يوجد عندها.
وقال الشافعي: فيما سوى ولوغ الكلب يكاثر بالماء.
أما ما كان له عين [مرئية] فإن العلم بزواله يعلم بالمشاهدة، فإذا زالت العين زال حكمها إلّا أن يبقى من أثرها، وما لا يمكن إزالته فلا يضره؛ ولما روي أنّ النبيّ ﷺ قال في دم الحيض: "اغسليه ولا يضرك أثره" (١).
وأمّا ما لا عين له [مرئية] فلا يعلم زواله بيقين، فوجب الرجوع إلى غالب الظنّ، وقد قال ﷺ في المستيقظ من منامه: "لا يغمسّ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا" (٢)، فاعتبر ثلاثًا ولم يعتبر المكاثرة
٩٧ - [فَصْل: وقوع ما له دم سائل في الماء]
فأمّا ما وقع في الماء الذي يكون في الأواني مما له دم سائل، وهو يعيش في الماء، فمات فيها، فسبيله سبيل النجاسة المائعة في تنجيس في تنجيس الماء.
قال ﵁: وجملة هذا أنّ الحيوان على ضربين: منه ماله دم سائل، ومنه ما ليس له دم سائل:
فأما الذي لا دم له سائل كالبَقّ، والذُّباب، والزَّنابير إذا مات في الماء، لم ينجس بموته، ولم ينجس ما يموت فيه (٣).
وقال الشافعي: ينجس بالموت، وينجس ما يموت فيه، إلا ما خلق منه (٤).
стр. 142
لنا: قوله ﷺ : "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه ثم انقلوه، فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء، وإنّه ليقدّم الذي فيه الداء على الذي فيه الدواء" (١) فأمر بمقله ليستخلص الطعام، فلو كان إذا مات فيه ينجسه، [لما أمر بمقله مقلًا يموت معه] (٢).
وروي في حديث سلمان أن النبيّ ﷺ سئل عن إناء فيه طعام أو شراب، يموت فيه ما ليس له دم سائل؟ فقال: "هو الحلال أكله وشربه والوضوء منه" (٣)، ولأنه حيوان ليس له دم سائل كالجراد.
٩٨ - [فَصْل: طهارة ما يعيش في الماء]
وأما ما له دم سائل فهو على ضربين: [منه ما يعيش في الماء، ومنه مالا يعيش فيه، فأما] ما يعيش في الماء، لا ينجّس ما مات فيه.
وقال الشافعي: ينجسه (٤) [إلا السمك].
لنا: قوله ﷺ في البحر: "هو الطهور ماؤه والحِلُّ ميتته" (٥)، ولأنّه حيوان
стр. 143
يعيش في الماء كالسمك.
وأما إذا انقطع حيوان الماء في الماء، لم ينجسه في قول أبي حنيفة ومحمد؛ لأن دمه طاهر، فإن مخالطته للماء لا يؤثر فيه ما لم يغلب عليه.
وقول أبي يوسف: يفسد الماء على أصله أن دمه نجس.
٩٩ - [فَصْل: فيما لا يعيش في الماء]
وأما ما لا يعيش في الماء [مما له دم سائل] إذا مات في الماء نجِس ونجّس الماء؛ لأنه ينجس بنجاسة دمه، فينجس ما يجاوره (١).
وأما الآدمي إذا وقع في الماء بعد موته، فإنه ينجسه؛ لأنّه ينجس بالموت كسائر الحيوانات، والذين قالوا: إن المسلم الميت إذا [مات ثم] غسل ثم وقع في بئر لم ينجسها؛ فلأنا لما حكمنا بجواز الصلاة عليه، حكمنا بطهارته، فلم ينجس الماء حكمًا؛ ولهذا قالوا في الكافر إذا غسل ثم ألقي في بئر نجست؛ لأنه غير محكوم بجواز الصلاة عليه، فبقي على نجاسته.
١٠٠ - [فَصْل: تطهير الآبار من النجاسات]
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: فأما الآبار فما وقع فيها نجاسة مائعة، نجست، ونُزِح الماء كله إلّا أن يغلبهم، فإن غلبهم نزحوا قدر ما كان في البئر على قدر اجتهادهم في ذلك.
والأصل في هذا: أن البئر إذا وقع فيها نجاسة، جاز أن تطهر بالنزح.
стр. 144
وقال بِشْر المِريِّسي: لا تطهر بالنزح أبدًا، وهو القياس.
وقد ذكر محمد قياسًا آخر فقال: أجمع رأيي ورأي أبي يوسف: على أنّ البئر كالماء الجاري، وأن الماء لا ينجس، ثم قلنا وما علينا أن نوجب نزح بعضها ولا نخالف الآثار.
والدليل على أن البئر تطهر بالنزح: ما روي عن عليّ ﵁ أنّه قال في البئر: إذا ماتت فيها فأرة ينزح ماؤها (١)، وروي عنه أنّه قال: "ينزح منها دلاء" (٢).
وعن أبي سعيد الخدري في الدجاجة قال: ينزح أربعون دلوًا (٣).
وعن الشعبي والنخعي في الفأرة: عشرون دلوًا.
وروي أن زنجيًا وقع في بئر زمزم فمات، فأمر ابن عباس أن ينزح جميع مائها (٤)، وذلك في خلافة ابن الزبير، فقد اتفق السلف على تطهير البئر، فلا يجوز مخالفة إجماعهم؛ ولأن النبع في البئر متصل فإذا خرج منها الماء ونبع ماء آخر، دفع النجس إلى وجه الماء، فصار كالنجاسة تقع في الماء الجاري، وهذا وجه تشبيه أبي يوسف ومحمد البئر بالماء الجاري.
وقد روى الحسن عن أبي حنيفة: في حوض الحمام إذا وقعت فيه نجاسة [أنّه لا ينجس]؛ لأنّها لا تستقر [مع جريان الماء]، لأنّ الماء يتصل جريانه إليه،
стр. 145
وآخره منه، فيصير كالماء الجاري.
وجه قول بشر: أن الماء قد ينجس، فإذا نزح بقي الطين فيها على نجاسته، فإذا نبع ماء آخر نجس بذلك الطين، وعلى هذا كلما نزح ما فيها بقي طين نجس، واختلط بماء منبع، وهذا القياس [عندنا] مخالف للإجماع.
فأمّا من قال: إن البئر تنزح ثم تغسل فقد غلط؛ لأنّ الغسل إنّما يؤثر فيما ينفصل الماء منه بعد غسله، و [الطين] إذا غسل بقي الماء مع النجاسة فيه، فدلّ على أن هذا القول مخالف [للإجماع، وقد قال الشافعي: إن النجاسة إذا وقعت في البئر ولم تغير أحد أوصاف الماء، جاز الوضوء، وهذا القول مخالف] (١) لاتفاق السلف؛ لأنهم أَمروا بالنزح ولم يسألوا عن التغيير.
١٠١ - [فَصْل: النجاسة تقع في البئر]
قال: والنجاسة التي تقع في البئر على ضربين: أحدهما: ينتشر في الماء ولا يمكن إخراج عينه [منه]، مثل المائعات النجسة، فيجب نزح جميع الماء؛ لأنّ النجاسة اختلطت بجميعه، فيجب إخراجها ليحكم بطهارتها.
وأما إذا كان النجس مما يمكن إخراجه بعينه، مثل الحيوان، فلا يخلو: إما أن يخرج منها حيًّا أو ميتًا.
