٌ. وأمّا ما ذكره أبو بكر الرازي [أن الطهارة واجبة]، فقد استدل عليه بإيجاب الكفارة، وقال: لو لم تكن الطهارة واجبةً، لم يجب بتركها كفارةٌ.

стр. 1149

وأمّا من قال: إنها مسنونةٌ، فنقول: لا يمتنع أن تكون سنة ويجب بتركها دمٌ، كما قال محمد فيمن أفاض من عرفة قبل الإمام: إنه قد ترك سنة الدفع، فأوجب عليه الدم (١). فإذا ثبت أنّ الطهارة ليست بشرطٍ، فوقع الطواف موقع المستحّق، فوقع [به] التحلل من النساء، فلم يلزمه بالوطء شيءٌ. [قال]: وأما إذا طاف ولم يحلق حتى جامع، فعليه دمٌ؛ لأن الإحرام باقٍ، والوطء إذا صادف الإحرام أوجب الكفارة. ٩٧٥ - [فَصْل: في الوطء بعد ارتفاع الحظر] وإنما لم يلزمه البدنة؛ لأنه وطئ بعد ارتفاع حظر الوطء، فلم يُصادف وطؤه إحرامًا متأكِّدًا، فلزمه شاةٌ كالوطء قبل الوقوف. ٩٧٦ - فَصْل: [التَّحَلُّلُ بالطَّوَافِ] وأمَّا إذا طاف أربعة أشواطٍ، فقد تحلل؛ لأنّ الركن عندنا أكثر الطواف، فإذا طاف ثلاثة أشواطٍ وأكثر الشوط الرابع، فقد تحلّل، وقال الشافعي: لا يتحلّل إلا بتمام الأشواط (٢). لنا: أنّ ما يقع به التحلّل، يقوم أكثره مقام جميعه، كالذبح إذا لم يستوف قطع العروق الأربعة؛ ولأنه أحد الركنين، فجاز أن يقوم الدم مقام جزءٍ منه، كالوقوف.

стр. 1150

أو نقول: إنّ البناء عليه ليس بركنٍ كالوقوف. وإذا ثبت أنّ الركن أكثر الطواف، فإذا أتى به، وقع [موقع] التحلل، فلا يلزمه بالوطء كفارةٌ، وعليه لبقية الأشواط شاةٌ؛ لأنها واجبةٌ وليست بركنٍ كرمي الجمار (١). ٩٧٧ - فَصْل: [الوِقَاعُ بعد الوُقُوفِ قَبْلَ الطَّوَافِ] فإن جامع بعد الوقوف قبل أن يطوف، فعليه بَدَنَةٌ، [وحجّه تامٌّ]. وقال الشافعي: يفسد حجُّه (٢). لنا: أنّ وطأه صادف إحرامًا متأكِّدًا، فصار كالوطء (٣) بعد الرمي؛ ولأنه ممنوعٌ من الوطء لأجل الطواف، ألا ترى أنّه إذا طاف حلّ له النساء، فلا يخلو: إما أن يفسد حجُّه لأجل الطواف، أو لأجل الرمي، ولا يجوز أن يكون (٤) لأجل الطواف؛ لأنه لو جامع بعد الرمي لم يفسد حجه، وإن كان الوطء محرمًا لأجل الطواف، ولا يجوز أن يكون (٥) لأجل الرمي؛ لأنّ ترك الرمي لا يمنع من جواز الحجّ، فإفساده بالوطء أولى. وبعكس ذلك الوطء قبل الوقوف (٦)؛ لأنه لم يصادف إحرامًا متأكِّدًا، ألا

