← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

مفاصله" (١) ولأنه نام في حال من أحوال الصلاة من غير عذر كالقاعد. ٥٨ - [فَصْل: تعمد النوم في السجود] وقد قال أبو يوسف: إنّ من تعمد النوم في حال سجوده، بطل وضوءه، وهذا ليس بصحيح؛ لأنّ ما يوجب الوضوء يستوي فيه العمد وغيره (٢). وجه قول أبي يوسف: أن الوضوء يتعلق بالنوم، وذلك لا يختلف باختلاف الأحوال، وإنما استحسن في السجود في الصلوات؛ لأنّ من يكثر الصلاة بالليل لا يحترز من النوم في السجود، فإذا تعمّد النوم بقي على أصل القياس. وقد ذكر ابن شجاع مسألة النوم في حال القيام والركوع والسجود، وقال: إنّما لا ينقض الوضوء ذلك إذا كان في الصلاة، وأما إذا لم يكن في الصلاة نقض، ولم يذكر ذلك رواية، وإنما ذكره عن نفسه، وهو قول لم يقل به أحد من أصحابنا؛ لأنّ ما يوجب الطهارة لا فرق فيه بين الصلاة وغيرها. ٥٩ - [فَصْل النوم مستندًا] وقد ذكر الطحاوي فيمن نام مستندًا إلى شيءٍ لو أزيل عنه لسقط: أن عليه الوضوء (٣)؛ لأنه بلغ إلى غاية الاسترخاء، ولم يسقط للسند، فصار كالمضطجع. وذكر [خلف بن أيوب] (٤) عن أبي يوسف قال: سألت أبا حنيفة عمّن

стр. 107

استند إلى سَارِية أو رَحْلٍ فنام، لولا السارية أو الرَّحْل لم يستمسك، قال: إذا كانت أليتيه مستوثقة الأرض فلا وضوء عليه (١). وهذا خلاف ما ذكره الطحاوي، وهو أشبه بظاهر قوله ﷺ "لا وضوء على من نام قائمًا أو قاعدًا ولم يفصل. ٦٠ - [فَصْل: النوم قاعدًا] فأما إذا نام قاعدًا فسقط، قال خلف بن أيوب عن أبي يوسف: فيمن نام فوقع لم ينتقض وضوئه حتى يستقر نائمًا. وروي ابن رستم عن محمد قال: إن استيقظ حال ما سقط، فلا وضوء عليه. وروى الحسن عن أبي حنيفة قال: ولو استيقظ حال ما سقط جنبه على الأرض وهو نائم، بطل وضوءه، وكذلك إن سقط على قفاه ثم انتبه، وهذا صحيح؛ لأنه إذا استيقظ حال ما وقع على الأرض، لم يوجد جزء من النوم في حال الاضطجاع، فلا يجب عليه الوضوء، وإن حصل على الأرض نائمًا ثم استيقظ، فقد وجد جزء من النوم في حال الاضطجاع، فنقض وضوءه وإن كان يسيرًا (٢). ٦١ - [فَصْل: الوضوء من الإغماء والجنون] وفي قليل الإغماء [والجنون] وكثيرها الوضوء؛ لأنّ يسير الإغماء والجنون أكثر في الغفلة من كثرة النوم، فإذا وجب بالنوم الكثير الوضوء، ففي يسير الجنون والإغماء أولى.

стр. 108

٦٢ - [فَصْل: الوضوء من القهقهة في الصلاة] والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود حدث. وقال الشافعي: ليس بحدث (١). لنا: ما روى [عمرو] بن عبيد عن الحسن عن [معبد] (٢) الجهني "أن النبيّ ﷺ كان يصلي فدخل أعمى إلى المسجد فسقط في بئر، فضحك قوم من خلف رسول الله ﷺ ، فلمّا قضى صلاته قال: مَنْ ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة" (٣)، ولأن الطهارة عبادة يبطلها الحدث فجاز أن يبطلها القهقهة كالصلاة، وأما ما دون القهقهة من الضحك فلا يفسد الصلاة، لما روي "أن النبيّ ﷺ تبسم في صلاته (٤)، فلمّا فرغ سئل عن ذلك، فقال: "أخبرني جبريل أن الله تعالى يقول: من صلّى عليك مرة صليت عليه عشرًا"، ولم يستأنف الصلاة، وإنما

стр. 109

قالوا إن القهقهة في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة لا تبطل الوضوء؛ لأنّ القياس أن لا يبطل القهقهة الطهارة في جميع الأحوال؛ لأنّ ما لا يوجب الوضوء خارج الصلاة، لا يوجبه فيها كالكلام، وإنما تركوا القياس للخبر، والخبر ورد في صلاة كاملة الأركان، فما سواها باق على أصل القياس. ٦٣ - [فَصْل: تأثير الكلام على الطهارة] قال أصحابنا: إن الطهارة لا تبطل بالكلام الفاحش، ومن الناس من أوجب في ذلك الوضوء. لنا: ما روي أن النبيّ ﷺ قال: "من حلف فقال في يمينه واللات، فليقل لا إله إلا الله" (١) ولم يوجب عليه الوضوء. وقال ﷺ : "ومن قال لأخيه تعال أقامرك فليتصدق بشيء" (٢)، وقال ﷺ : "الكلام ينقض الصلاة ولا ينقض الوضوء" (٣). ٦٤ - [فَصْل: الوضوء مما مسته النار] قال أصحابنا: لا يجب الوضوء [من أكْلِ] ما مسته النار، ومن أصحاب الحديث من أوجب الوضوء من ذلك (٤).

стр. 110

وقد روي عن ابن مسعود أنّه قال: "الوضوء مما يخرج لا مما يدخل" (١). وروي أن أهل المدينة كانوا يتوضؤون مما مسته النار إلا آل أبي طالب. والدليل على ما قلناه: ما روي في حديث أبي أمامة عن ميمونة قالت: "دخل عليّ رسول الله ﷺ فغرفتُ له غرفة فأكل، ثم جاء المؤذن فقلت له: الوضوء، فقال: الوضوء علينا مما يخرج لا مما يدخل" (٢)، وروى ابن عباس عن أبي بكر الصديق "أن النبيّ ﷺ نهش من كتف، ثم صلّى ولم يتوضأ" (٣)، ولأنه مأكول كسائر المأكولات. والذي روي عنه ﷺ أنّه قال: "الوضوء مما مسته النار" (٤) فقد أنكره (٥) ابن

стр. 111

عباس وقال لأبي هريرة: "ألسنا نتوضأ بالحميم" وهذا المعنى صحيح؛ لأنّ ما مسته النار لو أبطل الطهارة، لم يقع به الطهارة، أعني الماء السخين. ومعنى الخبر عندنا: فليغسل يده، كما روي أنّه قال: "الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي اللمم" (١). ٦٥ - [فَصْل: مَسّ المصحف للمحدث] قال: ولا يمسُّ الذي على غير وضوء مصحفًا (٢)، وذلك لما روي "أن النبيّ ﷺ كتب في كتاب عمرو بن حزم: وأن لا يمس القرآن إلا طاهر" (٣)؛ ولأنه يباشر القرآن بما يجب غسله، فصار كمسّ مَن بيده نجاسة، ولا يقال إن الصبيان في الكُتّاب يمسون القرآن مع الحدث؛ لأنهم غير مكلفين بالعبادات. ٦٦ - [فَصْل: مَسُّ المصحف بالغلاف] ولا بأس بمسه بعِلاقة، وذلك لأنّ العلاق ليس منه؛ بدلالة أنّه لا يدخل في بيعه إلا بالشرط، فصار كمن حمل جوالقًا فيه مصحف، وعلى هذا قال أصحابنا: إن المُحدِث لا يمس الدراهم الذي عليها القرآن؛ لأنّ حرمة المصحف إنّما هي لما كتب فيه، وسواء كتب على الدراهم أو على غيرها فهو سواء (٤).

