بَابْ: معرفة الجزاء
قال الشيخ أبو الحسن رحمه الله تعالى: إذا قتل المُحْرِم صيدًا، فعليه الجزاء، والجزاء عند أبي حنيفة وأبي يوسف: أن يقوّم الصيد في الموضع الذي أصابه، إن كان ممّا يباع فيه الصيود، وإن لم يكن يباع فيه (١)، ففي أقرب المواضع إليه، ثم القاتل بالخيار: إن شاء صرف القيمة إلى الهدي إن بلغت ذلك، وإن شاء إلى الإطعام، وإن شاء إلى الصيام.
وذكر أبو الحسن عن محمد: أنّ القاتل إذا اختار الهدي، أخرج نظير المقتول في الخِلقة إن كان له نظيرٌ.
وذكر الطحاوي عن محمد: أنّ الخيار إلى الحَكَمين، فإذا حكما بالهدي، لم يعدل عنه، وقال الشافعي: الواجب: النظير [إن كان له النظير] من طريق الخِلقة.
لنا: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وهذا عامٌّ فيما له مِثْل وفيما لا مِثْل له، ثم قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، والمِثل: الذي يعمّ ما له نظيرٌ، وما لا نظير له: هو القيمة؛ ولأنه قال: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾، معناه: أو مثل ما هو كفارةٌ [طعام مساكين] (٢)، وقد أجمعوا على أنّ المماثلة في الطعام تكون بالقيمة، فكانت
стр. 1262
هي المراد بالمِثل المذكور في الهدي؛ ولأنّه قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، ولو كان الواجب النظير في الخِلقة، لم يحتج فيه إلى عدلين؛ لأنّ ذلك معلومٌ من طريق المشاهدة، وإنما يُحتاج إليا في القيمة التي تختلف باختلاف الأزمان.
وأما قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، فلا يجوز أن يكون النَّعم من الجزاء، وإنما هو من المقتول؛ بدلالة أن قوله: ﴿فَجَزَاءٌ﴾: مصدرٌ، وقوله: ﴿مِثْلُ﴾: صفةٌ، والمصادر إذا وُصفت لم تتعدّ بـ"مِن"، فعلم أنّ المراد: فجزاء المقتول الذي هو من النعم.
وقد قال أبو عبيد: إن النَّعم اسمٌ للوحشي والأهلي، وقد قيل: إنّ في الآيه تقديمًا وتأخيرًا، فكأنه قال: فجزاء مثل ما قتل يحكم به ذوا عدل منكم من النعم هديًا بالغ الكعبة.
ولأنّ ما لا يجب في إتلافه مثله من جنسه، يجب مثله من قيمته إذا كان مضمونًا، كالمتلف على الآدميّ.
وأما [قال] محمد، فعلى رواية [أبي] الحسن قال: إذا اختار الهدي، أخرج النظير؛ لأنّ الصحابة حكموا في اليربوع بجَفْرةٍ (١)، وفي الأرنب بعناقٍ (٢)، وفي الضَّبُع بشاةٍ، وفي النَّعَامة ببَدَنةٍ (٣).
стр. 1263
وعلى رواية الطحاوي قال: إنّ الله تعالى سمّى الموجب حَكمًا، والحكم هو الذي يُلزم.
١٠٨٦ - فَصْل: [الكفارة على التخيير أو الترتيب]
وقد قال أصحابنا: إنّ الكفارة على التخيير، وقال زفر: على الترتيب.
لنا: أنّ الله تعالى أوجبها بلفظ التخيير، فهي ككفارة اليمين.
وقال زفر: لمّا حكمت الصحابة في الضبع بشاةٍ، ولم يذكروا غيرها، دلّ على اعتبار الترتيب.
١٠٨٧ - فَصْل: [الإطعام بدل]
وقد قال أصحابنا: إن الإطعام بدلٌ عن الصيد، وقال الشافعي: بدلٌ عن النظير.
لنا: أنّه إطعامٌ يُخرج في الجزاء، فكان بقيمة المقتول، أصله: ما لا نظير له.
١٠٨٨ - فَصْل: [صغار الغنم في الجزاء]
و [قد] قال أبو حنيفة: لا يجوز صغار الغنم في الجزاء، إلّا على وجه الإطعام، وقال محمد: يجوز، وبه قال الشافعي (١).
لنا: أنه حيوانٌ لا يجوز في دم المتعة، فلا يجوز في جزاء الصيد، كالمتولّد من الظباء.
وجه قول محمد: [ما روي] أنّ الصحابة حكموا في الأرنب بعَنَاق، وفي
стр. 1264
اليربوع، بجَفْرةٍ.
١٠٨٩ - فَصْل: [الجزاءُ على العَامِد والمُخْطئ]
قال أصحابنا: العامد في قتل الصيد والمخطئ سواءٌ في وجوب الجزاء، وهو قول عمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف (١)، وأنس، وسعد بن أبى وقاص (٢)، والحسن البصري (٣) ﵃، وقال ابن عباس: (لا جزاء إلا على العامد) (٤).
لنا: أنه ضمانٌ يجب بالإتلاف، فاستوى فيه الخطأ والعمد، كالصيد المملوك، [ولأنّه حيوانٌ يجب بإتلافه الكفارة كالآدميّ]، وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥]، إنما خصّ المتعمّد؛ لأنه ذكر الوعيد بقوله: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥]، والمخطئ لا يستحق الوعيد.
١٠٩٠ - فَصْل: [العائد والمبتدئ في الجزاء]
قال أصحابنا: العائد في قتل الصيد كالمبتدئ في وجوب الجزاء، وهو قول عمر (٥)، وقال ابن عباس: لا ضمان على العائد (٦).
لنا: أنه ضمان يجب بالإتلاف، فاستوى فيه المُبتدئ والعائد، كالصيد
стр. 1265
المملوك؛ ولأنه حيوان يجب بإتلافه كفارة كالآدمي.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، فإنه ذكر الانتقام وسكت عن الجزاء؛ لأنه مستفادٌ بأوّل الآية، ولأن المراد بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾، يعني: ومن عاد للفعل بعد علمه بالنهي، كما قال الله تعالى في آية الربا: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، معناه: من عاد إلى الفعل بعد النهي.
١٠٩١ - فَصْل: [فيما فَضَل من قيمة الهدي]
وإذا اختار القاتلُ إخراجَ الهدي، صرف القيمة إليه، فإن فَضَل منها ما لا يبلغ هديًا، كان مخيرًا فيه: إن شاء صرفه إلى الإطعام، أو الصوم؛ لأنه لا يبلغ إلى الهدي، فصار كالصيد الصغير الذي لا يبلغ قيمته هديًا.
فإن اختار إخراج الإطعام، قوّم المقتول، فأخرج بقيمته طعامًا لكلّ مسكينٍ نصف صاع من برٍّ، أو صاعًا من تمرٍ أو شعيرٍ، على أصلنا في تقدير الكفارات بذلك.
فإن اختار الصوم، قوّم المقتول طعامًا، وصام عن كلّ نصف صاعٍ يومًا، وقال الشافعي: عن كلّ مُدٍّ يومًا (١).
لنا: أنه مُكفِّرٌ خُيِّر بين الصوم والإطعام، فلا يجب عليه عن كلّ مُدٍّ صوم يومٍ، كفدية الأذى.
وقد رُوي عن ابن عباس أنه قال: (يصوم عن كل نصف صاع بُرٍّ يومًا) (٢)،
стр. 1266
فإن فضل من الطعام أقلّ من نصف صاعٍ، كان مخيرًا: إن شاء صام عنه يومًا، وإن شاء أخرجه طعامًا؛ لأنه لا يمكن أن يصوم أقلّ من يومٍ.
١٠٩٢ - فَصْل: [تقويم الجزاء على المحرم]
قال [أبو الحسن]: ولا يقوم في الجزاء على المُحْرِم إلا قيمته لحمًا، لا يضمّ إلى ذلك شيءٌ آخر، مثل أن يكون بازيًّا صيودًا، أو حمامًا يجيء من المواضع؛ وذلك لأنّ الضمان متعلّقٌ بكونه صيدًا، والصناعة لا تعود إلى الخِلقة، فلا يعتبر بها.