فإذا أخرج حيًا فهو على ضربين إمّا أن يكون الحيوان طاهرًا، أو نجسًا، فإن كان طاهرًا كالآدمي إذا وقع في البئر، وقد استنجى، وهو طاهر من الجنابة والحدث، فقد روى الحسن في المجرد عن أبي حنيفة: أنّه يُنْزَح منها عشرون دلوًا؛ لأنّ الماء
стр. 146
جرى على أعضاء الطهارة، وذلك يوجب الاستعمال، وإن كان محدثًا يُنْزَح [منها] أربعون دلوًا؛ لأنّ الحدث زال بالماء، فصار حكمه أكد من حكم المتطهر.
وإن كان جنبًا نُزِحَ ماؤها كله؛ لأنّ الحدث زال عن جميع بدنه، فصار جميع مائها مستعملًا، وإن كان لم يستنج بالماء نزح جميع مائها؛ [لأن نجاسة موضع الاستنجاء اختلطت بالماء، وقد قال أبو حنيفة -في الكافر يقع في البئر ويخرج منها حيّا- إنه ينزح جميع مائها]؛ لأنه لا يخلو بدنه من نجاسة.
وأما الحيوان الطاهر في نفسه إذا لم يكن سؤره مكروهًا، وما ينفصل منه كان طاهرًا، إذا وقع فيها وأخرج حيًا، لم ينزحوا منها شيئًا مثل الحمام؛ [وذلك] لأنه طاهر في نفسه، وما ينفصل منه يكون طاهرًا.
وأما الحيوان [الطاهر] الذي يحكم بنجاسة بوله، فقد روى الحسن عن أبي حنيفة: في الشاة والحمل إن كان تلطخ أفخاذهما ببولهما، نُزِح منها عشرون دلوًا.
وقال أبو يوسف: ينزح جميعها.
لأبي حنيفة: أن هذه النجاسة مخففة في نفسها، ومخففة لحكم البئر، فصارت كعين النجاسة التي هي الفأرة.
وجه قول أبي يوسف: أنّ النجاسة المخفّفة والمغلّظة في حكم الماء سواء؛ بدليل أن بول ما يؤكل لحمه إذا وقع في البئر [نزحت] كبول ما لا يؤكل لحمه.
وأمّا الحيوان المكروه السؤر كالسنّور، والدجاجة المخلاة، والصقر، والبازي، والفأرة، والحية [والعظاءة] (١).
стр. 147
فقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أنّه ينزح منها دلوٌ؛ لأنّ أسْآرها مكروهة، فينزح دلوٌ للكراهة.
قال: فإن لم يفعلوا أجزأهم؛ لأنّه ليس على وجه الوجوب بدليل الأواني.
وأمّا البِرْذَوْن والفَرَس فينزح منهما دلوٌ؛ وذلك لأنّه طاهر في نفسه، وهو مما لا يتلطخ ببوله، إلّا أنّ سؤره مكروه عند أبي حنيفة.
وأمّا الحيوان النجس مثل الكلب، والخنزير، والسِّباع، والحمار، والبغل، فينزح جميع الماء؛ لأنّها نجسة في أنفسها، فإذا جاورها الماء نجس بنجاستها، فوجب نزحه.
وقد قالوا في الكلب إذا ابتلَّ، وانتضح منه على ثوب أكثر من قدر الدرهم، لم تجز الصلاة فيه، كسائر النجاسة المُغَلَّظَة.
١٠٢ - [فَصْل: موت الحيوان في البئر]
وأما إذا مات الحيوان في البئر فهو على ضربين: إما أن يخرج من غير تغير أو يتغير، فينتفخ أو يتفسخ، فإن كان قد أُخرج منها غير متغير، وهو مما له دم سائل لا يعيش في الماء، فقد قالوا في العصفور والفأرة والعظاءة وسامّ أبرص أنّه ينزح عشرون دلوًا، أو ثلاثون، بقدر كِبَر الحيوان وصِغَره، واتساع البئر وضيقها، وذلك لما روي عن عليّ ﵁ أنّه قال في الفأرة تموت في البئر: يُنْزَحُ منها دلوٌ (١)، والذي روي عنه أنّه ينزح الجميع، محمول على الفأرة المنتفخة.
стр. 148
وعن الشعبي والنخعي في الفأرة: عشرون دلوًا.
وقد قال ابن رستم عن محمد: إن كل موضع وجب النزح لم ينزح أقل من عشرين؛ لأنه لم ينقل عن السلف أقلّ من ذلك؛ ولأن هذا الحيوان ضعيف فهو لا يصل إلى كل الماء، وإنما يموت على وجه الماء أو ما يقاربه، فلا يختلط بجميع الماء، فالواجب إخراج ما جاوره من الماء، فقدّروا في ذلك بغلبة الظنّ لما قدّمنا، واتبعوا فيه السلف.
وأما الدجاجة والسِّنَّوْر، والفاختة، والحمامة وما أشبهها من الحيوان، فقال في الأصل: ينزح منها أربعون دلوٌ أو خمسون (١).
وروى عليّ بن الجعد عن أبي يوسف: خمسون أو ستون، وقال الحسن: ستون.
والأصل في ذلك: ما روي عن أبي سعيد الخدري في الدجاجة ينزح أربعون دلوًا (٢)؛ لأنّ الدجاجة ضعف الفأرة وزيادة، فينزح منها ضعف ما ينزح من الفأرة؛ ولأنها تلاقي بفضل قوتها من ماء البئر أكثر مما تلاقي الفأرة، وقد قالوا في الفأرتين إذا وقعتا في البئر، أنهما كفارة واحدة، فإن وقعت ثالثة فهن كالحمامة؛ لأنّ الفأرتين كالفأرة الكبيرة، والثلاثة تزيد على ذلك.
فأما الشاة والآدمي، وما جرى مجرى ذلك الحيوان، فإنه ينزح الماء كله؛ لأنه حيوان ثقيل، فإذا اضطرب نزل إلى قعرها، فالتقى بجميع مائها، فيجب أن ينزح جميعه.
стр. 149
وقال أبو حنيفة في إحدى الروايتين: أن الإوَزَّة كالشاة؛ لأنّها تزيد على الدجاجة، وتبلغ مقدار الحمل.
وقال في الرواية الأخرى: إنّها كالدجاجة والسنّور؛ لأنّها لا تنزل إلى قعر البئر في الغالب، وأما إذا تغير الحيوان [في البئر] فانتفخ أو تفسخ، نزح جميع الماء صغيرًا كان أو كبيرًا؛ لأنه إذا انتفخ سالت منه نجاسة مائعة، واختلطت بالماء فصار كأنّها انفردت، وقد قال أصحابنا في ذَنَب الفأرة إذا وقعت في البئر، ينزح منها جميع مائها.
وقال بعض من لا علم له: كيف ينزح من جميع الفأرة عشرون دلوًا، ومن ذنبها جميع الماء! وهذا غلط؛ لأنّ ذَنَب الفأرة على موضع القطع منه نجاسة الدم، فإذا وقع في الماء ابتل، فصار كقطرة دم وقعت في البئر.
وأما الفأرة إذا لم تنتفخ فلم يختلط بالماء منها شيء، وإنما نجس ما جاورها [خاصة]، وما نجس بالمجاورة لم ينجس ما جاوزه في حال العذر والضرورة، بدليل قوله ﷺ في الفأرة [إذا ماتت] في السمن الجامد: "ألقوها وما حولها" (١) فحكم بنجاسة ما حولها للمجاورة، ولم يحكم بنجاسة ما جاوره.