стр. 112

بَابْ ما يوجب الغُسْل ٦٧ - [موجبات الغُسْل] قال الشيخ رحمه الله تعالى: ويوجب الغسل: الجنابة وهي: الإنزال بأي وجه كان سببه، إذا خرج دفقًا تنقطع عنه الشهوة، ويفتر به الذكر؛ [وذلك] لأنّ خروج المني على هذه الصفة يوجب الجنابة، وقد قال الله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]، وأما إذا خرج المني من غير شهوة مثل: أن يضرب الرجل على ظهره فيسبق المني، أو يصيبه سلس فيخرج المني بغير اختياره، فلا غسل فيه عندنا، وعند الشافعي: يوجب الغسل (١). لنا: أنّه خارج على غير وجه الدفق والشهوة، فلم يوجب خروجه جنابة كالمذي؛ ولأن هذا الخارج يخرج على صفتين أعلى وأدنى، فأعلاه: ما خرج على وجه الدفق والشهوة وهو العام، وأدناه: ما كان على غير وجه الدفق والشهوة، وهو الذي لا يوجد إلا بسبب حادث، فلا يتعلق بالخارج [الأدنى] ما يتعلق [بالأعلى] كدم الحيض (٢) والاستحاضة.

стр. 113

٦٨ - [فَصْل: الغسل من الاحتلام] والمرأة والرجل في الاحتلام، سواء، لحديث أم سُلَيم "أنّها كانت مجاورة لأم سلمة فكانت تدخل عليها، قالت: فدخل رسول الله ﷺ وأنا في بيتها فقلت: يا رسول الله ﷺ المرأة إذا رأت أن زوجها يجامعها في المنام تغتسل؟ فقالت أم سلمة: تربت يداكِ يا أم سُليم فضحْتِ النساء عند رسول الله ﷺ ، فقالت أم سُلَيم: إن الله لا يستحي من الحق؛ ولَأَنْ نسألَ رسول الله ﷺ عما يُشكل علينا في ديننا خير من أن نكون منه على عمى، فقال رسول الله ﷺ : بل أنتِ يا أم سلمة فقد تربت يداك، يا أم سُليم عليها الغُسل إذا وجدت الماء" (١). ٦٩ - [فَصْل: الغسل بالإيلاج] قال: والإيلاج في أحد السبيلين من الإنسان، يستوي في ذلك الفاعل والمفعول به، إذا توارت الحشفة، والأصل في الغسل (٢) [من الوطء] بغير إنزال خلاف ما قاله قوم: إن الغسل لا يجب إلا بالإنزال. لنا: ما روت عائشة أن النبيّ ﷺ ، قال: "إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة، وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل"، وقالت عائشة: فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا" (٣).

стр. 114

وروي أن عمر بلغه أن زيد بن ثابت يفتي: أن لا غسل فيه، فدعاه فقال: من أين لك ذلك؟ فقال: سمعت عمومتي من الأنصار يقولون: إنا كنا نقول على عهد رسول الله ﷺ (الماء من الماء) فدعاهم عمر وسألهم عن ذلك، فقالوا: هكذا كنا نقول، فأنفذ إلى زوجات النبيّ ﷺ فسألهن عن ذلك، فروين أن فيه الغسل، فقال للأنصار: أفهذا شيء سمعه رسول الله ﷺ منكم فرضيه من الحكم؟ قالوا: لا، فقال: فلا إذًا، ثم قال لزيد: يا عدوّ نفسك لئن عدتَ إلى هذا لأوجعنك ضربًا (١). وروي عن أُبَي بن كعب (٢) أنّه قال: كان ذلك رخصة في بدء الإسلام ثم أمرنا بالغسل؛ ولأنه يتعلق به الحد فيتعلق به الغسل كما لو أنزل، وهذا معنى قول علي ﵁: "كيف توجبون فيه الحد ولا توجبون فيه صاعًا من ماء" (٣). وأما الإيلاج في السبيل الآخر فيوجب الغسل؛ لأنه وطء مقصود كالوطء في الفرج، وهذا صحيح على أصل أبي يوسف ومحمد؛ لأنهما سوّيا بين الوطأين في إيجاب الحد. فأما على أصل أبي حنيفة فلا يجب الحد بالوطء في غير الفرج، ويجب الغسل؛ لأنّ الطهارة يعتبر فيها الاحتياط، والحد يسقط بالاحتياط. وأما قول أبي الحسن: إذا توارت الحشفة، فهو صحيح، وقد ذكر محمد:

стр. 115

إذا التقى الختانان وغابت الحشفة، وكذلك ذكر الطحاوي (١)، وليس نحتاج إلى الجمع بين الأمرين؛ لأنّ التقاء الختانين لا يحصل إلا بعد تواري الحشفة، ألا ترى أن موضع الختان من الرجل في آخر الحشفة، فإذا انتهى إلى موضع ختان المرأة توارت الحشفة، وإنما جمع بين ذكرهما على طريق التأكيد. ٧٠ - [فَصْل الغسل من الجماع] قال محمد: في البكر إذا جومعت فسبق الماء فحبلت، فعليها الغسل ليس من (قِبَل) (٢) الحبل، ولكن لأنّ المرأة لا تحبل حتى تنزل، وإنزال المرأة يتعلق به من الغسل ما يتعلق بإنزال الرجل، بدليل ما روي أن أم سُليم سألت النبيّ ﷺ : عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل؟ فقال: "إذا كان منها ما يكون من الرجل فلتغتسل" (٣). ٧١ - [فَصْل: الغسل من الحيض والنفاس] قال: والحيض والنفاس يوجبان الغسل (٤). وأما وجوب الغسل من الحيض: فلقوله تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فمنع الزوج من وطئها لأجل الاغتسال، ولو لم يكن واجبًا، لم يمنعه من حق لأجله.

