← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 30052

شرح مختصر الكرخي

القدوري

Полный текст (5 624 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

المُحرم الثوبَ عليه (١). ١٠٥٩ - فَصل: [ما جاز للمحرم لبسه] قال أصحابنا: إذا أدخل منكبيه في القبَاء، ولم يدخل يديه في كُمَّيه، جاز، وقال زفر: لا يجوز. لنا: أنه يتكلّف حفظه كما يتكلّف حفظ الإزار والقميص إذا اتَّشَح به، فلم يمنع منه. وليس كذلك إذا أدخل يديه في كُمّيه؛ لأنه لا يتكلف حفظه، فصار كلبس القميص. وجه قول زفر: أنّ المخيط اشتمل على منكبيه، ومن غطّى بالمخيط عضوًا كاملًا فعليه كفارةٌ. قال: ولا يلبس جوربين؛ [وذلك] لأنّ ستر الرجل بهما كسترها بالخفّ، فإذا منع من أحدهما، منع من الآخر. وقد قال أصحابنا: لا بأس بأن يستظلّ المحرم بالفسطاط (٢)، وقال مالك: يكره (٣). والدليل على ما قلنا: ما روي أنّ (عمر ﵁ كان يلقي على شجرة ثوبًا أو نطعًا يستظل به) (٤)، (وضُرب لعثمان ﵁ فسطاطٌ بمنى) (٥)، وروي عن ابن

стр. 1227

عمر كراهية ذلك (١)؛ ولأنّ الاستظلال بما لا يُماسّه، كالاستظلال بالسقف، وذلك غير ممنوعٍ منه بالاتفاق. ١٠٦٠ - فصل: [وجوب الدم باللبس] قال: وإن لبس ثوبًا [مخيطًا] إلى الليل، فعليه دمٌ، وإن كان أقلّ من ذلك، فعليه صدقةٌ، وكان أبو حنيفة يقول: إن فعل ذلك أكثر اليوم، فعليه دمٌ، ثم رجع فقال: لا يلزمه الدم حتى يكون يومًا كاملًا. وروى ابن زياد عن أبي يوسف: أنه إذا لبس أكثر من نصف اليوم، فعليه دمٌ، وليس بمشهورٍ. وقال الشافعي: إذا لبس قليلًا أو كثيرًا فعليه دمٌ (٢). لنا: أنه استمتاعٌ ناقصُ، ألا ترى أنّ الغرض في الاستمتاع بالثياب أن يلبسها يوما أو ليلةً (٣)، والاستمتاع الناقص لا يتعلّق به كفارةٌ كاملةٌ، كقصّ ظفرٍ واحدٍ؛ ولأنّ كلّ لبسٍ لو فعله ناسيًا، لم يتعلّق به دمٌ، فإذا فعله ذاكرًا لم يتعلّق به دمٌ، كلبس السراويل عند فقد الإزار. وجه قول أبي يوسف: أنّ الاستمتاع إذا حصل بأكثر اليوم، فهو كالاستمتاع بجميعه، بدلالة أنّ الإنسان قد يلبس أكثر اليوم ثم يعود قبل الليل إلى منزله، ويكون ذلك استمتاعًا كاملًا.

стр. 1228

١٠٦١ - فصل: [صدقة غير مقدرة في الإحرام] وأما إذا لبس أقل من يومٍ أو ليلة، فعليه صدقةٌ. قال ابن سماعة عن أبي يوسف: يطعم مسكينًا نصف صاعٍ من بُرٍّ، وكلّ صدقةٍ في الإحرام غير مقدّرةٍ: فهي نصف صاعٍ، إلا ما يجب بقتل القملة والجَرَادة؛ وذلك لأنّ الصدقة المقدرة للمسكين لا تنقص من نصف صاع كالكفارة. فأما الجرادة والقملة، فذلك على طريق العوض، ولا يتقدّر. ١٠٦٢ - فَصْل [تغطية رأس المحرم] [قال]: وكذلك إن غطى ربع رأسه فصاعدًا يومًا، فعليه دمٌ، وإن كان أقل من ذلك فعليه صدقةٌ، هذه رواية الأصل. وقال محمد في نوادر ابن سماعة: لا يكون عليه [دمٌ حتى] يغطي الأكثر من رأسه، ولا أقول حتى يغطي رأسه كله. وينبغي في قول أبي حنيفة: إن غطى ثلثًا، أو ربعًا، أن يكون عليه دمٌ. والأصل في ذلك: أن تغطية الرأس ممنوعٌ منها؛ لما قدّمنا، فإن غطى، فالتقدير فيه من وجهين: تقديرٌ بالعضو، وتقديرٌ بالزمان. فإذا غطى ربع رأسه يوما، فعليه دمٌ؛ لأن تغطية ما دون الربع ليس باستمتاعٍ مقصودٍ، وتغطية الجميع مقصود، فجعلوا الحد الفاصل بينهما الربع، كالفصل في الحلق، وقدَّر ذلك محمدٌ بالأكثر؛ لأنّ الاستمتاع في التغطية لا يكون بالأقلّ. وإنما اعتبروا ذلك يومًا؛ لأنّ الإنسان إذا غطى رأسه ساعةً واحدةً لم

стр. 1229

يستمتع الاستمتاع المقصود. ١٠٦٣ - فَصل: [تغطية وجه المحرم] وقد قال أصحابنا: إنّ المحرم ممنوع من تغطية وجهه، وقال الشافعي: لا يمنع (١). لنا: حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال [في] المحرم: "لا يغطي اللحية، فإنها من الوجه" (٢)؛ ولأنه ممنوعٌ من الطيب لأجل الإحرام، فيمنع من تغطية الوجه كالمرأة. ولهذا قال أصحابنا: إذا عصب عصابةً على وجهه أو رأسه فعليه صدقةٌ، لأنه ممنوعٌ من التغطية، ولو عصب عصابةً على بدنه، كره له ذلك، ولا يلزمه شيءٌ؛ لأنه غير (٣) ممنوعٍ من تغطية بدنه، وإنما مُنع من الشدّ للتشبّه بالمخيط. وروى ابن سماعة عن محمد: فيمن لبس [ثوبًا مطيّبًا] يومًا إلا ساعةً، فعليه من الدم بمقدار ما لبسه، وكذلك روي عنه في الحلق؛ لأنّه لما وجب في الجميع دمٌ، كان في البعض (٤) بحصته من الدم. ١٠٦٤ - فَصْل [جمعُ المحرم اللباس كله] قال: وإن جمع المحرم اللباس كله والخفين والعمائم، فعليه دمٌ واحدٌ؛

стр. 1230

وذلك لأنه لبسٌ واحدٌ وقع على جهةٍ واحدةٍ، فصار كالجماع الواحد. قال: وسواءٌ فعل اللبس ذاكرًا أو ناسيًا، فعله هو أو فعله به غيره وهو لا يعلم، وقال الشافعي: لا يجب بلبس الناسي شَيْءٌ (١). لنا: أنّ كلّ معنى أوجب الكفارة إذا فعله ذاكرًا عالمًا بتحريمه، أوجب الدم إذا فعله ناسيًا أو جاهلًا، كما لو جاوز الميقات غير محرمٍ ثم أحرم ولم يعد. ١٠٦٥ - فصل [ما يجوز للمحرم فعله] قال: ولا بأس أن يلبس الطيلسان، ولا يُزرّه أو يتوشَّح بإزاره، ويكره له أن يخلله أو يعقده، وإذا فعل ذلك فلا شيء عليه، وقد بينا ذلك. قال: ولا بأس بالهِمْيان (٢) والمنطقة (٣) للمحرم، وقال مالك: إن كان فيه نفقته فلا بأس، وإن كان فيه نفقة غيره، فيكره. وعن أبي يوسف: أنه كره المنطقة إذا كانت بإبريسم، وقد روي أن عائشة ﵂ سئلت عن الهميان، فقالت: أوثق عليك نفقتك (٤)، وعن ابن عباس أنه قال: (رخص رسول الله ﷺ للمحرم في الهميان يشده في حقوه إذا كان فيه نفقته) (٥)، وعن سعيد بن المسيب: لا بأس بالهميان (٦)، وهو قول سعيد بن .......

