١٠١٨ - فَصْل [حلق المحصر للتحلل]
وليس على المحصَر حلقٌ في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: عليه أن يقصَر، ولا شيء عليه إن لم يقصَر. وقال الشافعي: إن قلت: إنّ الحلق نسك، فعلى المحصَر حلقٌ، [وإن قلت: إنّه ليس بنسكٍ، فلا حلق عليه] (١).
وجه قولهما: أنّ الحلق من توابع الإحرام، فلا يؤمر به المحصَر كالرمي.
وجه قول أبي يوسف (٢): أنّ النبي ﷺ حلق في عام الحديبية، وأمر أصحابه بالحلق (٣).
وكان أبو بكر الرازي يقول: إنّما لا يجب الحلق عندهما على المحصَر في الحلّ؛ لأنّ الحلق يختصّ بالحرم، فأمَّا إذا أحصر في الحرم، فعليه الحلق (٤).
فعلى هذا، لا حجّة لأبي يوسف؛ لأنّ الحديبية بعضُها من الحرم، فإنّما حلق في الحرم.
١٠١٩ - فَصْل: [أحوال قضاء المحصر للحج والعمرة]
فإن كان محرمًا بعمرةٍ، فعليه القضاء، وإن كان محرمًا بحجة، فعليه حجةٌ وعمرةٌ، وإن كان قارنًا، فعليه حجةٌ وعمرتان.
أمّا وجوب القضاء على [المحصَر] المُحْرِم المتنفل، خلاف ما قاله الشافعي:
стр. 1192
وهو أنّ الإحصار سببٌ للتحلّل قبل استيفاء موجبات الإحرام، فأوجب قضاء حجة النفل كالفوات.
وأمّا وجوب العمرة على المحصَر بالحجة، فلِمَا روي عن ابن مسعودِ وابن عمر أنهما قالا: (في المحصَر بحجةٍ، يلزمه حجةٌ وعمرةٌ) (١)؛ ولأنه تحلّل من إحرامه قبل الوقوف، فلزمه طوافٌ وسعيٌ عند القضاء، كالفائت، وهذا على وجهين:
إن كان المحصَر بالحج قضى حجته في عامه، فلا عمرة عليه؛ لأنّه لم يؤخِّر أفعال الحجّ عن السنة التي أحرم فيها.
وإن كان أخّر الحج إلى سنةٍ أخرى، فعليه حجةٌ وعمرةٌ، ذكر [ذلك] محمد في الأصل، ورواه ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة: أنّ عليه حجةً وعمرةً في الوجهين جميعًا (٢)، فكأنه أوجب الطواف والسعي للتحلّل قبل الوقوف.
وأمّا القارن، فعليه عمرةٌ مكان العمرة، وحجةٌ مكان الحجة، وعليه عمرةٌ للتحلل قبل استيفاء موجب الإحرام (٣).
١٠٢٠ - فَصْل: [وقت ذبح هدي الإحصار]
قال أبو حنيفة: يجوز ذبح هدي الإحصار قبل يوم النحر، وقالا: في
стр. 1193
المحصَر بالحج لا يذبح إلا يوم النحر، والمحصَر بالعمرة يذبح أيّ وقتٍ شاء.
له: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، فخصَّه بمكانٍ، ولم يخصّه بزمانٍ؛ ولأنه سببٌ للتحلل قبل استيفاء موجب الإحرام، فإذا وجد سببه، لم يختصّ بالوقت، كالطواف الذي يتحلّل به فائت الحج.
وجه قولهما: أنّه سببٌ للتحلّل من الحج، فلا يكون (١) قبل يوم النحر كالحلق.
فأمّا العمرة، فلا يختصّ التحلّل منها بيوم النحر، فلا يختصّ هدي الإحصار فيها بيوم النحر.
١٠٢١ - فَصْل: [وقوع التحلل قبل الذبح أو عدم العلم بالذبح]
قال: فإن ذُبح عنه في غير الحرم، أو لم يُذبح عنه في اليوم الذي واعدهم فيه، فحلّ وهو لا يعلم، فعليه دمٌ لإحلاله، وهو على إحرامه كما كان حتى يُذبح [عنه] الهدي؛ وذلك لأنّ التحلّل موقوفٌ على شرطٍ: وهو ذبح الهدي في مكانٍ مخصوصٍ، فإذا تحلّل قبل وجود سبب التحلّل، لم يتعلّق بتحلّله حكمٌ، فصار ذلك جنايةً، فيلزمه الكفارة.
١٠٢٢ - فَصْل: [المحصر إن لم يجد هديًا]
قال: وإن لم يجد المحصَر هديًا، أقام حرامًا حتى يذبح الهدي، أو يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة، ويحلق أو يقصّر، كما يفعل إذا فاته الحج، وهذا على قول أبي حنيفة ومحمد، والمشهور من قول أبي يوسف.
стр. 1194
وروى ابن سماعة عن أبي يوسف: أنّ عطاء قال في المحصَر لا يجد الهدي: قوّم الهدي طعامًا فتصدَّق به على المساكين، وإن لم يكن عنده طعام، صام لكلّ نصف صاعٍ يومًا (١)، وقال أبو يوسف: كان قول عطاء أعجب إليّ.
وقال الشافعي: لهدي الإحصار بدلٌ على أحد القولين، واختلف قوله في البدل ما هو؟، فقال في أحد قوليه: مثل صوم التمتع، وفي القول الآخر: ينتقل إلى الإطعام، وهل يقوم الصوم مقامه؟ فيه قولان (٢).
وجه قولهما: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، فعلَّق التحلّل بغايةٍ، فما لم توجد لا يجوز؛ ولأنه دمٌ لم يجب للجمع بين الإحرامين، فلا يكون له بدل: هو صومٌ أو طعامٌ كالأضحية المنذورة؛ ولأنه نسكٌ يتحلّل به قبل استيفاء موجبات الإحرام، فلا تقوم الصدقة مقامه (٣)، أصله: الطواف الذي يتحلّل به فائت الحج.
وجه قول أبي يوسف: أنه دمٌ يقع به التحلّل، فجاز أن يثبت له بدلٌ كدم المتعة.
١٠٢٣ - فَصْل: [الإحصار بعد الوقوف بعرفة]
قال: ولا يكون الحاج محصَرًا بعد الوقوف بعرفة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، معناه: عن إتمامها، وقال رسول الله ﷺ : "ومن وقف بعرفة، فقد تم
стр. 1195
حجَّه" (١)؛ ولأنه لا يلحقه الفساد، فلا يلحقه الإحصار، كمن رمى قبل الذبح.
١٠٢٤ - فَصْل: [الإحصار بعد دخول الحرم]
قال: ولا يكون محصرًا في الحرم إذا أمكنه الطواف، وإذا كان قبل الوقوف بعرفة، فهو محصَرٌ إذا لم يقدر على الطواف.
وكان أبو بكر الرازي يقول: في المحصَر بمكة، إن قدر على الطواف أو الوقوف أو هما، فليس بمحصَرٍ، وإن لم يقدر على واحد منهما، فهو محصَرٌ (٢).
قال ابن سماعة: سمعت أبا يوسف قال: لا يكون الرجل محصَرًا إذا دخل الحرم، إلا أن يكون بمكة عدوٌّ غالبٌ يحول بينه وبين الدخول إلى مكة، كما حال المشركون بين النبي ﷺ وبين دخول مكة، فإن كان كذلك فهو محصَرٌ.
قال علي بن الجعد: أخبرنا أبو يوسف قال: سألت أبا حنيفة: هل على أهل مكة إحصار؟ قال: لا، قلت: فإنّ رسول الله ﷺ أُحصِر بالحديبية، قال: كانت مكة إذ ذاك [دار حرب] (٣)، وهي اليوم في حكم الإسلام، فليس فيها إحصارٌ.
والصحيح: ما فصّله أبو بكر؛ لأنّه إذا قدر على الوقوف، فالحج يتمّ به، والإحصار لا [يثبت] (٤) مع تمام الحج، وإذا قدر على الطواف، فهو يقدر على أن يتحلّل به عند الفوات.