وقد قالوا في الحمامة المصوّتة: إنه يضمنها مصوّتةً في إحدى الروايتين؛ لأنه خلقةٌ فيها ككونها مُطوَّقة، وقال في الرواية الأخرى: لا يعتبر ذلك؛ لأنه لا يعود إلى جهة الصيد.
١٠٩٣ - فَصْل: [جزاء ما لا يؤكل لحمه]
وما لا يؤكل لحمه ففيه الجزاء، لا يجاوز به دمًا وينقص من ذلك، مثل: الضِّباع، والسِّباع، والثَّعالب، وسِباع الطير، وحكى أصحابنا عن زفر: أن فيه القيمة بالغةً ما بلغت، وذكر ابن شجاع في اختلاف زفر وأبي يوسف عن زفر: ما يؤكل لحمه لا يجاوز به شاةً.
لنا: أنّ الضمان يجب بجهة كونه صيدًا، والسبع إذا قوّم لحمه، فلحم الشاة خيرٌ منه، وإنما تزيد قيمته لتفاخر الملوك به، وذلك لا تعلّق له بجهة الصيد، فلا يضمن.
стр. 1267
وجه قول زفر: أنّ ما وجب ضمانه بالقيمة، اعتبرت قيمته (١) بكلّ الحال، كالسبع المملوك.
١٠٩٤ - فَصْل: [جزاء القارن في الصيد]
قال: وعلى القارن في جميع ذلك مِثْلا ما على المفرد، وقال الشافعي: جزاءٌ واحدٌ (٢).
لنا: أنه أدخل نقصًا على الحج والعمرة، بقتل ما يسمّى صيدًا، فصار كالمتمتع إذا قتل صيدًا في عمرته، وصيداً في حجته، ولا يلزم المعتمر إذا جرح صيدًا ثم تحلّل فأحرم بالحجة وجرحه فمات الصيد من الجراحتين؛ لأنّ عليه قيمتين، ذكره محمد في الجامع الكبير.
ولأنّ العمرة نسكٌ، يجب بقتل الصيد فيه الجزاء حالة الانفراد، فوجب الجزاء الكامل لأجله في [حقّ] القارن، أصله: إحرام الحج.
قال: والمعتمر في ذلك مثل المحرم بحجّةٍ؛ وذلك لأن الله تعالى أوجب الجزاء على القاتل المُحرِم، والمفرد بالعمرة محرمٌ، كالمفرد بالحجة.
١٠٩٥ - فَصْل: [إحلال الصيد للمحرم]
قال: ولا يحل الصيد لمحرمٍ حتى يحلق رأسه يوم النحر؛ وذلك لأنّ الحظر لحرمة، الإحرام، فما لم يتحلل منها، لا يحل له
стр. 1268
١٠٩٦ - فَصْل: [الجزاءُ على الدَالِّ]
قال: وإذا دلّ محرم محرمًا أو حلالًا على الصيد، فصاده المدلول، فعلى الدال الجزاء، وقال الشافعي: لا جزاء عليه (١).
لنا: ما أنّ روي رجلًا سأل عمر ﵁، فقال: إني أشرت إلى ظبيةٍ فقتلها أخي، فقال عمر لعبد الرحمن: ما ترى؟ فقال عليه شاةٌ، فقال عمر: (وأنا أرى مثل ذلك) (٢).
وروي أن عليًّا وابن عباس ﵄ (حكما على رجل أشار إلى بيضة نعامةٍ فكسرها صاحبه، بالقيمة) (٣)، وقال عطاء: (أجمع الناس على أنّ على الدالّ الجزاءَ) (٤)؛ ولأنه فعلٌ حظره الإحرام، بمنع أكل الصيد، فجاز أن يجب به الجزاء كالقتل.
стр. 1269
فأمّا الدال على الصيد في الحرم، فقد رُوي عن أبي يوسف وزفر: أنّ عليه الجزاء (١).
وقد قالوا في المُحْرِم إذا دلّ على صيدٍ، فكذّبه المدلول، ثم دلّه آخر فصدّقه، فقتله، فالجزاء على الثاني؛ لأنّ القاتل لم يستدلّ بالدلالة الأولى.
قالوا: ولو أمر محرمٌ رجلًا بقتل صيدٍ، فأمر المأمور آخر، فالضمان على الآمر الثاني إذا كان محرمًا؛ لأنّ المأمور الأوّل لم يفعل ما أمره به المحرم، ألا ترى أنّه أمره بقتل الصيد، ولم يأمره بالدلالة والمأمور الثاني فعل ما أمره [به] الآمر الثاني؛ فلذلك لزمه الضمان.
وقالوا: في المحرم يدلّ على صيدٍ ويتحلّل، فيأخذه المدلول، فلا جزاء على الدالّ، وهو آثمٌ؛ وذلك لأنّ قتل المدلول حصل بعد تحلّل الدالّ، فصار كقتل الدالّ، فلا يجب به الجزاء.
١٠٩٧ - فَصْل [القيمةُ في البَيْض]
ومن شَوَى بيض صيدٍ، أو كسره، فعليه قيمته يتصدّق به؛ وذلك لأنّ الصحابة حكموا في بيض النعامة بقيمته؛ ولأنه يُتولّد منه حيوانٌ ممتنعٌ كالفرخ.
قال: وإن كان في البيضة فرخٌ ميت، فعليه الجزاء كأنّه قتله حيًا، يُؤخذ له في ذلك بالثقة؛ وذلك لأنه يحتمل أن يكون مات بكسره، ويحتمل أن يكون مات قبل ذلك، وضمان الصيد يُعتبر فيه الاحتياط.
стр. 1270
١٠٩٨ - فَصْل: [الضمان في القتل بالسبب]
وما قتله بسببٍ، فإن كان متعدّيًا فيه، أو مُريدًا للصيد، ضمن، وإن لم يكن أراد الصيد، فلا شيء عليه.
والأول: مثل من نصب شبكةً للصيد، أو حفر له بئرًا.
والثاني: كمن حفر [تنورًا] (١) ليخبز فيه، أو ضرب فُسْطاطًا لنفسه، فتعقّل الصيد به؛ وذلك لأنّ التلف بالسبب يختلف بالتعدّي وغير التعدّي، بدلالة من حفر بئرًا في الطريق، فوقع فيها آدميٌّ، ضمن ديته، ولو حفر بئرًا في داره، لم يضمن.
١٠٩٩ - فَصْل: [مُحْرِم فِي مِلْكه صيد]
قال: وإذا أحرم فـ[ليس] عليه أن يخرج من الصيد الذي في ملكه شيئًا؛ إلا ما كان ممسكًا له بيده، والكلام في هذه المسألة يقع في أنّ مَن أحرم وفي ملكه صيدٌ، لم يزل ملكه عنه، وقال الشافعي: يزول ملكه عنه.
لنا: أنّها حرمةٌ تمنع قتل الصيد، ولا تنافي بقاء مِلْكِه، كدخول الحرم.
وإذا ثبت أنه على ملكه، قلنا: ما كان في يده فعليه إرساله؛ لأنّه مُوقعٌ للفعل فيه، والإحرام يمنع من إيقاع الفعل في الصيد، وأمّا ما كان في بيته، فلا يلزمه إرساله، وقال الشافعي: إن لم يرسله فمات، ضمن الجزاء (٢).
لنا: أنّ ما ملكه قبل الإحرام، لا يلزمه إزالة اليد الحُكمية عنه، كما لا يؤكل من الصيد.
стр. 1271
قال: فإن أحرم وهو مُمسكٌ الصيد، فلم يُرسله حتى هلك الصيد في يده، وهو محرمٌ أو حلالٌ، فعليه الجزاء؛ وذلك لأنّه وجب إرساله، فإذا تلف قبل الإرسال، ضمن قيمته، كما لو اصطاد في حال الإحرام.
١١٠٠ - فَصْل: [ضمانُ مُرْسِل الصيد]
قال: فإن أرسله مُرسلٌ من يده، ضمن عند أبي حنيفة قيمته، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يضمن.
وجه قوله: أنّه صيدٌ مملوكٌ، فإذا أتلفه على مالكه، ضمن الجزاء (١)، كما قبل الإحرام.
وجه قولهما: أنَّ الإرسال [قد] وجب [عليه] لحقّ الله تعالى وتعيّن، فمن فعله لم يضمن، كمن ذبح أضحيّة غيره.
