[قال]: وليس في الدعاء دعاءٌ موقَّتٌ (١)؛ لأنّ الأدعية يأتي الإنسان فيها بما أحبّ، وقد روي أن النبي ﷺ لما خرج من مكة قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حيٌّ لا يموت، [بيده الخير] وهو على كل شيء قدير، آيبون، تائبون، عابدون، حامدون، ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده" (٢).
قال: ومن نفر ولم يطف، فإنه يرجع ما لم يجاوز المواقيت، وإذا ذَكَر بعد أن جاز (٣)، لم يرجع، وإنْ رجع رجع بعمرةٍ، وإنما رجع قبل المجاوزة؛ لأنه ترك طوافًا واجبًا، فكان عليه أن يأتي به.
وأمّا إذا جاوز؛ فلأنه لا يقدر على العود إلا بتجديد عمرةٍ، وإقامة الدم مقام الطواف من غير التزام الإحرام أولى.
فإن عاد بعمرةٍ ابتدأ بطوافها؛ وذلك لأنه يتعيّن عليه بالإحرام، فكان الابتداء به أولى، فإذا فرغ من عمرته، طاف طواف الصدر (٤)؛ لأنه مستحَقٌّ عليه.
وأمَّا على قول الحسن، فالعمرة توجب طواف الصدر، فإن عاد بعمرةٍ، وقع طواف الصدر للعمرة، وسقط ما كان للحج، لَزِمَه دمٌ لتركه.
فإن لم يطف للصدر بعدما رجع، فعليه دمان على أصله؛ لأنه ترك الطواف للإحْرَامَيْنِ.
стр. 1157
٩٨٦ - فَصْل: [الانْشِغَالُ بِمَكَّة بعد طَوَاف الصَّدْرِ]
وقد قالوا: فيمن طاف للصدر وتشاغل بمكة بعده، فليس عليه طوافٌ، قال أبو يوسف: وقال أهل مكة: يُعيد طوافًا آخر، وأحبّ إليّ أن [يكون] آخر عهده بالبيت (١).
فأمَّا تأويل أهل مكة للخبر فليس بصحيحٍ؛ لأن قوله ﷺ : "فليكن آخر عهده به الطواف" محمولٌ على أنّه آخر مناسكه بالبيت، وليس على آخر مقامه.
وروى الحسن عن أبي حنيفة قال: إذا طاف للصدر، ثم أقام إلى العشيِّ، فأحب إليَّ أن يطوف طوافًا آخر؛ ليكون قد ودّع البيت من غير فاصلٍ (٢).
* * *
стр. 1158
بَابُ الطواف يقدم بعضه على بعض
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: الطواف الذي يفعل للإحرام أربعة أطواف: طواف القدوم: وهو سنَّةٌ وليس بواجبٍ، وطواف الزيارة: وهو فرضٌ، وطواف الصدر: وهو واجبٌ وليس بمنزلة طواف الزيارة، والرابع: طواف العمرة.
فأمّا طواف القدوم، فهو سنّةٌ، وقال مالكٌ: واجبٌ (١).
لنا (٢): أنّه مفعولٌ في الإحرام، فلو كان واجبًا لكان من موجب الإحرام، وموجب الإحرام لا يختلف فيه أهل مكة وغيرهم، فلما لم يجب على أهل مكة، دلَّ على أنّه لا يجب على غيرهم.
وليس كذلك طواف الصدر؛ لأنّه يُفعل بعد الخروج من الإحرام، فلا يكون من موجبه؛ فلذلك جاز أن يختلف فيه أهل مكة وغيرهم.
وأمّا طواف الزيارة، فهو ركنٌ لا يتم الحج إلا به؛ لقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، وقد أجمعوا على أنّ المراد به: طواف الزيارة.
وأمَّا طواف الصدر، فهو واجب عندنا، وقال الشافعي: سُنَّةٌ (٣).
стр. 1159
لنا: أنّه طوافٌ يُفعل بعد الوقوف بحكم الشرع، كطواف الزيارة.
وأمّا طواف العمرة، فهو ركنٌ فيها، لأنها أحد الإحرامين، فكان فيه طوافٌ هو ركنٌ كالحجّ.
٩٨٧ - فَصْل: [النِّيَّةُ في طواف النُّسُكِ]
قال: وإذا كان على الحاج أو المعتمر شيءٌ من هذه الأطواف - أيّها كان - فكلّ طوافٍ يقع في وقتٍ منها، فإنما يقع للذي [ثبت] عليه في الإحرام دون غيره، نوى ذلك أو لم ينوه، ويكون الأول عن الأول وإن نوى الثاني، ولا تعمل النيَّة في تقديم ذلك ولا تأخيره.
مثاله: المحرم بالعمرة أو بالحجّ إذا قدم مكة فطاف لا ينوي شيئًا، أو [طاف] فنوى التطوع، فإنّ ذلك إن كان محرمًا بعمرةٍ يقع للعمرة، وإن كان [محرمًا] بحجةٍ يقع لطواف القدوم (١).
وكذلك القارن إذا طاف، فطوافه للعمرة أولًا ثم للحجّ، وإن طاف لا ينوي شيئًا، أو طاف ينوي تطوعًا، فهو للعمرة، وإن طاف طوافًا آخر قبل أن يسعى لا ينوي شيئًا، أو نوى تطوعًا، كان ذلك للحجّ.
وكذلك طواف الصدر وطواف الزيارة، إذا نفر في النَفْر الأول، فطاف طوافًا لا ينوي شيئًا، أو نوى تطوعًا، فهو للزيارة، وإن طاف بعد ذلك تطوعًا أو لا ينوي شيئًا، فهو طواف الصدر.
وذلك لأنّ الطواف مستحَقٌّ في وقته، ومن شرطه النيَّة دون التعيين، فأيّ
стр. 1160
طوافٍ أتى به، وقع عن مستحقه ولم يقع عن غيره، كمن صام في رمضان بنيّة النفل، وكمن ردّ الوديعة وهو يقصد الهبة.
وليس كذلك إذا طاف لا ينوي الطواف، [بأن يكون] هاربًا من سَبُعٍ، أو طالبًا لغريمٍ؛ لأنه لم يقصد القُربة بطوافه، فلا يقع موقع القربة.
وقد فرّقوا بين الطواف والوقوف، فقالوا: لا يصح الطواف إلا بنيَّة الطواف وإن لم يفتقر إلى التعيين، ويعتدّ بالوقوف من غير نيَّةٍ.
والفرق بينهما: أنّ الوقوف ركنٌ يقع في نفس الإحرام، فنيَّة الحجّ تشتمل عليه، فلا يفتقر إلى تجديد نيّةٍ، كركوع الصلاة، وأمّا الطواف فيقع خارج العبادة، فلا يشتمل عليه نيّة الإحرام؛ فلذلك افتقر إلى النيَّة.
٩٨٨ - فَصْل: [الجمع بين الطوافين]
قال أبو حنيفة ومحمد: لا ينبغي أن يجمع بين الأسبوعين، ولا يصلي بينهما (١)، فإن فعل صحَّ ويكره. وقال أبو يوسف: لا يكره الجمع إذا انصرف عن وترٍ.
وجه قولهما: أن الركعتين مرتَّبتان على الطواف، فيكره أن يفصل بينهما بنسكٍ آخر، كما يكره أن يفصل بين الطواف والسعي؛ ولأنها مرتَّبةٌ على الطواف، فصارت كبعض أشواطه؛ ولأنه لو جاز الجمع، استوى أن ينصرف عن شفعٍ أو وترٍ؛ لأنه مؤخّرٌ للصلاة في الحالين.
وجه قول أبي يوسف: ما روي عن عائشة ﵂ أنها كانت تجمع
стр. 1161
الأطواف (١)؛ ولأنه إذا انصرف عن وترٍ، وقعت الصلاة في موضعها؛ لأنها في الأصل تُفعَل عقيب أشواطٍ وتر، فإذا انصرف عن شفعٍ، فإنه يفعلها في غير موضعها، فيكره.
وإنما قلنا: إنه إذا فعل ذلك صحَّ الطواف؛ لأنّ الفصل بين الطواف والصلاة بطواف آخر، كالفصل بينهما بحديثٍ أو صلاةٍ، فإذا لم يمنع ذلك صحَّة الطواف، فكذلك هذا (٢).