стр. 1231

جبير (١)، وطاووس (٢)، وعطاء (٣). ولأنّ اشتماله عليه كاشتمال الإزار؛ ولأنه لو مُنع منه، استوى فيه ما فيه نفقته أو نفقة غيره. وجه قول أبي يوسف: أنّ الإبريسم مخيطٌ، فيكره له ذلك، كما يكره تزرير الإزار. ١٠٦٦ - فصل: [تغطية المُحرِمة سائر جسدها] ولا بأس بأن تغطي المرأة سائر جسدها وهي مُحْرِمةٌ بما شاءت من الثياب المخيطة وغيرها، وأن تلبس خفّين، غير أنها لا تغطي وجهها؛ وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (إحرام المرأة في وجهها) (٤)؛ ولأن بدنها عورةٌ، وستر البدن بما ليس بمخيطٍ يتعذّر، فلذلك جوّز لها لبس المخيط. فأما كشف وجهها، فلِمَا روى مجاهد عن عائشة قالت: (كان الركبان يمرون بنا ونحن مُحْرِمات مع رسول الله ﷺ ، فإذا حاذونا، أسدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا رفعنا) (٥)، وهذا يدل على أنه ليس [لهنّ] تغطية الوجه.

стр. 1232

فأمَّا القفازان، فلا يكره عندنا، وهو قول علي (١) وعائشة (٢)، وروي أن سعد بن أبي وقاص كان يلبس بناته وهنَّ محرمات القفازين (٣)، وقال الشافعي: لا يجوز (٤). لنا: قوله عليف الصلاة والسلام: "إحرام المرأة في وجهها"؛ ولأنه يجوز تغطية بدنها بقميصها، وما جاز تغطيته بمخيطٍ جاز بغيره، [كالرجلين] (٥). قال: ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا؛ وذلك لأنها مساويةٌ للرجل في الطيب، والمعنى المانع من الصبغ: ما فيه من معنى الطيب. قال: وإن أسدلت (٦) على وجهها شيئًا وجافته عنه، فلا بأس؛ لحديث عائشة؛ ولأنها إذا جافته عن وجهها، فهي كما لو جلست في قبةٍ، أو استترت بفُسطاطٍ. ١٠٦٧ - فصل: [إباحة الحُلِيِّ للمُحْرِمة] قال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا بأس أن يلبس المحرم الخزّ والقصب، وأن تلبس المرأة الحرير وكلّ ما شاءت، وقد روي أن ابن عمر كان يلبس نساءه الذهب والحرير في الإحرام (٧)، وعن أبي إسحاق الشيباني قال: رأيت محمد بن

стр. 1233

الحنفية ﵁ واقفًا بعرفة وعليه مطرفُ خزٍّ (١). وقد روي عن عطاء كراهة الحلي (٢)، وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنّ المُحْرِم غير ممنوعٍ من الزينة، وليس في الحلي وأنواع الثياب إلا الزينة. قال أبو يوسف في الإملاء: لا ينبغي للمحرم أن يتوسّد ثوبًا مصبوغًا بالزعفران، ولا بالوَرْس، ولا ينام عليه؛ وذلك لأنه مستعملٌ للطيب، فهو كما لو لبس. قال: ولا بأس أن يشتمل محرمٌ بعِمامةٍ (٣)، ولا يَعْقدها، فإن عقدها كرهتُ له ذلك؛ لأن اشتمال العمامة عليه كاشتمال غير المخيط، فأما إذا عقدها، أشبهت المخيط، فيكره له ذلك. قال: وعلى القارن في جميع ذلك مِثْلا ما على [المُحْرِم] المُفْرِد في الدَّم والصَّدَقة؛ وذلك لأنه أدخل النقص في كلّ واحدٍ من الإحرامين، فصار كما لو أفرد. ١٠٦٨ - فصل: [لبس الخفين والسراويل للمحرم] قال هشام عن محمد: فيمن لم يجد نعلين قال: يقطع الخفين أسفل الكعبين. قال محمد: والكعبان هاهنا، ووضع يديه على الموضع الذي يقع عليه عقد

стр. 1234

الشراك (١) زمام النعل، وقد بينا ذلك. قال محمد: وأما السراويل، فيفتق [ما] حوله ما خلا التكّة. قال هشام: ووصف محمد نحو الرماتق (٢) التي تلبسها نساء المجوس عندنا بالزيّ. وقد قال أصحابنا: إنّ المحرم إذا لم يجد الإزار وأمكنه فتق السراويل، والستر به، لزمه (٣) فتقه، فإن لبسه ولم يفتقه فعليه دمٌ، وقال الشافعي: يلبسه ولا شيء عليه (٤). والدليل على أنه يجب فتقه: أنه عادمٌ لما يجوز لبسه، فإذا وصل إليه بالفتق، لزمه كالخف، ومن خاط إزاره سراويل كما هو، فتقه (٥). والدليل على أنه لا يجوز لبسه قبل الفتق: أنّ كلّ حالةٍ لا يجوز فيها لبس الخفين، لم يجز له لبس السراويل إذا وجد منه بُدًّا، أصله: حال وجود الإزار. والدليل على وجوب الكفارة إذا لم يمكن فتقه: أنّ كلّ لبسٍ يتعلّق به الفدية مع القدرة على غيره، تعلّق به، وإن لم يجد غيره، كالخفّ إذا لبس مع عدم النعلين. ١٠٦٩ - فَصْل: [محرم يحمل على رأسه] قال ابن سماعة عن محمد: في محرم حمل على رأسه شيئًا، قال: إن كان

стр. 1235

من لباس الناس، فهو بمنزلة المحرم يُغطي رأسه، وإن كان مما لا يلبس الناس (١)، نحو أجانة أو عدل بَزّ وضعه [على رأسه]، فلا شيء عليه، (ولا بأس به) (٢)؛ لأنه إذا حمل الثياب، فقد غطى رأسه بما يُقصد به التغطية، فصار كاللبس، وإذا حمل غير ذلك، فلم يحصل الاستمتاع بالتغطية، فلم يلزمه جزاء. ١٠٧٠ - فَصل: [من اضطر إلى قميص فلبس قميصين ونحوها] قال محمد في الرقِّيات: في محرم اضطر إلى لبس قميصٍ، فلبس قميصين، وقد كان يجزئه قميصٌ، أو اضطر إلى لبس قلنسوة، فلبسها ولبس قميصًا، قال محمد: هذا يختلف (٣): إذا لبس على موضع الضرورة ما يحتاج إليه وما لا يحتاج إليه، فهو لبسٌ واحدٌ، وهو للضرورة، وليس على اللابس أن يزن هذا وزنًا، وكذلك إذا لبس قلنسوةً وعمامةً. وإن كان لا يحتاج إلى العمامة، وكان به ضرورةٌ في رأسه فلبس قميصًا، فعليه كفارةٌ غير كفارة الضرورة؛ وذلك لأنّ الضرورة إذا كانت في لبس القميص، فلبس قميصين، فلبسهما على طريقٍ واحدٍ، ولمعنى واحدٍ، فصار كمن اضطر إلى قميص، فلبس جبّةً. وأما إذا اضطر إلى تغطية رأسه، فلبس عمامةً وقميصًا، فالقميص لا يحتاج إليه لتغطية الرأس، فلم تؤثر [فيه] الضرورة، فصار في حكم لبسٍ آخر، وهذا مبنيٌّ على أصلٍ: وهو أنّ ما يحظره الإحرام إذا فعله لعُذرٍ، فعليه أيّ