стр. 1151

ترى أنّ عندهم يجوز أن يتغيَّر عمّا وقع عليه إذا بلغ الصبي أو أعتق العبد، وعندنا يجوز أن يتحلل منه بعمل عمرةٍ إذا فاته؛ فلذلك لم تلزمه الكفارة المتأكدة؛ ولأنه بوطئه يفسد الوقوف، فصار كترك الوقوف، وذلك يمنع من جواز الحج. وإذا ثبت أنّ وطأه لا يفسد الحج، فعليه بدنةٌ؛ لأنّ القائل أحد قائلين: إمّا [من أفسد] (١) الحجّ، أو من جوّزه وأوجب البدنة؛ ولحديث ابن عباسٍ الذي قدمناه. ٩٧٨ - فَصْل: [تَكْرَارُ الوِقَاعِ بَعْدَ الوُقُوفِ] قال: فإن جامع جماعًا آخر، فعليه شاةٌ مع البدنة؛ [وذلك] لأنّ الجماع الثاني صادف حُرمةً قد ضعفت بالجماع الأول، والحرمة [إذا ضعفت] (٢)، لم تتأكد الكفارة. قال: فإن [كان] جامع [الجماع] الثاني على وجه الرفض؛ فلا دم عليه للثاني (٣)؛ لأن الوطأين وقعا على جهةٍ واحدةٍ، فصار كالوطأين في مجلسٍ واحدٍ. ٩٧٩ - فَصْل: [الرُّجُوعُ إلى الأَهْلِ قَبْلَ طَوَافِ الزِّيَارَةِ] قال: فإن لم يطف طواف الزيارة حتى رجع إلى أهله، فعليه أن يعود [إلى مكة] بإحرامه، وهو محرمٌ من النساء أبدًا حتى يعود ويطوف، ولا يجزئه في ذلك نحر بدنةٍ؛ [وذلك] لأنّ الطواف ركنٌ، وأركان الحج لا يقومُ غيرها مقامها، كالوقوف بعرفة.

стр. 1152

وإذا بقي وجوب الطواف، فبقاؤه يمنع من التحلل، وكذلك إن طاف ثلاثة أشواط؛ لأنّ الأقل من الأشواط لا يقوم مقام الجميع بالإجماع، فكأنه لم يطف. ٩٨٠ - فَصْل: [عودُ الطَّائِفِ جُنُبًا أو مُحْدِثًا] فإن كان طاف جنبًا، أو على غير وضوءٍ، أو كان طاف أربعة أشواط ثم رجع، أُمر أن يعود إذا طاف جُنبًا بإحرامٍ مستقبل حتى يُعيد الطواف؛ وذلك لأنّ الجنابة نقصٌ كثيرٌ في الطواف، فأُمر بالعود كترك أكثر الأشواط. وإنما عاد بإحرامٍ؛ لأنّ التحلل عندنا وقع بالطواف مع الجنابة، والحلال لا يجوز له دخول مكة إلا بإحرامٍ. فإن لم يَعد، وبعث بَدَنَةً، جاز؛ لما قَدَّمْنَا أنّه يقوم مقام النقص بالجنابة، إلا أن الأفضل العود؛ لأنه نقصٌ كثيرٌ. وأمَّا إذا طاف محدثًا، أو طاف أربعة أشواطٍ، فإن عاد فطاف، جاز؛ لأنه يجبر النقص بجنسه، وإن بعث شاةً، جاز؛ لأنّه نقصٌ يسيرٌ، والأفضل إذا عاد إلى أهله أن يبعث بالشاة؛ لأنه نقصٌ يسيرٌ، فهو يجبر [ذلك] النقص وينفع الفقراء، ويسقط عن نفسه كلفة الرجوع. وإن كان بمكة، فالأفضل الإعادة؛ لأنّ جبر (١) الشيء بجنسه أولى من جبره بغير جنسه (٢). * * *