ووزان الفأرة تقع في البئر وقد قطع ذنبها، أن يجعل على موضع القطع شمع ثم يلقى في البئر.
١٠٣ - [فَصْل: نزح ماء البئر]
وكل موضع وجب نزح جميع الماء وكانت البئر معينًا لا تنتزح، نزحوا
стр. 150
حتى يغلبهم الماء، ولم يقدِّرْ أبو حنيفة في الغلبة [شيئًا].
وقال أبو يوسف: ينزح بمقدار ما كان فيها.
وقال ابن رستم عن محمد: إذا نزحت [منها ما بين] مائتين وخمسين [إلى ثلاثمائة] دلوٍ فقد طهرت.
وجه قول أبي حنيفة: أن نزح جميع الماء لا يمكن، فإذا نزحت حتى تغلب الماء، فقد حدث ماء آخر، دفع ما كان في البئر إلى وجه الماء.
لأبي يوسف: أن ما كان فيها نجس، فوجب إخراجها، ويمكن أن يعرف مقداره بأن يغرس في البئر قصبة تجعل مسبارًا مثالًا، ويعلَّم فيها مع وجه الماء، ثم يستقي دلوًا، وتعاد القصبة فننظر ثَم نقص من المقدار، فيجعل لكل قدر مثل ذلك بعدد الدلو.
وجه قول محمد: أن غالب الآبار لا تزيد على مائتين أو مائتين وخمسين دلوًا [إلى ثلاثمائة دلوًا] فاعتبر الغالب.
١٠٤ - : [فَصْل: في صفة الدلو]
فأما صفة الدلو فقد روى الحسن عن أبي حنيفة: أنّه دلو يسع صاعًا (١)، وكان أصحابنا يقولون: الدلو المعتاد المتوسط؛ لأنّ السلف أطلقوا ذلك، والمطلق يحمل على الأغلب.
وقد قال في الأصل: إذا وقع في البئر [فأرة] فجاءوا بدلو عظيم، يسع
стр. 151
عشرين دلوًا، فاستقوا به مرة واحدة أجزأهم، وهو أحب إليّ؛ لأنّ القطر الذي يعود منه إلى البئر أقل.
١٠٥ - [فَصْل: في جفاف البئر بعد وقوع الفأرة]
وقال أبو يوسف: إذا وقع في البئر فأرة أو غيرها، ثم جفت، ونضب ماؤها، ثم عاد الماء لم تطهر إلا بالنزح.
وقال محمد: طهرت البئر بالجفاف.
لأبي يوسف: أن التطهير موقوف على إخراج مقدار منها، فما لم يوجد سبب التطهير، لم تطهر.
وجه قول محمد: أن طهارتها موقوفة على ذهاب الماء، فلا فرق بين ذهابه بالنزح أو بالجفاف.
١٠٦ - : [فَصْل: موت فأرةٍ في جُبّ فيه ماء]
قال أبو يوسف: إذا وقعت الفأرة في جب (١) [فيه ماء] فماتت، فصب في البئر، أخرج مقدار ما كان في الجب وثلاثون دلوًا هكذا روى ابن رستم عنه.
وروى المُعَلَّى عنه: ينزح ما كان في الجب وعشرون دلوًا.
وقال محمد: ينزح الأكثر مما [كان] في الجب ومن عشرين دلوًا.
وجه قول أبي يوسف: أن الماء الذي نجس بالفأرة كالفأرة، ومعلوم أن الفأرة إذا وقعت في البئر وجب إخراجها، ثم إخراج الدلاء من بعدها، وكذلك هذا.
стр. 152
وجه قول محمد: أن الماء الذي نجس بالفأرة في الجب، كالماء الذي نجس بالفأرة في البئر، فلا يجب نزح أكثر من عشرين دلوًا، إلا أن يكون في الجب أكثر [من ذلك] فيجب إخراج الزيادة؛ لأنا تيقنّا مجاورتها للفأرة.
١٠٧ - [فَصْل: صَبّ الماء المستعمل في البئر]
وقال أبو يوسف: في رجل توضأ في طست فصبَّ ذلك الماء في بئر آخر، ينزح ماء البئر كله.
وقال محمد: عشرون دلوًا.
وجه قول أبي يوسف: أن الماء المستعمل نجس عنده، والنجاسة المائعة إذا اختلطت بالماء نزح جميعه.
وجه قول محمد: أن الماء المستعمل لا يكون بأنجس مما مات فيه فأرة، فإذا لم يجب بذلك الماء نزح [جميع الماء]، فبهذا أولى.
وقد قال أبو يوسف: في عَظْمِ ميتة وقع في البئر إن كان عليه لحم، أو دَسَم، نجس البئر؛ لأنّ تلك النجاسة في حكم المائع، وإن لم يكن عليه لحم ولا دسم، لم ينجس؛ لأنّ عظم الميتة عندنا طاهر.
[قال] فأما عظم الخنزير، فإنه ينجس، سواء كان عليه لحم أو دسم أو لم يكن؛ لأنّ أجزاء الخنزير محكوم بنجاستها، ممنوع من الانتفاع بها.
١٠٨ - [فَصْل: البعرة والبعرتان إذا وقعت في اللَّبَن]
وقد قالوا: إنّه في البعر والبعرتين إذا وقعت في [اللبن]، وأخرجت قبل أن
стр. 153
تتفتت، أنّها لا تنجس [اللبن] استحسانًا؛ لأنّ اللبن لا يخلو حال الحلب من سقوط بعرة فيه، وقد حكمت الأُمّة بطهارته؛ ولأن البعرة متماسكة وبلة موضع الخلقة على ظاهرها، وتلك البلة طاهرة في الأصل، وإنما نجست بمجاورة النجاسة، فلا ينجس ما يجاورها في حال العذر، وليس كذلك إذا وقعت بعر كثيرة؛ لأنه يصطك بعضها ببعض فتتفتت منها أجزاء في [اللبن].
وقد قالوا في البعرة الواحدة إذا تفتتت نجست الماء.
١٠٩ - [فَصْل: الأصل في النزح من الآبار]
وما ذكره أصحابنا: في البئر من النزح، فهو استحسان ورجوع إلى قول السلف، فمن اعترض على ذلك فإنّما عاب السلف؛ ولأن الشافعي لا كلام له علينا في هذا؛ لأنّ البئر تطهر بالنزح بإجماع منا ومنه، وقول أصحابه: إن الدلو المطهر للبئر [دلو كيّس] يخرج الماء النجس من [الماء] الطاهر، قول باطل باتفاق السلف، ثم قالوا به وزادوا عليه فقالوا في بئر فيها قلتان، وقعت فيها فأرة فماتت ولم يتغير [الماء]، إنّه طاهر يجوز الوضوء به، فإن استقى منها دلوًا، فنقصت من قلتين والفأرة فيها، فما في باطن الدلو طاهر، وما بقي في البئر نجس، وما على ظاهر الدلو من البلة نجس، فإن استقوا دلوًا فحصلت الفأرة فيه، فما في داخل الدلو من الماء نجس، وما بقي في البئر طاهر، فدلوهم هذا كيس، وقد دخلوا فيما عابوه، إلا أن ما قلناه [عضده] الإجماع وقول السلف، وما قالوه لا إجماع فيه ولا سلف تقدمهم به.