стр. 1236

الكفارات شاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقال النبي ﷺ لكعب بن عُجرة: "أيؤذيك هوامّ رأسك؟ " قال: نعم، قال: "احلق واذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين كل مسكينٍ نصف صاعٍ من برٍّ" (١). وأما ما حظره الإحرام إذا فعله من غير ضرورةٍ، تعيّن فيه الدم، وقال الشافعي: هو بالخيار. لنا: أنها كفارةٌ وجبت عليه بجنايةٍ في الإحرام لا على طريق العوض، فوجب أن لا يخيّر فيها بين الدم والصوم [والإطعام]، أصله: الكفارة التي تجب بالوطء. وإذا ثبت اختلاف صفة التكفير، وجب على المضطر إلى التغطية بتغطية رأسه أحد الأمور الثلاثة، فوجب عليه بلبس القميص الدم، ولا يخير فيه، فلذلك اختلف حكم اللبس. قال: قلت: أرأيت إن لبس قميصًا للضرورةٍ، فلما كان في بعض اليوم لبس قميصًا آخر وقلنسوةً (٢) لغير ضرورةٍ، حتى مضى اليوم، ثم خلع؟ قال: محمد: هو على ما وصفت لك، ولا يدخل واحدٌ منهما في صاحبه إذا كانا في موضعين متفرقين. وهذا صحيحٌ؛ لأنه إذا لبس قميصًا بعد قميصٍ، والحاجة لا تدعو إليه،

стр. 1237

صار كأنه لبسهما معًا وهو محتاجٌ إلى أحدهما، وإذا لبس القلنسوة من غير حاجةٍ، لزمته كفارةٌ أخرى، كما لو لبسها ابتداءً مع القميص. قلت: أرأيت إن لبس قميصًا (١) بعض يومه للضرورة، فذهبت الضرورة، ثم ترك ذلك يومًا أو يومين، أو لبس نصف يومٍ للضرورة، ثم ذهبت، فتركه باقي يومه؟ قال محمد: ما دام في شكٍّ من الضرورة فذلك ضرورةٌ، فإذا جاء اليقين أنّ الضرورة قد زالت، فلبس بعد ذلك، فعليه كفارتان: كفارةٌ للضرورة وكفارةٌ أخرى؛ [وذلك] لأنّ الضرورة مادامت موجودةً، فاللبس الثاني وقع على الوجه الذي وقع عليه الأول، فلا يتعلّق به إلا كفارةٌ واحدةٌ، وإذا زالت الضرورة، فاللبس الثاني وقع على غير الوجه الأول، فتعلق به كفارةٌ أخرى. وهذا كما قالوا: فيمن به قرحةٌ اضطر إلى دوائها بالطِّيب، فما دامت باقيةً وهو يكرر الدواء، فعليه كفارةٌ واحدةٌ؛ لأنّ الجميع وقع على وجهٍ واحدٍ، فإن برأت القرحة، وحدثت أخرى، فداواها فعليه كفارةٌ أخرى (من غير ضرورة القرحة، ولو خرجت أخرى، فداوها فعليه كفارةٌ أخرى) (٢)؛ لأنّ الضرورة [الأولى] قد زالت. قال ابن سماعة: قلت: لو لبس من غير ضرورةٍ بعض يوم قميصًا، ثم لبس [من] يومه ذلك سراويل، ثم لبس خفين أو قلنسوةً، وذلك [كله] في يومٍ واحدٍ، ثم ترك ذلك كله حتى مضت أيام التشريق، [قال]: أرأيت لو مضى يومٌ، ثم لبس

стр. 1238

بعدما غابت الشمس يومًا آخر، فهو في مقامه [ذلك] الذي غابت له الشمس فيه، أو في غيره، أو نزع بعض ما عليه ثم أعاده، وترك [ذلك] عليه يومًا آخر أو ليلةً أخرى، أما ترى عليه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف دم آخر، لبس ذلك في مقامه الذي غابت له الشمس، أو [في] غيره، ولا ينظر في هذا إلى المقام والمقامين؟ وقال محمد: يجعلان اللباس شيئًا واحدًا ما لم يتركه ويعزم على ذلك، فإذا تركه وعزم على تركه، ثم لبسه بعد ذلك جعلا ذلك كالمقامين، وما لم يعزم، جعلا ذلك كالمقام الواحد؛ وذلك لأنه ما لم يعزم على الترك، فقد وقع جميعه على جهةٍ واحدةٍ، فكأنه وقع في مجلسٍ واحدٍ، وإذا عزم على الترك، فقد اختلفت جهة اللبس، فتعلّق بكلّ واحدٍ من اللبسين كفارةٌ. قلت: أرأيت رجلًا يلبس قميصه وجبّته بالنهار، وينزع ذلك بالليل للنوم، ويلبس من الغد، وهو لم يعزم على ترك اللبس، إنما ينزعه للنوم، أيجب عليه لكل يومٍ دمٌ؟ قال محمد: لا يُعتبر به (١)، وهو يلزمهم، وهو حجّتنا عليهم، يعني: أنهما أوجبا فيه كفارةً واحدةً مع التكرار وهذا لا حجّة فيه؛ لأنّ اللبس وقع على جهةٍ واحدةٍ، ومن أصلهما: أنّ اللبس إذا تكرّر على جهةٍ واحدةٍ، فهو كلبس واحدٍ؛ بدلالة اللبس على وجه الرفض. قلت: أرأيت رجلًا به مرضٌ، وهو يحتاج إلى اللباس بالليل للبرد،

стр. 1239

ويستغني عنه بالنهار، غير أن المرض ثابتٌ عليه، فجعل يلبس الثياب من القميص والقلانس والخفاف وما أشبه ذلك بالليل، وينزعها بالنهار؟ قال [محمدٌ: عليه] لهذا كلّه كفارةٌ واحدةٌ في قولنا [وقولهما] (١)، وهذا على ما بيّنا: أنّ اللبس وقع على جهةٍ واحدةٍ. قال محمد: أرأيت [رجلًا] إذ لو كان (٢) قعد في الشمس دفئ، وإذا تنحّى عادت الضرورة، أينبغي أن يؤمر هذا فينزعه حتى يدفأ، ويلبس في غير ذلك؟ [قال]: هذا ليس بشيء. وإنما يعني بهذا: أنه إذا لبس للبرد فقد لبس للضرورة، وإذا قعد في الشمس فقد زالت، فلا تتغيّر الكفارة؛ لأن سبب الحاجة لم يزل. قلت: أرأيت إن كان به حُمَّى يومًا ويومًا لا، قد عُرف ذلك منه، وكان يحتاج في يوم الحمّى إلى اللباس، فإذا استغنى عنه نزعه، أيجعل هذا بمنزلة جرحٍ برأ، ثم أصابه جرحٌ آخر، فلا بد لكلّ واحد [من] كفارة؟ قال محمد: لا يشبه هذا الجرحين المفترقين، هذا فيه كفارةً واحدةً ما لم يبرأ من تلك الحمى وتأتيه حمى أخرى، وإنما يشبه الجرحان المفترقان الحمّيين اللتين يبرأ من واحدةٍ، ثم تصيبه أخرى. وهذا صحيحٌ؛ لأنّ الحمى الغِبّ (٣) ما دامت باقيةً، فالعذر عذرٌ واحدٌ، فلا يتعلق باللبس له إلا كفارةٌ واحدةٌ.