стр. 1153

بَاب طَوَافِ الصَّدْرِ قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: وعلى من قدم مكة حاجًّا، ثم أراد الخروج عنها بعد قضاء حجِّه، أن يطوف طواف الصدر؛ وذلك لقوله ﷺ : "من حج هذا البيت، فليكن آخر عهده به الطواف" (١). ٩٨١ - فَصْل: [طوافُ الوَدَاعِ لِلْمُعْتَمِر] وليس على المعتمر طواف الصدر، وقال الحسن [بن زياد]: يلزمه ذلك. لنا (٢): أنّ العمرة ركنها الطواف، فلو أوجبنا فيها طواف الصدر، لصار تبعًا لنسكٍ مثله، وهذا لا يجوز (٣)؛ ولأنه ليس فيها طواف القدوم، فلا يجب طواف الصدر؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما طواف يثبت في الحج وليس بركنٍ. وجه قول الحسن: أنّه لتوديع البيت، والتوديع موجودٌ في المعتمر. ٩٨٢ - فَصْل: [طوافُ الوَدَاعِ على أَهْلِ مَكَّةَ وحَوَالَيْهَا] قال: وليس على أهل مكة، ولا مَنْ أهله بالمواقيت أو دونها إلى مكة طواف الصدر إذا حجّوا؛ لأنه يجب لمفارقة البيت وتوديعه، والمكِّي غير مفارقٍ للبيت،

стр. 1154

وأهل المواقيت في حكم أهل مكة في باب الإحرام (١). قال أبو يوسف: وأحبُّ إليّ أن يطوف المكي؛ وذلك لأنه تاركٌ لأفعال النسك، وهذا الطواف موضوعٌ لخاتمة المناسك. ٩٨٣ - فَصْل: [طواف الوداع على الحائض والنفساء] قال: وليس على الحائض ولا النفساء طواف الصدر، ولا شيء عليهما بتركه؛ لما روي أنّ النبي ﷺ رخَّص للنساء الحُيَّض في ذلك (٢)، ولم يأمرهن بإقامة شيء مقام ذلك (٣). وهذا عندنا أصلٌ في كلّ نسكٍ جاز تركه للعُذر، أنّه لا تجب به الكفارة. ٩٨٤ - فَصْل [طواف الصَّدْر لِمَنْ نَوَى الإِقَامَةَ بِمَكَّةَ أَبَدًا] قال: ومن قدم مكة حاجًّا ثم نوى الإقامة بمكة أبدًا، [سقط عنه طواف الصدر] إذا نوى ذلك قبل أن يحلّ له النفر الأول، فإذا حلّ له النفر الأول ثم نوى الإقامة، لم يسقط عنه في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: يسقط إذا نوى الإقامة، إلا أن يكون قد ابتدأ به. وجه قول أبي حنيفة: أنه إذا حلّ له النفر، فقد دخل وقت الطواف، فنيَّةُ الإقامة بعد ذهاب وقته، لا تؤثّر في حكمه، كنيّة الإقامة بعد خروج وقت الصلاة.

стр. 1155

وجه قول أبي يوسف: أنّ الطواف لا يتوقّت، فإذا نوى الإقامة مع بقاء وقته، أثّر فيه، كمن نوى الإقامة في وقت الصلاة، وأمَّا إذا افتتح الطواف، فقد وجب عليه بالدخول، فلا يجوز له تركه. ٩٨٥ - فَصْل: [ما يَعْمَلُهُ الحَاجُّ بَعْدَ النَّفْرِ] قال أبو الحسن عن أبي حنيفة: ينبغي للإنسان إذا نفر (١) أن يطوف طواف الصدر حين يريد أن ينفر، فيأتي البيت: فيستلم الحجر ويطوف به سبعًا، ثم يأتي المقام فيصلي عنده ركعتين، ثم يأتي زمزم فيشرب من مائها، ويصب على رأسه ووجهه، ثم يأتي الملتَزَم - وهو بين الحَجَر الأسود والباب - فيضع صدره ووجهه عليه، ويتشبّث بالأستار ساعةً يدعو (٢)، ثم يخرج فيمضي إلى أهله، وقد بيّنا حكم طواف الصدر. وأما الشرب من ماء (٣) زمزم، فقد روى عطاء: أنّ النبي ﷺ لما أفاض، نزع هو بنفسه دلوًا ولم ينزعه معه أحدٌ، فشرب، ثم أفرغ باقي الدلو في البئر (٤)، وقد كان النبي ﷺ يلصق خده (٥) بالمُلْتَزَم، ويتعلق بالأستار (٦). وإذا أراد التوديع فعل ذلك.