стр. 1196
وإنّما قام الدم في المحصَر مقام الطواف في الفوات، فإذا قدر على الأصل، لم يثبت البدل، فأمَّا إذا [منع] (١) منهما جميعًا، فهو في حكم المحصَر في الحلّ، فيجوز له أن يتحلل.
وقد قالوا: فيمن أُحصِر بعد الوقوف حتى مضت أيام التشريق، فعليه لترك الوقوف بالمزدلفة دمٌ، ولترك الرمي دمٌ، وعليه أن يطوف طواف الزيارة، وعليه لتأخيره دمٌ، ولتأخير الحلق دمٌ في قول أبي حنيفة، وهذه فصولٌ قد بيَّناها.
١٠٢٥ - فَصل: [خيار المحصر بعد بعث الهدي]
قال: فإذا بعث المحصَر بالهدي: فإن شاء أقام في موضعه، وإن شاء رجع إلى أهله؛ لأنّ الإقامة يحتاج إليها للتوجه، وهو غير متوجّهٍ.
قال: فإن قدر المحصَر على الحج، وزال المنع قبل أن ينحر الهدي، فهذا على ثلاثة أوجه:
إن أمكنه أن يدرك الهدي والحجّ، وجب عليه المضي، ولم يجز له التحلّل؛ لأنّ العذر زال، وإنّما أُبيح له التحلّل لأجل العذر، فلم يجز مع زواله.
وإن كان يدرك الهدي ولا يدرك الحج، لم يلزمه المضي؛ لأنه لا فائدة في إدراك الهدي، ألا ترى أنه كان في يده وحكم الإحصار ثابتٌ (٢).
وإن كان يدرك الحج ولا يدرك الهدي، فالقياس: أن لا يجوز له التحلّل؛ لأنه غير معذورٍ مع تمكنه من أداء الحج (٣).
стр. 1197
والاستحسان: أن يجوز له التحلّل؛ لأنّ الهدي قد تعلّق به حكمٌ لا ينفسخ، ألا ترى أنّ رسوله إذا ذبحه لم يضمن، فصار كأنه ذبح.
وقد قالوا: إنّ الأفضل في هذا الفصل أن يتوجه؛ لأنه متمكنٌ من أداء الحج بتمامه (١) فكان أولى من فسخه.
وقد ذكر أبو الحسن: أنّ هذا التقسيم إنّما يجيء على قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى؛ لأنّ من أصله: أنّ هدي الإحصار يُذبح قبل يوم النحر، فيتصوّر أن يُدرك الحج ولا يدركه، وأما على قولهما فلا يُتصوّر؛ لأن الذبح عندهما: لا يجوز قبل يوم النحر، فلا يُتصور إدراك الحج دونه؛ إلا أن التقسيم [صحيحٌ] على قولهما في المحصَر بالعمرة؛ لأنّ ذبح الهدي فيها لا يتوقت عندهما (٢).
١٠٢٦ - فصل: [المريض يبعث بهدي ثم يصح]
ونظير هذه المسألة: ما ذكره أبو الحسن في كتاب المناسك، في المريض يبعث بهديٍ ويواعدهم أن يذبحوا أوّل يومٍ من ذي القعدة، ثم صَحَّ، فإنّ أبا يوسف روى عن أبي حنيفة: أنه إذا صحَّ في وقتٍ يدرك الحج [ولا يدرك الهدي] (٣)، فقد تمّ الإحلال وعليه قضاء حجةٍ وعمرةٍ؛ لأنه إذا أردك الحجّ ولم يدرك الهدي، فقد تعلق بالهدي حكمٌ لا يلحقه الفسخ.
وروى زفر عن أبي حنيفة أنه قال: إن تمّ مرضه ذلك إلى يوم النحر، تمّ له (٤)
стр. 1198
الإحلال، وإن صحَّ في مقدار ما يدرك الحج، لم يحلّ بذلك الهدي، وعليه أن يمضي في حجّه ذلك على حاله، فإن لم يمض، كان بمنزلة من فاته الحج؛ وذلك لأنّ التحلل يثبت حكمه في يوم النحر، فإذا صَحَّ قبل ذلك، وتمكن من إدراك الحج، زال العذر، فوجب عليه المضي كالابتداء.
١٠٢٧ - فصل: [القارن يبعث بهدي واحد للتحلل من الحج]
[قال]: وإذا حُصِر القارن، فبعث بهديٍ واحدٍ ليتحلّل [به] من الحج، ويبقى على إحرام العمرة، لم يتحلّل [به] من واحدٍ منهما؛ لأنّ إحلال القارن من أحد الإحرامين متعلّقٌ بإحلاله من الآخر، فلا يجوز أن يتقدّم الإحلال في أحدهما، كما لا يجوز في المدرك.
١٠٢٨ - فَصْل [الإحصار بسرقة النفقة]
وقال ابن سماعة عن محمد فيمن سُرقت نفقته: إنّه لا يكون محصرًا إن قدر على المشي، وإن لم يقدر فهو محصرٌ؛ وذلك لأنه إذا قدر على المشي، فهو متمكنٌ من أداء الحج، فلا يجوز [له] التحلّل مع القدرة، وليس يمتنع أن لا يجب على الإنسان المشي إلى الحج ابتداءً، ويجب عليه بعدما تعيّن بالدخول، كما لا يجب على الفقير مع عدم المال، ويجب [عليه] بالدخول.
وأما إذا عجز عن المشي، فقد تعذر عليه المضي، فجاز له التحلّل، كما لو تعذر بالمرض.
قال أبو يوسف: فإن قدر على المشي في الحال، ويخاف أن يعجز، جاز له التحلّل؛ لأنّ المشي إذا لم يوصله إلى المناسك فلا فائدة فيه.
стр. 1199
١٠٢٩ - فَصل: [منع الزوجة إذا أحرمت بحجة التطوع]
وإذا أحرمت المرأة بحجة التطوع، فمنعها زوجها، فهي بمنزلة المحصَر؛ وذلك لأنها ممنوعةٌ من التطوّع إلا بإذنه، فيثبت له حقّ المنع، وقد جاز التحلل إذا كان المنع بغير حقٌّ، فإذا كان بحقٍّ أولى.
إلا أنها تفارق المحصَر من وجهٍ؛ لأنّ المحصَر لا يتحلّل إلا بالهدي، وهي يحللها الزوج، ثم تذبح بعد ذلك؛ لأن التحلّل هاهنا مستحقٌّ، فيقع بأدنى ما يحظره الإحرام، كما روي أن النبي ﷺ قال لعائشة: "امتشطي وارفضي [عنك] العمرة" (١)، فأما المحصر فالتحلّل ليس بمستحقٍّ، وإنّما هو جائزٌ، فوقف على الهدي.
ولأنّ الزوج إنّما جاز له أن يحلّلها ليستوفي حقّه، فلو وقف التحلّل على الذبح، لسقط حقه، وهذا لا يصح، والتحليل: أن يصنع بها بعض ما يحظره الإحرام، فأما إن قال: [قد] أحللتكِ، لم تتحلل؛ لأنه يجوز أن يأذن لها بعد ذلك.
وأما وجوب الدم عليها، فلأنها تحلّلت دون (٢) طوافٍ.
١٠٣٠ - فَصْل: [المَرْأَةُ إِذا أَحْرَمَتْ بِحِجَّةِ الإِسْلَامِ ولا مَحْرَمَ لَهَا]
[قال]: وإن أحرمت بحجة الإسلام، ولا مَحْرَم لها، فهي بمنزلة المحصَر؛ لأنّها ممنوعةٌ من المضي لحق الله تعالى، فصارت كالممنوعة [بفعل] (٣)
стр. 1200
الآدميّ، ولا تتحلّل إلا بهديٍ؛ لأنّ التحلّل هاهنا جائزٌ، وليس بمستحَقٍّ، ألا ترى أنها تبقى على إحرامها، [إلى أن تجد محرمًا أو زوجًا] (١).
١٠٣١ - فصل: [العبد إذا أحرم بغير إذن مولاه]
وكذلك العبد إذا أحرم بغير إذن مولاه أو الأمة، فللمولى أن يحلّلهما بغير هديٍ؛ لأنّ منافعهما [مستحقةٌ] للمولى، فلم يجز لهما منعه منها، وقدمنا أنّ الإحلال إذا استُحق وقع ببعض محظورات الإحرام.