стр. 1240

قال: وكذلك لو حصره عدوٌّ، فاحتاج إلى لبس [السِّلاح] (١)، ثم ذهب فنزع (٢)، ثم عاد فعاود، وكأن العدوّ لم يبرح، فكان يقاتل بالنهار ويلبس السلاح، وينزعه بالليل. قال محمد: عليه في هذا [كلّه] كفارةٌ واحدةٌ، ما لم يذهب هذا العدو ويجيء عدوٌ آخر في قياس قولهما، وهذا على ما بيّنا: أن العدو الواحد لا يتعلّق باللبس له إلا كفارةٌ واحدةٌ (٣). قال: ولو لبس قميصًا يومًا أو أكثر من غير ضرورةٍ، فأهراق دمًا، ثم تركه بعد ذلك أيامًا كثيرة، [ثم لبسه]، قال محمد: قولنا في هذا واحدٌ، وعليه كفارةً أخرى. وذلك لأن من أصل محمد: إذا كفّر ثم لبس، تعلق بكلّ واحدٍ من اللبسين كفارة، كالوطأين في رمضان إذا تخلّلهما التكفير. [قال محمد]: ولو لبسه وهو حلالٌ، ثم أحرم فتركه [عليه] يوما أو يومين، فعليه كفارةٌ واحدةٌ؛ لأنّ البقاء على اللبس كالابتداء له، فإذا حصل [ذلك] مع الإحرام تعلّقت به كفارةٌ (٤).

стр. 1241

باب الطيب قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: لا بأس بأن يتطيَّب المحرمُ عند إحرامه بأي طيبٍ شاء قبل أن يحرم، وقد بيّنا الخلاف في هذه المسألة. قال: وإذا أحرم لم يقرب طيبًا؛ لِمَا روي عن النبي ﷺ أنه قال: "المحرم الأشعث الأغبر" (١)، والطيب ينافي الشعث، [قال]: فإن طيّب عضوًا كاملًا، فعليه دمٌ. وقد روى هشام عن محمد: أنّ العضو الكامل: الساق، أو الفخذ، أو الرأس، وذكر الحاكم في المنتقى قال: [إذا طيَّب مثل الشارب] (٢)، أو بقدره من اللحية، فعليه صدقةٌ. وفي موضع آخر من المنتقى: إذا طيّب مقدار ربع الرأس، فعليه دمٌ. وقال محمد: إن كان الطيب في جسده [في غير عضوٍ]، فحتى يكون كثيرًا؛ وذلك لأنّ هذا استمتاعٌ مقصودٌ، ألا ترى أنّ استعمال الطيب هو أن يستعمله في وجهه أو بدنه (٣)، والاستمتاع الكامل يتعلّق به كفارةٌ كاملةٌ، وأما إذا طيب من

стр. 1242

بدنه (١) أقل من عضوٍ، فعليه صدقةٌ. قال محمد: يُنظر كم قدره من قدر ما يوجب الدم، فيكون عليه بحساب ذلك، وقال الشافعي: في يسير الطيب وفي كثيره: دمٌ (٢). لنا: أنّ ما يتعلّق به الفدية من محظورات الإحرام، فإن [في] كفارته الأعلى والأدنى: كالحلق، والجماع، وقص الأظافر، وعكسه: مجاوزة الوقت. وجه قول محمد: أنّ الدم لما تعلّق بمقدارٍ، تعلق فيما دونه بقدره. ١٠٧١ - فَصْل: [تطيب المحرم بزيت] قال: فإن تطيَّب بزيتٍ (٣)، أو بخَلٍّ، فعليه دمٌ في قول أبي حنيفة، وصدقةً في قول أبي يوسف ومحمد، وقال الشافعي: إن استعمله في شعره، فعليه دمٌ، وإن استعمله في بدنه، فلا شيء عليه (٤). لنا: ما روي أنّ عليا ادَّهن عند الإحرام من دَبَّةِ الزيت (٥)، فدلّ على أنه جعله طيبًا؛ ولأنّ الزيت أصل الطيب، وإنما يكتسب روائحه، والحكم يتعلّق بالعين دون الرائحة؛ ولأنّ كلّ دهنٍ لو استعمله في شعره، وجبت به الفدية، فإذا

стр. 1243

استعمله في بدنه، وجبت [عليه]، كالأدهان المطيّبة. وجه قولهما: أن الزيت مأكولٌ، فإذا ادهن به لم يجب الدم، كالسمن، وإنما أوجبنا الصدقة لأنّه يقتل الدّوابّ. ١٠٧٢ - فصل: [تداوي المحرم بزيت] وقد قال أصحابنا: في الزيت إذا داوى به جرحه أو شقوق رجليه، فلا كفارة عليه؛ لأنه ليس بطيبٍ في نفسه، وإنّما هو في حكم الطيب، فإذا لم يستعمله على وجه التطيب، لم تجب به كفارةٌ، [لأنه ليس بطيبٍ في نفسه]. وليس كذلك إذا تداوى بالطيب؛ لأنّه طيبٌ في نفسه، فإذا استعمله للتطيّب أو لغيره، لزمته الكفارة. وقالوا: فيمن ادَّهن بشحمٍ أو بسمنٍ فلا شيء عليه؛ لأنه ليس بطيبٍ في نفسه، ولا هو أصل الطيب، فصار كسائر المأكولات. فأما الدهن المطيبُ، كالبان والبنفسج، ففيه الكفارة؛ لأنه طيبٌ في نفسه، ويُستعمل فيما يستعمل فيه الطيب. ١٠٧٣ - فصل: [أكلُ المُحْرِمِ طعامًا طُبِخَ بطيب] قال: وإذا كان الطيب في طعامٍ قد طُبخ وتغيّر، فلا شيء على المحرم في أكله؛ [وذلك] لأنه استحال بالطبخ عن معنى الطيب، وإن كان لم يطبخ،، كُره [له ذلك]، ولا شيء عليه؛ لأنّ الطعام غالبٌ عليه، فصار مستهلكًا فيه، وإنما يكره إذا كان ريحه موجودًا.