стр. 1156

[قال]: وليس في الدعاء دعاءٌ موقَّتٌ (١)؛ لأنّ الأدعية يأتي الإنسان فيها بما أحبّ، وقد روي أن النبي ﷺ لما خرج من مكة قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، [بيده الخير] وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، حامدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" (٢). قال: ومن نفر ولم يطف، فإنه يرجع ما لم يجاوز المواقيت، وإذا ذَكَر بعد أن جاز (٣)، لم يرجع، وإنْ رجع رجع بعمرةٍ، وإنما رجع قبل المجاوزة؛ لأنه ترك طوافًا واجبًا، فكان عليه أن يأتي به. وأمّا إذا جاوز؛ فلأنه لا يقدر على العود إلا بتجديد عمرةٍ، وإقامة الدم مقام الطواف من غير التزام الإحرام أولى. فإن عاد بعمرةٍ ابتدأ بطوافها؛ وذلك لأنه يتعيّن عليه بالإحرام، فكان الابتداء به أولى، فإذا فرغ من عمرته، طاف طواف الصدر (٤)؛ لأنه مستحَقٌّ عليه. وأمَّا على قول الحسن، فالعمرة توجب طواف الصدر، فإن عاد بعمرةٍ، وقع طواف الصدر للعمرة، وسقط ما كان للحج، لَزِمَه دمٌ لتركه. فإن لم يطف للصدر بعدما رجع، فعليه دمان على أصله؛ لأنه ترك الطواف للإحْرَامَيْنِ.

стр. 1157

٩٨٦ - فَصْل: [الانْشِغَالُ بِمَكَّة بعد طَوَاف الصَّدْرِ] وقد قالوا: فيمن طاف للصدر وتشاغل بمكة بعده، فليس عليه طوافٌ، قال أبو يوسف: وقال أهل مكة: يُعيد طوافًا آخر، وأحبّ إليّ أن [يكون] آخر عهده بالبيت (١). فأمَّا تأويل أهل مكة للخبر فليس بصحيحٍ؛ لأن قوله ﷺ : "فليكن آخر عهده به الطواف" محمولٌ على أنّه آخر مناسكه بالبيت، وليس على آخر مقامه. وروى الحسن عن أبي حنيفة قال: إذا طاف للصدر، ثم أقام إلى العشيِّ، فأحب إليَّ أن يطوف طوافًا آخر؛ ليكون قد ودّع البيت من غير فاصلٍ (٢). * * *

стр. 1158

بَابُ الطواف يقدم بعضه على بعض قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: الطواف الذي يفعل للإحرام أربعة أطواف: طواف القدوم: وهو سنَّةٌ وليس بواجبٍ، وطواف الزيارة: وهو فرضٌ، وطواف الصدر: وهو واجبٌ وليس بمنزلة طواف الزيارة، والرابع: طواف العمرة. فأمّا طواف القدوم، فهو سنّةٌ، وقال مالكٌ: واجبٌ (١). لنا (٢): أنّه مفعولٌ في الإحرام، فلو كان واجبًا لكان من موجب الإحرام، وموجب الإحرام لا يختلف فيه أهل مكة وغيرهم، فلما لم يجب على أهل مكة، دلَّ على أنّه لا يجب على غيرهم. وليس كذلك طواف الصدر؛ لأنّه يُفعل بعد الخروج من الإحرام، فلا يكون من موجبه؛ فلذلك جاز أن يختلف فيه أهل مكة وغيرهم. وأمّا طواف الزيارة، فهو ركنٌ لا يتم الحج إلا به؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وقد أجمعوا على أنّ المراد به: طواف الزيارة. وأمَّا طواف الصدر، فهو واجب عندنا، وقال الشافعي: سُنَّةٌ (٣).