стр. 116

فأما النفاس فليس في النص دليل على وجوب الغسل منه، إلا أن الأمة أجمعت عليه، فإما أن يكونوا أجمعوا بنص ثم اكتفوا بالإجماع عن نقله؛ لأنه آكد منه، أو يكونوا قاسوه على دم الحيض بعِلَّة أنّه دم خارج من الرحم، والقياس يجوز أن ينعقد [عليه] (١) الإجماع. ٧٢ - [فَصْل: أقل وأكثر مدة النفاس] قال: والنفاس: الدم الخارج عقب الولادة، وليس لقليله حَدّ، وأكثره أربعون يومًا، وهو بعد ذلك إن لم ينقطع استحاضةٌ، وذلك لأنّ النفاس قيل إنّه مأخوذ من تنفس الرحم بالدم، وقيل: مأخوذ من خروج النفْس: وهو الولد، وقيل: مأخوذ من خروج النفْس، وهو الدم، فأي ذلك كان، فهو موجود عقيب الولادة، وَإنما فرق أصحابنا بين قليل الحيض وبين قليل النفاس، فلم يقدروا لأقل النفاس مدة، وقدروا لأقل الحيض مدة؛ لأنّ النفاس معه عَلَم ظاهر يدل على خروجه من الرحم، وهو تقدم الولد عليه، وليس مع الحيض عَلَم يدل على خروجه من الرحم، فإذا امتدّ في الأيام صار امتداده ظاهرًا. والذي قال به أبو يوسف في مختصره: إن أقلّ النفاس عند أبي حنيفة خمسة وعشرون يومًا، ليس بتقديرٍ لأقل النفاس، وإنّما قال ذلك في أقل ما تُصدّق فيه النفساء المعتدة في انقضاء عدتها، وليس ذلك بتقدير لأقل النفاس، وإنما هو لمعنى آخر يذكره في العدد. والذي روي عن أبي يوسف في أقل النفاس: أحد عشر يومًا، فعلى هذه الطريقة إنّما قال ذلك فيما تصدق فيه النفساء؛ لأنه يقول: إن أقَلَّ النفاس في

стр. 117

العادة يزيد على أكثر الحيض، وإلا فلا خلاف بين أصحابنا أن الدَّم إذا انقطع عن النفساء عقيب الولادة اغتسلت وصلت، وقد دل على ذلك ما روي أن النبيّ ﷺ قال: "تقعد النفساء أربعين يومًا إلا أن ترى طهرًا قبل ذلك" (١)، ولم يقدره. وأما أكثر النفاس: فأربعون يومًا. وقال الشافعي: ستون يومًا. وقال مالك: سبعون يومًا (٢). لنا: [حديث مُسة] الأزدية عن أم سلمة زوجة النبيّ ﷺ قالت: "كانت النفساء على عهد رسول الله ﷺ تجلس أربعين يومًا، وكنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف" (٣)، وروت أم سلمة "أن النبي ﷺ وقت للنفساء أربعين يومًا" (٤). وروى حميد عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ "وَقَّتَ للنُّفَساء أربعين يومًا إلا أن ترى الطُّهْر قبل ذلك" (٥).

стр. 118

وروى مكحول عن أبي هريرة وأبي الدرداء رفعاه إلى النبي ﷺ قال: "تنتظر النفساء أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك" (١)، وإن لم تر الطهر فيما بعد أربعين يومًا، فهي مستحاضة، تصنع ما تصنع المستحاضة؛ ولأن ما زاد على الأربعين مدة مختلف في كونها نفاسًا، كما زاد على الستين. ٧٣ - [فَصْل: أقل الحيض وأكثره] قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: والحيض: هو الدم الخارج من الرحم تكون به المرأة بالغًا في ابتدائها به، وتعتاده النساء في وقت بعد وقت. والأصل في هذا: أن الحيض معروف في اللغة: وهو خروج الدم، يقولون: حاضت الأرنب، وحاضت السَّمرة إذا خرج منها الصمغ الأحمر. وقالت فاطمة للنبي ﷺ : "إني أستحاض فلا أطهر الشهر والشهرين" (٢). والحيض والاستحاضة في اللغة: عبارة عن معنى واحد، ولهذا قالت فاطمة إني أستحاض فلا أطهر؛ ولأن الاستحاضة استفعال من الحيض، وإنما خصت الشريعة الاسم بدم دون دم، إذا خرج من شخص دون شخص، فجعلت الاستحاضة اسمًا للدم الخارج من الفرج من غير الرحم. فأما حدّ أبي الحسن للحيض فيكتفى في الحد قوله: الدم الذي تصير به المرأة بالغًا بابتدائها به، ولا نحتاج إلى قوله وتعتاده النساء في الوقت بعد الوقت، وإنما ذكر ذلك لزيادة البيان.

стр. 119

قال: وأقله ثلاثة أيام، وقد ذكر أبو يوسف في الإملاء: إن أقل الحيض يومان وأكثر اليوم الثالث، وكذلك ذكره محمد في كتاب الصلاة. وقال الشافعي: يوم وليلة (١). لنا: ما روي من حديث أبي أمامة أن النبيّ ﷺ قال: "أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام، وما زاد على ذلك فهو استحاضة" (٢). وقد روي في تقدير أقل الحيض ثلاثة أيام: عن عمر، وعلي، وابن عباس، وعمرو بن العاص، وابن مسعود، وأنس. وأما طريقة المقادير فلا تعلم إلا من طريق التوقيف، فإذا قاله الصحابي، فكأنه رواه عن رسول الله ﷺ ؛ ولأن كل مدة جاز للمقيم أن يمسح فيها على الخفين، لم يقدر بها أقل الحيض، كبعض اليوم. وجه الرواية الأخرى: أن الحائض لا يستمر دمها في جميع الأيام، فإذا انقطع قبل آخر اليوم الثالث بساعة، لم تعتد بذلك الانقطاع. وأما أكثر الحيض: فعشرة أيام، وقال الشافعي: خمسة عشر يومًا (٣).

стр. 120

لنا: حديث أبي أمامة؛ ولأن ما زاد على عشرة أيام نادر في أكثر الحيض، فلا يثبت حيضًا بالوجود، كما زاد على خمسة عشر. ٧٤ - [فَصْل: زيادة الحيض عن العشرة] قال [أبو الحسن]: فإن زاد على عشرة أيام فهو استحاضة، وذلك لأنّنا بينا أن الحيض لا يجوز أن يزيد على العشرة فما زاد عليها فليس بحيض، والدم الخارج من الفرج: إما أن يكون حيضًا أو استحاضة، ثم هو على وجهين: إن كانت المرأة ابتدأت بالدم فرأت أكثر من عشرة أيام، فإن حيضها عشرة، وما زاد استحاضة، وكذلك في كل شهر. وروي عن أبي يوسف أنّه قال: ينقطع عنها الرجعة لثلاثة أيام، وتقضي الصلاة والصوم، ولا يطؤها الزوج حتى يمضي العشرة، ولا يجوز لها أن تتزوج إلى ما بعد العشرة. وقال إبراهيم النخعي: ترد إلى عادة نسائها. وللشافعي قولان: أحدهما: أنّها ترد إلى يوم وليلة، والآخر إلى ستة أو إلى سبعة (١).