* * *
стр. 1162
بَاب الرجل يطوف جُنُبًا أو على غَيْرِ وُضُوْءٍ
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا طاف الرجل جُنبًا، أو على غير وُضُوءٍ أحد الأطواف التي ذكرناها، أُمر بالإعادة، فإن أعاد فلا شيء عليه، إلا أن يُعيد طواف الزيارة في غير وقته، وقد كان طافَ جُنبًا، فعليه دم لتأخيره (١)؛ وذلك في قول أبي حنيفة، ولا شيء عليه للتأخير عند أبي يوسف ومحمد.
وهذا على ما بيّنا: أنّ الطهارة ليست بشرطٍ في صحة الطواف، فعدمها لا يمنع وقوعه مع النقص على اختلاف أصحابنا أنها واجبةٌ، أم سنةٌ.
ويؤمر بالإعادة؛ لأنه يُجبر الشيء بجنسه، فهو أولى من جبرانه بغير جنسه.
فإذا طاف جُنبًا ثم أعاد، فقد حكى أبو عبد الله البصري عن أبي الحسن [الكرخي]: أنّ الطواف الثاني جُبرانٌ للأول، وقال أبو بكر الرازي: انفسخ الأول وصار الثاني هو الطواف.
واحتج أبو بكر [الرازي] من المذهب بما قال أبو حنيفة ﵁: إنه إذا طاف بعد أيام التشريق، وجب عليه دمٌ، ولو كان الطواف هو الأول، وقد انجبر بالثاني، لم يجب عليه دمٌ، كما لو جبره بالبدنة، فلما أوجب الدم، دلَّ على أنّه فسخ للطواف الأول، فكأنّه لم يطف إلا بعد مضي الأيام.
стр. 1163
قال: وإنما كان كذلك؛ لأنّ الطواف مع النقص الكثير يقع مراعى؛ لجواز أن يعيده على الوجه المأمور به، فإذا أعاده، انفسخ المفعول مع النقص، وإن كان لو اعتدّ به جاز، كمن كبَّر وقام ولم يقرأ حتى ركع، أنّ القيام معتدٌّ به؛ بدلالة أنه لو مضى على هذه الركعة، وقرأ في بقية الصلاة في الركعتين، اعتُدّ بها، ولو عاد إلى القيام فقرأ وركع، انفسخ القيام الأول والركوع، وصار الثاني هو المعتدّ به؛ بدلالة أنّ المُدرِك له فيه، يَعتدّ بالركعة، فكذلك في مسألتنا.
واحتج أبو عبد الله من المذهب بما قالوا: فيمن دخل مكة بعمرةٍ قبل أشهر الحج، فطاف لها جُنبًا، ثم أعادها في الأشهر، ثم حجّ من عامه، لم يكن متمتعًا، ولو كان الطواف الأول انفسخ، [الصار بطوافه الثاني متمتعًا] (١)؛ لأنه جامعٌ بين الحج و [أفعال] العمرة في أشهر الحج من غير إلمامٍ [بأهله].
وهذا لا دلالة فيه؛ لأنهم لم يصحِّحوا المتعة، لا لما قاله (٢)، ولكن لما فرغ من الطواف قبل [أشهر الحج] (٣) على وجهٍ لو اعتدّ به جاز أن يتعلق بسفره بطلان التمتع، فلا يصير متمتِّعًا عند أبي حنيفة إلَّا بالعود إلى أهله، وعندهما لا يصير متمتعًا إلا بالخروج إلى الميقات، ولم يوجد واحدٌ منهما.
واحتج أبو عبد الله أيضًا: بأنّ الطواف مع الجنابة وقع موقع الجواز، ووقع به التحلل؛ بدلالة أنه لو لم يعده واقتصر على البدنة، جاز، فكيف ينفسخ بعد وقوعه موقع الجواز، وهذا كمن طاف محدثًا ثم أعاد الطواف، أنّ الطواف الثاني جبرانٌ وليس بفسخٍ.
стр. 1164
والجواب: أنّه لمّا فعل الطواف مع النقص الكثير، اعتدّ به مع المراعاة، فلو لم يعده جاز، فإذا أعاده انفسخ كالقيام بغير قراءةٍ.
وأمّا إذا طاف محدثًا، فالجواز قد حصل من غير مراعاةٍ؛ لأنّ النقص نقصٌ يسير، فصار كمن قرأ الفاتحة ولم يضمّ إليها سورةً حتى ركع، ثم قام وأعاد القيام والقراءة، لم ينفسخ الأول؛ بدلالة أنّ المدرك للثاني لا يعتدّ بالركعة.
وأمّا وجوب الدم على قول أبي حنيفة، فعلى الأصل الذي بيّنا (١): أنّ من أخّر الطواف عن الأيام، لزمه دمٌ، وتأخير الجبران عنده كتأخير نفس الطواف.
٩٨٩ - فَصْل: [جَزَاءُ مَنْ طَافَ جُنُبًا أو مُحْدِثًا]
قال: فإن لم يُعد، فعليه لطواف الزيارة بدنةٌ إذا طاف جنبًا، وإن كان على غير وضوءٍ فعليه شاةٌ، وقد قدّمنا ذلك.
وأمّا طواف العمرة، إذا كان محدثًا فعليه شاةٌ؛ لأنه نقصٌ يسيرٌ، كترك شوطٍ منه؛ ولأنه طوافٌ هو ركنٌ كطواف الزيارة، وإن طاف جنبًا، فالقياس: أن يلزمه أكثر من شاةٍ؛ لأنه نقصٌ كثيرٌ، كترك أكثر الأشواط، فلا تجزئ فيه الشاة.
وإنّما استحسنوا: لأنّ العمرة طوافٌ وسعيٌ، وقد جاز أن تقوم الشاة مقام الطواف والسعي [في الشرع ألا ترى أن المحصر يتحلّل بشاةٍ، وهي قائمةٌ مقام الطواف والسعي] الذي يتحلّل بهما فائت الحجّ، فإذا قامت الشاة مقام عمل العمرة؛ فلأنّ تقوم مقام بعضها أولى.
وأمّا طواف الصدر إذا طاف جنبًا، فعليه شاةٌ؛ لأنّه نقصٌ كثيرٌ كترك أكثر
стр. 1165
الأشواط، وإن كان محدثًا، فعليه في إحدى الروايتين عن أبي حنيفة: صدقةٌ، وهو الصحيح، وهو قول أبي يوسف ومحمد؛ لأنّه نقصٌ يسيرٌ، كترك شوط أو شوطين.
وقال في الرواية الأخرى: عليه شاةٌ؛ لأنه طوافٌ واجبٌ كطواف الزيارة.
٩٩٠ - فَصْل: [وُجُوْدُ النَّجَاسَةِ وَكَشْفُ العَوْرَةِ فِي الطَّوَافِ]
قال: وإن طاف وفي ثوبه نجاسةٌ أكبر من قدر الدرهم، كُره له ذلك، ولا شيء عليه، وإن طاف وقد انكشف من عورته قدرٌ لا تجوز معه الصلاة، أجزأه الطواف، وعليه دمٌ.
والفرق بينهما: أنّ النجاسة لم يمنع منها لمعنى يختص بالطواف، وإنما منع منها؛ لأنه لم يؤمن تلويث المسجد، وليس كذلك الكشف؛ لأنه ممنوعٌ منه لمعنى يختصُّ بالطواف، بدلالة قوله ﵊: "ألا لا يطوفنَّ بالبيت مشركٌ ولا عريان" (١)، فإذا اختصّ النهي بالطواف أوجب نقصًا فيه، فكان عليه جُبرانه. وأجروه مجرى الحدث، ولم يُجروه مجرى الجنابة؛ لأنّ النقص فيه من وجهٍ واحدٍ كالحدث، والجنابة النقص فيها من وجهين على ما قدّمناه.
٩٩١ - فَصْل: [وجود النجاسة والحدث في طواف التطوع]
قال محمد: ومن طاف تطوعًا على شيءٍ من هذه الوجوه، فأحبُّ إلي إن كان بمكة أن يعيد، وإن كان قد رجع إلى أهله، فعليه صدقةٌ؛ لأنه قد أخلّ في طوافٍ قد أوجبه على نفسه، إلا الذي طاف وعليه ثوبٌ قذرٌ، فلا شيء عليه.