стр. 1159

لنا: أنّه طوافٌ يُفعل بعد الوقوف بحكم الشرع، كطواف الزيارة. وأمّا طواف العمرة، فهو ركنٌ فيها، لأنها أحد الإحرامين، فكان فيه طوافٌ هو ركنٌ كالحجّ. ٩٨٧ - فَصْل: [النِّيَّةُ في طواف النُّسُكِ] قال: وإذا كان على الحاج أو المعتمر شيءٌ من هذه الأطواف - أيّها كان - فكلّ طوافٍ يقع في وقتٍ منها، فإنما يقع للذي [ثبت] عليه في الإحرام دون غيره، نوى ذلك أو لم ينوه، ويكون الأول عن الأول وإن نوى الثاني، ولا تعمل النيَّة في تقديم ذلك ولا تأخيره. مثاله: المحرم بالعمرة أو بالحجّ إذا قدم مكة فطاف لا ينوي شيئًا، أو [طاف] فنوى التطوع، فإنّ ذلك إن كان محرمًا بعمرةٍ يقع للعمرة، وإن كان [محرمًا] بحجةٍ يقع لطواف القدوم (١). وكذلك القارن إذا طاف، فطوافه للعمرة أولًا ثم للحجّ، وإن طاف لا ينوي شيئًا، أو طاف ينوي تطوعًا، فهو للعمرة، وإن طاف طوافًا آخر قبل أن يسعى لا ينوي شيئًا، أو نوى تطوعًا، كان ذلك للحجّ. وكذلك طواف الصدر وطواف الزيارة، إذا نفر في النَفْر الأول، فطاف طوافًا لا ينوي شيئًا، أو نوى تطوعًا، فهو للزيارة، وإن طاف بعد ذلك تطوعًا أو لا ينوي شيئًا، فهو طواف الصدر. وذلك لأنّ الطواف مستحَقٌّ في وقته، ومن شرطه النيَّة دون التعيين، فأيّ

стр. 1160

طوافٍ أتى به، وقع عن مستحقه ولم يقع عن غيره، كمن صام في رمضان بنيّة النفل، وكمن ردّ الوديعة وهو يقصد الهبة. وليس كذلك إذا طاف لا ينوي الطواف، [بأن يكون] هاربًا من سَبُعٍ، أو طالبًا لغريمٍ؛ لأنه لم يقصد القُربة بطوافه، فلا يقع موقع القربة. وقد فرّقوا بين الطواف والوقوف، فقالوا: لا يصح الطواف إلا بنيَّة الطواف وإن لم يفتقر إلى التعيين، ويعتدّ بالوقوف من غير نيَّةٍ. والفرق بينهما: أنّ الوقوف ركنٌ يقع في نفس الإحرام، فنيَّة الحجّ تشتمل عليه، فلا يفتقر إلى تجديد نيّةٍ، كركوع الصلاة، وأمّا الطواف فيقع خارج العبادة، فلا يشتمل عليه نيّة الإحرام؛ فلذلك افتقر إلى النيَّة. ٩٨٨ - فَصْل: [الجمع بين الطوافين] قال أبو حنيفة ومحمد: لا ينبغي أن يجمع بين الأسبوعين، ولا يصلي بينهما (١)، فإن فعل صحَّ ويكره. وقال أبو يوسف: لا يكره الجمع إذا انصرف عن وترٍ. وجه قولهما: أن الركعتين مرتَّبتان على الطواف، فيكره أن يفصل بينهما بنسكٍ آخر، كما يكره أن يفصل بين الطواف والسعي؛ ولأنها مرتَّبةٌ على الطواف، فصارت كبعض أشواطه؛ ولأنه لو جاز الجمع، استوى أن ينصرف عن شفعٍ أو وترٍ؛ لأنه مؤخّرٌ للصلاة في الحالين. وجه قول أبي يوسف: ما روي عن عائشة ﵂ أنها كانت تجمع
следующие страницы →