стр. 121

لنا: أن ما دون العشرة ليس بعادة لها، ولا ترد إليه لأجل الاستحاضة كاليومين. وأما من اعتبر حيض نسائها فليس بصحيح؛ لأنّ النساء يختلفن في عادة الحيض بحسب قوة البدن وصحته، فلا يتفق حيض الأختين ولا حيض الأم والبنت، وإذا لم يكن متفقًا لم يجز العود إليه. وجه قول أبي يوسف: أن المعتبر في الحيض الاحتياط، ومن الاحتياط أن يؤخذ بأقل الحيض في الرجعة والصوم والصلاة وبأكثر الحيض في التزوج، وإباحة الوطء. ٧٥ - [فَصْل: المستحاضة وعادتها] وإن كانت المستحاضة لها أيام معتادة ردت إلى عادتها. وقال الشافعي: يعتبر لون الدم، فما دام على لون واحد فهو حيض، فإذا تغير فهو استحاضة. وقال مالك: [تستظهر] (١) المستحاضة بعد أيامها ثلاثة أيام، ثم تغتسل وتصلي (٢). لنا: ما روي أن النبيّ ﷺ : قال: "المستحاضة ترد إلى أيامها المعتادة" (٣).

стр. 122

وروي أن فاطمة قالت للنبي ﷺ : إني استحاض فلا أطهر، فقال لها: "ليس ذلك بحيض، وإنما هو داء عرض أو عرق انقطع، فإذا كان كذلك فانظري عدد الأيام والليالي اللاتي كنت ترين الدم فيها من كل شهر ثم اغتسلي، وصلّي" (١)، ولأنه دم خارج من الرحم، فلا يتميّز باللون كدم النفاس. والذي قاله مالك مخالف للخبر؛ ولأن الاحتياط يعتبر في فعل الصلاة والصوم، لا في إسقاطهما. ٧٦ - [فَصْل: الاختلاف في عادة المستحاضة] فإن كانت المستحاضة ترى الدم مرة ستًا ومرة سبعًا، فإذا مضت الست، اغتسلت وصلت وصامت، ولم يطأها زوجها، وانقطعت الرجعة عنها، فإذا مضى اليوم السابع، اغتسلت غسلًا ثانيًا، وجاز لزوجها وطؤها، وقضت الصوم في اليوم السابع؛ وذلك لأنه يحتمل أن يكون حيضها إحدى العادتين، فأُخذ لها بالاحتياط. ٧٧ - [فصل] فإن زاد الدم على عادتها حتى تمت العشر وانقطع، فهو كله حيض؛ لأنّها لم تصر مستحاضة، والحائض تارة يزيد دمها وينقص تارة، فإذا اعتد بنقصانه، فكذلك بزيادته (٢). ٧٨ - [فَصْل: في حيض الحامل] وقد قال أصحابنا: إن الحامل إذا رأت الدم في أيامها فليس بحيض.

стр. 123

وقال الشافعي: هو حيض (١). لنا: قوله ﷺ في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة" (٢)، فجعل الحيض علما في نفي الحبل، فدلّ على أنّه لا يجتمع معه؛ ولأنه دم لا يمنع إيقاع الطلاق بحال، فلم يكن حيضًا، كدم الاستحاضة. وقالوا في الدم الذي تراه المرأة حال الطلق: إنّه دم استحاضة، لا يمنع الصلاة والصوم؛ لأنه حصل مع وجود الحبل. فأما إذا خرج أكثر الولد فقد روى خلف بن أيوب عن أبي يوسف: أن ما تراه من الدم حينئذٍ نفاس، قال: وكذا لو انقطع الولد فخرج منها عضوًا عضوًا، فإذا خرج أكثره فما تراه نفاس؛ لأنّ خروج أكثر الولد كخروجه جميعه، ألا ترى أنّ ما بقي منه لا يمنع خروج الدم. ٧٩ - [فَصْل: الحائض تصلي] والحائض لا تصلي؛ لأنّ الحدث موجود، ووجود الحدث يمنع من فعل الصلاة، ولا تصوم (٣). لما روي عن عائشة قالت: "كن النساء على عهد رسول الله ﷺ تقضي

стр. 124

الصّوم ولا تقضي الصلاة" (١)، فدلّ على أن الحيض يمنع الصوم، ولا يأتيها زوجها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ٨٠ - [فَصْل: قراءة الجنب والحائض القرآن] ولا تقرأ القرآن، وقال مالك: يجوز أن تقرأ القرآن (٢). لنا: حديث ابن عمر أن النبيّ ﷺ قال: "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن" (٣)؛ ولأنه غسل واجب فيه جميع البدن، كغسل الجنابة. وأما الجنب فلا يقرأ القرآن، وقال نفاة القياس: يقرأ القرآن (٤). لنا: حديث ابن عمر أن النبيّ ﷺ قال: "لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن"؛ ولأنه يباشر القرآن بعضو وجب غسله، فلا يجوز، كما لو مسّه بنجاسة؛ ولأن في حال الوطئ لا يقرأ، وهو يؤدي إلى الجنابة، فكذلك حال الجنابة. وقد ذكر الطحاوي رحمه الله تعالى: أن الجنب والحائض لا يقرآن الآية التامة (٥).

стр. 125

وكان أصحابنا يقولون: الآية وما دونها في تحريم القراءة سواء، وإنما يجوز أن يقرأ ما دون الآية؛ لأنه لا يقصد به القرآن (١)، مثل من قال: بسم الله، يقصد به ذكره تعالى، ولا يريد أن يقرأ الآية، وكمن قال الحمد الله، يقصد به الشكر، ولا يقصد به [ابتداء الفاتحة] (٢). وقد روى عمرو عن محمد أنّه قال: أكره للجنب أن يقول: الحمد الله، ويريد بذلك القرآن، وإن قالها لا يريد به القرآن، فلا بأس به، وإنما يعني بقراءة الحمد ابتداء الفاتحة (٣). والدليل على أن ما دون الآية لا يجوز؛ [للجنب القراءة إذا قصد القرآن]؛ لأنّ المنع لحرمة القرآن، وذلك يستوي فيه القليل والكثير. قال أصحابنا: لا يجوز للواحد والاثنين أن يسافرا بالقرآن إلى أرض الحرب، ويجوز بالآية والآيتين؛ لأنّ المنع من السفر مخافة أن تناله أيديهم باستخفاف، وهم إنّما يقصدون المصحف، ولا يقصدون ما دونه. وقد روى ابن سماعة عن أبي يوسف قال: لا يقرأ جنب ولا حائض، ولا يقرأ في المخرج، ولا المغتسل، ولا الحَمَّام، وهو قول أبي حنيفة. وقال محمد: اقرأ في الحَمَّام إن شئت (٤).