والأصل في ذلك: أنّ ما يبتدئه من النوافل يصير واجبًا بابتدائه به، فحلّ
стр. 1166
محلّ الطواف الواجب، فكان عليه إعادته، فإن لم يُعد، فعليه صدقةٌ، كما لو ترك شوطًا منه (١).
وإذا لم يُعد في الجنابة، فكذلك في النجاسة (٢)؛ لأنه أنقص من الطواف الذي وجب بإيجاب الله تعالى، فلا يسوّى بينهما في الجُبران.
٩٩٢ - فَصْل: [الطواف بالبيت مَنْكُوْسًا]
ولم يتعرّض أبو الحسن لترك صفة الطواف، وقد قال أصحابنا: إنّ من طاف منكوسًا: و [هو] أن يستقبل الحجر، ويأخذ عن يساره، أجزأه الطواف، ويكره [له ذلك، وعليه دمٌ إن لم يعد]، وقال الشافعي: لا يعتدّ به.
لنا: أنها عبادةٌ لا يبطلها الكلام، فلم يبطلها ترك الترتيب كغسل اليدين؛ ولأنه لو [أتى] (٣) بالأصل وترك صفته (٤)، فصار كما لو طاف راكبًا.
٩٩٣ - فَصْل: [الطواف راكبًا بغير عذر]
وأمّا إذا طاف راكبًا من غير عذرٍ، فعليه دمٌ، وقال الشافعي: لا شيء عليه (٥).
لنا: أنها عبادةٌ مفروضة عُلّق صحتها بالبيت، فلا يجوز أداؤها راكبًا من غير عذرٍ كالصلاة، والذي روي: أنّه ﷺ طاف راكبًا [في حجته] (٦)، فقد روى أبو
стр. 1167
الطفيل: أنه طاف راكبًا لوجع أصابه (١)، وروى أبو الزبير عن جابر: أنّ النبي ﷺ طاف في حجته على راحلته بالبيت والصفا والمروة ليراه الناس، وليُشرف فيسألوه (٢)، وعن عطاء: أنّ ذلك بعْدَما أسنَّ وبَدّنَ (٣).
وقد قال أصحابنا: إنّ مَن طاف داخل الحِجر، أنّ عليه أن يعيد الطواف، وإن لم يفعل وأعاد على الحِجر جاز، وقال الشافعي: لا يعتدّ به.
لنا: أنّه ركنٌ يختصّ بمكانٍ، فلا يكون من شرطه الكون في جميع محله، كالوقوف؛ ولأنه محلٌّ لا يُقطع على أنّه من البيت، فلا يكون الطواف عليه شرطًا كسائر بقاع المسجد، إلا أنه يؤمر بالإعادة؛ ليأتي بالطواف على ترتيبه، فإن لم يفعل وأعاد على الحجر، جاز؛ لأنّه استوفى الطواف مع ترك الترتيب، ومن أصلنا: أنّ الترتيب في العبادات المتعلّقة بالأماكن لا يجب.
وعلى هذا، قالوا فيمن رمي الجمار إذا ترك ترتيبها: إنّ السُنَّة أن يعيدها مرتَّبةً، وإن لم يفعل أجزأه.
فإن قيل: ما تقولون فيمن افتتح الطواف من غير الركن؟
فالجواب [عنه]: أنّ شيوخنا كانوا يقولون: الافتتاح من الركن سنَّةٌ، وإن
стр. 1168
افتتح من غيره جاز مع الكراهة.
وذكر محمد في الرقيات: أنّه إذا افتتح الطواف من غير الحَجَر لم يعتدّ له بذلك القدر إلى أن يصير إلى الحجر، فعلى هذه الرواية: لم يلزمه الترتيب، ولكن (١) افتتح من غير موضع الافتتاح، فلم يُعتدّ بافتتاحه.
والدليل على أنّ الافتتاح من الركن: ما روي أنّ إبراهيم ﵇ لما انتهى في البناء إلى موضع الحَجَر، قال لإسماعيل ﵇: "ائتني بحجرٍ أجعله علامة لابتداء الطواف"، فخرج فجاءه بحجرٍ، فقال: "ائتني بغيره"، فأتاه بآخر، فقال: "ائتني بغيره" فخرج فأتاه بثالث، فألقاه وقال له: "قد جاءني بحجرٍ من قد أغناني عن حجرك" (٢)، فرأى الحجر في موضعه؛ فدل على أنه موضعٌ للافتتاح، فإن ألزم على ما ذكرناه من افتتح السعي من المروة، لم يلزم [ذلك]؛ لأنّ ذلك يعتدّ به في إحدى الروايتين، وهي جاريةٌ على الأصل الذي قرّرناه (٣).
وأمّا على الرواية المشهورة، فلا يعتدّ به، ليس لأجل الترتيب، ولكنه افتتح السعي من غير مكان الافتتاح؛ أو لأنّ المستحَقّ أن يصعد الطائف على الصفا أربع مرات، وعلى المروة مثله (٤)، فإذا ابتدأ بالمروة، فقد ترك الصعود على الصفا مرّةً واحدةً، فكان عليه أن يأتي به، ولا يمكن إفراد الصعود عن السعي، فلذلك لزمه إعادة شوط في هذه الرواية.
стр. 1169
بَاب فَوَاتِ الحَجِّ
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: لا يفوت الحجُّ إلا بفوات الوقوف بعرفة في الوقت الذي حُدِّد لذلك، ولا يفوت بشيءٍ غير ذلك.
وذلك لقوله ﷺ : "الحج عرفة، فمن أدرك عرفة بليلٍ [أو نهارٍ]، فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفة بليل، فقد فاته الحج"، (١)، فإذا علّق النبي ﷺ الإدراكَ بالوقوف في وقته، فمن فاته ذلك، فقد فاته الحج، ومن أدرك ذلك، فقد أدرك الحج.
٩٩٤ - فَصْل: [عمل من فاته الحج]
قال: ومن فاته الحج: تَحَلَّلَ من إحرامه بعمل العمرة، يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، ثم يحلق أو يقصر إن كان مُفْرِدًا، ولا دم على فائت الحج عندنا.
وقال الحسن بن زياد: عليه دمٌ مع الطواف، وهو قول الشافعي (٢).
لنا: ما روى [ابن] عمر وابن عباس ﵄: أنّ النبي ﷺ قال: "ومن فاته عرفة بليل، فقد فاته الحج، فليُحَلِّل بعمرةٍ، وعليه الحج من قابل"، ذكره الدارقطني (٣)،
стр. 1170
وهذا بيانٌ لجميع الحكم؛ ولأنه مُفرِدٌ لم يتعجّل الإحلال قبل وقته، ولا ارتكب شيئًا من محظورات الإحرام، فلا يلزمه الدم، كالمدرك؛ ولأنه تحلّل من الإحرام بأحد موجبيه، فلا يلزمه الدم، كمن (١) تحلّل بعمل الحج.
يبيِّن ذلك: أنّ من أحرم بشيءٍ مبهمٍ، جاز له أن يخرج من موجب إحرامه إمّا بالحج أو بالعمرة، فالفائت قد تحلّل بأحد موجبي الإحرام، ولا يلزم القارن؛ لأنّه تحللٌ بموجبيه.
٩٩٥ - فَصْل: [القارن يفوته الحج]
قال: وإذا كان قارنًا، ففاته الحج: طاف للعمرة وسعى، ثم طاف طوافًا آخر لفوات الحج، ويسعى ويحلق أو يقصر، ويبطل عنه دم القرآن؛ وذلك لأنّ الفوات حصل في الحج، والعمرة لا تفوت، فيأتي بها كما يأتي بها المُدرِك، ثم يفعل في الحج ما يفعله المفرد مع الفوات، وإنما بطل عنه دم القرآن؛ لأنه ليس بجامعٍ بين الحج والعمرة.
قال: ويقطع التلبية إذا أخذ في الطواف الذي يتحلّل به، وقد قدّمنا ذلك.
٩٩٦ - فَصْل: [الطواف الذي يقع به التحلُّل]
واختلف أصحابنا في الطواف الذي يقع به التحلّل، قال أبو حنيفة ومحمد: هو عمل عمرةٍ مؤدَّاةٍ بإحرام الحج، وقال أبو يوسف: انقلب إحرامه عمرةً.