١١٠ - [فَصْل: حصول طهارة البئر بالنزح]
قال أبو يوسف: إذا نزحت البئر بإخراج الدلو الأخير، لم تطهر حتى
стр. 154
ينفصل منها.
وقال محمد: هي طاهر وإن لم ينفصل [منها]، وذكر الحاكم قول أبي حنيفة مع أبي يوسف، وليس بمشهور، وجه قول أبي يوسف: أن الطهارة موقوفة على انفصال الماء، فما دام قطرة متصلة بالبئر، فلم يوجد الانفصال، فلا يحكم بالطهارة كالثوب إذا غسل ولم يعصر.
وجه قول محمد: أن الطهارة موقوفة على إخراج مقدار [من الماء]، وقد أخرج، فلا فرق بين أن يعلق على رأسها أو يزول عنها، فأما القطرة فهو معفو عنها، غير معتدٍّ بها، فلا يتعلق بها حكم.
١١١ - [فَصْل: موت الفأرة في مائع]
فإن ماتت الفأرة في شيء غير الماء، فإن كان مائعًا ينجس جميعه، وجاز له استعماله في غير الأبدان، وجاز بيعه، وإن كان جامدًا ألقيت وما حولها، وكان الباقي طاهرًا، وجاز الانتفاع بما حولها في الأبدان وغيرها.
والأصل في ذلك: ما روي أن النبيّ ﷺ سئل عن الفأرة تموت في السمن فقال: "إن كان مائعًا فاستصبحوا، وإن كان جامدًا فألقوها وما حولها" (١) وقد استخرج أصحابنا من هذا الخبر ما قدمنا من المعنى وأن ما نجس بالمجاورة لم بنجس ما جاوزه في حال العذر والضرورة، وإنما قلنا إن السمن النجس يجوز الانتفاع به في غير الأبدان مثل دباغ الجلد، والاستصباح، ودهن الدواب لقوله ﷺ : "وإن كان مائعًا فاستصبحوا به" وروي "فانتفعوا به" (٢).
стр. 155
بَابْ في المصانع والغُدُر والماء المستنقع
قال رحمه الله تعالى: هذا الباب قد بيناه فيما تقدم وذكرنا أن النجاسة تؤثر في الماء بكل حال، وبيّنا حكم الغدير وما قال أصحابنا فيه وأما الماء إذا وجد متغيرًا ولا يعلم وقوع نجاسة فيه، جاز الوضوء به والشرب منه؛ لأنّ الماء قد يتغيّر بطول المكث وبوقوع الشيء الطاهر فيه، والأصل تيقّن الطهارة، فلا ينتقل عنها بالشك، وهذا معنى قوله ﷺ : "خُلق الماء طهورًا لا ينجسه شيء إلا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه" (١).
стр. 156
بَابْ الأسآر
١١٢ - [أنواع الأسآر]
قال الشيخ رحمه الله تعالى: الأسآر عندنا على أربعة أوجه: سؤر طاهر: هو سؤر الآدمي، وما يؤكل لحمه من الحيوان إلا الدجاجة المخلاة.
وسؤر طاهر مكروه: وهو سؤر الهرة، والدجاجة المخلاة، وسباع الطير، وما سكن البيوت من الحشرات.
وسؤر نجس: وهو سؤر الكلب، والخنزير، والسِّباع.
وسؤر مشكوك فيه: وهو سؤر الحمار، والبغل (١).
فأما سؤر الآدمي فهو [طاهر] لقوله ﷺ : "المؤمن ليس بنجس" رواه حذيفة وأبو هريرة (٢).
стр. 157
"وشَرب النبيّ ﷺ من لبنٍ وأعطى فضل سؤره لأعرابي كان عن يمينه، فشرب وأعطى فضل سؤره لأبي بكر" (١).
ولأن بدن الآدمي طاهر، ولعابه متحلل من رطوبة لحمه وبدنه، كعرقه، وهذا لا خلاف فيه، وإنما قال قوم: إن سؤر المشرك نجس، والذي يدل على طهارته: أن النبيّ ﷺ أنزل وفد ثقيف وهم كفار في مسجده، ونصب لهم قبة (٢)، والمسجد ينزّه عن النجاسات؛ ولأن الكافر بعد الإسلام على الصفة التي كان عليها قبله، فإذا حكم بطهارته في أحد الأمرين، فكذلك الآخر، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، [والمراد به]: أنّه يجب اجتنابهم كما تجتنب النجاسات.
١١٣ - [فَصْل: سؤر الحائض]
وسؤر الحائض طاهر، لما روي "أن النبيّ ﷺ كان يضاجع نساءَهُ وهن حُيّض" (٣).
стр. 158
وقال لعائشة: "ناوليني الخُمْرة! " فقالت: إني حائض فقال: "ليس حيضتك في يدك" (١) دَلّ أن النجس من الحائض موضع الحيض خاصة.
١١٤ - [فَصْل: سؤر الجُنُب]
وسؤر الجنب طاهر لما روي "أن النبيّ ﷺ لقي أبا هريرة فهمّ بمصافحته، فقبض يده وقال إني جُنُب، فقال عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام: "المؤمن لا ينجس" (٢)؛ ولأنها طهارة من حدث كالوضوء.
١١٥ - [فَصْل: سؤر ما يؤكل لحمه]
وأما ما يؤكل لحمه سوى الدجاجة المخلاة، فسؤره طاهر، وقد روي ذلك عن ابن عمر والنخعي، والحسن، والحكم، والدليل عليه ما روى أبو الجهم عن البراء: "أن النبيّ ﷺ قال: "ما أُكل لحمه فلا بأس بسؤره" (٣)؛ ولأن اللُّعَاب متحلل من بدنه كلبنه، فإذا حكم بطهارة أحدهما، فكذلك الآخر.
١١٦ - [فَصْل: السؤر الطاهر المكروه]
وأما النوع الآخر: وهو السؤر الطاهر المكروه، فأوله سؤر الهرة، قال أبو حنيفة ومحمد: الوضوء بغيره أحب إليّ، ذكر ذلك في الأصل والآثار. وروى الكراهة أبو يوسف عن أبي حنيفة في الإملاء [والحسن عن أبي حنيفة] (٤).
стр. 159
وقال أبو يوسف: لا يكره، وذكره الطحاوي عن أبي يوسف ومحمد معًا، والصحيح أن محمدًا مع أبي حنيفة.
أما طهارة سؤرها: وهو قول ابن عمر، فلِمَا روت عائشة قالت: "رأيت النبيّ ﷺ يتوضأ بفضلها ويصغي لها الإناء" (١).
وروى أبو قتادة أن النبيّ ﷺ قال: "إنّها ليست بنجسة، إنّها من الطوّافين عليكم والطوافات" (٢).
وروت عائشة أن النبيّ ﷺ قال: "إنّها ليست بنجسة إنّها كبعض أهل البيت" (٣).
وأما الكراهة فوجه قولهما حديث أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال: "يغسل الإناء من ولوغ الهرة مرة" (٤)، وروي أنّه قال: "الهرة سبع" (٥)، وأقل أحوال ذلك أن يفيد الكراهة؛ ولأنها لا تجتنب النجاسات، فلا يؤمن أن تكون فيها نجاسة، فيكره الوضوء بفضلها، كما يكره الماء الذي أدخل فيه الصَّبِيُّ يده.
وجه قول أبي يوسف: أن النبيّ ﷺ توضأ بسؤرها، ولو كان مكروها لم يتوضأ به.