стр. 126

وإنما منع من القراءة في هذه المواضع تنزيها للقرآن عن أماكن النجاسات، والذي قاله محمد؛ فلأن الحمّام أكثر ما فيه أنّه معد للغسل، وليس بموضع للنجاسة، فهو كالبيوت. وقال أبو يوسف: لا يترك الكافر يمس مصحفًا. وقال محمد: إن اغتسل فلا بأس؛ لأنّ [المانع] من مَسّ الكافر المصحف الحدث الذي هو عليه في الغالب، فإذا اغتسل زال الحدث. وقال أبو يوسف: لا بأس بأن يكتب الجنب القرآن إذا كانت الصحيفة في الأرض؛ لأنه ليس بحامل للمصحف، وإنما يكتب حرفًا [حرفًا]، والحرف بانفراده ليس بقرآن. وقال محمد: أحبّ إليّ ألا يكتب؛ لأنه في حكم المماس للحروف. ٨١ - [فَصْل: طواف الحائض] ولا تطوف الحائض بالبيت بحِجّة ولا عمرة. لأنّ النبيّ ﷺ قال لعائشة لما حاضت: "ارفضي عنك العمرة، وافعلي ما يفعله الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت" (١) ولأن الطهارة واجبة في الطواف عند أكثر الناس وإن لم يكن فرضًا، فلم يجز أن تطوف مع فقد الطهارة. * * *

стр. 127

٨٢ - [فَصْل: الغسل من الحيض] وإذا انقطع دم الحائض وجب عليها الغسل لرؤية الدم؛ لأن الدم إذا حصل نقض الطهارة الكبرى، ولم يجب الغسل مع سَيَلان الدم؛ لأنه ينافيه، فإذا انقطع أمكن الغسل، فوجب لأجل ذلك الحدث السابق، فأما الانقطاع فهو طهارة، فلا يوجب الطهارة. ٨٣ - [فَصْل: في نوم الجنب] ولا بأس للجنب أن ينام، ويعاود أهله قبل أن يتوضأ. أما فعل الوضوء فَلمِا روتْ عائشة "أن النبيّ ﷺ كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة " (١). وعن عمر قال: يا رسول الله أينام أحدنا وهو جنب؟! قال: "نعم، ويتوضأ وضوءه للصلاة" (٢). وأما جواز تركه فروى الأسود عن عائشة "أن النبيّ ﷺ نام وهو جنب من غير أن يمس ماء" (٣)؛ ولأن الوضوء يفعل لأداء قربة أو عبادة، وليس في النوم واحد من الأمرين. ٨٤ - [فَصْل: الجنب إذا أراد الأكل] قال: فإذا أراد أن يأكل، فينبغي أن يتمَضْمَضَ، ويغسل يديه لحديث ابن

стр. 128

عباس "أن النبيّ ﷺ رخّص للجنب إذا أراد أن يأكل أن يتوضأ" (١)؛ ولأنّ يد الجنب لا تخلو من نجاسة، فإذا أكل أو شرب الماء فصار الماء مستعملًا [فيؤدي إلى أن يكون شرب ماء نجساً على مذهب أبي يوسف] (٢). * * *

стр. 129

بَابْ الماء الذي لا يجوز الوضوء به ٨٥ - [الماء المطلق] قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: كل ماء لم يخالطه نجاسة، ولم يغلب عليه غيره حتى يزيل [عنه] اسم الماء، فالوضوء به جائز، عذبًا كان أو ملحًا، جاريًا كان أو راكدًا، فى بحر كان أو غيره. قال رحمه الله تعالى والأصل في جواز الطهارة (١) بالماء قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وقال: ﴿لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]. وقوله ﷺ : "خلق الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غيّر طعمه أو لونه أو ريحه" (٢). وإنما استوى العذب والملح؛ لما روي عن النبيّ ﷺ أنّه سئل عن البحر فقال: "هو الطهور ماؤه، والحِلُّ ميتته" (٣). وأما الراكد والجاري؛ فلأن النبيّ ﷺ سئل عن الماء يكون في الفلاة،

стр. 130

يَرِده السباع والدواب، فقال: "لها ما أخذت في بطونها، وما بقي فهو لنا شراب وطهور" (١)، وكان النبيّ ﷺ يتوضأ من آبار المدينة". ٨٦ - [فَصْل: مخالطة النجاسة الماء] قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وإذا خالطته نجاسة إلى آخر الفصل. قال: فأما إذا خالطت النجاسة الماء، فالذي كان يقصده أبو الحسن: أن كل ما تيقنا وقوع النجاسة فيه (٢)، أو غلب على ظنّنا، فإنه لا يجوز الوضوء به، قليلًا كان الماء أو كثيرًا، جاريًا أو راكدًا. والذي قاله أصحابنا في الغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر [أنه لا ينجس]، فإنّما قالوا كذلك؛ لأنّ النجاسة إذا حصلت في أحد طرفيه لم تصل إلى الآخر. وقد روي عن أبي يوسف أنّه قال -في الغدير العظيم والماء الجاري-: أنّه لا ينجس إلا بظهور النجاسة (٣).

стр. 131

وقال مالك: إذا اختلطت النجاسة بالماء، جاز الوضوء به، إلّا أن يتغير أحد أوصافه. وقال الشافعي فيما دون القلتين (١) مثل قولنا [وفي القلتين] وما زاد عليها، فهو مثل قول مالك (٢). لنا: قوله ﷺ : "إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يعْمِسَنَّ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا" (٣) فاحتاط من نجاسة لا يشاهدها الإنسان، وذلك [لأنه] (٤) يجوز أن يغير الماء، فلو كان لا ينجس به لم يكن للاحتياط معنى.

стр. 132

وروي أنّه قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه وليغسله سبعًا" (١) ولم يفصل بين إراقة قلتين وما زاد عليهما؛ ولأنه لا يتوصل إلى [استعمال] الماء إلا مع النجاسة، فصار كما لو ظهرت، ولأن النجاسة تؤثر في الماء والثوب، فإذا استوى في الثوب ما طهر وما لم يطهر، فكذلك في الماء. وأما ما روي أن النبيّ ﷺ قيل له إنك تتوضأ من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها الجيف، ومحائض النساء، فقال ﷺ : "خلق الماء طهورًا لم ينجسه شيء" (٢)، فهذا خبر لم يتفق على استعماله، وما ذكرناه من الأخبار اتفق الأمة على استعمالها، فكانت أولى؛ ولأن النبيّ ﷺ لا يجوّز أن يتوضأ من بئر يلقى فيها الجيف مع علمنا بنزاهته، وإيثاره الرائحة الطيبة وكراهته للخبيثة، وإنما هذه [البئر] كان يصنع بها ما ذكر في الجاهلية، بها ما ذكر في الجاهلية، فسألوه عن حكمها بعد الإسلام؟ فبيّن لهم أنّه إذا لم يكن للنجاسة أثر، لم يعتد بنجاستها من قبل تبيين ذلك. إن الذي استقر في الشريعة الأمر بحراسة الماء من النجاسات، ولهذا قال ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" (٣) فكيف يلقون النجاسة فيما يتوضئون منه!، فعلم أن هذا كان من أفعال الجاهلية، فشك المسلمون [في حال البئر بعد انقطاع ما يلقى فيها. وأما ما تعلق به الشافعي] من حديث ابن عمر أن النبيّ ﷺ قال: "إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا" (٤) فخبر ضعيف عند أصحاب الحديث، وهو مدني