١١٠١ - فَصْل: [الضمان في مرسل الصيد لمحرم صاده]
وإذا اصطاد المحرم صيدًا، فأرسله محرمٌ من يده، فلا شيء على المُرْسِل؛ [وذلك] لأنّ المحرم لم يملك الصيد بالاصطياد؛ لأنه منهيٌّ عن جهة التملّك، فلم يملك بها، كالبيع الفاسد، فإذا أرسله مُرسلٌ من يده، فلم يُتلف عليه ملكًا له، فلا يضمن.
فأما إذا قتله في يده، فعلى المحرم الجزاء، ويرجع [بذلك] على القاتل، وقال زفر: لا يرجع.
стр. 1272
لنا: أنه قرَّر عليه ضمانًا كان يقدر أن يتخلّص منه بالإرسال، فصار كمن أتلف العين المغصوبة في يد الغاصب.
لزفر (١): أنّ المحرم لا يملك الصيد بالضمان، فلا يرجع بما غرم على غيره.
١١٠٢ - فَصْل: [الضمان في حلْب الصيد]
وإذا حلب المحرم صيدًا، فعليه ما نقص الحلب الصيد؛ وذلك لأنه لو أتلفه ضمن، فإذا أدخل فيه نقصًا ضمن، كالصيد المملوك.
١١٠٣ - فَصْل: [الجزاءُ في جُرْحِ الصيد]
ولو جرحه جرحًا يخرجه من [حكم] الصيد، ويكون غير ممتنعٍ، مثل قطع رجل الظبي، وجناح الطير، فعليه [جميع] الجزاء؛ لأنه أخرجه من حيِّز الامتناع، فصار متلفًا له، فضمن؛ ولأنه أبطل [جميع] منفعة جنسه، فلزمته قيمته، كمن قطع قوائم فرس [الغير] (٢).
١١٠٤ - فَصْل: [الضمان بعد زوال النقص الحاصل بالصيد]
وإن نتف ريش طيرٍ (٣) صيدًا، أو قَلع سنّ ظبيٍ، فخرج، فعاد إلى ما كان، أو ضرب عين ظبي فابيضّت، ثم ارتفع البياض، قال أبو حنيفة: في سنّ الظبي ليس فيه شيء إذا نبت، ولم يحك عنه في عينه شئٌ، وقال أبو يوسف عليه صدقةٌ.
لأبى حنيفة: أنّ الضمان وجب بالنقص، وقد زال النقص، فزال ما تعلّق به
стр. 1273
من الضمان، كمن قلع سنّ ظبي لم يثغر، فنبت.
وجه قول أبي يوسف: أنّه أدخل عليه ألمًا بالجناية، فيلزمه ضمان الألم.
١١٠٥ - فَصْل: [الاحتياط في ضمان الصيد]
فإن ضرب (١) المحرم بطن ظبيةٍ، فألقت جنينًا ميتًا، ثم ماتت، فعليه قيمتهما جميعًا، يؤخذ له في ذلك بالثقة؛ وذلك لأنه يحتمل أن يكون تلف بفعله، ويحتمل أن يكون تلف بنفسه، وضمان الصيد إذا تردّد، اعتُبر فيه الاحتياط.
قال محمد: وإن قتل ظبيةً حاملًا، فعليه قيمتها حاملًا؛ لأنّ الحمل صفةٌ فيها، فهو كحُسنها وسِمَنِها.
١١٠٦ - فَصْل: [التداخل في الجزاء]
ولو أصاب المحرم صيدًا كثيرًا على وجه الإحلال والرفض، فعليه جزاءٌ واحدٌ؛ لأنه وقع على جهةٍ واحدةٍ، فصار كالوطء الواحد.
١١٠٧ - فَصْل: [اشتراك المُحْرِمَيْن في صيد]
وإذا قتل المُحْرِمان صيدًا، فعلى كلّ واحدٍ منهما جزاءٌ كاملٌ، وقال الشافعي: [عليهما] جزاءٌ واحدٌ.
لنا: أنها كفَّارةٌ تجب بالقتل، فوجب على كلّ واحدٍ من المشتركين بكمالها، ككفارة الآدميّ.
стр. 1274
١١٠٨ - فَصْل: [أكْلُ ذَبْح المحرم من الصيد]
ولا يؤكل ما ذبح المُحْرِم من الصيد، وهو بمنزلة الميتة، وكذلك ما ذبحه الحلال في الحرم، وقال الشافعي: يحلّ ما ذبحه المحرم لغيره.
لنا: أنّه ليس للذابح أكله بحالٍ من غير ضرورةٍ، فلا يجوز لغيره. أصله: ذبيحة المجوسيّ؛ ولأنّ الإباحة أحد موجبي الرمي إلى الصيد، فلا تثبت برمي المحرم (١)، كالملك.
١١٠٩ - فَصْل: [أكل الصائد من الصيد المقتول بعد أداء الجزاء]
قال أبو حنيفة: إذا أدَّى المُحْرِم الجزاء، ثم أكل من الصيد المقتول، وجب عليه إخراج قيمة ما أكل، وَقال أبو يوسف ومحمد: لا شيء عليه، وبه قال الشافعي (٢).
وجه قول أبي حنيفة: أنّ تناوله محرَّمٌ لحرمة الإحرام؛ بدلالة أنّه لو ذبحه قبل الإحرام، حلّ [له]، وما مُنع من أكله لحرمة الإحرام، تعلّق به الجزاء كالطعام إذا غلب عليه الطيب؛ ولأنّه استعجل ما أخره الله تعالى عنه بفعلٍ محظورٍ، فكان المقتول كالميت من وجهٍ، وكالحيّ من وجهٍ، ألا ترى أنّ من قتل أباه لم يرثه، وحلّت ديونه عليه، ومن قتلت مولاها ولها منه ولدٌ، عتقت [عليه]؛ فدلّ على أنّ المقتول [في حكم] الحيّ من وجهٍ، و [في حكم] الميت من وجهٍ، وما تردد من السقوط والوجوب في حقّ المحرم، غلب الوجوب، كما لو ضرب بطن ظبية فألقت جنينًا ميتًا، أو كسر بيضةً، فوجد فيها فرخًا ميتًا.
стр. 1275
وعلى الشافعي: أنّ كلّ ما لو انفصل من الصيد حال حياته بفعله، ضمن بالجزاء، فإذا انفصل بعد الذبح [بفعله]، جاز أن يضمن بالجزاء، كالجنين إذا انفصل حيًّا بعد الذبح.
وجه قولهما: أنّ ذبيحة المحرم ميتةٌ، وأكل الميتة لا يتعلّق به الجزاء؛ ولأنّه لو أحرقه، أو أطعمه كلابه، لم يضمن، فكذلك إذا أكله كغير الصيد.
فأمّا إذا أكل من المذبوح قبل أداء الجزاء، فلا رواية في هذه المسألة، ويجوز أن يقال: يجب (١) فيه الجزاء، مضافًا إلى جزاء القتل، ويجوز أن يقال: إنهما يتداخلان.
١١١٠ - فَصْل: [أَكْلُ المُحرم لحم الصيد]
وقد قال أصحابنا: إنّ المحرم يجوز له أكل لحم الصيد إذا لم يكن له فيه صنعٌ؛ لما روي أنّ النبي ﷺ قال: "لا بأس بأكل المحرم لحم الصيد، ما لم يَصِدْه، أو يُصَدْ له" (٢).
وروي أنّه لما انتهى إلى الرَّوحاء، رأى حمار وحشٍ عقير (٣)، فبادر إليه أصحابه، فقال: "دعوه حتى يجيء صاحبه"، فجاء رجل من بهز، فقال: هذه رميتي، وهي لك يا رسول الله، فأمر أبا بكر ﵁، فقسمها بين الناس (٤).
стр. 1276
والذي رُوي أنّ رجلاً أهدى إلى النبي ﷺ [رجل] حمار وحش وهو محرمٌ، فردّها وقال: "ما بنا ردُّ عليك، ولكنا حُرمٌ" (١)، فقد قيل: أنه أهدى إليه [رجُلٌ] حمار وحش، وإنما صحَّف الراوي.
١١١١ - فَصْل: [الحلال اصطاد للمحرم ولم يأمره]
وقد قال أصحابنا في الحلال إذا اصطاد صيدًا للمحرم، لم يأمره: حلّ للمحرم أكله، وقال الشافعي: لا يحلّ (٢).