стр. 160
١١٧ - [فَصْل: في سبب كراهة السُّؤر]
قال الطحاوي: كراهة سؤرها؛ لأنّ أكل لحمها مكروه، وكراهة اللحم يعتبر في السؤر، كما أن لتحريم اللحم إذا لم يكن لحرمة الحيوان أثر في تحريم السؤر (١).
قال أبو الحسن: إنّما يكره لأنّها لا تجتنب النجاسات، والصحيح ما قاله أبو الحسن؛ لأنّ المنع لو عاد إلى اللحم أوجب التحريم دون الكراهة؛ لأنه يفتي بكراهة أكل لحم السنور [الأجل] التحريم دون الكراهة.
١١٨ - : [فَصْل: في سؤر السِّنّور حال أكلها فأرة]
قال أبو حنيفة ﵀: في [سؤر السِّنَّور] أكلت فأرة، وشربت من إناء، فإن كان في الحال نجس الماء؛ لأنّ نجاسة الفأرة باقية في فمها، وإن شربت بعد مهلة فسؤرها طاهر؛ لأنّ نجاسة فمها زالت بلعابها.
ومن أصل أبي حنيفة: أن النجاسة تزول بغير الماء [ولا يحتاج إلى الصَّبِّ].
وقال أبو يوسف ومحمد: الماء نجس.
أما أبو يوسف فمن أصله: أن النجاسة تزول بغير الماء إلا أنّها لا تزول إلا بالصب.
وأما محمد فمن أصله: أن النجاسة لا تزول إلا بالماء.
وقد قالوا فيمن صَلّى وهو حامل هرة، أن صلاته مكروهة عند أبي حنيفة
стр. 161
من وجهين: أحدهما: لحمله لشيء في صلاته، والثاني: لكراهة سؤرها.
وعند أبي يوسف: يكره لشيء واحد: وهو الحمل.
١١٩ - [فَصْل: سؤر الدجاجة المُخَلَّاة]
فأما الدجاجة المخلاة فيكون سؤرها مكروهًا؛ لأنّها تعبث بالنجاسات، فلا نأمن أن يكون في منقارها نجاسة، وليس كذلك المحبوسة في البيت؛ لأنّها لا تعبث كما يكون منها.
ومن أصحابنا من قال: إنّه لا يكره المحبوسة إذا كان علفها في ظرف، فيؤمن أن تجتنب ما يكون منها، وإنما قلنا: إن سؤرها طاهر؛ لأنّ الأصل في منقارها الطهارة، وجواز أن يكون عليها نجاسة كجواز أن لا يكون، فلا تبطل الطهارة بالشك (١).
١٢٠ - [فَصْل: سؤر سِباع الطير]
وأما سِبَاع الطير فأسآرها [طاهرة] مكروهة، وقال محمد: وهو استحسان.
وجه الكراهة: أنّها تأكل الميتات؛ فلا نأمن أن يكون على منقارها نجاسة، وإنما قلنا: إنّها طاهرة؛ لأنّ الأصل طهارة منقارها؛ لأنّه عَظْم، وجواز أن يكون عليه نجاسة كجواز أن لا يكون.
١٢١ - [فَصْل: سؤر ما يسكن البيوت من الحشرات]
فأما ما يسكن البيوت من الحشرات كالفأرة، والوزغة، والحية فيكره
стр. 162
أسآرها؛ لأنّها لا تجتنب النجاسات، فلا يؤمن أن يكون في أفواهها نجاسة.
١٢٢ - [فَصْل: سؤر الخنزير]
وأما النوع الثالث: وهو الخنزير، فسؤره نجس، وقال مالك: طاهر (١).
لنا: قوله تعالى: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، وهذه الكناية ترجع إلى نفس الخنزير؛ ولأنه مطلق التحريم كالدم، ولأن الانتفاع به لا يجوز بحال، كسائر النجاسات.
١٢٣ - [فَصْل: سؤر الكلب]
وسؤر الكلب نجس، وهو قول ابن عمر، وابن عباس.
وقال الزهري: إذا لم يجد غيره توضأ به.
وقال الأوزاعي: سؤره نجس في الأواني، وليس بنجس في المستنقع.
وقال مالك: سؤره طاهر، وإنما يغسل الإناء منه على طريق العبادة (٢).
لنا: حديث عبد الله بن المغفل أن النبيّ ﷺ قال: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبعًا ويعفر الثامنة بالتراب" (٣).
стр. 163
والطهارة ضد النجاسة، والعدد يحتاج إليه للإزالة، وكذلك التعفير؛ لأنّ غسل الإناء لما وجب منه، وغسل الإناء في الشريعة لا يجب إلا للنجاسة.
والظاهر من مذهب أصحابنا: أن الكلب نجس، قال محمد في الكتاب: وليس الميت بأنجس من الكلب والخنزير.
وروي عن أبي يوسف في كلب وقع في بئر فخرج منها حيًّا نجسها، فإن انتفض فأصاب ثوب إنسان أكثر من قدر الدرهم، لم تجز الصلاة فيه، والدليل على نجاسة الكلب: نجاسة سؤره بالاتفاق؛ ولأن النبيّ ﷺ دخل على قوم من الأنصار ولم يدخل على آخرين، فقيل له في ذلك، فقال: "إن عندهم كلبًا" فقالوا: وعند بني فلان هرة، فقال: "الهرة ليست بنجسة" (١) ومفهوم هذا أن الكلب نجس.
ومن أصحابنا المتأخرين من زعم: أن الكلب طاهر، واحتج بطهارته [على] طهارة جلده بالدباغ، وقد روى ابن المبارك عن أبي حنيفة: في كلب أو سِنوّر وقع في الماء ثم خرج حيًا أنّه لا بأس بذلك.
قال أبو عصمة: إن كان الماء أصاب فم الكلب فلا خير فيه، قال وذكر لنا عن محمد: أن الكلب يفسده، والسنور لا يفسده؛ لأنّ دبر الكلب منقلب، فهذا يعضد قول من قال إنّه طاهر.
١٢٤ - [فَصْل: سؤر سباع البهائم]
وأما [سؤر] سِبَاع البهائم مثل الأسد، والفهد، [والذئب]، والنمر، فهو
стр. 164
نجس عندنا.
وعند الشافعي: طاهر.
لنا: أن السَّبُع يمكن الاحتراز من سؤره كالكلب، والخنزير؛ ولأنها محرمة الألبان، فكان سؤرها نجسًا كالكلب.
وأما حديث ابن عمر أن النبيّ ﷺ سئل عن الوضوء بما أفضلت الحمر فقال: "وبما أفضلت السباع" (١) محمول على الحمر الأهلية، وسباع الطير.
وحديث جابر أن النبيّ ﷺ قال: "لها ما أخذت في بطونها، وما بقي فهو لنا شراب و طهور" (٢) ورواه داود بن الحصين عن جابر، وبينهما رجل لم يذكره؛ ولأنّ هذا كان قبل تحريم لحومها.
١٢٥ - [فَصْل: سؤر الحمار]
وأما النوع الرابع: فهو سؤر الحمار فإنهم شكّوا فيه، فلم يحكموا فيه بطهارة ولا نجاسة، وروي عن ابن عمر أنّه قال: لا يتوضأ به، وهو قول النخعي، وابن سيرين، والشعبي، ونافع، ومكحول، وجابر بن زيد، وحماد، والزهري، ومعمر.