قال: وعلى العبد إذا أعتق أن يقضي ما أحرم به؛ لأنه وجب عليه بالدخول، وتعذّر المضي لحق المولى، وقد زال ذلك.
وأما إذا أذن المولى لعبده في الحج، فأحرم، كُره له أن يحلّله؛ لأنه رجوعٌ عما وعد [به]، وليس عليه هدي؛ لأنّ المولى لا يثبت عليه حقٌّ لعبده.
وقد قالوا: فيمن حجّ عن غيره، فأحصُر، لزم المحجوج عنه أن يبعث بهديٍ؛ لأنه للتخلّص من مشقة السفر، فيلزم المحجوج عنه كنفقة الرجوع.
و [قد] قالوا: في المولى إذا أمر عبده أن يحج عنه، فأحصُر، لم يلزم المولى إنفاذ هديٍ؛ لأنه لو لزمه للزمه لحقّ العبد، والعبد لا يثبت له حقٌّ على مولاه.
فإن أعتقه وجب عليه أن يبعث بهديٍ؛ لأنه صار ممن يثبت له حقٌّ عليه، فهو كالحر إذا حج عن غيره (٢).
وقد روى ابن سماعة عن أبي يوسف: أنّ المولى إذا أذن لعبده في الحج،
стр. 1201
فليس له أن يحلّله؛ لأنّه أسقط حق نفسه بالإذن، فصار العبد كالحرّ، فلا يتحلّل إلا بدم (١) الإحصار.
وقال أبو يوسف: فإن باعه، فللمشتري أن يحلّله؛ لأنّ الإحرام لم يقع بإذنه، فهو كما لو أحرم ابتداءً في ملكه.
وقال زفر: ليس للمشتري التحليل؛ لأنه انتقل إليه ما كان للبائع، ولم يكن للبائع أن يحلّل، فكذلك المشتري.
وقال محمد: إذا أذن الرجل لعبده في الحجّ، ثم باعه، لم أكره للمشتري أن يحلّله؛ لأنّ الكراهة في حق البائع لما فيها من إخلاف الوعد، وهذا لا يوجد في حقّ المشتري.
و [قد] روى ابن سماعة عن محمد: في أمةٍ لها زوجٌ، أذن لها مولاها في الحج، فليس لزوجها أن يحلّلها؛ وذلك لأنّ التحليل ثبت للزوج لمنعها من السفر ليستوفي حقه في الوطء، ومنع الأمة من السفر إلى مولاها دون زوجها، ألا ترى أن المولى لو سافر بها، لم يكن للزوج منعها، فكذلك إذا أذن لها في السفر (٢)
стр. 1202
بَاب دخول مكة بغير إحرام
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: مَنْ كانت المواقيت بينه وبين مكة لم يجز له أن يدخل مكة بغير إحرامٍ.
قال [الشيخ] ﵀: وجملة هذا: أنّ مجاوزة الميقات لمن أراد دخول مكة وهو قبل الميقات، لا يجوز إلا بإحرامٍ، أراد النسك أو أراد غيره.
وقال الشافعي: من دخل مكة للقتال، جاز له دخولٌ بغير إحرام قولًا واحدًا، وإن دخل للنسك، وجب عليه الإحرام قولًا واحدًا، وإن دخلها لحاجةٍ، ففيه قولان (١).
أمَّا من دخلها مقاتلًا، فعليه الإحرام؛ لما روى أبو شريح الكعبي أن النبي ﷺ قال: "إن مكة حرامٌ، حرَّمها الله تعالى، لم تحلّ لأحدٍ قبلي، ولا تحلّ لأحد بعدي، وإنما حلّت لي ساعةً من نهارٍ، [لا يُختلى خلاها، ولا يُعضد شجرها، ولا يُنفّر صيدها] " (٢)، فمن ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها، فإنّما أحلت له ساعةً من نهارٍ، (فأخبر أنها لم تحل إلا له) (٣)، ولو جاز ذلك لكلّ مقاتلٍ، لم
стр. 1203
يكن لتخصيصه معنى؛ ولأنّه مكلفٌ مريدٌ لدخول مكة، فلا يجوز له مجاوزة الميقات إلا محرمًا، كمن أراد الحج.
وأمّا من دخلها بغير قتالٍ، فقد روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنّ رجلًا سأله فقال: إني أحرمت بعد الميقات، فقال ارجع إلى الميقات، ولبِّ وإلا فلا حجّ لك، فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يجاوز أحد الميقات إلا مُحْرِمًا" (١)؛ ولأنه معنى يوجب الإحرام على من هو مريدٌ للنسك، فيوجبه على من لا يريد النسك، كوجود الزاد والراحلة.
١٠٣٢ - فَصل: [الإحرام لمن كان أهله في الميقات وما بعده]
وأمَّا مَنْ كان أهله في الميقات وما بعده، فيجوز لهم دخول مكة بغير إحرامٍ، وقال الشافعي: لا يجوز في أحد قوليه، وقال في قولٍ ثانٍ (٢): إذا تكرر دخولهم، وجب عليهم الإحرام في كلّ سنةٍ مرةً.
لنا ما روي في حديث ابن عباس [أنّه] قال: (لا يجوز دخول مكة إلا إحرام، ورخّص للحطّابين)، والرخصة إنما تكون من صاحب الشريعة، والعادة للحطَّابين أنهم لا يجاوزون المواقيت.
وروي عن ابن عمر (أنّه خرج [من مكة] إلى قُديد، فبلغه عن فتنةٍ بالمدينة، فرجع ودخل مكة بغير إحرامٍ)، وعن جعفر بن محمد قال: (رجع ابن عمر
стр. 1204
وابن دينار إلى أرضهما خارجًا من الحرم، ثم دخلا مكة بغير إحرامٍ) (١)؛ ولأنّ من قرب من مكة، يتعلّق مصالحهم بها، ويتعلّق مصالح أهل مكة بهم، فلو منعوا من الدخول إلا بإحرامٍ، لشق ذلك عليهم.
١٠٣٣ - فَصل: [دخول مكة بغير إحرام]
قال: فإن دخل مكة بغير إحرامٍ من هذه صفته، فعليه حجةٌ أو عمرةٌ لدخول مكة بغير إحرامٍ؛ وذلك لأنّ حرمة الميقات لما أوجبت الإحرام، صار كمن قال: لله عليّ أن أحرم، فإن شاء أسقط ذلك بحجةٍ، وإن شاء أسقط بعمرةٍ.
١٠٣٤ - فضل [الإحرام بعد الميقات]
قال: فإن أحرم بالحج أو العمرة، مضى لما وجب عليه من ذلك لمروره على الميقات، فعليه دمٌ لترك الوقت فيما وجب عليه؛ وذلك لأنه لزمه الإحرام من الميقات، فإذا ترك الوقت وأحرم من غيره، فقد أدخل في إحرامه نقصًا، فيجبر بالكفارة.
١٠٣٥ - فَصْل: [قضاء ما وجب عليه لدخول مكة بغير إحرام]
قال: فإن أقام بمكة حتى تحولت السنة، ثم أحرم، قضى ما وجب عليه لدخول مكة بغير إحرامٍ، أجزأه في ذلك، وميقاته ميقات أهل مكة (٢): في الحجّ الحرم، وفي العمرة الحلّ؛ وذلك لأنّه لمّا أقام بمكة صار في حكم أهلها، فيجزئه إحرامه من ميقاتهم؛ ولأنه إذا أحرم في سنته [بحجّةٍ]، فالإحرام لم يتعلق بذمته،
стр. 1205
لبقاء وقته، فإذا أحرم به مع ترك الوقت، صار كالمبتدئ للإحرام من غير الوقت، فإذا تحولت السنة، انتقل الإحرام (١) إلى ذمّته، وصار المفعول قضاءً (٢)، ومن وجب عليه إحرام من الميقات فقضاه من غيره، جاز.
١٠٣٦ - فَصل: [سقوط ما وجب عليه بدخول مكة بغير إحرام]
قال: فإن كان حين دخل مكة، عاد من تلك السنة إلى الميقات، فأحرم بحجّةٍ عليه نذرٍ، أو حجة الإسلام، أو عمرة نذرٍ، أو غير ذلك، سقط ما وجب عليه بدخول مكة بغير إحرام، وهذا استحسانٌ، والقياس: أن لا يجزئه، وبه قال زفر.