لنا: أنّه صيدٌ مذكى لم يوجد من المُحْرِم فيه ولا في سَببه صُنعٌ، فيحلّ له أكله، كما لو صاده الحلال لنفسه.
فأمّا قوله ﵊:"لا بأس بلحم الصيد ما لم تصيدوا أو يُصد لكم" (٣)، فاللام للتمليك، ولا يكون الصيد لغير الصائد إلَّا إذا أمر الحلال (٤) بالاصطياد، وعندنا: المحرم إذا أمر الحلال بالاصطياد، لم يحلّ [له].
стр. 1277
بَابْ: قتل الصيد في الحرم
قال أصحابنا: لا يحل قتل صيود الحرم، إلَّا ما استثناه رسول الله ﷺ .
والأصل فى ذلك: قوله ﵊: "إنّ مكة حرامٌ، حرمها الله تعالى، لم تحلّ لأحدٍ قبلي، ولا تحلّ لأحدٍ بعدي، وإنما حلّت لي ساعةً من نهار، لا يختلى خلاؤها، ولا يُعضد شوكها (١)، ولا يُنفّر صيدها" (٢)
وقالوا: في الحلال إذا قتل صيد الحرم، وجب عليه الجزاء، وقال نفاة القياس: لا شيء عليه.
لنا: أنّه صيدٌ مُنع من إتلافه لحقّ الله تعالى، فوجب بقتله الجزاء كحال الإحرام؛ ولأنّ الله تعالى: قال: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، يقال: أحرم الرجل إذا دخل الحرم، كما يقال: أنجد الرجل إذا دخل النجد، وهذه المسألة باتفاق السلف ومن بعدهم من الفقهاء، فلا يعتدّ بخلاف من خالف فيها.
١١١٢ - فَصْل: [كيفية الجزاء في صيد الحرم]
وأمَّا كيفيَّة الجزاء، فإن الإطعام يجزئ في صيد الحرم، ولا يجزئ الصوم،
стр. 1278
وفي الهدي روايتان، وقال زفر: يجزئ فيه الصوم، وبه قال الشافعي (١).
لنا: أنّه ضمانٌ وجب لمعنى في غير القاتل، فلا يجزئ فيه الصوم، أصله: إذا قتل صيد الآدميّ؛ ولأنه نوع ضمانٍ يتبعّض، فلا يجزئ فيه الصوم، كإتلاف مال الآدميّ.
وجه قول زفر: أنّ ضمان الصيد لحقّ الله تعالى، كحال الإحرام.
فأمَّا الهدي، فقال في إحدى الروايتين: لا يجوز؛ لأنّ هذا الضمان أُجري مجرى ضمان الأموال، فلا [يجزئ] (٢) فيه الهدي؛ إلا أن تكون قيمته مذبوحًا مثل قيمة الصيد، فيجزئ عن الإطعام.
وقال في الرواية الأخرى: يجوز؛ لأنه أخذ شبهًا من أصلين: من ضمان الأموال؛ [لما بيّنا]، ومن ضمان الإحرام؛ لأنه يجب لحق الله تعالى، فألحقناه بالأصلين، فلم يجز الصوم اعتبارًا بالأموال، فجوّزنا الهدي اعتبارًا بحال الإحرام.
١١١٣ - فَصْل: [الجزاء في قتل المحرم صيد الحرم]
وإذا قتل المحرم صيدًا في الحرم، فعليه ما على المحرم، وليس عليه للحرم (٣) شيءٌ، وهذا استحسانٌ.
والقياس: أن يلزمه كفارتان؛ لأنّ كلّ واحدةٍ من الحرمتين لو انفردت، أوجبت الكفارة، فصار كالقارن.
стр. 1279
وجه الاستحسان: أنّ حرمة الإحرام أقوى من حرمة الحرم، ألا ترى أن جميع البقاع في حقّ المُحرم كالحرم؛ ولأنّ الإحرام يحرّم الصيد وغيره، والحرم لا يحرم إلا الصيد، وما يمنع [منه] لأجله (١) وهو الحشيش الذي يرعاه، (والشجر الذي ينبت بنفسه، لينتفع بورقه) (٢)؛ ولأنّ حرمة الإحرام تستدعي حرمة الحرم؛ لأنّ المحرم لا بدّ له من دخوله، وحرمة الحرم لا تستدعي الإحرام، وإذا كانت حرمة الإحرام أقوى [من حرمة الحرم]، تبعتها حرمة الحرم.
وليس كذلك القِرَان؛ لأنّ الحج والعمرة كلّ واحدٍ منهما يحرم ما يحرمه الآخر، فلم يتبعه؛ ولأنّ ضمان القتل يتعلّق بحرمة البقعة إذا لم يتعلّق بالقاتل، ألا ترى أنّ من قُتل في المِصْر، فعُرف قاتله، لم يلزم أهل المحلّة شيءٌ، ولو لم يُعرف ضمنوا، فكذلك في مسألتنا: المُحرِم ممّن تعلّق [به] الضمان بفعله لمعنى فيه، فسقطت حرمة البقعة في حقه، والحلال لا يتعلّق به حكم الضمان، فجاز أن يتعلّق به حرمة البقعة.
١١١٤ - فَصْل: [الاشتراكُ في قتلِ صَيْدِ الحَرَم]
وإذا اشترك حلالان في قتل صيدٍ في الحرم، فعلى كلّ واحدٍ منهما نصف قيمته، وإن كانوا أكثر من ذلك، فالضمان (٣) على عددهم؛ لما بيّنا: أنّ ضمان الصيد لحرمة الحرم، أُجري مجرى ضمان الأموال، وذلك يتبعَّضُ.
فإن اشترك محرمٌ وحلالٌ، فعلى المحرم جميعُ القيمة، وعلى الحلال
стр. 1280
النصف؛ لأن المحرم لا يتبعّض ضمانه، والحلال يتبعّض، فصار المحرم [كالمحرم يشاركه المحرم، وصار الحلال] كالحلال يشاركه الحلال.
وكذلك المحرم إذا شارك عددًا [آخر] من المُحلِّين، فاقسم الضمان على عددهم لو لم يكن فيهم مُحرِمٌ، وأسقط حصة المُحرِم، وأوجِب عليهم ما بقي، واجعل على المُحرِم ضمانًا كاملًا.
وكذلك إن كان القاتل مع الحلال لا من يجب عليه الجزاء: من كافرٍ، أو صبيٍّ، أوجبت على الحلال بقدر ما [يخصه] (١) من القيمة إذا قُسِّمت على العدد؛ لأنّ الكافر والصبي لا يلزمهما حقوق الله تعالى، والضمان يتبعّض، فصار في حقّ المسلم البالغ كمشاركة من يلزمه الضمان.
١١١٥ - فَصْل: [صاد حلال في الحرم فقتله في يده حلالٌ آخر]
فإن صاد حلالٌ في الحرم صيدًا، فقتله في [يده] (٢) حلالٌ آخر، فعلى الذي كان في يده جزاءٌ كاملٌ، وعلى القاتل جزاءٌ كاملٌ، ويرجع الذي كان في يده على الذي قتله بما غرمه.
أمّا القاتل؛ فلأنه أتلف صيدًا في الحرم، وأما الصائد؛ فلأنّ الضمان وجب عليه بصيده، وإنما يسقط عنه بالإرسال، وقد تعذّر الإرسال، فصار كما لو (٣) مات في يده.
وليس كذلك المغصوب إذا أتلفه متلفٌ في يد الغاصب؛ لأنّ المالك لا
стр. 1281
يستحقّ عوضًا عن ملكه أكثر من بدلٍ واحدٍ، فكان له أن يطالب به أيهما شاء، وأمّا العوض في حقّ الله تعالى، فهو عبادةٌ، فيجوز أن يجب على كلّ واحدٍ من المكلفين.
وأمّا الرجوع على القاتل، فهو ظاهرٌ على أصل أبي حنيفة؛ لأنه قرر عليه ضمانًا كان يقدر على أن يتخلّص منه بالإرسال.
فأمَّا على قولهما؛ فلأن صيد الحرم أُجري مجرى ضمان الأموال، فإذا ضمنه الصائد، رجع به على القاتل، كالغاصب.
وليس كذلك الضمان [في حقّ المحرم] لحرمة الإحرام؛ لأنّ المحرم لا يتملّك الصيد بالضمان، فلا يرجع بما غرم.