وعن عطاء، ومجاهد: جواز الوضوء به، وهو قول الشافعي.
وإنما [شكوا] فيه لتعارض دليلين: أحدهما: يقتضي النجاسة، وهو حديث
стр. 165
أنس "أن النبيّ ﷺ أمر مناديه أن ينادي إن الله ورسوله نهاكم عن لحوم الحمر الأهلية فإنّها رجس" (١) وهذه العبارة تستعمل في النجاسات.
والذي اقتضى الطهارة حديث ابن عمر أن النبيّ ﷺ سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: "نعم، وبما أفضلت السباع كلها" (٢)؛ ولأن الحمار محرم الأكل، لا لحرمته كالكلب، وهذا يقتضي النجاسة؛ [وأنه] (٣) يسكن مع الآدمي في البيوت كالهر، وهذا يقتضي الطهارة، فتعارض القياسان، ولم يترجح أحدهما على الآخر.
وفي مذهب أبي حنيفة: أن أمارات الشرع يجوز أن تتعارض من غير ترجيح؛ لأنّها تقتضي الظن (ويجوز أن يكون حكم الله تعالى الوقف) (٤)، وليس كذلك الدلائل العقلية؛ لأنّها توجب العلم، فلا يجوز أن تتساوى مع التضاد.
ومن أصحابنا من قال: إن جهة الشك أن عرقها طاهر، ولبنها محرم، واللعاب يعتبر باللبن والعرق، فإن ألحق بالعرق كان طاهرًا، وإن ألحق باللبن كان نجسًا، وإذا لم يحكم فيه بنجاسة ولا طهارة، لم يجز الوضوء به مع القدرة على الماء الطاهر؛ لأنه يؤدي فرضه بالشك، فإن لم يجد غيره توضأ به وتيمم، فإن كان طاهرًا أدى فرضه به، وإن كان نجسًا فقد أدى فرضه بالتيمم.
فإن قيل: إذا كان نجسًا فقد صَلّى مع النجاسة في أعضائه.
стр. 166
قلنا: روي عنهم في سؤر الحمار أنّه غير معفو عنه في الماء، معفو عنه في الثوب والبدن، فعلى هذه الرواية يسقط السؤال، وقد روي عنهم: أنّه غير معفو عنه، فعلى هذا لا يتنجس (١) إلا أن الصلاة تجوز مع النجاسة إذا لم يجد ما يزيلها به.
وأما البغل فهو متولد من الفرس والحمار، فسؤره كسؤر حمار وفرس خُلطا فَشُكّ فيه (٢).
١٢٦ - [فَصْل: سؤر الفرس]
وأما سؤر الفرس فقد ذكر في الأصل: أنّه لا بأس به، وهو رواية بشر عن أبي حنيفة وأبي يوسف، وهو قول ابن عمر.
وروى الحسن عن أبي حنيفة: كراهته إذا أصاب الثوب وهو كثير فاحش.
وجه الرواية الأولى: أن الفرس لا يمكن الاحتراز عنه لمن يألف ركوبه، فعفي عنه؛ ولأنه طاهر لا يتناول النجاسات، وهذا ظاهر على قول أبي يوسف ومحمد؛ لأنّ لحمه غير مكروه.
وجه رواية الحسن: فلأن لحمه مكروه، فأثر ذلك في سؤره.
١٢٧ - [فَصْل: سؤر الفيل]
قال أبو الحسن: قال محمد في سؤر الفيل: إنّه كسور السِّبَاع؛ لأنه سَبُع، وهذا صحيح؛ لأنه ذو ناب.
стр. 167
[٢] بَابْ الأنجاس
١٢٨ - [حكم ما يخرج من بدن الإنسان]
قال أبو الحسن رحمه الله تعالى: كل ما خرج من بدن الإنسان مما يوجب خروجه الوضوء أو الغسل فهو نجس.
[قال الشيخ رحمه الله تعالى]: وهذا [أصل] صحيح؛ لأنّ طهارة النجاسة وطهارة الحدث كل واحد منهما يراد للصلاة، فما تعلق بخروج أحدهما، جاز أن يتعلق به الآخر، وقد اشتملت هذه الجملة على نجاسة الغائط والبول، ولا خلاف في ذلك، وقد دل عليه قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال النبيّ ﷺ : "استنزهوا من البول" (١).
وأما الدم والصديد فهو نجس لقوله تعالى ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] والرجس عبارة عن النجاسة.
والقَيْء نجس؛ لأنه مستحيل إلى النتن والفساد كالغائط، وقد دخل في هذا دم الحيض والنفاس والاستحاضة.
وقد دل على نجاسة هذه الدماء قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: ٢٢٢]
стр. 168
وقال ﷺ في دم الحيض: "حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء" (١).
وكذلك المَذْي؛ لأنّ الطهارة تجب بخروجه، ولأن النبيّ ﷺ قال: "إذا كان ذلك فانضح فرجك بالماء وتوضأ" (٢) فأوجب الاستنجاء منه؛ ولأن الاستنجاء لا يجب إلا من نجس، وكذلك الودي؛ لأنه تابع للبول في الخروج، فحكمه حكمه.
وأما المني، فهو نجس عندنا، وقال الشافعي: طاهر (٣).
لنا: قوله ﷺ : "إنّما يغسل الثوب من الدم والمني والبول" (٤).
وقال لعائشة: "إذا رأيت المني رطبًا فاغسليه" (٥)؛ ولأنه خارج يتعلق بخروجه [نقض] الطهارة كالبول، ولأنه مني حيوان مُحَرَّم اللحم، [كمني الكلب].
стр. 169
١٢٩ - [فَصْل: ما يخرج من بدن الحيوان]
قال أبو الحسن: وكذلك الذي يخرج من ذلك من سائر أبدان الحيوان غير الأبوال، وما يستحيل من مأكلها، فإن ذلك مختلف في غير الناس، وإنما قلنا إن ما نجس من الآدمي نجس من غيره؛ لأنّ الآدمي أطهر الحيوان، فما كان نجسًا منه أولى أن يكون نجسًا من غيره.
١٣٠ - [فَصْل: في أرواث الحيوانات]
وقد قال أصحابنا: إن الأرواث والأخثاء نجسة.
وقال زفر: روث ما يؤكل لحمه طاهر، وهو قول مالك (١).
لنا: ما روى ابن مسعود لما حمل إلى النبيّ ﷺ أحجار الاستنجاء ناوله حجران وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة، (وقال إنه رجس) (٢)؛ ولأن الروث مستحيل إلى [النتن] والفساد، منفصل من حيوان يمكن الاحتراز عنه، كما ينفصل من الآدمي.
وجه قول زفر: أن الأرواث قد استهان الناس بها بدليل أنهم لا يتجنّبونها في طرقهم وخفافهم، ويستعملونها في البناء، ويطينون بها السطوح، فدلّ ذلك على طهارتها؛ ولأن النبيّ ﷺ طاف على بعيره (٣)، ولو كان ما ينفصل منه نجسًا،
стр. 170
لجنب المسجد منه.
١٣١ - [فَصْل: في خُرْءِ الدَّجَاجَة والبَطِّ]
وخُرْءُ الدجاجة نجس، قال أبو يوسف: وكذلك الأوز، وروي عنه في البط مثله، وقال الثوري: هو طاهر.
لنا: أن استحالة ما ينفصل من الدجاجة، كاستحالة ما ينفصل من سائر الحيوان، فإذا حكم بنجاسة إحدى العينين لاستحالتها فكذلك الأخرى.