стр. 1244

وقد قالوا: في الملح يجعل فيه الزعفران، إذا كان الزعفران فيه غالبًا، ففيه الكفارة؛ لأنّ الملح تَبَعٌ، فلا يخرجه عن حكم الطيب، وإن كان الملح غالبًا، فلا كفارة عليه؛ لأنه ليس في معنى الطيب. وقد روي عن ابن عمر: (أنه كان يأكل الخشكنانج (١) الأصفر وهو محرم) (٢). وقال: لا بأس بالخبيص (٣) الأصفر للمحرم. ١٠٧٤ - فَصْل: [تداوي المُحْرِمِ بطيب لا يؤكل] قال: وإن تداوى المحرم بما لا يؤكل من الطيب لمرض أو عِلَّة، أو اكتحل بطيبٍ لعلَّةٍ، فعليه أي الكفارات شاء، وهذا على ما بيَّنا: أن محظورات الإحرام إذا أبيحت لعذر، خُيِّر في الكفارة. قال بشر بن الوليد عن أبي يوسف: إن ما غيّرته النار، فلا بأس، وإن كان ريح الطيب يوجد منه، وما لم تغيّره النار، فإني أكره أكله إذا وجد منه ريح الطيب، فإن أكل، فلا شيء عليه، وقد بيّنا هذا (٤). ١٠٧٥ - فَصْل: [شم الطيب والريحان ونحوها] قال: ويكره للمُحْرِم أن يشمَّ الطيب والريحان، فإن فعل فلا شيء عليه،

стр. 1245

وقد روي عن ابن عمر أنه كره شم الريحان للمحرم (١)، وهذا قول جابر (٢). وعن ابن عباس: أنه لا بأس به (٣)، وقال الشافعي: الريحان طيبٌ، وفيه الفدية (٤). لنا: أنه شمٌّ للرائحة المجرَّدة من غير أن يلصق (٥) بثيابه أو يده (٦) شيءٌ من الطيب، فلم يلزمه الفدية، كما لو قعد عند العطار فشمَّ الرائحة، وإنما كره ذلك لما فيه من الاستمتاع. وقال أبو يوسف: ولا يشم نبات الأرض ما له ريحٌ طيبةٌ، ولا الثمار الطيبة؛ وذلك لأنه استمتاعٌ بالرائحة كالطيب. قال: وإن شمّ المحرم ريح طيبٍ تطيَّب به قبل الإحرام، فلا بأس؛ وذلك لأنه غير ممنوعٍ من [مباشرته] (٧)، فلا يمنع من رائحته، كما لو اجتاز في العَطَّارِين. وقد روى ابن سماعة عن محمد: أنّ رجلًا لو دخل بيتًا قد أجمر، فطال مكثه في البيت، فعلق بثوبه، فلا شيء عليه؛ لأنّ الرائحة هاهنا ليست متعلّقةً بعين، ومجرَّد الريح لا يمنع منها.

стр. 1246

قال: وإن استجمر بطيبٍ، فعلق بثوبه شيءٌ [كثيرٌ]، فعليه دمٌ، وإن كان يسيرًا فعليه إطعامٌ؛ لأنّ الرائحة هاهنا متعلّقةٌ بعينٍ وقد استعملها في بدنه، فهو كما لو تطيَّب بها. وذكر ابن رستم عن محمد: فيمن اكتحل بكحلٍ فيه طيبٌ مَرَّةً أو مرتين، فعليه صدقةٌ، وإن كان كثيرًا فعليه دمٌ؛ لأنّ الكحل إذا كان الغالب عليه الطيب، فلا فرق بين استعماله على طريق التداوي أو التطيّب. قال: وإن مسَّ طيبًا فلزق بيده، فهو بمنزلة التطيّب؛ وذلك لأنه طيَّب به يده، وإن لم يتعمد التطيب، ووجوب الكفارة لا يقف على القصد. وقالوا: فيمن [استلم] (١) الحَجَر، فأصاب يده من طيبه: إن عليه الكفارة؛ لأنه مستعملٌ للطيب وإن لم يقصد التطيّب. قال: وإذا داوى جرحًا أو تطيّب لعلّةٍ، ثم حدث له جرحٌ آخر قبل أن يبرأ الأول، فعليه كفارةٌ واحدةٌ؛ وذلك لأنّ العذر الأول باقٍ، فما يستعمله فجهته جهةٌ واحدةٌ. ١٠٧٦ - فَصْل: [تداوي المحرم] قال: ولا بأس بأن يفتصد المحرم أو يحتجم، ويجبر كسرًا إذا كان به؛ وذلك] لما روي (أن النبي ﷺ احتجم وهو صائمٌ محرمٌ بالقاحة) (٢)؛ ولأن هذا تداوي، فالمحرم لا يمنع من التداوي.

стр. 1247

١٠٧٧ - فَصْل: [ما على القارن من الدماء] وعلى القارن فيما يوجب الدماء أو الكفارة مِثْلا ما [يجب] على المُفْرد؛ لأنه أدخل نقصًا في كلّ واحدٍ من الإحرامين، فصار كما لو أفردهما. قال: ولا يحل للقارن والمفرد الطيب حتى يحلقا أو يقصّرا؛ وذلك لأنّ الإحرام قبل الحلق باقٍ، وحرمة الإحرام تمنع من الطيب. قال: وإن كان قد رمى الجمرة، فإذا حلق أو قصّر حلّ له الطيب، وقد قدّمنا هذا. قال: وكذلك المعتمر لا يحلّ له التطيّب حتى يحلق أو يقصّر؛ لأنّ إحرامه باقٍ قبل الحلق، فمنع من الاستمتاع. قال: والرجل والمرأة في ذلك سواءٌ؛ لأنهما يتساويان في أحكام العبادات، إلا ما خصَّه الدليل. قال: و [دُهن] الخيريّ والبَنَفْسَج طِيبٌ، وحكي عن الشافعي: أن البنفسج ليس بطيبٍ، وهذا ليس بصحيحٍ؛ لأنه دُهنٌ مُطيِّبٌ كالبان. قال: والوَسِمة (١) ليست بطيبٍ، فإن خاف أن تقتل الدواب، تصدَّق بشيءٍ؛ وذلك لأنّ الوَسِمة ليست لها رائحةُ مستلذّةٌ، وإنما تغيّر الشعر، وذلك ليس باستمتاعٍ، وإنما هو زينةٌ، فإذا خاف أن تقتل الدواب، فعليه صدقةٌ؛ لأنه يزيل الشعث.

стр. 1248

وقد روي عن أبي يوسف: فيمن خضب رأسه بالوَسِمة، أنّ عليه الدم، ليس لأجل الخضاب، ولكن غطى بها رأسه. ١٠٧٨ - فَصْل: [استعمال الطيب في الغسل] [قال]: فإن غسل [المُحْرِم] رأسه بالخِطمي (١)، فعليه دمٌ عند أبي حنيفة، وصدقةٌ عند أبي يوسف ومحمد. وجه قول أبي حنيفة: أنّ الخطمي له رائحةٌ مستلذّةٌ، فهو كالحِناء؛ ولأنه يزيل الشعث، ويقتل الدوابّ، كالحلق. وجه قولهما: أنّ الخِطمي يزيل الوسخ كالأشنان، وإنما وجبت الصدقة؛ لأنه يقتل الدوابّ. وقد روي عن أبي يوسف أنه [قال]: لا شيء فيه، فقال: إنما قال أبو يوسف ذلك فيمن أبيح له الحلق، فغسل رأسه بالخطمي، لم يلزمه شيءٌ؛ لأن إزالة الشعث قد أبيحت، وهذا جزء منها. فأما أن يقول: إن غسل الرأس به في خلال الإحرام لا يوجب [شيئًا]، فبعيدٌ. قال أبو يوسف: والقُسْط (٢) طِيب؛ لأنه يتبخر به، ويستلذ به (٣). قال: والطيب في المجلس والمجالس كما وصفت لك في الجماع، يعني:

стр. 1249

إذا كررَّ الطيب في مجلسٍ واحدٍ، ففيه كفارةٌ واحدةٌ، وإن كان في مجالس، فعليه لكلّ طيبٍ كفارةٌ، إلا أن يقصد الرفض. وقال محمد: كفارةٌ واحدةٌ ما لم يكفر الأول، وقد بيّنا هذا. وقال أبو يوسف: إن شرب دواءً فيه طيبٌ، فهو بمنزلة أكله، يعني: إن كان يتغيَّر بالنار، فلا شيء [عليه] فيه، وإن كان لم يتغيَّر وهو مغلوبٌ توجد رائحته، كره له ذلك، ولا كفارة عليه. ١٠٧٩ - فَصْل: [المُحرم يختضب بالحِنَّاء] وقد قالوا: في المُحْرم يختضب بالحناء، إن عليه الكفارة؛ لِمَا روي أنّ النبي ﷺ : نهى المعتدة أن تختضب بالحناء، وقال: "الحناء طيب" (١)، وإذا كان في حكم الطيب في العدّة، فكذلك في الإحرام، [كسائر أنواع الطيب] (٢).