وجه قولهما: أنّ المكِّيَّ إذا فاته الحجّ، تحلّل بالطواف، ولم يلزمه الخروج
стр. 1171
إلى الحلّ، ولو صار معتمرًا للزمه الخروج إلى ميقات العمرة؛ ولأنّه لو انقلب إحرامه عمرةً لانفسخ الإحرام، وذلك لا يجوز؛ ولأنّ الحج تضمّن أفعالًا تفوت، وأفعالًا لا تفوت، فإذا فاته الحج، سقط ما يلحقه الفوات، وبقي ما لا يفوت، وهذا معنى قولنا: إنّها أفعال عمرةٍ مؤدَّاةٍ بإحرام حجّةٍ.
وجه قول أبي يوسف: أنّ النسك إمّا أن يكون حجّةً أو عمرةً، وقد بطل أن يكون حجةً في مسألتنا، فلم يبق إلا أن يكون عمرةً.
٩٩٧ - فَصْل: [سَوْقُ المُتَمَتّعِ الذِي بَطَلَ تَمَتُّعُه الهَدْيَ]
قال: وإذا كان المتمتع ساق الهدي، فقد بطل تمتعه: يصنع بهديه ما يشاء (١)، ويصنع ما يصنع القارن؛ وذلك لما بيَّنا: أنّ الدم يجب للجمع بين الإحرامين، فإذا فات الحج، فليس بجامعٍ.
[قال]: وليس على فائت الحج طواف الصدر؛ وذلك لأنّ إحرامه انتقل إلى حكم العمرة، وليس على المعتمر طواف الصدر؛ ولأنّ هذا الإحرام لم يؤدِّ به إلا الطواف والسعي، فصار كالمحرم بالعمرة.
وقد ذكر أبو الحسن، عن إبراهيم، عن الأسود قال: سألت عمر ﵁، عن رجلٍ فاته الحجّ، قال: يتحلل بعمل العمرة من غير هدي، وعليه الحج من قابل، ثم لقيت زيد بن ثابت بعد ثلاثين سنة، فقال مثل قول عمر (٢).
قال: وقد روي ذلك عن ابن عباسٍ (٣) والحارث بن أبي ربيعة (٤)(٥).
стр. 1172
[٣١] بَاب المتمتع
قال الشيخ أبو الحسن ﵁: الذي تقدّم في هذا الباب: بيان فضيلة الإحرام، فالمشهور عن أصحابنا: أنّ القِران أفضل ما يُحرم به، ثم التمتع، ثم الإفراد (١).
وذكر ابن شجاع عن أبي حنيفة: أنّ الإفراد بعد القِرَان، أفضل من التمتع.
وروي عن محمد أنه قال: حجّة كوفيّةٌ، وعمرةٌ كوفيةٌ أفضل من القِرَان.
وقال مالك: التمتع أفضل، وقال الشافعي: الإفراد أفضل (٢).
لنا: ما روي في حديث أمّ سلمة: أنّ النبي ﷺ قال: "أهلوا يا آل محمد بعمرةٍ في حجةٍ" (٣)، ولأنّ القِران يسقط به [موجب الإحرامين] (٤) بدلالة أنّ من نذر حجةً وعمرةً، يسقط موجبهما بالقرآن، ولو نذر القرآن، لم يسقط موجبه بالإفراد، فدلّ على أنّ القِرانَ أفضل؛ ولأنّ من جاز له القِرانُ، فالقِران أفضل له من الإفراد، أصله: من أحرم بشيءٍ فنسيه.
والتمتع بعد القِران أفضل؛ لأنه يتعجّل فعل الحج، فإذا أتى [بحجة كوفيّةٍ] (٥) أخره. وتقديم الإحرام أفضل؛ ولأنّ النبي ﷺ قال: "تابعوا بين الحج
стр. 1173
والعمرة، فإن متابعة ما بينهما يزيد في العمر وينفي الفقر" (١).
وجه رواية ابن شجاع: أنّه إذا أتى بالحج من مكة، فهي حجةٌ مكيَّةٌ، هكذا روى أبو يوسف عن أبي حنيفة، والحجَّة الكوفية أفضل من المكيَّة.
[وقد] قال أبو يوسف: إن حجة المتمتع كوفيةً كحجة القِران، وأبو حنيفة جعلها مكيَّةً؛ لأن إنشاءها من مكة، وأبو يوسف جعلها كوفيَّةً؛ لأنّ السفر وقع لها وللعمرة، وإن تحلل بينهما، فهو كسفر [القارِن] (٢).
وأمَّا الذي قاله محمد، فهو مذهبه، ووجهه: أنّه إذا أتى بسفرين فهو أشقّ، وما كان أشقّ من القُرَبِ فهو أفضل، ما لم يرد عليه النهي (٣) [كعتق من الرهائن].
وإذا ثبت هذا، فحقيقة القِرَان: الجمع بين إحرام العمرة وإحرام الحج، وهو مأخوذٌ من اقتران الشيء بالشيء، وكذلك إذا أدخل حجةً على عمرةٍ قبل أن يطوف لها أربعة أشواط، فهو قارنٌ؛ لأنّ العمرة لم تصحّ حتى انضمّ إليها إحرام الحج، فهو كما لو انضم إليها [الحج] ابتداءً.
وحقيقة التمتع: هو أن يجمع بين أكثر [أفعال] العمرة وإحرام الحج في أشهر الحج من غير إلمامٍ بأهله.
وقال مالك: إذا أتى بالأفعال قبل الأشهر، وبقي إحرام العمرة حتى دخلت [أشهر الحج] (٤)، ثم أحرم بالحجّ، فهو متمتعٌ.
стр. 1174
وقال الشافعي: المتمتع من أحرم بالعمرة في الأشهر، وإن قدَّم الإحرام وأتى بالأفعال في الأشهر، فليس بمتمتعٍ.
أمَّا [الكلام] على مالك؛ فلأنّ العمرة قد صحَّت قبل أشهر الحج، [ألا ترى أنّه لو جامع قبل الأشهر، لم يبطل، فلم يكن بها متمتّعًا، كما لو تحلّل قبل الأشهر].
وأمّا [الكلام] على الشافعي؛ فلأنّ العمرة صحَّت في أشهر الحج، ألا ترى أنّه لو جامع قبل الأشهر بطلت، فصار كما لو أتى بإحرامها في الأشهر.
وقد قال أصحابنا: إنّ من أحرم بعمرةٍ في رمضان، ولم يطف لها إلا في شوال من قابلٍ، كان متمتعًا.
وهذا صحيحٌ على ما قدّمنا: أنّ العمرة صحَّت في أشهر الحج، وهذا الحدّ الذي ذكرناه إنما يكون فيمن دخل مكة قبل الأشهر مُحْرِمًا بعمرةٍ، فبقي على إحرامها.
فأمّا إذا دخل بعمرةٍ، فقضاها وتحلل وأقام بمكة حتى دخلت عليه الأشهر، فأحرم بعمرةٍ أخرى، لم يكن متمتِّعًا بها في قولهم؛ لأنه صار في حكم أهل مكة؛ بدلالة أنّ ميقاته ميقاتهم، فلا يصح له التمتع عند أبي حنيفة، إلا أن يخرج إلى أهله ثم يرجع مُحْرِمًا بالعمرة، وقال أبو يوسف ومحمد: إذا خرج إلى موضع لأهله التمتع والقرآن، صار متمتِّعًا.
[وجه قول أبي حنيفة: أنّ هذا السفر قد تعلّق به بطلان التمتّع، ألا ترى أنّ وقت التمتّع دخل وليس هو من أهله، فلا يتغيّر حكمه إلا بالعود إلى أهله، كالسفر
стр. 1175
الذي تعلّق به صحة التمتّع، لا يبطل حكمه إلا بالإلمام].
وجه قولهما: أنه عاد إلى موضعٍ لأهله التمتع والقِران، فصار كما لو عاد إلى أهله.
وعلى هذا الخلاف، إذا دخل بعمرةٍ في أشهر الحج، فأفسدها.
فأمّا إذا خرج قبل الأشهر إلى موضعٍ لأهله التمتع والقرآن، فأحرم بالعمرة، كان متمتعًا في قولهم جميعًا؛ وذلك لأنّه لم يتعلّق بسفره بطلان التمتع، ألا ترى أنّ وقت التمتع لم يدخل عليه (١)، فصار كالمبتدئ للإحرام من الميقات قبل دخول مكة.