١١١٦ - فَصْل: [دِلالة الحَلال على صَيْدٍ في الحَرَم]
وإذا دلّ حلالٌ حلالًا على صيد في الحرم، أو دلّ محرمًا، فلا شيء على الدال في قول أبي حنيفة وأبي يوسف (١)، وقد أساء وأثم، وقال زفر: على الدالّ الجزاء، وكذلك على المُشير والآمر، وقد روي عن أبي يوسف مثل قول زفر.
وجه قولهما: أنّ ضمان الصيد لحرمة الحرم أُجري مجرى [ضمان] الأموال بدلالة أنه ممنوعٌ منه لمعنى في غير القاتل، والأموال لا تُضمن بالدلالة.
وجه قول زفر: أنه سببٌ لتحريم الاصطياد فيتعلق بالدلالة الضمان، كالإحرام.
فأمّا الإساءة والإثم؛ فلأنها دلالةٌ على مُحرَّم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا
стр. 1282
تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
١١١٧ - فَصْل: [قَطْعُ شجر الحرم مما لا ينبته الناس]
ومن قطع شجرةً من شجر الحرم ممّا لا ينبته الناس، أو احتشّ حشيشًا، فعليه قيمة ذلك، يتصدّق به إذا كان نباته بنفسه، إلا الإذخر (١)
والأصل في تحريم شجر الحرم و نباته: وقوله ﷺ : "لا يختلى خلاها، ولا يُعضد شوكها"، والدليل على وجوب الجزاء فيها: أنه مُنع من إتلافه لحرمة الحرم، كالصيد؛ ولأنّ عمر ﵁ قطع شجرة في المسجد كانت تؤذي الطائف، وافتدى، وهذا بحضرة الصحابة (٢).
فأمّا الممنوع من إتلافه: فالنبات على وجهين: ما كان [ممّا] ينبته الناس، فلا ضمان في قطعه؛ لأنّ الناس يزرعون في الحرم ويحصدون من لدن رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا من غير نكيرٍ.
وأما ما لا ينبته الناس، فهو على وجهين: إن أنبته منبتٌ، فلا ضمان في قطعه لحرمة الحرم؛ لأنّه ملكه بالإنبات، فصار كما ينبته الناس.
وما كان ممّا لا ينبته الناس إذا نبت بنفسه، فهو المحظور وفيه الجزاء.
وقد قالوا: فيمن نبت في أرضه أم غيلان (٣)، فقطعها قاطع: ضمن قيمتها
стр. 1283
لحرمة الحرم، وقيمةً أخرى لصاحب الأرض؛ لأنّها ممّا لا ينبته الناس، وقد نبتت بنفسها، فوجب جزاؤها، وهي ملك لصاحب الأرض فوجبت قيمتها.
وأمّا الإِذخِر، فقد استثناه رسول الله ﷺ لما قال: "لا يُختلى خلالها، ولا يُعضد شوكها"، قال العباس ﵁: إلا الإذخر، يا رسول الله! فإنه متاع أهل مكة لحيهم وميتهم [وقَيْنِهِم] (١)، فقال ﵊: "إلا الإذخر" (٢).
وقد قيل في ذلك تأويلان: أحدهما: يجوز أن يكون النبي ﷺ أراد أن يستثني الإذخر لو لم يقل ذلك العباس، وإنما سبق العباس بالكلام، فتمّم رسول الله ﷺ كلامه.
وقيل: لا يمتنع أن يكون الله تعالى أمره أن يحرِّم حشيش الحرم؛ إلا أن يستثني العباس شيئًا، فيستثنيه.
١١١٨ - فَصْل: [أَخْذُ كَمْأَةِ الحرم]
قال: ولا بأس بأخذ كَمْأَة (٣) الحرم، وما يجف من شجره (٤).
أمّا الكمأة، فليست بنباتٍ، وإنّما هي مودعةٌ في الأرض، وأمّا ما جفّ من الشجر؛ فلأنه خرج من حيِّز النماء، فلا يمنع منه
стр. 1284
١١١٩ - فَصْل: [أصل الشجرة في الحَرَمِ وفروعها في الحِلِّ]
قال: وإذا كان أصل الشجرة في الحرم، وفروعها في الحلّ، أو كان بعض أصلها في الحلّ، وبعضه في الحرم، فهي من شجر الحرم؛ وذلك لأنّ المعتبر بأصل الشجرة، وفروعها تابعةٌ لها، فإن كان الأصل في الحلّ، فهي من شجر الحلّ وإن عرّشت في الحرم، وإن كان أصلها في الحرم، فهي من شجر الحرم وإن عرّشت في الحلّ، وإن كان بعض أصلها في الحلّ، (وبعضها في الحرم) (١)، فقد اجتمع فيها حكم الحظر والإباحة، فالحكم للحظر.
وقد قالوا في الشجرة التي أصلها في الحلّ، وفروعها في الحرم: إن قطع أغصانها لم يضمن؛ لِمَا قدّمنا أنّها من شجر الحلّ، فإن رمى طائرًا على أغصانها، ضمن؛ لأن المعتبر بمكان الصيد، لا بأصل الشجرة، والصيد في الحرم.
ونظير هذا ما قالوا في الصيد إذا كانت قوائمه أو بعضها في الحرم، ورأسه في الحلّ: فهو [من] صيد الحرم؛ لأنه مستقرٌّ فيه، وإن كانت قوائمه في الحلّ ورأسه في الحرم يرعى (٢)، فهو من صيد الحلّ؛ لأنه مستقرٌّ فيه، وهذا إذا كان قائمًا.
فأمّا إذا نام، فجعل قوائمه في الحل، ورأسه في الحرم، فهو من صيد الحرم؛ لأنه ليس بمستقرٍّ على قوائمه، فيُعتبر موضعها، وإنّما هو بمنزلة شيءٍ ملقي اجتمع فيه الحلّ والحرم.
стр. 1285
١١٢٠ - فَصْل: [رَعْيُ حَشِيْشِ الحَرَم]
قال أبو حنيفة ومحمد: لا يُحتشّ حشيش الحرم، ولا يُرعى، وقال أبو يوسف: لا بأس بأن يُرعى.
لهما (١): أنّ ما مُنع من إتلافه، منع من إرسال البهيمة عليه، كالصيد.
لأبي يوسف (٢): أنّ الهدايا تحمل إلى الحرم في سائر الأعصار، ومعلومٌ أنها لا تحفظ من الرعي [منه].
قال هشام قلت لمحمد: "لا يُختلى خلاها" ما معناه (٣)؟ قال: كلّ شيء يقتلعه (٤) ليس على ساقٍ، وهذا صحيحٌ، والمرجع في ذلك إلى [أهل] اللغة.
١١٢١ - فَصْل: [ما يَجِبَ بِإدخال صيد من الحِلّ إلى الحرم]
قال أصحابنا: إذا أدخل صيدًا من الحلّ إلى الحرم، وجب إرساله، ولم يجز بيعه، فإن ذبحه فعليه الجزاء، وقال الشافعي: يجوز بيعه (٥).
لنا: أنّ ما منع من ابتداء الاصطياد، منع من قتل الصيد بكل وجهٍ، كالإحرام.
١١٢٢ - فَصْل: [إرسال كلبٍ من الحِلِّ على صيد في الحِلِّ فيأخذه في الحرم]
وقد قالوا: إنّ من أرسل كلبًا في الحلّ على صيدٍ في الحلّ، فاتّبعه الكلب،
стр. 1286
فأخذه في الحرم، لم يكن على المُرْسِل شيءٌ، ولا يؤكل (١).
قال [الشيخ]﵁: وجملة هذا: أنّ حرمة الحرم إذا لم تثبت للمرسل، ولا للصيد، ولا للرامي (٢)، ولا للصائد (٣)، فلا جزاء؛ وذلك لأنّ الحرمة لم تتعلّق بواحدٍ منهم، وهذا المعنى موجودٌ في مسألتنا، وإنما حرَّموا الأكل؛ لأنّ فعل الكلب [ذكاةٌ، وقد حصلت في الحرم، ولو حصل ذلك بفعل آدميٍّ لم يجز الأكل، ففعل الكلب] لا يكون أكثر من ذلك.