стр. 1250

بَابْ: قَصِّ الأظافر قال أصحابنا: لا يجوز للمحرم قصّ أظفاره، وقال عطاء: يجوز. لنا: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩]، فرتَّب قضاء التَّفَث على الذبح، وقد روي عن ابن عباسٍ أنه قال: (في قص الأظفار الفدية) (١)؛ ولأنّ الظفر في حكم الشعر؛ بدلالة أنّ كلّ واحدٍ منهما لا حياة فيه، فجريا مجرىً واحدًا. فأمّا مقدار الكفارة، فإن قصَّ يديه ورجليه في حالةٍ واحدةٍ، أو يديه أو إحدى رجليه، أو إحدى يديه، فعليه دمٌ؛ [وذلك] لأنه حصل له استمتاعٌ كاملٌ، فتكمل به الكفارة. فإن قصَّ أقلّ من يدٍ، فعليه صدقةٌ، لكلّ ظفرٍ نصف صاعٍ؛ وذلك لأنّه لم يحصل له الاستمتاع الكامل، فلم تكمل الكفارة. وقال محمد: يجب بحساب ذلك من الدم، وقال زفر: إن قصّ الأكثر من إحدى اليدين، فعليه دمٌ وهذا فاسدٌ؛ لأن ما يتعلّق به الدم وله نظيرٌ في البدن (٢)، لا يقوم أكثره مقام جميعه، كربع الرأس. وأما إذا قصّ خمسة أظافر من يديه أو رجليه، فعليه صدقةٌ، وقال محمد:

стр. 1251

عليه الدم. وجه قولهما: أنه لم يحصل به استمتاعٌ ولا زينةٌ، ألا ترى أنّ الإنسان لا يتجمّل بأن يكون بعض أصابعه مقصوصةً وبعضها بحالها، وإذا لم يكمل الاستمتاع، لم تكمل الكفارة. وجه قول محمد: أنّ الدم لما تعلّق بعددٍ من الأصابع، استوى أن يكون من يدٍ أو يدين، كوجوب الدّيَة بقطع خمسة أصابع. وجه قول زفر: أنّ الدم لمّا تعلّق بإحدى اليدين، قام أكثرها مقام جميعها، كما يقوم أكثر الرأس مقامه. ١٠٨٠ - فَصْل: [قَصُّ اليَدَيْنِ والرِّجْلين في مجلسٍ واحدٍ] قال: وإن قصّ يديه ورجليه في مجلسٍ واحدٍ، فعليه دمٌ واحدٌ؛ وذلك لأنّ أسباب الكفارة من جنسٍ واحدٍ، اجتمعت في مجلسٍ واحدٍ، فكان عليه دمٌ واحدٌ (١)، كالجماع الواحد. ١٠٨١ - فَصْل: [أَخْذُ الظفر المكسور] قال: فإن انكسر ظفر المحرم، فتعلّق بجلده، فأخذه، فلا شيء عليه إذا كان مما لا ينبت؛ وذلك لأنّه خرج من حدّ النماء، فصار كالشعر المقطوع (٢)، فإذا أزاله لم يجب به شيءٌ. وكذلك قالوا: في أغصان شجر الحرم إذا يبس، قال: وإذا قصّ الأظافير

стр. 1252

للأذى، فعليه أي الكفارات شاء؛ وذلك لأنه معذورٌ فيه (١)، ومحظورات الإحرام إذا أُبيحت لعذرٍ، خُيِّرَ في الكفارة. ١٠٨٢ - فَصْل: [مُحْرِم قَلَّم أظافِرَ حَلَال] وقال محمد عن عطاء: في محرم قلَّم أظافير حلالٍ، أنه لا شيء عليه، وإن أخذ شعر حلالٍ، فعليه صدقةٌ، قال أبو حنيفة: فيهما صدقةٌ. قال [الشيخ]﵁: الكلام في هذه المسألة يقع في فصلين: أحدهما: المُحْرم إذا أخذ شَعْر المحرم، أو ظُفْره فعليه صدقةٌ، وقال الشافعي: لا شيء عليه. لنا: أنه أزال شعرًا تعلّق به حرمةُ الإحرام، كشعر نفسه، أو أزال شعرًا منع الإحرام من إزالته، كشعر الصيد. فأمَّا إذا حلق المحرم رأس حلالٍ، فعليه صدقةٌ؛ لأنه استمتاعٌ حظره الإحرام من جميع الوجوه، فإذا فعله المحرم بالحلال، لزمته الكفارة كالوطء؛ ولأنه حلق رأس آدميٍّ، فلزمته الكفارة، كما لو حلق رأس محرمٍ مُكْرَهًا. وأما الحلال إذا حلق رأس محرمٍ، فعلى المحرم الكفارة، وقال الشافعي: إن كان بغير أمره فأكرهَه، فلا كفارة عليه، وإن لم يكرهم هه، فسكت المحرم، ففيه وجهان. لنا: أنّ الاستمتاع بالحلق حصل للمحرم، [فصار] كما لو حلق بأمره. و [قد] قال أصحابنا: لا يرجع المحرم على الحلال (٢) بشيءٍ، وكان

стр. 1253

أبو حازم يقول: يرجع عليه بالكفارة (١). لنا: أنّ الاستمتاع بالحلق حصل للمحرم، فلو رجع بالكفارة، سلم له (٢) العوض والمعوَّض، وهذا لا يجوز، ولهذا قال أصحابنا: إنّ المغرور (٣) لا يرجع بالعُقر (٤) على الغارّ؛ لأن منفعة الوطء سلمت له، فلا يرجع ببدلها على غيره. وجه قول أبي حازم: أنّ المكرِه هو الذي ألجأه إلى التكفير، فكأنّه أخذ ذلك القدر من ماله [فأتلفه] (٥). فأمّا فرق عطاء بين الأظافر والشعر، فعلى أصله: أن قص الأظافر لا يتعلّق به جزاء إتلاف الشعر (٦) (٧).