٩٩٨ - فَصْل: [الإلمام الذي يبطل التمتع]
وأمّا الإلمام الصحيح إذا حصل بين الحج والعمرة، أبطل التمتع، وقال الشافعي: لا أعرف الإلمام (٢).
وقد روي عن عمر، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاووس وسعيد بن جبير، وإبراهيم (٣)، ﵃: أنّ المتمتِّع إذا أقام بمكة، صحَّ تمتعه، وإن عاد إلى أهله بطل تمتعه؛ ولأنّ التمتع إنّما جعل لأهل الآفاق؛ ليترفّهوا من أحد السفرين، فإذا عاد إلى وطنه، فقد زال معنى الترفّه، وقد ثبت من أصلنا: أنّ تمتُّع المكيّ لا يصحّ؛ لما يحصل له من الإلمام [بأهله].
стр. 1176
٩٩٩ - فَصْل: [الإلمام الفاسد]
وأمّا الإلمام الفاسد الذي لا يمنع صحة التمتع: فهو أن يسوق الهدي، فإذا فرغ من العمرة عاد إلى وطنه، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يبطل تمتعه، وقال محمد: يبطل [تمتعه].
لهما: أنّ العَود مستحَقٌّ ما دام على نية التمتع، فيمنع ذلك من صحة الإلمام، كالقارن إذا عاد إلى أهله.
وجه قول محمد: أنّ العَود غير مستحَقٍّ، بدلالة أنّه لو بدا له من التمتع، جاز له ذبح الهدي هاهنا، فإذا لم يُستحَقّ العود عليه صار كمن لم يسق الهدي.
١٠٠٠ - فَصْل: [ضمّ الحج إلى العمرة بعد أن طاف أكثر الأشواط]
وإذا ضمَّ المعتمر إلى عمرته حجَّةً بعدما طاف لها أربعة أشواط، فهو متمتعٌ؛ لأنه أحرم بالحج بعد صحة العمرة، فهو كمن أحرم بعد الفراغ منها.
١٠٠١ - فَصْل: [صحة التمتع والقِران من أهل مكة ومن حولها]
وليس لأهل مكة، ولا لأهل المواقيت، ومَنْ بينها وبين مكة تمتعٌ ولا قِرَانٌ، وقال الشافعي: يصح تمتعهم وقِرَانهم (١).
لنا: ما روي عن ابن عمر أنه قال: (ليس لأهل مكة تمتعٌ ولا قرآنٌ) (٢)، وتخصيص العبادات بالأماكن لا يُعلم إلا من طريق التوقيف؛ ولأنه لا يصحّ منهم
стр. 1177
موجب التمتع من الهدي (١)، فلا يصح منهم التمتع كالصبي والمجنون؛ ولأنّ التمتع والقرآن جعل لأهل الآفاق ليترفَّهوا بإسقاط أحد السفرين (٢)، وهذا المعنى لا يوجد في أهل مكة.
١٠٠٢ - فَصْل: [حالة صحة قِرَان المَكِّي]
وقد قال أصحابنا: في المكي إذا خرج إلى الكوفة فقرن، صحّ قرانه؛ لأنّ القِرَان يحصل بنفس الإحرام، والإلمام لا يؤثر فيه، فصار دخوله مكة كالكوفي إذا قرن ثم عاد إلى الكوفة.
قالوا: ولو أحرم المكيّ بعدما خرج إلى الكوفة بعمرةٍ، ودخل مكة بحجٍّ، لم يكن متمتِّعًا؛ لأنّ الإلمام حصل له بين الحج والعمرة، فصار كالكوفي إذا رجع إلى أهله.
وقد قالوا في المكي إذا أحرم بالعمرة بعدما خرج إلى الكوفة وساق الهدي: لم يكن متمتعًا.
وصححوا إلمامه مع سوق الهدي، بخلاف الكوفيّ؛ لأنّ الكوفيّ إنّما يمنع السوق من صحة إلمامه؛ لأنّ العَود يستحقّ عليه، والمكيّ لا يستحقّ عليه عودٌ، فصحّ إلمامه مع السوق، كما يصح مع فقده؛ فلذلك بطل تمتعه.
قال ابن سماعة عن محمد: إنّما يصح قِران المكيّ إذا خرج إلى الكوفة متى كان خروجه من مكة قبل أشهر الحج، فإذا دخلت عليه الأشهر وهو بمكة، ثم
стр. 1178
خرج إلى الكوفة، فقرن، لم يصحّ قِرانه؛ لأنّ الأشهر لمّا دخلت عليه وهو في أهله، فقد صار على صفةٍ لا يصحُّ له التمتع ولا القِران في هذه السنة، فلم يتغيّر ذلك بالخروج.
١٠٠٣ - فَصْل: [حاضروا المسجد الحرام]
قال أصحابنا: حاضرو المسجد الحرام الذين لا يجوز لهم التمتع والقِران: من كان في المواقيت وما بعدها إلى مكة (١)، وقال مالك: أهل مكة، وقال الشافعي: من كان بينه وبين مكة مسافةٌ لا يقصر فيها الصلاة (٢).
لنا: أنّ أهل المواقيت ومن بعدهم في حكم أهل مكة، بدلالة أنّهم يدخلون مكة (٣) لحوائجهم بغير إحرامٍ، فصاروا في باب التمتع والقِران كأهل مكة.
١٠٠٤ - فَصْل: [صورة الكوفي يكون متمتعًا]
قال: وإذا ألمّ الكوفيّ بأهله ثم عاد إلى مكة بعمرةٍ أخرى وحجٍّ، كان متمتعًا؛ لأنّ حكم العمرة الأولى سقط بإلمامه، فتعلّق الحكم بالعمرة الثانية، وقد جمع بينها وبين الحج في الأشهر من غير إلمام.
قال (٤): ولو ألمّ بأهله في المسألة الأولى بعد أن طاف للعمرة قبل أن يحلق أو يقصّر، ثمّ حجّ من عامه ذلك قبل أن يحلّ من العمرة في أهله، فهو متمتعٌ في قول أبي يوسف، رواه عنه أبو سليمان؛ وذلك لأنّ العَود مستحَقٌّ لأجل الحلق،
стр. 1179
ألا ترى أنّ من جعل الحرم شرطًا، فلا بد له من العَود، ومن لم يجعله شرطًا قال: إنه مستحبٌّ.
١٠٠٥ - فَصْل: [خروج المعتمر إلى موضع لأهله التمتع]
ذكر الطحاوي: في الكوفي إذا فرغ من عمرته، ثمّ خرج إلى موضعٍ لأهله التمتع والقرآن: أن تمتُّعه لا يبطل عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يبطل، وكان أبو بكر الرازي يُنكر هذا الخلاف ويقول: إنّه نقله من مسألةٍ إلى مسألةٍ أخرى (١): وهو أنّ من دخل مكة بعمرةٍ فأفسدها، ثم رجع إلى موضعٍ لأهله التمتع والقِران، قال أبو حنيفة ومحمد: لا يكون متمتعًا حتى يرجع إلى أهله، وقال أبو يوسف: يكون متمتعًا (٢).
فإن صحّ ما ذكره الطحاوي، فوجه قولهما: أنّه لم يحصل له الإلمام بأهله، فصار كبقائه بمكة.
وجه قول أبي يوسف: أنّه لمّا رجع إلى موضعٍ لأهله التمتع والقِران، صار كما لو رجع إلى أهله.
١٠٠٦ - فَصْل: [مُعْتَمِرٌ أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ قَبْلَ طَوَافِ العُمْرَةِ]
قال: وإذا أحرم من لا تمتع له [ولا قِران] ممَّن ذكرنا بعمرةٍ، ثم أحرم بحجَّةٍ قبل أن يطوف للعمرة: فإنه يؤمر برفض العمرة، والمضي في الحجّ، وعليه عمرةٌ مكان عمرته ودمٌ.
стр. 1180
وهذه المسألة على فصول: أولها: أنّ المكيّ إذا جمع بين الإحرامين، ولم يعمل لأحدهما عملًا، رفض العمرة في قولهم؛ لأنّها أقلّ عملًا، والحجّ أكثر عملًا، فكان رفض الأيسر أولى، وإنّما وجب الرفض؛ لأنه ممنوعٌ من المضي في الإحرامين، فصار كمن جمع بين حِجَّتين.