١٣٢ - [فَصْل: في ذَرْق ما يؤكل لحمه من الطير]
وأما ذرق ما يؤكل لحمه من الطير: فهو طاهر عندنا مثل الحمام والعصفور.
وقال الشافعي: نجس.
وادَّعى مالك في هذه المسألة الإجماع في طهارتها (١).
وروي أن ابن مسعود ذرقت عصفورة عليه، فنكته بيده، وعن ابن عمر: أن حمامة ذرقت على رأسه فمسح رأسه وصلّى (٢)؛ ولأن المسلمين لا يتجنبون ذلك في مساجدهم، وفي المسجد الحرام من لدن النبيّ ﷺ إلى أيامنا هذه، فلو كان نجسًا لجنبوه المساجد كسائر النجاسات [ولأن استحالتها كاستحالة الطين
стр. 171
والحمأة، وذلك لا يوجب النجاسة].
١٣٣ - [فَصْل: ذَرْق سِبَاعِ الطَّيْر]
وأما ذَرْق سباع الطير، فهو طاهر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: هو نجس (١).
وجه قولهما: أن المساجد لا تنزه من ذلك، كما لا تنزه من الحمام؛ ولأن استحالة ذرقها كاستحالة الطين والحمأة، فلا يوجب ذلك النجاسة.
وجه قول محمد: أنه مستحيل منفصل من حيوان غير مأكول اللحم كالبهائم.
١٣٤ - [فَصْل: في بول الحيوانات]
قال أبو حنيفة وأبو يوسف: بول ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل لحمه نجس.
وقال محمد: بول ما يؤكل لحمه طاهر، وهو قول مالك (٢).
وجه قولهما: قوله عَلَيْهِ الصَّلَاة السَّلَام: "استنزهوا من البول" (٣)؛ ولأنه مستحيل إلى النتن والفساد، منفصل من حيوان يمكن الاحتراز منه، كبول الآدمي.
وجه قول محمد: أن النبي ﷺ أمر العُرَنِيِّين حين انتفخت بطونهم أن يشربوا من ألبان الإبل وأبوالها (٤).
стр. 172
واختلف أبو حنيفة وأبو يوسف في جواز التداوي به، قال أبو حنيفة: لا يجوز التداوي به [لقوله ﷺ : "إن الله تعالى لم يجعل شفاء أمتي فيما حرّم عليهم " (١) ولأنه مائع نجس كالخمر.
وقال أبو يوسف: يجوز التداوي به]؛ لأن النبي ﷺ أمر العرنيين بشربه للتداوي.
وهذا لا دلالة فيه؛ لأنه علم بالوحي أن الداء الذي بهم لا يزول إلا به، وهذا لا يوجد في غيره.
١٣٥ - [فَصْل: بول الخفاش والفأرة]
وليس بول الخفاش وخرؤه بشيء عندهم جميعًا، ولا ينجس شيئًا؛ وذلك لأن الخفاش لا يتجنب منه في المساجد كالعصافير؛ ولأنه لا يمكن الاحتراز من بوله.
وأما الفأرة فبولها وخرؤها نجس؛ لأنه مستحيل إلى النتن والفساد، منفصل من حيوان يمكن الاحتراز منه.
١٣٦ - [فَصْل: دم ما ليس له دم سائل]
ودم ما ليس له دم سائل كالبق، والبراغيث ليس بنجس.
وقال الشافعي: نجس معفو [عنه] (٢).
стр. 173
لنا: أن الله تعالى حَرَّم الدم المسفوح، فما ليس بمسفوح على أصل الإباحة؛ ولأنها لا تتجنب في الثياب وإن كثرت، ولا يستحب إزالتها، والنجاسة إذا عفي عنها استحب إزالتها كسائر النجاسات.
وأما دم الحَلَم (١) والوَزَغ فهو نجس؛ لأنه دم سائل وقد حرم الله تعالى الدم المسفوح.
فأما دم السمك فهو طاهر في قول أبي حنيفة ومحمد.
وقال أبو يوسف: هو نجس، وبه قال الشافعي.
قال أبو حنيفة: إنما حرم الله تعالى الدم المسفوح، ودم السمك ليس بمسفوح (٢).
وجه قولهما: أنه أبيح أكله بدمه، فصار دمه كسائر أجزائه؛ ولأنه لو كان نجسًا لما جاز استباحته إلا بعد سفحه، كحيوان البر، وقد قيل: إنه ليس بدم، وإنما هو ماء متلون، بدليل أنه يبيضّ بالشمس، والدماء تسْوَدّ بالشمس.
وجه قول أبي يوسف: قوله ﷺ : "أحلت لنا ميتتان ودمان: السمك، والجراد، والكبد، والطحال" (٣) فخص الإباحة بدمين، فلا يثبت دمٌ ثالثٌ؛ ولأنه دم سائل كسائر الدماء.
стр. 174
وهذا ليس بصحيح، أما الخبر فدليل عليه؛ لأنه أباح السمك بدمه، وإنما ذكر دمين؛ لأن دم السمك استفيد حكمه بإباحة السمك، فلم يكرره، وأما سائر الدماء فلما كانت نجسة لم يبح تناولها من غير ضرورة، وأما الكبد والطحال فهما طاهران بدليل الخبر، وقد قال أصحابنا في الطحال: إذا طلي به وجه الخف جازت الصلاة فيه؛ لأنه محكوم بطهارته، وقالوا فيما تبقى في العروق واللحم من الدم: [إنه طاهر، وإن أصاب الثوب منه أكثر من قدر الدرهم] جازت الصلاة معه؛ لأنه ليس بدم مسفوح كدم البق؛ ولأنه أبيح أكله به.
وروي عن أبي يوسف أنه قال: معفو عنه في الأكل وإن احمرّت القِدْر منه، وليس بمعفو عنه في الثياب [إن أصابها]؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه في الأكل، ويمكن في الثياب.
١٣٧ - [فَصْل: صوف الميتة وشعرها]
ولا ينجس من غير الإنسان والخنزير الشعر، والصوف، والوبر، والريش، والقرن، والعظم، والعصب، والخف، والظِلْف.
أما طهارة الشعر والريش والوَبَر والصوف، فهو قولنا.
وقال الشافعي: هو نجس من الميت (١).
لنا: قوله ﷺ : "لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ ولا بقرونها وصوفها وشعرها
стр. 175
إذا غسل بالماء" (١)؛ ولأنه ينفصل من الحيوان حال حياته ويحكم بطهارته، فإذا انفصل بعد الموت، جاز أن يحكم بطهارته [كالولد]؛ قالوا. ولأنه لو نجس بالموت نجس بانفصاله حال الحياة كاللحم. وأما العظم فهو طاهر عندنا.
وقال مالك والشافعي: هو نجس.
لنا: أن العظم لا حياة فيه، بدلالة أنّ السِّنَّ لو أخذ بعضه بالمبرد لم يألم، ولو كان حيّا لألم بالقطع، إذا لم تكن فيه آفة، وما ليس فيه حياة لا ينجس بالموت، ولا يقال: إنه يضرس فيألم بالضرس؛ لأن الألم يكون فيما يتصل به من العصب واللحم، فيظن الإنسان [أن] الألم فيه، فإذا تداوى وصل الدواء من خلاله إلى العصب فيسكن؛ لاستحالة أن يألم بالمطعومات، ولا يألم بالقطع.