стр. 1254

بَابْ: المحرم يقتل صيدًا قال الشيخ ﵁: الصيد [هو] الحيوان الممتنع المتوحش في أصل خلقته، وهو على ضربين: بَرِّيٌّ، وبَحْرِيٌّ. فما كان من صيد البحر، فهو حلالٌ للحلال والمحرم، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، فأطلق إباحة صيد البحر، وخصّ صيد البرّ بحال [الإحلال] (١)، فصيد البرّ كلّه حرامٌ على المُحْرِم، إلا ما استثناه النبي ﷺ ، وهو الذي يبتدئ بالأذى غالباً، مثل الكلب العقور، والذئب، والحدأة، والغراب، والحيَّة، والعقرب، وما سوى ذلك مُحَرَّمٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، ولقوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤]، ولقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]. قال أبو الحسن: وصيد البرِّ: ما كان توالدُه فيه ومأواه فيه، وصيد البحر: ما كان توالده فيه ومأواه [فيه]؛ [وذلك] لأنّ ما يأوي في البحر (٢) ويتوالد في البر من صيد البر، وما يتوالد في البحر ويكون في البر مثل الضفدع من

стр. 1255

صيد [البحر] (١). قال: ومملوك ذلك ومباحه سواءٌ؛ لأنّ اسم الصيد عامٌ فيها؛ ولأنّ الملك لا يخرج الشيء من حكم جنسهِ. قال أبو يوسف: والغرابُ المستثنى ما أكل الجيف، أو خَلَط مع الجيف؛ وذلك لأنه هو الذي يبتدئ بالأذى. قال أبو يوسف: فإن قتل المحرمُ عَقْعَقًا (٢)، فعليه الكفارة؛ لأنه لا يبتدئ بالأذى؛ ولأنه لا يسمى غرابًا. وأما ما لا يتوحّش (٣): وهو الدجاج الأهلي، والبط الكسكري: وهو البط الكبير الذي يكون في المنازل [فلا بأس بذبحها]؛ وذلك لأنّ هذه الأجناس غير متوحشةٍ، فأما البط الذي يطير، فليس من جنسها، إنما هو من جنسٍ آخر. وقد قال أصحابنا في الحَمام المسرول: إنّ فيه الجزاء، وقال مالك: لا جزاء فيه. والوجه فيه (٤): أنّ الحمام كلّه ممتنعٌ متوحشٌ، وإن استأنس بالتوالد والتأنيس، فصار كالظبية المستأنسة، والنعامة المستأنسة، وأمّا البط فليس من

стр. 1256

جنس المتوحش، وإنما هو من نوعٍ آخر. يبيِّن ذلك: أنّ الحيوان المباح للمحرم، مثل: الإبل، قد يتوحّش، ولا يحرم ذلك ذبحها؛ لأنّ المعتبر فيها بالجنس لا بالفعل، فكذلك الوحشيّ إذا تأنَّس. ١٠٨٣ - فَصْل: [قَتْلُ المُحرِمِ السَّبُع] والسباع كلّها [صيدٌ]، إلا ما استثني من الكلب والذئب. وقال الشافعي: لا يحرم على المحرم قتل السَّبُع (١). لنا قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، والاسم عامٌّ في كلّ ممتنعٍ متوحشٍ؛ ولأنّ العرب لا تعتقد تحريم السباع، وقد كانوا يأكلون جميع الحيوان إلا أم حُبين (٢)، ولو كان الاسم موضوعًا للمباح، تناول الجميع؛ لاعتقادهم إباحته؛ ولأنه صيدٌ لا يبتدئ بالأذى غالبًا [كالضبع] (٣). قال: فإن ابتدأ السبعُ المُحْرِمَ فقتله، فلا شيء عليه؛ وذلك لأنّ النبي ﷺ أسقط الجزاء فيما يبتدئ بالأذى غالبًا، ووجود الأذى أكثر من العادة في الابتداء به؛ ولأنّ التحريم لحقّ الله تعالى، وقد أذن في الإتلاف، فلم يجز أن يكون مضمونًا لحقّه.

стр. 1257

١٠٨٤ - فَصْل: [قتلُ هَوَامِّ الأرض] قال: وليس على المُحْرم في قتل هوام الأرض شيءٌ، مثل القنافذ، والخنافيس، والجُعلان، وابن عرس، وقال أبو يوسف: ابن عرس هو من سِباع الهَوامّ. وكذلك الحيَّة، والعقرب؛ وذلك لأنّ الهوامّ ليست بصيدٍ؛ ولأنّها لا تتوحش من الآدميّ، فأما الحية والعقرب؛ فلأنهما تبتدئان بالأذى غالبًا. وقال: في الضبِّ واليربوع الجزاء؛ وذلك لأنه من جنس الممتنع المتوحش، ولا يبتدئ بالأذى غالبًا. قال أبو يوسف: والقِرد والفيل إذا ابتدأ بالأذى، فلا شيء فيهما، فإن ابتدأهما المُحْرِم، فعليه الجزاء؛ وذلك لأنهما من جنس الصيد الممتنع المتوحش، فإن ابتدأ بالأذى، سقط ضمانه، وإن ابتدأه المحرم، فلم يبح له إتلافه، فعليه الجزاء. قال أبو يوسف: وفي السمّور (١) والدلق (٢)، الجزاء؛ لأنهما من جنس الممتنع المتوحش [الذي] لا يبتدئ بالأذى. قال أبو يوسف: وفي القُنْفُذِ الجزاء؛ لأنه من جنس الممتنع المتوحش، لا يبتدئ بالأذى غالبًا.

стр. 1258

١٠٨٥ - فَصْل: [الجزاء في القرد والخنزير] قال أبو يوسف: وفي القِرْد والخِنْزِير الجزاء، وقال زفر: لا جزاء فيهما. لأبي يوسف: أنهما من جنس الصيد الذي لا يبتدئ بالأذى، كالثعلب والضَّبُع. وجه قول زفر: أنّ الخنزير مندوبٌ إلى قتله، قال النبي ﷺ : "بعثت بكسر المعازف وقتل الخنازير" (١)، وإذا كان مندوبًا إلى قتله، لم يجب عليه الجزاء. قال الحسن بن زياد: الكلب ليس بصيدٍ، وكذلك السِّنَّوْر الأهلي وقال هشام: في البرّيّة الجزاء، وروى الحسن عن أبي حنيفة: لا شيء في السنور الأهلى والوحشي، والفأرة الأهلية والوحشية. أمّا الكلب؛ فلأنه مستثنى بجواز القتل، والمتوحش منه والأهلي سواءٌ. وأمّا السَّنَّوْرُ (٢) الأهلي فليس بمتوحشٍ، فلا يجب به جزاءٌ، وأمّا الوحشي فقال أبو حنيفة: هو من جنس الأهلية، فإذا لم يجب الجزاء في أحدهما، فكذلك الآخر. وجه رواية هشام: أنّها صيدٌ لا يبتدئ بالأذى غالبًا. وأمّا الفأرة، فهي ممّا استثني في الخبر.

стр. 1259

قال: ولا شيء على المحرم في قتل البرغوث، والبعوض، والحَلَم (١)، والقُرادِ (٢)، و [قد] روي عن ابن عمر: (أنه كان يقرّدُ بعيره وهو محرم) (٣)، وسئل ابن عباس عن قتل القراد، فقال: (انحر بعيرك وانظر كم كان فيه من قراد) (٤)؛ ولأنّ هذه الأشياء غير متوحشةٌ، ألا ترى أنها تطلب الآدميّ مع امتناعه منها فأمَّا القمل ففيه صدقةٌ، ليس لأنه صيدٌ، ولكن هو متولدٌ (٥) من البدن، كالشعر، ففي إزالته إزالة التفث، فيتصدّق بكفٍّ من طعامٍ، [قال]: وكذلك إن قتل جرادةً. وقد روي عن عمر [أنّه قال]: تمرةٌ خيرٌ من جرادةٍ (٦)، ولأنّ الجراد من صيد البر، ألا ترى أنّه يعيش فيه ويموت إذا وقع في الماء، فهو كسائر صيد البر. وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه قال: الكلب العَقُور وغير العقور، إذا أراد المحرم بأذى أو لم يرده (٧)، فلا بأس بقتله؛ وذلك لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "خمس فواسق يقتلهنّ المحرم في الحلّ والحرم: الحية، والعقرب،

стр. 1260

والفأرة، والكلب العَقور، والغُراب" (١). وروي: "والحِدَأَة"، وما استثني بإباحة القتل، فلا كفارة فيه. قال: ولا بأس للمحرم أن يقتل الزنبور؛ لأنه من جنس الحشرات، وكذلك صيّاح الليل والبعوض والذباب؛ لما بيّنا أنها غير متوحشةٍ من الآدميّ، فلا تكون صيدًا. [والله أعلم].