ولو رمى رجلٌ في الحل صيدًا في الحلّ، فنفر الصيد، فوقع [به] السهم في الحرم، كان عليه الجزاء، قال: وهو قول أبي حنيفة فيما أعلم، قال الحسن: ولا يؤكل.
وهذه المسألة مستثناةٌ من أصل أبي حنيفة؛ لأن المعتبر عنده في الرمي بحال الرمي، دون حال الإصابة في جميع المسائل، إلا في هذه المسألة احتياطًا للصيد؛ لأنّ ضمانه إذا اجتمع فيه الموجب والمسقط، كان الحكم للموجب.
وقالوا: فيمن أرسل على ذئبٍ في الحرم، أو نصب له شركًا، فوقع فيه صيدٌ، لم يكن عليه كفارةٌ؛ لأنه غير متعدٍّ في السبب.
وقالوا: فيمن أخرج ظبيًا من الحرم وغرم، جزاءها، ثم ولدت وماتت ومات أولادها، لم يضمن؛ لأنها مما تملك بالضمان في الحلّ، فصار كالمضمون بحقّ الآدميّ.
стр. 1287
وقال ابن سماعة عن محمد: في رجلٍ أخرج صيْدًا من الحرم إلى الحلّ، فذبحه قبل أن يجزيه، أو بعد ذلك، فإني أكره هذا الصنع، وليس بحرامٍ [عليه]، وأَحبُّ إليّ أن يتنزَّه عن أكله، وإن باعه واستعان بثمنه في جزائه، كان ذلك له.
وكذلك أكره أن يتعمّد قطع شجر الحرم، فينتفع به، ولو قطعه غيرُهُ واشتراه من القاطع (١)، لم أكره الانتفاع به؛ وذلك لأنّ إباحة هذا الفعل يؤدّي إلى استئصال [شجر الحرم] (٢) وصيده، وذلك لا يجوز، فأمّا غير الآخذ، فلا يكره له؛ لأنه تناوله بعد انقطاع النماء عنه.
وقد قال أبو حنيفة: لا بأس بإخراج حجارة الحرم وترابه إلى الحلّ، وقد روي عن ابن عباس وابن عمر كراهة ذلك (٣)، وإنما لم يمنع منه؛ لأن ما جاز إتلافه في الحرم، لم يمنع من إخراجه منه، كغير الحجارة، وما منع من [إتلافه منع من إخراجه] (٤) كالصيد، ولم يجعل ما رُوِيَ عنهما إجماعًا؛ لأنّ الناس يخرجون القدور من مكّة لدن رسول الله ﷺ ، ولم ينكر [ذلك أحد من الصحابة ﵃ أجمعين] (٥)(٦).
стр. 1288
بَابْ: الرجل يحج عن غيره
قال [الشيخ]﵁: العبادات على ضربين: ماليةٌ، وبدنيةٌ.
فالمالية: يجوز النيابة فيها، كأداء الصدقات؛ لأنّ العبادة فيها إخراج المال، وذلك يستوي فيه المتصدّق وغيره.
وأمّا البدنيّة: فهي على وجهين: منها ما لا تعلّق له بالمال، كالصلاة والصوم [والجهاد]، ولا يجوز النيابة فيه؛ لأنّ العبادة تختصّ بالبدن، وذلك لا يوجد في فعل غير المتعبّد.
فأمّا عبادات الأبدان التي لها تعلّق بالمال كالحج، فلا يجوز النيابة فيها مع القدرة على فعلها ووجوبها؛ لأنّ الفرض يتعلّق بالبدن، والمال شرطٌ [فيه]، فاعتبر حكم الفرض دون الشرط.
وأمّا العاجز عن الحج بنفسه، فيجوز أن يستنيب فيه؛ لأنّ الفرض سقط عن بدنه وتعلّق بماله، فصار كالزكاة.
وأمَّا الجهاد، فلا يجوز النيابة فيه بحالٍ؛ لأنّ كلّ مسلمٍ حضر الواقعة وجب عليه فرض الجهاد، فما يفعله يقع عن فرضه، ولا يقع عن غيره.
والأصل في جواز الحج عن الغير: ما روي في حديث الخثعمية أنها قالت للنبي ﷺ : إن فريضة الله تعالى في الحج أدركت أبي وهو شيخٌ كبير لا يستطيع
стр. 1289
الثبوت على راحلته، أفأحجّ عنه؟ قال: "حجي عن أبيك واعتمري" (١)، وظاهر رواية الأصل يقتضي أنّ النيابة في الحجّ جائزةٌ.
وروي عن محمد أنّـ[ـه قال]: الحج يقع عن الحاج، والمحجوج عنه يلحقه أجر النفقة.
وجه الرواية المشهورة: قوله ﵊: "حجي عن أبيك"؛ ولأنّ الحاجّ لا بدّ أن ينوي الحج (٢) عن المحجوج عنه، ولو كان الحج لا يقع عنه، لم يحتج إلى [نيّته] (٣).
وجه قول محمد: أنّ الحاج يلزمه كفارة الإحرام دون المحجوج عنه، فدلّ على أنّ الإحرام وقع عنه؛ ولأنّه إذا فسد الحجّ، وجب عليه القضاء، ولو لم يكن محرمًا عن نفسه لم يلزمه القضاء؛ ولأنّها عبادةٌ بدنيَّةٌ، فلا تصحّ النيابة فيها، كالجهاد والصوم.
١١٢٣ - فَصْل: [الحالات التي تجوز فيها النيابة]
قال أبو الحسن: ومن قدِرَ على الحجّ ببدنه دون ماله، أو بهما جميعًا، لم يجز أن يحج عنه غيره.
أما القادر ببدنه: فهو الفقيرٌ، والحجّ عنه إنما يكون بالمال، ولا مال له يتعلّق الفرض به.
стр. 1290
وأمّا الصحيح الواجد للمال، فالفرض متعلّقٌ ببدنه، فلا يجوز أن ينوب عنه غيره فيه.
فأمّا العاجز عن الحج ببدنه، فيجوز أن يحجّ عنه غيره؛ لحديث الخثعمية، وهو على وجهين: إن كان العجز عن الحج عجزًا [مستمرًا] لا يزول، مثل الزمانة والعمى على قول أبي حنيفة، فقد وقع الحج عنه غير مراعًى؛ لأنّ المعنى المجوِّز للنيابة لا يزول.
وأمَّا إذا كان [المانع] (١) ممّا يُرجَا زواله، كالمرض والحبس، فالحجّ مراعًى: إن دام العجز إلى الموت، حكمنا بوقوعه موقع الفرض؛ لأنّه لم يقدر على غيره، وإن زال العجز، وجب عليه الحجّ؛ لأن الفرض تعلّق ببدنه، والمفعول كان فرضًا فى ماله، فلا ينوب مناب عبادة البدن.
قال: فإن أحجّ الصحيح رجلًا عن نفسه، ثم عجز، لم يجزئه الحج؛ لأنه أداء لم يتعلّق به الجواز (٢) في حال الأداء، فصار كمن تيمّم مع [وجود] الماء، ثم عدم الماء.
١١٢٤ - فَصْل: [الوَصِيَّةُ بالحَجِّ]
قال: ومن مات وعليه فرض الحج، فأوصى أن يُحَجّ عنه، حُجّ عنه من بلده بقدر حجَّةِ مثله، وهو وصيّةٌ من الثلث، وإذا لم يوص لم يلزم الوارث أن يحجّ عنه، وهذا على أصلنا: أنّ الحج وسائر العبادات تسقط بالموت، وقال
стр. 1291
الشافعي: لا تسقط (١).
لنا: أنّها عبادةٌ وجبت عليه في حال حياته، فسقطت عنه بموته كالصلاة؛ ولأنّ أداء العبادة عن الإنسان لا يجوز إلا بأمره كحال الحياة.
وإنّما قلنا: إنّه يجب عليه الوصية بها؛ لأنّ الفرض عند العجز يتعلّق بالمال، فكان عليه أن يوصي به.
وإنّما كان من الثلث؛ لأنّ ما وجب عليه إخراجه بالوصية، كان من الثلث كالصدقات.
وإنّما وجب عليه (٢) أن يحجّ عنه من بلده؛ لأنّ الوصية تنصرف إلى ما افترضه الله تعالى عليه، وأصل الفرض كان [عليه] من بلده.