وأمّا إذا طاف لعمرته أربعة أشواط فصاعدًا، ثمّ أحرم بحجةٍ، مضى عليها في قولهم (١)؛ لأنّ العمرة صحَّت، فلا يجوز رفضها بعد صحَّتِها.
[وأما إذا] (٢) طاف لعمرته شوطًا أو شوطين، ثمّ أحرم بحجَّةٍ، رفض الحجة عند أبي حنيفة، وقالا: يرفض العمرة.
وجه قوله: أنّ الرفض في الأصول يقع بعملٍ، وقد عمل لإحرام العمرة ولم يعمل لإحرام الحج، فوجب رفض ما لم يقع له العمل.
وجه قولهما: أنّ العمرة لم تصحّ، وهي الأيسر، فكان رفضها أولى، كما لو لم يطف.
وكل من ألزمناه برفض العمرة في هذه الفصول، فعليه لرفضها دمٌ؛ لأنّه تحلّل قبل الفراغ من موجب الإحرام، فهو كالمحصَر، وعليه عمرةٌ مكانها؛ لأنّها وجبت عليه بالدخول.
وكلّ من ألزمناه رفض الحجة، فعليه دمٌ لرفضها؛ لأنّه تحلّل منها بغير طوافٍ، وعليه حجةٌ وعمرةٌ، أما الحجَّة، فلأنّها وجبت [عليه] بالدخول، وأمّا
стр. 1181
العمرة؛ فلأنّه لم يأت بأفعال الحجة في السَّنَةِ التي أحرم فيها، فإن أحرمَ بها من سنته، فلا عمرة عليه.
وأمّا التي جوَّزنا له المضي فيها، فعليه دمٌ؛ لأنّه جمع بين الإحرامين على وجهٍ منهيٍّ [عنه]، فأدخل النقص في أحدهما، وهذا دم جبران وليس بدم تمتعٍ، فلا يقوم الصوم مقامه، ولا يجوز الأكل منه (١).
١٠٠٧ - فَصْل: ومن أخوات هذه المسألة (٢)
ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف: فيمن أحرم بحجَّتين معًا، أو بعمرتين [معًا] لزمتاه جميعًا، وقال محمدٌ: يلزمه أحدهما، وبه قال الشافعي.
وجه قولهما: أنّهما عقدان متفقان في الحكم والصفة، فلو لم يصحّ الجمع بينهما لبطلا جميعًا كنكاح الأختين، فلما صحَّ أحدهما، صحَّا جميعًا كنكاح الأجنبيَّتين.
وجه قول محمد: أنّه لا يصحّ المضي فيهما، فلا يصح الجمع بينهما كالصلاتين.
ثم اختلف أبو حنيفة وأبو يوسف [متى يصير رافضًا]؟، فقال أبو حنيفة في الرواية المشهورة: لا يصير رافضًا لأحدهما حتى يسير (٣) قاصدًا إلى مكة، وروي عنه: أنّه لا يصيرُ رافضًا حتى يبتدئ بالطواف.
وقال أبو يوسف: يصيرُ رافضًا عقيب الإحرام.
стр. 1182
وجه قول أبي حنيفة: أنّ الرفض يقع بعملٍ، فما لم يفعل فعلًا لإحدى الحجَّتين، لم يصر رافضًا للأخرى (١)، [وقال في الرواية المشهورة: إذا سار قاصدًا للحج، فقد أخذ في عمل أحدهما، فصار رافضًا للأخرى]، وقال في الرواية الأخرى: إنّ السير (٢) ليس من العمل المختصّ بالحج، فلا يصير رافضًا إلا بعملٍ هو نسكٌ، وأوّل ذلك الطواف.
وجه قول أبي يوسف: أنّ المعنى الموجب للرفض تعذَّر بالمضي في الإحرامين، وهذا المعنى موجودٌ عقيب إحرامه.
١٠٠٨ - فَصْل: [التوجه إلى عرفة قبل طوافٍ للعمرة]
وقد قال أبو حنيفة في القارن إذا توجّه إلى عرفات قبل الطواف للعمرة، صار رافضًا للعمرة في إحدى الروايتين.
وروي عنه أنه قال: لا يصيرُ رافضًا حتى يقفَ، وهو قولهما.
وإنّما وجب الرفض؛ لأنّ العمرة لا تبقى أفعالها مع الوقوف؛ بدلالة أنّ عائشة ﵂ لمّا حاضت، أمرها رسول الله ﷺ برفض العمرة، ولو جاز أن تبقى أفعالها مع الوقوف، لم يكن للرفض معنى.
وإذا وجب الرفض قال في إحدى الروايتين: إنّ التوجه إلى عرفة سببٌ مقصودٌ، فصار كالتوجه إلى الجمعة بعد صلاة الظهر، أنّه يرفض الظهر في قوله.
وقال في الرواية الأخرى: التوجه ليس هو المقصود، وإنّما الوقوف هو
стр. 1183
المقصود، فوقع الرفض به.
وفرّق بين الظهر والعمرة: بأنّ الإحرام أقوى من الصلاة، ألا ترى أنّه لا يُفسده ما يُفسد الصلاة، فلذلك بطل الظهر بالسعي، ولم تبطل العمرة بالسعي.
١٠٠٩ - فَصْل: [دَمُ التَّمَتُّع]
قال: وعلى المتمتع دمٌ إذا وَجد ذلك، وإن كان لا يجد، فصيام ثلاثة أيامٍ [في الحج] وسبعةٍ إذا رجع.
والأصل في وجوب الدم على المتمتع قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال عليٌّ (١)، وابن مسعودٍ (٢) ﵄: شاةٌ، وقال ابن عمر (٣)، وعائشة (٤) ﵄: بدنةٌ أو بقرةٌ.
والدليل على أنّ الشاة تجزئ: ما روى جابرٌ قال: (تمتّعنا رسول الله ﷺ بالعمرة إلى الحجّ، فكنا نذبح البقرة عن سبعةٍ نشترك فيها) (٥)، وقد روي أنّ النبي ﷺ سُئل عن الهدي، فقال: "أدناه شاةٌ" (٦).
و [قد] قال أصحابنا: إنّ هذا الدم نسكٌ يجوز الأكل منه، وقال الشافعي: هو دم جُبران.
стр. 1184
لنا: أنّه وجب لا لارتكاب محظورٍ كالأضحية المنذورة؛ ولأنّه موقّتٌ؛ بدلالة أنّه لا يجوز تقديمه على الأشهر، ودم الجُبران لا يتوقّت؛ ولأنّ سببه أُبيح من غير عذرٍ، ودم الجبران لا يُباح سببه إلا من عذرٍ.
وأمّا الصوم؛ فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦].
[وقد] قال أصحابنا: إذا أحرم بالعمرة في أشهر الحج، جاز له الصوم، وقال الشافعي: لا يجوز حتى يحرم بالحج (١).
لنا: قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾، والحجّ لا يكون ظرفًا للصوم، فبقي أن يكون المراد به: في وقت الحج؛ ولأنّه أحد إحرامي المتمتع، فجاز إذَنْ الصوم عقيبه (٢)، كإحرام الحج.
١٠١٠ - فَصْل: [صيام الأيام الثلاثة في الحج]
وقد قال أصحابنا: إنّ الأفضل أن يصوم قبل التروية بيومٍ، ويوم التروية، ويوم عرفة؛ وذلك لأنّ البدل الأفضل أن يأتي به في آخر الأوقات التي يتعذّر فيها المُبدَل، وهذه الأيام آخر وقت للصوم عندنا، فإن مضت ولم يصم، سقط الصوم وعاد إلى الهدي، فإن لم يقدر عليه، تحلّل وكان عليه دمان، دمٌ للتمتع، ودمٌ للتحلّل قبل الهدي.
وقال الشافعي: لا يفوت الصوم، وجوَّز على أحد القولين صوم الثلاث في أيام التشريق، وعلى القول الآخر: بعدها (٣).