стр. 133

ولم يروه أهل المدينة، ولا عمل عليه مالك. وقال الشافعي (١): بلغني عن النبيّ ﷺ بإسناد لم يحضرني، فقال أئمة الحديث: ما حضره ولا يحضره أبدًا، ومثل هذا الخبر لا يرجع إليه في حكم يخالف الأصول. ٨٧ - [فَصْل: الاعتبار بغالب الظن] قال: وقد حكينا عن أبي الحسن في تحصيل المذهب أنّه قال: كل ما تيقّنّا فيه جزءًا من النجاسة [أو غلب على ظننا لم يجز استعماله، وكان شيخنا أبو عبد الله يقول: كل ما تيقنا فيه]. فأما ما غلب على ظننا فلا نعتبره؛ وذلك لأنّ الماء طاهر بتيقن، فلا يرتفع حكم طهارته [إلّا] بتيقن، والصحيح ما قاله أبو الحسن؛ لأنهم قد قالوا في الغدير العظيم إذا وقعت النجاسة في أحد جانبيه، وغلب على الظن أنّها لم تصل إلى الجانب الآخر، جاز الوضوء به، وإن غلب على الظن أنّها وصلت لم يجز الوضوء، فقد منعوا بغالب الظن، وقالوا فيمن أخبره رجل بنجاسة الماء، أنّه لا يتوضأ به، وإن كان خبره [لا] يوجب الظن ولا يوجب اليقين. ٨٨ - [فَصْل: الاعتبار في التحرك] فأما ما قالوا في الغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر، فقد روي عنهم: أن المعتبر في التحرك أن المغتسل إذا اغتسل من أحد جانبيه، فلم يضطرب الجانب الآخر باغتساله، جاز الوضوء من الجانب الآخر.

стр. 134

وروي عنهم أن المعتبر التحريك الذي يحصل بتوضئ المتوضئ. وقد روي عن محمد أنّه سئل عن ذلك، فقال: إذا كان مثل مسجدي هذا، فذرع فكان عشرًا في عشر، والمعتبر في ذلك ليس بالمقادير، وإنما هو بما يغلب على الظن في وصول النجاسة. وجه قول أبي يوسف: في أن الغدير العظيم والماء الجاري لا ينجس إلا بظهور النجاسة، أن الضرورة تقتضي العفو عن ذلك، وإلا حكم بنجاسة البحر إذا وقعت فيه نجاسة، وهذا لا يصح. ٨٩ - [فَصْل: اختلاط الطاهر بالماء] وأما الطاهرات إذا اختلطت بالماء، فإما أن يتغير بها أو لا يتغير، فإن لم يتغير جاز الوضوء به بالاتفاق؛ لأنه بقي على الإطلاق (١) كما قبل الاختلاط، وأما إذا تغير فقد قال أصحابنا: إنّه على وجهين: فإن طبخ بها حتى تغير،، لم يجز الوضوء به، مثل ماء الباقلاء، والمرقة، إلا أن يطبخ بما يقصد به المبالغة في النظافة مثل الأشنان والصابون فيجوز الوضوء به وإن لم يغيّر ما لم يضر به، كالسويق المخوض، فأما إذا تغير من غير طبخ جاز الوضوء به، ما لم يغلب على الماء. قال أبو يوسف: يجوز الوضوء بماء الزردج فإن غلب على الماء حتى صار [شيئًا سبخًا] (٢) لم يجز الوضوء به. وقال الشافعي: إذا تغير أحد أوصاف الماء لم يجز التوضؤ به إلا في الطين

стр. 135

والجص والنورة والنفط والكبريت (١). لنا: أن مخالطة الطاهرات لا يمنع الوضوء بالماء، فجاز الوضوء به مع تغير أوصافه كالطين والنفط. ٩٠ - [فَصْل: الوضوء بالماء المستعمل] قالوا: ولا يجوز الوضوء بالماء المستعمل. وقال مالك: يجوز الوضوء به (٢). لنا: قوله ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة" (٣). والنهي عن الاغتسال يدل على الفساد؛ ولأن الفقهاء اختلفوا فيمن معه من الماء ما لا يكفيه للوضوء [هل] يستعمله أم لا؟ ولم يقل أحد منهم أنّه يستعمله في كل أعضائه، فلو جاز الوضوء بالماء المستعمل لنقلوه من عضو إلى عضو؛ ولأنه لما زال به [المانع] عن فعل الصلاة، فلم يجز الوضوء به، كالماء الذي غسل به النجاسة (إذا تغير). ٩١ - [فَصْل: حكم الماء المستعمل] وروى محمد عن أبي حنيفة: أن الماء المستعمل طاهر غير مطهر للأحداث.

стр. 136

وروى الحسن عن أبي حنيفة: أنّه نجس، فإن أصاب الثوب منه قدر الدرهم، لم تجز الصلاة [فيه]. وروى هشام عن أبي يوسف: أنّه يفسد الثوب إذا كان كثيرًا فاحشًا. وروى المعلى عن أبي يوسف: أن المحدث إذا توضأ فالماء نجس، وإن توضأ الطاهر لم ينجس. وجه رواية محمد، وهي الصحيحة "أن النبيّ ﷺ إذا توضأ بادر أصحابه إلى وضوئه، فمسحوا به وجوههم" فإذا كان نجسًا لمنعهم منه. وروي أنّه أعطى فَضل وضوءه لوفد فقالوا: إن الطريق بعيد، فقال: "زيدوا فيه ماء؛ فإنه لا يزيده إلا طيبًا" (١)؛ ولأنه ماء طاهر لاقى محلًا طاهرًا، كما لو غُسل به ثوب طاهر. وجه رواية الحسن: أنّه ما زال به [المانع] عن فعل الصلاة، كالماء الذي غسل به من النجاسة. وأما رواية المُعَلّى: فاعتبر فيها أن ما زال به الحدث، حُكم بنجاسته، وما لم يزل به الحدث، لم يتغير عن حاله. وإنما اعتبر أبو يوسف الكثير الفاحش؛ لأنّ من أصله: أن ما اختلف في نجاسته خفف حكمه، كالأرواث. والذي رواه الحسن من التقدير بأكثر من قدر الدرهم، بعيد؛ لأنّ الماء