قال: فإن أحبَّ الوارث أن يحجّ عنه [بنفسه] حجّ، وأرجو أن يجزئه ذلك إن شاء الله ؛ وذلك لما روي: أنّ سعدًا قال للنبي ﷺ : أمِّي ماتت (٣)، وإنها كانت تحب الصدقة، أفأتصدق عنها؟ فقال: "تصدق" (٤)، فدلّ على أن فعل الوارث في القُربِ يقوم مقام فعلِ المُورِّثِ.
وروي أنّ رجلًا جاء إلى النبي ﷺ فقال: إن أمي ماتت ولم تحج، أفأحج عنها؟ قال: "نعم" (٥).
стр. 1292
فأمّا قول أبي حنيفة: يجزئه عنه إن شاء الله ، فيحتمل أنّما قال ذلك؛ لأنّ هذا الخبر من أخبار الآحاد (١)، فلم يقطع حتى يعلم أنّ الفرض سقط؛ فلذلك علّق الإجزاء بالمشيئة.
ولا يجوز أن يقال: فسائر الأحكام الثابتة بخبر الواحد، لا يُستثنى فيها.
قلنا: إنّ الواجب علينا العمل، وذلك لازمٌ بطريقٍ معلومٍ عند وجود الخبر، فأمّا سقوط الفرض عن الميت، فليس طريقه العمل، وإنما طريقه العلم، فلا يثبت بخبر الواحد.
١١٢٥ - فَصْل: [الحج عن الميت من بلده]
قال: ويحجّ عن الميت إذا أوصى بحجّةٍ من بلده الذي يسكنه، وكذلك إن كان مقيمًا في بلدٍ آخر (٢) أقرب إلى مكة أو أبعد، فقد بيّنا: أنّ الوصية تنصرف إلى فرض الله تعالى، وهو الحجّ من بلده.
وأمّا إذا خرج من بلده إلى بلد أقرب إلى مكة، فإن كان خرج لغير الحجّ، حجّ من بلده في قولهم جميعًا؛ لأنّ ذلك السفر لم يكن للقربة، فلا يعتدّ به.
وأمّا إذا خرج للحجّ، فمات في بعض الطريق، وأوصى أن يُحجّ عنه، قال أبو حنيفة: يُحجّ عنه من بلده، وقالا: من حيث بلغ.
لأبي حنيفة (٣): أنّ ذلك السفر لمّا لم يتصل بأداء الحج، خرج من أن يكون
стр. 1293
فرضًا، فصار كسفر التجارة؛ ولأنّ الوصية تنصرف إلى فرض الحج في الأصل، أصله: إذا مات في بلده.
لهما (١): أنّ ذلك السفر تعلّق به حكم القربة، فسقط فرضه، ولم يبق إلا ما بقي إلى مكة.
وقد [قالا] (٢): فيمن خرج إلى الحجّ، فمات في سنته، يُحجّ عنه من حيث بلغ؛ لأنّ ذلك السفر وقع للحجّ الذي قصده، فإن أقام في بعض البلاد حتى دارت السنة، ثم مات وقد أوصى، حُجّ عنه من بلده؛ لأنّ ذلك السفر لم يصل به إلى الحجّ الذي سافر لها، فلم يعتدّ به.
١١٢٦ - فَصْل: [إنفاذ الوصيّة]
قال: فإن أوصى أن يُحجّ عنه من غير بلده، حُجّ عنه كما أوصى، قَرُبَ من مكة، أو بَعُدَ؛ لأنّه إذا لم يوص بشيءٍ، لم يجب عليهم، فإذا أوصى، وجب مقدار ما أوصى به.
١١٢٧ - فَصْل: [الوصيةُ بالحَجِّ عنه بمبلغ مُسَمَّى]
وإذا أوصى أن يُحجّ عنه بمالٍ سمّى مبلغه [فمات]، فإن كان ذلك يبلغ أن يُحجّ [به] عنه من بلده، حُجّ عنه من بلده، وإلا بلده، وإلا حُجّ [عنه] من حيث يبلغ؛ [وذلك لما بيّنا أنّ الوصية تنصرف إلى الفرض في الأصل إذا أمكن [ذلك]،
стр. 1294
فإذا لم تبلغ] النفقة فالقياس: أن تبطل الوصية؛ لأنه لا يمكن تنفيذها على ما قصده الموصي.
فاستحسنوا: أن يُحجّ (١) من حيث يبلغ؛ لأنّ الوصية بالحج لا يمكن أن تستغرق المقدار المسمى، ألا ترى أنّه لا بدّ أن يفضل مع الحاجّ ما يردّه، (قليلٌ أو كثيرٌ) (٢)، وإذا لم يختصّ بالمبلغ المسمَّى، جاز تنفيذها على كلّ وجهٍ أمكن، فكان أولى من إبطالها.
وليس كذلك إذا أوصى بعتق نسمةٍ، فلم يبلغ الثلث؛ وذلك لأنّ الوصية إذا تعلّقت في [العتق] (٣) بمبلغٍ أمكن أن يستغرق، لم يجز تنفيذ الوصية بغير ما سمَّى.
١١٢٨ - فَصْل: [الوَصِيَّةُ بالحَجِّ بثُلُث ماله]
وإن قال: حجُّوا عني بثلث مالي، وثلث ماله بلغ حِجَجًا، حُجّ عنه حِجَجٌ: إن شاء الوصي أحج عنه في سنةٍ واحدةٍ الحجج كلها، وإن شاء في كلّ عامٍ واحدةً، وتعجيل ذلك في سنةٍ [واحدةٍ] أفضل؛ لأنّه لما قال: حجّوا [عنّي] بثلث مالي، وهو يبلغ حججًا، فكأنه قال: اصرفوا ثلث مالي في هذا النوع من القُرْبَة، فيُفعَل ما قال.
والأفضل أن يُفعَل في سنةٍ واحدةٍ؛ لأنّ تعجيل تنفيذ الوصية أولى من تأخيرها.
стр. 1295
١١٢٩ - فَصْل: [للمُوصِي بالحَجِّ وَطَنان]
[قال]: وإذا كان للموصي وطنان، فأوصى أن يُحجّ عنه، حُجَّ عنه من أقرب الوطنين إلى مكة؛ لأنّا تيقنّا دخول الأقرب في الوصية، ولم نتيقّن دخول الأبعد، فوجب تنفيذ ما تيقنّاه.
وقال هشام عن أبي يوسف: في مكيٍّ قدمَ الرّيّ (١)، فحضره الموت، فأوصى بحجّةٍ (٢)، قال: يُحجّ عنه من مكة؛ وذلك لأنّ الوصية تنصرف إلى ما فرض الله تعالى [عليه]، والفرض وجب عليه من وطنه.
قال: فإن أوصى أن يُقرن عنه، قُرِن من حيث مات (٣)؛ لأنّ القرآن لا يصحّ من مكة، فوجب حمل الوصية على ما يصحّ، وهو القِران من حيث مات.
وقال ابن رستم عن محمد: في خراسانيٍّ مات بمكة، فأوصى أن يُحجّ عنه، حُجّ عنه من خراسان؛ لما بيَّنا: أنّ وصيَّته تنصرف إلى ما فرض الله تعالى عليه في الأصل.
١١٣٠ - فَصْل: [الوَصِيُّ أَحَجَّ عن المُوصِيْ من غَيرِ بَلَده]
قال: فإذا وجب عليه أن يحجّ عنه في المسائل التي قدّمنا، فأحجّ عنه الوصي من غير بلده، فإن كان ذلك المكان على مقدارٍ من المصر يبلغ إليه ويرجع
стр. 1296
إلى المصر قبل الليل حتى يأويه الليل في منزله، جاز ذلك، وشبّهوه بصَرصَر (١) من بغداد؛ وذلك لأنّ المسافة بين المصر وسواده، لا يعتدّ بها، فصار كمن مات في محلّةٍ، فأحجّوا عنه من محلّةٍ أخرى.
١١٣١ - فَصْل: [ما فضل من المال بعد الحج]
وما فضل في يد الحاج عن الميت بعد النفقة في ذهابه ورجوعه، فإنّه يردّه على الورثة، ولا يسيغه أن يأخذ ما فضل من ذلك في يده؛ [وذلك] لأنّ الاستئجار على الحجّ عندنا لا يجوز، وإنما ينفق الحاجّ على حكم ملك الميت فيما يحتاج إليه للحجّ والرجوع، فما بقي بعد ذلك فهو على حكم ملك الميت، لم يؤذن [له] في إنفاقه، فيرجع إلى الورثة.