وجه القياس: أن مجاوزة الميقات سببٌ لوجوب الإحرام، فلا تجزئ عنه حجة الإسلام، كمن قال (٣): لله علي حجّةٌ، وأراد أن يقيم حجة الإسلام مقامها.
وجه الاستحسان: أنه لو أحرام ابتداءً من الميقات بحجة الإسلام، أجزأه عن حجة الإسلام وعن حرمة الميقات، فإذا عاد من سنته فأحرم، فقد أتى بحجة الإسلام ابتداءً، فهو كما لو أحرم بها أوَّلًا (٤)، يبين ذلك أن الميقات أوجب إحرامًا تؤدّى أفعاله في هذه السنة، فإذا أحرم بحجة الإسلام، فقد فعل ما أوجبه الإحرام.
وليس كذلك إذا دارت السنة ثمّ أحرم بحجة الإسلام، لم يجزئه عما لزمه
стр. 1206
من ذلك لحرمة الوقتِ؛ لأنه لم يفعل الإحرام على الوجه الذي لزمه، ألا ترى أنّ الميقات لم يوجب إحرامًا تؤدَّى أفعاله في سنةٍ ثانيةٍ؛ ولأن الوقت لما تحوّل، تعلّق الإحرام بالذمة، فلم يجز حجة الإسلام عنه ما لم تنتقل السنة، فالإحرام متعلق بالوقت كتعلقه ابتداءً.
فإن قيل: أليس لو أحرم بعمرةٍ منذورةٍ في السنة الثانية، لم يجزئه، وإن كان لو أحرم ابتداءً من الميقات بعمرةٍ، جاز أن يؤخر أفعالها إلى هذه السنة الثانية؟
قيل له: إنّ العمرة يكره تأخير فعلها إلى يوم النحر وأيام التشريق، فإذا صار إلى وقتٍ يُكره تأخيرُ العمرة إليه، فهو كمن صار إلى وقتٍ يفوت الحج فيه.
ونظير هذه المسألة: ما قال أصحابنا: فيمن نذر اعتكاف شهر رمضان، فلم يصم لعذر، فإن اعتكف في القضاء، جاز، وإن اعتكف في رمضان الثاني، لم يجز؛ لأنّه أوجب الاعتكاف في رمضان، فإذا أداه في القضاء [بنية ذلك الفرض] (١)، فقد فعل ما اقتضاه، وإذا أخَّره إلى رمضان آخر، فقد فعله في وقتٍ لم يتضمنه نذره، فلا بدَّ له من صومٍ يختص وجوبه بالاعتكاف.
١٠٣٧ - فَصل: [تكرار الدخول بغير إحرام]
قال: فإن دخل مكة بغير إحرامٍ، ثم خرج فعاد إلى أهله، ثم عاد إلى مكة فدخلها بغير إحرامٍ، وجب عليه لكل واحد من الدخولين إحرامٌ.
فإن أحرم بحجة الإسلام عن الدخول الثاني، جاز إذا كان في سنته، وإن
стр. 1207
أحرم بحجة الإسلام عن الدخول الأول، لم يجز؛ لأنه لما لم يفعل الإحرام حتى عاد إلى أهله، ثم عاد إلى الميقات، زال عنه حكم الابتداء في الإحرام الأول، فلم يقم حجة الإسلام مقامه، كما لو دارت السنة وبقي [في] الدخول الثاني على حكم الابتداء، فأجزأت عنه حجة الإسلام.
١٠٣٨ - فصل: [مجاوزة الميقات لمن لا يريد مكة ثم يدخلها]
قال: ومن جاوز الميقات لا يريد مكة، وإنما يريد بستان بني عامرٍ أو غيره لحاجة، فلا شيء عليه، وإن بدا له أن يدخل مكة لحاجة بغير إحرامٍ، فله ذلك؛ وذلك لأنّ حرمة الميقات إنّما تثبت في حق من أراد دخول مكة، فإذا قصد غيرها، لم تثبت حُرمة الإحرام في حقه، فلم يلزمه شيءٌ، فإذا بدا له دخول مكة، جاز له دخولها بغير إحرامٍ، كما يجوز لأهل الموضع الذي هو فيه.
وقال أبو يوسف: إن دخل بستان بني عامرٍ، فنوى أن يقيم فيه خمسة عشر يومًا، جاز له أن يدخل مكة بغير إحرامٍ؛ لأنه صار وطنًا له، فهو كأهله، وإن لم ينو الإقامة [فيه]، لم يجز له دخولها بغير إحرامٍ؛ لأنه ليس من أهلها، فلا يعتبر حاله بهم (١).
стр. 1208
باب مجاوزة الوقت بغير إحرام
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: ينبغي لمن مرَّ بالوقت وهو يريد الحج أو العمرة، أن لا يجاوز الوقت إلا مُحْرِمًا، فإن أحرم من وراء الميقات بحجةٍ أو عمرةٍ، ثم لم يعد، فعليه دمٌ لترك الوقت؛ وذلك لأن الوقت آخر جزءٍ (١) أمر بالإحرام منه، فإذا أحرم بعده فقد ترك جزءًا من الإحرام بين الوقت والموضع الذي أحرم منه، فأوجب نقصًا في إحرامه، فلزمه الدم.
وإنما ذكر أبو الحسن من أراد الحج والعمرة؛ لأن الإنسان قد يتجاوز الوقت، ولا يريد دخول مكة ثم ينشئ الإحرام، فلا يلزمه شيءٌ لحرمة الوقت.
١٠٣٩ - فصل: [العود إلى الميقات للإحرام]
قال: فإن عاد إلى الوقت فأحرم ولبّى سقط عنه الدم.
قال [الشيخ]﵁: وجملة هذا أنه إذا جاوز الميقات فلم يحرم حتى عاد إليه، فأحرم، فلا دم عليه في قولهم؛ [وذلك] لأنه أنشأ الإحرام من الوقت [فصار] (٢) كالمبتدئ.
وإن جاوز الميقات وأحرم وعمل عملًا بعد الإحرام مثل: أن يطوف شوطًا
стр. 1209
أو يبتدئ بالشوط، فيستلم الحجر، أو يقف بعرفة، ثم عاد إلى الميقات فلبَّى، لم يسقط عنه الدم [في قولهم جميعًا]؛ لأنه لم يعد على حكم الابتداء، ألا ترى أنّه فعل فعلًا معتدًّا به من الإحرام، فلم يستدرك المتروك، فبقي عليه الدم بحاله.
وأما إذا عاد قبل أن يعمل عملًا فلبَّى من الوقت، سقط عنه الدم عند أبي حنيفة، وإن لم يلبِّ لم يسقط عنه.
وقال أبو يوسف [ومحمد]: يسقط عنه لبَّى أو لم يلبِّ.
وقال أبو زفر: لا يسقط في الوجهين.
أما الكلام عليهما؛ فلحديث ابن عباس أنه قال للرجل [الذي] أحرم بعد الميقات: (ارجع إلى الميقات فلبّ، وإلا فلا حج لك) (١)، فاعتبر التلبية في الوقت؛ ولأنّ المتروك في الوقت هو المعنى الذي يدخل [به] في الإحرام، وذلك هو التلبية، أو السوق، فإذا لبَّى على حكم الابتداء، فقد استدرك المتروك، وإذا لم يُلبِّ لم يستدركه.
وجه قولهما: أنّ المستحَقّ كونه في الميقات مُحرمًا على وجه الابتداء، وليس المستحق التلبية؛ بدلالة أنه لو أحرم قبل الوقت، ثم اجتاز به فلم يُلبّ فيه، جاز لكونه محرمًا.
وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنه إذا أحرم قبله فوقته الموضع الذي أحرم منه، وقد لبّى فيه، فلا يعتبر تلبيته فيما بعده، وإذا لم يحرم قبله، فوقته آخر المواقيت، فوجب التلبية منه.
стр. 1210
أمَّا الكلام على زفر؛ فلأنه يُستدرك المتروك بجنسه، وهو التلبية في الميقات على طريق الابتداء، فسقط الجبران عنه، كمن طاف جنبًا ثم أعاد الطواف.