стр. 1185
لنا: ما روى عكرمة عن ابن عباس [أنّه] قال في المتمتع: (إنما الصوم قبل يوم النحر) (١)، وعن عمر (أنّ رجلًا أتاه يوم النحر وهو متمتعٌ لم يصم، قال عمر: اذبح شاةً، فقال: ما أجدها، فقال: اسأل قومك، قال: ليس منهم أحدٌ هاهنا، قال: [يا معيقيب] (٢) أعطه ثمن شاةٍ) (٣)، وعن ابن عمر مثل ذلك (٤)، وهذا لا يقال إلا من طريق التوقيف.
ولأنّه وقتٌ يصح فيه هدي التمتع، فلا يجوز صوم الثلاثة فيه، أصله: يوم النحر.
١٠١١ - فَصْل: [صوم السبعة الأيام]
وأمّا صوم السبعة [الأيام]، فيجوز إذا فرغ من أفعال الحجّ، وقال الشافعي: لا يجوز إلا أن ينوي الإقامة بمكة (٥).
لنا: أنّ كلّ صومٍ جاز أداؤه بمكة إذا نوى الإقامة بها، جاز وإن لم ينو قبل الرجوع، كصوم رمضان.
١٠١٢ - فَصْل: [وجود الهدي في خلال صوم الثلاثة]
قال أصحابنا: إذا وجد الهدي في خلال صوم الثلاثة، أو بعدها قبل يوم
стр. 1186
النحر، لزمه الهدي، وسقط حكم [بقية] الصوم، وقال الشافعي: لا يلزمه (١).
لنا: أنّ ما شُرط في صحة اليوم الأول، كان شرطًا في بقية الأيام كالنيَّة والإمساك؛ ولأنّه قدر على المُبدَل قبل الفراغ من البدل، فصار كالمتيمم إذا وجد الماء في خلال الصلاة عندنا (٢)، (أو خلال التيمم بالإجماع) (٣).
١٠١٣ - فَصْل: [الأَكْلُ مِن دَمِ التَّمَتُّعِ]
قال: ولا بأس بالأكل من دم التمتع، ويطعم من شاء غنيًّا كان المُطعَم أو فقيرًا، واستحبّ له أن يتصدّق بالثلث، ولا ينقص من ذلك.
والأصل في جواز الأكل منه: أنّه قد ثبت من أصلنا (أنّ رسول الله ﷺ كان قارنًا [ونحر] (٤) البُدن، وأمر عليًا ﵁ فأخذ من كلّ بدنةٍ بُضعةً وطبخها، فأكل رسول الله ﷺ من لحمها، وحسا من مرقها) (٥)، ولأنّا دلَّلنا على أنّه دم نسكٍ، فيجوز الأكل منه، فإذا جاز الأكل للمتمتع [وهو غنيٌّ] جاز لغيره من الأغنياء.
وإنما استحب التصدّق بالثلث، حملًا على الأضحية؛ لأنّ النبي ﷺ قال فيها: "كلوا وادّخروا ما بدا لكم (٦) " (٧)، وقال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، فحصل للأكل سهمٌ، وللادخار سهمٌ،
стр. 1187
وللفقير سهمٌ.
١٠١٤ - فَضْل: [وُجُودُ الهَدْيِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ]
قال: وإن حلّ (١) ثم وجد الهدي قبل أن يصوم في أيام الذبح أو بعدها (٢)، فقد قضى صومه، ولا هدي عليه؛ لأنّ المقصود بالبدل قد حصل، وهو التحلّل، فوجود المُبدَل بعد ذلك لا يتعلّق به حكمٌ، كوجود الماء بعد الصلاة.
وقد قال شيخنا أبو عبد الله: إنّ صوم المتعة (٣) ليس ببدلٍ عن الهدي؛ بدلالة أنّه يجوز مع وجود المُبدَل، وذكر الشيخ أبو بكر في أحكام القرآن: أنّه بدلٌ؛ لأنه يجبُ بالعجز عن الأصل، وليس يمتنع أن يكون بدلًا وإن جاز فعله مع القدرة على المبدل، [كالمسح على الخفين].
١٠١٥ - فَصْل: [وُجُودُ الهَدْيِ بعد مُضِيِّ أَيَّامِ النَّحْرِ]
فإن لم يحلّ حتى [مضت أيام النحر] (٤)، ثم وجد الهدي، فصومه تامٌّ، ولا شيء عليه، رواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة؛ وذلك لأنّ الذبح عندنا موقّتٌ بأيام النحر، فإذا مضت، فقد حصل المقصود بالبدل، وهو إباحة التحلل، فكأنَّه تحلّل ثم وجد الهدي (٥).
* * *
стр. 1188
[٣٢] بَابُ المُحْصِر
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا أهل الرجل بحجَّةٍ أو عمرةٍ، [أو بهما]، ثم منعه عن الوصول إلى البيت مَرضٌ، أو عدوٌّ، أو غير ذلك، فعليه أن يبعث بهديٍ: شاةٍ، أو بقرةٍ، أو بدنةٍ، أو [يُشرك في دم البدنة أو البقرة] (١)، ودم البدنة والبقرة أفضل.
والأصل في ثبوت حكم الإحصار قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، تقديره: وإن أحصرتم عن إتمامها، وروى ابن عمر: (أنّ النبي ﷺ خرج مُعتمرًا، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فنحر هديه، وحلق رأسه بالحديبية، وصالحهم على أن يعتمر العام المقبل ولا يحمل سلاحًا عليهم، ولا سيوفًا، ولا يقيم بها إلا ما أحبوا، فاعتمر من العام المقبل، ودخل كما كان صالحهم (٢)، فلما أقام بها ثلاثًا، أمروه أن يخرج، فخرج) (٣).
وقد قال أصحابنا: إنّ العدوّ الكافر والمسلم سواءٌ؛ لأنّ قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ عامٌّ، ولأنّ المعنى المبيح للتحلل: ما يلحقه من الضرر بالبقاء على
стр. 1189
الإحرام، وهذا المعنى موجودٌ في العدو المسلم.
١٠١٦ - فَصْل: [الإحصار بالمرض]
فأمّا المرض، فهو إحصارٌ يتحلّل منه، وقال الشافعي: ليس بإحصارٍ (١).
لنا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، قال أهل اللغة: أحصره المرض، وحصره العدو، وقال الفراء: يقال: أُحصر في المرض والعدو جميعًا، فعلى القولين جميعًا (٢) اقتضت الآية التحلّل بالمرض.
وروى عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كُسِر أو عَرِج، [فقد] حلّ، وعليه الحجّ من قابلٍ" فذكرت ذلك لأبي هريرة وابن عباس، فقالا: صدق (٣)، ولأنّها عبادةٌ يحلّ الخروج منها بسبب العدو، فجاز أن يخرج منها بسبب المرض قبل إتمامها بغير شرط كالصلاة.
وإنّما قلنا: إنّ المحصَر يتحلّل بشاة؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، وقد بيّنا أنّ الهدي اسمٌ للشاة وما فوقها؛ ولحديث جابر: (أنّهم اشتركوا في عام الحديبية، فذبحوا بقرةً عن سبعةٍ) (٤).
وأمّا قولنا (٥): إنّ البقرة والبدنة أفضل؛ فلأنّهما أعلى الهدي.
стр. 1190
١٠١٧ - فَصْل: [موضع ذبح الهدي في الإحصار]
قال أصحابنا: ذبح الهدي [في الإحصار] لا يجوز إلا في الحرم، وقال الشافعي: يذبح في الموضع الذي يتحلّل فيه إذا ذبح (١).
لنا: أنّه دمٌ يختصّ بالإحرام، فاختصّ بالحرم، كدم المتعة والقرآن؛ ولأنّه موضعٌ لا يجوز فيه ذبح هدي المتعة، فلا يجوز فيه ذبح هدي الإحصار، كالحلّ لمن أحصر في الحرم.
فإذا ثبت أنّ الذبح يختصّ بالحرم، وجب أن يواعدهم بوقتٍ حتى يتحلّل بعده.
قال: فإن كان قارنًا فعليه دمان؛ لأنّه جامعٌ بين الحج والعمرة، ولو أفرد كلّ واحدٍ منهما لزمه دمٌ، فإذا جمعهما لزمه دمان.
قال: وما أصاب [المحصَر] ممّا يحرم على المحرم قبل أن يذبح الهدي، فعليه فيه ما يجب على المحرم لو لم يكن محصَرًا؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ البقرة: ١٩٦]، [تقديره: فحلق، ففديةٌ]، فدلّ على أنّ المحصَر ما لم يذبح، تلزمه الكفارة بالفعل المحظور.