стр. 1261

بَابْ: معرفة الجزاء قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا قتل المُحْرِم صيدًا، فعليه الجزاء، والجزاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف: أن يقوّم الصيد في الموضع الذي أصابه، إن كان ممّا يباع فيه الصيود، وإن لم يكن يباع فيه (١)، ففي أقرب المواضع إليه، ثم القاتل بالخيار: إن شاء صرف القيمة إلى الهدي إن بلغت ذلك، وإن شاء إلى الإطعام، وإن شاء إلى الصيام. وذكر أبو الحسن عن محمد: أنّ القاتل إذا اختار الهدي، أخرج نظير المقتول في الخِلقة إن كان له نظيرٌ. وذكر الطحاوي عن محمد: أنّ الخيار إلى الحَكَمين، فإذا حكما بالهدي، لم يعدل عنه، وقال الشافعي: الواجب: النظير [إن كان له النظير] من طريق الخِلقة. لنا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وهذا عامٌّ فيما له مِثْل وفيما لا مِثْل له، ثم قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، والمِثل: الذي يعمّ ما له نظيرٌ، وما لا نظير له: هو القيمة؛ ولأنه قال: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾، معناه: أو مثل ما هو كفارةٌ [طعام مساكين] (٢)، وقد أجمعوا على أنّ المماثلة في الطعام تكون بالقيمة، فكانت

стр. 1262

هي المراد بالمِثل المذكور في الهدي؛ ولأنّه قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، ولو كان الواجب النظير في الخِلقة، لم يحتج فيه إلى عدلين؛ لأنّ ذلك معلومٌ من طريق المشاهدة، وإنما يُحتاج إليا في القيمة التي تختلف باختلاف الأزمان. وأما قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، فلا يجوز أن يكون النَّعم من الجزاء، وإنما هو من المقتول؛ بدلالة أن قوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾: مصدرٌ، وقوله: ﴿مِثْلُ﴾: صفةٌ، والمصادر إذا وُصفت لم تتعدّ بـ"مِن"، فعلم أنّ المراد: فجزاء المقتول الذي هو من النعم. وقد قال أبو عبيد: إن النَّعم اسمٌ للوحشي والأهلي، وقد قيل: إنّ في الآيه تقديمًا وتأخيرًا، فكأنه قال: فجزاء مثل ما قتل يحكم به ذوا عدل منكم من النعم هديًا بالغ الكعبة. ولأنّ ما لا يجب في إتلافه مثله من جنسه، يجب مثله من قيمته إذا كان مضمونًا، كالمتلف على الآدميّ. وأما [قال] محمد، فعلى رواية [أبي] الحسن قال: إذا اختار الهدي، أخرج النظير؛ لأنّ الصحابة حكموا في اليربوع بجَفْرةٍ (١)، وفي الأرنب بعناقٍ (٢)، وفي الضَّبُع بشاةٍ، وفي النَّعَامة ببَدَنةٍ (٣).

стр. 1263

وعلى رواية الطحاوي قال: إنّ الله تعالى سمّى الموجب حَكمًا، والحكم هو الذي يُلزم. ١٠٨٦ - فَصْل: [الكفارة على التخيير أو الترتيب] وقد قال أصحابنا: إنّ الكفارة على التخيير، وقال زفر: على الترتيب. لنا: أنّ الله تعالى أوجبها بلفظ التخيير، فهي ككفارة اليمين. وقال زفر: لمّا حكمت الصحابة في الضبع بشاةٍ، ولم يذكروا غيرها، دلّ على اعتبار الترتيب. ١٠٨٧ - فَصْل: [الإطعام بدل] وقد قال أصحابنا: إن الإطعام بدلٌ عن الصيد، وقال الشافعي: بدلٌ عن النظير. لنا: أنّه إطعامٌ يُخرج في الجزاء، فكان بقيمة المقتول، أصله: ما لا نظير له. ١٠٨٨ - فَصْل: [صغار الغنم في الجزاء] و [قد] قال أبو حنيفة: لا يجوز صغار الغنم في الجزاء، إلّا على وجه الإطعام، وقال محمد: يجوز، وبه قال الشافعي (١). لنا: أنه حيوانٌ لا يجوز في دم المتعة، فلا يجوز في جزاء الصيد، كالمتولّد من الظباء. وجه قول محمد: [ما روي] أنّ الصحابة حكموا في الأرنب بعَنَاق، وفي

стр. 1264

اليربوع، بجَفْرةٍ. ١٠٨٩ - فَصْل: [الجزاءُ على العَامِد والمُخْطئ] قال أصحابنا: العامد في قتل الصيد والمخطئ سواءٌ في وجوب الجزاء، وهو قول عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف (١)، وأنس، وسعد بن أبى وقاص (٢)، والحسن البصري (٣) ﵃، وقال ابن عباس: (لا جزاء إلا على العامد) (٤). لنا: أنه ضمانٌ يجب بالإتلاف، فاستوى فيه الخطأ والعمد، كالصيد المملوك، [ولأنّه حيوانٌ يجب بإتلافه الكفارة كالآدميّ]، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، إنما خصّ المتعمّد؛ لأنه ذكر الوعيد بقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]، والمخطئ لا يستحق الوعيد. ١٠٩٠ - فَصْل: [العائد والمبتدئ في الجزاء] قال أصحابنا: العائد في قتل الصيد كالمبتدئ في وجوب الجزاء، وهو قول عمر (٥)، وقال ابن عباس: لا ضمان على العائد (٦). لنا: أنه ضمان يجب بالإتلاف، فاستوى فيه المُبتدئ والعائد، كالصيد

стр. 1265

المملوك؛ ولأنه حيوان يجب بإتلافه كفارة كالآدمي. وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، فإنه ذكر الانتقام وسكت عن الجزاء؛ لأنه مستفادٌ بأوّل الآية، ولأن المراد بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾، يعني: ومن عاد للفعل بعد علمه بالنهي، كما قال الله تعالى في آية الربا: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، معناه: من عاد إلى الفعل بعد النهي. ١٠٩١ - فَصْل: [فيما فَضَل من قيمة الهدي] وإذا اختار القاتلُ إخراجَ الهدي، صرف القيمة إليه، فإن فَضَل منها ما لا يبلغ هديًا، كان مخيرًا فيه: إن شاء صرفه إلى الإطعام، أو الصوم؛ لأنه لا يبلغ إلى الهدي، فصار كالصيد الصغير الذي لا يبلغ قيمته هديًا. فإن اختار إخراج الإطعام، قوّم المقتول، فأخرج بقيمته طعامًا لكلّ مسكينٍ نصف صاع من برٍّ، أو صاعًا من تمرٍ أو شعيرٍ، على أصلنا في تقدير الكفارات بذلك. فإن اختار الصوم، قوّم المقتول طعامًا، وصام عن كلّ نصف صاعٍ يومًا، وقال الشافعي: عن كلّ مُدٍّ يومًا (١). لنا: أنه مُكفِّرٌ خُيِّر بين الصوم والإطعام، فلا يجب عليه عن كلّ مُدٍّ صوم يومٍ، كفدية الأذى. وقد رُوي عن ابن عباس أنه قال: (يصوم عن كل نصف صاع بُرٍّ يومًا) (٢)،
следующие страницы →