стр. 137

المستعمل لا يمكن حفظ الثياب منه (١). ٩٢ - [فَصْل: الماء المستعمل في الوضوء] قال أصحابنا: إذا توضأ المتوضئ، فالماء مستعمل. وقال الشافعي: لا يكون مستعملًا. لنا أن استعمال الماء فيه قربة، بدليل قوله ﷺ : "الوضوء على الوضوء نور على نور" (٢)، وإذا كان فيه قربة، صار كما لو زال به الحدث. ٩٣ - [فَصْل: صيرورة الماء مستعملًا] قال: كان أبو بكر الرازي يقول: إن من أصل أبي يوسف: أن الماء يصير مستعملًا بأحد شرطين: إما أن يستعمله على وجه القربة، أو يرفع به الحدث. وفي أصل محمد: أنّه لا يصير مستعملًا إلا أن يستعمله على وجه القربة. ولم يكن يروي ذلك عنهما، وإنما كان يقول استدلالًا بمسألة في كتاب الصلاة، وهي: أن الجنب إذا نزل بئرًا يطلب دلوًا، قال أبو يوسف: الماء بحاله والرجل بحاله، وقال محمد: الماء طاهر والرجل طاهر، كما قال أبو بكر. وجه قول أبي يوسف: أن الحدث زال بالماء، فصار كما لو استعمل على وجه القربة. وجه قول محمد: أن الجنب إذا أدخل يده في الإناء يغترف منه، طهرت

стр. 138

ولم يصر الماء مستعملًا؛ لأنه لم يستعمله على طريق القربة؛ فإذا ثبت هذا الأصل، قال أبو يوسف -في مسألة البئر-: إن حكمت بطهارة الرجل حكمت باستعمال الماء، ولو حكمت باستعمال الماء بطلت طهارته؛ لأنه يصير مستعملًا بأول جزء يلاقيه من الماء، فيغتسل بعد ذلك بماء مستعمل، فلا يجوز، وإذا لم تجز الطهارة لم يصر الماء مستعملًا. وقال محمد: لما لم ينزل للاغتسال لم يكن متقربًا بالاستعمال، فصار طاهرًا وبقي الماء بحاله. وكان شيخنا أبو عبد الله ينكر هذا الخلاف، وقال: لا خلاف بين أصحابنا أن إزالة الحدث توجب استعمال الماء؛ لأنه حصل المقصود بالاستعمال، [فصار] كما لو قصد القربة، قال: ولا ضرورة بنا إلى إثبات خلاف بغير رواية، وما قالوه في الجنب يدخل يده في الإناء، فإنما ذلك للضرورة، لا لعدم قصد القربة، ألا ترى أنه لو أدخل رجله في الإناء صار مستعملًا؛ لأنه لا ضرورة [به] إلى ذلك. قالوا: لو أدخل رجله في البئر يطلب دلوًا، لم يصر مستعملًا؛ لأن الضرورة تدعو إلى ذلك، فصار كإدخال اليد في الإناء. وقالوا: لو أدخل رأسه في الماء، يصير مستعملًا؛ لأنه لا حاجة به إليه. وأما مسألة البئر فلها وجه يخصها، وهو: أن أبا يوسف قال: لو صار الماء مستعملًا، لم يجز به الغسل، وإذا لم يجز الغسل لم يرتفع به الحدث، فيبقى الماء بحاله. وقال محمد: نزول الجنب إلى البئر ليطلب الدلو موضع للضرورة، ألا ترى

стр. 139

أن الناس يشق عليهم إذا حملوا غوّاصًا أن يكلّفوه الاغتسال قبل النزول، فصار ذلك كإدخال اليد في الإناء (١). ٩٤ - [فَصْل: الوضوء في المسجد] قال أبو حنيفة، وأبو يوسف: يكره الوضوء في المسجد، قال أبو يوسف: إلّا أن يكون موضعًا قد أعد لذلك. قال محمد: إذا لم يكن عليه قذر فلا بأس. أما أبو حنيفة فيقول: الماء المستعمل مستقذر في العادة؛ ولهذا قالوا يكره شربه، والمسجد يجنّب مما يستقذر كما يجنّب النخامة. فأما أبو يوسف فمن أصله أنّه نجس، [والنجاسات] لا يجوز إلقاؤها في المسجد. وأما محمد: فمن أصله أنه طاهر، فإذا لم يكن على بدنه نجاسة، صار كاللبن. ٩٥ - [فَصْل: التبرّد بالماء] وقد ذكر الطحاوي في مختصره: أن من تبرّد بالماء صار الماء مستعملًا، وأنكر ذلك أبو بكر الرازي في الشرح، قال: إن [المتبرد] لم يرفع به حدث ولا استعمله على وجه القربة، ويجب أن يحمل قول الطحاوي على المُحْدِث إذا تبرّد، فيصير الماء مستعملًا بزوال الحدث به (٢).

стр. 140

بَابُ الأواني والآبار قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: وما كان من هذه المياه في الأواني، فوقعت فيها نجاسة مائعة، فهو نجس، يراق ويغسل الإناء ثلاثًا ما صغر من الإناء وما كبر، غلب على لون الماء وطعمه وريحه، أو لم يغلب. ٩٦ - [تطهير الإناء] قال رحمه الله تعالى: الأصل في ذلك أن مخالطة النجاسة للماء ينجسّه وإن لم يتغيّر أحد أوصافه، فأمّا الإراقة فإنّما ذكرها ليتبيّن تطهير الإناء؛ وذلك لا يمكن مع بقاء الماء النجس، فأما وجوب الإراقة زوال عينها، وإن لم تكن مرئية فطهارته موقوفة على الإراقة، وهي على وجهين: إن تغيّرت أوصاف الماء بالنجاسة، لم يجز الانتفاع به؛ لأنّها غلبت عليه، فصار كعين النجاسة، وأمّا إذا لم يتغير الماء، فيجوز الانتفاع به في غير الأبدان، مثل بلّ الطين، وسقي الدوابّ؛ لأنّ النبي ﷺ قال في السمن المائع إذا وقعت فيه فأرة: "استصبحوا به" (١)، فدلّ على جواز الانتفاع بالنجس في غير الأبدان. فأما تطهير الإناء، فقال أصحابنا: كل نجاسة لها عين مرئية فطهارتها موقوفة على غلبة ظن الغاسل في زوالها، وإنّما قدّروا بالثلاث؛ لأنّ الغالب أن الظنّ

стр. 141

يوجد عندها. وقال الشافعي: فيما سوى ولوغ الكلب يكاثر بالماء. أما ما كان له عين [مرئية] فإن العلم بزواله يعلم بالمشاهدة، فإذا زالت العين زال حكمها إلّا أن يبقى من أثرها، وما لا يمكن إزالته فلا يضره؛ ولما روي أنّ النبيّ ﷺ قال في دم الحيض: "اغسليه ولا يضرك أثره" (١). وأمّا ما لا عين له [مرئية] فلا يعلم زواله بيقين، فوجب الرجوع إلى غالب الظنّ، وقد قال ﷺ في المستيقظ من منامه: "لا يغمسّ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا" (٢)، فاعتبر ثلاثًا ولم يعتبر المكاثرة ٩٧ - [فَصْل: وقوع ما له دم سائل في الماء] فأمّا ما وقع في الماء الذي يكون في الأواني مما له دم سائل، وهو يعيش في الماء، فمات فيها، فسبيله سبيل النجاسة المائعة في تنجيس في تنجيس الماء. قال ﵁: وجملة هذا أنّ الحيوان على ضربين: منه ماله دم سائل، ومنه ما ليس له دم سائل: فأما الذي لا دم له سائل كالبَقّ، والذُّباب، والزَّنابير إذا مات في الماء، لم ينجس بموته، ولم ينجس ما يموت فيه (٣). وقال الشافعي: ينجس بالموت، وينجس ما يموت فيه، إلا ما خلق منه (٤).