قال: فإذا ذبح (٢)، حلّ له كلّ شيءٍ؛ لأنّ الذبح سببٌ للتحلّل كالحلق.
стр. 1191
١٠١٨ - فَصْل [حلق المحصر للتحلل]
وليس على المحصَر حلقٌ في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: عليه أن يقصَر، ولا شيء عليه إن لم يقصَر. وقال الشافعي: إن قلت: إنّ الحلق نسك، فعلى المحصَر حلقٌ، [وإن قلت: إنّه ليس بنسكٍ، فلا حلق عليه] (١).
وجه قولهما: أنّ الحلق من توابع الإحرام، فلا يؤمر به المحصَر كالرمي.
وجه قول أبي يوسف (٢): أنّ النبي ﷺ حلق في عام الحديبية، وأمر أصحابه بالحلق (٣).
وكان أبو بكر الرازي يقول: إنّما لا يجب الحلق عندهما على المحصَر في الحلّ؛ لأنّ الحلق يختصّ بالحرم، فأمَّا إذا أحصر في الحرم، فعليه الحلق (٤).
فعلى هذا، لا حجّة لأبي يوسف؛ لأنّ الحديبية بعضُها من الحرم، فإنّما حلق في الحرم.
١٠١٩ - فَصْل: [أحوال قضاء المحصر للحج والعمرة]
فإن كان محرمًا بعمرةٍ، فعليه القضاء، وإن كان محرمًا بحجة، فعليه حجةٌ وعمرةٌ، وإن كان قارنًا، فعليه حجةٌ وعمرتان.
أمّا وجوب القضاء على [المحصَر] المُحْرِم المتنفل، خلاف ما قاله الشافعي:
стр. 1192
وهو أنّ الإحصار سببٌ للتحلّل قبل استيفاء موجبات الإحرام، فأوجب قضاء حجة النفل كالفوات.
وأمّا وجوب العمرة على المحصَر بالحجة، فلِمَا روي عن ابن مسعودِ وابن عمر أنهما قالا: (في المحصَر بحجةٍ، يلزمه حجةٌ وعمرةٌ) (١)؛ ولأنه تحلّل من إحرامه قبل الوقوف، فلزمه طوافٌ وسعيٌ عند القضاء، كالفائت، وهذا على وجهين:
إن كان المحصَر بالحج قضى حجته في عامه، فلا عمرة عليه؛ لأنّه لم يؤخِّر أفعال الحجّ عن السنة التي أحرم فيها.
وإن كان أخّر الحج إلى سنةٍ أخرى، فعليه حجةٌ وعمرةٌ، ذكر [ذلك] محمد في الأصل، ورواه ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنّ عليه حجةً وعمرةً في الوجهين جميعًا (٢)، فكأنه أوجب الطواف والسعي للتحلّل قبل الوقوف.
وأمّا القارن، فعليه عمرةٌ مكان العمرة، وحجةٌ مكان الحجة، وعليه عمرةٌ للتحلل قبل استيفاء موجب الإحرام (٣).
١٠٢٠ - فَصْل: [وقت ذبح هدي الإحصار]
قال أبو حنيفة: يجوز ذبح هدي الإحصار قبل يوم النحر، وقالا: في
стр. 1193
المحصَر بالحج لا يذبح إلا يوم النحر، والمحصَر بالعمرة يذبح أيّ وقتٍ شاء.
له: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، فخصَّه بمكانٍ، ولم يخصّه بزمانٍ؛ ولأنه سببٌ للتحلل قبل استيفاء موجب الإحرام، فإذا وجد سببه، لم يختصّ بالوقت، كالطواف الذي يتحلّل به فائت الحج.
وجه قولهما: أنّه سببٌ للتحلّل من الحج، فلا يكون (١) قبل يوم النحر كالحلق.
فأمّا العمرة، فلا يختصّ التحلّل منها بيوم النحر، فلا يختصّ هدي الإحصار فيها بيوم النحر.
١٠٢١ - فَصْل: [وقوع التحلل قبل الذبح أو عدم العلم بالذبح]
قال: فإن ذُبح عنه في غير الحرم، أو لم يُذبح عنه في اليوم الذي واعدهم فيه، فحلّ وهو لا يعلم، فعليه دمٌ لإحلاله، وهو على إحرامه كما كان حتى يُذبح [عنه] الهدي؛ وذلك لأنّ التحلّل موقوفٌ على شرطٍ: وهو ذبح الهدي في مكانٍ مخصوصٍ، فإذا تحلّل قبل وجود سبب التحلّل، لم يتعلّق بتحلّله حكمٌ، فصار ذلك جنايةً، فيلزمه الكفارة.
١٠٢٢ - فَصْل: [المحصر إن لم يجد هديًا]
قال: وإن لم يجد المحصَر هديًا، أقام حرامًا حتى يذبح الهدي، أو يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، ويحلق أو يقصّر، كما يفعل إذا فاته الحج، وهذا على قول أبي حنيفة ومحمد، والمشهور من قول أبي يوسف.
стр. 1194
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف: أنّ عطاء قال في المحصَر لا يجد الهدي: قوّم الهدي طعامًا فتصدَّق به على المساكين، وإن لم يكن عنده طعام، صام لكلّ نصف صاعٍ يومًا (١)، وقال أبو يوسف: كان قول عطاء أعجب إليّ.
وقال الشافعي: لهدي الإحصار بدلٌ على أحد القولين، واختلف قوله في البدل ما هو؟، فقال في أحد قوليه: مثل صوم التمتع، وفي القول الآخر: ينتقل إلى الإطعام، وهل يقوم الصوم مقامه؟ فيه قولان (٢).
وجه قولهما: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، فعلَّق التحلّل بغايةٍ، فما لم توجد لا يجوز؛ ولأنه دمٌ لم يجب للجمع بين الإحرامين، فلا يكون له بدل: هو صومٌ أو طعامٌ كالأضحية المنذورة؛ ولأنه نسكٌ يتحلّل به قبل استيفاء موجبات الإحرام، فلا تقوم الصدقة مقامه (٣)، أصله: الطواف الذي يتحلّل به فائت الحج.
وجه قول أبي يوسف: أنه دمٌ يقع به التحلّل، فجاز أن يثبت له بدلٌ كدم المتعة.
١٠٢٣ - فَصْل: [الإحصار بعد الوقوف بعرفة]
قال: ولا يكون الحاج محصَرًا بعد الوقوف بعرفة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، معناه: عن إتمامها، وقال رسول الله ﷺ : "ومن وقف بعرفة، فقد تم
стр. 1195
حجَّه" (١)؛ ولأنه لا يلحقه الفساد، فلا يلحقه الإحصار، كمن رمى قبل الذبح.
١٠٢٤ - فَصْل: [الإحصار بعد دخول الحرم]
قال: ولا يكون محصرًا في الحرم إذا أمكنه الطواف، وإذا كان قبل الوقوف بعرفة، فهو محصَرٌ إذا لم يقدر على الطواف.
وكان أبو بكر الرازي يقول: في المحصَر بمكة، إن قدر على الطواف أو الوقوف أو هما، فليس بمحصَرٍ، وإن لم يقدر على واحد منهما، فهو محصَرٌ (٢).
قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف قال: لا يكون الرجل محصَرًا إذا دخل الحرم، إلا أن يكون بمكة عدوٌّ غالبٌ يحول بينه وبين الدخول إلى مكة، كما حال المشركون بين النبي ﷺ وبين دخول مكة، فإن كان كذلك فهو محصَرٌ.
قال علي بن الجعد: أخبرنا أبو يوسف قال: سألت أبا حنيفة: هل على أهل مكة إحصار؟ قال: لا، قلت: فإنّ رسول الله ﷺ أُحصِر بالحديبية، قال: كانت مكة إذ ذاك [دار حرب] (٣)، وهي اليوم في حكم الإسلام، فليس فيها إحصارٌ.
والصحيح: ما فصّله أبو بكر؛ لأنّه إذا قدر على الوقوف، فالحج يتمّ به، والإحصار لا [يثبت] (٤) مع تمام الحج، وإذا قدر على الطواف، فهو يقدر على أن يتحلّل به عند الفوات.