ولا يجوز أن يقال: إنّ المستحَقّ من الميقات تلبيةٌ واجبةٌ، فإذا عاد إليه لبّى تلبيةً مسنونةً، فلم يستدرك المتروك.
[وهذا لا يصح]؛ وذلك لأنّ من طاف محدثًا، ثم طاف طاهرًا، استدرك المتروك، وإن كان المستحق أن يأتي بالطواف الواجب على الطهارة، والطواف الثاني ليس بواجبٍ، وقد سقط به الجبران عنه، فكذلك في مسألتنا.
وجه قول زفر: أنّ المستحق [عليه] إنشاء الإحرام من الميقات، فإذا عاد إليه بعدما أحرم، فلم يُنشئ الإحرام. منه، فلم يسقط ما وجب عليه.
١٠٤٠ - فصل: [قدومه مكة وقد فاته الحج]
وإن قدم وقد فاته الحجّ، يقطع التلبية إذا استلم الحجر، ولا يرجع إلى الوقت، ويسقط عنه الدم؛ وذلك لأنّ من وجب عليه الدم لترك الوقت، ثم لزمه قضاء الإحرام للفوات أو الفساد، سقط عنه الدم؛ وذلك لما بينا أن الدم وجب عليه لترك الإحرام من الوقت إلى الموضع الذي إحرامه (١) فيه، فإذا وجب عليه قضاء الإحرام، فهو يستدرك ذلك الجزء بالقضاء، فلا معنى لجبرانه بالدم.
وليس كذلك إذا لزمه دمٌ بالطيب أو اللبس أو المباشرة، ثمّ وجب عليه القضاء بالفوات أو الفساد، لم يسقط عنه الدم؛ لأنّه لم يجب بترك جزءٍ من
стр. 1211
الإحرام، وإنّما وجب للنقص الذي حصل بالاستمتاع، وذلك لا يُستدرك بالقضاء.
١٠٤١ - فضل: [الإحرام بالنسكين بعد المجاوزة]
وإن جاوز الميقات وأحرم بهما جميعًا، فعليه دمٌ واحدٌ لترك الوقت؛ وذلك لأنّ المستحق عليه لحرمة الوقت إحرامٌ واحدٌ، فإذا جاوزه وأحرم بعمرةٍ وحجّةٍ، فإنّما أدخل النقص على أحد الإحرامين، وهو الذي كان يلزمه لحرمة الوقت.
فأمّا الإحرام الآخر، فلم يكن عليه أن يأتى من الوقت (١)، ألا ترى أنه لو أحرم من الوقت بعمرةٍ، ثم جاوزه فضم إليها حجةً، لم يلزمه للحجة شيءٌ، فإذا كان النقص في أحد الإحرامين، وجب عليه دمٌ واحدٌ.
وليس في الأصول معنى يجب به على المفرد وعلى القارن دمٌ واحدٌ إلا هذه المسألة (٢).
стр. 1212
باب الجِمَاعِ في الحَجِّ
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى (١): الحج لا يفسد إلا بفوات عرفة أو الجماع في الفرج قبل الوقوف بها، وقد ذكرنا حكم الفوات.
فأما إذا جامع قبل الوقوف بعرفة في الفرج: فقد فسد حجه، ويمضي في حجه على الفساد، فيعمل جميع ما يفعله في الحجّ الصحيح، ويتجنب جميع ما يتجنبه في الحج الصحيح، ويكون عليه قضاء حجةٍ ودمٌ لجماعه: تجزئه شاةٌ، أو شركٌ في بقرة أو جزورٍ.
والأصل في فساد الحج بالجماع: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧]، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
وروي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: فيمن جامع امرأته وهما محْرِمان، مضيا في إحرامهما، وعليهما هديٌ، ويقضيان الحج من قابلٍ ويفترقان، ولا خلاف في ذلك.
فأمَّا الهدي، فيجزئ فيه شاةٌ، وقال الشافعي: بَدَنةٌ (٢).
لنا: أنه سببٌ لوجوب القضاء، فلا يجب به بدنةٌ، كالفوات؛ ولأنّ الوطء
стр. 1213
صادف إحرامًا لم يتأكد؛ بدلالة أن الفوات يلحقه ويتغير حكمه عند مخالفنا: إذا بلغ الصبي أو أُعتق العبد، فلا تتأكد الكفارة الواجبة به.
وأما المضي في الإحرام؛ فلإجماع الصحابة؛ ولأنّ الإحرام لا يجوز التحلّل منه إلا بأداء الأفعال أو الإحصار، ولم يوجد واحدٌ منهما.
وأما القضاء؛ فلأنّ المفعول مع النهي لا يقع موقع الواجب، فبقي الواجب بحاله.
وأما الافتراق، [فقال أصحابنا]: لا يلزمهما ذلك في القضاء عند أصحابنا، فإذا خافا المعاودة، استحبّ لهما.
وقال زفر: يفترقان عند الإحرام، وقال مالك: إذا خرجا من بلدهما (١)، وقال الشافعي: إذا بلغا إلى الموضع الذي جامعها فيه افترقا (٢).
لنا أنّ الافتراق ليس بنسكٍ في الابتداء، فلا يكون نسكًا في القضاء كالصوم، وأما زفر فسلم القياس؛ لما رُوِيَ عن الصحابة، وجعل الافتراق نسكًا في القضاء، فأوجبه عند الإحرام، كما تجب المناسك.
فأما الذي قاله مالكٌ، فلا مدخل له في الفقه؛ لأنه أوجب الافتراق في حالةٍ يجوز له الوطء [فيها]، ولا معنى للتفريق بينه وبينها لخشية أمرٍ مباحٍ.
وأما الذي قاله الشافعي فليس بصحيحٍ؛ لأنه لو كان نسكًا لوجب عند الإحرام؛ ولأنّه يفارقها لئلا يطأها، وهذا المعنى يخاف قبل الموضع الذي وطئها
стр. 1214
فيه، كما يخاف فيه.
وأما قوله: إنّه يتذكر الوطء إذا بلغ ذلك الموضع، فليس بصحيحٍ؛ لأنه يتذكر معه ما أصابه من المشقة في وجوب الكفارة والقضاء (١).
١٠٤٢ - فصل: [حصول الجماع مرتين قبل الوقوف]
فإن جامع جماعًا آخر قبل الوقوف بعرفة، فعليه شاةٌ؛ وذلك لأنا دللنا على أن الجماع الأول يوجب شاةً، وقد صادف إحرامًا صحيحًا، فالوطء الثاني يصادف إحرامًا فاسدًا، فالأولى أن لا يجب فيه أكثر من شاةٍ.
وإنما وجبت الكفارة بالوطء الثاني عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنّ كفارات الإحرام لا تسقط بالشبهة، وأكثر أحوال الاجتماع (٢) أن يكون شبهةً.
وقال محمد: لا كفارة عليه، إلا أن يكون كفّر عن الوطء الأول؛ لأنّها كفارةٌ تجب لحرمة عبادة ككفارة الصوم.
١٠٤٣ - فصل: [إرادة الرفض بالوطء الثاني]
وإن جامع جماعًا بعد جماعٍ يريد به رفض الإحرام، فعليه كفارةٌ واحدةٌ في قولهم؛ لأنهما وقعا على وجهٍ واحدٍ، فصار كالوطء في المجلس الواحد.
١٠٤٤ - فصل: [حصول الوطء مرتين في المجلس الواحد]
وأما إذا وطئ في المجلس الواحد مرتين، فالقياس: أن يجب بكلّ وطء
стр. 1215
منهما كفارةٌ (١)؛ لأنّ الاجتماع (٢) ليس بعذرٍ في كفارات الإحرام، واستحسنوا فقالو: تجزئ كفارةٌ واحدٌ؛ لأن أسباب الكفارات اجتمعت في مجلسٍ واحد من جنسٍ واحدٍ، فصار كالجماع الواحد الموجب للكفارة، وإن كان كلّ إيلاجٍ منه لو انفرد أوجبها.