стр. 142

لنا: قوله ﷺ : "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ثم انقلوه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، وإنّه ليقدّم الذي فيه الداء على الذي فيه الدواء" (١) فأمر بمقله ليستخلص الطعام، فلو كان إذا مات فيه ينجسه، [لما أمر بمقله مقلًا يموت معه] (٢). وروي في حديث سلمان أن النبيّ ﷺ سئل عن إناء فيه طعام أو شراب، يموت فيه ما ليس له دم سائل؟ فقال: "هو الحلال أكله وشربه والوضوء منه" (٣)، ولأنه حيوان ليس له دم سائل كالجراد. ٩٨ - [فَصْل: طهارة ما يعيش في الماء] وأما ما له دم سائل فهو على ضربين: [منه ما يعيش في الماء، ومنه مالا يعيش فيه، فأما] ما يعيش في الماء، لا ينجّس ما مات فيه. وقال الشافعي: ينجسه (٤) [إلا السمك]. لنا: قوله ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه والحِلُّ ميتته" (٥)، ولأنّه حيوان

стр. 143

يعيش في الماء كالسمك. وأما إذا انقطع حيوان الماء في الماء، لم ينجسه في قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأن دمه طاهر، فإن مخالطته للماء لا يؤثر فيه ما لم يغلب عليه. وقول أبي يوسف: يفسد الماء على أصله أن دمه نجس. ٩٩ - [فَصْل: فيما لا يعيش في الماء] وأما ما لا يعيش في الماء [مما له دم سائل] إذا مات في الماء نجِس ونجّس الماء؛ لأنه ينجس بنجاسة دمه، فينجس ما يجاوره (١). وأما الآدمي إذا وقع في الماء بعد موته، فإنه ينجسه؛ لأنّه ينجس بالموت كسائر الحيوانات، والذين قالوا: إن المسلم الميت إذا [مات ثم] غسل ثم وقع في بئر لم ينجسها؛ فلأنا لما حكمنا بجواز الصلاة عليه، حكمنا بطهارته، فلم ينجس الماء حكمًا؛ ولهذا قالوا في الكافر إذا غسل ثم ألقي في بئر نجست؛ لأنه غير محكوم بجواز الصلاة عليه، فبقي على نجاسته. ١٠٠ - [فَصْل: تطهير الآبار من النجاسات] قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: فأما الآبار فما وقع فيها نجاسة مائعة، نجست، ونُزِح الماء كله إلّا أن يغلبهم، فإن غلبهم نزحوا قدر ما كان في البئر على قدر اجتهادهم في ذلك. والأصل في هذا: أن البئر إذا وقع فيها نجاسة، جاز أن تطهر بالنزح.

стр. 144

وقال بِشْر المِريِّسي: لا تطهر بالنزح أبدًا، وهو القياس. وقد ذكر محمد قياسًا آخر فقال: أجمع رأيي ورأي أبي يوسف: على أنّ البئر كالماء الجاري، وأن الماء لا ينجس، ثم قلنا وما علينا أن نوجب نزح بعضها ولا نخالف الآثار. والدليل على أن البئر تطهر بالنزح: ما روي عن عليّ ﵁ أنّه قال في البئر: إذا ماتت فيها فأرة ينزح ماؤها (١)، وروي عنه أنّه قال: "ينزح منها دلاء" (٢). وعن أبي سعيد الخدري في الدجاجة قال: ينزح أربعون دلوًا (٣). وعن الشعبي والنخعي في الفأرة: عشرون دلوًا. وروي أن زنجيًا وقع في بئر زمزم فمات، فأمر ابن عباس أن ينزح جميع مائها (٤)، وذلك في خلافة ابن الزبير، فقد اتفق السلف على تطهير البئر، فلا يجوز مخالفة إجماعهم؛ ولأن النبع في البئر متصل فإذا خرج منها الماء ونبع ماء آخر، دفع النجس إلى وجه الماء، فصار كالنجاسة تقع في الماء الجاري، وهذا وجه تشبيه أبي يوسف ومحمد البئر بالماء الجاري. وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: في حوض الحمام إذا وقعت فيه نجاسة [أنّه لا ينجس]؛ لأنّها لا تستقر [مع جريان الماء]، لأنّ الماء يتصل جريانه إليه،

стр. 145

وآخره منه، فيصير كالماء الجاري. وجه قول بشر: أن الماء قد ينجس، فإذا نزح بقي الطين فيها على نجاسته، فإذا نبع ماء آخر نجس بذلك الطين، وعلى هذا كلما نزح ما فيها بقي طين نجس، واختلط بماء منبع، وهذا القياس [عندنا] مخالف للإجماع. فأمّا من قال: إن البئر تنزح ثم تغسل فقد غلط؛ لأنّ الغسل إنّما يؤثر فيما ينفصل الماء منه بعد غسله، و [الطين] إذا غسل بقي الماء مع النجاسة فيه، فدلّ على أن هذا القول مخالف [للإجماع، وقد قال الشافعي: إن النجاسة إذا وقعت في البئر ولم تغير أحد أوصاف الماء، جاز الوضوء، وهذا القول مخالف] (١) لاتفاق السلف؛ لأنهم أَمروا بالنزح ولم يسألوا عن التغيير. ١٠١ - [فَصْل: النجاسة تقع في البئر] قال: والنجاسة التي تقع في البئر على ضربين: أحدهما: ينتشر في الماء ولا يمكن إخراج عينه [منه]، مثل المائعات النجسة، فيجب نزح جميع الماء؛ لأنّ النجاسة اختلطت بجميعه، فيجب إخراجها ليحكم بطهارتها. وأما إذا كان النجس مما يمكن إخراجه بعينه، مثل الحيوان، فلا يخلو: إما أن يخرج منها حيًّا أو ميتًا. فإذا أخرج حيًا فهو على ضربين إمّا أن يكون الحيوان طاهرًا، أو نجسًا، فإن كان طاهرًا كالآدمي إذا وقع في البئر، وقد استنجى، وهو طاهر من الجنابة والحدث، فقد روى الحسن في المجرد عن أبي حنيفة: أنّه يُنْزَح منها عشرون دلوًا؛ لأنّ الماء
следующие страницы →