والدليل على أنّ الاستئجار على الحجّ لا يجوز - خلاف ما قاله الشافعي -: أنّ الحج من شرطه أن يكون قُربةً لفاعله، فلا يجوز الإجارة عليه، كالصوم والصلاة.
١١٣٢ - فَصْل: [حجّ من لم يحج عن نفسه عن الميت]
قال: وإن حجّ عن ميتٍ من لم يحجّ، أجزأه، ومن قد حجّ أفضل، وقال الشافعي: لا يجوز للصرورة (٢) أن يحجّ عن غيره.
стр. 1297
لنا: قوله ﷺ للخثعميَّة: "حجّي عن أبيك"، ولم يسألها عن الحجّ عن نفسها؛ ولأنّه ممّن يصحّ أن يحجّ عن نفسه، فجاز أن يحجّ عن غيره، كمن قد حجّ؛ ولأنّ كل عبادةٍ جاز للحرّ النيابة فيها، جاز للعبد النيابة، كأداء الزكاة (١).
وإنّما قلنا: إنّ الأفضل أن يُحِجّوا من قد حجّ؛ لأنّ الإنسان إذا حصل بمكة، أُمر بأن يؤدي فرائض نفسه، وكُرِه أن يقدِّم على ذلك غيره، فإذا حجّ حجًا مكروهًا، كان (٢) غيره أفضل (٣).
وقد قال أصحابنا: [إنَّ] مَنْ لم يحجّ حجّة الإسلام، فحجّ نافلةً جاز، وقال الشافعي: يقع عن الفريضة (٤).
لنا: أنّ الحج عبادةٌ يجوز تأخير فعلها عن أول وقتها، فجاز [نفلها] قبل فرضها، كالصلاة.
قال: وإن أحجّوا امرأةً عن رجل، جاز، وقد أساؤوا.
أمّا الجواز؛ فلقوله ﷺ للخثعمية: "حُجّي عن أبيك"؛ ولأنّ ما جاز للرجال النيابة فيه، جاز للمرأة، وأمّا الكراهة؛ فلأنّ حجّها أنقص، ألا ترى أنّها لا ترمل في الطواف، ولا تسعى في بطن الوادي، ولا تحلق.
стр. 1298
قال: وإن أحجّوا [عنه] عبدًا أو أمةً بإذن المولى، جاز وقد أساؤوا، وقد دلَّلنا على جوازه، وأمّا الإساءة؛ فلأنّ العبد لا يصحّ أن يؤدي الفرض عن نفسه، فيكره له أن يؤديه عن غيره.
١١٣٣ - فَصْل: [الوَصِيَّة بالحجِّ عنهُ وله مَالٌ]
[قال]: وإذا أوصى رجلٌ أن يُحَجّ عنه، وله مالٌ، فتطوّع رجلٌ بحجٍّ عنه، لم يجزِ عنه حتى يحجّ بماله، وكذلك لو تطوّع بالحج عنه وارثٌ، وكذلك الذي لا يقدر على الحج لِكِبَرٍ إذا حجّ عنه [غيره] بغير أمره؛ وذلك لأنّ الفرض تعلّق بماله، فإذا تطوّع بالحج عنه، فلم يؤد فرضه (١)؛ ولأنّ على أصل محمد: أنّ الذي يلحق المحجوج عنه ثوابُ النفقة، فإذا لم ينفق ماله، لم يحصل المقصود بالوصية.
١١٣٤ - فَصْل: [عدم البلوغ بوصيّة الحج بالمال المسمى]
قال هشام عن محمد: في رجلٍ أوصى أن يُحَجّ عنه بمالٍ مُسمَّى، فلم يبلغ ما أوصى به أن يُحجّ به عنه إلا ماشيًا، فقال رجل: إني أحجّ [عنه] من بلده ماشيًا، قال محمد: لا يجزئه، ولكنه يُحجّ عنه من حيث يبلغ راكبًا، وقال الحسن على أثر حكاية أبي حنيفة: إن أحجّوا عنه من بلده ماشيًا، جاز، وإن أحجّوا من حيث يبلغ راكبًا جاز.
والكلام في هذه المسألة يقع في أنّ الموصي بالحجّ إذا اتسعت نفقته للراكب، فأحجوا عنه ماشيًا، لم يجز؛ لأنّ الوصية تنصرف إلى [ما] فرض الله
стр. 1299
تعالى عليه، والفرض إنما وجب بوجود الزاد (١) والراحلة، فكأنه سمَّى ذلك، وقال: أحجّوا عني راكبًا، فلا يجوز ماشيًا.
فإذا ثبت هذا قلنا: إذا أمكن الحج عنه راكبًا من بعض الطريق، لم يحجّوا عنه ماشيًا؛ لأنّ الوصية لم تتعلّق بذلك.
وجه رواية الحسن: أنّ الفرض متعلّقٌ بحجّ الراكب، وبالحجّ من بلده، ولا يمكن تحصيل الأمرين، وفي كلّ واحد منهما نقصٌ من وجهٍ، وكمالٌ من وجهٍ، فإن أحجوا [عنه] من بلده، استوفوا المسافة، وقصَّروا في الصفة، وإن أحجّوا من حيث يبلغ راكبًا (٢)، تركوا المسافة، واستوفوا الصفة، فكانوا بالخيار في ذلك.
١١٣٥ - فَصْل: [الدماء المتعلقة بالإحرام عن الغير]
وإذا حجّ الرجل عن غيره، فما أصاب في إحرامه ممّا يوجب الدم أو غير ذلك، فهو على الحاجّ، ودم القران عليه إذا قرن عن الميت بأمره (٣).
وقد قالوا: إنّ جميع الدماء المتعلّقة بالإحرام في مال الحاج، إلا دم الإحصار خاصّةً، فإنه في مال المحجوج عنه.
أمّا ما وجب بالجنايات؛ فلأنه تعلّق بفعله، وما تعلّق بجناية الإنسان فهو في ماله؛ ولأنّه أذن له في الحج، ولم يأذن [له] في أسباب الكفّارة، فلم تلزمه.
стр. 1300
وأمّا دم القران؛ فلأنّه وجب للجمع بين الإحرامين، والجمع حصل بفعل الحاج، فصار كدم الجناية الواجب بفعله.
وأمّا دم الإحصار؛ فلأنّه يجب بالتخلّص من مشقة السفر، فهو كنفقة الرجوع.
١١٣٦ - فَصْل: [حصول الجماع من الحاج عن الغير]
فإن جامع الحاجّ عن غيره قبل الوقوف بعرفة، فسد حجّه، ويمضي فيه، والنفقة في ماله، ويضمن ما أنفق من مال المحجوج عنه قبل ذلك، ويقضي الحاجّ من مال نفسه حجةً وعمرةً؛ وذلك لأنّه أمره بحجٍ صحيحٍ، فإذا أفسده فقد خالف الآمر، فصار متصرّفًا لنفسه، والحاجّ عن نفسه يضمن ما أنفقه من مال غيره، ويجب عليه القضاء على ما بيّنا.
قال: فإن فاته الحجّ، صنع كما يصنع الذي يفوته الحجّ، ولا يضمن النفقة؛ لأنه لم يوجد منه المخالفة، والفوات بغير فعله، فلا يلزمه الضمان. وعليه في نفسه الحجّ (١) من قابلٍ؛ لأنّ الحجة لزمته بالدخول، فلمّا فاتت لزمه القضاء، وهذا ظاهرٌ على قول محمد: أنّ الحجّة تقع عن الحاجّ.
وقد قالوا: فيمن حجّ عن غيره، فمرض في الطريق، لم يجز أن يدفع النفقة إلى من يحجّ عن الميت، إلا أن يكون أذن له في ذلك؛ لأنهم أمروه بالحج، ولم يأمروه بالأمر، فلم يجز تصرّفه في غير ما أُذِن له فيه.
وقد قالوا: في الميت إذا لم تبلغ وصيته للحجّ من بلده، حُجّ عنه من حيث تبلغ، فالحيّ إذا أَمر أن يُحَجّ عنه بمبلغٍ، ولم تبلغ النفقة من بلده، لم يُحَجّ عنه