١٠٤٥ - فصل: [حصول الجماع بعد الوقوف بعرفة]
وإن جامعها بعد الوقف بعرفة، لم يفسد حجة عندنا، وقال الشافعي: يفسد ما لم يرم (٣)، وقد بيّنا هذا، وعليه بَدَنةٌ؛ لما روي عن ابن عباس؛ ولأن الوطء صادف إحرامًا متأكِّدًا.
فإن وطئ بعد ذلك وطءًا آخر فعليه شاةٌ؛ لأن الوطء صادف إحرامًا ناقصًا بالجماع، لم يوجب البدنة كالفوات.
١٠٤٦ - فصل: [وقوع الجماع في العمرة قبل الطواف]
ومن جامع في العمرة قبل يطوف لها أربعة أشواط، فسدت؛ لأنّ جماعه حصل قبل [أداء ركنها] (٤)، فصار كمن جامع قبل الوقوف [بعرفة]، ويمضي فيها، ويلزمه القضاء؛ كما بيّنا في الحج، وعليه شاةٌ، وقال الشافعي: بدنةٌ (٥).
стр. 1216
لنا: أنها عبادةٌ لا تتضمن الوقوف، فلا يجب بإفسادها بدنةٌ، كما لو قرنها بحجةٍ فأفسدهما بالوطء.
وأما إذا وطئ بعدما طاف أكثر الأشواط، لا يفسد؛ لأنه أتى بركنها عندنا، والجماع بعد الركن لا يفسد الإحرام، كالجماع بعد الوقوف، وعليه شاةٌ؛ لأنّ العمرة طوافٌ وسعيٌ، وقد قام الدم مقامهما في المحصَر، فلأن يقوم مقام بعضها أولى.
١٠٤٧ - فصل [النسيان بالوطء في الحج]
وقد قال أصحابنا: إن الواطئ الناسي في الحج كالعامد، وقال الشافعي: لا يفسد الحج (١).
لنا: أنّه وطءٌ قبل الوقوف، فيفسد الحج كالعمد؛ ولأنه معنى يوجب القضاء، فاستوى فيه النسيان والعمد كالفوات.
وليس كذلك الجماع في الصوم؛ لأنّ الصوم ليس له أمارةٌ ظاهرةٌ يتذكّر بها الصائم، فصار النسيان عذرًا، والحج له أمارةٌ ظاهرةٌ: وهو نزع المخيط (٢)، وتوفير الشعر، والشعث، فلم يُعذر بالنسيان؛ ولهذا قلنا: إن ما يفسد الصلاة يستوي فيه النسيان والعمد؛ لأنّ للمصلي أمارةٌ ظاهرةٌ يستدلّ بها على الصلاة: وهو الركوع والسجود والقيام؛ ولهذا استوى في الاعتكاف وطء الناسي والعامد؛ لأنّ المعتكف عليه أمارةٌ ظاهرةٌ: وهو الكون في المسجد.
стр. 1217
١٠٤٨ - فصل: [الوطء في الموضع المكروه بالحج]
فأمَّا الوطء في الموضع الذي لا يحلّ (١)، فلا يفسد الحج في إحدى الروايتين عن أبي حنيفة؛ لأنه وطءٌ في موضع لا يتعلق به وجوب المهر بحال، فلا يتعلق به فساد الحج، كالوطء فيما دون الفرج.
ويفسده في الرواية الأخرى؛ لأنه وطءٌ يوجب الاغتسال عنه (٢) من غير إنزالٍ.
وقال أبو يوسف ومحمد: يفسده؛ لأنّه وطءٌ يتعلّق به الحد عندهما.
[فأما] إذا وطئ بهيمةً، فلا كفارة عليه؛ لأنه ليس باستمتاعٍ مقصودٍ، وكفارة الإحرام تجب بالاستمتاع [المقصود]، فإن أنزل فعليه شاةٌ؛ لأنّه أنزل عن مباشرةٍ، كالوطء فيما دون الفرج، ولا يفسد حجه؛ لأنه وطءٌ غير مقصودٍ كالوطء فيما دون الفرج، روى جميع ذلك هشام عن محمد.
١٠٤٩ - فصل: [وقاع المعتمر مرة بعد مرة في مجلسين]
فأما إذا جامع المعتمر جماعًا بعد جماعٍ في مجلسين، فعليه للجماع الثاني شاةٌ، لأنه وطءٌ صادف الإحرام كالأول.
وكذلك لو جامع بعدما فرغ من السعي؛ لأنّ الإحرام باقٍ ما لم يتحلل منه بالحلق.
стр. 1218
١٠٥٠ - فصل: [وقاع القارن قبل الوقوف والطواف]
وأما القارن إذا جامع قبل الوقوف وقبل الطواف للعمرة، فسدت عمرته وحجته؛ وذلك لأن الوطء صادف الإحرامين قبل تمامهما، ففسدا كحال الانفراد، وعليه لكلّ واحدٍ منهما شاةٌ؛ لأنّه أدخل بالوطء نقصًا في عبادتين، كلّ واحدة منهما لو انفردت تعلق بها [وجوب] الكفارة، فصار كالمجامع المعتمر في رمضان.
فأما إذا جامع بعدما طاف لعمرته أربعة أشواط فصاعدًا، ولم يقف، فسد حجه، ولم تفسد عمرته؛ لأنّه وطئ فيها بعد الفراغ من ركنها، ووطئ في الحج قبل الفراغ من ركنه، فصار حكمهما حال الاجتماع، كحكمهما حال الانفراد.
وإن جامع بعد الوقوف بعرفة قبل الحلق لم يفسد واحدٌ من الإحرامين؛ لأنه فرغ من ركنهما، وعليه للحج بدنةٌ، وللعمرة شاةٌ، كما يلزمه حال الانفراد (١).
وكل موضع فسد [فيه] حجه أو عمرته أو هما، بطل عنه دم القرآن؛ لأنّه لم يجمع بين الإحرامين على وجه القربة.
١٠٥١ - فَصْل: [مُحْرِمٌ جامع دون الفرج]
قال (٢): فإن جامع حاجٌّ أو معتمرٌ فيما دون الفرج فأنزل أو لم ينزل، أو قبَّل أو لمس لشهوةٍ لم يفسد ذلك عليه إحرامه، وعليه شاةٌ؛ وذلك لأنّ الفساد حكمٌ يتعلق بالوطء على طريق التغليظ، فيختلف فيه الوطء في الفرج وما دونه، كالحدّ
стр. 1219
وكفارة [الصوم].
وأما الشاة؛ فلأنه استمتع استمتاعًا مقصودًا.
١٠٥٢ - فصل: [الرجل والمرأة في أحكام النسك سواء]
قال: والرجل والمرأة في ذلك سواءٌ؛ لأنّ الاستمتاع يحصل لها كما يحصل له (١)، فإذا اشتركا في الاستمتاع، اشتركا في حكمه.
١٠٥٣ - فصل: [العمد والخطأ والإكراه والطوع سواء في حكم الجماع]
قال: والجماع في ذلك على الخطأ والعمد سواءٌ، وقد بينا ذلك.
قال: وكذلك إن جومعت المرأة نائمةً أو مكرهةً، أو كان المجامع لها صبيًّا لم يبلغ، أو مجنونًا، فذلك سواءٌ في فساد الحجّ ووجوب الدم؛ وذلك لأنّ النسيان والعمد لما استويا في حكم الوطء، فكذلك الإكراه والطَّوع، واليقظة والنوم؛ لعدم القصد في الجميع؛ ولأنّ أكثر ما في الباب أن تكون معذورةً، [والعذر] (٢) لا ينافي الكفارة في الإحرام.
١٠٥٤ - فَصْل: [حصول الوقاع ممن فاته الحج]
وروى ابن سماعة عن محمد: فيمن فاته الحج، فجامع، أنه يبقى على إحرامه، وعليه دمٌ للجماع والقضاءُ للفوات، وليس التحلّل من الحج بمنزلة العمرة المستقبلة.
стр. 1220
أمّا وجوب الدم؛ فلأن الوطء صادف الإحرام، ومعنى قوله: وليس التحلّل [من الحج] كالعمرة؛ إنما هو لأنّ الوطء لا يوجب قضاءها، ألا ترى أنها بقيَّة أفعال الإحرام، قد وجب قضاؤه، فلا يلزم قضاؤه بسببٍ آخر كالمجامع قبل الوقوف إذا جامع.