١٣٨ - [فَصْل: طهارة القرن والحافر والعَصَب]
وأما القرن والحافر والظلْف فهي عظام، وأما العصب ففيه روايتان:
إحداهما: إنه طاهر؛ لأنه عظم غير متصلب، فصار كسائر العظام.
وأما الرواية الأخرى: إنه نجس؛ [بدلالة أن] فيه حياة، والحِسُّ يقع به، فيحس بالموت.
١٣٩ - [فَصْل: طهارة شعر الإنسان]
وأما شَعْر الإنسان فطاهر عندنا، وقال الشافعي: نجس (٢).
стр. 176
لنا: ما روي "أنه ﷺ حلق رأسه وقسّم شعره بين أصحابه" (١) ولو كان نجسًا لمنعهم من استعماله، وما كان طاهرًا من بدنه ﵊ كان طاهرًا من [بدن] غيره [كالعرق]، وما كان نجسًا من [بدنه] كان نجسًا من [بدن غيره] كالدم.
وأما عَظْم الآدمي، فالصحيح أنه طاهر، مُحَرّم لحرمة الآدمي؛ لأنه لا حياة فيه، فلم ينجس بالموت كالشعر، والذي قالوا في سِنّ آدمي إن طحن في دقيق، أنه لا يؤكل؛ لأن أجزاء الآدمي يحرم أكلها لحرمته لا لنجاستها، وأما عظم الخنزير فنجس؛ لأنّ تحريم الخنزير مغلّظ، فيتعلق ذلك بما يحله الموت منه وبما لا يحله الموت.
١٤٠ - [فَصْل: شَعْر الخنزير]
وأما شَعْر الخنزير فقد روي عن أبي حنيفة: أنه نجس لما ذكرنا في العظم، إِلّا أنه رَخَّصَ للخرّازين في استعماله لحاجتهم إليه (٢)؛ لأن غيره لا يقوم مقامه، وقد قال أبو يوسف: لو وقع في ماء نجّسه، وروي عنهم: أنه طاهر، وقال محمد: إذا وقع في الماء فلم يغلب عليه، جاز الوضوء؛ لأنه لا حياة فيه، فلا تحله النجاسة الحكميّة، كشَعْر غير الخنزير.
стр. 177
١٤١ - [فَصْل: عَرَقُ الجُنُبِ والحَائض]
قال: وعَرَقُ الجُنُب والحائض والنفساء طاهرٌ، لما روي عن عائشة قالت: "لم يكن لنا إلا فراش واحد، فكنّا إذا حِضْنا أمرنا رسول الله ﷺ فشددنا الأزر فضاجعنا، فلما اتسع الأمر اتخذنا فراشًا آخر" (١)، ومعلوم أن العرق لا يؤمن عند النوم، فلو كان نجسًا [لتجنبه]؛ ولأن الحيض يوجب طهارة حكمية، فلا يؤثر في نجاسة البدن كالحدث.
١٤٢ - : [فَصْل: فيما بقي من فضل الوضوء والغُسْل]
[قال:] وفضل وضوئهم وما أدخلوا أيديهم للاغتراف منه دون غُسلها، [فهو] طاهر.
والأصل في جواز الوضوء بفضل وضوء المرأة: ما روي في حديث عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد من الجنابة، ويقول أبقي لي أَبقي لي" (٢)، وقد روي عن ابن عباس أنه قال: هن أنظف ثيابًا وأطيب ريحًا (٣).
وروي جواز الوضوء بفضلهن عن سعيد وأبي هريرة (٤).
[وروى جابر] عن النبي ﷺ أنه قال: "ليس على الماء جنابة ولا على
стр. 178
الأرض جنابة، ولا على الثوب جنابة" (١)، والمراد به: أنه لا يتعلق [حكمها] بالماء.
وفي خبر ابن عباس "أن بعض أزواج النبي ﷺ اغتسلت من جفنة فجاء رسول الله ﷺ يغتسل منها أو يتوضأ، فقالت: يا رسول الله إني كنت جُنُبًا، فقال: الماء لا يجنب" (٢)؛ ولأنه لا خلاف أنهما لو استعملا الماء [معًا] جاز، فكذلك يجوز إذا استعمل أحدهما بعد الآخر، كالرَّ [جُلَين].
١٤٣ - : [فَصْل: في عَرَق كُلِّ شَيءٍ مِثْل سُؤْرِه]
[قال]: وعَرَق كل شيء مثل سؤره؛ [وذلك] لأن العَرَق رطوبة متحللة من البدن كاللعاب.
وهذا صحيح على الرواية التي نقول فيها: إن عَرَق الحمار غير معفو عنه.
فأما على الرواية الظاهرة، فعرق الحمار طاهر، ولعابه مشكوك فيه، وقال: وما لم يوجب خروجه من الإنسان طهارة، فهو طاهر، وهذا كالدَّمْعِ والعَرَق واللَّبَن؛ لأن إحدى الطهارتين لما لم يتعلق بخروجه، كذلك الأخرى (٣).
стр. 179
بَابْ المقدار الذي يمنع الصلاة من هذه النجاسات
١٤٤ - [حكم إزالة النجاسة]
قال الشيخ رحمه الله تعالى: أصل هذا الباب أن إزالة النجاسة واجبة.
وقال مالك: هي مستحبة (١).
لنا: قوله ﵊ في دم الحيض: "حتّيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء" (٢).
وقال لعَمّار: "قم بغسل ثوبك" فقال: من نخامة؟ قال: "إنما يغسل الثوب من المني والدم والبول" (٣)، ومعلوم أن غسل النخامة مستحب، فلو كان غسل النجاسة مستحبًا، لم يكن للفرق بينهما معنى؛ ولأنها إحدى الطهارتين، فكان فيها ما هو واجب كطهارة الحدث.
стр. 180
١٤٥ - [فَصْل: في قليل النجاسة]
وقليل النجاسة معفو عنه [عندنا، وقال زفر: قليلها وكثيرها سواء إلا مقدار اللمعة من الدم.
لنا: ما روي "أن النبي ﷺ خلع نعله في الصلاة، فخلع أصحابه نعالهم، فلمّا سَلَّم قال: أخبرني جبريل أن عليها دم حلمة، وروي سرجنًا" (١)، فلولا أن يسير النجاسة معفو] عنه لاستأنف الصلاة؛ ولأن الصلاة جائزة مع أثر الاستنجاء بالاتفاق، وكان المعنى فيه أنه في حكم اليسير.
١٤٦ - [فَصْل: في أنواع النجاسة]
والنجاسة على ضربين: مغلّظة ومخفّفة.
فالمغلظة: يعفى عنها عن مقدار مساحة الدرهم [الكبير]، فإن زادت على ذلك لم تجز الصلاة مع القدرة على إزالتها، وإنما قدّروها بمقدار الدرهم لحديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال فيمن صلى وفي ثوبه الدم أكثر من مقدار الدرهم: "أعدِ الصلاة" (٢)، ولأن أثر النجاسة في موضع الاستنجاء معفو عنه، والنجاسة لا تختلف باختلاف مواضع البدن، فإذا عفي عن الأثر في موضع الاستنجاء فجميع البدن في حكمه، ولهذا قال أصحابنا: إن من استجمر بالأحجار وأصابته نجاسة يسيرة لم تجز صلاته فيها؛ لأنه إذا اجتمع زاد على قدر الدرهم، وإنما