١٠٥٥ - فَصل: [فيمن طاف للزيارة جنبا ثم جامع]
وروى ابن سماعة عن محمد في الرقيات: فيمن طاف للزيارة جنبًا، أو على غير وضوءٍ، أو طاف أربعة أشواطٍ طاهرًا ثم جامع النساء قبل أن يعيد، قال محمد: أما في القياس، فلا شيء عليه، ولكن أبا حنيفة استحسن إذا طاف جنبًا ثم جامع ثم أعاد طاهرًا أن يجب عليه دمٌ، وذلك قول أبي يوسف وقولنا.
وفرق بين هذا وبين الذي يطوف على غير وضوءٍ، والذي يطوف أربعة أشواط وهو طاهرٌ، فقال: إذا جامع الذي طاف على غير وضوءٍ، ثم أعاد، لم يكن عليه شَيْءٌ.
وجه القياس: أن الطهارة ليست من شرط صحة الطواف، وقد وقع التحلل بطوافه، فالوطء بعد التحلّل لا يوجب كفارةً.
فأما الاستحسان في الجنب: فهو ظاهرٌ على طريقة أبي بكر: أنّ الجنب إذا أعاد، انفسخ طوافه [الأول]، وصار طوافه الثاني، فكأنّ الجماع حصل قبل الطواف، فيوجب الكفارة.
وليس كذلك إذا طاف على غير وضوءٍ؛ لأنّ النقض فيه يسيرٌ، فإذا أعاده لم ينفسخ الأول، فبقي وطؤه بعد التحلل، فلا يوجب كفارة.
стр. 1221
١٠٥٦ - فصل: [حصول الوقاع قبل أكثر الطواف]
و [قد] قال ابن سماعة عن محمد في الرقيات: فيمن طاف أربعة أشواطٍ من طواف الزيارة يحترف الحجر في طوافه، أو فعل ذلك في طواف العمرة، ثم جامع: إنّه يفسد العمرة، وعليه [عمرةٌ] مكانها [و] دمٌ، وعليه في الحج بدنةٌ؛ وذلك لأنّ الركن من الطواف أكثر الأشواط، فإذا احترف الحجر في أربعة أشواطٍ، فلم يأت بأكثر الأشواط السبعة، فصار كمن جامع قبل أن يطوف (١).
стр. 1222
باب ما يتقي المحرم من اللباس
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: لا يلبس (١) المُحْرِمِ القَبَاء، ولا القميص، ولا السراويل، ولا العِمَامة، ولا الخُفين، إلا [أن] (٢) لا يجد النعلين فيقطعهما أسفل من الكعبين؛ وذلك لما روى نافع عن ابن عمر: أن رجلًا قال: يا رسول الله، ما يلبس المحِرم؟ قال: "لا يلبس المحرم القميص، ولا السراويل، ولا العمائم، ولا الخِفَافَ، ولا البرانس" (٣)، وكأن المعنى فيه (٤): أن [لا] يستر بدنه بالمخيط، فكلّ مخيطٍ بستر به بدنه فهو في حكم ذلك.
وإنّما يحرم على المحرم لبس المخيط إذا لبسه على الوجه المعتاد، فأمّا إذا اتَّزَر بالسراويل، واتَّشَح بالقميص، لم يُمنع من ذلك؛ لأنه منع من اللبس المعتاد؛ لما فيه من الترفّه باللبس، و [أمّا] إذا لبسه على غير الوجه المعتاد لم يترفّه؛ لأنّه يتكلّف من حفظه ما يتكلّفه من حفظ الإزار، فلم يُمنع منه.
وأمّا الخُفُّ، فقد روى النبي صلى الله عليه أنه قال: "إلا أن لا يجد النعلين فيقطعهما أسفل الكعبين" (٥).
стр. 1223
وقد قال محمد: إنّه يقطع الخفّ دون الكعب الذي هو معقد الشِّراك (١) عند زمام النعل.
وقد قال أصحابنا المتأخرون على هذا القياس: إن المحرم إذا لبس الجمشك (٢) جاز؛ لأنه في حكم الخفّ المقطوع (٣).
وزعم أصحاب الشافعي: أنّ ذلك لا يجوز، وهذا غلطٌ؛ لأنّ ما جاز لبسه عند عدم غيره من غير كفارةٍ، جاز لبسه مع وجود غيره من غير كفارةٍ، كالإزار.
فأمَّا العمائم والبرانس؛ فلأنّ المحرم ممنوعٌ من تغطية رأسه؛ لقوله ﵊: "إحرام الرجل في رأسه" (٤)، وقال في المحرم الذي وقصت (٥) به ناقته فمات: "لا تغطوا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة مُلبيَّا" (٦).
١٠٥٧ - فَصل: [لبس المحرم ثوبًا مسّه الطيب]
[قال]: ولا يلبس ثوبًا صُبغ بِوَرْسٍ، ولا زعفران، [ولا عُصْفُر]، ولا طيب، إلا أن يكون قد غسل ذلك حتى لا ينفض؛ لما روي في حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: "ولا ثوبًا مسَّهُ وَرْسٌ ولا زَعْفَران" (٧)؛ ولأنه ممنوعٌ من الطيب،
стр. 1224
وإذا لبس المصبوغ بالطيب، فقد استعمل الطيب في بدنه.
فأمّا المصبوغ بالعصفر، فلا يجوز عندنا، وقال الشافعي: يجوز (١)، و [قد] روي عن عائشة ﵂: أنها كرهت المُعَصْفر (٢)، وروي: أن عمر ﵁ أنكر على طلحة لبس المعصفر في الإحرام، فقال: إنما هو ممشَّق بمغرة، فقال [عمر]: إنكم [أئمةٌ] يقتدى بكم (٣)، يعني أن الممشّق [بالمَغَرة] (٤) وإن لم يمنع منه، اعتقد من يشاهده أنه يجوز وإن صبغ بغير المغرة.
ولأنّ العصفر له رائحةٌ مستلذّةٌ يصبغ به الثوب كالزعفران، والذي روي: أنّ عثمان أنكر على عبد الله بن جعفر لبس المعصفر في الإحرام، فقال عليٌّ ﵁: (ما أرى [أنّ] أحدًا يعلمنا السُّنَّة) (٥)، فيجوز أن يكون مصبوغًا بالمدر، وذلك غير ممنوعٍ منه؛ لأنه لا رائحة له.
وأما قوله: إلا أن يكون غسيلًا لا ينْفُض، [فمعناه: لا ينفض] على بدنه، ولا يوجد ريحه.
وقد روى ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "لا بأس أن يحرم الرجل في ثوب مصبوغٍ بوَرْسٍ أو زعفران قد غُسل، وليس له نفضٌ ولا رَدْعٌ (٦) " (٧)؛ ولأن المنع
стр. 1225
للرائحة دون اللون، فإذا زال، زال المنع.
قال أبو يوسف: ولا بأس أن يلبس ثوبًا قد صبغ لون الهروي؛ لأنّ [ذلك] فيه أدنى صفرة، وذلك لا يوجد منه رائحةٌ.
١٠٥٨ - فصل: [استعمال الزّر في الإحرام]
قال: ولا يَزرّ عليه الطيلسان (١)، وهو قول ابن عمر، وقال ابن عباس: لا بأس به (٢).
والوجه في ذلك: أنّ الزرّ مخيطٌ، فإذا زرّه اشتمل المخيط عليه، فمنع منه؛ ولأنه إذا زرّه لم يتكلّف حفظه كما يتكلّف حفظ الإزار.
وقد قال أصحابنا: [إنّه] إذا خلَّل عليه الإزار بالخلال كره له ذلك؛ لأنه يشبه المخيط في عدم التكلّف، إلا أنه ليس عليه شَيْءٌ (٣)؛ لأنه ليس بمخيطٍ.
وقالوا: يكره أن يعقد الإزار؛ لأنه يشبه المخيط، وقد روي عن صالح [ابن أبي حسان] (٤): أن رسول الله ﷺ رأى مُحْرِمًا قد عقد ثوبه بحبلٍ أبرق، فقال: "انزع الحبل، ويلك انزع الحبل، ويلك" (٥)، وعن ابن عمر أنه كره أن يعقد
стр. 1226
المُحرم الثوبَ عليه (١).
١٠٥٩ - فَصل: [ما جاز للمحرم لبسه]
قال أصحابنا: إذا أدخل منكبيه في القبَاء، ولم يدخل يديه في كُمَّيه، جاز، وقال زفر: لا يجوز.
لنا: أنه يتكلّف حفظه كما يتكلّف حفظ الإزار والقميص إذا اتَّشَح به، فلم يمنع منه.
وليس كذلك إذا أدخل يديه في كُمّيه؛ لأنه لا يتكلف حفظه، فصار كلبس القميص.
وجه قول زفر: أنّ المخيط اشتمل على منكبيه، ومن غطّى بالمخيط عضوًا كاملًا فعليه كفارةٌ.
قال: ولا يلبس جوربين؛ [وذلك] لأنّ ستر الرجل بهما كسترها بالخفّ، فإذا منع من أحدهما، منع من الآخر.
وقد قال أصحابنا: لا بأس بأن يستظلّ المحرم بالفسطاط (٢)، وقال مالك: يكره (٣).
والدليل على ما قلنا: ما روي أنّ (عمر ﵁ كان يلقي على شجرة ثوبًا أو نطعًا يستظل به) (٤)، (وضُرب لعثمان ﵁ فسطاطٌ بمنى) (٥)، وروي عن ابن
стр. 1227
عمر كراهية ذلك (١)؛ ولأنّ الاستظلال بما لا يُماسّه، كالاستظلال بالسقف، وذلك غير ممنوعٍ منه بالاتفاق.
١٠٦٠ - فصل: [وجوب الدم باللبس]
قال: وإن لبس ثوبًا [مخيطًا] إلى الليل، فعليه دمٌ، وإن كان أقلّ من ذلك، فعليه صدقةٌ، وكان أبو حنيفة يقول: إن فعل ذلك أكثر اليوم، فعليه دمٌ، ثم رجع فقال: لا يلزمه الدم حتى يكون يومًا كاملًا.
وروى ابن زياد عن أبي يوسف: أنه إذا لبس أكثر من نصف اليوم، فعليه دمٌ، وليس بمشهورٍ.
وقال الشافعي: إذا لبس قليلًا أو كثيرًا فعليه دمٌ (٢).
لنا: أنه استمتاعٌ ناقصُ، ألا ترى أنّ الغرض في الاستمتاع بالثياب أن يلبسها يوما أو ليلةً (٣)، والاستمتاع الناقص لا يتعلّق به كفارةٌ كاملةٌ، كقصّ ظفرٍ واحدٍ؛ ولأنّ كلّ لبسٍ لو فعله ناسيًا، لم يتعلّق به دمٌ، فإذا فعله ذاكرًا لم يتعلّق به دمٌ، كلبس السراويل عند فقد الإزار.
وجه قول أبي يوسف: أنّ الاستمتاع إذا حصل بأكثر اليوم، فهو كالاستمتاع بجميعه، بدلالة أنّ الإنسان قد يلبس أكثر اليوم ثم يعود قبل الليل إلى منزله، ويكون ذلك استمتاعًا كاملًا.
стр. 1228
١٠٦١ - فصل: [صدقة غير مقدرة في الإحرام]
وأما إذا لبس أقل من يومٍ أو ليلة، فعليه صدقةٌ.
قال ابن سماعة عن أبي يوسف: يطعم مسكينًا نصف صاعٍ من بُرٍّ، وكلّ صدقةٍ في الإحرام غير مقدّرةٍ: فهي نصف صاعٍ، إلا ما يجب بقتل القملة والجَرَادة؛ وذلك لأنّ الصدقة المقدرة للمسكين لا تنقص من نصف صاع كالكفارة.
فأما الجرادة والقملة، فذلك على طريق العوض، ولا يتقدّر.
١٠٦٢ - فَصْل [تغطية رأس المحرم]
[قال]: وكذلك إن غطى ربع رأسه فصاعدًا يومًا، فعليه دمٌ، وإن كان أقل من ذلك فعليه صدقةٌ، هذه رواية الأصل.
وقال محمد في نوادر ابن سماعة: لا يكون عليه [دمٌ حتى] يغطي الأكثر من رأسه، ولا أقول حتى يغطي رأسه كله.
وينبغي في قول أبي حنيفة: إن غطى ثلثًا، أو ربعًا، أن يكون عليه دمٌ.
والأصل في ذلك: أن تغطية الرأس ممنوعٌ منها؛ لما قدّمنا، فإن غطى، فالتقدير فيه من وجهين: تقديرٌ بالعضو، وتقديرٌ بالزمان.
فإذا غطى ربع رأسه يوما، فعليه دمٌ؛ لأن تغطية ما دون الربع ليس باستمتاعٍ مقصودٍ، وتغطية الجميع مقصود، فجعلوا الحد الفاصل بينهما الربع، كالفصل في الحلق، وقدَّر ذلك محمدٌ بالأكثر؛ لأنّ الاستمتاع في التغطية لا يكون بالأقلّ.
وإنما اعتبروا ذلك يومًا؛ لأنّ الإنسان إذا غطى رأسه ساعةً واحدةً لم
стр. 1229
يستمتع الاستمتاع المقصود.
١٠٦٣ - فَصل: [تغطية وجه المحرم]
وقد قال أصحابنا: إنّ المحرم ممنوع من تغطية وجهه، وقال الشافعي: لا يمنع (١).
لنا: حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال [في] المحرم: "لا يغطي اللحية، فإنها من الوجه" (٢)؛ ولأنه ممنوعٌ من الطيب لأجل الإحرام، فيمنع من تغطية الوجه كالمرأة.
ولهذا قال أصحابنا: إذا عصب عصابةً على وجهه أو رأسه فعليه صدقةٌ، لأنه ممنوعٌ من التغطية، ولو عصب عصابةً على بدنه، كره له ذلك، ولا يلزمه شيءٌ؛ لأنه غير (٣) ممنوعٍ من تغطية بدنه، وإنما مُنع من الشدّ للتشبّه بالمخيط.
وروى ابن سماعة عن محمد: فيمن لبس [ثوبًا مطيّبًا] يومًا إلا ساعةً، فعليه من الدم بمقدار ما لبسه، وكذلك روي عنه في الحلق؛ لأنّه لما وجب في الجميع دمٌ، كان في البعض (٤) بحصته من الدم.
١٠٦٤ - فَصْل [جمعُ المحرم اللباس كله]
قال: وإن جمع المحرم اللباس كله والخفين والعمائم، فعليه دمٌ واحدٌ؛
стр. 1230
وذلك لأنه لبسٌ واحدٌ وقع على جهةٍ واحدةٍ، فصار كالجماع الواحد.
قال: وسواءٌ فعل اللبس ذاكرًا أو ناسيًا، فعله هو أو فعله به غيره وهو لا يعلم، وقال الشافعي: لا يجب بلبس الناسي شَيْءٌ (١).
لنا: أنّ كلّ معنى أوجب الكفارة إذا فعله ذاكرًا عالمًا بتحريمه، أوجب الدم إذا فعله ناسيًا أو جاهلًا، كما لو جاوز الميقات غير محرمٍ ثم أحرم ولم يعد.
١٠٦٥ - فصل [ما يجوز للمحرم فعله]
قال: ولا بأس أن يلبس الطيلسان، ولا يُزرّه أو يتوشَّح بإزاره، ويكره له أن يخلله أو يعقده، وإذا فعل ذلك فلا شيء عليه، وقد بينا ذلك.
قال: ولا بأس بالهِمْيان (٢) والمنطقة (٣) للمحرم، وقال مالك: إن كان فيه نفقته فلا بأس، وإن كان فيه نفقة غيره، فيكره.
وعن أبي يوسف: أنه كره المنطقة إذا كانت بإبريسم، وقد روي أن عائشة ﵂ سئلت عن الهميان، فقالت: أوثق عليك نفقتك (٤)، وعن ابن عباس أنه قال: (رخص رسول الله ﷺ للمحرم في الهميان يشده في حقوه إذا كان فيه نفقته) (٥)، وعن سعيد بن المسيب: لا بأس بالهميان (٦)، وهو قول سعيد بن .......